على الحكمين ان يرفعا تقريرهما الى المحكمة مشتملاً على الأسباب التي بنى عليها فإن لم يتفقا بعثتهما مع ثالث له خبرة بالحال وقدرة على الإصلاح وحلفته اليمين المبينة فى المادة (8) وإذا إختلفوا أو لم يقدموا تقريرهم فى الميعاد المحدد سارت المحكمة فى الإثبات.
على الحكمين ان يرفعا تقريرهما الى المحكمة مشتملاً على الأسباب التي بنى عليها فإن لم يتفقا بعثتهما مع ثالث له خبرة بالحال وقدرة على الإصلاح وحلفته اليمين المبينة فى المادة (8) وإذا إختلفوا أو لم يقدموا تقريرهم فى الميعاد المحدد سارت المحكمة فى الإثبات.
وإن عجزت المحكمة عن التوفيق بين الزوجين وتبين لها إستحالة العشرة بينهما وأصرت الزوجة على الطلاق قضت المحكمة بالتطليق بينهما بطلقة بائنة مع إسقاط حقوق الزوجة المالية كلها أو بعضها وألزمت بالتعويض المناسب إن كان لذلك كله مقتض .
موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول
المذكرة الإيضاحية
الأصل في جواز التطليق للضرر قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ..) (من الآية رقم 35 من سورة النساء).
فقد فهم بعض الصحابة أن حق الحكمين مطلق في الإصلاح أو التفريق وأن على القاضي أن يقضي بما يريانه ومن هؤلاء علي بن أبي طالب وعبد الله ابن عباس ولم يعرف لهما مخالف، وهو يتفق مع المأثور من أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم إذ قال (لا ضرر ولا ضرار) كما يتفق كذلك مع وصايا القرآن الكريم في مثل قوله تعالى ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (من الآية رقم ۲۲۹ من سورة البقرة) وإذا فات الإمساك بالمعروف تعين التسريح بالإحسان.
موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الثاني،
كما جاء بتقرير اللجنة المشتركة بمجلس الشعب عن القرار بقانون رقم 44 لسنة ۱۹۷۹ ما يأتي:
وكان نص المادة «۱۰» للمرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ قبل تعديله يترك للقاضى إذا إختلف الحكمان في أمر الزوجين أمرهما بمعاودة البحث، فإذا استمر الخلاف بين الزوجين حكم القاضي غيرهما وكان في ذلك تعطيل كبير إذ بعد طول المدة التي إستغرقها الحكمان، يبدأ حكمان جديدان في مباشرة المهمة منذ البداية حيث لم يدرسا أسباب النزاع من قبل».
كما جاء بالتقرير:
وغني عن البيان أن أسأس نظام التحكيم بين الزوجين هو قوله تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا ).
وليس في الآية الكريمة ما يفيد حصر العدد باثنين بل المقصود هو تحقيق وجود تمثيل لأهل كل من الطرفين إذا كان الحكمان من أهلهما ولا يوجد ما يمنع شرعاً من تعدد الحكام أي أكثر من إثنين أو بعث حكم واحد في بعض الأراء أو بعث حكم ثالث كما نحي إلى ذلك القرار بقانون».
وفي هذا جاء بالمذكرة الإيضاحية للإقتراح بمشروع القانون 100 لسنة 1985 أنه :
وتفادياً لإطالة أمد التقاضي عند إختلاف الحكمين إقترح المشروع تعيين حكم ثالث تبعثه المحكمة مع الحكمين وتقضي بما يتفقون عليه أو برأي الأكثرية وعند إختلافهم في الرأي أو عدم تقديم التقرير في الميعاد تسير المحكمة في الإثبات وتقضي وفق التفصيل الموضح في المادة ۱۱».
1- المقرر في قضاء محكمة النقض – أن دعوى الطاعنة تختلف في موضوعها وسببها عن دعوى التطليق للضرر – لوجود عيب " عنه " وفقاً لنص المادتين 9 ، 11 من القانون رقم 25 لسنة 1929 بأحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية وإذ تقوم الأولى على إخلال الزوجة بواجب الإقامة المشتركة والقرار في منزل الزوجية بينما تقوم الثانية على إدعاء الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بينهما ، وان النشوز ليس بمانع – بفرض حصوله – من نظر دعوى التطليق والفصل فيها لاختلاف المناط في كل منها .
( الطعن رقم 193 لسنة 74 ق - جلسة 12 / 3 / 2005 )
2- إذ كان الحكم الابتدائى المؤيد بالحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بتطليق المطعون ضدها على الطاعن طلقة أولى رجعية على ما استخلصه من بينتها الشرعية الصحيحة من أنه ليس له مال ظاهر يمكن التنفيذ عليه حال القضاء لها بنفقة عليه ، وهى أسباب سائغة لها أصلها الثابت بالأوراق وتؤدى إلى النتيجة التى انتهى إليها الحكم ، فإن الحكم المطعون فيه وإن أقام قضاءه بتأييد الحكم الابتدائى على ما استخلصه من أوراق الدعوى من اقتران الطاعن بأخرى وهو سبب جديد طرح لأول مرة أمام محكمة الاستئناف إلا أنه لم يطبق أحكام المادة 11 مكرر من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 فى شأن اقتران الزوج على زوجته بأخرى وهى تقضى فى حالة ثبوتها بتطليق الزوجة على زوجها طلقة بائنة ، بينما اقتصر قضاؤه على تأييد الحكم الابتدائى فيما انتهى إليه من قضاء صحيح بتطليق المطعون ضدها على الطاعن طلقة أولى رجعية ، فإن ما أورده الحكم المطعون فيه بأسبابه فى هذا الشأن لا يعدو أن يكون تقريراً قانونياً خاطئاً لم يؤثر فى النتيجة الصحيحة التى انتهى إليها لمحكمة النقض أن تقومه ولا تنقضه ، ومن ثم فإن هذا النعى أياً كان وجه الرأى فيه يكون غير منتج .
(الطعن رقم 557 لسنة 72 جلسة 2004/04/10 س 55 ع 1 ص 400 ق 73)
3- مفاد النص فى المادة السادسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية يدل على أن من حق الزوجة أن ترفع دعوى جديدة تطلب فيها التطليق لذات السبب وهو الضرر، على أن تستند فى ذلك إلى وقائع مغايرة لتلك التي رفعت الدعوى الأولى على أساسها، كما يحق لها أن ترفع دعواها بالتطليق عن هذه الواقعة الجديدة لتدفع عن نفسها الضرر الذي أدعت وقوعه أثناء قيام الحياة الزوجية دون أن يلزم لذلك أن تكون مقيمة مع زوجها، لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أورد فى أسبابه أن المراد بتكرار الشكوى المنصوص عليها فى المادة السادسة أن تعود العلاقة الزوجية حقيقة أو حكما بين الزوجين ويستأنفا معا حياتهما من جديد وشرط ذلك رفض الدعوى الأولى بنفي الضرر من الزوج على زوجته ويلزم أن يكون الضرر الذي تدعيه الزوجة مستندا إلى وقائع جديدة غير الوقائع التي أقامت دعواها الأولى على أساسها ولا تستطيع الزوجة إثبات الضرر الواقع عليها من زوجها فى الدعوى الثانية. وإذ كان ما تقدم وكانت المستأنف ضدها لم تقدم دليلا على أنها قد تلاقت مع المستأنف بعد الحكم فى قضية الطلاق الأولى مما يكون معه لم يتلاقيا حقيقة أو حكما ومن ثم لا يجوز بعث حكمين لرفض الدعوى. وانتهى الحكم المطعون فيه إلى أن الحكم المستأنف وقد خالف هذا النظر يكون معيباً ويتعين القضاء بإلغائه ورفض الدعوى. لما كان ذلك، وكان بعث الحكمين من إجراءات التقاضي المتعلقة بالنظام العام وكان الحكم المطعون فيه قد انتهى فى قضائه إلى عدم جواز بعث الحكمين فى حالة رفع دعوى التطليق الثانية بعد رفض دعوى التطليق الأولى وحدوث وقائع ضرر جديدة إلا إذا قدمت الزوجة دليلا على تلاقيها مع زوجها حقيقة أو حكما بما يخالف ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة السالف الإشارة إليه وهو ما يعيبه بالقصور فى التسبيب الذي جره إلى الخطأ فى تطبيق القانون بما يوجب نقضه.
(الطعن رقم 115 لسنة 70 جلسة 2002/10/26 س 53 ع 2 ص 1011 ق 196)
4- مؤدي نصوص المواد الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشرة مكرراً ثانياً من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 أنه إذا طلبت الزوجة التطليق من خلال اعتراضها على دعوة زوجها لها للدخول فى طاعته تعين على المحكمة التدخل بين الزوجين لإنهاء النزاع صلحاً . فإن استبان لها أن الخلاف بينهما مستحكم اتخذت إجراءات التحكيم، فإذا اتفق الحكمان علي التفريق فعلى المحكمة أن تقضي بما قرراه، وإن اختلفا فطلق أحدهما ولم يطلق الآخر فلايكون هناك فراق، بل يتعين على المحكمة أن تبعث معهما بثالث له خبرة بالحال وقدرة على الإصلاح بعد أن تحلفه اليمين . لما كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق أن المطعون ضدها طلبت التطليق من خلال دعواها بالاعتراض على إنذار الطاعة فندبت محكمة أول درجة حكمين لإنهاء الشقاق بين الزوجين فاختلفا فطلق أحدهما ولم يطلق الآخر، فكان يتعين على المحكمة أن تبعث معهما حكماً ثالثاً، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر، بقضائه بتأييد الحكم الابتدائي بالتطليق دون ندب حكم ثالث فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .
(الطعن رقم 395 لسنة 65 جلسة 2000/02/21 س 51 ع 1 ص 339 ق 61)
5- النص فى المادة 11 من القانون رقم 25 لسنة 1929 المعدلة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 علي أنه "علي الحكمين أن يرفعا تقريرهما إلي المحكمة مشتملاً علي الأسباب التي بني عليها، فإن لم يتفقا بعثتهما مع ثالث له خبرة بالحال وقدرة علي الإصلاح وحلفته اليمين المبينة فى المادة (8) وإذا اختلفوا أو لم يقدموا تقريرهم فى الميعاد سارت المحكمة فى الإثبات ..." مما مفاده أنه إذا لم يتفق الحكمان فى حالات التطليق التي يتعين فيها ندب حكمين، فعلي المحكمة أن تبعث بثالث معهما ممن له خبرة بحال الزوجين والقدرة علي التوفيق بينهما، وعلي الحكام الثلاثة أن يباشروا مهمتهم مجتمعين تحقيقاً للهدف الذي بعثتهم المحكمة من أجله لمحاولة الإصلاح وإزالة أسباب الشقاق بين الزوجين وهو ما لا يتوافر إذا قام الحكم بذلك وحده، ذلك بأن النص لم يطلق ندب حكم ثالث دون قيد، بل قرن هذا الندب بأنه مع "الحكمين السابق بعثهما" هذا فضلاً عن أن الحكام طريقهم الحكم لا الشهادة أو الوكالة علي ما جري به قضاء هذه المحكمة - ولا يصح التحكيم إذا لم يلتق الحكام، فإذا اختلف الحكام الثلاثة، أو لم يقدموا تقريرهم للمحكمة، أو قدم كل منهم تقريراً منفرداً، أو شاب تقريرهم البطلان لخلوه من الأسباب التي بني عليها، فعندئذ يجب علي المحكمة أن تسير فى الإثبات بتحقيق الدعوى وفقاً للمنهج الشرعي؛ لما كان ذلك، وكان الثابت من الأوراق أن الحكم الثالث قدم تقريراً منفرداً وتضمن هذا التقرير أنه لم يلتق بحكم الزوج بما مؤداه أن التحكيم لم يتم وفقاً للقانون، فكان علي المحكمة أن تسير فى إجراءات الإثبات، وإذ عول الحكم المطعون فيه فى قضائه علي تقرير الحكم الثالث، فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .
(الطعن رقم 223 لسنة 65 جلسة 2000/01/31 س 51 ع 1 ص 255 ق 43)
6- لما كانت قواعد التحكيم الواردة فى المواد من 7 إلى 11 من المرسوم بقانون رقم 25لسنه 1929 - سواء قبل تعديلها بالقانون رقم 100 لسنة 1985 أو بعد هذا التعديل - قد أخذت من مذهب الأمام مالك ، فإنه يجب الرجوع إلى هذا المذهب فى بيان الشروط الواجب توافرها فى الحكام فيما لم يرد به نص صريح فى المواد المشار إليها وإذ كان هذا المذهب يشترط الذكورة فى الحكام على اعتبار أن طريقهم هو الحكم وليس الشهادة أو الوكالة فتبين الالتزام بهذا الشرط وإن لم يرد به نص صريح فى المادة السابعة بعد تعديلها بالقانون السالف الذكر، لما كان ذلك وكانت المحكمة لم تلتزم بهذا الشرط فيمن بعثتهم حكاما فى الدعوى بأن كان من بينهم إمرأة مما يبطل التقرير المقدم منهم وإذ عول الحكم المطعون فيه على التقرير واتخذ منه سندا لقضائه فيما هو معروض عليه بخصوص إسقاط حقوق الطاعنة المالية وإلزامها بأن تدفع للمطعون ضده تعويضاً مقداره ألفى جنيه فإنه بدوره يكون باطلاً .
(الطعن رقم 98 لسنة 60 جلسة 1993/07/27 س 44 ع 2 ص 878 ق 282)
7- لما كان الثابت بالأوراق أن المطعون ضدها التطليق على الطاعن للضرر فى صحيفة إفتتاح الدعوى التى أعترضت فيها كذلك على دعوته لها للدخول فى طاعنة وكان طلب التطليق على هذا النحو لا يخضع لحكم المادة 11 مكرراً ثانياً المشار إليها وإنما تحكمه المادة السادسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ، وكان مفاد هذه المادة - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أنه كى يحكم القاضى بالتطليق يتعين أن يكون الضرر والأذى واقعاً من الزوج دون الزوجة ، وكان الحكم المطعون فيه لم يعن ببحث توافر هذا الشرط للحكم بالتطليق وإستند إلى تقرير الحكمين فى غير الحالات التى يتعين الحكم فيها بمقتضاه ورغم خلوه من الدليل على قيام الشرط المذكور ، فإنه يكون فى قضائه بتطليق المطعون ضدها قد عابه الخطأ فى تطبيق القانون والفساد فى الإستدلال و القصور فى التسبيب .
(الطعن رقم 131 لسنة 57 جلسة 1989/06/20 س 40 ع 2 ص 626 ق 266)
8- النص فى الفقرة الخامسة من المادة 11 مكرراً ثانيا وفى الفقرة الاولى من المادة 11 من القانون 25 لسنة 1929 يدل على أنة اذا طلبت الزوجة التطليق من خلال دعواها بالاعتراض على دعوة زوجها لها للعودة الى منزل الزوجية تعين على المحكمة - بعد أن يتضح لها عند التدخل بين الزوجين لانهاء النزاع صلحا أن الخلاف مستحكم أن تتخذ إجراءات التحكيم، فاذا اتفق الحكمان على التطليق ورفعا تقريرهما اليها قضت بما قرراه دون معارضه أو مناقضه، لما كان ذلك ، وكان الثابت أن دعوى الطاعنة بالتطليق جاءت من خلال اعتراضها على انذارى دعوتها للعودة لمنزل الزوجية، واتخذت المحكمة الاستئنافية - ومن قبلها محكمة أول درجة - إجراءات التحكيم فاتفق الحكمان على استحكام الخلاف واستحالة العشرة بين الزوجية بما لالازمه أن تحكم المحكمة بما ارتأه من التفريق بينهما ، واذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى بالغاء الحكم .
(الطعن رقم 77 لسنة 56 جلسة 1988/11/29 س 39 ع 2 ص 1260 ق 215)
9- النص فى المادة الثامنة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 بأن " على الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين و يبذلا جهدهما فى الإصلاح فإن أمكن على طريقة معينة قرارها " وفى المادة التاسعة بأنه " إذا عجز الحكمان عن الإصلاح و كانت الإساءة من الزوج أو منها أو جهل الحال قررا التفريق بطلقة بائنة " وفى المادة الحادية عشرة بأنه " على الحكمين أن يرفعا إلى القاضى ما يقررانه وعلى القاضى أن يحكم بمقتضاه " يدل - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - على أن المشرع خول الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين و يبذلا جهدهما فى الإصلاح فإن أمكن على طريقة معينة قرراها ، وإذا عحزا عن الإصلاح وكانت الإساءة من الزوج أو من الزوجين معاً أو جهل الحال بأن غم عليهما سوياً الوقوف على أى من الزوجين كانت منه الإساءة قرراً التفريق بينهما بطلقة بائنة ، أما إذا كانت الإساءة من الزوجة دون الزوج فلا يكون هناك تفريق تجنباً - طبقاً لما جاء بالمذكرة الإيضاحية - لأسباب إغراء الزوجة المشاكسة على فصم عرى الزوجية بلا مبرر . وهذه الأحكام - فيما عدا كون الإساءة من الزوجة - مستمدة من فقه المالكية و من المنصوص عليه فيه أنه إذا إتفق الحكمان على رأى رفعاه إلى القاضى الذى عليه أن ينفذ ما قرراه دون معارضة أو مناقصة ولو كان حكمهما مخالفاً لمذهبه .
(الطعن رقم 17 لسنة 42 جلسة 1975/11/26 س 26 ص 1499 ق 281)
10- مفاد نص المادة السادسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 أنه إذا كررت الزوجة شكواها طالبة التطليق لإضرار الزوج بها بعد رفض طلبها بالتفريق ولم تثبت ما تشكو منه ، فإنه يتعين أن يبعث القاضى حكمين على النحو المبين بالمواد من 7 إلى 11 من القانون المذكور ، وهو حكم مأخوذ من مذهب الإمام مالك فى أحكام الشقاق بين الزوجين . ولما كان الثابت أن المطعون عليها أقامت دعواها الأولى طالبة التطليق للضرر ، وقضى برفضهاَ نهائياً لعجزها عن الإثبات ثم أقامت دعواها الحالية بنفس الطلبات وقضى فيها إبتدائيا بالتطليق ، ولما كانت محكمة الإستئناف بعد أن ألغت حكم محكمة أول درجة بالتطليق - لعدم الإطمئنان إلى أقوال شهود المطعون عليها - قد مضت فى نظر الدعوى وقضت ببعث الحكمين تطبيقاً لماَ يوجبه القانون على النحو سالف البيان ، النعى على الحكم يكون فى غير محله .
(الطعن رقم 46 لسنة 40 جلسة 1974/02/20 س 25 ع 1 ص 379 ق 63)
11- مؤدى نصوص المواد الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشر من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 أن المشروع خول الحكمين أن يتعرفاَ أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلاَ جهدهماَ فى الإصلاح فإن أمكن على طريقة معينة قرارها وإذا عجزاَ عن الإصلاح وكانت الإساءة من الزوج أو الزوجين معاً أو جهل الحال ولم يعرف من أى جانب كانت الإساءة قررا التفريق بينهماَ بطلقة بائنة ، وإذا إختلف الحكمان أمرهماَ القاضى بمعاودة البحث ، فإن إستمر الخلاف بينهما حكم غيرهما ، وعلى الحكمين أن يرفعاَ إلى القاضى ما يقرران ، وعلى القاضى أن يحكم بمقتضاه . وهذه الأحكام مستمدة من فقه المالكية ، ومن المنصوص عليه فيه أن الحكمين طريقهماَ الحكم لا الشهادة ولا الوكالة ولو كان من جهة الزوجين لأن الحكم فى اللغة هو الحاكم ، فإن إتفقاَ الحكمان نفذ حكمهماَ ووجب على الحاكم إمضاؤه من غير تعقيب ولوخالف مذهبه ، وإن إختلفاَ فطلق أحدهماَ ولم يطلق الآخر ، فلا يكون هناك فراق لأن إلى كل واحد منهما ماَ إلى صاحبه بإجتماعهماَ عليه . ولما كان الثابت من الحكم المطعون فيه أن الحكمين الآخرين ، كسابقيهماَ إختلفاَ و لم يقرراَ بجهل الحال ، وكان يتعين أزاء إختلافهماَ أن تكلفهماَ المحكمة بمعاودة البحث تطبيقاً لحكم المادة العاشرة من القانون ، وإذ إستنتج الحكم جهل الحال من إختلاف الحكمين ، وقضى بتطليق المطعون عليها مع أن المشرع ترك للحكمين بجهل الحال وبالتفريق بين الزوجين تبعاً لذلك على أن يحكم القاضى بالتطليق حسبما قراره عملاً بحكم المادتين التاسعة والحادية عشر من القانون لماَ كان ما تقدم فإن الحكم يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .
(الطعن رقم 46 لسنة 40 جلسة 1974/02/20 س 25 ع 1 ص 379 ق 63)
12- النص فى الفقرة الثانية من المادة 11 من القانون رقم 25 لسنة 1929 على أنه " . . . . وإن عجزت المحكمة عن التوفيق بين الزوجين وتبين لها استحالة العشرة بينهما وأصرت الزوجة على الطلاق ، قضت المحكمة بالتطليق بينهما بطلقة بائنه مع اسقاط حقوق الزوجة المالية كلها أو بعضها وإلزامها بالتعويض المناسب إن كان لذلك كله مقتضى - مفاده - أن تقدير مقتضى التعويض متروك لتقدير محكمة الموضوع ، وكان الثابت من الحكم المطعون فيه أنه رفض الطلب الإحتياطى بالتعويض على سند من أن المحكمة لا ترى له مقتضى وهو ما مؤداه إلتفات المحكمة عن المستندات والدلائل التى أثارها الطاعن بسبب النعى للجدل فى سلطة محكمة الموضوع فى تقدير مقتضى التعويض، مما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض.
(الطعن رقم 205 لسنة 59 جلسة 1991/03/05 س 42 ع 1 ص 644 ق 103)
يتناول النص المطروح كما قدمنا في التعليق على المادة العاشرة حالة إختلاف الحكمين سواء في تحديد شخص المسيء من الزوجين أو في إيقاع الطلاق.
أثر نص المادة 19 من القانون 1 لسنة ۲۰۰۰ على نص المادة ۱۱ (الماثلة)
كان النص يلزم الحكمين أن يقدما تقريرهما إلى المحكمة متضمناً أسباب التي بني عليها ولا يلزم في ضوء حكم المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2000 أن يقوم كل محكم بتقديم تقرير واحد بإعتبار أن المسألة لیست مما يتعلق بالنظام العام فضلاً عن أن الغاية تتحقق من الإجراء على نحو يصح به.
وكما يجوز أن يكون تقرير الحكمان كتابياً أيضاً أن يقرأ ما انتهيا إليه شفوياً على أن يثبت بمحضر الجلسة.
فإذا قدم الحكمان تقريرهما منتهيان إلى عدم إتفاقهما على تحديد شخص المسيء أو على إيقاع الطلاق وجب على المحكمة سماع أقوالهما بعد تحليفهما يمين الشهادة.
والجدير بالذكر أن المشرع قد عدل نص المادة محل التعليق بما نص عليه من تنظيم لأمر التحكيم في دعاوى التطليق في المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2000 ، وآية ذلك عدوله عن أمر إنتداب محكم ثالث في هذه الدعاوى أيا ما كانت النتيجة التي ينتهي إليها الحكمان مما مفاده أن المشرع قد إكتفى في هذا الصدد بندب محكمين إثنين فقط دون ثالث إختصاراً للإجراءات التي تمثل الغاية من إصدار القانون رقم 1 لسنة 2000 .
مدى إلتزام المحكمة بنتيجة عمل الحكمين
وقد أباح نص المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2000 في فقرتها الأخيرة للمحكمة أن تقضي في الدعوى إستناداً إلى ما اتفق عليه الحكمان أو بما إنتهى إليه أحدهما أو بغير ذلك مما تستقيه من أوراق الدعوى وما تتخذه فيها من إجراء للإثبات.
والإثبات المقصود لا يتحدد بشكل أو إجراء معين فللمحكمة أن تتخير وسيلة الإثبات التي ترى أنها مؤدية لإظهار الحقيقة، إلا أن العمل قد جرى على قيام المحكمة بإصدار حكم تمهيدي بإحالة الدعوى إلى التحقيق وسماع شهود الطرفين، وأيا كانت النتيجة التي يسفر عنها التحقيق من حيث تحديد شخص المسيء وهل هو الزوج أو الزوجة فليس هناك ما يلزم المحكمة في ظل نص المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2000 - القيام بمحاولة أخرى للتوفيق بين الزوجين على ما هو وارد بالمادة 11 محل التعليق وإكتفاء بما أوجبه نص الفقرة الثالثة من المادة 18 من القانون رقم 1 لسنة 2000 من قيام المحكمة ببذل الجهد لمحاولة الإصلاح بين الزوجين وتكرار ذلك إذا كان لهما ولد وذلك إختصاراً للإجراءات التي هي كما أسلفنا - الهدف والغاية من إصدار القانون 1 لسنة 2000 .
الفصل في أمر الحقوق المالية للزوجة
فإذا إنتهت المحكمة إلى القضاء بالتطليق تعين عليها النظر في أمر الحقوق المالية للزوجة إذا كانت محلاً للمطالبة ضمن الطلبات في الدعوى سواء من المدعية أو المدعى عليه فلها أن تحكم بالتطليق مع إسقاط حقوق الزوجة المالية كلها فإذا ما تبين للمحكمة أن خطأ الزوجة قد بلغ درجة عالية من الفحش ألزمتها المحكمة فوق ذلك أيضاً بتعويض مناسب تدفعه للزوج، وإذا تساوت البينات رجحت بينة الإثبات على بينة النفي طبقاً للقواعد العامة أما إذا ثبت للمحكمة أن الخطأ مشترك بين الزوجين أسقطت المحكمة حقوق الزوجة المالية كلها المترتبة على الزواج والطلاق أو بعض منها كنفقة الزوجية والصداق أو المتعة أو نفقة العدة وهكذا.
والتطليق للشقاق كالتطليق للضرر، تقع به دائماً طلقة بائنة.
ولما كان مؤدی نصوص المواد من 7 إلی ۱۱ وفقاً للقواعد العامة السابقة على صدور القانون رقم 1 لسنة 2000 أن الحكمين طريقهما الحكم وليس الشهادة أو الوكالة إستناداً إلى أحكام فقه الإمام مالك الذي أخذ عنه المشرع قواعد التحكيم المنصوص عليها في المواد المذكورة مما كان مؤداه أنه إذا إتفق الحكمان في الرأي وجب على المحكمة إمضاؤه والأخذ به دون مناقشة حتى ولو إختلف مع ما يثبت في عقيدة المحكمة من قناعة نتيجة فحص أوراق الدعوى، فقد ينتهي الحكمان إلى أن الإساءة من الزوجة وأنها سيئة العشرة ولا هدف لها سوى هدم الأسرة إرضاء لرغبات أو أهداف خاصة لها قد تكون أيضأ غير مشروعة إلا أن نصوص المادتين ۱۰، ۱۱ تلزمهما والمحكمة بالتطليق وإجابة طلب الزوجة مع إمكان النظر في إسقاط بعض أو كل الحقوق المالية لها.
وإذا كانت نصوص القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ المعدل بالقانون رقم ۱۰۰ لسنة 1985 على ذلك النحو تقنن فكرة "الخلع" بطريق غير مباشر إلا أنه في رأينا أن ذلك قد تم على نحو مشوه وممسوخ فقد اقترحتا على اللجنة التشريعية بوزارة العدل والمشكلة بمقتضى قرار وزير العدل المصري رقم 6087 لسنة 1991 والتي قامت بتعديل لائحة ترتیب المحاكم الشرعية الصادر بالمرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 - العدول عن مذهب الإمام مالك في خصوص تقدير القوة الإلزامية لتقارير الحكام في هذا الشأن وإعتبار ما ينتهي إليه الحكمان من رأي في مرتبة تقارير الخبراء أو شهادة الشهود - تكون المحكمة معه بالخيار بين الأخذ به او طرحه وعدم التعويل عليه إعمالاً لقاعدة أنها الخبير الأعلى في الدعوى والتي يستلزم صالح الدعوى وحسن السير فيه إطلاق حريتها في تقدير ما يقدمه إليها المحكمين من نتائج خاصة وأن التجربة العملية التطبيق نصوص المواد من 7 إلى 11 بالمحاكم على مدى العشر سنوات الماضية أثبتت عدم جدوى عمل المحكمين في ردع الزوجة المشاكسة والحيلولة بينها وهدم الأسرة دون سبب خاصة وبعد زواج يكون قد استدام لسنوات طويلة وأثمر أبناءوحفدة، وقد إستجابت اللجنة الموقرة لإقتراحنا وتضمنت المادة 19 من مشروع القانون المشار إليه النص على أنه "في دعاوى التطليق التي يوجب فيها القانون ندب حكمين يجب على كل زوج تسمية الحكم الذي إختاره في الجلسة التالية لقرار المحكمة بوجوب التحكيم، فإن تقاعس أيهما عن تعيين حكمه أو تخلف عن حضور هذه الجلسة عينت المحكمة حكماً عنه، وعلى الحكمين المثول أمام المحكمة في الجلسة التالية لتعيينهما لتقديم رأيهما، ويعتبر تخلف أيهما إخفاقاً لمهمتهما، وتستمر المحكمة في نظر الدعوى طبقاً للأدلة المقدمة فيها، وللمحكمة أن تأخذ بما انتهى إليه الحكمان أو أحدهما من رأي أو بغير ذلك مما استقته من أوراق الدعوى".
وقد استندنا فيما تبيناه من هذا الرأي إلى أحكام مخرجة على مذهب الإمام أبي حنيفة عود إلى الأصل بإعتباره المرجع في الحكم عند عدم وجود نص تشريعي وكذا مذهب الإمام الشافعي وما ذكره الفقية الظاهري ابن حزم في هذا الخصوص يراجع كتاب "المحلي" - ج 10 - ص 87 وما بعدها - المسألة 1921 بأحكام الصلح بين الزوجين.
حدود حق أولياء الزوجة في طلب فسخ عقد الزواج لتضررهم منه
وإذا كانت نصوص المواد من 6 إلى 11 قد تناولت تنظيم أحكام طلب الزوجة للطلاق على الزوج للضرر الواقع منه عليها فإنه يتعين التقرير في هذا المقام بحق أولياء الزوجة في طلب فسخ عقد الزواج إذا ما ثبت وقوع ضرر عليهم بسببه وذلك حال تزوج البالغة العاقلة بدون إذن وليها من غير كفء أو بكفء ولكن بأقل من صداق أمثالها، وقد ذهبت محكمة النقض في حكم حديث لها إلى تأصيل ذلك الحق وتنظير استخدامه وشرائطه وفي ذلك تقول في الطعن رقم 194 لسنة 64 ق جلسة 1998/10/19 "أن الراجح في المذهب الحنفي وفقاً لرأي أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إذا تزوجت المرأة البالغة بدون إذن وليها فإن العقد يكون صحيحة سواء كانت بكر أم ثيب، ويكون نافذة ولازم متى تزوجت كفء على صداق مثلها أو أكثر، رضي الولي أو لم يرضى، إذا تزوجت من غير كفء بمهر المثل أو من كفء على مهر أقل من مهر مثلها، ولم يكن وليها قد رضي بذلك، فالعقد غير لازم بالنسبة لوليها، فله حق الإعتراض على الزواج وطلب فسخه أمام القضاء فإذا أثبت أن زوجها غير كفء لها فيما تعتبر فيه الكفاءة في الزواج من حيث النسب والدين والحرية والمال والحرفة، أو أثبت الولي أن مهرها ينقص عن مهر مثلها بما لا يتغابن فيه الناس، فإنه يقضي بفسخ العقد مراعاة لحق الولي العاصب إلا إذا رضي بالزواج لو لم يعترض عليه حتى ظهر الحمل على الزوجة أو ولدت بالفعل، فعندئذ يسقط حقه في الإعتراض لأجل المحافظة على الولد حتى لا يضيع بالتفريق بين والديه، ولا يكون له حق الإعتراض إذا أكمل الزوج . الكفء المهر إلى مهر المثل بعد العقد".
ومما يتصل بما تتناوله المادة محل التعليق من إسقاط الحقوق الزوجة مقابل تطليقها على الزوج بيان الحكم فيما يعرض على المحاكم من دعاوى تقيمها الزوجة بطلب تطليقها على الزوج في مقابل إستعدادها رضاءاً في أداء عوض له نظير طلاقه لها، أو الدعوى التي يقيمها الزوج بإثبات طلاقه لزوجته نظير عوض اتفقا عليه معها. (موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ، الصفحة : 419)
رفع الحكمين تقريرهما إلى المحكمة:
إذا إنتهى الحكمان من مأموريتهما وإتفقا على رأي إما بالإصلاح بين الزوجين وعودة العشرة الزوجية بينهما بالمعروف، أو بتطليق الزوجة نظير بدل وبدون بدل على النحو الوارد بفقرات المادة الأربع، تعين عليهما إثبات ذلك في تقرير يوقع عليه منهما ويرفعانه إلى المحكمة. .
وقد نصت الفقرة الأولى من المادة (۱۱) على أن يرفع التقرير إلى المحكمة مشتملاً على الأسباب التي بني عليها، وذلك لتكون المحكمة على بينة من سلامة وعدالة ما انتهيا إليه بشأن أسباب الشقاق بين الزوجين ومدى إمكان حسن العشرة بينهما.
وهذا يقتضي من الحكمين أن يذكرا ما استندا إليه من الوقائع التي تدل على حصول الإساءة من جانب الزوج أو جانب الزوجة أو منهما معا ومدى الإساءة من جانب كل منهما، أو سبب جهل الحال.
وإذا لم يشتمل تقرير الحكمين على الأسباب التي بني عليها، أو كانت هذه الأسباب قاصرة لا تؤدى إلى النتيجة التي خلصا إليها، كان التقرير باطلاً، ولا يجوز للمحكمة القضاء بموجبه، وإلا كان حكمها باطلاً، أما إذا لم يتفق الحكمان على رأي فإنهما يقدمان مذكرة تتضمن ذلك، أو يمثلان أمام المحكمة ويقرران بذلك.
القضاء برأي الحكمين:
المقرر في المذهب المالكي - المصدر التشريعي لقواعد التحكيم - أنه إذا إتفق الحكمان على رأي نفذ حكمهما ووجب على القاضى إمضاؤه دون تعقيب ولو كان مخالفاً لمذهبه لأن الحكمين طريقهما الحكم لا الشهادة ولا الوكالة .
ومقتضى ذلك أن القاضي يحكم بما إتفق عليه الحكمان في تقريرهما، فإذا إتفقا على الإصلاح بين الزوجين وعودة العشرة بينهما بالمعروف كان علی المحكمة القضاء برفض طلب التطليق، ودعوى الإعتراض على إنذار الطاعة والإعتداد به. وإذا إتفقا على التطليق ببدل أو دون بدل كان عليها أن تقضي بذلك، فلا يجوز لها إن اتفق الحكمان على الطلاق أن تقضي برفض طلب التطليق، أو إذا اتفقا على بدل معين أن تعدل فيه بالزيادة أو النقصان.
وكانت المادة العاشرة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ قبل تعديلها بالقرار بقانون رقم 44 لسنة ۱۹۷۹ والقانون رقم ۱۰۰ لسنة 1985 تنص على ذلك صراحة إذ جرى نصها على أن:
على الحكمين أن يرفعا إلى القاضي ما يقرانه وعلى القاضي أن يحكم بمقتضاه». إلا أن هذا النص حذف من المادة بعد تعديلها ولم تفصح الأعمال التحضيرية للقانونين المذكورين عن سبب هذا الحذف.
غير أن المحكمة لا تلتزم بالحكم بما إتفق عليه الحكمان في تقريرهما، إذا - كان التقرير باطلاً، كما لو كان الحكمان لم يخطرا الزوجين أو أحدهما ببدء التحكيم ومكان إنعقاده، أو كان التقرير خلواً من الأسباب التي بني عليها، أو كانت هذه الأسباب مشوبة بالقصور. أو كان ما إقترحه الحكمان مخالفاً للقانون و كأن يثبت لهما أن الإساءة كلها من جانب الزوجة ثم يقترحان التطليق دون بدل أو يجهل الحال أمامهما فلم يعرفا المسيء من الزوجين ويقترحان التطليق ببدل.
بعث حکم ثالث في حالة عدم إتفاق الحكمين:
إذا لم يتفق الحكمان على رأي، كأن يرى أحدهما إمكان الصلح بين الزوجين وعودة العشرة بينهما بالمعروف، بينما يرى الآخر تطليق الزوجة، أو يتفقان على التطليق ولكنهما يختلفان في تحديد الطرف المسيء منهما أو يتفقان على تحديد الطرف المسيء منهما ولكنها يختلفان في مقدار البدل .... الخ فإن عليهما في حالة عدم الإتفاق هذه أن يرفعا مذكرة إلى المحكمة تتضمن رأى كل منهما على إنفراد أو يدنيان برأيهما أمامها ويثبت بمحضر الجلسة.
وواجب المحكمة حينئذ أن تقرر إعادة بعث الحكمين مع حكم ثالث له خبرة بالحال وقدرة على الإصلاح مع تحليفه اليمين المبينة بالمادة (۸).
ولم تشترط المادة أن يكون الحكم الثالث من أهل أي من الزوجين، وإنما إشترطت أن يكون له خبرة بالحال وقدرة على الإصلاح، ولا يقتضى هذا الشرط أن يكون الحكم الثالث على إتصال شخصى بالزوجين أو بأحدهما قريباً منه مطلعاً على أحواله وإنما يكفي أن يكون له من الخبرة العامة ما يستطيع به التوفيق بين الزوجين (راجع بند ۷۲) .
ويتم إختيار الحكم الثالث بإتفاق الزوجين، فإذا إمتنعا عن إختياره أو لم يتفقا على حكم قامت المحكمة بتعيينه، ويترتب على عدم حلف الحكم الثالث اليمين ما يترتب على عدم حلف الحكمين إياها.
وتصدر المحكمة قرارها يبعث الحكم الثالث مع الحكمين السابقين لأداء مأمورية الحكمين السابقة في الميعاد المبين بالمادة الثامنة من المرسوم بقانون.
وقد عللت المذكرة الإيضاحية للقانون رقم ۱۰۰ لسنة 1985 بعث حکم ثالث بقولها: «وتفادياً لإطالة أمد التقاضي عند إختلاف الحكمين إقترح المشروع تعيين حكم ثالث تبعثه المحكمة مع الحكمين، وبعث الحكم الثالث لا يخالف أصلاً من أصول الشريعة فإن القرآن الكريم لم ينه عنه وقد صار في هذا الزمان أمراً ضرورياً كوسيلة لإظهار الحق ورفيع الضرر على أن من الفقهاء من أجاز بعث حكم واحد - تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبی ج 5 ص 168 وما بعدها»
حالة إتفاق الحكام الثلاثة:
إذا اتفق الحكام الثلاثة على رأي ورفعوا تقريرهم إلى المحكمة، قضت محكمة بمقتضاه، على التفصيل الذي ذكرناه بالنسبة للحكمين.
ولا يلزم إتفاق الحكام الثلاثة وإنما يكفي إتفاق أغلبيتهم أي إتفاق إثنين منهم.
حالة إختلاف الحكام الثلاثة أو عدم تقديم تقريرهم في الميعاد :
إذا إختلف الحكام الثلاثة بأن لم يتفقوا جميعاً أو لم يتفق إثنان منهم على ن رأي، أو لم يقدموا تقريرهم في الميعاد الذي حددته المحكمة، سارت المحكمة في : الإثبات.
ومحل الإثبات هنا هو الضرر الواقع على الزوجة من دعوة زوجها للعودة المنزل الزوجية، فهو يدور حول عودة الزوجة لمنزل الزوجية، ولا يدخل تحته أي نوع آخر من أنواع الضرر الذي تحكمه المادة السادسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ، ومناط هذا الضرر أن يثبت أن إمتناع الزوجة عن العودة إلى منزل الزوجية بحق شرعی.
والزوجة بإعتبارها مدعية في دعوى الإعتراض على الطاعة هي المكلفة بإثبات هذا الضرر، ويجوز لها إثباته بكافة طرق الإثبات الشرعية.
ويجب على المحكمة بعد إنتهائها من الإثبات التدخل للتوفيق بين الزوجين، وإلا كان حكمها باطلاً ، فإذا عجزت المحكمة عن التوفيق بين الزوجين وتبين لها حال تدخلها التوفيق بينهما عدم إستحالة العشرة بينهما أي أن الخلاف غیر مستحکم بينهما قضت برفض دعوى الإعتراض على الطاعة وطلب التطليق، أما إذا تبين لها إستحالة العشرة بينهما أي أن الخلاف مستحكم بينهما وأصرت الزوجة على الطلاق قضت بالتطليق بينهما بطلقة بائنة مع إسقاط حقوق الزوجة المالية كلها أو بعضها وإلزامها بالتعويض المناسب إن كان لذلك مقتض.
حقوق الزوجة المالية التي يرد عليها الإسقاط :
قضى المشرع بأن يكون تطليق الزوجة في الحالة الموضحة بالبند السابق - عند عجزها عن التوفيق بين الزوجين وتبين إستحالة العشرة بينهما - طلقة بائنة، مع إسقاط حقوقها المالية كلها أو بعضها وإلزامها بالتعويض المناسب أن كان لذلك كله مقتض.
وواضح من ذلك أن القضاء بإسقاط حقوق الزوجة المالية كلها أو بعضها لت وإلزام الزوجة بالتعويض رهن بوجود مقتضى، فإذا إنتفى هذا المقتضى قضت هي المحكمة بالتطليق مع عدم مساسها بحقوق الزوجة المالية كلها أو بعضها. "
والمقتضى في إسقاط الحقوق المالية كلها أو بعضها هو أن تكون أسباب الحالة العشرة من جانب الزوجة وحدها أو مشتركة بين الزوجين ولكنها من جنب الزوجة أكثر، وذلك بالتفصيل الآتي:
١- إذا كانت أسباب استحالة العشرة كلها من جانب الزوج وجب على القاضي التطليق دون مساس بشيء من حقوق الزوجة المالية.
۲- إذا كانت أسباب استحالة العشرة كلها من جانب الزوجة، وجب على القاضي التطليق مع إسقاط حقوق الزوجة المالية كلها.
3- إذا كانت أسباب إستحالة العشرة من جانب الزوجين، فإذا كانت متساوية وجب على القاضي التطليق دون إسقاط شيء من حقوق الزوجة المالية، وإذا كانت من جانب الزوجة أكثر وجب على القاضي التطليق مع إسقاط بعض حقوق الزوجة المالية بما يتناسب مع نسبة أسباب الإستحالة التي جاءت من جانبها.
أما إذا كانت أسباب إستحالة العشرة من جانب الزوج أكثر وجب على القاضي التطليق دون المساس بشيء من حقوق الزوجة المالية.
4- إذا جهل الحال بأن غم على المحكمة الوقوف على أي من الزوجين - كانت إستحالة العشرة من جانبه، وجب على المحكمة التطليق دون إسقاط شيء من حقوق الزوجة المالية.
والمقصود بحقوق الزوجة المالية، تلك المترتبة لها على الزواج أو الطلاق، كالنفقة والصداق والمتعة ولا يدخل في هذه الحقوق، حقوق الزوجة قبل زوجها التي لاصلة لها بالزواج والطلاق، كقرض تداينه به أو إيجار عقار يستأجره منها.
وإذا ورد النص في الحكم على «إسقاط حقوق الزوجة المالية»، فيكون الإسقاط قد ورد عاماً والعام على عمومه طالما لم يخصص، فيكون الإسقاط شاملاً لحقوق الزوجة، سواء منها ما كان قبل القضاء بالتطليق أو بعده وفي هذا قضت محكمة إستئناف اسكندرية (مأمورية دمنهور) بتاريخ 1991/11/20 في الدعوى رقم 111 لسنة 1989 شرعي بأن:
وحيث إنه عن موضوع الإستئناف الذي ينعى فيه المستأنف الخطأ في تطبيق القانون لقصره عبارة (إسقاط كافة حقوقها المالية على الحقوق التالية الحكم الصادر في الدعويين رقمی 438 ، 607 لسنة 1986 أحوال کلی دمنهور، فإن هذا النعي في محله ذلك أن المشرع حين نص في المادة 2/15 من المرسوم بقانون 25 لسنة 1920 المضافة بالقانون 100 لسنة 1985 على أنه إذا عجزت المحكمة عن التوفيق بين الزوجين بأن يظهر لها إستحالة العشرة بينهما لإستحكام الخلاف وتصر الزوجة على طلب التطليق في هذه الحالة تقضي المحكمة بالتفريق بين الزوجين بطلقة بائنة مع إسقاط حقوق الزوجة كلها أو بعضها ومن هذا يظهر أن المشرع وضع قرينة قانونية قاطعة علی أن إستحالة العشرة في هذه الحالة سببها الزوجة ورغم ذلك نص على تطليقها بطلقة بائنة مع إسقاط حقوقها كلها أو بعضها وهذا التطليق ببدل يقترحة القاضي، فإذا ما قضت المحكمة بالتطليق مع إسقاط كافة حقوقها المالية دون تحديد لهذه الحقوق فإن ذلك ينصرف لكافة حقوق الزوجة سواء منها ما كان قبل القضاء بالتطليق أو بعده ويشمل نفقة الزوجية والعدة والمتعة ومؤخر الصداق وإذا خالفت محكمة أول درجة هذا النظر وقصرت الإسقاط على الحقوق المالية التالية لحكم التطليق فإنها تكون قد خصصت تلك الحقوق التي وردت عامة في الحكم دون مخصص ويتعين القضاء لذلك بتعديل الحكم المستأنف بجعل عبارة مع إسقاط كافة حقوقها المالية» تشمل الحقوق السابقة واللاحقة على الحكم الصادر في الدعويين 438، 607 لسنة 1986 أحوال کلی دمنهور».
ولا يعتبر الجهاز من الحقوق المالية المترتبة على الزواج، لأنه ليس ركناً في عقد الزواج أو شرطاً من شروطه، فهو وإن كان يعد بمناسبة الزواج إلا أنه ليس من آثاره.
والتعويض الذي نصت عليه المادة يقضي به للزوج في الحالات التي تقضي فيها المحكمة بإسقاط حقوق الزوجة المالية كلها أو بعضها، لأن ذلك يتضمن ثبوت الخطأ في جانب الزوجة، وذلك إذا ترتب للزوج من جراء التطليق ضرر مادي أو أدبي، كما لو كان التطليق في الظروف الذي وقع فيه من شأنه الإضرار بسمعته وإثارة الأقاويل حوله.
وتحديد الحقوق المالية التي يقضي بإسقاطها، وكذا تحديد مدى الضرر الذي حاق بالزوج وقيمة التعويض الجابر لهذا الضرر، مما يخضع للسلطة التقديرية القاضي الموضوع، على ضوء ما يستبينه من ظروف الدعوى وأدلتها وقرائنها.
وبالترتيب على ما تقدم إذا قضى بتطليق الزوجة على الزوج مع إسقاط حقوقها المالية كلها بما فيها نفقة الزوجة، فإن هذا القضاء يحوز حجية الأمر المقضى في عدم إستحقاق الزوجة للنفقية، ويمتنع عليها المطالبة بالنفقة بدعوى تالية. (موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الثاني، الصفحة 191)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / العاشر ، الصفحة / 233
تَحْكِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
التَّحْكِيمُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ حَكَّمَهُ فِي الأَْمْرِ وَالشَّيْءِ، أَيْ: جَعَلَهُ حَكَمًا، وَفَوَّضَ الْحُكْمَ إِلَيْهِ.
وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ).
وَحَكَّمَهُ بَيْنَهُمْ: أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. فَهُوَ حَكَمٌ، وَمُحَكَّمٌ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ: «إِنَّ الْجَنَّةَ لِلْمُحَكَّمِينَ» فَالْمُرَادُ بِهِ الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي يَدِ الْعَدُوِّ، فَيُخَيَّرُونَ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالْقَتْلِ، فَيَخْتَارُونَ الْقَتْلَ ثَبَاتًا عَلَى الإِْسْلاَمِ.
وَفِي الْمَجَازِ: حَكَّمْتُ السَّفِيهَ تَحْكِيمًا: إِذَا أَخَذْتَ عَلَى يَدِهِ، أَوْ بَصَّرْتَهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ رحمه الله تعالى: حَكِّمِ الْيَتِيمَ كَمَا تُحَكِّمُ وَلَدكَ. أَيِ: امْنَعْهُ مِنَ الْفَسَادِ كَمَا تَمْنَعُ وَلَدَكَ وَقِيلَ: أَرَادَ حُكْمَهُ فِي مَالِهِ إِذَا صَلَحَ كَمَا تُحَكِّمُ وَلَدَكَ.
وَمِنْ مَعَانِي التَّحْكِيمِ فِي اللُّغَةِ: الْحَكَمُ.
يُقَالُ: قَضَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَقَضَى لَهُ، وَقَضَى عَلَيْهِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّحْكِيمُ: تَوْلِيَةُ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا.
وَفِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: التَّحْكِيمُ عِبَارَةٌ عَنِ اتِّخَاذِ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا بِرِضَاهُمَا لِفَصْلِ خُصُومَتِهِمَا وَدَعْوَاهُمَا.
وَيُقَالُ لِذَلِكَ: حَكَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَمُحَكَّمٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ، وَتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقَضَاءُ:
مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الْحُكْمُ، وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالإِْلْزَامُ بِهِ، وَفَصْلُ الْخُصُومَةِ.
وَعَلَى هَذَا فَكُلٌّ مِنَ التَّحْكِيمِ وَالْقَضَاءِ وَسِيلَةٌ لِفَضِّ النِّزَاعِ بَيْنَ النَّاسِ وَتَحْدِيدِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلِهَذَا اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا صِفَاتٍ مُتَمَاثِلَةً. كَمَا سَنَرَى بَعْدَ قَلِيلٍ.
إِلاَّ أَنَّ بَيْنَهَا فَوَارِقَ جَوْهَرِيَّةً تَتَجَلَّى فِي أَنَّ الْقَضَاءَ هُوَ الأَْصْلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَنَّ التَّحْكِيمَ فَرْعٌ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ هُوَ صَاحِبُ وِلاَيَةٍ عَامَّةٍ، فَلاَ يَخْرُجُ عَنْ سُلْطَةِ الْقَضَاءِ أَحَدٌ، وَلاَ يُسْتَثْنَى مِنِ اخْتِصَاصِهِ مَوْضُوعٌ.
أَمَّا تَوْلِيَةُ الْحَكَمِ فَتَكُونُ مِنَ الْقَاضِي أَوْ مِنَ الْخَصْمَيْنِ وَفْقَ الشُّرُوطِ وَالْقُيُودِ الَّتِي تُوضَعُ لَهُ، مَعَ مُلاَحَظَةِ أَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلتَّحْكِيمِ، كَمَا سَنَرَى.
ب - الإِْصْلاَحُ:
الإِْصْلاَحُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الإِْفْسَادِ. يُقَالُ: أَصْلَحَ: إِذَا أَتَى بِالْخَيْرِ وَالصَّوَابِ. وَأَصْلَحَ فِي عَمَلِهِ، أَوْ أَمْرِهِ: أَتَى بِمَا هُوَ صَالِحٌ نَافِعٌ.
وَأَصْلَحَ الشَّيْءَ: أَزَالَ فَسَادَهُ.
وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَاتَ بَيْنِهِمَا، أَوْ مَا بَيْنَهُمَا: أَزَالَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ عَدَاوَةٍ وَنِزَاعٍ بِرِضَا الطَّرَفَيْنِ.
، وَفِي، الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَالْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
فَالإِْصْلاَحُ وَالتَّحْكِيمُ يُفَضُّ بِهِمَا النِّزَاعُ، غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ تَوْلِيَةٍ مِنَ الْقَاضِي أَوِ الْخَصْمَيْنِ، وَالإِْصْلاَحُ يَكُونُ الاِخْتِيَارُ فِيهِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْ مِنْ مُتَبَرِّعٍ بِهِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
التَّحْكِيمُ مَشْرُوعٌ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ الْكَرِيمُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا).
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الآْيَةَ دَلِيلُ إِثْبَاتِ التَّحْكِيمِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ، «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَضِيَ بِتَحْكِيمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رضي الله عنه فِي أَمْرِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، حِينَ جَنَحُوا إِلَى ذَلِكَ وَرَضُوا بِالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِهِ».
«وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَضِيَ بِتَحْكِيمِ الأَْعْوَرِ بْنِ بَشَامَةَ فِي أَمْرِ بَنِي الْعَنْبَرِ، حِينَ انْتَهَبُوا أَمْوَالَ الزَّكَاةِ».
وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «أَنَّ أَبَا شُرَيْحٍ هَانِئَ بْنَ يَزِيدَ رضي الله عنه لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ قَوْمِهِ، سَمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ. قَالَ: فَمَا أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ. قَالَ: أَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ. وَدَعَا لَهُ وَلِوَلَدِهِ».
أَمَّا الإِْجْمَاعُ، فَقَدْ كَانَ بَيْنَ عُمَرَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله تعالى عنهما مُنَازَعَةٌ فِي نَخْلٍ، فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رضي الله عنه.
وَاخْتَلَفَ عُمَرُ مَعَ رَجُلٍ فِي أَمْرِ فَرَسٍ اشْتَرَاهَا عُمَرُ بِشَرْطِ السَّوْمِ، فَتَحَاكَمَا إِلَى شُرَيْحٍ.
كَمَا تَحَاكَمَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إِلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنهم،، وَلَمْ يَكُنْ زَيْدٌ وَلاَ شُرَيْحٌ وَلاَ جُبَيْرٌ مِنَ الْقُضَاةِ.
وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِجَمْعٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ التَّحْكِيمِ.
إِلاَّ أَنَّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَنِ امْتَنَعَ عَنِ الْفَتْوَى بِذَلِكَ، وَحُجَّتُهُ: أَنَّ السَّلَفَ إِنَّمَا يَخْتَارُونَ لِلْحُكْمِ مَنْ كَانَ عَالِمًا صَالِحًا دَيِّنًا، فَيَحْكُمُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، أَوْ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِينَ. فَلَوْ قِيلَ بِصِحَّةِ التَّحْكِيمِ الْيَوْمَ لَتَجَاسَرَ الْعَوَامُّ، وَمَنْ كَانَ فِي حُكْمِهِمْ إِلَى تَحْكِيمِ أَمْثَالِهِمْ، فَيَحْكُمُ الْحَكَمُ بِجَهْلِهِ بِغَيْرِ مَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الأَْحْكَامِ، وَهَذَا مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَلِذَلِكَ أَفْتَوْا بِمَنْعِهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ أُحِبُّ ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجْزِهِ ابْتِدَاءً.وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَوَازِهِ فِي الْمَالِ فَقَطْ.
وَمَهْمَا يَكُنْ فَإِنَّ جَوَازَ التَّحْكِيمِ هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ نَفَاذُهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
وَطَرَفَا التَّحْكِيمِ هُمَا الْخَصْمَانِ اللَّذَانِ اتَّفَقَا عَلَى فَضِّ النِّزَاعِ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى الْمُحَكِّمَ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَكْسُورَةِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْخَصْمَانِ اثْنَيْنِ، وَقَدْ يَكُونَانِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَالشَّرْطُ فِي طَرَفَيِ التَّحْكِيمِ الأَْهْلِيَّةُ الصَّحِيحَةُ لِلتَّعَاقُدِ الَّتِي قِوَامُهَا الْعَقْلُ، إِذْ بِدُونِهَا لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ.
وَلاَ يَجُوزُ لِوَكِيلِ التَّحْكِيمِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ مُوَكِّلِهِ، وَكَذَلِكَ الصَّغِيرُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ مِنْ عَامِلِ الْمُضَارَبَةِ إِلاَّ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَلاَ مِنَ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالإِْفْلاَسِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْقَاصِرِ أَوْ بِالْغُرَمَاءِ.
شُرُوطُ الْمُحَكَّمِ:
أ - أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَلَوْ حَكَّمَ الْخَصْمَانِ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مَثَلاً لَمْ يَجُزْ بِالإِْجْمَاعِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَهَالَةِ إَلاَّ إَذَا رَضُوا بِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَحْكِيمًا لِمَعْلُومٍ.
ب - أَنْ يَكُونَ أَهْلاً لِوِلاَيَةِ الْقَضَاءِ، وَعَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، عَلَى خِلاَفٍ فِيمَا بَيْنَهَا فِي تَحْدِيدِ عَنَاصِرِ تِلْكَ الأَْهْلِيَّةِ.
وَالْمُرَادُ بِأَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ هُنَا: الأَْهْلِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ لِلْقَضَاءِ، لاَ فِي خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ مَوْضُوعِ النِّزَاعِ.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُمْكِنُ الاِسْتِغْنَاءُ عَنْهُ عِنْدَمَا لاَ يُوجَدُ الأَْهْلُ لِذَلِكَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ جَوَازَ التَّحْكِيمِ بِعَدَمِ وُجُودِ قَاضٍ، وَقِيلَ: يَتَقَيَّدُ بِالْمَالِ دُونَ الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ، أَيْ إِثْبَاتِ عَقْدِ النِّكَاحِ.
وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْمُحَكَّمَ لاَ تُشْتَرَطُ فِيهِ كُلُّ صِفَاتِ الْقَاضِي.
وَثَمَّةَ أَحْكَامٌ تَفْصِيلِيَّةٌ لِهَذَا الشَّرْطِ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَبْحَثِ (دَعْوَى) (وَقَضَاءٌ).
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْقَضَاءِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَحَقِّقَةً فِي الْمُحَكَّمِ مِنْ وَقْتِ التَّحْكِيمِ إِلَى وَقْتِ الْحُكْمِ.وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَكَّمِ: الإِْسْلاَمُ، إِنْ كَانَ حَكَمًا بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا، أَمَّا إِذَا كَانَا غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُ الْمُحَكَّمِ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ تَرَاضِي الْخَصْمَيْنِ عَلَيْهِ كَتَوْلِيَةِ السُّلْطَانِ إِيَّاهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ وِلاَيَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ الْحُكْمَ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ صَحِيحَةٌ، وَكَذَلِكَ التَّحْكِيمُ.
وَلَوْ كَانَا غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ، وَحَكَّمَا غَيْرَ مُسْلِمٍ جَازَ، فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُ الْحَكَمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَيُنَفَّذُ لَهُ.
وَقِيلَ: لاَ يُنَفَّذُ لَهُ أَيْضًا.
أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَتَحْكِيمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه مَوْقُوفٌ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ صَحَّ، وَإِلاَّ بَطَلَ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ جَائِزٌ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ حَكَّمَ مُسْلِمٌ وَمُرْتَدٌّ رَجُلاً، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قُتِلَ الْمُرْتَدُّ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ عَلَيْهِمَا.
وَرَتَّبُوا عَلَى ذَلِكَ آثَارًا تَظْهَرُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ التَّفْرِيعِيَّةِ... مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ لَوْ حَكَّمَا صَبِيًّا فَبَلَغَ، أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ حَكَمَ، لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ.
وَلَوْ حَكَّمَا مُسْلِمًا، ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ أَيْضًا، وَكَانَ فِي رِدَّتِهِ عَزْلُهُ. فَإِذَا عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَحْكِيمٍ جَدِيدٍ.
وَلَوْ عَمِيَ الْمُحَكَّمُ، ثُمَّ ذَهَبَ الْعَمَى، وَحَكَمَ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ.
أَمَّا إِنْ سَافَرَ أَوْ مَرِضَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ بَرِئَ وَحَكَمَ جَازَ ْ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يَقْدَحُ بِأَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ.
وَلَوْ أَنَّ حَكَمًا غَيْرَ مُسْلِمٍ، حَكَّمَهُ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَهُوَ عَلَى حُكُومَتِهِ؛ لأَِنَّ تَحْكِيمَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُسْلِمِ جَائِزٌ وَنَافِذٌ.
وَلَوْ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ وَكَّلَ الْحَكَمَ بِالْخُصُومَةِ فَقَبِلَ، خَرَجَ عَنِ الْحُكُومَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا عَلَى قَوْلِ الإِْمَامِ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهَا فِي قَوْلِ الْكُلِّ.
ج - أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَ الْمُحَكَّمِ وَأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ قَرَابَةٌ تَمْنَعُ مِنَ الشَّهَادَةِ. وَإِذَا اشْتَرَى الْمُحَكَّمُ الشَّيْءَ الَّذِي اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِيهِ، أَوِ اشْتَرَاهُ ابْنُهُ أَوْ أَحَدٌ مِمَّنْ لاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْحُكُومَةِ.
وَإِنْ حَكَّمَ الْخَصْمُ خَصْمَهُ، فَحَكَمَ لِنَفْسِهِ، أَوْ عَلَيْهَا جَازَ تَحْكِيمُهُ ابْتِدَاءً، وَمَضَى حُكْمُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ جَوْرًا بَيِّنًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
الْقَوْلُ الأَْوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْخَصْمُ الْحَكَمُ قَاضِيًا أَمْ غَيْرَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا لِلتُّهْمَةِ.
الثَّالِثُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُحَكَّمُ قَاضِيًا أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ الْمُحَكَّمُ قَاضِيًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا جَازَ.
وَالْقَوْلُ الأَْوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبِهِ أَخَذَ الْحَنَابِلَةُ.
مَحَلُّ التَّحْكِيمِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلتَّحْكِيمِ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي الْحُدُودِ الْوَاجِبَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ.
وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ اسْتِيفَاءَ عُقُوبَتِهَا مِمَّا يَسْتَقِلُّ بِهِ وَلِيُّ الأَْمْرِ، وَأَنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ غَيْرِ الْخُصُومِ، فَكَانَ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَمَا اخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ مِنْ جَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَضَعِيفٌ. لأَِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَالأَْصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ جَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا.
أَمَّا الْقِصَاصُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ.
وَاخْتَارَهُ الْخَصَّافُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، لأَِنَّ التَّحْكِيمَ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ.
وَالإِْنْسَانُ لاَ يَمْلِكُ دَمَهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ مَوْضِعًا لِلصُّلْحِ.
وَمَا رُوِيَ مِنْ جَوَازِهِ فِي الْقِصَاصِ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحُقُوقِ فَضَعِيفٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ حَقًّا مَحْضًا لِلإِْنْسَانِ - وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ حَقَّهُ - وَلَهُ شَبَهٌ بِالْحُدُودِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ.
وَلاَ يَصِحُّ التَّحْكِيمُ فِي مَا يَجِبُ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لِلْحَكَمَيْنِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلاَ يُمْكِنُهُمَا الْحُكْمُ عَلَى الْقَاتِلِ وَحْدَهُ بِالدِّيَةِ، لِمُخَالَفَتِهِ حُكْمَ الشَّرْعِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْ دِيَةً عَلَى الْقَاتِلِ وَحْدَهُ دُونَ الْعَاقِلَةِ، إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ مُحَدَّدَةٍ - كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ خَطَأً - وَلِلتَّفْصِيلِ اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (دِيَةٌ، عَاقِلَةٌ).
أَمَّا فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الْمُحَدَّدَةِ، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ جَائِزٌ وَنَافِذٌ.
وَلَيْسَ لِلْحَكَمِ أَنْ يَحْكُمَ فِي اللِّعَانِ كَمَا ذَكَرَ الْبُرْجَنْدِيُّ، وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ نُجَيْمٍ. وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ اللِّعَانَ يَقُومُ مَقَامَ الْحَدِّ.
وَأَمَّا فِيمَا عَدَا مَا ذُكِرَ آنِفًا، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ جَائِزٌ وَنَافِذٌ.وَلَيْسَ لِلْمُحَكَّمِ الْحَبْسُ، إِلاَّ مَا نُقِلَ عَنْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ جَوَازِهِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا هِيَ: الرُّشْدُ، وَضِدُّهُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْحَبْسُ (الْوَقْفُ)، وَأَمْرُ الْغَائِبِ، وَالنَّسَبُ، وَالْوَلاَءُ، وَالْحَدُّ، وَالْقِصَاصُ، وَمَالُ الْيَتِيمِ، وَالطَّلاَقُ، وَالْعِتْقُ، وَاللِّعَانُ. لأَِنَّ هَذِهِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهَا الْقَضَاءُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ إِمَّا حُقُوقٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْحَدِّ وَالْقَتْلِ وَالطَّلاَقِ، أَوْ حُقُوقٌ لِغَيْرِ الْمُتَحَاكِمَيْنِ، كَالنَّسَبِ، وَاللِّعَانِ.
وَقَدْ وَضَعَ ابْنُ عَرَفَةَ حَدًّا لِمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحْكِيمُ، فَقَالَ: ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيمَا يَصِحُّ لأَِحَدِهِمَا تَرْكُ حَقِّهِ فِيهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا يَصِحُّ فِي الأَْمْوَالِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّ التَّحْكِيمَ عِنْدَهُمْ لاَ يَجُوزُ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ لَيْسَ فِيهَا طَالِبٌ مُعَيَّنٌ، وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ رَجُلاً فِي غَيْرِ حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ مُطْلَقًا بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ. وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ.
وَقِيلَ: بِشَرْطِ عَدَمِ وُجُودِ قَاضٍ بِالْبَلَدِ.
وَقِيلَ: يَخْتَصُّ التَّحْكِيمُ بِالأَْمْوَالِ دُونَ الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِمَا.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحْكِيمُ.
فَفِي ظَاهِرِ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّ التَّحْكِيمَ يَجُوزُ فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْقَاضِي مِنْ خُصُومَاتٍ، كَمَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمَالُ وَالْقِصَاصُ وَالْحَدُّ وَالنِّكَاحُ وَاللِّعَانُ وَغَيْرُهَا، حَتَّى مَعَ وُجُودِ قَاضٍ، لأَِنَّهُ كَالْقَاضِي وَلاَ فَرْقَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بِجَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي الأَْمْوَالِ خَاصَّةً، وَأَمَّا النِّكَاحُ وَالْقِصَاصُ وَالْحَدُّ فَلاَ يَجُوزُ فِيهَا التَّحْكِيمُ، لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الاِحْتِيَاطِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ عَرْضِهَا عَلَى الْقَضَاءِ لِلْحُكْمِ.
شُرُوطُ التَّحْكِيمِ:
يُشْتَرَطُ فِي التَّحْكِيمِ مَا يَأْتِي:
أ - قِيَامُ نِزَاعٍ، وَخُصُومَةٍ حَوْلَ حَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ.
وَهَذَا الشَّرْطُ يَسْتَدْعِي حُكْمًا قِيَامَ طَرَفَيْنِ مُتَشَاكِسَيْنِ، كُلٌّ يَدَّعِي حَقًّا لَهُ قِبَلَ الآْخَرِ.
ب - تَرَاضِي طَرَفَيِ الْخُصُومَةِ عَلَى قَبُولِ حُكْمِهِ، أَمَّا الْمُعَيَّنُ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي فَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا بِهِ، لأَِنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْقَاضِي.
وَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَقَدُّمُ رِضَى الْخَصْمَيْنِ عَنِ التَّحْكِيمِ، بَلْ لَوْ رَضِيَا بِحُكْمِهِ بَعْدَ صُدُورِهِ جَازَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ التَّرَاضِي.
ج - اتِّفَاقُ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَالْحَكَمِ عَلَى قَبُولِ مُهِمَّةِ التَّحْكِيمِ... وَمُجْمَلُ هَذَيْنِ الاِتِّفَاقَيْنِ يُشَكِّلُ رُكْنَ التَّحْكِيمِ، الَّذِي هُوَ:
لَفْظُهُ الدَّالُّ عَلَيْهِ مَعَ قَبُولِ الآْخَرِ.
وَهَذَا الرُّكْنُ قَدْ يَظْهَرُ صَرَاحَةً، كَمَا لَوْ قَالَ الْخَصْمَانِ: حَكَّمْنَاكَ بَيْنَنَا. أَوْ قَالَ لَهُمَا: أَحْكُمُ بَيْنَكُمَا، فَقَبِلاَ.
وَقَدْ يَظْهَرُ دَلاَلَةً... فَلَوِ اصْطَلَحَ الْخَصْمَانِ عَلَى رَجُلٍ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يُعْلِمَاهُ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمَا اخْتَصَمَا إِلَيْهِ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، جَازَ.
وَإِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْحُكْمَ، لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ إِلاَّ بِتَجْدِيدِ التَّحْكِيمِ.
وَلِلْخَصْمَيْنِ أَنْ يُقَيِّدَا التَّحْكِيمَ بِشَرْطٍ... فَلَوْ حَكَّمَاهُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فِي يَوْمِهِ، أَوْ فِي مَجْلِسِهِ وَجَبَ ذَلِكَ، وَلَوْ حَكَّمَاهُ عَلَى أَنْ يَسْتَفْتِيَ فُلاَنًا، ثُمَّ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِمَا قَالَ جَازَ.
وَلَوْ حَكَّمَا رَجُلَيْنِ، فَحَكَمَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَجُزْ، وَلاَ بُدَّ مِنِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ، فَلَوِ اخْتَلَفَا لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَلِكَ لَوِ اتَّفَقَا عَلَى تَحْكِيمِ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ.
فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَ غَيْرَهُ بِالتَّحْكِيمِ. لأَِنَّ الْخَصْمَيْنِ لَمْ يَرْضَيَا بِتَحْكِيمِ غَيْرِهِ.
وَلَوْ فَوَّضَ، وَحَكَمَ الثَّانِي بِغَيْرِ رِضَاهُمَا، فَأَجَازَ الأَْوَّلُ حُكْمَهُ، لَمْ يَجُزْ لأَِنَّ الإِْذْنَ مِنْهُ فِي الاِبْتِدَاءِ لاَ يَصِحُّ، فَكَذَا فِي الاِنْتِهَاءِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ إِجَازَةِ الْخَصْمَيْنِ بَعْدَ الْحُكْمِ. وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، كَالْوَكِيلِ الأَْوَّلِ إِذَا أَجَازَ بَيْعَ الْوَكِيلِ الثَّانِي.
إِلاَّ أَنَّ تَعْلِيقَ التَّحْكِيمِ عَلَى شَرْطٍ، كَمَا لَوْ قَالاَ لِعَبْدٍ: إِذَا أُعْتِقْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا، وَإِضَافَتَهُ إِلَى وَقْتٍ، كَمَا لَوْ قَالاَ لِرَجُلٍ: جَعَلْنَاكَ حَكَمًا غَدًا، أَوْ قَالاَ: رَأْسَ الشَّهْرِ... كُلُّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ. وَالْفَتْوَى عَلَى الْقَوْلِ الأَْوَّلِ.
وَلَيْسَ لِلْخَصْمَيْنِ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى مُحَكَّمٍ لَيْسَ أَهْلاً لِلتَّحْكِيمِ.
وَلَوْ حَكَمَ غَيْرُ الْمُسْلِمِ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ، فَأَجَازَا حُكْمَهُ، لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ حَكَّمَاهُ فِي الاِبْتِدَاءِ.
وَلاَ يَحْتَاجُ الاِتِّفَاقُ عَلَى التَّحْكِيمِ لِشُهُودٍ تَشْهَدُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ بِأَنَّهُمَا قَدْ حَكَّمَا الْحَكَمَ.
إِلاَّ أَنَّهُ يَنْبَغِي الإِْشْهَادُ خَوْفَ الْجُحُودِ. وَلِهَذَا ثَمَرَةٌ عَمَلِيَّةٌ: إِذْ لَوْ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ حَكَّمَا الْحَكَمَ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، فَأَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا أَنَّهُ حَكَّمَهُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْحَكَمِ أَنَّ الْجَاحِدَ حَكَّمَهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ.
وَيَجِبُ أَنْ يَسْتَمِرَّ الاِتِّفَاقُ عَلَى التَّحْكِيمِ حَتَّى صُدُورِ الْحُكْمِ، إِذْ إِنَّ رُجُوعَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ صُدُورِ الْحُكْمِ يُلْغِي التَّحْكِيمَ، كَمَا سَنَرَى.
فَلَوْ قَالَ الْحَكَمُ لأَِحَدِهِمَا: أَقْرَرْتَ عِنْدِي، أَوْ قَامَتْ عِنْدِي بَيِّنَةٌ عَلَيْكَ بِكَذَا، وَقَدْ أَلْزَمْتُكَ، وَحَكَمْتُ بِهَذَا، فَأَنْكَرَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ الإِْقْرَارَ أَوِ الْبَيِّنَةَ لَمْ يُلْتَفَتْ لِقَوْلِهِ، وَمَضَى الْقَضَاءُ. لأَِنَّ وِلاَيَةَ الْمُحَكَّمِ قَائِمَةٌ. وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْقَاضِي.
أَمَّا إِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَزَلَهُ الْخَصْمُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَحُكْمَهُ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ، كَالْحُكْمِ الَّذِي يُصْدِرُهُ الْقَاضِي بَعْدَ عَزْلِهِ.
د - الإِْشْهَادُ عَلَى الْحُكْمِ، وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا لِصِحَّةِ التَّحْكِيمِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِقَبُولِ قَوْلِ الْحَكَمِ عِنْدَ الإِْنْكَارِ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِْشْهَادِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
طَرِيقُ الْحُكْمِ:
طَرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ مَا يُوصَلُ إِلَيْهِ، حُكْمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَعَلَيْهِ فَإِنَّ طَرِيقَ الْحُكْمِ: مَا يَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ مَوْضُوعُ النِّزَاعِ وَالْخُصُومَةِ.
وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْبَيِّنَةِ، أَوِ الإِْقْرَارِ، أَوِ النُّكُولِ عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ.
يَسْتَوِي فِي هَذَا حُكْمُ الْحَكَمِ، وَحُكْمُ الْقَاضِي.
فَإِنْ قَامَ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ حُجَّةً مُوَافِقَةً لِلشَّرْعِ. وَإِلاَّ كَانَ بَاطِلاً.
وَيَبْدُو أَنَّ الْحَكَمَ لاَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ.
وَأَمَّا كِتَابُ الْمُحَكَّمِ إِلَى الْقَاضِي، وَكِتَابُ الْقَاضِي إِلَيْهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ، إِلاَّ بِرِضَى الْخَصْمَيْنِ، خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى جَوَازِهِ وَنَفَاذِهِ.
الرُّجُوعُ عَنِ التَّحْكِيمِ:
حَقُّ الرُّجُوعِ عَنِ التَّحْكِيمِ فَرْعٌ مِنْ صِفَةِ التَّحْكِيمِ الْجَوَازِيَّةِ... وَلَكِنَّ هَذَا الْحَقَّ لَيْسَ مُطْلَقًا.
فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ لِكُلِّ خَصْمٍ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ صُدُورِ الْحُكْمِ، وَلاَ حَاجَةَ لاِتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ رَجَعَ كَانَ فِي ذَلِكَ عَزْلٌ لِلْمُحَكَّمِ.
أَمَّا بَعْدَ صُدُورِ الْحُكْمِ، فَلَيْسَ لأَِحَدٍ حَقُّ الرُّجُوعِ عَنِ التَّحْكِيمِ، وَلاَ عَزْلُ الْمُحَكَّمِ، فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَبْطُلِ الْحُكْمُ، لأَِنَّهُ صَدَرَ عَنْ وِلاَيَةٍ شَرْعِيَّةٍ لِلْمُحَكَّمِ، كَالْقَاضِي الَّذِي يُصْدِرُ حُكْمَهُ، ثُمَّ يَعْزِلُهُ السُّلْطَانُ.
وَعَلَى هَذَا: فَإِنِ اتَّفَقَ رَجُلاَنِ عَلَى حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فِي عَدَدٍ مِنَ الدَّعَاوَى، فَقَضَى عَلَى أَحَدِهِمَا فِي بَعْضِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ عَنْ تَحْكِيمِ هَذَا الْحَكَمِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ الأَْوَّلَ نَافِذٌ، لَيْسَ لِلْحَكَمِ أَنْ يَحْكُمَ فِيمَا بَقِيَ، فَإِنْ حَكَمَ لاَ يَنْفُذُ.
وَإِنْ قَالَ الْحَكَمُ لأَِحَدِ الْخَصْمَيْنِ: قَامَتْ عِنْدِي الْحُجَّةُ بِصِحَّةِ مَا ادَّعَى عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ، فَعَزَلَهُ هَذَا الْخَصْمُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِ الْحَكَمُ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يُشْتَرَطُ دَوَامُ رِضَا الْخَصْمَيْنِ إِلَى حِينِ صُدُورِ الْحُكْمِ. بَلْ لَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عِنْدَ الْحُكْمِ، ثُمَّ بَدَا لأَِحَدِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ الْحُكْمِ. تَعَيَّنَ عَلَى الْحَكَمِ أَنْ يَقْضِيَ، وَجَازَ حُكْمُهُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ مَا لَمْ تَبْدَأِ الْخُصُومَةُ أَمَامَ الْحَكَمِ، فَإِنْ بَدَأَتْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ فِيهَا حَتَّى النِّهَايَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ لأَِحَدِهِمَا الرُّجُوعُ وَلَوْ قَبْلَ بَدْءِ الْخُصُومَةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ قَبْلَ صُدُورِ الْحُكْمِ، وَلَوْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ. وَعَلَيْهِ الْمَذْهَبُ.
وَقِيلَ بِعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ. أَمَّا بَعْدَ الْحُكْمِ فَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَا الْخَصْمِ بِهِ كَحُكْمِ الْقَاضِي.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ؛ لأَِنَّ رِضَاهُمَا مُعْتَبَرٌ فِي أَصْلِ التَّحْكِيمِ، فَكَذَا فِي لُزُومِ الْحُكْمِ. وَالأَْظْهَرُ الأَْوَّلُ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لِكُلٍّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحُكْمِ.
أَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَقُبَيْلَ تَمَامِهِ، فَفِي الرُّجُوعِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ الرُّجُوعُ لأَِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتِمَّ، أَشْبَهَ قَبْلَ الشُّرُوعِ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا رَأَى مِنَ الْحَكَمِ مَا لاَ يُوَافِقُهُ رَجَعَ فَبَطَلَ مَقْصُودُهُ. فَإِنْ صَدَرَ الْحُكْمُ نَفَذَ.
أَثَرُ التَّحْكِيمِ:
يُرَادُ بِأَثَرِ التَّحْكِيمِ: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ نَتَائِجَ.
وَهَذَا الأَْثَرُ يَتَمَثَّلُ فِي لُزُومِ الْحُكْمِ وَنَفَاذِهِ، كَمَا يَتَمَثَّلُ فِي إِمْكَانِ نَقْضِهِ مِنْ قِبَلِ الْقَضَاءِ.
أَوَّلاً: لُزُومُ الْحُكْمِ وَنَفَاذُهُ:
مَتَى أَصْدَرَ الْحَكَمُ حُكْمَهُ، أَصْبَحَ هَذَا الْحُكْمُ مُلْزِمًا لِلْخَصْمَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، وَتَعَيَّنَ إِنْفَاذُهُ دُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى رِضَا الْخَصْمَيْنِ، وَعَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ. وَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ كَحُكْمِ الْقَاضِي.
وَلَيْسَ لِلْحَكَمِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ حُكْمِهِ، فَلَوْ رَجَعَ عَنْ حُكْمِهِ، وَقَضَى لِلآْخَرِ لَمْ يَصِحَّ قَضَاؤُهُ؛ لأَِنَّ الْحُكُومَةَ قَدْ تَمَّتْ بِالْقَضَاءِ الأَْوَّلِ، فَكَانَ الْقَضَاءُ الثَّانِي بَاطِلاً.
وَلَكِنَّ هَذَا الإِْلْزَامَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ حُكْمُ الْحَكَمِ يَنْحَصِرُ فِي الْخَصْمَيْنِ فَقَطْ، وَلاَ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِمَا، ذَلِكَ لأَِنَّهُ صَدَرَ بِحَقِّهِمَا عَنْ وِلاَيَةٍ شَرْعِيَّةٍ نَشَأَتْ مِنَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى اخْتِيَارِ الْحَكَمِ لِلْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ نِزَاعٍ وَخُصُومَةٍ. وَلاَ وِلاَيَةَ لأَِيٍّ مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِهِ، فَلاَ يَسْرِي أَثَرُ حُكْمِ الْحَكَمِ عَلَى غَيْرِهِمَا.
وَتَطْبِيقًا لِهَذَا الْمَبْدَأِ، فَلَوْ حَكَّمَ الْخَصْمَانِ رَجُلاً فِي عَيْبِ الْبَيْعِ فَقَضَى الْحَكَمُ بِرَدِّهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ حَقٌّ بِرَدِّهِ عَلَى بَائِعِهِ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ الأَْوَّلُ وَالثَّانِي وَالْمُشْتَرِي بِتَحْكِيمِهِ، فَحِينَئِذٍ يَرُدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ الأَْوَّلِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَنَازَعَهُ فِي ذَلِكَ، فَادَّعَى أَنَّ فُلاَنًا الْغَائِبَ قَدْ ضَمِنَهَا لَهُ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلاً، وَالْكَفِيلُ غَائِبٌ. فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْمَالِ، وَعَلَى الْكَفَالَةِ، فَحَكَمَ الْحَكَمُ بِالْمَالِ وَبِالْكَفَالَةِ، صَحَّ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ وَلَمْ يَصِحَّ بِالْكَفَالَةِ، وَلاَ عَلَى الْكَفِيلِ.
وَإِنْ حَضَرَ الْكَفِيلُ، وَالْمَكْفُولُ غَائِبٌ، فَتَرَاضَى الطَّالِبُ وَالْكَفِيلُ، فَحَكَمَ الْمُحَكَّمُ بِذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ جَائِزًا، وَنَافِذًا بِحَقِّ الْكَفِيلِ دُونَ الْمَكْفُولِ.
وَلَمْ يَشِذَّ عَنْ هَذَا الْمَبْدَأِ غَيْرُ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ نَصَّ عَلَيْهَا الْحَنَفِيَّةُ، هِيَ: مَا لَوْ حَكَّمَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَغَرِيمُهُ رَجُلاً فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، وَأَلْزَمَ الشَّرِيكَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ نَفَذَ هَذَا الْحُكْمُ، وَتَعَدَّى إِلَى الشَّرِيكِ الْغَائِبِ؛ لأَِنَّ حُكْمَهُ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ فِي حَقِّ الشَّرِيكِ الْغَائِبِ. وَالصُّلْحُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ. فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ رَاضِيًا بِالصُّلْحِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ..
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الْعُرْفَ بَيْنَ التُّجَّارِ قَدْ جَعَلَ التَّحْكِيمَ مِنْ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ كَأَنَّهُ تَحْكِيمٌ مِنْ سَائِرِ الشُّرَكَاءِ. وَلِهَذَا لَزِمَ الْحُكْمُ، وَنَفَذَ فِي حَقِّهِمْ جَمِيعًا.
ثَانِيًا: نَقْضُ الْحُكْمِ:
قَدْ يَرْضَى الْخَصْمَانِ بِالْحُكْمِ، فَيَعْمَلاَنِ عَلَى تَنْفِيذِهِ.. وَقَدْ يَرَى أَحَدُهُمَا رَفْعَهُ إِلَى الْقَضَاءِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ لَمْ يَنْقُضْهُ إِلاَّ بِمَا يَنْقُضُ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِذَا رُفِعَ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ إِلَى الْقَاضِي نَظَرَ فِيهِ، فَإِنْ وَجَدَهُ مُوَافِقًا مَذْهَبَهُ أَخَذَ بِهِ وَأَمْضَاهُ، لأَِنَّهُ لاَ جَدْوَى مِنْ نَقْضِهِ، ثُمَّ إِبْرَامِهِ.
وَفَائِدَةُ هَذَا الإِْمْضَاءِ: أَنْ لاَ يَكُونَ لِقَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلاَفَهُ نَقْضُهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ، لأَِنَّ إِمْضَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ قَضَائِهِ ابْتِدَاءً.
أَمَّا إِنْ وَجَدَهُ خِلاَفَ مَذْهَبِهِ أَبْطَلَهُ، وَأَوْجَبَ عَدَمَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ.
وَهَذَا الإِْبْطَالُ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ، بَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ، إِنْ شَاءَ الْقَاضِي أَبْطَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ وَأَنْفَذَهُ.
وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الإِْجَازَةُ مِنَ الْقَاضِي بَعْدَ حُكْمِ الْمُحَكَّمِ.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ حَكَّمَا رَجُلاً، فَأَجَازَ الْقَاضِي حُكُومَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، ثُمَّ حَكَمَ بِخِلاَفِ رَأْيِ الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَجَازَ الْمَعْدُومَ.
وَإِجَازَةُ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِهِ بَاطِلَةٌ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ.
وَلَكِنَّ السَّرَخْسِيَّ قَالَ: هَذَا الْجَوَابُ صَحِيحٌ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي مَأْذُونًا فِي اسْتِخْلاَفِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِي الاِسْتِخْلاَفِ فَيَجِبُ أَنْ تَجُوزَ إِجَازَتُهُ.
وَتُجْعَلُ إِجَازَةُ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ اسْتِخْلاَفِهِ إِيَّاهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، فَلاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حُكْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِنْ حَكَّمَا رَجُلاً، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ حَكَّمَا آخَرَ، فَقَضَى بِحُكْمٍ آخَرَ، ثُمَّ رُفِعَ الْحُكْمَانِ إِلَى الْقَاضِي، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُ الْمُوَافِقِ لِرَأْيِهِ.
هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَنْقُضُ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ إِلاَّ إِذَا كَانَ جَوْرًا بَيِّنًا. سَوَاءٌ أَكَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِ الْقَاضِي، أَمْ مُخَالِفًا لَهُ.
وَقَالُوا بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى.
انْعِزَالُ الْحَكَمِ:
يَنْعَزِلُ الْحَكَمُ بِكُلِّ سَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ الأَْتِيَّةِ:
أ - الْعَزْلُ: لِكُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ عَزْلُ الْمُحَكَّمِ قَبْلَ الْحُكْمِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ قَدْ وَافَقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي، فَلَيْسَ لَهُمَا عَزْلُهُ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ اسْتَخْلَفَهُ.
ب - انْتِهَاءُ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لِلتَّحْكِيمِ قَبْل صُدُورَ الْحُكْمِ.
ج - خُرُوجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّحْكِيمِ.
د - صُدُورُ الْحُكْمِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن والعشرون ، الصفحة / 326
طَاعَةُ الزَّوْجِ:
طَاعَةُ الزَّوْجِ وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ).
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قِيَامُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ هُوَ أَنْ يَقُومَ بِتَدْبِيرِهَا وَتَأْدِيبِهَا، وَإِمْسَاكِهَا فِي بَيْتِهَا وَمَنْعِهَا مِنَ الْبُرُوزِ (أَيِ الْخُرُوجِ)، وَأَنَّ عَلَيْهَا طَاعَتَهُ وَقَبُولَ أَمْرِهِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً.
وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلاً انْطَلَقَ غَازِيًا وَأَوْصَى امْرَأَتَهُ: أَنْ لاَ تَنْزِلَ مِنْ فَوْقِ الْبَيْتِ، وَكَانَ وَالِدُهَا فِي أَسْفَلِ الْبَيْتِ، فَاشْتَكَى أَبُوهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تُخْبِرُهُ وَتَسْتَأْمِرُهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: اتَّقِي اللَّهَ وَأَطِيعِي زَوْجَكِ ثُمَّ إِنَّ وَالِدَهَا تُوُفِّيَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم تَسْتَأْمِرُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مِثْلَ ذَلِكَ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكِ بِطَوَاعِيَتِكِ لِزَوْجِكِۑ».
وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: طَاعَةُ الزَّوْجِ وَاجِبَةٌ: قَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ مَرِيضَةٌ: طَاعَةُ زَوْجِهَا أَوْجَبُ عَلَيْهَا مِنْ أُمِّهَا، إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والعشرون ، الصفحة / 56
قَضَاءُ الْقَاضِي بِتَفْرِيقِ الْحَكَمَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:
- إِنْ كَانَ الْمُحَكَّمَانِ مُوَكَّلَيْنِ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِالتَّفْرِيقِ، فَلاَ حَاجَةَ لِحُكْمِ الْقَاضِي بِتَفْرِيقِهِمَا، وَتَقَع الْفُرْقَةُ بِحُكْمِهِمَا مُبَاشَرَةً.
وَإِنْ كَانَا مُحَكَّمَيْنِ مِنَ الْقَاضِي، أُلْزِمَا بِرَفْعِ حُكْمِهِمَا إِلَيْهِ لِيُنَفِّذَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهُ فِي إِنْفَاذِهِ، بَلْ هُوَ مُجْبَرٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَالَفَ اجْتِهَادَهُ - كَمَا تَقَدَّمَ -
فَإِذَا اخْتَلَفَ الْحَكَمَانِ وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ عَزَلَهُمَا الْقَاضِي، وَعَيَّنَ حَكَمَيْنِ آخَرَيْنِ بَدَلاً مِنْهُمَا، وَهَكَذَا حَتَّى يَتَّفِقَ حَكَمَانِ عَلَى شَيْءٍ، فَيُنَفِّذُهُ.
نَوْعُ الْفُرْقَةِ الثَّابِتَةِ بِتَفْرِيقِ الْحَكَمَيْنِ:
- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ لِلشِّقَاقِ طَلاَقٌ بَائِنٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَكَمَانِ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي أَمْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَيْنِ، وَهُوَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، حَتَّى لَوْ أَوْقَعَ الْحَكَمَانِ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا لَمْ يَقَعْ بِحُكْمِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ تَفْرِيقُهُمَا طَلاَقًا أَمْ مُخَالَعَةً عَلَى بَدَلٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُمَا إِنْ فَرَّقَا بِخُلْعٍ فَطَلاَقٌ بَائِنٌ، وَإِنْ فَرَّقَا بِطَلاَقٍ فَهُوَ طَلاَقٌ.
وَهَلْ لِلزَّوْجَيْنِ إِقَامَةُ حَكَمٍ وَاحِدٍ بَدَلاً مِنَ اثْنَيْنِ؟ وَالْجَوَابُ نَعَمْ، نَصَّ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ. وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِوَلِيِّ الزَّوْجَيْنِ أَيْضًا؟ تَرَدَّدَ الْمَالِكِيَّةُ فِيهِ.
وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ بِعَدَمِ الاِكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ لِلآْيَةِ: ) فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا).
التَّفْرِيقُ لِسُوءِ الْمُعَاشَرَةِ:
- نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا أَضَرَّ بِهَا زَوْجُهَا كَانَ لَهَا طَلَبُ الطَّلاَقِ مِنْهُ لِذَلِكَ، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ مِنْهُ الضَّرَرُ أَمْ لاَ، كَشَتْمِهَا وَضَرْبِهَا ضَرْبًا مُبَرِّحًا.. وَهَلْ تَطْلُقُ بِنَفْسِهَا هُنَا بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ يُطَلِّقُ الْقَاضِي عَنْهَا؟ قَوْلاَنِ لِلْمَالِكِيَّةِ وَلَمْ أَرَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الآْخَرِينَ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ بِوُضُوحٍ، وَكَأَنَّهُمْ لاَ يَقُولُونَ بِهِ مَا لَمْ يَصِلِ الضَّرَرُ إِلَى حَدِّ إِثَارَةِ الشِّقَاقِ، فَإِنْ وَصَلَ إِلَى ذَلِكَ، كَانَ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ.
التَّفْرِيقُ لِلإِْعْسَارِ بِالصَّدَاقِ:
- إِذَا أَعْسَر الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا عَلَى أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا فِرَاقُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَلَكِنْ مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْهُ، وَالنَّظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ، وَلَهَا كَامِلُ نَفَقَتِهَا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَهَا طَلَبَ التَّفْرِيقِ إِلَى جَانِبِ مَالِهَا مِنْ: مَنْعِ نَفْسِهَا وَالنَّفَقَةِ مَا دَامَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَيُؤَجَّلُ الزَّوْجُ لإِِثْبَاتِ عُسْرَتِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ عَجْزُهُ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ لَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وُجُوهٌ وَأَقْوَالٌ ثَلاَثَةٌ:
الأْوَّلُ: الْفَسْخُ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي: الْفَسْخُ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِلاَّ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ.
وَالثَّالِثُ: لَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ مُطْلَقًا، وَهِيَ غَرِيمٌ كَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ.
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِعْسَار ف 14).
شُرُوطُ التَّفْرِيقِ بِالإِْعْسَارِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ:
- يُشْتَرَطُ لِلتَّفْرِيقِ بِالإِْعْسَارِ شُرُوطٌ، هِيَ:
أ - أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ وَاجِبًا عَلَى الزَّوْجِ وُجُوبًا حَالًّا: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَصْلاً، كَأَنْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، أَوْ كَانَ وُجُوبُهُ مُؤَجَّلاً كَأَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ تَأْجِيلُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَإِنْ سَلَّمَ الْبَعْضَ وَأَعْسَر بِالْبَعْضِ الْبَاقِي، فَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ: الأَْقْوَى مِنْهُمَا: جَوَازُ التَّفْرِيقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
ب - أَنْ لاَ تَكُونَ الزَّوْجَةُ قَدْ رَضِيَتْ بِتَأْجِيلِ الْمَهْرِ قَبْلَ الْعَقْدِ، أَوْ بَعْدَهُ بِطَرِيقِ الدَّلاَلَةِ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ لَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا عَلِمَتْ بِإِعْسَارِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَسَكَتَتْ أَوْ رَضِيَتْ بِهِ صَرَاحَةً، فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ لَهَا حَقٌّ فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ لِلإِْعْسَارِ بِالْمَهْرِ بَعْدَ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْعُنَّةِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْرِيقِ لِلإِْعْسَارِ بِالْمَهْرِ عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ حُكْمِ قَاضٍ بِهِ، أَوْ مُحَكَّمٍ؛ لأِنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، هَذَا إِنْ قَدَرَتِ الزَّوْجَةُ عَلَى الرَّفْعِ إِلَيْهِمَا، فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ ذَلِكَ، وَفَرَّقَتْ بِنَفْسِهَا جَازَ لِلضَّرُورَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ.
وَإِنْ ثَبَتَ إِعْسَارُهُ طَلَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ فَوْرًا، وَقِيلَ: يُنْظِرُهُ مُدَّةً يَرَاهَا مُنَاسَبَةَ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ أَنْظَرَهُ، وَقِيلَ: يَسْجُنُهُ حَتَّى يَدْفَعَ الْمَهْرَ، أَوْ يَظْهَرَ مَالُهُ فَيُنَفِّذُهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَثْبُتُ إِعْسَارُهُ فَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ.
نَوْعُ الْفُرْقَةِ الثَّابِتَةِ بِالإِْعْسَارِ بِالْمَهْرِ:
- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ لِلإِْعْسَارِ بِالْمَهْرِ طَلاَقٌ بَائِنٌ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا فَسْخٌ، لاَ طَلاَقٌ.
التَّفْرِيقُ لِلإِْعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ مَا لَمْ تَمْتَنِعْ مِنَ التَّمْكِينِ، فَإِذَا لَمْ يَقُمِ الزَّوْجُ بِهَا لِغَيْرِ مَانِعٍ مِنَ الزَّوْجَةِ كَانَ لَهَا حَقُّ طَلَبِهَا مِنْهُ بِالْقَضَاءِ، وَأَخْذُهَا جَبْرًا عَنْهُ.
فَإِذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنْ دَفْعِ هَذِهِ النَّفَقَةِ لِمَانِعٍ مِنَ الزَّوْجَةِ، كَنُشُوزِهَا، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا.
وَهَلْ يَكُونُ لِلزَّوْجَةِ حَقُّ طَلَبِ التَّفْرِيقِ مِنْهُ إِذَا امْتَنَعَ عَنْهَا بِدُونِ سَبَبٍ مِنَ الزَّوْجَةِ؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ، وَاتَّفَقُوا فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى عَلَى مَا يَلِي: -
أ - إِنْ كَانَ لِلزَّوْجِ الْمُمْتَنِعِ عَنِ النَّفَقَةِ مَالٌ ظَاهِرٌ يُمْكِنُ لِلزَّوْجَةِ أَخْذُ نَفَقَتِهَا مِنْهُ، بِعِلْمِ الزَّوْجِ أَوْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، بِنَفْسِهَا أَوْ بِأَمْرِ الْقَاضِي، لَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ، لِوُصُولِهَا إِلَى حَقِّهَا بِغَيْرِ الْفُرْقَةِ، فَلاَ تُمَكَّنُ مِنْهَا.
وَيَسْتَوِي هُنَا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، وَأَنْ يَكُونَ مَالُ الزَّوْجِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا أَيْضًا، وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ نُقُودًا أَوْ مَنْقُولاَتٍ أَوْ عَقَارَاتٍ، لإِِمْكَانِ الأَْخْذِ مِنْهَا.
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ نَصُّوا فِي الأَْظْهَرِ مِنْ قَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ مَالَهُ الظَّاهِرَ إِنْ كَانَ حَاضِرًا فَلاَ تَفْرِيقَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَلَهَا طَلَبُ الْفَسْخِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ أَمَرَهُ الْقَاضِي بِإِحْضَارِهِ، وَلاَ فَسْخَ لَهَا، وَلَوْ غَابَ وَجُهِلَ حَالُهُ فِي الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ فَلاَ فَسْخَ؛ لأِنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَحَقَّقْ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ كَلاَمِ أَحْمَدَ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الإِْمْكَانِ أَخْذُ النَّفَقَةِ مِنَ الْمَالِ الْغَائِبِ، فَإِنَّ لَهَا طَلَبَ التَّفْرِيقِ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ حَاضِرًا فَلاَ تَفْرِيقَ.
ب - فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ الْمُمْتَنِعِ عَنِ النَّفَقَةِ مَالٌ ظَاهِرٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ لإِِعْسَارِهِ، أَمْ لِلْجَهْلِ بِحَالِهِ، أَمْ لأِنَّهُ غَيَّبَ مَالَهُ، فَرَفَعَتْهُ الزَّوْجَةُ إِلَى الْقَاضِي طَالِبَةً التَّفْرِيقَ لِذَلِكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّفْرِيقِ، عَلَى قَوْلَيْنِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجَةِ هُنَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ، وَالْقَاضِي يَأْمُرُهَا بِالاِسْتِدَانَةِ عَلَى الزَّوْجِ، وَيَأْمُرُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا - لَوْلاَ زَوْجُهَا - بِإِقْرَاضِهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ حَبَسَهُ وَعَزَّرَهُ حَتَّى يُقْرِضَهَا، ثُمَّ يَعُودَ بِذَلِكَ عَلَى زَوْجِهَا إِذَا أَيْسَر إِنْ شَاءَ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَعْسَر بِالنَّفَقَةِ فَالزَّوْجَةُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَتْ بَقِيَتْ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ وَاسْتَدَانَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَتْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلْقَاضِي طَالِبَةً فَسْخَ نِكَاحِهَا، وَالْقَاضِي يُجِيبُهَا إِلَى ذَلِكَ حَالاً، أَوْ بَعْدَ التَّلَوُّمِ لِلزَّوْجِ رَجَاءَ مَقْدِرَتِهِ عَلَى الإِْنْفَاقِ، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهم وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمْ.
شُرُوطُ التَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ:
- يُشْتَرَطُ لِلتَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ - بِهِ شُرُوطٌ، هِيَ:
أ - أَنْ يَثْبُتَ إِعْسَارُ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ، وَذَلِكَ بِتَصَادُقِهِمَا أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَذَلِكَ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مُقَابِلُ الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةِ فَلاَ يَرِدُ هَذَا الشَّرْطُ عِنْدَهُمْ.
ب - أَنْ يَكُونَ الإِْعْسَارُ أَوْ الاِمْتِنَاعُ الْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ هُوَ امْتِنَاعٌ عَنْ أَقَلِّ النَّفَقَةِ، وَهِيَ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ، وَلَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ غَنِيَّةً، أَوِ الزَّوْجُ الْمُمْتَنِعُ غَنِيًّا أَيْضًا؛ لأِنَّ التَّفْرِيقَ إِنَّمَا يُثْبِتُ هُنَا ضَرُورَةَ دَفْعِ الْهَلاَكِ عَنِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْعَجْزِ عَنْ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِينَ، لاَ النَّفَقَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهَا مُطْلَقًا.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَنِيًّا وَامْتَنَعَ عَنِ الإِْنْفَاقِ إِلاَّ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِينَ - وَهِيَ الضَّرُورِيُّ مِنَ الطَّعَامِ وَالْكِسَاءِ وَلَوْ خَشِنًا - لَمْ يُفَرَّقْ.
هَذَا وَالإِْعْسَارُ وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الإِْنْفَاقِ يَشْمَلُ هُنَا الطَّعَامَ وَالْكِسَاءَ بِالاِتِّفَاقِ؛ لأِنَّ الْحَيَاةَ لاَ تَقُومُ بِدُونِهِمَا.
أَمَّا الإِْعْسَارُ بِالْمَسْكَنِ، فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْصَحَّ أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ.
وَكَذَلِكَ الإِْعْسَارُ بِالأُْدْمِ، إِلاَّ أَنَّ النَّوَوِيَّ صَحَّحَ عَدَمَ الْفَسْخِ بِالإِْعْسَارِ بِالأُْدْمِ؛ لأِنَّهُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ لإِِدَامَةِ الْحَيَاةِ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَعِنْدَهُمْ فِي التَّفْرِيقِ لِلإِْعْسَارِ بِالْمَسْكَنِ وَجْهَانِ:
الأْوَّلُ: أَنَّ لَهَا التَّفْرِيقَ بِهِ كَالطَّعَامِ وَالْكِسَاءِ.
وَالثَّانِي: لاَ تَفْرِيقَ لَهَا بِهِ؛ لأِنَّ الْبُنْيَةَ تَقُومُ بِدُونِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَرَوْنَ التَّفْرِيقَ لِلْعَجْزِ عَنِ الْمَسْكَنِ قَوْلاً وَاحِدًا؛ لأِنَّهُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ.
ج - أَنْ لاَ يَكُونَ لِلزَّوْجِ مَالٌ ظَاهِرٌ حَاضِرٌ يُمْكِنُهَا أَخْذُ نَفَقَتِهَا مِنْهُ بِنَفْسِهَا أَوْ بِطَرِيقِ الْقَاضِي، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لَهَا التَّفْرِيقُ بِالاِتِّفَاقِ، فَإِذَا كَانَ الْمَالُ غَائِبًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ الاِخْتِلاَفُ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ.
د - أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُ الزَّوْجِ عَنِ النَّفَقَةِ الْحَاضِرَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنِ النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ دُونَ الْحَاضِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ بِالاِتِّفَاقِ، لأِنَّهَا دَيْنٌ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَلَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً لِلإِْبْقَاءِ عَلَى الْحَيَاةِ.
فَإِذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنِ النَّفَقَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَمِّنَ لِزَوْجَتِهِ نَفَقَتَهَا مُدَّةَ غِيَابِهِ، فَإِذَا أَعْسَرَ بِذَلِكَ كَانَ لَهَا طَلَبُ الْفُرْقَةِ مِنْهُ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ: إِنَّ لَهَا الْمُطَالَبَةَ بِهَا فَقَطْ دُونَ التَّفْرِيقِ، فَإِذَا سَافَرَ وَنَفَّذَ مَا عِنْدَهَا مِنَ النَّفَقَةِ كَانَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ آنَئِذٍ.
فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُقِيمًا فَلاَ حَقَّ لِلزَّوْجَةِ فِي نَفَقَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، وَبِالتَّالِي فَلاَ حَقَّ لَهَا فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ لِمَنْعِهَا مِنْهَا.
فَإِذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنِ النَّفَقَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ أَصْلاً، كَأَنْ لَمْ تُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، أَوْ سَقَطَ حَقُّهَا فِي النَّفَقَةِ كَنُشُوزِهَا، فَإِنَّهُ لاَ حَقَّ لَهَا فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الْحَقِّ فِي النَّفَقَةِ أَصْلاً.
هـ - أَنْ لاَ تَكُونَ قَدْ رَضِيَتْ بِالْمَقَامِ مَعَهُ مَعَ عُسْرَتِهِ أَوْ تَرْكِ إِنْفَاقِهِ مُطْلَقًا، صَرَاحَةً أَوْ ضِمْنًا، أَوْ شَرَطَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ وَرَضِيَتْ بِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقٌّ فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ لَدَى الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي قَوْلٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ ثَانٍ إِلَى أَنَّ لَهَا طَلَبَ فَسْخِ النِّكَاحِ إِذَا أَعْسَر الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، لأِنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ.
نَوْعُ الْفُرْقَةِ بِالاِمْتِنَاعِ عَنِ الإِْنْفَاقِ وَطَرِيقُ وُقُوعِهَا:
- ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ لِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ فَسْخٌ مَا دَامَتْ بِحُكْمِ الْقَاضِي، فَإِنْ طَلَبَ الْقَاضِي مِنَ الزَّوْجِ طَلاَقَهَا فَطَلَّقَهَا كَانَتْ طَلاَقًا رَجْعِيًّا مَا لَمْ يَبْلُغِ الثَّلاَثَ، أَوْ يَكُنْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِلاَّ فَبَائِنٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا طَلاَقٌ رَجْعِيٌّ، وَلِهَذَا كَانَ لِلزَّوْجِ حَقُّ مُرَاجَعَتِهَا فِي الْعِدَّةِ عِنْدَهُمْ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا هُنَا لِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ أَنْ يَجِدَ الزَّوْجُ يَسَارًا لِنَفَقَتِهَا الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ النَّفَقَةَ الضَّرُورِيَّةُ الَّتِي فُرِّقَ مِنْ أَجْلِهَا، فَإِذَا رَاجَعَهَا دُونَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ.
وَأَمَّا طَرِيقُ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَكُونُ بِغَيْرِ الْقَاضِي، ذَلِكَ أَنَّهَا فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لاَ يَتِمُّ بِغَيْرِ الْقَضَاءِ، إِزَالَةً لِلْخِلاَفِ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا قَدَرَتْ عَلَى الرَّفْعِ لِلْقَاضِي، فَإِنِ اسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ لِعَدَمِ حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ، أَوْ عَجَزَتْ عَنِ الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي نَفُذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِلضَّرُورَةِ.
- وَأَمَّا وَقْتُ الْقَضَاءِ بِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُنَجِّزُ الْفُرْقَةَ بَعْدَ ثُبُوتِ الإِْعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ - بِالتَّصَادُقِ أَوِ الْبَيِّنَةِ - دُونَ إِنْظَارٍ، إِلاَّ أَنَّ الأَْظْهَرَ لَدَيْهِمْ إِمْهَالُ الزَّوْجِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ لِلتَّحَقُّقِ مِنْ عَجْزِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ لِعَارِضٍ ثُمَّ يَزُولُ، وَهِيَ مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ يُتَوَقَّعُ فِيهَا الْقُدْرَةُ بِقَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِذَا مَضَتْ دُونَ الْقُدْرَةِ، فَرَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْفَسْخَ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ ثُبُوتِ الإِْعْسَارِ دُونَ إِمْهَالٍ كَخِيَارِ الْعَيْبِ.
وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: إِذَا رَفَعَتِ الزَّوْجَةُ أَمْرَهَا لِلْقَاضِي، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ الزَّوْجَ، فَإِنِ ادَّعَى الإِْعْسَارَ وَأَثْبَتَهُ تَلَوَّمَ لَهُ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ، فَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُنْفِقْ، طَلَّقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ، أَوِ ادَّعَى الْيَسَارَ، أَوْ سَكَتَ وَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ، أَمَرَهُ الْقَاضِي بِالإِْنْفَاقِ أَوِ الطَّلاَقِ، فَإِنْ أَبَى طَلَّقَ عَلَيْهِ حَالًّا مِنْ غَيْرِ تَلَوُّمٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ، وَقِيلَ: يُطَلِّقُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ أَيْضًا.
وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً قَرِيبَةً يَقِلُّ بَعْدَهَا عَنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ، كَتَبَ الْقَاضِي إِلَيْهِ بِالْحُضُورِ وَالْخِيَارِ بَيْنَ الإِْنْفَاقِ أَوِ الْفِرَاقِ، فَإِنْ حَضَرَ وَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَبِهَا، وَإِلاَّ طَلَّقَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَحْضُرْ، هَذَا إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مَكَانَهُ. فَإِذَا كَانَ لاَ يَعْلَمُ مَكَانَهُ، أَوْ كَانَ مَكَانُهُ بَعِيدًا أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ فَوْرًا.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثلاثون ، الصفحة / 119
عِشْرَةٌ
التَّعْرِيفُ :
- الْعِشْرَةُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ وَالتَّعَاشُرِ، وَهِيَ الْمُخَالَطَةُ. وَالْعَشِيرُ: الْقَرِيبُ، وَالصَّدِيقُ.
وَعَشِيرُ الْمَرْأَةِ: زَوْجُهَا؛ لأِنَّهُ يُعَاشِرُهَا وَتُعَاشِرُهُ وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقِيلَ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ».
وَالْعِشْرَةُ اصْطِلاَحًا: هِيَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الأُْلْفَةِ وَالاِنْضِمَامِ.