كنايات الطلاق وهى ما تحتمل الطلاق وغيره لا يقع بها الطلاق إلا بالنية.
كنايات الطلاق وهى ما تحتمل الطلاق وغيره لا يقع بها الطلاق إلا بالنية.
موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ،
المذكرة الإيضاحية
کنایات الطلاق وهي ما تحتمل الطلاق وغيره لا يقع الطلاق إلا بالنية دون دلالة الحال كما هو مذهب الشافعي ومالك.
والمراد بالكناية هنا ما كان كناية في مذهب أبي حنيفة (مادة 4 من المشروع).
1- الطلاق شرعاً هو حل رابطة الزوجية الصحيحة بلفظ الطلاق الصريح أو بعبارة تقوم مقامه تصدر ممن يملكه وهو الزوج أو نائبه.
(الطعن رقم 54 لسنة 54 جلسة 1985/03/26 س 36 ع 1 ص 501 ق 104)
2- المطعون عليه وإن أشار فى صحيفة دعواه إلى أنه من حقه عملاً بأحكام الشريعة الإسلامية أن يوقع طلاق زوجته الطاعنة بإرادته المنفردة إلا أنه لم يورد فيها أنه قد أوقع الطلاق عليها فى تاريخ معين بلفظه الصريح أو بلفظ آخر يفيده وهو ما خلت منه كذلك سائر الأوراق ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى رغم ذلك بإثبات طلاق المطعون عليه للطاعنة يكون قد أقام قضاءه على واقعة لا أصل لها فى الأوراق الأمر الذى أدى به إلى الخطأ فى تطبيق القانون مما يبطله ويوجب نقضه.
(الطعن رقم 54 لسنة 54 جلسة 1985/03/26 س 36 ع 1 ص 501 ق 104)
3- يشترط فيما يقع به الطلاق أن يصدر ممن يملكه ما يفيد رفع القيد الثابت بالزواج الصحيح بلفظ الطلاق أو ما يقوم مقامه حالا بالطلاق البائن أو مالا بالطلاق الرجعى إذا لم تعقبه الرجعة أثناء العدة ، على أن يصادف محلا لوقوعه ، ويقع الطلاق باللفظ الصريح قضاء وديانه دون حاجة إلى نية الطلاق ، ومن ثم فإن لفظ الطلاق الصريح الصادر من الطاعن بالإشهاد - أمام المأذون - والذى ورد منجزاً غير معلق يقع به الطلاق طبقاً للنصوص الفقهية بإعتباره منبت الصلة بما يسوقه الطاعن من أن نيته إنصرفت إلى إثبات طلاق معلق على شرط وقر فى ذهنه تحققه .
(الطعن رقم 30 لسنة 44 جلسة 1976/04/28 س 27 ع 1 ص 1024 ق 195)
سند وجوب النص :
ومستند النص من الفقه الشرعي هو قول رسول الله صلي الله عيله وسلم "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى".
كنايات الطلاق هي اللفظ الذي لم يوضع بخصوص الطلاق بل وضع لمعنى يتعلق بالطلاق أو لمعنى آخر.
مفهوم کنایات الطلاق :
وقد عرفها المشرع في النص بأنها ما تحتمل الطلاق وغيره كقول تزوج لزوجته الحقي بأهلك أو أمرك بيدك أو نحو ذلك، فهذه الألفاظ تفيد معنى الطلاق وغيره.
حکم کنایات الطلاق :
وحكم كنايات الطلاق إنها لا يقع بها الطلاق إلا إذا كانت نية الزوج قد اتجهت وقت التلفظ بها إلى إيقاع الطلاق أما إذا لم يكن قصد عند تلفظه بها سوى المعنى الآخر الذي تحتمله فلا يقع بها طلاق.
وأمر النية في المسائل الباطنية المتعلقة بالزوج فالقول عند الخلاف عليها قوله بيمينه فإذا قالت الزوجة أنه قصد الطلاق وأنكر الزوج حق حلف اليمين، فإن نكل كسبت الزوجة دعواها ووقع الطلاق.
وكنايات الطلاق لا يقع بها طالما لم تكن النية متجهة إلى عدم إيقاعه وذلك حتى لو كانت القرائن نشهد أن المراد من التلفظ بالكناية هو إيقاع الطلاق فلا عبرة بدلالة الحال ما لم ينوي الزوج إيقاع الطلاق بلفظ الكناية. ( موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ، الصفحة :201 ).
المقصود بركن الطلاق :
المقصود بركن الطلاق هو ما يقع به الطلاق .
والطلاق يقع باللفظ الذي يفيد معنى الطلاق، أو ما يقوم مقامه من الكتابة والإشارة.
فالطلاق يقع بواحد من ثلاثة :
١- اللفظ. ۲- الكتابة. و ۳- الإشارة.
ولا بد من وقوع الطلاق باللفظ من إضافته إلى الزوجة أي إسناده إليها على نحو يفهم منه لغة أو عرفاً تطليقها.
ومن الأول: أن يعينها بطريق التعيين، كالوصف والإسم العلم، والإشارة والضمير، فيقول: امرأتي طالق، أو فلانة طالق، أو يشير إليها فيقول: هذه طالق: أو يخاطبها بقوله: أنت طالق. وكذلك إذا كان حديث يجرى فيقول: هی طالق.
ومن الثاني: قول الرجل على الطلاق أن أفعل كذا أو لا أفعل كذا، فإن المفهوم من ذلك بحسب العرف هو طلاق الزوجة إذا لم يحصل المحلوف عليه، فهو مثل أن يقول: إن لم أفعل كذا فامرأتي طالق.
فالطلاق هنا وإن لم يصرح بإضافته إلى المرأة في اللفظ مضاف إليها في المعنى.
أما إذا لم يضف الطلاق إلى الزوجة لا في اللفظ ولا بحسب المعنى الذي يفهم في العرف فلا يقع به شيء وذلك كقوله لزوجته: أنا منك طالق، لأنه لم يضف الطلاق إلى الزوجة.
ونعرض فيما يلى لوقوع الطلاق باللفظ والكتابة والإشارة.
أولاً : لفظ الطلاق :
تنقسم الألفاظ التي يقع بها الطلاق إلى صريح وإلى كناية.
(أ) : اللفظ الصریح:
اللفظ الصريح هو الذي لا يحتمل معنى غير معنى الطلاق لغة أو عرفاً.
وهذا اللفظ هو ما كان من مادة «ط ل ق» عدا الإطلاق ومشتقاته مع إضافته إلى الزوجة. كأن يقول الرجل لامرأته «أنت طالق، أو أنت الطلاق أو أنت مطلقة بالتشديد أو طلقتك » أو يقول «امرأتي مطلقة أو طلقت زوجتى أو كوني طالقة أو خذي طلاقك ».
أما إذا قال لزوجته «أنت محرمة أو أنت حرام أو أنت على حرام أو أنست خالصة» أو قال: «على الحرام» فإن كان عرف الناس جارياً على أنهم يستعملون هذه الألفاظ للدلالة على إيقاع الطلاق تكون هذه الألفاظ من الألفاظ الصريحة في الطلاق وإن لم يجر عرفهم بذلك تكون الألفاظ المذكورة من الكناية. وقد جرى العرف على إستعمالها للدلالة على إيقاع الطلاق فتعتبر من الألفاظ الصريحة للطلاق.
ويستوي أن يكون لفظ الطلاق باللغة العربية أو بلغة أخرى غيرها، كما هو الشأن في الزواج إذ لم يعهد في الشريعة الإسلامية أن يكون إنشاء العقود والتصرفات بلغة دون أخرى.
وسمي هذا النوع صريحاً لأن الصريح في اللغة إسم لما هو ظاهر المراد مكشوف المعنى.
ويقع الطلاق بالنطق باللفظ جهراً أو مخافتة وأدنى المخافتة إسماع الشخص نفسه فلو طلق بحيث صحح الحروف ولكن لم يسمع نفسه لا يقع الطلاق.
وفي هذا أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 4 / 12 / 1955 بأن:
«إن المنصوص عليه شرعاً أن الطلاق هو رفع قيد النكاح باللفظ الدال على ذلك أو ما يقوم مقامه من الكتابة المستبينة أو الإشارة من الأخرس وركنه اللفظ الدال على الطلاق لغة أو شرعا واللفظ لا يكون إلا باللفظ وهو النطق بما يدل على الطلاق والنطق قد يكون جهراً أو مخافتة وأدنى المخافتة إسماع نفسه فلو طلق بحيث صحح الحروف ولكن لم يسمع نفسه لا يقع طلاقه فإذا كان السائل حين يتمتم بصيغة الطلاق المذكورة محركا بها لسانه كان له صوت سمعه حين كان يتمتم بها وقع بها طلاق واحد رجعی عملاً بالقانون رقم 25 لسنة 1929 المعمول به في المحاكم الشرعية المصرية وإن كرره في نطق واحد وقرن الطلاق لعدد الثلاثة وذلك عملاً بالمادة الثالثة منه ونصها الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحدة) وهذا الحكم قد اخترناه للفتوى وإن خالف مذاهب الأئمة الأربعة لأنه موافق لمذاهب أئمة آخرين من فقهاء الصحابة ومجتهدي المسلمين وفي الأخذ به صيانة الرابطة الزوجية من العبث وحمل الأزواج على إتباع السنن المشروعة لإيقاع الطلاق مرة بعد مرة - وبذلك يكون السائل قد طلق زوجته طلاقين أولهما بالصيغة الأولى وهي قوله أولاً (أنت محرمة) وثانيهما بالصيغة الأخرى المسئول عنها ويبقى له عليها طلاق واحد فقط - ولأن هذه اليمين كانت في سنة ۱۳۷۰هـ أي من منذ خمس سنوات تقريبا وهي مدة الغالب فيها إنقضاء عدة مطلقته منه وعلى ذلك يكون له إرجاعها إلى عصمته بعقد ومهر جديدين بإذنها ورضاها – هذا إذا كان تحريك لسان السائل بهذه الصيغة بصوت مسموع له كما سبق أن قلنا أما إذا كان تحريك لسانه بها بصوت غير مسموع له فإنه لا يقع بها شيء من الطلاق وتحل له معاشرتها بدون رجعة أو تجديد عقد - والله سبحانه وتعالى أعلم».
والطلاق يقع بهذا اللفظ الصريح ديانة وقضاء، دون حاجة إلى نية أو قرينة، لأن المعني مستفاد منه إما لغة أو عرفاً، ومن ثم يقع الطلاق سواء نواه الرجل أو لم تكن له نية أصلاً بأن كان قد تلفظ بعبارة الطلاق غافلاً عن معناها.
غير أنه إذا قامت قرينة تصرف اللفظ عن حقيقة معناه فإن الطلاق لا يقع. كما إذا طلبت المرأة من الرجل أن يطلقها من قيدها فقال لها «أنت طالق» ثم ادعى الزوج أنه أراد الطلاق من وثاقها فإنه يصدق في ذلك ديانة وقضاء لقيام القرينة الصارفة له عن إرادة الطلاق.
الكناية :
- تعريف الكناية :
الكناية هي اللفظ الذي يحتمل الطلاق وغيره، فاللفظ لم يوضع لخصوص الطلاق بل وضع لمعنى يتعلق بالطلاق ولمعنى آخر فهو يحتمل المعنيين. وسمی كناية لأن الكناية في اللغة اسم لفظ إستتر المراد منه عند السامع، وهذه الألفاظ مستترة عند السامع.
ومثال ذلك أن يقول الرجل للمرأة:
1- (أنت بائن)، فهذا القول يحتمل البينونة والإنفصال من رابطة الزواج، كما يحتمل البينونة والإنفصال من أسباب الخير أو الشر.
۲- (أنت بتة)، فمعنى البت القطع والفصل، ومن ثم فهي تحتمل القطع والفصل من رابطة الزواج، كما تحتمل القطع والفصل من أسباب الخير أو الشر. .
3- (أنت خلية أو برية) فتحتمل الخلو من الزواج والبراءة منه، كما تحتمل الخلو والبراءة من أسباب الخير أو الشر.
4- (أنت حرة) فتحتمل أنها أصبحت حرة غير مقيدة بقيد الزواج لأنه طلقها، أو أنها حرة في تصرفاتها.
5- (اذهبي إلى أهلك) فتحتمل أنه أمرها بذلك لأنه طلقها فتعود إلى أهلها كما كانت قبل الزواج منه، أو أنه أمرها بذلك لأنه يريد إبعادها عن بيته بسبب غضبه مع قيام الزوجية بينهما.
6- (حبلك على غاربك) فتحتمل أنه لا سلطان له عليها بسبب الطلاق، كما تحتمل معنى التأنيب والتوبيخ.
۷- (اعتدى) فتحتمل أنه أمرها بذلك لأنه طلقها، أو للإعتداد بما هي فيه من خير ونعمة في خلال حياتهما الزوجية.
۸- (استبرئي رحمك) فتحتمل أمرها بتعرف براءة الرحم من الحمل کی تستطيع التزوج بزوج آخر، لأنها صارت طالقاً، كما تحتمل الأمر بذلك ليطلقها بعد أن عرف عنها أنها غير حامل.
۲- حكم الطلاق بالكناية في المذهب الحنفي :
الطلاق بالكناية عند الأحناف، لا يقع إلا بدلالة الحال أو النية. فإذا كانت دلالة الحال تبين معنى الطلاق فإنه يقع من غير نية إذ يعتبر الحال قرينة مبينة أن المراد الطلاق. فإذا لم يكن الحال كافياً للدلالة على إرادة الطلاق، فلا يقع إلا إذا كان الرجل ينوي الطلاق.
هذا من ناحية القضاء، أما ديانة فيوكل الأمر فيها إلى نية الرجل، فإذا قال أنه لم يرد بما تلفظ طلاقا فيصدق في ذلك ويفتي بعلم وقوع الطلاق.
وتفصيل القول في مسألة وقوع الطلاق وعدمه قضاء بألفاظ الكناية أربعة :
وهي حالة الرضا، والغضب، وكل منهما إما أن يجرى فيها حديث الطلاق ومذاكرته بأن تطلب الزوجة الطلاق من الرجل أو يطلب غيرها، وإما ألا يكون الأمر كذلك.
وألفاظ الكناية ثلاثة أنواع :
الأول: ما يصلح جواباً لطلب الطلاق، ولا يصلح رفضاً له ولا سباً للمرأة
ومثل ذلك لفظ (اعتدى) ولفظ (استبرئي رحمك).
الثاني: ما يصلح جواباً لطلب الطلاق، كما يصلح سباً ومثل ذلك لفظ (خليةأو برية أو بائن أو بتة).
الثالث: ما يصلح جواباً لطلب الطلاق، كما يصلح رفضاً له ومثل ذلك لفظ (اذهبي، أخرجي،قومي،انطلقي).
والحكم في ذلك على التفصيل الآتي :
۱- في حالة الرضا الخالية عن مذاكرة الطلاق وطلبه لا يحكم بوقوع الطلاق في شيء من ألفاظ الكناية جميعاً، إلا بالنية فيصدق الرجل إذا قال إني لم أرد بذلك طلاقاً.
۲- إذا جرت في حالة الرضا مذاكرة الطلاق وطلبه فإنه يقع الطلاق بألفاظ النوعين الأولين من غير توقف على النية، ولا يصدق الرجل فيهما إذا قال إني لم أرد الطلاق، لأن ألفاظ النوع الأول لا تحتمل غير الجواب على طلبها الطلاق، وكذلك الحكم في ألفاظ النوع الثاني، لأن المقام فيه ليس للسب، مادامت الحالة حالة رضا، فيحمل اللفظ على أنه لطلبها الطلاق ولا يتوقف على النية. أما ألفاظ النوع الثالث الذي يصلح جواباً لطلب كما يصلح رفضاً له، فإن الطلاق يتوقف فيها على النية، لأن مقام مذاكرة الطلاق وطلبه يقبل الإجابة والرفض، وألفاظ هذا النوع تحتمل الأمرين، فلا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر إلا بالبينة فيصدق الرجل إذا قال إني لم أرد بما تلفظت طلاقاً.
3- إذا كانت الحالة حالة غضب ولم يجر فيها مذاكرة الطلاق وطلبه، فإن الطلاق يقع بألفاظ النوع الأول ولا يحتاج إلى النية، ولا يصدق الرجل إذا قال إني لم أرد بما تلفظت طلاقاً.
أما في النوعين الثاني والثالث، فيتوقف الطلاق على النية، لأن الحالة حالة غضب يصح أن يرد فيها ألفاظ الشتم أو رفض الطلاق، واللفظ يحتمل أحدهما، | فلا يصرف إلى الطلاق إلا بالنية ويصدق الرجل إذا قال: إني أردت سبها أو رفضت طلاقها.
4- إذا كانت حالة غضب، وجرت مذاكرة الطلاق وطلبه، فإن الطلاق يقع بدون حاجة إلى النية وذلك في ألفاظ النوع الأول، ولكن يتوقف على النية في النوعين: الثاني والثالث، لإحتمال أمرين: السب أو رفض الطلاق.
٣- حكم القانون في الطلاق بالكناية :
نصت المادة الرابعة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ على أن «كنايات الطلاق وهي ما تحتمل الطلاق وغيره لا يقع بها الطلاق إلا بالنية»، فقد قصرت هذه المادة وقوع الطلاق بألفاظ الكناية على أن يكون الزوج قد نوى بها الطلاق، وهي بذلك تكون قد خالفت مذهب الحنفية في عدم إعتدادها في وقوع الطلاق بدلالة الحال وضيفت نطاق وقوع الطلاق بالكناية. وقد استمد حكم هذه المادة من مذهب الشافعي ومالك.
والمراد بالكناية هنا ما كان كناية في مذهب أبي حنيفة.
فلو ادعت الزوجة أن زوجها طلقها بلفظ من ألفاظ الكنايات، وطلبت الحكم طلاقها، سأله القاضي عنه، فإذا أقر الزوج بصدور اللفظ منه، سأله عما قصده ، فإذا قرر أنه لم ينو به الطلاق، حلفه القاضي اليمين بأنه لم ينو الطلاق بلفظ الكناية الذي صدر منه، لأن ذلك أمر لا يعرف إلا من جهته، ولو لم تطلب الزوجة اليمين، لأن اليمين هنا من حقوق الله، فإذا حلف رفضت دعوى المرأة ولو كانت القرائن والظروف تشهد بخلاف ما قرره، أما إذا نكل عن اليمين حكم لها بطلاقها منه لأن النكول عن اليمين إقرار بالدعوى.
ثانياً : الطلاق بالإشارة :
اتفق الفقهاء على أن غير الأخرس لا يقع طلاقه بالإشارة على أي حال.
أما الأخرس، فقد ذهب بعض فقهاء الحنفية إلى أن طلاق الأخرس يقع بالإشارة المفهومة أو المعهودة، سواء كان يعرف الكتابة أم لا.
بينما ذهب البعض الآخر إلى أن الأخرس إن كان يعرف الكتابة فلا يقع طلاقه إلا بها لأن الإشارة ليست في الدلالة على المقصود بمنزلة الكتابة، فلا يعول عليها في مثل الطلاق الذي يلزم فيه الإحتياط.
والرأي الأخير هو الراجح في المذهب.
والمراد بالإشارة المفهومة التي يقع بها الطلاق، الإشارة المقرونة بتصويت من الأخرس لأن العادة منه ذلك فكانت الإشارة بيانا لما أجمله الأخرس.
هذا إذا كان الشخص قد ولد أخرساً، أما إذا كان الخرس طارئاً عليه فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يمكن الحكم بوقوع طلاقه بالإشارة إلا إذا دام خرسه إلى الموت - وهو قول غريب - وقدر بعضهم مدة دوام الخرس بسنة واحدة، فيكون طلاقه موقوفاً حتى تتم السنة عليه وهو معتقل اللسان. والذي ينبغي التعويل عليه من أقوال الفقهاء هو إشتراط دوام الخرس مدة تكفي لفهم إشارته ومعرفة ما يريده منها.
ثالثاً : الطلاق بالكتابة :
الكتابة نوعان: كتابة مستبينة أي مرقومة واضحة يمكن فهمها وقراءتها كالكتابة على الورق أو على الحائط.
وكتابة لا تكون كذلك مثل الكتابة على الماء والهواء. والكتابة المستبينة إما أن تكون مرسومة أو غير مرسومة.
والكتابة المرسومة هي المعنوية والموجهة للزوجة كما توجه الرسائل، والكتابة غير المرسومة هي ما لا تكون كذلك.
والكتابة غير المستبينة لا يقع بها الطلاق مطلقاً، سواء نوى الرجل الطلاق أو لم ينو.
أما الكتابة المستبينة المرسومة فيقع بها الطلاق مطلقاً، نوى الرجل الطلاق أو لم ينو، فهي تقوم مقام اللفظ الصريح في إيقاع الطلاق حتى ولو كان الرجل قادراً على التعبير بالألفاظ.
ويقع الطلاق بها من وقت الكتابة إلا إذا قيد وقوع الطلاق بزمن أو بوصول الكتابة أو غيره فإنه يقع من الوقت الذي حدده.
فإذا كتب الزوج كتاباً إلى زوجته بعنوانها قائلا فيه: بعد الديباجة «أنت طالق» وقع الطلاق بمجرد الكتابة.
وإذا وصل الكتاب إلى أبي الزوجة فقرأه ثم مزقه ولم يدفعه إليها، وكان من المتصرف في جميع أمورها، وقع الطلاق بتسلمه الكتاب.
أما إذا ادعى الزوج أنه كتب ذلك يجرب به القلم مثلاً فإنه لا يصدق في القضاء وإن كان يصدق ديانة.
أما الكتابة المستبينة غير المرسومة، فلا يقع بها الطلاق إلا إذا نوى الرجل الطلاق، فإذا ادعى الرجل أنه لم ينو الطلاق وإنما أراد تجربة القلم أو الخط مثلا فلا يقع الطلاق، لأن مثل هذه الكتابة تحتمل إنشاء الطلاق، وتحتمل غرضاً آخر كما يجوز ألا يكون هناك غرض أصلاً.
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بأن :
۱- «إن المنصوص عليه شرعاً أن الطلاق كما يقع بنطق الحالف بلفظه الدال عليه لغة وشرعاً يقع أيضاً بكتابته هذا اللفظ فی کتاب معنون بإسم المحلوف عليه وبخط مقروء. وقد اصطلح الفقهاء على تسمية هذه الكتابة بالكتابة المرسومة المستبينة وهي تقوم عندهم مقام الطلاق الصريح المنجز فيقع الطلاق بها بمجرد الكتابة نوى الكاتب الطلاق بما كتبه أو لم ينوه قرأته المحلوف عليها أو لم تقرأه - وإن كانت الكتابة غير معنونة بإسمها وهي واضحة مستبينة وهي المسماة في اصطلاحهم بالكتابة المستبينة غير المرسومة فإنه لا يقع الطلاق بها إلا إذا نوى بها الطلاق جاء في حاشية ابن عابدين نقلاً عن الهندية أن الكتابة (على نوعين مرسومة وغير المرسومة على وجهين مستبينة وغير مستبينة والمستبينة ما يكتب على الصحيفة والحائط والأرض على وجه يمكن فهمه وقرائته ففي غير المستبينة لا يقع الطلاق وإن نوى وإن كانت مستبينة لكنها غير مرسومة إن نوى الطلاق يقع وإلا لا. وإن كانت مرسومة يقع الطلاق نوى أو لم ينو. ثم المرسومة لا تخلو أما إن أرسل الطلاق بأن كتب. أما بعد فأنت طالق فإذا كتب هذا يقع الطلاق، وتلزمها العدة من وقت الكتاب به وإن علق طلاقها بمجئ الكتاب بأن كتب إذا جاءك كتابي هذا فأنت طالق فجاءها هذا الكتاب فقرأته أو لم تقرأه يقع الطلاق كذا في الخلاصة) والظاهر من قول السائل أنه كتب لها ورقة ذكر فيها أنه طلقها وأن الورقة التي كتبها وسلمها إليها معنونة بإسمها. وحينئذ تكون من قبيل القسم الأول وهو الكتابة المرسومة المستبية فيقع بها الطلاق بمجرد الكتاب نوي بكتابته الطلاق أو لا وبكتابته الورقتين معاً يقع الطلاقان الرجعيان الأول والثاني وبقوله لها بعد ذلك بأيام أنت طالق تبين منه بينونة كبرى لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره نکاحاً صحيحاً ويدخل بها دخولاً حقيقيا ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه حيث تحل للأول وإن كان هذا الظاهر يخالف الواقع وأن الورقة لم تكن معنونة بإسمها وأنها تضمنت فقط قوله لها أنت طالق مكتوباً بها فهي في هذه الحالة من النوع الثاني وهو المستبين غير المرسوم وبها يقع الطلاق إن نوى وإن لم ينو لم يقع شيء بالورقتين المذكورتين ويكون الواقع عليها هو قوله لها. ثالثا أنت طالق حيث يكون هو الطلاق الأول الرجعي فإن كانت لا تزال في العدة بعده كان لهذا الزوج أن يراجعها قولاً أو فعلاً كل ذلك في الإحتمال الأخير فقط وهو عدم قصده الطلاق بما كتب في الورقتين غير المعنونتين بإسمها والله أعلم».
(فتوی صادرة بتاريخ 26 / 9 / 1959)
«يشترط الفقهاء لوقوع الطلاق بالكتابة أن تكون معنونة ثابتة تقرأ أو تفهم وتقوم الكتابة مقام اللفظ، ولا تحتاج إلى نية الطلاق.
إذا كانت بلفظه الصريح. فإن لم تكن ثابتة أو كانت لا تقرأ ولا تفهم فلا يقع بها شيء. أما إن كانت في كتاب غير معنون فلا يقع بها الطلاق إلا بالنية.
ويشترط أن يكتب الزوج صيغة الطلاق بنفسه أو بإملائه على من يكتبه... الخ». . (فتوى صادرة بتاريخ 19 / 4 / 1980– الطلب رقم 126 لسنة ۱۹۸۰) (موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 46 ).
الإيلاء - الظهار - اللعان
أولاً : الإيلاء
تعريف الإيلاء :
الايلاء لغة عبارة عن اليمين مطلقاً، يقال إلى يولى إيلاء إذ حلف.
وفي الشريعة عبارة عن حلف الزوج على ترك قربان زوجته أربعة أشهر فأكثر، سواء كان الحلف بالله أو بصفة من صفاته أو بتعليق القربان على فعل يشق على النفس إتيانه.
وقد كان هذا النوع من الإيلاء في الجاهلية يلحق الضرر البالغ بالمرأة لطول مدة المنع، وكان يتكرر هذا الحلف حتى يصل إلى التحريم المؤبد فتصير بذلك المرأة كالمعلقة لا هي بذات الزوج لها حقوق الزوجية ولا هي خالية من الزوج تبحث لها عن زوج آخر، فخفف الشارع عنها بجعل أمد الإيلاء مدة قصيرة ألزم الزوج فيها إما الرجوع عن مقتضى يمينه أو فراقها.
والشارع لم يرفع الإيلاء من أساسه مع أن فيه إيلام المرأة بحرمانها من أمر لازم لطبيعتها البشرية وإشعارها بكراهة زوجها وإنصرافه عنها، لأنه لا يخلو من فائدة تعود على الحياة الزوجية، فقد يكون نوعاً من التأديب لها إذا كان الباعث عليه أمراً يرجع إليها كإتيانها فعلاً ينفره منها فهجرها بهذا اليمين يحملها على تلافي سببه فتصفو الحياة الزوجية.
وقد يكون علاجاً له إذا كان السبب منه لأن بعده عنها قد يثير في نفسه الشوق إليها فيعود إليها نادماً على إساءتها مصراً على حسن عشرتها، فإذا مرت المدة دون أن يجد نفسه مالت إليها فارقها بيسر وسهولة.
فيكون الإبقاء عليه بهذه الصورة من عوامل دعم الحياة الزوجية أو إنهائها بالمعروف.
ركن الإيلاء :
ركن الإيلاء هو الصيغة الدالة على منع الزوج نفسه من قربان زوجته أربعة أشهر فأكثر منعاً مؤكداً باليمين بالله أو بصفة من صفاته أو بإلتزام ما يشق عليه إتيانه.
كأن يقول الرجل: «والله لا أقربك أربعة أشهر» أو يعين مدة أكثر كسنة أو سنتين، أو يقول «والله لا أقربك أبداً» أو «وقدرة الله لا أقربك تماماً» وكذلك لو أطلق عن القيد بزمن كان يقول «والله لا أقربك» لأن الإطلاق ينصرف إلى التأبيد.
والإيلاء بإلتزام أمر شاق على النفس كأن يقول: «إن قاربتك في مدة أربعة أشهر فعلی حج أو عمرة أو صلاة مائة ركعة أو صوم شهرين متتابعين» أو يقول «إن قربتك في مدة أربعة أشهر فأنت طالق أو فامرأتي الأخرى طالق».
وعلى ذلك لا يكون إيلاء، إمتناعه عن قربان زوجته أربعة أشهر فأكثر من غير أن يتلفظ بما يدل على الإمتناع. أو إذا تلفظ من غير أن يؤكد ذلك باليمين بالله أو بصفة من صفاته أو بإلتزام أمر شاق. كأن يحلف بأبيه أو بولی من الأولياء.
وكذلك لا يكون إيلاء إذا قصر الإمتناع عن القربان في مكان لعينه أو في حالة خاصة.
وكذلك إذا علق عدم القربان على أمر لا يشق على النفس كصلاة ركعتين أو التصدق بخمسة قروش وليس من الإيلاء أيضاً أن يحلف على أقل من أربعة أشهر لقول ابن عباس: «لا إيلاء فيما دون أربعة أشهر»).
وألفاظ الإيلاء تنقسم إلى قسمين : صریح وكناية .
فالصريح هو ما دل على المقصود من غير إحتمال شيء آخر، كأن يقول الرجل: «والله لا أقربك أو لا أجامعك أولا لا أغتسل لك من جنابة وما شاكل ذلك» وهذا يكون إيلاء ولا يصدق الرجل إذا ادعى أنه قصد به شيئا آخر.
والكناية هو ما احتمل معنى الإيلاء ومعنى آخر، كأن يقول الرجل: «والله لا أغشاك أو لا أمسك، أو لا أدخل عليك، أو لا أجمع رأسي ورأسك».
وهذا لا يكون إيلاء إلا بالنية، فلو ادعى أنه أراد به غير المخالطة صدق قضاء.
والإيلاء يكون منجزاً، كما يكون معلقاً على شرط، كأن يقول إن دخلت بيت فلانة فوالله لا أقربك أربعة أشهر، أو مضافاً إلى زمن مستقبل، كأن يقول والله لا أقربك أربعة أشهر من أول الشهر القادم.
وتبدأ مدة الإيلاء في المنجز عقب التلفظ بعباراته، وفي المعلق من وقت تحقق الشرط وفي المضاف بمجئ أول الوقت.
شروط الإيلاء :
يشترط لصحة الإيلاء ما يأتي :
1- أن يكون الرجل أهلاً للطلاق - عند أبي حنيفة - لأن الإيلاء مصيره إلى طلاق بائن إذا بر الرجل فيه ولم يقرب إمرأته مدة أربعة أشهر، وكذلك يجب أن يكون بالغاً عاقلاً كما يلزم ذلك في الطلاق فلا يصح ايلاء المجنون والصبي وإن كان مميز.
۲- أن تكون المرأة محلاً له بأن تكون زوجة أو معتدة من طلاق رجعي ويصح عند الحنفية أن يكون الإيلاء معلقاً على التزوج بالمرأة كأن يقول . الأجنبية: «إن تزوجتك فوالله لا أقربك أربعة أشهر» وهذا يتمشى مع رأيهم في صحة تعليق الطلاق على التزوج بالمرأة.
حكم الإيلاء :
قال تعالى في سورة البقرة: ( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
فإذا حلف الرجل على عدم قربان زوجته لمدة أربعة أشهر أو أكثر فإنه يكون إزاء أمرين: أن يفئ إلى زوجته خلال مدة أربعة أشهر وبذلك لا يكون قد فعل المحلوف عليه، أو لا يفئ إليها خلال هذه المدة.
فإذا فاء الرجل إلى زوجته قبل مضى أربعة أشهر، بطل الإيلاء ووجب عليه ما إلتزمه باليمين، فإن كان حالفاً بالله أو بصفة من صفاته كان عليه كفارة اليمين، وهي إطعام عشرة مساكين يوماً أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يكن ذلك في إستطاعته فالواجب صوم ثلاثة أيام متتابعة، لقول النبي عليه السلام:
«من حلف على يمين فرأى في غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير». وإذا كان قد التزم صوماً أو حجاً أو صدقة لزمه ذلك وإذا كان قد إلتزم طلاق زوجة له فإنها تطلق بالحنث في يمينه. وإذا كان الرجل عاجزاً عن مقاربة زوجته لعذر كمرضه أو مرضها أو بعده عنها وإستمر هذا العجز حتی آخر مدة الإيلاء، يكون فيؤه بالقول كأن يقول: «فئت إلى زوجتى أو رجعت عما قلته لأنه لما كان غير قادر على الجماع وقد أذاها بالمنع فيكون إرضاؤها باللسان.
وإذا فاء الرجل بالقول فإنه لا يعد حانثاً في يمينه ولا تلزمه الكفارة ولا يجب عليه الأمر المعلق عليه الحلف لأن الفئ الذي تنحل به اليمين هو المعاشرة الحقيقية.
أما إذا بر الرجل في يمينه بأن كان الإيلاء على مدة معينة كأربعة أشهر أو خمسة، فمضت هذه المدة دون أن يفئ إلى زوجته مع القدرة عليه، فإن زوجته تطلق عليه طلقة بائنة بمضي المدة عند الحنفية لأن الآية السابقة تدعو إلى الفئ في المدة فإن لم يفئ إلى زوجته في المدة فقد عزم الطلاق.
ولا يحتاج الطلاق لإيقاع منه أو لحكم القاضي به وبعد وقوع الطلاق ينتهي الإيلاء.
أما إذا كان الإيلاء على الأبد سواء صرح بذلك أو أطلق اليمين عن التقييد، كأن يقول لزوجته: «والله لا أقربك أبداً أو والله لا أقربك»، فلا ينتهي حکم الإيلاء بمضي الأربعة أشهر الأولى من غير قربان، بل يقع بمضيها طلقة بائنة، لأن الحنث لم يوجد ليرتفع به الإيلاء، فإن عقد عليها بعد ذلك ثم مضى أربعة أشهر دون أن يقربها وقعت عليها طلقة أخرى بائنة، وهكذا إذا مضت مدة ثالثة بعد العقد عليها فتحرم عليه حتى تتزوج بأخر ويدخل بها دخولاً حقيقياً ثم يطلقها أو يموت عنها وتنتهي عدتها، فإذا عادت إلى زوجها الأول بعد ذلك فإنها تعود إليه بحل جديد ولا يبقى أثر للإيلاء، فإذا لم يقاربها مدة أربعة أشهر لا يقع عليها طلاق، ولكنه يبقى أثر الإيلاء بالنظر إلى الحنث، فلو حصل قربان فإنه يلزم الجزاء الذي إلتزمه الرجل بالحنث.
ويسرى حكم الإيلاء المؤبد على الإيلاء الذي تحدد له مدة تزيد على أربعة أشهر كسنة أو سنتين مثلاً، فإنه كلما مضت أربعة أشهر من غير قربان بعد تجديد العقد على المرأة فإنه يقع بذلك طلاق بائن، حتى تنتهي المدة المعينة أو يكون الحنث بالقرب فتجنب كفارة اليمين، أو ما إلتزم من الجزاء.
وصف الطلاق بالإيلاء في الفقه والقانون :
ذهب الأحناف إلى أن الطلاق بالإيلاء بائن، لأن وقوعه هنا لتخليص المرأة من ظلم الرجل وإبقائها كالمعلقة لا هي بزوجة لها حقوق الزوجية ولا هی بمطلقة تبحث لها عن زوج آخر، ولا يتحقق ذلك بالطلاق الرجعى لأن في وسع الزوج أن يراجعها ويعيد الإيلاء.
أما الأئمة الثلاثة فقد ذهبوا على أن الطلاق بالإيلاء رجعي، لأن الأصل في الطلاق أن يكون رجعياً حتى يكون من الشارع ما يدل على أنه بائن، ولا يقع الطلاق بمجرد إنتهاء مدة الإيلاء بل لابد من إيقاع الزوج له فإن إمتنع طلقها القاضي عليه.
وقد خلصنا سلفا إلى أن الطلاق بالإيلاء في ظل المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ يقع رجعياً بالتفصيل الذي أوردناه في موضعه.
ثانياً : الظهار
تعريف الظهار :
الظهار لغة مصدر ظاهر مأخوذ من الظهر، ويقال ظاهر فلان فلاناً إذا جعل ظهره قبالة ظهره. ولما كان هذا الوضع قد يكون للمقاطعة والمدابرة وقد يكون للمؤازرة والمناصرة، إستعمل في المعنيين.
والمراد به في إصطلاح الفقهاء تشبيه الرجل وزوجته بإمرأة محرمة عليه على التأبيد أو بجزء محرم منه لا يحل له النظر إليه، كالبطن أو الفخذ أو الفرج.
ويستوي أن تكون المرأة المشبه بها محرمة على الرجل بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة.
ومثل ذلك أن يقول الرجل لزوجته: «أنت على كظهر أمي، أو كبطن أختي أو عمتي أو خالتي أو زوجة ابني أو زوجة أبي... الخ». . "
أما لو شبه امرأته بجزء لا يحرم عليه النظر إليه من أمه أو غيرها من المحارم كالوجه والرأس فلا يكون مظاهراً. وكذلك لو شبه امرأته بامرأة محرمة عليه تحريماً مؤقتاً مثل أن يقول لها: «أنت على كظهر أختك أو خالتك أو عمتك».
ولا يكون مظاهراً لو شبه زوجته بشيء محرم من غير النساء، مثل أن يقول لإمرأته: «أنت على كالخمر أو الخنزير»، وإن نوى الطلاق فإنه يكون طلاقاً.
ركن الظهار :
ركن الظهار هو الصيغة الدالة على تشبيه الزوجة بالمرأة المحرمة تحريماً مؤبداً سواء كانت الصيغة ملفوظاً بها أم كانت مكتوبة كتابة مستبينة.
وينقسم الظهار بإعتبار هذه الصيغة إلى صریح وكناية.
فالصريح ما كان بصيغة لا تحتمل في غالب الإستعمال معنى آخر غير الظهار مثل قول الرجل لإمرأته: «أنت على كظهر أمي» ويقع به الظهار سواء نوی به الظهار أو لم ينو به شيئاً.
والكناية ما كان بصيغة تحتمل الظهار وغيره كقوله لها: «أنت على كأمي» أو «أنت مثل أمي» فإنه يحتمل الظهار والطلاق والمماثلة في الكرامة. فإذا نوى أيها صدق فيما ادعاه و عومل به. وإن لم ينو به شيئاً فليس بشيء عند أبي حنيفة وأبي يوسف الإحتمال إرادة المماثلة في الكرامة لأمه، وقال محمد يكون ظهاراً لوجود التشبيه الذي هو أساس الظهار.
وقد ذهبت دار الإفتاء المصرية إلى أن العرف جرى على إستعمال مثل عبارات الكناية السابقة في الطلاق لاسيما عند من لا يعرفون معنى الظهار الشرعي ولا يقصدونه فإذا قصد بها الزوج الطلاق وقعت طلقة رجعية - طبقاً للقانون - وإن لم يقصد بها الطلاق لا يقع شيء، وكانت لغواً.
إذ أفتت بتاريخ 3 / 8 / 1980 في الطلب رقم 154 لسنة ۱۹۸۰ بأن:
«أن قول هذا الزوج لزوجته في المرة الأولى «أنت مثل أمي وأختي» من كنايات الظهار وجرى العرف على إستعماله في الطلاق لاسيما عند من لا يعرفون معنى الظهار الشرعي ولا يقصدونه. ومن ثم لا يقع بها الطلاق إلا بالنية. فإذا كان الزوج قد قصد وقت النطق بهذه العبارة الطلاق كان طلاقاً أولاً رجعياً. وإن لم يقصد بتلك العبارة الطلاق كان لغواً، ولا يقع بها شيء من الطلاق.... الخ». .
وإذا قال لإمرأته: «أنت على حرام كظهر أمي» فهو ظهار إن نوى به الظهار أو لم تكن له نية أصلا لإشتمال الصيغة على صریح لفظ الظهار، وإن نوی به الطلاق كان طلاقاً بائناً عند أبي يوسف ومحمد لأن لفظ حرام من کنایات الطلاق وهو يحتمل الطلاق والظهار فمتى نوى به الطلاق فقد تعين المراد منه، فيقع به طلاق بائن ويكون قوله بعد ذلك - كظهر أمي - تأكيدا لهذه البينونة.
وعند أبي حنيفة يكون ظهاراً برغم إرادة الطلاق، نظراً إلى صريح لفظ الظهار، فإن الصريح يثبت به حكم الظهار وإن قصد به معنى آخر فيكون قوله «كظهر أمي» تفسيراً للمواد من كلمة حرام.
والحق في الفتوى في مثل هذه الصيغة أن ينظر إلى حال الشخص الذي عبر بها، فإن كثيراً من العامة لا يعرفون معنى الظهار الشرعي، ولا يقصدون من مثل هذا اللفظ إلا تأكيد التحريم، فينبغي أن يحمل هذا على أنه طلاق بائن طبقاً لمذهب الأحناف، وطلاق رجعی طبقاً للقانون.
وقد ذهبت دار الإفتاء المصرية إلى أن العرف جری بإستعمال مثل هذه العبارة في إنشاء الطلاق خصوصاً على ألسنة العامة الذي لا يعرفون الظهار الشرعي وإعتبرتها طلاقاً رجعياً طبقا للقانون إذ جاء بفتواها الصادرة بتاريخ 6 / 7 / 1963 في الطلب رقم 459 لسنة 1963 إلى أن:
«إن الصيغة الوارد بالسؤال وهو قوله لزوجته «تحرمي على أمى وأختی» كناية من كنايات الظهار قصد بها الطلاق لتصريحه بالحرمة. وقد جرى العرف بإستعمال هذه العبارة في إنشاء الطلاق خصوصاً على ألسنة العامة الذين لا يعرفون الظهار الشرعي ولا يدرون شيئاً من أحكامه وألفاظه، فيقع بها طلقة رجعية وله مراجعتها حيث لا تزال في العدة لأن اليمين صدر منه وهي حامل ولم تضع حملها. ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال إذا كان الحال كما ذكر به. والله أعلم».
شروط الظهار :
يشترط الأحناف لصحة الظهار توافر الشروط الآتية :
1- أن يكون المظاهر (الرجل) عاقلاً بالغاً مسلماً، فلا يصح ظهار المجنون والصبي ومن في حكم المجنون كالنائم والمدهوش والمغمى عليه.
فلا يصح ظهار الذمي لأن آيات الظهار وهي قوله تعالى:( الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ۖ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ۚ ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4))، تتناول المسلم الدلائل أحدها أن أول الآية خاص في حق المسلمين وهو قوله عز وجل والذين يظاهرون منكم فقوله «منكم» كناية عن المسلمين، لأنه تعالى قال «وإن الله لعفو غفور» والكافر غير جائز المغفرة، ولأن الظهار يثبت به تحریم مؤقت ينتهي بالكفارة والذمي ليس من أهل الكفارة لأنها أقرب إلى العبادات.
۲- أن تكون المظاهر منها، زوجة في زواج صحيح نافذ حقيقة أو حكماً فيصح الظهار من المعتدة من طلاق رجعي، ولا يصح من المعتدة من طلاق بائن، ولا من كان زواجها فاسداً أو صحيحا موقوفاً ولو أجاز العقد بعد ذلك من له الحق في إجازته لأن كل منهما حرام عليه بالفعل فلا يكون للظهار منها معنى.
ويصح أن تكون المظاهر منها أجنبية إذا أضاف المظاهر الظهار إلى تزوجه منها.
3- أن تكون المظاهر بها من جنس النساء، فلو قال الرجل «أنت على كظهر أبي أو ابني» لا يصح الظهار، وأن تكون المرأة المظاهر بها محرمة على المظاهر تحريماً مؤبداً بالإتفاق، وليس محل إجتهاد .
حكم الظهار :
حكم الظهار سواء كان مقيداً بوقت أو لم يكن كذلك أنه يحرم على الرجل جماع امرأته كما يحرم عليه دواعي الجماع من تقبيل بشهوة ولمس بشهوة ونظر إلى الفرج بشهوة، لأن الإستمتاع داع إلى الجماع، فإذا حرم الجماع حرم الداعي إليه.
وإذا كان مقيداً بوقت، ثم إنتهى هذا الوقت من غير أن يقارب الرجل زوجته، فإنه ينتهي بذلك حكم الظهار.
وإذا كان مقيداً بوقت وأراد الزوج العودة إلى قربان زوجته قبل إنتهاء الوقت المعين، أو كان غير مقيد بوقت وأراد ذلك، وجب عليه الكفارة إذ بالكفارة ينتهي حكم الظهار.
وإلتماس قبل الكفارة معصية كما أشارت الآيات السابقة.
وليس المقصود بالعودة إلى قربان الزوجة التي تستوجب الكفارة، هو الرجوع إلى ما كان بينه وبين زوجته مما أحله الله بالزواج بالفعل، بل المراد العزم على ذلك عزماً مؤكداً والقصد إلى إنهاء حالة التحريم التي كانت بالظهار، حتى لو عزم ثم بدا له أن لا يطأها فلا كفارة عليه لعدم العزم المؤكد.
والكفارة هي تحرير رقبة فإن لم يجد فصوم شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
وإذا حصل القربان قبل التكفير فعلى الرجل أن يستغفر من ذلك الذنب ثم لا يعود إليها ثانية حتى يكفر.
أما إذا حصل القربان في أثناء الكفارة فالحنفية يفرقون في ذلك بين كفارة الإطعام وغيرها، فيقولون أن قربان المظاهر منها إذا حصل في أثناء الصوم فإنه يبطل التتابع، ويجب إستئناف الصوم، وهذا بخلاف حصوله في أثناء الطعام، فإنه لا يلغى ما سبق منه، لأن الآية القرآنية قيدت تحرير الرقبة والصوم بكونها قبل إلتماس ولكنها أطلقت بالنسبة للإطعام.
وللزوجة المظاهر منها أن ترفع أمرها إلى القاضي ليحتم على زوجها أن يكفر عن ظهاره حتى يعود إلى حق الزوجية ويجبره القاضي على ذلك بما يملك من وسائل التأديب والعقوبة إن إحتاج إلى ذلك.
وحكم الظهار - من حرمة قربان الزوجة والإستمتاع بها حتى يكون التكفير - ثابتاً أبداً على المظاهر، حتى أنها لو طلقت منه طلاقاً بائناً ثم عقد عليها، أو طلقها ثم تزوجها بعد زوج آخر فإن حكم الظهار يكون باقياً، فلا يقاربها حتى يكفر عن ظهاره، لأن الظهار بمنزلة اليمين على معصية، فيجب فيها الحنث ويتحتم التكفير. (موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 233 ).
الطلاق الصريح :
هو ما يكون بلفظ يفهم منه عند النطق به معنى الطلاق دون حاجة إلي نية أو قرينة فيشمل جميع الألفاظ التي وضعت شرعاً لمعنى الطلاق نحو قوله أنت طالق ، أو الألفاظ التي تستعمل عرفاً في الطلاق نحو علي الحرام والطلاق الصريح يقع ديانة وقضاء ، دون حاجة إلي توقف على قرينة لأنه صريح فيه تقلبة الإستعمال .
كنايات الطلاق :
الطلاق الكنائي ما كان مستتر المراد بحيث يحتاج إلى نية أو دلالة حال في فهم المقصود منه ، وهي الألفاظ التي لم توضع في الأصل لمعنى الطلاق ، ولم يتعارف في الإستعمال قصرها عليه بل تحتمل الطلاق وغيره نحو ( اذهبي إلي أهلك ) فإنها تحتمل إرادة إبعادها عنه بسبب الغضب وتحتمل إرادة طلاقها فتعود إلى أهلها فإذا نوى بها الطلاق فإنه يقع ، وإن لم يقصده فلا يقع شئ .
فألفاظ الكنايات لا يقع بها الطلاق إلا بالنية - والمراد بالنية في الكناية أن يقصد الإيقاع أو دلالة الحال لأنها ألفاظ تحتمل الطلاق وغيره.
ويرى الشافعي ومالك رحمهما الله أنه لا يقع الطلاق في الكنايات إلا بالنية ولا إعتبار بدلالة الحال لأنه مختار في جميع أحواله .
المذكرة الإيضاحية :وقد جاء بها تعليقاً على هذه المادة كنايات الطلاق وهي ما تحتمل الطلاق وغيره لا يقع بها الطلاق إلا بالنية دون دلالة الحال كما هو مذهب الشافعي ومالك ، لذلك فإن كنايات الطلاق لا يقع الطلاق بها إلا بالنية والزوج مصدق في دعواه ولا يلتفت إلي قرائن الأحوال ولا يؤخذ بها . (الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 293)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الخامس والثلاثون ، الصفحة / 135
كِنَايَةٌ
التَّعْرِيفُ:
الْكِنَايَةُ فِي اللُّغَةِ: أَنْ يُتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمَكْنِيِّ عَنْهُ كَالرَّفَثِ وَالْغَائِطِ، وَهِيَ اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنْ كَنَيْتُ بِكَذَا عَنْ كَذَا مِنْ بَابِ رَمَى.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ كَلاَمٌ اسْتُتِرَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِالاِسْتِعْمَالِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ ظَاهِرًا فِي اللُّغَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةَ أَمِ الْمَجَازَ، فَيَكُونُ تَرَدُّدٌ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ دَلاَلَةِ الْحَالِ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ فَتْحِ الْقَدِيرِ: أَنَّ الْكِنَايَةَ مَا خَفِيَ الْمُرَادُ بِهِ لِتَوَارُدِ الاِحْتِمَالاَتِ عَلَيْهِ بِخِلاَفِ الصَّرِيحِ.
كِنَايَاتُ الطَّلاَقِ:
كِنَايَاتُ الطَّلاَقِ كَثِيرَةٌ، بَلْ لاَ تَكَادُ تَنْحَصِرُ، وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَمْثِلَةً لَهَا، اتَّفَقُوا فِي أَكْثَرِهَا مِثْلَ: أَنْتِ بَائِنٌ، أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، خَلِيَّةٌ، بَرِيَّةٌ، بَرِيئَةٌ، بَتَّةٌ، أَمْرُكِ بِيَدِكِ، اخْتَارِي، اعْتَدِّي، اسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، خَالَعْتُكِ بِدُونِ ذِكْرِ الْعِوَضِ) لاَ سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ، أَنْتِ حُرَّةٌ، قُومِي، اخْرُجِي، اغْرُبِي، اعْزُبِي، انْطَلِقِي، انْتَقِلِي، تَقَنَّعِي، اسْتَتِرِي، تَزَوَّجِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي لَفْظَيْنِ هُمَا: سَرَّحْتُكِ، وَفَارَقْتُكِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهُمَا كِنَايَتَانِ فِي الطَّلاَقِ، لأَِنَّهُمَا لَمْ يَشْتَهِرَا فِيهِ اشْتِهَارَ الطَّلاَقِ، وَيُسْتَعْمَلاَنِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مُقَابِلُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ وَالْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّهُمَا صَرِيحَانِ فِي الطَّلاَقِ، لاِشْتِهَارِهِمَا فِيهِ وَوُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ فِي قوله تعالى: (وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) مُرَادَانِ بِالطَّلاَقِ مَعَ تَكَرُّرِ الْفِرَاقِ فِيهِ، وَإِلْحَاقِ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهِ مِنْهُمَا بِمَا تَكَرَّرَ، وَإِلْحَاقِ مَا لَمْ يَرِدْ مِنْ مُشْتَقَّاتِهِمَا فِي الْقُرْآنِ بِمَا وَرَدَ فِيهِ لأَِنَّهُ بِمَعْنَاهُ.
وَأَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ هَذِهِ وَنَحْوُهَا تَحْتَمِلُ الطَّلاَقَ، وَتَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، فَاسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهَا عِنْدَ السَّامِعِ، فَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ لِتَعْيِينِ الْمُرَادِ مِنْهَا فَقَوْلُهُ: أَنْتِ بَائِنٌ: يَحْتَمِلُ الْبَيْنُونَةَ عَنِ الشَّرِّ أَوِ الْخَيْرِ أَوِ النِّكَاحِ، وَخَلِيَّةٌ: يَحْتَمِلُ الْخُلُوَّ عَنِ الزَّوْجِ، وَالنِّكَاحِ، وَيَحْتَمِلُ الْخُلُوَّ عَنِ الأَْمْرَاضِ أَوِ الْعَيْبِ، وَفَارَقْتُكِ: يَحْتَمِلُ الْمُفَارَقَةَ عَنِ النِّكَاحِ، وَيَحْتَمِلُ الْمُفَارَقَةَ عَنِ الْمَضْجَعِ وَالْمَكَانِ، وَقَوْلُهُ: أَنْتِ بَرِيئَةٌ مِنَ الْبَرَاءَةِ، يَحْتَمِلُ الْبَرَاءَةَ مِنَ النِّكَاحِ، وَيَحْتَمِلُ الْبَرَاءَةَ عَنِ الشَّرِّ أَوِ الْخَيْرِ، وَقَوْلُهُ: بَتَّةٌ مِنَ الْبَتِّ وَهُوَ الْقَطْعُ، فَيَحْتَمِلُ الْقَطْعَ عَنِ النِّكَاحِ وَيَحْتَمِلُ الْقَطْعَ عَنِ الشَّرِّ، وَقَوْلُهُ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، يَحْتَمِلُ الطَّلاَقَ، وَيَحْتَمِلُ أَمْرًا آخَرَ، وَهَكَذَا.
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الطَّلاَقَ يَقَعُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْكِنَايَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكِنَايَةَ كُلُّ لَفْظٍ يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلاَقِ وَغَيْرِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ: أَنْتِ بَائِنٌ، وَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَخَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ. وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الطَّلاَقَ وَغَيْرَهُ، وَإِذَا احْتَمَلَتْ هَذِهِ الأَْلْفَاظُ الطَّلاَقَ وَغَيْرَهُ فَقَدِ اسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهَا عِنْدَ السَّامِعِ فَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ لِتَعْيِينِ الْمُرَادِ.
وَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، فَإِنْ نَوَى الطَّلاَقَ وَقَعَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَقَعْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: مَا أَرَدْتُ بِهِ الطَّلاَقَ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَلْ يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؟ هُنَاكَ تَفْصِيلٌ:
فَإِنْ كَانَتِ الْحَالُ حَالَ الرِّضَا وَابْتَدَأَ الزَّوْجُ بِالطَّلاَقِ يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْحَالُ حَالَ مُذَاكَرَةِ الطَّلاَقِ
وَسُؤَالِهِ أَوْ حَالَةَ الْغَضَبِ وَالْخُصُومَةِ فَالْكِنَايَاتُ أَقْسَامٌ ثَلاَثَةٌ:
الأَْوَّلُ: مَا كَانَ بِأَحَدِ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، وَاخْتَارِي، وَاعْتَدِّي، وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ، فَهَذِهِ لاَ يَدِينُ فِيهَا، وَيَقَعُ الطَّلاَقُ فِي حَالَتَيِ الْمُذَاكَرَةِ وَالْغَضَبِ، وَلاَ يُعْتَدُّ قَضَاءً بِإِنْكَارِهِ النِّيَّةَ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ بِأَحَدِ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ الْخَمْسَةِ: وَهِيَ: خَلِيَّةٌ، وَبَرِيئَةٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَائِنٌ، وَحَرَامٌ، فَهَذِهِ يَدِينُ فِيهَا فِي حَالَةِ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ، وَلاَ يَدِينُ فِي حَالَةِ ذِكْرِ الطَّلاَقِ، وَيَلْزَمُهُ الطَّلاَقُ قَضَاءً.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ بَقِيَّةُ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ، وَيَدِينُ فِيهَا جَمِيعًا فِي كُلِّ الأَْحْوَالِ.
وَقَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ الْكِنَايَةَ فِي الطَّلاَقِ إِلَى نَوْعَيْنِ:
كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَكِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ.
وَأَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ عِنْدَهُمْ هِيَ:
بَتَّةٌ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ.
وَيَلْزَمُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا الثَّلاَثُ مُطْلَقًا، دَخَلَ بِهَا أَمْ لاَ، لأَِنَّ الْبَتَّ الْقَطْعُ، وَقَطْعُ الْعِصْمَةِ شَامِلٌ لِلثَّلاَثِ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَالْحَبْلُ عِبَارَةٌ عَنِ الْعِصْمَةِ وَهُوَ إِذَا رَمَى الْعِصْمَةَ عَلَى كَتِفِهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ مُطْلَقًا.
وَالْبَيْنُونَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِغَيْرِ عِوَضٍ إِنَّمَا تَكُونُ ثَلاَثًا، فَاعْتُبِرَ لَفْظُ بَائِنَةٌ، وَأُلْغِيَ لَفْظُ وَاحِدَةٌ.
وَمِنَ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ.
وَيَلْزَمُهُ فِي قَوْلِهِ: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ الثَّلاَثُ مُطْلَقًا، دَخَلَ بِهَا أَمْ لَمْ يَدْخُلْ مَا لَمْ يَنْوِ أَقَلَّ مِنَ الثَّلاَثِ، فَإِنْ نَوَى الأَْقَلَّ لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ.
وَهُنَاكَ عِنْدَهُمْ أَلْفَاظٌ تُشْبِهُ الْوَاحِدَةَ الْبَائِنَةَ. وَهِيَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَوَهَبْتُكِ لأَِهْلِكِ، أَوْ رَدَدْتُكِ، أَوْ لاَ عِصْمَةَ لِي عَلَيْكِ، وَأَنْتِ حَرَامٌ، أَوْ خَلِيَّةٌ لأَِهْلِكِ، أَوْ بَرِيَّةٌ، أَوْ خَالِصَةٌ، أَوْ بَائِنَةٌ، أَوْ أَنَا بَائِنٌ مِنْكِ، أَوْ خَلِيٌّ، أَوْ بَرِيءٌ، أَوْ خَالِصٌ، فَيَلْزَمُهُ الثَّلاَثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَفِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إِنْ لَمْ يَنْوِ أَقَلَّ، فَإِنْ نَوَى الأَْقَلَّ لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ وَحَلَفَ إِنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا: أَنَّهُ مَا أَرَادَ إِلاَّ الأَْقَلَّ، لاَ إِنْ لَمْ يُرِدْهُ.
أَمَّا الأَْلْفَاظُ التَّالِيَةُ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرَامٌ، أَوْ وَجْهِي عَلَى وَجْهِكِ حَرَامٌ - وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ مِنْ وَعَلَى - وَقَوْلُهُ: لاَ نِكَاحَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ، أَوْ لاَ مِلْكَ لِي عَلَيْكِ، أَوْ لاَ سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ، فَيَلْزَمُهُ الثَّلاَثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَقَطْ.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الصِّيَغَ الثَّلاَثَ الأَْخِيرَةَ بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْعِتَابَ، فَإِنْ قَصَدَ الْعِتَابَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، فَالْعِتَابُ قَرِينَةٌ وَبِسَاطٌ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ إِرَادَتِهِ الطَّلاَقَ.
أَمَّا لَفْظُ: فَارَقْتُكِ فَيَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ مُطْلَقًا دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، إِلاَّ لِنِيَّةٍ أَكْثَرَ وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا.
أَمَّا أَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَهِيَ: ادْخُلِي وَاذْهَبِي وَانْطَلِقِي إِنْ نَوَى وَاحِدَةً بَائِنَةً لَزِمَهُ الثَّلاَثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَوَاحِدَةٌ فَقَطْ فِي غَيْرِهَا مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكِنَايَةَ يَقَعُ بِهَا الطَّلاَقُ مَعَ النِّيَّةِ وَلاَ يَقَعُ بِلاَ نِيَّةٍ.
وَهِيَ أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ، بَلْ لاَ تَنْحَصِرُ: كَأَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَبَائِنٌ، وَاعْتَدِّي، وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَاعْزُبِي، وَاغْرُبِي، وَدَعِينِي، وَوَدِّعِينِي.
وَقَالُوا: إِنَّ الْكِنَايَةَ هِيَ مَا احْتَمَلَ الطَّلاَقَ وَغَيْرَهُ، وَلَكِنْ بِنِيَّةٍ لإِِيقَاعِهِ، وَمَعَ قَصْدِ حُرُوفِهِ.
وَأَمَّا الأَْلْفَاظُ الَّتِي لاَ تَحْتَمِلُ الطَّلاَقَ إِلاَّ عَلَى تَقْدِيرٍ مُتَعَسِّفٍ فَلاَ أَثَرَ لَهَا، فَلاَ يَقَعُ بِهَا طَلاَقٌ وَإِنْ نَوَى، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، وَأَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكَ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ قَوْلَهُمْ: إِنَّ شَرْطَ نِيَّةِ الْكِنَايَةِ اقْتِرَانُهَا بِكُلِّ اللَّفْظِ، وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلِهِ.
وَيَقَعُ الطَّلاَقُ - عِنْدَهُمْ - بِالْكِنَايَةِ حَسْبَ مَا نَوَاهُ عَدَدًا، كَأَنْتِ بَائِنٌ إِذَا نَوَى فِيهَا عَدَدًا وَقَعَ مَا نَوَاهُ لاِحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُ، فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ لأَِنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.
13 - وَالْكِنَايَاتُ فِي الطَّلاَقِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ نَوْعَانِ: ظَاهِرَةٌ، وَخَفِيَّةٌ.
فَالظَّاهِرَةُ: هِيَ الأَْلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْبَيْنُونَةِ، لأَِنَّ مَعْنَى الطَّلاَقِ فِيهَا أَظْهَرُ، وَهِيَ سِتَّ عَشْرَةَ كِنَايَةً: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَبَرِيئَةٌ، وَبَائِنٌ،. وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، أَنْتِ حُرَّةٌ، وَأَنْتِ الْحَرَجُ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، وَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْتِ، وَحَلَلْتِ لِلأَْزْوَاجِ، وَلاَ سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ، وَلاَ سُلْطَانَ لِي عَلَيْكِ، وَأَعْتَقْتُكِ، وَغَطِّي شَعْرَكِ، وَتَقَنَّعِي، وَأَمْرُكِ بِيَدِكِ.
وَالْخَفِيَّةُ: هِيَ الأَْلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِلطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ نَحْوَ: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَتَجَرَّعِي، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَلاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ.
وَالْكِنَايَةُ - وَلَوْ ظَاهِرَةً - لاَ يَقَعُ بِهَا طَلاَقٌ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَهُ، لأَِنَّ الْكِنَايَةَ لَمَّا قَصُرَتْ رُتْبَتُهَا عَنِ الصَّرِيحِ وَقَفَ عَمَلُهَا عَلَى نِيَّةِ الطَّلاَقِ تَقْوِيَةً لَهَا، وَلأَِنَّهَا لَفْظٌ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَعْنَى الطَّلاَقِ، فَلاَ يَتَعَيَّنُ لَهُ بِدُونِ النِّيَّةِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِلَفْظِ الْكِنَايَةِ، فَلَوْ تَلَفَّظَ بِالْكِنَايَةِ غَيْرَ نَاوٍ لِلطَّلاَقِ ثُمَّ نَوَى بِهَا الطَّلاَقَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، أَوْ يَأْتِي مَعَ الْكِنَايَةِ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ نِيَّةِ الطَّلاَقِ كَحَالِ خُصُومَةٍ وَغَضَبٍ وَجَوَابِ سُؤَالِهَا الطَّلاَقَ، فَيَقَعُ الطَّلاَقُ مِمَّنْ أَتَى بِكِنَايَةٍ إِذَنْ وَلَوْ بِلاَ نِيَّةٍ، لأَِنَّ دَلاَلَةَ الْحَالِ كَالنِّيَّةِ، فَلَوِ ادَّعَى فِي هَذِهِ الأَْحْوَالِ - أَيْ حَالِ الْغَضَبِ وَالْخُصُومَةِ وَسُؤَالِهَا الطَّلاَقَ - أَنَّهُ مَا أَرَادَ الطَّلاَقَ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَهُ دِينَ لاِحْتِمَالِ صِدْقِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ لأَِنَّهُ خِلاَفُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْحَالُ.
وَيَقَعُ مَعَ النِّيَّةِ بِالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ ثَلاَثٌ وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهم فِي وَقَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ.