يشترط فى الحكمين أن يكونا عدلين من أهل الزوجين إن أمكن وإلا فمن غيرهم ممن لهم خبرة بحالهما وقدرة على الإصلاح بينهما.
يشترط فى الحكمين أن يكونا عدلين من أهل الزوجين إن أمكن وإلا فمن غيرهم ممن لهم خبرة بحالهما وقدرة على الإصلاح بينهما.
موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول
المذكرة الإيضاحية
الأصل في جواز التطليق للضرر قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ..) (من الآية رقم 35 من سورة النساء).
فقد فهم بعض الصحابة أن حق الحكمين مطلق في الإصلاح أو التفريق وأن على القاضي أن يقضي بما يريانه ومن هؤلاء علي بن أبي طالب وعبد الله ابن عباس ولم يعرف لهما مخالف، وهو يتفق مع المأثور من أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم إذ قال (لا ضرر ولا ضرار) كما يتفق كذلك مع وصايا القرآن الكريم في مثل قوله تعالى ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (من الآية رقم ۲۲۹ من سورة البقرة) وإذا فات الإمساك بالمعروف تعين التسريح بالإحسان.
1- لما كانت قواعد التحكيم الواردة فى المواد من 7 إلى 11 من المرسوم بقانون رقم 25لسنه 1929 - سواء قبل تعديلها بالقانون رقم 100 لسنة 1985 أو بعد هذا التعديل - قد أخذت من مذهب الأمام مالك ، فإنه يجب الرجوع إلى هذا المذهب فى بيان الشروط الواجب توافرها فى الحكام فيما لم يرد به نص صريح فى المواد المشار إليها وإذ كان هذا المذهب يشترط الذكورة فى الحكام على اعتبار أن طريقهم هو الحكم وليس الشهادة أو الوكالة فتبين الالتزام بهذا الشرط وإن لم يرد به نص صريح فى المادة السابعة بعد تعديلها بالقانون السالف الذكر، لما كان ذلك وكانت المحكمة لم تلتزم بهذا الشرط فيمن بعثتهم حكاما فى الدعوى بأن كان من بينهم إمرأة مما يبطل التقرير المقدم منهم وإذ عول الحكم المطعون فيه على التقرير واتخذ منه سندا لقضائه فيما هو معروض عليه بخصوص إسقاط حقوق الطاعنة المالية وإلزامها بأن تدفع للمطعون ضده تعويضاً مقداره ألفى جنيه فإنه بدوره يكون باطلاً .
(الطعن رقم 98 لسنة 60 جلسة 1993/07/27 س 44 ع 2 ص 878 ق 282)
2- النص فى الفقرة الأولى من المادة السابعة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدلة بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية على أنه " يشترط فى الحكمين أن يكون عدلين من أهل الزوجين إن أمكن وإلا فمن غيرهم ممن لهم خبرة بحالهما وقدرة على الإصلاح بينهما" يدل على أنه لم يوجد من أقاربهما لهذه المهمة عين القاضى حكمين أجنبيين ممن لهم خبرة بحالهما وقدرة على الإصلاح لما كان ذلك وكان المقرر وفقا لنص المادة الخامسة من القانون رقم 462 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والملية فى الأحوال التى لم يرد بشأنها قواعد خاصة فى لائحة ترتيب المحاكم الشرعية يتعين اتباع الأحكام المقررة فى قانون المرافعات وإذ كانت تلك القواعد لم تتضمن القواعد الخاصة بعدم صلاحية المحكمين فإنه يتعين إعمال القواعد المنصوص عليها فى قانون المرافعات فى هذا الشأن وكان نص المادة 503 من قانون المرافعات قد جرى على أن يرد المحكمين " لذات الأسباب التى يرد بها القاضى أو يعتبر بسببها غير صالح للحكم، ويرفع طلب الرد إلى المحكمة المختصة أصلا بنظر الدعوى فى ميعاد خمسة أيام من يوم أخبار الخصم بتعين المحكم " وكان الثابت أن وكيل الطاعن طلب ترشيح الحكمين من مكتب توجيه الأسرة ولم يعترض الطاعن على تعيين حكم المطعون ضدها- شاهدها فى النزاع موضوع التحكيم - بل مثل أمامه وأبدى دفاعه كاملا دون أن يتخذ الإجراءات التى نص عليها القانون فى الرد المحكيمن فإن النعى على الحكم المطعون فيه بالبطلان لاتخاذه من تقرير الحكمين الباطل سندا لقضائه يكون على غير أساس.
(الطعن رقم 50 لسنة 59 جلسة 1992/02/25 س 43 ع 1 ص 388 ق 83)
3- نص المادة السابعة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 يدل على أنه يشترط فى الحكمين أن يكونا عدلين رشيدين من أهل الزوجين إن أمكن فإن لم يوجد من أقاربهما من يصلح لهذه المهمة عين القاضى أجنبيين ممن لهم خبرة بحالهما وقدرة على الإصلاح وإزالة الخلف بينهما . ولما كان من الأصول الفقهية المتواضع عليه أنه إذا أطلق النص فى التشريع وجب الرجوع إلى مأخذه ، وكان المعول عليه فى مذهب المالكية المستمد منه هذا النص أنه إذا لم يكن فى الأهل أحد يوصف بما يستحق به التحكيم أو كان الزوجان ممن لا أهل لهما ، فيختار من هو عدل من غيرهما من المسلمين ، مما مؤداه أنه لا يشترط أن يكون للحكمين المنتدبين من غير دائرة الأقارب إتصال شخصى بالزوجين قريبين منهما مطلعين على أحوالهما ويكفى أن يكون لهما من الخبرة العامة ما يستطيعان به التوفيق بين الزوجين . لما كان ذلك . وكان البين من الإطلاع على الأوراق أن محكمة أول درجة عينت فى البداية حكمين من أهل الزوجين بناء على ترشيحهما ، غير أن حكم الزوج تعمد عدم القيام بالمهمة فقضت المحكمة بندب آخرين أجنبيين ، وكان لم يوجه أى مطعن إلى عدالتهما ، فإن الحكم لا يكون قد خالف قواعد الشرع الإسلامى.
(الطعن رقم 13 لسنة 42 جلسة 1975/05/28 س 26 ص 1108 ق 212)
4- مؤدى نصوص المواد الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشر من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 أن المشروع خول الحكمين أن يتعرفاَ أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلاَ جهدهماَ فى الإصلاح فإن أمكن على طريقة معينة قرارها وإذا عجزاَ عن الإصلاح وكانت الإساءة من الزوج أو الزوجين معاً أو جهل الحال ولم يعرف من أى جانب كانت الإساءة قررا التفريق بينهماَ بطلقة بائنة ، وإذا إختلف الحكمان أمرهماَ القاضى بمعاودة البحث ، فإن إستمر الخلاف بينهما حكم غيرهما ، وعلى الحكمين أن يرفعاَ إلى القاضى ما يقرران ، وعلى القاضى أن يحكم بمقتضاه . وهذه الأحكام مستمدة من فقه المالكية ، ومن المنصوص عليه فيه أن الحكمين طريقهماَ الحكم لا الشهادة ولا الوكالة ولو كان من جهة الزوجين لأن الحكم فى اللغة هو الحاكم ، فإن إتفقاَ الحكمان نفذ حكمهماَ ووجب على الحاكم إمضاؤه من غير تعقيب ولو خالف مذهبه ، وإن إختلفاَ فطلق أحدهماَ ولم يطلق الآخر ، فلا يكون هناك فراق لأن إلى كل واحد منهما ماَ إلى صاحبه بإجتماعهماَ عليه . ولما كان الثابت من الحكم المطعون فيه أن الحكمين الآخرين ، كسابقيهماَ إختلفاَ ولم يقرراَ بجهل الحال ، وكان يتعين أزاء إختلافهماَ أن تكلفهماَ المحكمة بمعاودة البحث تطبيقاً لحكم المادة العاشرة من القانون ، وإذ إستنتج الحكم جهل الحال من إختلاف الحكمين وقضى بتطليق المطعون عليها مع أن المشرع ترك للحكمين بجهل الحال وبالتفريق بين الزوجين تبعاً لذلك على أن يحكم القاضى بالتطليق حسبما قراره عملاً بحكم المادتين التاسعة والحادية عشر من القانون ، لماَ كان ما تقدم فإن الحكم يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .
(الطعن رقم 46 لسنة 40 جلسة 1974/02/20 س 25 ع 1 ص 379 ق 63)
سند وجوب النص
يستند النص المطروح إلى قوله تعالى ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا) .
تضمنت المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2000 الصادر بتنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية تعديلاً جوهرياً على مواد التحكيم ۷ و ۸ و ۹ و ۱۰ و ۱۱ الواردة في القانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985، حيث نصت المادة ۱۹ سالفة الذكر على أنه "في دعاوى التطليق التي يوجب فيها القانون ندب حكمين يجب على المحكمة أن تكلف كلاً من الزوجين بتسمية حكم من أهله - قدر الإمكان - في الجلسة التالية على الأكثر، فإن تقاعس أيهما عن تعيين حكمه أو تخلف عن حضور هذه الجلسة عينت المحكمة حكماً عنه، وعلى الحكمين المثول أمام المحكمة في الجلسة التالية لتعيينهما ليقررا ما خلصا إليه فإن اختلفا أيهما عن الحضور تسمع المحكمة أقوالهما أو أقوال الحاضر منهما بعد حلف اليمين، وللمحكمة أن تأخذ بما انتهى إليه الحكمان أو بأقوال أيهما أو بغير ذلك مما تستقيه من أرقى الدعوى".
التحكيم في ظل تعديلات القانون رقم 1 لسنة 2000
ويمكن تحديد التعديل الذي أدخل على طريق التحكيم بمقتضی المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2000 في النقاط التالية :
أولاً : يشترط أن يكون الحكمين من أهل الزوجين أن أمكن وإلا عينت المحكمة غيرهما ممن لهما خبرة بحال الزوجين وقدرة على الإصلاح بينهما (م ۷ ق 1929/25 ) .
ثانياً : يجب أن يصدر قرار بندب الحكمين في الجلسة التالية لإخفاق الزوجة في إثبات الضرر في دعواها الثانية بالتطليق بعد رفض دعواها الأولی به إعمالاً لحكم الفقرة الأخيرة من المادة 6 من القانون، أو بعد ثبوت إستحكام الخلاف بين الزوجين وطلب الزوجة التطليق إعمالاً لحكم فقرة الأخيرة من المادة 11 مكرر ثانياً.
ثالثاً : يجب على المحكمة تحليف كل من الحكمين اليمين القانونية - بعد أداء المأمورية - بأنه قد قام مهمته بعدل وأمانة وصيغة اليمين كالتالي أحلف بالله العظيم أنني قد أديت مهمة التحكيم بعدل وأمانة".
رابعاً : لا يجوز للمحكمة أن تمنح الحكمين مهلة أخرى وفق ما هو منصوص عليه في الفقرة ب من المادة 8-ق 1929/25 ، وذلك تحقيقاً لغرض المشرع من التعديل المنصوص عليه في المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2000 وهو الحيلولة دون إطالة أمد التقاضي في دعاوى الطلاق.
خامساً : لا يؤثر في سير عمل الحكمين إمتناع أحد الزوجين عن حضور مجلس التحكيم متي تم إخطاره (م 1/9 - 1929/29 ).
سادساً : على الحكمين أن يتعرفا على أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الإصلاح بينهما على أية طريقة ممكنة (م 2/9 - ق 1929/29 ) .
سابعاً : إذا اختلف الحكمان أو تخلف أحدهما عن الحضور فلا يجوز إنتداب محکم ثالث على ما تنص عليه المادة ۱۱/ ق 1929/29 حيث أضحى التحكيم في دعاوى الطلاق يقتصر - بموجب المادة ۱۹ من القانون رقم 1 لسنة 2000 على ندب حكمين إثنين لمرة واحدة.
ثامناً : إذا اختلف الحكمين حول شخص المتسبب في تصدع الحياة الزوجية أو تخلف أحدهما عن الحضور أمام المحكمة في الجلسة المحددة وجب على المحكمة سماع أقوال الحاضر منهما (کشاهد في الدعوى بعد تحليفه اليمين القانونية أن يشهد الحق.
ولما كان المشرع قد عدل بموجب المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2000 عن إعتبار طريق المحكمين هو الحكم "أي القضاء على ما هو مشهور بمذهب الإمام مالك إلى إعتباره كشاهد في الدعوى فإن شهادة المحكم يجوز أن تكفي لحمل الحكم في الدعوى سواء بمفردها ودون حاجة لدليل أو قرينة أخرى تساندها إعمالاً لحكم المادة ۱۳ من قانون إنشاء محاكم الأسرة رقم 10 لسنة 2004 أو إذا ساندتها قرائن أخري إنطوت عليها الأوراق.
تاسعاً: إذا اتفق الحكمان على إستحالة إستمرار العشرة بين الزوجين وجب عليهما إقتراح أحد البدائل المنصوص عليها في المادة العاشرة من القانون إلا أنه ليس لزاماً على المحكمة أن تأخذ بما ينتهي إليه المحكمان من رأى ولا عليها إن هي طرحت ما اتفق عليه الحكمان أو أخذت بجزء منه دون غيره أو قضت وفق ما انتهيا إليه من رأي أو قضت بغير هذا أو ذلك مما تستقيه من أوراق الدعوى (الفقرة الأخيرة من المادة 19/ق 1 سنة 2000).
يتضح مما تقدم أن المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2000 تكون قد نسخت المادة 11 من القانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 نسخاً كلياً إعمالاً لعجز المادة الرابعة من مواد إصدار القانون رقم 1 لسنة ۲۰۰۰، كما تعد قد نسخت المادة 8/أ فيما يتعلق بما نص عليه فيها في شأن المدة الواجب على الحكمين الإنتهاء خلالها من أداء المأمورية الموكولة لهما وكذا ما ورد في الفقرة (ب ) من ذات المادة فيما يتعلق بمهلة الثلاثة أشهر المنصوص عليها فيها والأثر المترتب على تقديم الحكمين لتقريرهما خلالها، كما نسخ حق الحكمين في إقتراح التطليق حال إتفاقهما على تصدع الحياة الزوجية والمنصوص عليه في المادة العاشرة من القانون 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985.
علاقة المحكمين بالخصوم
وقد اشترط نص المادة السابعة من القانون 25 لسنة 1929 - محل التعليق - أن يكون الحكمان أحدهما من أهل الزوج والآخر من أهل الزوجة لأنهما أدري من غيرهما ببواطن أمور الزوجين وعليهم أن يسعيا في إصلاح ذات بينهما وتأليف قلبيهما على حسن العشرة فإن لم يوجد أحد من أهلهما يصلح لهذه المهمة عين القاضي أجنبيين ويندب أن يكونا من جيرانهما ويجوز أن يكون أحد الحكمين من أهل أي من الزوجين والآخر أجنبي عنهما طالما لم يتوافر حكمين من الأقارب. الشروط الواجب توافرها في المحكم
ويشترط في الحكمين أن يكونا رشیدین عدلين، عالمين بأحكام الشرع في المهمة التي اختيرا من أجلها، إلا أن المحكمة على وجه العموم لا تندب إلا من تراه كفأ للإصلاح بين الزوجين وتحري المصلحة.
هل يجوز أن يكون من بين الحكمين امرأة ؟
وقد ثار التساؤل في ظل هذا النص حول مدى جواز أن يكون الحكم امرأة؟ والذي طرح هذا التساؤل المسلك الذي سلكه المشرع في صياغة المادة السابعة ذلك أن النص في القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ كان يتضمن إشتراط أن يكون الحكمين من الرجال حيث جاءت الصياغة على النحو التالي (يشترط في الحكمين أن يكونا رجلين عدلين..) وقد عمد المشرع عند تعديل النص في القرار بقانون رقم 44 لسنة ۱۹۷۹ إلى إعادة ترديد النص بذات العبارات مع إسقاط كلمة رجلين من الصياغة حيث جاء النص بالقرار سالف الذكر على نحو (يشترط في الحكمين أن يكونا عدلين..) والذي دعانا إلى القول بأن المشرع قد عمد إلى إسقاط كلمة رجلين من الصيغة الواردة بالنص إنه عند إصدار القانون رقم 100 لسنة 1985 عاد المشرع إلى إعادة ترديد النص الصياغة التي كان منصوص عليه في قرار بقانون رقم 44 لسنة 1979 دون إضافة كلمة (رجلين) إليه كما أن مناقشات المادة قبل إعتمادها بمجلس الشعب تكشف بجلاء عن عدة المشرع في عدم التقيد بأن يكون الحكمين رجلين فقط)، إلا أن محكمة النقض ذهبت في حكم حديث لها إلى وجوب أن يكون الحكمين من درجات وعدم جواز أن يكون الحكمين أو أحدهما إمرأة وذلك قولاً منها - الحكم قد تم تخريجه على مذهب الإمام مالك مما يوجب الرجوع إلى هذا المذهب الذي استمد منه النص لتفسير ما غمض منه وأنه طالما أن مذهب الإمام مالك لا يجيز أن يكون الحكم امرأة فإنه يتعين إعتماد هذا المنطق والعمل به بإعتباره أن الحكمين طريقهما الحكم وليس الشهادة، إلا أننا نرى أنه في ظل المستحدث بالفقرة الأخيرة من المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2000 والتي مؤداها إعتبار طريق المحكم الشهادة وليس حكم جواز أن يكون أحد المحكمين من النساء بشرط التعدد أي جواز أن يكون المحكمون رجل وامرأتان وفقاً لنصاب الشهادة المعتمد بالراجح من المذهب الحنفي خاصة وأن القوائم التي تضم الأخصائيين الاجتماعيين التي ستحدثها نصوص القانون رقم 1 لسنة ۲۰۰۰ يمكن أن تضم خبراء من الجنسين.
ويجب أن تتم تسمية الحكمين في الجلسة التالية للجلسة التي يصدر فيها قرار ندب الحكمين قدر الإمكان وذلك إعمالاً لنص المادة ۱۹ من القانون رقم 1 لسنة 2000. تخلف الخصم عن تسمية محكمه
وإذا تقاعس أو امتنع أحد الزوجين عن ترشيح حكماً عنه فإن النص يعطي للمحكمة في هذه الحالة الحق أن تختار حكم آخر ممن له خبرة بأحوال الزوجين وقدرة على الإصلاح بينهما إذ أن النص وإنما يستحسن فقط إختيار الحكمين من غير أهل الزوجين كلما أمكن ذلك - ويدخل تحتها إمتناع الطرفين أو إحداهما عن ترشيح حكما - كان للمحكمة إختيارهما من غير أهل الزوجين، بإعتبار أنه لا يجوز أن يكون أحد الحكمين من أهل الزوجين والآخر أجنبي عنهما وذلك تحقيقاً لمبدأ المساواة بينهما وضماناً للحيدة.
ندب المحكمين من محكمة الإستئناف
وكما يتم ترشيح الحكمين أمام محكمة أول درجة فإنه يجوز أن يتم بعثهما لأول مرة أمام محكمة الإستئناف كما إذا قضت محكمة أول درجة برفض الدعوى فطعنت المدعية على الحكم وثبت أمام محكمة الإستئناف تكرار الشكوى.
حق الخصم في رد الحكم
ولأي من الخصمين الإعتراض على شخص الحكم الذي يرشحه الطرف الآخر ويكون تقدير جدية الإعتراضات خاضعاً لتقدير المحكمة التي لها أن تكلف الخصم بترشيح حكماً غيره أو تقوم المحكمة بذلك.
الطبيعة القانونية للمحكم
، إلا أنه إذا توافرت في حق الحكم أحد أسباب رد الشاهد منصوص عليها في القول الراجح من المذهب الحنفي وجود عداوة .دنيوية بينه وبين أحد الزوجين جاز للخصم أن يقدم إلى المحكمة التي تتولی نظر الدعوى طلباً بإستبعاد الحكمين أو أحدهما وذلك كأن يثبت وجود خصومات قضائية بين الخصم ومحكم الخصم الآخر.
هل يجوز أن يكون الحكم أحد أصول الخصم أو فروعه ؟
وقد استخدمت نص المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة 2000 بتنظيم إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية قاعدة أوردها في الفقرة الأخيرة من المادة المذكورة مؤداها إعتبار المحكم في قضايا التطليق من قبيل الشاهد وليس القاضي، ومقتضى ذلك النص إعمال قاعدة عدم جواز شهادة الأصول للفروع وهو ما يستتبع القول بعدم جواز أن يكون الحكم هو والد الزوج أو الزوجة أو فرعاً لأيهما.
أثر الخصومة بين الحكم وأحد طرفي الدعوى على صلاحية الحكم للتحكيم
وقد أثارت بعض قضايا الطلاق التي استلزم الأمر فيها قيام المحكمة بإتخاذ طريق التحكيم مشكلة وجود خصومة شخصية أو قضائية بين أحد الحكام وأي من طرفي الدعوى خاصة إذا كان الحكم من أهلية أحد الخصمين والفرض يثور حين تتكشف الخصومة بعد قيام الحكم بأداء المأمورية الموكولة إليه بعد إنقضاء الميعاد المقرر لرده وفي هذه الحالة يكون للمحكمة وطبقا للسلطة المخولة لها بمقتضى المادة السابعة أن تندب غيره من أهل الزوجين إن أمكن وإلا فمن غيرهم ممن لهم خبرة بحالهما وقدرة على الإصلاح بينهما . (موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ، الصفحة : 386).
مناط إتخاذ إجراءات التحكيم :
أن تكون الدعوى المقامة للتطليق هي دعوى ثانية سبقتها دعوى أولي بطلب التطليق للضرر مع عجز الزوجة في إثبات الضرر في كلا الدعويين دون أن يلزم لذلك أن تكون مقيمة مع زوجها في دعوى التطليق الثانية ، علي أن تستند في الدعوى الثانية بالتطليق علي وقائع مغايرة لتلك التي رفعت الدعوى الأولى علي أساسها ، وإن تعجز المحكمة عن محاولة الإصلاح بين الزوجين .
مهمة الحكمين
لقد خول المشرع الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الإصلاح أن أمكن والعمل على إزالتها وضرورة بذل جهدهما لإصلاح ذات البين فلا يتسرعان في فصم عرى الزوجية وعليهما جمع الطرفين في مجالس عائلية يحددان زمانها ومكانتها لا يحضرها إلا الزوجان ، ومن يقرر الحكمان ضرورة حضوره من الأقارب أو الوكلاء أو من يستعان بهم في الإصلاح أو في تقصي الحقائق ، ومعلوم بداهة أن تخلف احد الزوجين عن حضور تلك المجالس لا يعطلها بعد إعلانه بالحضور ، لأن الإخطار لا يستلزم شكلاً خاصاً بحضور الزوجين معاً ، فإن لم تثمر مساعي الحكمين صلحاً ، وبقي طالب التطليق مصراً علي طلبه فيما حكمهما إلى القاضي متضمناً تحديد مصدر الشقاق ومن هو المسئ من الزوجين للآخر ونسبة تلك الإساءة ، وهذه ناحية لابد منها إذ أنها ستكون مرتكز الحكمين عندما تفضي بالمهر حين الحكم بالتطليق أن يكون كله أو بعضه من حق الزوجة إذا كانت الإساءة كلها أو أكثرها من الزوج أو العكس .
ويجب أن يشتمل حکم تعيين الحكمين علي تاريخ بدء المهمة ونهايتها بما لا يجاوز ستة أشهر ، ويجوز للمحكمة إعطاء الحكمين مهلة أخري مرة واحدة لا تزيد على ثلاثة أشهر مع وجوب إعلان الحكمين والخصوم بحكم تعيين الحكمين مع تحليفهما.
فإن لم يقدما تقريرهما في المدة المحددة إعتبرتهما المحكمة أنها غير متفقين .
وأنه في حالة عجز الحكمين عن الإصلاح فإن الحكمين يقرران التطليق بطلقة بائنة إذا كانت الإساءة كلها من الزوج دون المساس بحقوق الزوجة المترتبة على الزواج والطلاق .
أما إذا كانت الإساءة كلها من الزوجة قرر الحكمان التطليق بمقابل بدل مناسب تدفعه الزوجة . وفي حالة ما إذا كانت الإساءة مشتركة قرر الحكمان التطليق بينهما ببدل مناسب مع الإساءة أو بدون بدل . أما إذا لم يعرف الحكمان من المسئ منهما إقترح الحكمان التطليق بينهما دون بدل . (الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 384).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والعشرون ، الصفحة / 55
شُرُوطُ الْحَكَمَيْنِ:
- اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحَكَمَيْنِ شُرُوطًا هِيَ:
- كَمَالُ الأَْهْلِيَّةِ، وَهِيَ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالرُّشْدُ، فَلاَ يَجُوزُ تَحْكِيمُ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ.
- الإِْسْلاَمُ، فَلاَ يَحْكُمُ غَيْرُ الْمُسْلِمِ فِي الْمُسْلِمِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الاِسْتِعْلاَءِ عَلَيْهِ.
- الْحُرِّيَّةُ، فَلاَ يَحْكُمُ عَبْدٌ، وَلِلْحَنَابِلَةِ قَوْلٌ آخَرُ بِجَوَازِ جَعْلِ الْعَبْدِ مُحَكَّمًا، مَا دَامَ التَّحْكِيمُ وَكَالَةً.
- الْعَدَالَةُ، وَهِيَ: مُلاَزَمَةُ التَّقْوَى.
- الْفِقْهُ بِأَحْكَامِ هَذَا التَّحْكِيمِ.
- أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَيْنِ إِنْ أَمْكَنَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ لاَ الْوُجُوبِ.
ثُمَّ إِنْ وَكَّلَ الزَّوْجَانِ الْحَكَمَيْنِ بِالتَّفْرِيقِ بِرِضَاهُمَا كَانَ لَهُمَا التَّفْرِيقُ أَيْضًا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْجَمْعِ وَالتَّوْفِيقِ، وَفِي حَالِ التَّوْكِيلِ فِي التَّفْرِيقِ يُشْتَرَطُ إِلَى جَانِبِ مَا تَقَدَّمَ: أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَانِ كَامِلَيِ الأَْهْلِيَّةِ رَاشِدَيْنِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنِ احْتِمَالِ رَدِّ بَعْضِ الْمَهْرِ.
فَإِنْ وَكَّلَ الزَّوْجَانِ الْحَكَمَيْنِ بِالتَّفْرِيقِ، ثُمَّ جُنَّ أَحَدُهُمَا أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ، لَغَا التَّوْكِيلُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْحَكَمَيْنِ غَيْرُ التَّوْفِيقِ، فَإِنْ غَابَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ لَمْ يَنْعَزِلِ الْحَكَمَانِ، وَيَكُونُ لَهُمَا التَّفْرِيقُ فِي غَيْبَتِهِ؛ لأِنَّ الْغَيْبَةَ لاَ تُبْطِلُ الْوَكَالَةَ، بِخِلاَفِ الْجُنُونِ وَالإِْغْمَاءِ.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْحَكَمَيْنِ، وَمَعَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الأَْظْهَرِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي الذُّكُورَةَ؛ لأِنَّ الْحَكَمَيْنِ هُنَا حَاكِمَانِ، وَلاَ يَجُوزُ جَعْلُ الْمَرْأَةِ عِنْدَهُمْ حَاكِمًا.
وَالْحَكَمَانِ يَحْكُمَانِ بِالتَّفْرِيقِ جَبْرًا عَنِ الزَّوْجَيْنِ؛ لأِنَّهُمَا حَاكِمَانِ هُنَا وَنَائِبَانِ عَنِ الْقَاضِي، إِلاَّ أَنْ يُسْقِطَ الزَّوْجَانِ مُتَّفِقَيْنِ دَعْوَى التَّفْرِيقِ قَبْلَ حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ، فَإِنْ فَعَلاَ سَقَطَ التَّحْكِيمُ وَلَمْ يَجُزْ لَهُمَا الْحُكْمُ بِالتَّفْرِيقِ بِهِ؛ لأِنَّ شَرْطَ التَّحْكِيمِ هُنَا الدَّعْوَى، وَهَذَا إِذَا كَانَا مُحَكَّمَيْنِ مِنَ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَا مُحَكَّمَيْنِ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ غَيْرِ قَاضٍ، فَكَذَلِكَ يَنْفُذُ حُكْمُهُمَا عَلَى الزَّوْجَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلاَ بِهِ، مَا دَامَا لَمْ يَعْزِلاَهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ، فَإِنْ عَزَلاَهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ انْعَزِلاَ، مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ رَأْيِهِمَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ ظُهُورِ رَأْيِهِمَا لَمْ يَنْعَزِلاَ.
كَمَا أَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ كَوْنَ الْحَكَمَيْنِ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ يُجِيزَا تَحْكِيمَ غَيْرِهِمَا، إِلاَّ أَنْ لاَ يُوجَدَ مِنْ أَهْلِهِمَا مَنْ يَصْلُحُ لِلتَّحْكِيمِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ جَازَ تَحْكِيمُ جَارَيْهِمَا، أَوْ غَيْرِهِمَا، وَنُدِبَ أَنْ يَكُونَا جَارَيْنِ لِلْعِلْمِ بِحَالِهِمَا غَالِبًا.
ثُمَّ إِذَا وَكَّلَ الزَّوْجَانِ الْحَكَمَيْنِ بِالتَّفْرِيقِ مُخَالَعَةً، كَانَ لَهُمَا ذَلِكَ بِحَسَبِ رَأْيِهِمَا مَا لَمْ يُقَيِّدَاهُمَا بِشَيْءٍ، فَإِنْ قَيَّدَاهُمَا تَقَيَّدَا بِهِ لَدَى الْجَمِيعِ.
فَإِذَا لَمْ يُوَكِّلاَهُمَا بِالتَّفْرِيقِ وَالْمُخَالَعَةِ، كَانَ لَهُمَا التَّفْرِيقُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ دُونَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُنَا يَمْلِكُ الْحَكَمَانِ التَّفْرِيقَ بِطَلاَقٍ أَوْ مُخَالَعَةٍ بِحَسَبِ رَأْيِهِمَا، فَإِنْ رَأَيَا أَنَّ الضَّرَرَ كُلَّهُ مِنَ الزَّوْجِ طَلَّقَا عَلَيْهِ، وَإِنْ رَأَيَا أَنَّهُ كُلُّهُ مِنَ الزَّوْجَةِ فَرَّقَا بَيْنَهُمَا بِمُخَالَعَةٍ عَلَى أَنْ تَرُدَّ لَهُ كُلَّ الْمَهْرِ، وَرُبَّمَا أَكْثَرَ مِنْهُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الضَّرَرُ بَعْضُهُ مِنَ الزَّوْجَةِ وَبَعْضُهُ مِنَ الزَّوْجِ، فَرَّقَا بَيْنَهُمَا مُخَالَعَةً عَلَى جُزْءٍ مِنَ الْمَهْرِ يُنَاسِبُ مِقْدَارَ الضَّرَرِ مِنْ كُلٍّ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن والثلاثون ، الصفحة / 261
مُصَالَحَةُ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا حَتَّى لاَ يُفَارِقَهَا:
إِذَا نَفَرَ الزَّوْجُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَأَرَادَ فِرَاقَهَا فَيَجُوزُ لِلزَّوْجَةِ مُصَالَحَتُهُ حَتَّى لاَ يُفَارِقَهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ).
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الظَّاهِرُ مِنَ الآْيَةِ أَنَّ صُلْحَهُمَا عَلَى تَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا لِلزَّوْجِ وَقَبُولِ الزَّوْجِ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنَ الْمُفَارَقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا أَمْسَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ رضي الله عنها عَلَى أَنْ تَرَكَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رضي الله عنها وَلَمْ يُفَارِقْهَا بَلْ تَرَكَهَا مِنْ جُمْلَةِ نِسَائِهِ وَفَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ لِتَتَأَسَّى بِهِ أُمَّتُهُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ
ذَلِكَ وَجَوَازِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْوِفَاقُ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْفِرَاقِ قَالَ: ( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) فَإِذَا أَصَرَّ الزَّوْجُ عَلَى الْفِرَاقِ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمَا إِذَا تَفَرَّقَا فَإِنَّ اللَّهَ يُغْنِيهِ عَنْهَا وَيُغْنِيهَا عَنْهُ قَالَ تَعَالَى: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / العاشر ، الصفحة / 233
تَحْكِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
التَّحْكِيمُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ حَكَّمَهُ فِي الأَْمْرِ وَالشَّيْءِ، أَيْ: جَعَلَهُ حَكَمًا، وَفَوَّضَ الْحُكْمَ إِلَيْهِ.
وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ).
وَحَكَّمَهُ بَيْنَهُمْ: أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. فَهُوَ حَكَمٌ، وَمُحَكَّمٌ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ: «إِنَّ الْجَنَّةَ لِلْمُحَكَّمِينَ» فَالْمُرَادُ بِهِ الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي يَدِ الْعَدُوِّ، فَيُخَيَّرُونَ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالْقَتْلِ، فَيَخْتَارُونَ الْقَتْلَ ثَبَاتًا عَلَى الإِْسْلاَمِ.
وَفِي الْمَجَازِ: حَكَّمْتُ السَّفِيهَ تَحْكِيمًا: إِذَا أَخَذْتَ عَلَى يَدِهِ، أَوْ بَصَّرْتَهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ رحمه الله تعالى: حَكِّمِ الْيَتِيمَ كَمَا تُحَكِّمُ وَلَدكَ. أَيِ: امْنَعْهُ مِنَ الْفَسَادِ كَمَا تَمْنَعُ وَلَدَكَ وَقِيلَ: أَرَادَ حُكْمَهُ فِي مَالِهِ إِذَا صَلَحَ كَمَا تُحَكِّمُ وَلَدَكَ.
وَمِنْ مَعَانِي التَّحْكِيمِ فِي اللُّغَةِ: الْحَكَمُ.
يُقَالُ: قَضَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَقَضَى لَهُ، وَقَضَى عَلَيْهِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّحْكِيمُ: تَوْلِيَةُ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا.
وَفِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: التَّحْكِيمُ عِبَارَةٌ عَنِ اتِّخَاذِ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا بِرِضَاهُمَا لِفَصْلِ خُصُومَتِهِمَا وَدَعْوَاهُمَا.
وَيُقَالُ لِذَلِكَ: حَكَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَمُحَكَّمٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ، وَتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقَضَاءُ:
مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الْحُكْمُ، وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالإِْلْزَامُ بِهِ، وَفَصْلُ الْخُصُومَةِ.
وَعَلَى هَذَا فَكُلٌّ مِنَ التَّحْكِيمِ وَالْقَضَاءِ وَسِيلَةٌ لِفَضِّ النِّزَاعِ بَيْنَ النَّاسِ وَتَحْدِيدِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلِهَذَا اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا صِفَاتٍ مُتَمَاثِلَةً. كَمَا سَنَرَى بَعْدَ قَلِيلٍ.
إِلاَّ أَنَّ بَيْنَهَا فَوَارِقَ جَوْهَرِيَّةً تَتَجَلَّى فِي أَنَّ الْقَضَاءَ هُوَ الأَْصْلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَنَّ التَّحْكِيمَ فَرْعٌ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ هُوَ صَاحِبُ وِلاَيَةٍ عَامَّةٍ، فَلاَ يَخْرُجُ عَنْ سُلْطَةِ الْقَضَاءِ أَحَدٌ، وَلاَ يُسْتَثْنَى مِنِ اخْتِصَاصِهِ مَوْضُوعٌ.
أَمَّا تَوْلِيَةُ الْحَكَمِ فَتَكُونُ مِنَ الْقَاضِي أَوْ مِنَ الْخَصْمَيْنِ وَفْقَ الشُّرُوطِ وَالْقُيُودِ الَّتِي تُوضَعُ لَهُ، مَعَ مُلاَحَظَةِ أَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلتَّحْكِيمِ، كَمَا سَنَرَى.
ب - الإِْصْلاَحُ:
الإِْصْلاَحُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الإِْفْسَادِ. يُقَالُ: أَصْلَحَ: إِذَا أَتَى بِالْخَيْرِ وَالصَّوَابِ. وَأَصْلَحَ فِي عَمَلِهِ، أَوْ أَمْرِهِ: أَتَى بِمَا هُوَ صَالِحٌ نَافِعٌ.
وَأَصْلَحَ الشَّيْءَ: أَزَالَ فَسَادَهُ.
وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَاتَ بَيْنِهِمَا، أَوْ مَا بَيْنَهُمَا: أَزَالَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ عَدَاوَةٍ وَنِزَاعٍ بِرِضَا الطَّرَفَيْنِ.
، وَفِي، الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَالْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
فَالإِْصْلاَحُ وَالتَّحْكِيمُ يُفَضُّ بِهِمَا النِّزَاعُ، غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ تَوْلِيَةٍ مِنَ الْقَاضِي أَوِ الْخَصْمَيْنِ، وَالإِْصْلاَحُ يَكُونُ الاِخْتِيَارُ فِيهِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْ مِنْ مُتَبَرِّعٍ بِهِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
التَّحْكِيمُ مَشْرُوعٌ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ الْكَرِيمُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا).
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الآْيَةَ دَلِيلُ إِثْبَاتِ التَّحْكِيمِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ، «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَضِيَ بِتَحْكِيمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رضي الله عنه فِي أَمْرِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، حِينَ جَنَحُوا إِلَى ذَلِكَ وَرَضُوا بِالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِهِ».
«وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَضِيَ بِتَحْكِيمِ الأَْعْوَرِ بْنِ بَشَامَةَ فِي أَمْرِ بَنِي الْعَنْبَرِ، حِينَ انْتَهَبُوا أَمْوَالَ الزَّكَاةِ».
وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «أَنَّ أَبَا شُرَيْحٍ هَانِئَ بْنَ يَزِيدَ رضي الله عنه لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ قَوْمِهِ، سَمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ. قَالَ: فَمَا أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ. قَالَ: أَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ. وَدَعَا لَهُ وَلِوَلَدِهِ».
أَمَّا الإِْجْمَاعُ، فَقَدْ كَانَ بَيْنَ عُمَرَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله تعالى عنهما مُنَازَعَةٌ فِي نَخْلٍ، فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رضي الله عنه.
وَاخْتَلَفَ عُمَرُ مَعَ رَجُلٍ فِي أَمْرِ فَرَسٍ اشْتَرَاهَا عُمَرُ بِشَرْطِ السَّوْمِ، فَتَحَاكَمَا إِلَى شُرَيْحٍ.
كَمَا تَحَاكَمَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إِلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنهم،، وَلَمْ يَكُنْ زَيْدٌ وَلاَ شُرَيْحٌ وَلاَ جُبَيْرٌ مِنَ الْقُضَاةِ.
وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِجَمْعٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ التَّحْكِيمِ.
إِلاَّ أَنَّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَنِ امْتَنَعَ عَنِ الْفَتْوَى بِذَلِكَ، وَحُجَّتُهُ: أَنَّ السَّلَفَ إِنَّمَا يَخْتَارُونَ لِلْحُكْمِ مَنْ كَانَ عَالِمًا صَالِحًا دَيِّنًا، فَيَحْكُمُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، أَوْ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِينَ. فَلَوْ قِيلَ بِصِحَّةِ التَّحْكِيمِ الْيَوْمَ لَتَجَاسَرَ الْعَوَامُّ، وَمَنْ كَانَ فِي حُكْمِهِمْ إِلَى تَحْكِيمِ أَمْثَالِهِمْ، فَيَحْكُمُ الْحَكَمُ بِجَهْلِهِ بِغَيْرِ مَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الأَْحْكَامِ، وَهَذَا مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَلِذَلِكَ أَفْتَوْا بِمَنْعِهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ أُحِبُّ ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجْزِهِ ابْتِدَاءً.وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَوَازِهِ فِي الْمَالِ فَقَطْ.
وَمَهْمَا يَكُنْ فَإِنَّ جَوَازَ التَّحْكِيمِ هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ نَفَاذُهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
وَطَرَفَا التَّحْكِيمِ هُمَا الْخَصْمَانِ اللَّذَانِ اتَّفَقَا عَلَى فَضِّ النِّزَاعِ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى الْمُحَكِّمَ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَكْسُورَةِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْخَصْمَانِ اثْنَيْنِ، وَقَدْ يَكُونَانِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَالشَّرْطُ فِي طَرَفَيِ التَّحْكِيمِ الأَْهْلِيَّةُ الصَّحِيحَةُ لِلتَّعَاقُدِ الَّتِي قِوَامُهَا الْعَقْلُ، إِذْ بِدُونِهَا لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ.
وَلاَ يَجُوزُ لِوَكِيلِ التَّحْكِيمِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ مُوَكِّلِهِ، وَكَذَلِكَ الصَّغِيرُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ مِنْ عَامِلِ الْمُضَارَبَةِ إِلاَّ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَلاَ مِنَ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالإِْفْلاَسِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْقَاصِرِ أَوْ بِالْغُرَمَاءِ.
شُرُوطُ الْمُحَكَّمِ:
أ - أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَلَوْ حَكَّمَ الْخَصْمَانِ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مَثَلاً لَمْ يَجُزْ بِالإِْجْمَاعِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَهَالَةِ إَلاَّ إَذَا رَضُوا بِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَحْكِيمًا لِمَعْلُومٍ.
ب - أَنْ يَكُونَ أَهْلاً لِوِلاَيَةِ الْقَضَاءِ، وَعَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، عَلَى خِلاَفٍ فِيمَا بَيْنَهَا فِي تَحْدِيدِ عَنَاصِرِ تِلْكَ الأَْهْلِيَّةِ.
وَالْمُرَادُ بِأَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ هُنَا: الأَْهْلِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ لِلْقَضَاءِ، لاَ فِي خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ مَوْضُوعِ النِّزَاعِ.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُمْكِنُ الاِسْتِغْنَاءُ عَنْهُ عِنْدَمَا لاَ يُوجَدُ الأَْهْلُ لِذَلِكَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ جَوَازَ التَّحْكِيمِ بِعَدَمِ وُجُودِ قَاضٍ، وَقِيلَ: يَتَقَيَّدُ بِالْمَالِ دُونَ الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ، أَيْ إِثْبَاتِ عَقْدِ النِّكَاحِ.
وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْمُحَكَّمَ لاَ تُشْتَرَطُ فِيهِ كُلُّ صِفَاتِ الْقَاضِي.
وَثَمَّةَ أَحْكَامٌ تَفْصِيلِيَّةٌ لِهَذَا الشَّرْطِ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَبْحَثِ (دَعْوَى) (وَقَضَاءٌ).
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْقَضَاءِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَحَقِّقَةً فِي الْمُحَكَّمِ مِنْ وَقْتِ التَّحْكِيمِ إِلَى وَقْتِ الْحُكْمِ.وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَكَّمِ: الإِْسْلاَمُ، إِنْ كَانَ حَكَمًا بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا، أَمَّا إِذَا كَانَا غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُ الْمُحَكَّمِ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ تَرَاضِي الْخَصْمَيْنِ عَلَيْهِ كَتَوْلِيَةِ السُّلْطَانِ إِيَّاهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ وِلاَيَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ الْحُكْمَ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ صَحِيحَةٌ، وَكَذَلِكَ التَّحْكِيمُ.
وَلَوْ كَانَا غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ، وَحَكَّمَا غَيْرَ مُسْلِمٍ جَازَ، فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُ الْحَكَمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَيُنَفَّذُ لَهُ.
وَقِيلَ: لاَ يُنَفَّذُ لَهُ أَيْضًا.
أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَتَحْكِيمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه مَوْقُوفٌ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ صَحَّ، وَإِلاَّ بَطَلَ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ جَائِزٌ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ حَكَّمَ مُسْلِمٌ وَمُرْتَدٌّ رَجُلاً، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قُتِلَ الْمُرْتَدُّ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ عَلَيْهِمَا.
وَرَتَّبُوا عَلَى ذَلِكَ آثَارًا تَظْهَرُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ التَّفْرِيعِيَّةِ... مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ لَوْ حَكَّمَا صَبِيًّا فَبَلَغَ، أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ حَكَمَ، لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ.
وَلَوْ حَكَّمَا مُسْلِمًا، ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ أَيْضًا، وَكَانَ فِي رِدَّتِهِ عَزْلُهُ. فَإِذَا عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَحْكِيمٍ جَدِيدٍ.
وَلَوْ عَمِيَ الْمُحَكَّمُ، ثُمَّ ذَهَبَ الْعَمَى، وَحَكَمَ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ.
أَمَّا إِنْ سَافَرَ أَوْ مَرِضَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ بَرِئَ وَحَكَمَ جَازَ ْ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يَقْدَحُ بِأَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ.
وَلَوْ أَنَّ حَكَمًا غَيْرَ مُسْلِمٍ، حَكَّمَهُ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَهُوَ عَلَى حُكُومَتِهِ؛ لأَِنَّ تَحْكِيمَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُسْلِمِ جَائِزٌ وَنَافِذٌ.
وَلَوْ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ وَكَّلَ الْحَكَمَ بِالْخُصُومَةِ فَقَبِلَ، خَرَجَ عَنِ الْحُكُومَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا عَلَى قَوْلِ الإِْمَامِ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهَا فِي قَوْلِ الْكُلِّ.
ج - أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَ الْمُحَكَّمِ وَأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ قَرَابَةٌ تَمْنَعُ مِنَ الشَّهَادَةِ. وَإِذَا اشْتَرَى الْمُحَكَّمُ الشَّيْءَ الَّذِي اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِيهِ، أَوِ اشْتَرَاهُ ابْنُهُ أَوْ أَحَدٌ مِمَّنْ لاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْحُكُومَةِ.
وَإِنْ حَكَّمَ الْخَصْمُ خَصْمَهُ، فَحَكَمَ لِنَفْسِهِ، أَوْ عَلَيْهَا جَازَ تَحْكِيمُهُ ابْتِدَاءً، وَمَضَى حُكْمُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ جَوْرًا بَيِّنًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
الْقَوْلُ الأَْوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْخَصْمُ الْحَكَمُ قَاضِيًا أَمْ غَيْرَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا لِلتُّهْمَةِ.
الثَّالِثُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُحَكَّمُ قَاضِيًا أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ الْمُحَكَّمُ قَاضِيًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا جَازَ.
وَالْقَوْلُ الأَْوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبِهِ أَخَذَ الْحَنَابِلَةُ.
مَحَلُّ التَّحْكِيمِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلتَّحْكِيمِ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي الْحُدُودِ الْوَاجِبَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ.
وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ اسْتِيفَاءَ عُقُوبَتِهَا مِمَّا يَسْتَقِلُّ بِهِ وَلِيُّ الأَْمْرِ، وَأَنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ غَيْرِ الْخُصُومِ، فَكَانَ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَمَا اخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ مِنْ جَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَضَعِيفٌ. لأَِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَالأَْصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ جَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا.
أَمَّا الْقِصَاصُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ.
وَاخْتَارَهُ الْخَصَّافُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، لأَِنَّ التَّحْكِيمَ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ.
وَالإِْنْسَانُ لاَ يَمْلِكُ دَمَهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ مَوْضِعًا لِلصُّلْحِ.
وَمَا رُوِيَ مِنْ جَوَازِهِ فِي الْقِصَاصِ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحُقُوقِ فَضَعِيفٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ حَقًّا مَحْضًا لِلإِْنْسَانِ - وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ حَقَّهُ - وَلَهُ شَبَهٌ بِالْحُدُودِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ.
وَلاَ يَصِحُّ التَّحْكِيمُ فِي مَا يَجِبُ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لِلْحَكَمَيْنِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلاَ يُمْكِنُهُمَا الْحُكْمُ عَلَى الْقَاتِلِ وَحْدَهُ بِالدِّيَةِ، لِمُخَالَفَتِهِ حُكْمَ الشَّرْعِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْ دِيَةً عَلَى الْقَاتِلِ وَحْدَهُ دُونَ الْعَاقِلَةِ، إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ مُحَدَّدَةٍ - كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ خَطَأً - وَلِلتَّفْصِيلِ اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (دِيَةٌ، عَاقِلَةٌ).
أَمَّا فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الْمُحَدَّدَةِ، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ جَائِزٌ وَنَافِذٌ.
وَلَيْسَ لِلْحَكَمِ أَنْ يَحْكُمَ فِي اللِّعَانِ كَمَا ذَكَرَ الْبُرْجَنْدِيُّ، وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ نُجَيْمٍ. وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ اللِّعَانَ يَقُومُ مَقَامَ الْحَدِّ.
وَأَمَّا فِيمَا عَدَا مَا ذُكِرَ آنِفًا، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ جَائِزٌ وَنَافِذٌ.وَلَيْسَ لِلْمُحَكَّمِ الْحَبْسُ، إِلاَّ مَا نُقِلَ عَنْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ جَوَازِهِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا هِيَ: الرُّشْدُ، وَضِدُّهُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْحَبْسُ (الْوَقْفُ)، وَأَمْرُ الْغَائِبِ، وَالنَّسَبُ، وَالْوَلاَءُ، وَالْحَدُّ، وَالْقِصَاصُ، وَمَالُ الْيَتِيمِ، وَالطَّلاَقُ، وَالْعِتْقُ، وَاللِّعَانُ. لأَِنَّ هَذِهِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهَا الْقَضَاءُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ إِمَّا حُقُوقٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْحَدِّ وَالْقَتْلِ وَالطَّلاَقِ، أَوْ حُقُوقٌ لِغَيْرِ الْمُتَحَاكِمَيْنِ، كَالنَّسَبِ، وَاللِّعَانِ.
وَقَدْ وَضَعَ ابْنُ عَرَفَةَ حَدًّا لِمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحْكِيمُ، فَقَالَ: ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيمَا يَصِحُّ لأَِحَدِهِمَا تَرْكُ حَقِّهِ فِيهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا يَصِحُّ فِي الأَْمْوَالِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّ التَّحْكِيمَ عِنْدَهُمْ لاَ يَجُوزُ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ لَيْسَ فِيهَا طَالِبٌ مُعَيَّنٌ، وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ رَجُلاً فِي غَيْرِ حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ مُطْلَقًا بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ. وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ.
وَقِيلَ: بِشَرْطِ عَدَمِ وُجُودِ قَاضٍ بِالْبَلَدِ.
وَقِيلَ: يَخْتَصُّ التَّحْكِيمُ بِالأَْمْوَالِ دُونَ الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِمَا.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحْكِيمُ.
فَفِي ظَاهِرِ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّ التَّحْكِيمَ يَجُوزُ فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْقَاضِي مِنْ خُصُومَاتٍ، كَمَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمَالُ وَالْقِصَاصُ وَالْحَدُّ وَالنِّكَاحُ وَاللِّعَانُ وَغَيْرُهَا، حَتَّى مَعَ وُجُودِ قَاضٍ، لأَِنَّهُ كَالْقَاضِي وَلاَ فَرْقَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بِجَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي الأَْمْوَالِ خَاصَّةً، وَأَمَّا النِّكَاحُ وَالْقِصَاصُ وَالْحَدُّ فَلاَ يَجُوزُ فِيهَا التَّحْكِيمُ، لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الاِحْتِيَاطِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ عَرْضِهَا عَلَى الْقَضَاءِ لِلْحُكْمِ.
شُرُوطُ التَّحْكِيمِ:
يُشْتَرَطُ فِي التَّحْكِيمِ مَا يَأْتِي:
أ - قِيَامُ نِزَاعٍ، وَخُصُومَةٍ حَوْلَ حَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ.
وَهَذَا الشَّرْطُ يَسْتَدْعِي حُكْمًا قِيَامَ طَرَفَيْنِ مُتَشَاكِسَيْنِ، كُلٌّ يَدَّعِي حَقًّا لَهُ قِبَلَ الآْخَرِ.
ب - تَرَاضِي طَرَفَيِ الْخُصُومَةِ عَلَى قَبُولِ حُكْمِهِ، أَمَّا الْمُعَيَّنُ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي فَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا بِهِ، لأَِنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْقَاضِي.
وَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَقَدُّمُ رِضَى الْخَصْمَيْنِ عَنِ التَّحْكِيمِ، بَلْ لَوْ رَضِيَا بِحُكْمِهِ بَعْدَ صُدُورِهِ جَازَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ التَّرَاضِي.
ج - اتِّفَاقُ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَالْحَكَمِ عَلَى قَبُولِ مُهِمَّةِ التَّحْكِيمِ... وَمُجْمَلُ هَذَيْنِ الاِتِّفَاقَيْنِ يُشَكِّلُ رُكْنَ التَّحْكِيمِ، الَّذِي هُوَ:
لَفْظُهُ الدَّالُّ عَلَيْهِ مَعَ قَبُولِ الآْخَرِ.
وَهَذَا الرُّكْنُ قَدْ يَظْهَرُ صَرَاحَةً، كَمَا لَوْ قَالَ الْخَصْمَانِ: حَكَّمْنَاكَ بَيْنَنَا. أَوْ قَالَ لَهُمَا: أَحْكُمُ بَيْنَكُمَا، فَقَبِلاَ.
وَقَدْ يَظْهَرُ دَلاَلَةً... فَلَوِ اصْطَلَحَ الْخَصْمَانِ عَلَى رَجُلٍ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يُعْلِمَاهُ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمَا اخْتَصَمَا إِلَيْهِ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، جَازَ.
وَإِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْحُكْمَ، لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ إِلاَّ بِتَجْدِيدِ التَّحْكِيمِ.
وَلِلْخَصْمَيْنِ أَنْ يُقَيِّدَا التَّحْكِيمَ بِشَرْطٍ... فَلَوْ حَكَّمَاهُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فِي يَوْمِهِ، أَوْ فِي مَجْلِسِهِ وَجَبَ ذَلِكَ، وَلَوْ حَكَّمَاهُ عَلَى أَنْ يَسْتَفْتِيَ فُلاَنًا، ثُمَّ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِمَا قَالَ جَازَ.
وَلَوْ حَكَّمَا رَجُلَيْنِ، فَحَكَمَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَجُزْ، وَلاَ بُدَّ مِنِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ، فَلَوِ اخْتَلَفَا لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَلِكَ لَوِ اتَّفَقَا عَلَى تَحْكِيمِ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ.
فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَ غَيْرَهُ بِالتَّحْكِيمِ. لأَِنَّ الْخَصْمَيْنِ لَمْ يَرْضَيَا بِتَحْكِيمِ غَيْرِهِ.
وَلَوْ فَوَّضَ، وَحَكَمَ الثَّانِي بِغَيْرِ رِضَاهُمَا، فَأَجَازَ الأَْوَّلُ حُكْمَهُ، لَمْ يَجُزْ لأَِنَّ الإِْذْنَ مِنْهُ فِي الاِبْتِدَاءِ لاَ يَصِحُّ، فَكَذَا فِي الاِنْتِهَاءِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ إِجَازَةِ الْخَصْمَيْنِ بَعْدَ الْحُكْمِ. وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، كَالْوَكِيلِ الأَْوَّلِ إِذَا أَجَازَ بَيْعَ الْوَكِيلِ الثَّانِي.
إِلاَّ أَنَّ تَعْلِيقَ التَّحْكِيمِ عَلَى شَرْطٍ، كَمَا لَوْ قَالاَ لِعَبْدٍ: إِذَا أُعْتِقْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا، وَإِضَافَتَهُ إِلَى وَقْتٍ، كَمَا لَوْ قَالاَ لِرَجُلٍ: جَعَلْنَاكَ حَكَمًا غَدًا، أَوْ قَالاَ: رَأْسَ الشَّهْرِ... كُلُّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ. وَالْفَتْوَى عَلَى الْقَوْلِ الأَْوَّلِ.
وَلَيْسَ لِلْخَصْمَيْنِ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى مُحَكَّمٍ لَيْسَ أَهْلاً لِلتَّحْكِيمِ.
وَلَوْ حَكَمَ غَيْرُ الْمُسْلِمِ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ، فَأَجَازَا حُكْمَهُ، لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ حَكَّمَاهُ فِي الاِبْتِدَاءِ.
وَلاَ يَحْتَاجُ الاِتِّفَاقُ عَلَى التَّحْكِيمِ لِشُهُودٍ تَشْهَدُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ بِأَنَّهُمَا قَدْ حَكَّمَا الْحَكَمَ.
إِلاَّ أَنَّهُ يَنْبَغِي الإِْشْهَادُ خَوْفَ الْجُحُودِ. وَلِهَذَا ثَمَرَةٌ عَمَلِيَّةٌ: إِذْ لَوْ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ حَكَّمَا الْحَكَمَ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، فَأَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا أَنَّهُ حَكَّمَهُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْحَكَمِ أَنَّ الْجَاحِدَ حَكَّمَهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ.
وَيَجِبُ أَنْ يَسْتَمِرَّ الاِتِّفَاقُ عَلَى التَّحْكِيمِ حَتَّى صُدُورِ الْحُكْمِ، إِذْ إِنَّ رُجُوعَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ صُدُورِ الْحُكْمِ يُلْغِي التَّحْكِيمَ، كَمَا سَنَرَى.
فَلَوْ قَالَ الْحَكَمُ لأَِحَدِهِمَا: أَقْرَرْتَ عِنْدِي، أَوْ قَامَتْ عِنْدِي بَيِّنَةٌ عَلَيْكَ بِكَذَا، وَقَدْ أَلْزَمْتُكَ، وَحَكَمْتُ بِهَذَا، فَأَنْكَرَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ الإِْقْرَارَ أَوِ الْبَيِّنَةَ لَمْ يُلْتَفَتْ لِقَوْلِهِ، وَمَضَى الْقَضَاءُ. لأَِنَّ وِلاَيَةَ الْمُحَكَّمِ قَائِمَةٌ. وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْقَاضِي.
أَمَّا إِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَزَلَهُ الْخَصْمُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَحُكْمَهُ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ، كَالْحُكْمِ الَّذِي يُصْدِرُهُ الْقَاضِي بَعْدَ عَزْلِهِ.
د - الإِْشْهَادُ عَلَى الْحُكْمِ، وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا لِصِحَّةِ التَّحْكِيمِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِقَبُولِ قَوْلِ الْحَكَمِ عِنْدَ الإِْنْكَارِ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِْشْهَادِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
طَرِيقُ الْحُكْمِ:
طَرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ مَا يُوصَلُ إِلَيْهِ، حُكْمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَعَلَيْهِ فَإِنَّ طَرِيقَ الْحُكْمِ: مَا يَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ مَوْضُوعُ النِّزَاعِ وَالْخُصُومَةِ.
وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْبَيِّنَةِ، أَوِ الإِْقْرَارِ، أَوِ النُّكُولِ عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ.
يَسْتَوِي فِي هَذَا حُكْمُ الْحَكَمِ، وَحُكْمُ الْقَاضِي.
فَإِنْ قَامَ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ حُجَّةً مُوَافِقَةً لِلشَّرْعِ. وَإِلاَّ كَانَ بَاطِلاً.
وَيَبْدُو أَنَّ الْحَكَمَ لاَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ.
وَأَمَّا كِتَابُ الْمُحَكَّمِ إِلَى الْقَاضِي، وَكِتَابُ الْقَاضِي إِلَيْهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ، إِلاَّ بِرِضَى الْخَصْمَيْنِ، خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى جَوَازِهِ وَنَفَاذِهِ.
الرُّجُوعُ عَنِ التَّحْكِيمِ:
حَقُّ الرُّجُوعِ عَنِ التَّحْكِيمِ فَرْعٌ مِنْ صِفَةِ التَّحْكِيمِ الْجَوَازِيَّةِ... وَلَكِنَّ هَذَا الْحَقَّ لَيْسَ مُطْلَقًا.
فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ لِكُلِّ خَصْمٍ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ صُدُورِ الْحُكْمِ، وَلاَ حَاجَةَ لاِتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ رَجَعَ كَانَ فِي ذَلِكَ عَزْلٌ لِلْمُحَكَّمِ.
أَمَّا بَعْدَ صُدُورِ الْحُكْمِ، فَلَيْسَ لأَِحَدٍ حَقُّ الرُّجُوعِ عَنِ التَّحْكِيمِ، وَلاَ عَزْلُ الْمُحَكَّمِ، فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَبْطُلِ الْحُكْمُ، لأَِنَّهُ صَدَرَ عَنْ وِلاَيَةٍ شَرْعِيَّةٍ لِلْمُحَكَّمِ، كَالْقَاضِي الَّذِي يُصْدِرُ حُكْمَهُ، ثُمَّ يَعْزِلُهُ السُّلْطَانُ.
وَعَلَى هَذَا: فَإِنِ اتَّفَقَ رَجُلاَنِ عَلَى حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فِي عَدَدٍ مِنَ الدَّعَاوَى، فَقَضَى عَلَى أَحَدِهِمَا فِي بَعْضِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ عَنْ تَحْكِيمِ هَذَا الْحَكَمِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ الأَْوَّلَ نَافِذٌ، لَيْسَ لِلْحَكَمِ أَنْ يَحْكُمَ فِيمَا بَقِيَ، فَإِنْ حَكَمَ لاَ يَنْفُذُ.
وَإِنْ قَالَ الْحَكَمُ لأَِحَدِ الْخَصْمَيْنِ: قَامَتْ عِنْدِي الْحُجَّةُ بِصِحَّةِ مَا ادَّعَى عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ، فَعَزَلَهُ هَذَا الْخَصْمُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِ الْحَكَمُ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يُشْتَرَطُ دَوَامُ رِضَا الْخَصْمَيْنِ إِلَى حِينِ صُدُورِ الْحُكْمِ. بَلْ لَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عِنْدَ الْحُكْمِ، ثُمَّ بَدَا لأَِحَدِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ الْحُكْمِ. تَعَيَّنَ عَلَى الْحَكَمِ أَنْ يَقْضِيَ، وَجَازَ حُكْمُهُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ مَا لَمْ تَبْدَأِ الْخُصُومَةُ أَمَامَ الْحَكَمِ، فَإِنْ بَدَأَتْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ فِيهَا حَتَّى النِّهَايَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ لأَِحَدِهِمَا الرُّجُوعُ وَلَوْ قَبْلَ بَدْءِ الْخُصُومَةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ قَبْلَ صُدُورِ الْحُكْمِ، وَلَوْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ. وَعَلَيْهِ الْمَذْهَبُ.
وَقِيلَ بِعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ. أَمَّا بَعْدَ الْحُكْمِ فَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَا الْخَصْمِ بِهِ كَحُكْمِ الْقَاضِي.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ؛ لأَِنَّ رِضَاهُمَا مُعْتَبَرٌ فِي أَصْلِ التَّحْكِيمِ، فَكَذَا فِي لُزُومِ الْحُكْمِ. وَالأَْظْهَرُ الأَْوَّلُ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لِكُلٍّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحُكْمِ.
أَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَقُبَيْلَ تَمَامِهِ، فَفِي الرُّجُوعِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ الرُّجُوعُ لأَِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتِمَّ، أَشْبَهَ قَبْلَ الشُّرُوعِ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا رَأَى مِنَ الْحَكَمِ مَا لاَ يُوَافِقُهُ رَجَعَ فَبَطَلَ مَقْصُودُهُ. فَإِنْ صَدَرَ الْحُكْمُ نَفَذَ.
أَثَرُ التَّحْكِيمِ:
يُرَادُ بِأَثَرِ التَّحْكِيمِ: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ نَتَائِجَ.
وَهَذَا الأَْثَرُ يَتَمَثَّلُ فِي لُزُومِ الْحُكْمِ وَنَفَاذِهِ، كَمَا يَتَمَثَّلُ فِي إِمْكَانِ نَقْضِهِ مِنْ قِبَلِ الْقَضَاءِ.
أَوَّلاً: لُزُومُ الْحُكْمِ وَنَفَاذُهُ:
مَتَى أَصْدَرَ الْحَكَمُ حُكْمَهُ، أَصْبَحَ هَذَا الْحُكْمُ مُلْزِمًا لِلْخَصْمَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، وَتَعَيَّنَ إِنْفَاذُهُ دُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى رِضَا الْخَصْمَيْنِ، وَعَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ. وَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ كَحُكْمِ الْقَاضِي.
وَلَيْسَ لِلْحَكَمِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ حُكْمِهِ، فَلَوْ رَجَعَ عَنْ حُكْمِهِ، وَقَضَى لِلآْخَرِ لَمْ يَصِحَّ قَضَاؤُهُ؛ لأَِنَّ الْحُكُومَةَ قَدْ تَمَّتْ بِالْقَضَاءِ الأَْوَّلِ، فَكَانَ الْقَضَاءُ الثَّانِي بَاطِلاً.
وَلَكِنَّ هَذَا الإِْلْزَامَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ حُكْمُ الْحَكَمِ يَنْحَصِرُ فِي الْخَصْمَيْنِ فَقَطْ، وَلاَ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِمَا، ذَلِكَ لأَِنَّهُ صَدَرَ بِحَقِّهِمَا عَنْ وِلاَيَةٍ شَرْعِيَّةٍ نَشَأَتْ مِنَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى اخْتِيَارِ الْحَكَمِ لِلْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ نِزَاعٍ وَخُصُومَةٍ. وَلاَ وِلاَيَةَ لأَِيٍّ مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِهِ، فَلاَ يَسْرِي أَثَرُ حُكْمِ الْحَكَمِ عَلَى غَيْرِهِمَا.
وَتَطْبِيقًا لِهَذَا الْمَبْدَأِ، فَلَوْ حَكَّمَ الْخَصْمَانِ رَجُلاً فِي عَيْبِ الْبَيْعِ فَقَضَى الْحَكَمُ بِرَدِّهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ حَقٌّ بِرَدِّهِ عَلَى بَائِعِهِ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ الأَْوَّلُ وَالثَّانِي وَالْمُشْتَرِي بِتَحْكِيمِهِ، فَحِينَئِذٍ يَرُدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ الأَْوَّلِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَنَازَعَهُ فِي ذَلِكَ، فَادَّعَى أَنَّ فُلاَنًا الْغَائِبَ قَدْ ضَمِنَهَا لَهُ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلاً، وَالْكَفِيلُ غَائِبٌ. فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْمَالِ، وَعَلَى الْكَفَالَةِ، فَحَكَمَ الْحَكَمُ بِالْمَالِ وَبِالْكَفَالَةِ، صَحَّ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ وَلَمْ يَصِحَّ بِالْكَفَالَةِ، وَلاَ عَلَى الْكَفِيلِ.
وَإِنْ حَضَرَ الْكَفِيلُ، وَالْمَكْفُولُ غَائِبٌ، فَتَرَاضَى الطَّالِبُ وَالْكَفِيلُ، فَحَكَمَ الْمُحَكَّمُ بِذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ جَائِزًا، وَنَافِذًا بِحَقِّ الْكَفِيلِ دُونَ الْمَكْفُولِ.
وَلَمْ يَشِذَّ عَنْ هَذَا الْمَبْدَأِ غَيْرُ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ نَصَّ عَلَيْهَا الْحَنَفِيَّةُ، هِيَ: مَا لَوْ حَكَّمَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَغَرِيمُهُ رَجُلاً فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، وَأَلْزَمَ الشَّرِيكَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ نَفَذَ هَذَا الْحُكْمُ، وَتَعَدَّى إِلَى الشَّرِيكِ الْغَائِبِ؛ لأَِنَّ حُكْمَهُ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ فِي حَقِّ الشَّرِيكِ الْغَائِبِ. وَالصُّلْحُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ. فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ رَاضِيًا بِالصُّلْحِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ..
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الْعُرْفَ بَيْنَ التُّجَّارِ قَدْ جَعَلَ التَّحْكِيمَ مِنْ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ كَأَنَّهُ تَحْكِيمٌ مِنْ سَائِرِ الشُّرَكَاءِ. وَلِهَذَا لَزِمَ الْحُكْمُ، وَنَفَذَ فِي حَقِّهِمْ جَمِيعًا.
ثَانِيًا: نَقْضُ الْحُكْمِ:
قَدْ يَرْضَى الْخَصْمَانِ بِالْحُكْمِ، فَيَعْمَلاَنِ عَلَى تَنْفِيذِهِ.. وَقَدْ يَرَى أَحَدُهُمَا رَفْعَهُ إِلَى الْقَضَاءِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ لَمْ يَنْقُضْهُ إِلاَّ بِمَا يَنْقُضُ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِذَا رُفِعَ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ إِلَى الْقَاضِي نَظَرَ فِيهِ، فَإِنْ وَجَدَهُ مُوَافِقًا مَذْهَبَهُ أَخَذَ بِهِ وَأَمْضَاهُ، لأَِنَّهُ لاَ جَدْوَى مِنْ نَقْضِهِ، ثُمَّ إِبْرَامِهِ.
وَفَائِدَةُ هَذَا الإِْمْضَاءِ: أَنْ لاَ يَكُونَ لِقَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلاَفَهُ نَقْضُهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ، لأَِنَّ إِمْضَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ قَضَائِهِ ابْتِدَاءً.
أَمَّا إِنْ وَجَدَهُ خِلاَفَ مَذْهَبِهِ أَبْطَلَهُ، وَأَوْجَبَ عَدَمَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ.
وَهَذَا الإِْبْطَالُ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ، بَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ، إِنْ شَاءَ الْقَاضِي أَبْطَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ وَأَنْفَذَهُ.
وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الإِْجَازَةُ مِنَ الْقَاضِي بَعْدَ حُكْمِ الْمُحَكَّمِ.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ حَكَّمَا رَجُلاً، فَأَجَازَ الْقَاضِي حُكُومَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، ثُمَّ حَكَمَ بِخِلاَفِ رَأْيِ الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَجَازَ الْمَعْدُومَ.
وَإِجَازَةُ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِهِ بَاطِلَةٌ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ.
وَلَكِنَّ السَّرَخْسِيَّ قَالَ: هَذَا الْجَوَابُ صَحِيحٌ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي مَأْذُونًا فِي اسْتِخْلاَفِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِي الاِسْتِخْلاَفِ فَيَجِبُ أَنْ تَجُوزَ إِجَازَتُهُ.
وَتُجْعَلُ إِجَازَةُ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ اسْتِخْلاَفِهِ إِيَّاهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، فَلاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حُكْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِنْ حَكَّمَا رَجُلاً، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ حَكَّمَا آخَرَ، فَقَضَى بِحُكْمٍ آخَرَ، ثُمَّ رُفِعَ الْحُكْمَانِ إِلَى الْقَاضِي، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُ الْمُوَافِقِ لِرَأْيِهِ.
هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَنْقُضُ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ إِلاَّ إِذَا كَانَ جَوْرًا بَيِّنًا. سَوَاءٌ أَكَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِ الْقَاضِي، أَمْ مُخَالِفًا لَهُ.
وَقَالُوا بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى.
انْعِزَالُ الْحَكَمِ:
يَنْعَزِلُ الْحَكَمُ بِكُلِّ سَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ الأَْتِيَّةِ:
أ - الْعَزْلُ: لِكُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ عَزْلُ الْمُحَكَّمِ قَبْلَ الْحُكْمِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ قَدْ وَافَقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي، فَلَيْسَ لَهُمَا عَزْلُهُ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ اسْتَخْلَفَهُ.
ب - انْتِهَاءُ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لِلتَّحْكِيمِ قَبْل صُدُورَ الْحُكْمِ.
ج - خُرُوجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّحْكِيمِ.
د - صُدُورُ الْحُكْمِ.