كل طلاق يقع رجعياً إلا المكمل للثلاث والطلاق قبل الدخول والطلاق على مال وما نص على كونه بائناً فى هذا القانون والقانون رقم 25 لسنة 1920.
كل طلاق يقع رجعياً إلا المكمل للثلاث والطلاق قبل الدخول والطلاق على مال وما نص على كونه بائناً فى هذا القانون والقانون رقم 25 لسنة 1920.
الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ،
المذكرة الإيضاحية :
لقد كان العمل جارياً في المحاكم الشرعية على مذهب أبي حنيفة في وصف الطلاق بالرجعي أو البائن ، إلي أن جاء القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ فجعل الطلاق البائن هو الطلاق قبل الدخول أو الطلاق على مال و المكمل للثلاث ، وما نص على كونه بائناً في هذا القانون والقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۰ وما نص على أنه بائن في القانونين رقمي 25 لسنة ۱۹۲۰، 25 لسنة ۱۹۲۹ وهو الطلاق للعيب وللسجن ، والغيبة والضرر بسبب الأذى قولاً أو فعلاً بما لا يستطاع من دوام العشرة بين أمثالهما .
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لهذا القانون تعليقاً على تلك المادة ، أنه قد أخذ بمذهبي الإمام مالك والشافعي في أن كل طلاق يقع رجعياً إلا ما استثني في المادة الخامسة ، أما بالنسبة للتفريق بسبب اللعان أو إباء الزوج عن الإسلام عند إسلام زوجته يبقى الحكم فيه على مذهب أبي حنيفة .
1- إذ كان الحكم المطعون فيه قضى بانصراف معنى الحقوق الشرعية الواردة بمنطوق الحكم المطلوب تفسيره إلى تلك المترتبة على الطلاق دون تلك المترتبة على الزواج فإنه يكون قد مس ذاتية الحكم المفسر وكيانه ونال من حجيته فإنه يكون قد خالف القانون .
(الطعن رقم 273 لسنة 71 جلسة 2003/03/08 س 54 ع 1 ص 424 ق 75)
2- إذا أقرت المرأة بصحة الرجعة أو بأنها كانت لازالت فى العدة وقت حصولها لزمها هذا الإقرار، إذ أنه إذا كان الإقرار صادراً من الخصم عن طواعية واختيار بقصد الاعتراف بالحق المدعى به لخصمه فى صيغة تفيد ثبوت الحق المقر به على سبيل الجزم واليقين، فلا يقبل الرجوع فيه، لأن الإقرار اعتراف شخص بواقعة من شأنها أن تنتج ضده آثارا قانونية أو شرعية، بحيث تصبح فى غير حاجة إلى الإثبات بدليل آخر وينحسم به النزاع فيما أقر به، وعلى هذا، فإنه ولئن كان إقرار المطلقة رجعياً بأن عدتها انقضت برؤيتها الحيض ثلاث مرات كوامل أو بأن عدتها لم تنقض بالحيض، لا يكون نافذاً فى حق المطلق إلا إذا حلفت اليمين على ذلك، إلا أن إقرارها على هذا النحو يلزمها هي حتى وإن لم تحلف اليمين، إذ أنها ليست فى حاجة ليمينها لتصدق نفسها فى إقرارها، فلا يجوز لها الرجوع فى هذا الإقرار بحجة أنه لم يقترن بيمينها، لأن مطلقها هو وحده صاحب المصلحة فى التمسك بذلك، حتى يكون إقرارها فى هذا الصدد حجة عليه.
(الطعن رقم 530 لسنة 66 جلسة 2001/05/28 س 52 ع 2 ص 761 ق 153)
3- المقرر فى فقه الحنفية - وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض - أن الطلاق الرجعي لا يغير شيئاً من أحكام الزوجية القائمة, فلا يزيل الحل ولا الملك, وليس له من أثر سوى الانتقاص من عدد الطلقات التي يملكها الزوج ولا تزول حقوق الزوج على زوجه إلا بانقضاء العدة, فالرجعة هي استدامة ملك النكاح متى تمت قبل انتهاء العدة, وهي ليست إنشاء لعقد زواج جديد فلا يلزم لها عقد ومهر جديدان بل هي امتداد للزوجية القائمة وتكون بالقول أو بالفعل ولا يشترط الإشهاد عليها ولا رضاء الزوجة ولا علمها, بما مفاده أنه إذا وجه الزوج لزوجه إعلاناً يدعوها فيه لطاعته ثم طلقها وراجعها من بعد قبل انتهاء العدة فإنها إذا لم تمتثل بعد المراجعة لهذا الإنذار بالعودة الزوجية تعتبر ناشزاً دون حاجة لتوجيه إنذار آخر لأن أثر الإنذار الذي وجه من قبل يظل باقياً ببقاء الزوجية إذ أن المطلقة من طلاق رجعي تعتبر زوجة حكماً أثناء العدة.
(الطعن رقم 326 لسنة 63 جلسة 1998/03/30 س 49 ع 1 ص 283 ق 70)
4- إنه وإن كان المقرر فى فقه الإمام أبى حنيفة أن المراجعة هى استدامة ملك النكاح وليست إنشاء لعقد جديد بل هى امتداد لزوجية قائمة إلا أنه لما كان الطلاق الرجعى يرفع قيد الزواج فى المال ويترتب عليه نقص عدد الطلقات التى يملكها الزوج على زوجته والمراجعة لا تجحد هذا الأثر، وتحديد لرابطة الزوجية بانتهاء العدة ومن ثم رفع قيد النكاح وانفصام عرى الزوجية بالطلاق وهى من الأمور المطروحة فى الدعوى ويثورالنزاع بشأنها بين طرفى التداعى، وإذ كان ذلك وكان المشرع بما نص عليه فىالمادة الثامنةمن القانون رقم462سنة1955بإلغاء المحاكم الشرعية والملية قد ناط بالمحاكم الإبتدائية نظر دعوى الطلاق والفرقة بين الزوجين بجميع أسبابها مما ينعقد معه الإختصاص بنظر الدعوى للمحكمة الإبتدائية المختصة لما يثار فيها من إيقاع الفرقة بين الزوجين.
(الطعن رقم 65 لسنة 60 جلسة 1993/12/28 س 44 ع 3 ص 561 ق 384)
5- النفاس فى عرف الشرع الإسلامى يطلق على الدم الخارج من الرحم عقب الولادة وهو شهادة على حصولها و ليس هناك حد لأقله ، وإن كان أقصى مدة له أربعون يوماً فإذا طلقت المرأة بعد الولادة وأقرت بأنها نفست ثم طهرت فإنها تصدق بقولها و تعتبر صالحة للمعاشرة الزوجية ، والقول بعدم إمكان حمل المرأة فى مدة النفاس لم يذهب إليه أحد من علماء الشريعة وفقهائها .
(الطعن رقم 30 لسنة 46 جلسة 1978/03/01 س 29 ع 1 ص 658 ق 129)
6- مؤدى نص المادة 3/11 من قانون المواريث رقم 77 لسنة 1943 أن المشرع الوضعى قرر أخذاً بالمذهب الحنفى ، أن من كان مريضا مرض موت و طلق إمراته بائناً بغير رضاها و مات حال مرضه و الزوجة لا تزال فى العدة ، فإن الطلاق البائن يقع على زوجته و يثبت منه من حين صدوره لأنه أهل لايقاعه ألا أنها ترثه مع ذلك بشرط أن تكون أهلا لارثة من وقت إبانتها إلى وقت موته رغم أنة المطلقة بائناً لا ترث لإنقطاع العصمة بمجرد الطلاق ، إستناد إلى أنه لما أبانها حال مرضه اعتبر إحتياطياً فاراً و هارباً فيرد عليه قصده لها ويثبت لها الإرث .
(الطعن رقم 15 لسنة 40 جلسة 1976/01/07 س 27 ع 1 ص 146 ق 39)
7- المقصود بمرض الموت أنه المرض الشديد الذى يغلب على الظن موت صاحبه عرفاً أو بتقرير الأطباء و يلازمه ذلك المرض حتى الموت ، وأن لم يكن أمر المرض معروفاً من الناس بأنه من العلل المهلكة ، فضابط شدته وإعتباره مرض موت أن يعجز غير العاجز من قبل عن القيام بمصالحة الحقيقة خارج البيت فيجتمع فيه تحقق العجز وغلبه الهلاك وإتصال الموت به .
(الطعن رقم 15 لسنة 40 جلسة 1976/01/07 س 27 ع 1 ص 146 ق 39)
8- المريض مرض موت إذا طلق وزجته ثم مات ومطلقته فى العدة يعتبر - متى توافرت الشروط - بطلاقة فارا من الميراث ، وتقوم المظنة على أنه طلق وزجته طلاقاً بائناً فى مرض الموت قاصداً حرمانها من حقها الذى تعلق بماله منذ حلول المرض به ، بمعنى أن الطلاق البائن ينبنىء بذاته من غير دليل آخر على هذا القصد فرد المشرع عليه قصده و ذلك دون ما حاجة للبحث عن خبايا نفس المريض واستكناه ما يضمره .
(الطعن رقم 15 لسنة 40 جلسة 1976/01/07 س 27 ع 1 ص 146 ق 39)
9- إذ يبين من الرجوع إلى الأوراق أن الطلاق الذى تم بين والدة الطاعن ومورث المطعون بتاريخ 1944/5/7 كان طلاقاً نظير الإبراء من مؤخر الصداق و نفقة العدة فيكون الطلاق بائناً طبقاً للمادة الخامسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 التى تنص على أن كل طلاق يقع رجعياً إلا المكمل للثلاث ، والطلاق قبل الدخول و الطلاق على مال .
(الطعن رقم 1 لسنة 41 جلسة 1975/01/29 س 26 ع 1 ص 297 ق 64)
10- الرجعة عند الحنفية هى إستدامة ملك النكاح بعد أن كان الطلاق قد حدده بإنتهاء العدة ، فهى ليست إنشاء لعقد زواج بل إمتداد للزوجية القائمة ، وتكون بالقول أوبالفعل ، ولا يشترط لصحتها الإشهاد عليها ولا رضا الزوجة ولا علمها ، مما لا يلزم لسماع الدعوى بها أن تكون ثابتة بوثيقة رسمية على نحو ما إستلزمته الفقرة الرابعة من المادة 99 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية بالنسبة لدعوى الزوجية ، وذلك تحقيقا لأغراض إجتماعية إستهدفها المشرع من وضع هذا الشرط بالنسبة لعقد الزواج ، وهو ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية للائحة الشرعية .
(الطعن رقم 18 لسنة 38 جلسة 1972/05/31 س 23 ع 2 ص 1053 ق 165)
11- الطلاق على مال هو يمين من جانب الزوج ومعاوضة من جانب الزوجة لا يتم إلا بايجاب وقبول من الجانبين ، وإذ كانت عبارة الاقرار الصادر من الزوجة إنما تتضمن ابرائها لزوجها من مؤخر صداقها ونفقتها وجميع الحقوق الزوجية المترتبة لها بموجب عقد الزواج مقابل حصولها على الطلاق ، وقد خلت مما يفيد ايقاع الزوج يمين الطلاق على زوجته مقابل هذا العوض ، فإن هذه العبارة بمجردها لا تعدو أن تكون مجرد إيجاب من الزوجة بعرض العوض على الزوج مقابل حصولها على الطلاق لم يصادفه قبول منه بايقاع الطلاق فعلاً ، و من ثم فلا يتحقق فيها وصف الطلاق على مال و شروطه و بالتالى لا يترتب عليها أثره المقرر شرعاً .
(الطعن رقم 9 لسنة 31 جلسة 1963/11/13 س 14 ع 3 ص 1045 ق 148)
12- متى كان الثابت فى الدعوى أن الطلاق " الحاصل سنة 1944 " نظير الابراء من مؤخر الصداق ونفقة العدة فإنه يكون طلاقا بائنا طبقا للمادة الخامسة من القانون رقم 25 لسنة 1929 التى تنص على أن " كل طلاق يقع رجعيا إلا المكمل للثلاث والطلاق قبل الدخول والطلاق على مال . . . " وإذ كان ذلك وكانت دعوى المطعون عليها تقوم على ماتدعيه من حصول زواج جديد بينها وبين الطاعن بعد الطلاق المذكور بعقد ومهر جديدين ولم تقدم وثيقة زواج رسمية أو عرفية تدل على ذلك وكانت إقراراتها بمحضر تحقيق النيابة وأمام محكمة أول درجة وإعلانات الدعاوى التى رفعتها على الطاعن تفيد عدم حصول هذا الزواج الجديد ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بثبوت نسب الصغير " المولود سنة 1950 " إلى الطاعن يكون فضلاً عن قصوره قد خالف القانون إذ تكون المطعون عليها قد أتت به لأكثر من سنه من تاريخ الطلاق .
(الطعن رقم 3 لسنة 32 جلسة 1963/03/20 س 14 ع 1 ص 331 ق 51)
13- إذا كان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه على أن الطلاق المتتابع الوارد فى الإقرار يعتبر طلاقا رجعيا وأن المتوفى قد راجع المطعون عليها و إستمرت الزوجية قائمة بينهما حتى وفاته، وفى ذلك ما يكفى لإقامة الحكم على أساس قانونى سليم، ويكون ما أستطرد إليه الحكم بعد ذلك فنافلة من القول يستقيم الحكم بدونها .
(الطعن رقم 34 لسنة 28 جلسة 1960/06/23 س 11 ع 2 ص 471 ق 74)
14- الطلاق الرجعى يرفع قيد الزواج الصحيح فى المآل لا فى الحال ، ولا يزيل ملكاً ولا حلاً ما دامت العدة قائمة ، ويترتب عليه أثران ، أولهما نقص عدد الطلقات التى يملكها الزوج على زوجته والمراجعة لا تمحو هذا الاثر ، وثانيهما تحديد الرابطة الزوجية بإنتهاء العدة بعد أن كانت غير محددة .
(الطعن رقم 17 لسنة 43 جلسة 1975/11/05 س 26 ص 1376 ق 261)
سند وجوب النص
ويستند النص المطروح في مشروعيته إلى قوله تعالى "وبعولتهن أحق في ذلك أن أرادوا إصلاحاً" وقوله صلى الله عليه وسلم لامرأة ثابت بن قيس حين أتته طالبة تطليقها عليه رغم أنها لا تعيبه في دين أو خلق وكان قد أمهرها حديقة" ردي عليه حديقته" فقبلت فطلقها.
نص المادة على أن أي طلاق يوقعه الزوج إنما يكون طلقة رجعية.
الطلاق الرجعي
والطلاق الرجعي هو الذي لا يزيل الملك ولا الحل ويملك الزوج فيه مراجعة زوجته أثناء العدة - وفقاً للراجح في المذهب الحنفي - في أي وقت يشاء دون توقف على علمها أو موافقتها)، كما أنه لا يمنع التوارث بين الزوجين إذا مات أحدهما في العدة ولا يحل مؤجل المهر.
الشهادة على الطلاق
ولا يشترط حتى يقع الطلاق الصادر من الزوج صحيحاً منتجاً لآثاره أن يتم بحضور شاهدين إلا أنه إذا ادعت الزوجة إيقاع الزوج للطلاق شفوياً عليها وأنكر الأخير ذلك كان عليها إقامة الدليل على ذلك بكافة طرق الإثبات وأهمها البينة الشرعية.
حالات الطلاق غير الرجعي
وقد أستثني المشرع من وصف الطلاق الرجعي أربعة حالات لا يعتبر الطلاق الواقع في أي منها طلاقاً رجعياً .
الأولى - هي الطلاق المكمل للثلاث
فهذا الطلاق يقع بائنة بينونة كبرى حيث يزيل الملك والحل معاً فلا تحل الزوجة من بعده للزوج إلا بعد أن تنكح غيره ويدخل بها ويطلقها أو يموت عنها و تنقضي عدتها منه، ويحل به مؤخر الصداق ويمنع التوارث بين الزوجين و إن كان يوجب العدة على المطلقة.
الثانية - وهي الطلاق قبل الدخول
ويقع به طلاق بائن بينونة صغرى لا يستطيع من بعده الزوج مراجعة زوجته إلا بعقد ومهر جديدين.
ويلحق بالطلاق قبل الدخول الطلاق قبل الدخول وبعد الخلوة الصحيحة فيقع بعدها الطلاق بائناً بينونة صغرى أيضاً.
الثالثة - وهي الطلاق على مال
أي الطلاق على الإبراء ويقع به طلاق بائن بينونة صغری - ما لم يكن مكملاً للثلاث فيكون بائنة بينونة كبرى لأن المال في هذه الحالة يمثل عوضأ يأخذه الزوج من زوجته قاصدأ به أن تملك الزوجة أمرها ويمتنع من مراجعتها بدون رضاها، ويقع بالطلاق على مال طلاق بائن أيا كان العوض المقدم من الزوجة، فلا يشترط أن يتم الإبراء من كافة الحقوق الشرعية وإنما يكفي الإبراء من أي من تلك الحقوق. الرابعة - وهي ما نص على وقوعه بائناً في القانونين رقمي 25 لسنة 1920 و 25 لسنة ۱۹۲۹.
وما نص على كونه بائناً في القانون رقم 25 لسنة 1920 هو الطلاق للعيب.
أما ما نص على كونه بائناً في القانون رقم 25 لسنة 1929 فهو:
١- الطلاق للضرر المتمثل في الإيذاء والهجر (المادة 6).
2- الطلاق للضرر للزواج من أخرى (المادة ۱۱ مکرر).
٣- الطلاق للغياب (المادة ۱۲).
4- الطلاق للحبس (المادة 14).
وهذه الأنواع إنما يقع بها طلاق بائن لأن الطلاق في هذه الحالات قصد به دفع الضرر عن الزوجة وحسم النزاع بين الزوجين ولا يمتنع هذا إلا بالطلاق البائن.
ولا يقع الطلاق في الحالات المتقدمة إلا بقضاء القاضي والذي يشترط لإيقاعه أن يكون عقد الزواج عقد صحيح، فلا يقع طلاق القاضي إذا ثبت أن عقد الزواج عقد فاسد وذلك لكون الحكم الشرعي للعقد الفاسد أنه عقد غير صحيح يتعين القضاء ببطلانه وإنعدامه.
أحكام الطلاق البائن
وحكم الطلاق البائن أنه يزيل الملك بمجرد صدوره في كل الأحوال فتنقطع به حقوق الزوج على زوجته بمجرد وقوع الطلاق بائناً ولا يحق له عليها إلا البقاء في منزل الزوجية في مدة العدة وحق النفقة في هذه المدة وليس للمطلق فيه مراجعة مطلقته ولا أن يستأنف معها حياة الزوجية أن كان الحل قائمأ إلا بعقد ومهر جديدين، كما أنه يحل به مؤخر الصداق إذا كان مؤجلاً لأقرب الأجلين الطلاق أو الوفاة فضلاً عن أنه يحتسب طلقة من الطلقات التي يملكها الرجل على زوجته إذا لم يكمل الثلاث وإن كان مكملاً لها فإنه يزيل الحل أيضاً كما أنه يمنع التوارث بين الزوجين بمجرد الطلاق إلا إذا كان في مرض الموت وقصد به الفرار من الإرث، معاملة للزوج بنقيض مقصوده).
حالات الطلاق وفق المذهب الحنفي
وقد تضمنت المذكرة الإيضاحية للنص الإشارة إلى أن هناك ثلاث حالات الطلاق يبقى الحكم فيها على المذهب الحنفي وهي الطلاق بسبب اللعان والطلاق بسبب العنة والطلاق بسبب إباء الزوج الإسلام عند إسلام زوجته، ونتناول كل من الحالات الثلاث بإشارة موجزة.
الطلاق بسبب إباء الزوج للإسلام
وهذا الطلاق تقع به طلقة بائنة، وصورته أن تسلم الزوجة فيعرض الإسلام على الزوج فإن أسلم فبها ما لم يكن محرمة عليها وإن أبي الإسلام أو أسلم وهي محرمة عليه فرق القاضي بينهما في الحال هذا إذا كان الزوج أهلاً لعرض الإسلام عليه بأن يكون بالغ، عاقلاً أو صبية مميزة فإن لم يكن أهلاً لأن يعرض الإسلام عليه بأن يكون صبية غير مميز أو معتوهاً أو ما في حكمه أو مجنونة فإن كان الأول ينتظر تمییزه ليعرض عليه الإسلام إذا صار مميزاً وأما المجنون فلا ينتظر برؤه بل يعرض الإسلام على أبيه (لا بطريق الإلزام) فإن أسلم أحدهما تبعه الولد في الإسلام فيبقى الزواج على حاله وإن أباه کلاهما فيفرق بين المجنون وزوجته بطلقة بائنة.
وإذا كان الطلاق حق أثبته الشارع للزوج كان له أن يتولاه بنفسه أو ينيب غيره فيه سواء كان ذلك الغير هو الزوجة أو شخص آخر، وهذه الإنابة قد تكون توكيلاً وقد تأخذ صورة التفويض، والتوكيل بالطلاق لا يكون إلا لأجنبي أما التفويض في الطلاق فيجوز أن يكون للزوجة ولو بلفظ الوكالة كما يجوز أن يكون لغيرها بشرط أن يعلق الزوج تفويضه للغير على مشيئة الغير بقوله طلق امرأتي أن شئت. تفويض الطلاق للزوجة
ومن هنا يعرف الحنفية تفويض الطلاق بأنه تمليك الزوج لزوجته حق تطليق نفسها أو تمليك غيرها هذا الحق بلفظ يفيد التمليك كأن يعلقه على مشيئة الغير.
أحكام تفویض الزوجة في الطلاق وشروطه وأثره
وصيغة التفويض إما أن تصدر مطلقة عن التقييد أو مقيدة بوقت معين ومن الأولى قوله طلقي نفسك متى شئت ومن الثانية قوله طلقي نفسك في مدة شهر من الآن.
وتفويض الزوجة في إيقاع الطلاق يصح أن يتم قبل العقد أو مقارنأ له شفاهه أو كتابة.
ويتعين لصحة التفويض المقارن للعقد أن يبدأ صدور الإيجاب من المرأة مشروطة بتفويض الطلاق إليها ثم يعقبه قبول الزوج، أما إذا بدأ الرجل الإيجاب مشروطاً بتفويض الطلاق إلى المرأة فإن العقد في هذه الحالة يصح إلا أن التفويض يبطل لأنه يكون بهذه الصورة قد فوض إليها الطلاق قبل أن يتم العقد فيكون قد ملكها طلاقاً لم يملكه بعد، إما إذا كان التفويض قبل العقد وبدأ الإيجاب من الزوج بقوله أن تزوجتك فأمرك بيدك ثم تزوجها صح التفويض وكان لها حق تطليق نفسها في حدود المدة أو العدد الذي أجازه الزوج.
وتفويض الزوج للزوجة لا يسلب الزوج حقه في التطليق فله بعد أن يفوض الطلاق إلى غيره أن يطلق زوجته أيضاً .
ولا يقع بالتفويض في ظل حكم المادة محل التعليق إلا طلقة واحدة رجعية إعمالاً للنص على أن كل طلاق يقع رجعياً فلا تملك الزوجة إلا ما يملكه الزوج واحدة أو أكثر إلا إذا كان قبل الدخول أو في نظير عوض أو كان مكملاً للثلاث، كما أنه لا يقع بالكناية طلاق إلا مع النية إعمالاً لنص المادة الرابعة من هذا القانون.
فإذا طلقت الزوجة نفسها طلقة رجعية ثبت للزوج حق مراجعتها خلال العدة وفقاً للشروط والضوابط المنصوص عليها بالمادة 22 من القانون رقم 1 لسنة 2000 إلا أن الزوجة لا تملك هذا الحق.
وقد تناولت الفقرة (هـ) من المادة 33 من لائحة المأذونين الصادرة في 1955/1/4
بعد تعديلها بقرار وزير العدل رقم 1727 لسنة 2000 تقرير حق الزوجين في الإتفاق على تفويض الزوجة في الطلاق وإعتبرته من الشروط الجائز إقتران عقد الزواج بها.
ويتعين الإشارة إلى أن صياغة الفقرة المتعلقة بأمر التفويض إنما تفيد سبق الإتفاق عليه مما مفاده أنه قد تم الإتفاق عليه قبل العقد ولم يقع في مجلس العقد وإلا وجب مراعاة الصيغة في الحالة الأخيرة على النحو الذي يتعين معه صدور الإيجاب به من الزوجة والقبول من الزوج ).
الطلاق والميراث
ويثير الميراث بين الزوجين في حالة الطلاق بعض المشكلات العملية من حيث جواز الإرث وأحقية الزوجين فيه ويتفرع البحث في هذا المجال إلى فرعين رئيسيين.
الأول : ويتناول الحق في الميراث في حالات الطلاق الرجعي والبائن حال الصحة. والثاني: ويتناول الميراث في حالة الطلاق في مرض الموت.
و القول المعمول به طبقاً لأحكام قانون المواريث والقول الراجح في المذهب الحنفي على التفصيل التالي :
إذا طلق الزوج زوجته طلاقاً رجعياً ثم توفي أي من الزوجين خلال فترة العدة فإن كلاهما يرث الآخر طالما كانت العدة قائمة بإعتبار أن الزوجية تظل قائمة حكماً حتى تنقضي فترة العدة.
أما إذا كان الطلاق قد وقع بائناً فإنه لا توارث بين الزوجين بمجرد وقوع الطلاق حتى لو كانت العدة قائمة حيث يزيل هذا الطلاق الملك إذا كان بائنة بينونة صغرى كما يزيل الملك والحل إذا كان بائنأ بينونة كبرى.
. . إذا توفي المطلق فإن المطلقة ترثه إذا كانت لا تعلم بالطلاق إلا بعد وفاته وفقا لما تنص عليه المادة (5 مکرر) من القانون من أن آثار الطلاق المالية من حيث الميراث لا تترتب إلا من وقت علم المطلقة وبالتالي فهي تعتبر زوجة له وقت وفاته فترث منه سواء كان الطلاق رجعياً أم بائناً وسواء مات مطلقها أثناء عدتها أم بعد إنقضاء العدة.
وإذا ماتت المطلقة قبل علمها بالطلاق وكان موتها في عدة طلاق رجعی ورثها مطلقها بإعتبار أنها لا زالت زوجته أثناء العدة في الطلاق الرجعي، أما إذا كان موتها بعد إنقضاء العدة في طلاق بائن فلا يرثها مطلقها على أساس أن ترتیب آثار الطلاق من وقت علم المطلقة به حكم قصد به رعاية مصلحة المطلقة التي أخفي عنها الطلاق دون المطلق.
أما إذا كان الزوج مريضاً مرض الموت فهناك تفصيل.
- فإذا كان الطلاق رجعياً ثم توفى الزوج وكانت العدة لا زالت قائمة استحقت المطلقة الميراث أما إذا كانت عدتها قد انقضت بعد الوفاة فلا میراث لها سواء كان الطلاق برضا الزوجة أو بغير رضاها.
أما إذا طلقها قبل الدخول ثم توفي فلا میراث لها لأنه لا عدة لها.
- وإذا طلق الزوج زوجته طلاقاً بائناً برضاها (الطلاق على مال وطلاق القاضي أو بإتفاقهما) فلا میراث لها حتى لو كانت العدة قائمة وقت الوفاة لتحقق الرضا بالطلاق من جانبها.
- أما إذا طلق المريض مرض الموت زوجته طلاق بائناً بإرادته المنفردة ثم توفي فإنها ترثه طالما كانت العدة قائمة وقت الطلاق وهو ما يسمي شرعاً (طلاق الفار) معاملة للمطلق بنقيض مقصوده، أما إذا كانت العدة قد انقضت وقت الوفاة فلا میراث لها وذلك شريطة أن تكون المطلقة من ذوات العدة (بالحيض أو بالأشهر) فإذا كانت آيسة أي دخلت في سن اليأس الشرعي وهو على المفتی به خمسة وخمسون عاماً فلا عدة لها وبالتالي لا ميراث لها أيضاً.
تعريف مرض الموت
ومرض الموت هو المرض الشديد الذي يغلب على الظن موت صاحبه عرفاً أو بتقرير الأطباء ويلازمه ذلك المرض حتى الموت وإن لم يكن معروفة من الناس أنه من العلل المهلكة فضابط شدته وإعتباره مرض موت أن يعجز غير العاجز من قبل عن القيام بمصالحه الحقيقية خارج البيت، أما المرض الذي يستمر طويلاً ويلازم صاحبه حتى الموت لا يعتبر مرض موت إلا إذا كان يتزايد ويشتد دائماً على نحو يشعر معه المريض بدنو أجله وينتهي بوفاته.
والمرض إذا إستطال على سنة لا يعتبر مرض موت إلا إذا اشتد في أخريات أيام المريض وازداد وانتهى بالوفاة. نقض أحوال شخصية - جلسة 1955/4/21 - ص 255 - س 6 . (موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ، الصفحة : 204 ).
الطلاق الرجعي والطلاق البائن
ينقسم الطلاق بالنظر إلى الأثر المترتب عليه إلى طلاق رجعي وإلى طلاق بائن. والطلاق البائن نوعان: بائن بينونة صغرى وبائن بينونة كبرى. ونعرض لذلك تفصيلاً فيما يلي
(1) - الطلاق الرجعي :
الطلاق الرجعي هو الذي لا يزيل الملك أو الحل، فيملك الزوج فيه مراجعة زوجته في العدة، بدون عقد أو مهر جديدين، سواء رضيت الزوجة أو لم ترض.
(۲) - الطلاق البائن بينونة صغرى :
الطلاق البائن بينونة صغرى، هو الطلاق الذي يزيل الملك ولا يزيل الحل، فلا يملك الزوج مراجعة مطلقته ولو كانت في العدة، وليس له أن يعيدها إلى عصمته إلا برضاها وإلا بعقد ومهر جديدين.
(۳) - الطلاق البائن بينونة كبرى :
الطلاق البائن بينونة كبرى، هو الطلاق الذي يزيل الملك والحل، فتحرم المرأة على مطلقها تحريماً مؤقتاً، فلا يحل له أن يتزوجها مرة أخرى، إلا بعد أن تتزوج غيره زواجاً صحيحاً نافذاً، ويدخل بها دخولاً حقيقياً، ثم يطلقها أو يموت عنها، وتنقضي عدتها.
نصت المادة الخامسة من المرسوم بقانون رقم ۲۰ لسنة ۱۹۲۹ (المعدل) على أن: «كل طلاق يقع رجعياً إلا المكمل للثلاث والطلاق قبل الدخول والطلاق على مال وما نص على كونه بائنا في هذا القانون والقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۰».
وعلى ذلك فالأصل في الطلاق أن يكون رجعياً، ولا يكون بائناً إلا في الحالات التي حددتها المادة.
وقد أخذ النص المذكور بمذهب الإمام مالك والشافعي في أن كل طلاق يقع رجعياً، إلا ما استثنى. وهو ما من شأنه تضييق دائرة الطلاق البائن.
ونعرض للحالات المستثناة الوارد بالنص، والتي يعتبر الطلاق فيها بائنا. وهي
(1) الطلاق المكمل للثلاث :
يكون الطلاق مكملاً للثلاث، إذا طلق الزوج زوجته مرتين طلقتين رجعیتین وطلقتين بائنتين، أو طلقتين إحداهما رجعية والأخرى بائنة، ثم طلقها طلقة ثالثة، فتكون الثالثة مكملة للثلاث، وتقع بائنة بينونة كبرى.
وتكون المطلقة ثلاثاً محرمة على زوجها تحريماً مؤقتاً، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره زواجاً صحيحاً - ليس باطلاً أو فاسداً - ويدخل بها دخولاً حقيقياً، ثم يطلقها أو يموت عنها وتنتهي عدتها.
(۲) - الطلاق قبل الدخول :
يكون الطلاق قبل الدخول الحقيقى ولو بعد الخلوة بائناً بينونة صغرى، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا). فقد رتب الشارع على الطلاق قبل الدخول التسريح دون الإمساك فلا يستطيع المطلق مراجعتها، أما المطلقة ذات العدة، فقد خير الله المطلق بين أمرين: الإمساك بمعروف أي مراجعتها، والتسريح بإحسان، حيث قال تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ)، وقال تعالى ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ).
والعدة وإن كانت تجب شرعاً بعد الخلوة فهي تجب للإحتياط محافظة على الأنساب لا ليتمكن الزوج من مراجعة مطلقته.
(۳) الطلاق على مال :
الطلاق على مال، هو الطلاق الذي يتم نظير مال تدفعه الزوجة إلى زوجها هو عوض له عن الطلاق، وتفتدي نفسها به، وكان الطلاق على مال طلاقاً بائناً لأنه لا يتحقق به معنى الإقتداء إذا كان رجعياً لثبوت حق المراجعة في العدة، فيستطيع الزوج مراجعة مطلقته في العدة فيفوت عليها الإقتداء.
(4) حالات الطلاق البائن الأخرى المنصوص عليها في المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹:
(1) التطليق للضرر. (م 6).
(ب) التطليق بسبب غيبة الزوج سنة فأكثر بلا عذر مقبول. (م۱۲)
(ج) التطليق بسبب حبس الزوج المحكوم عليه نهائياً بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنين فأكثر. (م14).
(د) التطليق بسبب الضرر من التزوج بأخرى (م ۱۱ مکررا المضافة بالقانون رقم ۱۰۰ لسنة 1985).
(هـ) التطليق الذي تطلبه الزوجة حال نظر الإعتراض على إنذار الطاعة، عند إستحكام الخلاف بين الزوجين. (م ۱۱ مکررا ثانياً المضافة بالقانون رقم ۱۰۰ لسنة 1985).
(5) حالة التطليق البائن المنصوص عليها في القانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۰:
هي حالة التطليق بسبب وجود عيب مستحكم بالزوج لا يمكن البرء منه أو يمكن البرء منه بعد زمن طويل ولا يمكنها المقام معه إلا بضرر، كالجنون والجذام والبرص. (م ۹).
وهناك حالة التطليق بائناً للخلع والتي نص عليها القانون رقم (1) لسنة ۲۰۰۰ وسنتناول دراستها عند دراسة الخلع.
وصف الطلاق في حالة التفريق بسبب العنة أو إباء الزوج عن الإسلام أو اللعان:
جعلت المادة الخامسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ الأصل في الطلاق أنه رجعي، ولكنها استثنت من هذا الأصل الحالات الثلاث الواردة بها والحالات الأخرى التي ينص المرسوم بقانون المذكور والقانون رقم 25 لسنة 1929 على أن الطلاق فيها بائن، ولما كان التفريق بالطلاق بسبب اللعان أو لعنة أو إباء الزوج عن الإسلام عند إسلام زوجته لم يرد ضمن الحالات المستثناة من رجعية الطلاق، فكان المقرر أن يكون الطلاق بأحد هذه الأسباب خاضعاً للأصل في الطلاق المنصوص عليه بالمادة، فيقع رجعياً إلا أن المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون أفصحت عن قصد الشارع في إعتبار الطلاق لهذه أسباب طلاقاً بائناً إبقاء على حكم المذهب الحنفي، فقد جاء بالمذكرة الإيضاحية لمشار إليها أنه: «ومما تحسن الإشارة إليه هنا أن التفريق بالطلاق بسبب اللعان و العنة أو إباء الزوج عن الإسلام عند إسلام زوجته يبقى الحكم فيه على مذهب أبي حنيفة». .
أما بالنسبة للتفريق بالطلاق بسبب الإيلاء، فلم يرد ذكره بالمذكرة الإيضاحية ضمن الفرقة بالطلاق التي تظل محكومة بالمذهب الحنفي، وبالتالي فالرأي عندنا أنه يخضع للأصل الوارد بالمادة فيكون الطلاق للإيلاء رجعياً، خاصة وأن المذكرة الإيضاحية أشارت إلى أن حكم المادة أخذ من مذهب الإمام من والشافعي، والمقرر في هذين المذهبين أن الطلاق للايلاء رجعي.
العبرة بالوصف الحقيقي للطلاق :
لا عبرة بوصف الموثق للطلاق في إشهاد الطلاق فإذا كان الطلاق في حقيقته رجعياً مثلاً فوصفه المأذون خطأ بأنه بائن، فإن العبرة تكون بحقيقة الواقع، ويكون لصاحب المصلحة رفع دعوى بتصحيح وصف الطلاق بالإشهاد.
آثار الطلاق الرجعي والبائن
(أ) آثار الطلاق الرجعي :
يترتب على الطلاق الرجعي الآثار الآتية :
١- عدم إزالة الملك أو رفع الحل. والمراد بالملك ملك كل من الزوجين الإستمتاع بالآخر بموجب الزوجية الصحيحة وسائر الحقوق الثابتة لكل منهما المترتبة على عقد الزواج الصحيح، والمراد بالحل أن المطلقة لا تزال حلالاً غیر محرمة على مطلقها فلمطلقها أن يراجعها في فترة العدة.
والزوج يراجع زوجته إذا شاء في فترة العدة بدون عقد أو مهر جديدين. رضيت الزوجة أو لم ترض. وهذا ما سنعرض له تفصيلاً.
الطلاق على مال
تعريف الطلاق على مال:
الطلاق على مال هو الطلاق الذي يتم نظير مال تدفعه الزوجة إلى الزوج هو عوض له عن الطلاق فتفتدي نفسها به عندما يفوت الغرض المقصود من الزواج، لعدم الإنسجام في الحياة الزوجية والخوف من عدم إقامة حدود الله في علاقتهما الزوجية، وهو عوض للزوج عما تحمله من مهر ونفقة وإعداد منزل.
مشروعية الطلاق على مال :
ثبتت مشروعية الطلاق على مال من الكتاب والسنة فقد قال تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ).
وما روي عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس، أتت النبي عليه السلام فقالت: (یا رسول الله ثابت بن قیس لا أعتب عليه في دين ولا خلق، ولکني أكره الكفر في الإسلام) فقال النبي عليه السلام: «أتردين عليه حديقته»، وكان قد جعلها مهراً لها - فقالت: نعم، فقال النبي عليه السلام: اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة»، وفي رواية قالت: «نعم وزيادة» فقال النبي عليه السلام «أما الزيادة فلا».
ويجوز قضاء للزوج تقاضى المال من الزوجة نظير الطلاق، سواء كان النفور منه أو منها، أو منهما معاً، ولو كان زائداً عما أعطاها من مهر.
أما في الديانة، فإذا كان النشوز من جانب الزوج فإنه يحرم عليه تقاضي المال منها، وذلك لقوله تعالى: ( وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا)، لأن النهي في هذه الآية خاص بانفراده بالنفور وأن الرغبة في الإستبدال من جانبه، لأنه يكون قد أوحشها بالإستبدال فلا يزيد في وحشتها بأخذ المال. ولقوله تعالى: ( وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًالِّتَعْتَدُوا)، وإمساكها يكون في هذه الحالة لا لرغبة بل إضراراً لأخذ مالها في مقابل خلاصها منه.
وإذا كان النفور من جانب الزوجة أو من جانبهما معاً فإنه يطيب له أخذ المال ولو كان زائداً عما أعطاها من مهر.
وكما حذر الشارع الزوج من سوء إستعمال الطلاق لحديث الرسول عليه السلام: «إن أبغض الحلال عند الله الطلاق» حذر المرأة من الإفتداء من غير حاجة بقول الرسول عليه السلام: «أيما امرأة اختلعت من زوجها من غير بأس به لم ترح رائحة الجنة»، وقوله: (المختلعات هن المنافقات).
البدل في الطلاق علي مال :
يصلح بدلاً في الطلاق على مال، كل ما يصلح أن يكون مهراً من مال، سواء كان عقاراً أو منقولاً، أو منفعة تقوم بمال إلا أن الحنفية لم يضعوا للبدل حدا أدنى كما فعلوا بالنسبة للمهر، ويصح أن يكون البدل تبرئة الزوج من مؤخر صداق المرأة أو متجمد نفقتها عليه.
وإذا جعلت المرأة بدل الطلاق «كل حق يكون النساء على الرجال» أو جعلته رغم كل حق لها على زوجها» فإن ذلك لا يشمل نفقة عدتها، لأنها لم يكن لها حق في نفقة لعدة حال الطلاق على مال فينصرف ذلك إلى القائم من حقوقها.
وإذا جعلت البدل في الطلاق نفقة عدتها صح لأنه إبراء بعوض فيكون إستيفاء لها لما وقعت البراءة عنه لأن العوض قام مقامه، والإستيفاء قبل لوجوب يصح بالإتفاق. ويصح أن يكون البدل تبرئة الزوج من أجر حضانة أو إرضاع ولدها منه، أو من مجموع ذلك. وإذا لم تحدد مدة الإبراء عن أجر الإرضاع، فإن ذلك يكون قرينة على إنصرافه إلى مدة الإرضاع وهي سنتان.
ويجوز أن يكون البدل تحملها بنفقة ولدها منه لمدة معينة كستة أشهر أو سنة مثلاً، واشترط تعيين المدة لرفع الجهالة في النفقة، فإذا كانت المدة غير معينة كان البدل باطلاً، غير أنه يصح البدل مع الجهالة غير الفاحشة كأن يخالعها على تحمل نفقة ابنهما ثلاث سنين أو عشرا.
وإذا امتنعت الزوجة عن الوفاء بما التزمته أو عجزت عن الوفاء به، أو سلبت حضانتها أو مات الطفل قبل إنتهاء مدة الرضاعة أو الحضانة، كان للزوج الرجوع عليها أو على ورثتها بقيمة ما فات عليه، إلا إذا كانت المرأة قد اشترطت عدم الرجوع عليها في حالة الوفاة.
وإذا كانت الزوجة معسرة لا تستطيع الإنفاق على ولدها جاز لها أن تطالب الزوج بالإنفاق من ماله، ويجبر على إجابة طلبها، وكان ذلك ديناً إذا أيسرت، لأن النفقة حق الولد، وهي في الأصل واجبة على الأب، ولكنها انتقلت إلى الأم لما جعلتها بدلا في الطلاق، فإذا عجزت قام الأب مقامها إحياء للولد من الهلاك، وليس في ذلك ضرر به لأنه يرجع عليها بالنفقة عند میسرتها.
ويصح عند الأحناف أيضاً أن يكون البدل في الطلاق على مال إبقاء الصغيرة في يد المرأة بعد إنتهاء من الحضانة، ولا يصح ذلك بالنسبة للصغير أن الفتاة بعد إنتهاء سن الحضانة تحتاج مع صيانتها إلى من يعلمها ما يختص بالنساء وأمها قادرة على ذلك في الغالب فلا يكون هناك ضرر عليها من ذلك، أما الصغير فيحتاج إلى معرفة آداب الرجال والتخلق بأخلاقهم فإذا طال مكثه مع الأم يتخلق بأخلاق النساء وفي ذلك تضييع له.
وقد ذهب بعض الفقهاء المحدثين - بحق- إلى أن هذا الأمر لو كان صحيحاً في نظر الشارع لجعل سن الحضانة في الصغيرة من أول الأمر إلى سن البلوغ وحيث لم يفعل فلا يجوز الأخذ بهذا النظر ولأن البنت بعد سن الحضانة محتاجة إلى صيانتها والمحافظة عليها والأب أقدر على ذلك م ن الأم فتعارضت المصلحتان فترجح أقواهما أي مصلحة البنت.
شروط الطلاق على مال :
يشترط لصحة الطلاق على مال توافر الشروط الآتية:
1- أن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق، فكل من لا يصح طلاقه لا يصح منه الطلاق على مال، لأن من جاز طلاقه بلا عوض جاز طلاقه بعوض بطريق الأولى فلا يصح الطلاق على مال من الصبي والمجنون والغضبان بالتفصيل الذي أوردناه في موضعه.
۲- أن تكون المرأة محلاً لوقوع الطلاق عليها، بأن تكون الزوجية قائمة حقيقة أو حكماً، فلو انقضت العدة لم تكن محلاً للطلاق على مال.
3- أن تكون المرأة - إذا كانت هي الملتزمة ببدل الطلاق - بالغة عاقلة رشيدة وسن الرشد المالی ۲۱ سنة ميلادية.
وألا تكون محجوراً عليها لسفه لأن الطلاق على مال بالنسبة لها معاوضة فيه شبه بالتبرعات.
طلاق عديمة الأهلية على مال :
إذا اتفق بين عديمة الأهلية، كالصغيرة غير المميزة والمجنونة، وبين زوجها على الطلاق على مال، كان الطلاق على مال باطلاً، لأنه علق الطلاق على مال على قبولها، وهو غير معتبر فلم يتحقق الشرط الذي علق عليه الطلاق. ولكن يقع الطلاق على أصح الروايتين في المذهب الحنفي ويكون هذا الطلاق رجعياً ما لم يكن المكمل للثلاث.
أما إذا تولى أبوها الإتفاق على الطلاق على مال ولكنه لم يلتزم البدل من مال نفسه بل أضافه في قبوله إلى مال ابنته وقع الطلاق رجعياً، ولو قال الأب أنه كفيل به، لأنه علق على قبوله وقبوله معتبر على أصح الروايتين عند الحنفية، ولا يلزم المال لا الأب لأنه لم يلتزم به ولا الصغيرة لأن الأب أضافه إلى مال لا يملك التبرع منه.
طلاق ناقصة الأهلية على مال :
إذا تولت ناقصة الأهلية، كالصغيرة المميزة الطلاق على مال نفسها وقبلت ذلك، وقع عليها طلاق رجعي، لأن الزوج علقه على قبولها ومادامت مميزة فقبولها معتبر في حق وقوع الطلاق، ولا يلازمها البدل لأنها ليست من أهل التبرع، لعدم بلوغها سن ۲۱ سنة ميلادية.
ومثل ناقصة الأهلية المحجور عليها للسفه، فإن طلاقها يقع رجعياً ولا يلزمها المال.
وإذا تولى الطلاق على مال أبو الصغيرة المميزة أو القيم على المحجور عليها فيسرى عليه ما ذكرناه بصدد طلاق عديمة الأهلية على مال.
طلاق الأجنبي على مال :
إذا باشر الطلاق على مال أجنبي ليس وكيلاً عن الزوجة ولا ولاية له عليها، فإن أضاف البدل إلى نفسه بحيث يفهم منه إلتزامه به، كأن يقول للزوج: طلق زوجتك على ألف جنيه من مالی، وقع به الطلاق وكان المال على هذا الأجنبي، وإن لم يضفه إلى نفسه، وإضافة إلى غيره، بأن قال: طلق زوجتك على مبلغ ألف جنيه يلتزم به (فلان)، فإن الطلاق على مال يتوقف على إجازة من أضافه إليه، فإن أجازه صح ووقع الطلاق ولزمه المال ولا دخل للزوجة في هاتين الحالتين لأن رضاها لا يشترط إلا عند التزامها بالمال، والطلاق من الحقوق التي يستقل بها الزوج.
وإذا لم يضف المال إلى أحد توقف الطلاق على مال على قبول الزوجة لأنها الأصل في الطلاق على مال، فإن قبلت الزوجة لزمها تسليم المال، أما الطلاق فإنه يقع، ويكون رجعياً.
طلاق المريضة مرض الموت على مال :
ذهب الأحناف إلى أنه إذا طلق الزوج زوجته على مال وهي مريضة مرض الموت، كان الطلاق صحيحاً، والتزمت الزوجة المال المتفق عليه، لأن الزوج علق الطلاق على قبول المال وقد وجد القبول صحيحاً، ولا حجر على المريضة مرض الموت في تصرفاتها. غير أنه لما كان البدل في الطلاق على مال فيه معنى التبرع، كما أنه ربما يكون المقصود من ذلك محاباة زوجها بأكثر من حقه في ميراثها، ومحاباة الوارث في مرض الموت لا تجوز، فإن البدل يأخذ حكم الوصية لتعلق حق الورثة والدائنين بالتركة من أول المرض الذي كان سبباً في الموت، فلا ينفذ إلا في حدود ثلث التركة لأنها لا تملك التبرع بأكثر من ثلث التركة.
فإذا ماتت الزوجة قبل إنقضاء العدة، وجب للزوج الأقل من: المال المتفق عليه ومن ثلث تركتها ونصيبه في الميراث لو افترض بقاء الزوجية وورثها بالفعل.
وإنما وجب له أقل هذه الأمور الثلاثة إحتياطاً ومحافظة على حقوق ورثتها الإحتمال أن يكون الزوجان قد اتفقا على الطلاق على مال في مرض الموت ليحصل الزوج على أكثر من نصيبه في الميراث لو بقيت زوجيته إلى وقت وفاتها، وفي هذه الحالة لا يجوز لها أن تحابيه بطريق التبرع لأنه وصية وهي لا تجوز للوارث عند الجمهور ولا تنفذ عند الحنفية إلا بإجازة باقي الورثة، أو يحصل على أكثر مما يمكن لها أن تعطيه له بطريق الوصية لو كان غير وارث بأن انقطعت الزوجية قبل وفاتها لتوقف نفاذ الوصية بما زاد على الثلث على إجازة باقي الورثة. فلو وجب كل البدل لأمكن أن يأخذ أكثر مما يستحقه بطريق الميراث لو كان وارثاً ومن ثلث التركة بطريق الوصية لو لم يكن وارثاً فمعاملة لهما بنقيض مقصودهما وجب له أقل هذه الأمور الثلاثة.
وإن ماتت في مرضها بعد إنقضاء عدتها وجب له الأقل من المال المتفق عليه ومن ثلث تركتها، لأن إحتمال الإرث منتف في هذه الحالة لإنقطاع كل آثار الزوجية التي هي سبب الميراث ولم يبق إلا إحتمال محاباته بأكثر مما يستحق بطريق الوصية، وهو الثلث.
وإن شفيت بعد الطلاق، فإن الزوج يستحق المال المتفق عليه، لأنها لما شفيت ظهر أن الطلاق على مال كان في حال الصحة وليس في حال مرض الموت.
وكان العمل يجري في مصر على هذا، حتى العمل بقانون الوصية رقم ۷۱ لسنة 1946، الذي أجاز في المادة 37 منه الوصية وما في حكمها للوارث الأجنبي في حدود ثلث التركة بدون توقف على إجازة باقي الورثة فأصبح للزوج الذي يطلق زوجته على مال في مرض موتها الأقل من البدل المتفق عليه ومن ثلث التركة ولو زاد على نصيبه في الميراث، سواء توفيت الزوجة أثناء عدتها أو بعد إنقضائها لأنه لا إعتبار لما يستحقه من الميراث حينئذ لما جازت له الوصية إن كان وارثاً بثلث التركة.
حكم الطلاق على مال :
الطلاق على مال يقع بائناً عملاً بالمادة الخامسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ على نحو ما أوضحناه سلفاً. ويقع الطلاق على مال بقبول الزوجة الطلاق على مال، ولا يتوقف وقوعه على أداء المال المتفق عليه. وإذا امتنعت الزوجة عن الوفاء بما إلتزمته أو عجزت عن الوفاء به، كان للزوج مطالبتها به.
وإذا كان البدل باطلاً، كأن يكون المال غير متقوم كلحم الخنزير أو الخمر، و كان مما لا يجوز شرعاً تسميته بدلاً كأن يكون إمساك الزوج الصغير في سن الحضانة، فإن الطلاق يقع ولا يستحق البدل، ويكون الطلاق في هذه الحالة رجعياً لأن الطلاق على مال لا يبطل بالشروط الفاسدة.
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية بتاريخ 1 / 10 / 1985 في الطلب رقم ۲۱۰۹ لسنة ۱۹۰۸ بأن:
إن هذه الحالة تعتبر طلاقاً بائناً في مقابلة مال ولا تعتبر خلعاً. والطلاق في مقابلة المال يترتب عليه أثران وقوع الطلاق البائن ولزوم المال، ويملك الزوج هذا المال قضاء بالغاً قدره ما بلغ، لأن الزوج أسقط حقه في الزوجية مقابل عوض التزمت به الزوجة برضاها وهي أهل لإلتزامه وعلى هذا فإذا ثبت صحة ما جاء بهذا الإقرار وما هو وارد بالسؤال فإن هذه الزوجة تطلق من زوجها طلقة واحدة بائنة لا تحل له إلا بعقد ومهر جديدين بإذنها ورضاها ما لم يكن مسبوق بطلاقين قبله». .
ولا تلتزم المرأة في بدل الطلاق سوى المال الذي التزمت به، فلا يبرئ الطلاق على مال الزوج من سائر الحقوق التي وجبت لها بسبب النكاح كما في الخلع كما سنرى.
حكم المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ (المعدل) في تفويض الزوجة بالطلاق :
لم يرد بالمرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ (المعدل) شيء عن التفويض بالطلاق، ومن ثم فإنه يجب إعمال نص المادة الخامسة منه التي تجري على أن:
«كل طلاق يقع رجعياً إلا المكمل للثلاث والطلاق قبل الدخول والطلاق علي مال وما نص على كونه بائناً في هذا القانون والقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۰».
وعلى ذلك يكون الأصل الذي يملكه الزوج هو الطلاق الرجعي، ولا يستثنى من ذلك إلا الطلاق قبل الدخول والطلاق على مال والمكمل للثلاث.
فإذا فوض الطلاق إلى الزوجة، وقع الطلاق منها رجعياً لأنها لا تملك إلا ما يملكه الزوج، إلا إذا كان التفويض في إحدى الحالات الثلاث المستثناة فيقع بائناً بينونة صغرى أو بينونة كبرى حسب الأحوال.
ويستوي أن يكون التفويض صريحاً أو كناية، سواء نوي الزوج تطليقة واحدة أو أكثر، ولا يقع بالكتابة طلاق إلا بالنية، ولا عبرة للقرينة أو دلالة الحال.
وقت التفويض : يكون التفويض بالطلاق إما سابقاً على عقد الزواج أو مقارناً للعقد أو لاحقاً عليه. فإذا كان التفويض سابقاً على عقد الزواج، كأن يقول الرجل لإمرأة أجنبية: إن تزوجتك فأمرك بيدك تطلقين نفسك متى شئت، ثم تزوجها، كان لها تطليق نفسها متى شاءت عند الحنفية لأنهم يجيزون تعليق الطلاق على الزواج إذ لا فرق بين قول الرجل إن تزوجتك فأنت طالق وقوله: إن تزوجتك فأنت طالق إن شئت.
وإذا كان مقارناً للعقد، فإنه يصح إذا صدر إيجاب العقد أولاً من المرأة مشروطاً بتفويض الطلاق إليها، كأن تقول الرجل: «زوجتك نفسي على أن يكون أمر الطلاق بيدي، أطلق نفسی متى شئت»، فيقول لها: «قبلت زواجك على ذلك»، أما إذا بدأ الزوج بالإيجاب بأن قال : تزوجتك على أن يكون أمرك بيدك، تطلقين نفسك متى شئت فقالت قبلت فإن الزواج يتم ولا يصح التفويض لأن التفويض وقع قبل الزواج ولم يعلق عليه، وقد وقع من الزوج قبل أن يملكه، وملك التفويض يترتب على ملك الطلاق، وهو لا يملك الطلاق قبل تمام العقد، والعقد لا يتم بعبارة واحدة وإنما يحتاج إلى قبول الزوجة أما في الحالة الأولى فإن المرأة تشترط أولاً مع الإيجاب تمليكها الطلاق وهذا التمليك لا يحصل إلا بعبارة القبول من الرجل فيكون الطلاق بعد تمام العقد بالإيجاب والقبول.
وقد يكون التفويض بعد تمام العقد، وهذا صحيح وإذا وقع تترتب عليه آثاره بلا خلاف . (موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 94 )
الطلاق نوعان : رجعي ، وبائن
والطلاق الرجعي هو الذي يملك الزوج بعده إعادة زوجته إليه ما دامت في العدة دون توقف علي رضاها ، ودون حاجة إلي عقد ومهر جديدين ، ويكون إيقاعه مجرداً من أن يكون مقابله مال ، وإلا كان خلعاً .
والطلاق الرجعي هو الأصل في الطلاق لقوله تعالى {{ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان }} ولقوله تعالى {{ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً }} وقوله تعالى { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء }}
ويكون الطلاق الرجعي إذا كان بعد الدخول الحقيقي بلفظ من مادة الطلاق كأنت طالق ومطلقة .
والطلاق الرجعي لا يزيل الملك ولا يزيل الحل مادامت الزوجة في العدة .
أحكام الطلاق الرجعي :
١- تنقص به عدد الطلقات التي يملكها الزوج علي زوجته .
٢- للزوج حق مراجعة زوجته مادامت العدة باقية بالقول أو بالفعل دون أن يتوقف على رضاها ومن غير عقد ومهر جديدين .
3- ترث الزوجة مطلقها ، إذا مات قبل إنقضاء العدة يرثها الزوج سواء كان الطلاق في حال الصحة أو في حال المرض .
4- جميع الحقوق الزوجية باقية طالما لم تنقض العدة فللزوج حق الإستمتاع بها وحتى الطاعة ولها حق النفقة .
5-لا يحل به مؤجل المهر إذا كان موقوتاً بأقرب الأجلين الطلاق أو الموت .
6- لا يجوز بالإجماع أن يعقد الرجل على من لا تحل له بأن يجمع بينها وبين مطلقته مادامت العدة قائمة.
الطلاق البائن
وهو الذي لا يستطيع فيه الزوج أن يراجع زوجته في عصمته إلا بعقد ومهر جديدين ، خرجت من العدة أم لم تخرج ، هذا إذا كان الطلاق بائناً بينونة صغرى ، أما إذا كان الطلاق بائناً بينونة كبرى - حالة ما بعد الطلقة الثالثة - فهي تزيل الحل ولا يملك المطلق العقد عليها إلا بعد أن تتزوج غيره يعاشرها معاشرة الأزواج بالدخول بها فتزوق عسيلته ويذوق عسيلتها ثم يفارقها بالموت أو بالطلاق بإرادته غير قاصد تحليلها للزوج الأول وتنتهي عدتها ، فإذا تحقق ذلك يعود الحل ، ويمكن للزوج الأول المطلق العقد عليها من جديد ، وتهدم الطلقات الثلاث على العقد الأول ، وتكون له ثلاث طلقات بهذا العقد الجديد .
الطلاق البائن : ينقسم إلى قسمين
الأول :
بائن بينونة صغرى ، وهو الذي لا يستطيع الرجل بعده أن يعيد المطلقة إلى الزوجية إلا بعقد ومهر جديدين دون توقف علي أن تنكح بعده زوجاً آخر .
الثاني :
بائن بينونة كبرى وهو الذي لا يستطيع الرجل بعده أن يعيد المطلقة إلي الزوجية إلا بعد أن تتزوج بزوج آخر زواجاً صحيحاً ويدخل بها دخولاً حقيقاً ثم يفارقها بسبب من أسباب الفرقة وتنقضي عدتها منه .
حالات الطلاق البائن :
1- إذا إنقضت العدة في الطلاق الرجعي ولم يراجع الزوج زوجته، وبانت منه بينونة صغرى وسقط حقه في المراجعة.
2-إذا كان الطلاق قبل الدخول الحقيقي لأنه لا عدة عليها لقوله تعالى {{ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهم من عدة تعتدونها }}.
۳- الطلاق على مال تفتدي به الزوجة نفسها من زوجها بحيث لا يكون له سلطان عليها.
4 - الطلاق المكمل للثلاث ، فإنه تثبت به البينونة الكبرى ، ولا يبقي الزوج المطلق الحق في مراجعة مطلقته لأنه لا تحل له إلا بعد أن تتزوج زوجاً آخر من غير قصد تحليلها للأول .
5- وما نص عليه القانون صراحة بأنه طلاق بائن كالطلاق للضرر، أو الغيبة أو السجن .
بم تتم الرجعة
تقع الرجعة عند الحنفية بالقول سواء كان صريحاً أو كتابة كأن يقول لها رددتك إلي أو أرجعتك إلي أو إلي عصمتي ، وتحصل الرجعة بدون نية ، أو بالمصادقة بين المطلق والمطلقة علي حصولها علي العدة ، أو بالبينة الشرعية ( الشهود ) دون توقف على إثبات المراجعة في وثيقة رسمية لدى المأذون ، أو القاضي .
وتقع الرجعة بالكتابة كأن يقول لها أعدت الحل ورفضت التحريم ، ويلحق باللفظ الكتابة بأن بعث لها برسالة مكتوبة يقول لها راجعتك إلي عصمتي ، وعند العجز عن القول أو الكتابة فالإشارة المفهومة كالأخرس ، كما تقع بالفعل كان يجامعها أو قبلها مع وجود النية وإن لم ينو حرم عليه الوطء ، ولكن هذا الوطء لا يوجب حداً ولا صداقاً ، ولكن يلحق به الولد إذا حملت منه .
والرجعة حق ثابت للزوج وحده دون سواه ، ولا يملك إسقاطه ولا يشترط لصحتها رضا الزوجة أو علمها به ، ولو بدر من الزوجة ما يفيد الرجعة فلا تكون ثمة مراجعة لأنها حق للزوج لا لها ، كما أن مجرد دعوة - الزوجة إلى منزل الزوجية في فترة العدة دون إعتراض من زوجها لا يعتبر رجعة ، لأن حكم الطلاق الرجعي لا يؤثر على قيام الزوجية مادامت الزوجة في العدة ، فيحق لها البقاء في البيت الذي تساكن فيه زوجها قبل الطلاق .
لقد اتفق الأئمة على صحة الرجعة دون إشهاد ، لأن الرجعة لا توثق شرعاً علي كتابتها في وثيقة رسمية ، فإذا راجع الزوج زوجته المطلقة منه طلاقاً رجعياً وهي في العدة كانت الرجعة صحيحة حتى ولو لم تكتب في وثيقة رسمية ولكن ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلي أنه يستحب الإشهاد في المرجعية والطلاق قياساً على البيع والشراء ، كما ذهب إلي ذلك المالكية ووجوبه في الطلاق وذهب الشافعي وأصحابه بوجوب الإشهاد في الرجعة كما ذهب إلي ذلك الحنابلة .
شروط الرجعة :
١- أن يكون الطلاق واقعاً من الزوج علي زوجته ، إيقاعاً مجرداً .
٢- أن يكون الطلاق علي الزوجة المدخول بها ، لأن غير المدخول بها يكون الطلاق بائناً ، لأنه لا عدة عليها وإنما الرجعة تكون حيث تكون العدة .
٣- أن لا يكون الطلاق علي مال ، لأنه لو كان علي مال لكان خلعاً والخلع له أحكام تخصه .
4- أن لا يكون الطلاق المكمل للثلاث ، لأنه لو كان كذلك لكان طلاقاً بائناً بينونة كيري ولا رجعة فيه إذ لا تحل له إلا تزوجت بآخر غير مطلقها وفارقها بموت أو طلاق .
5 - أن لا تكون قد انقضت عدتها ، إذ هي انقضت عدتها أصبحت بائنة منه ولا حق له في الرجعة إلا بعقد ومهر جديدين إن رضيت به زوجاً مرة أخري .
إثبات الرجعة طبقا للمادة ۲۲ من القانون رقم ۲۰۰۰ بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي ، فنصت المادة ۲۲ منه علي انه ( مع عدم الإخلال يحق الزوجة في إثبات مراجعة مطلقها لها بكافة طرق الإثبات ، لا يقبل عند الإنكار إدعاء الزوج مراجعته مطلقته ما لم يعلنها بهذه المراجعة بورقة رسمية قبل إنقضاء ستين يوماً لمن تحيض وتسعين يوماً لمن عدتها بالأشهر من تاريخ توثيق طلاقه لها ، وتلك ما لم تكن حاملاً أو تقر بعدم إنقضاء عدتها حتى إعلانها بالمراجعة .
مفاد هذا النص أن المشرع لم يجعل الرجعة إنشاء لعقد جديد ، وإنما الرجعة هي إبقاء للزواج الذي لم ينقطع إستدامة له بعد أن كان الطلاق قد حدده بإنتهاء العدة ، والرجعة حق ثابت للزوج وحده دون رضا الزوجة أو علمها بها ، ولو بدر من الزوجة ما يفيد الرجعة ، فلا تكون ثمة مراجعة لأنه حق للزوج لا لها .
الحكم فيما إذا ادعت الزوجة الرجعة وأنكرها الزوج :
لقد أعطي المشرع الزوجة إذا ادعت مراجعة مطلقها لها - في حالة ما إذا أنكر مطلقها المراجعة - الحق في إثبات مراجعة مطلقها لها بكافة طرق الإثبات.
ففي تلك الحالة يتعين عليها أن تثبت بشهادة الشهود الرجعة سواء كان بصدور القول من المطلق صريحاً أو كناية ، وصريح القول يتحقق فيما إذا صدر القول من المطلق ( راجعت زوجتي أو أمسكتها أو رددتها ) فهذه الألفاظ لا تحتاج إلى البحث عن نيته ، أما إذا كانت المراجعة بألفاظ الكناية مثل قول المطلق ( عندي كما كنت ، أو أنت امرأتي ، أو أصبحنا من الآن كما كنا ) فإن نوى بهذه الألفاظ الرجعة فإنه يصح وإلا فلا.
أما إثبات الرجعة بوقوع الفعل - وهو كل فعل من الزوج أو الزوجة يوجب حرمة المصاهرة من لمس أو تقبيل أو معاشرة جنسية ، فان إثبات ذلك بشهادة الشهود ليس من السهل الميسور وإنما صعب المنال أن تجد شاهدين يشهدا بأنها رآهما رؤيا العين لأن هذا الفعل لا يقع تحت المشاهدة في الغالب.
الأعم - حتى يشهد به، وهذا ما يتفق مع ما ذهب إليه الحنفية من أن الأولى أن يراجعها بالقول وأن يشهد علي ذلك عدلين ، ولو بعد الرجعة بالفعل ، وإذا راجعها وهي غائبة يندب له إعلامها وهي تسمي عندهم بالرجعة السنية - وأما إذا راجعها بالوطء ومقوماته فإنها رجعة بدعية ، فإن راجع بها ندب له أن يراجعها بالقول ويشهد علي قوله وإلا كان مكروهاً تنزيهاً .
ادعاء الزوجة المراجعة :
لقد سبق البيان أن الرجعة عند الحنفية الأفضل أن تكون بالقول مع شهادة عدلين، وإن كانت بالفعل ، فيندب له أن يراجعها بالقول ويشهد علي ذلك عدلين لأن ما صدر من فعل لا يقع ، تحت بصر الشاهد كما سبق أن ذكرنا.
ففي حالة ما إذا ادعى الزوج مراجعتها ، وأنكرت عليه الزوجة ذلك ، فالأمر لا يخلو من ثلاث حالات :
الأولي : إذا كانت الزوجة من ذوات الحيض، فعلى الزوج أن يثبت مراجعة مطلقته وذلك بإعلانها بالمراجعة بورقة رسمية قبل إنقضاء ستين يوماً من تاريخ طلاقها لان أقلها تنقضي به العدة لذات الحيض شهران من تاريخ الطلاق عند الإمام أبي حنيفة ، فإذا ادعت أنها حاضت ثلاث مرات من قبل الشهرين فإنها لا تصدق ، وذلك لأنه إذا طلقها في أول مدة طهر لم يطأها فيه تحتاج إلي ثلاث حيض ، وثلاثة أطهار - الطهر الذي طلقها فيه وطهران بعد الحيضتين - حتى تري الحيضة الثالثة في أخر الطهر الثاني ، وأقل الطهر خمسة عشر يوماً فيكون مجموع الأطهار خمسة وأربعين يوماً ، وتحتاج إلي ثلاث حيض ويعتبر في الحيضة الوسط خمسة أيام فيكون مجموع الحيض خمسة عشر يوماً ، مضافة إلى خمسة وأربعين يوماً فيكون المجموع ستون يوماً ، فإذا أثبت المطلق أنه قام بإعلانها بورقة رسمية من تاريخ طلاقها قبل إنقضاء ستين يوماً صحت الرجعة وسقط ادعاءها .
أما إذا عجز عن إثبات الرجعة بورقة رسمية قبل إنقضاء العدة فلا رجعة له عليها صدقت المرأة في قولها دون حلف يمين ، على خلاف ما إذا ذهب إليه الإمام أبي حنيفة من أنها تصدق بيمينها .
الثانية : حالة ما إذا كانت الزوجة من نوات العدة بالأشهر ، فعلي الزوج أن يقدم ما يفيد إعلان مطلقته بالرجعة بورقة رسمية قبل إنقضاء تسعين يوماً من تاريخ طلاقها وإلا فلا رجعة له عليها .
الثالثة : لقد إستثني المشرع المرأة الحامل من إثبات مراجعتها بورقة رسمية لأن الحامل عنها وضع حملها لذلك جاز للزوج أن يراجعها حتى تضع الحمل .
الرابعة : إذا ادعي الرجل مراجعتها قبل إنقضاء عدتها وصدقته الزوجة في دعواه صحت الرجعة دون أن يكلف بإثبات ذلك بالبينة أو ورقة رسمية تفيد ذلك لأن الزواج يثبت بالتصادق ، فثبوت الرجعة بالتصادق أولي لأن الزوجية لم تنقطع .
فضلاً عن أنها إذا أقرت المرأة بصحة الرجعة أو بأنها لا زالت في العدة وقت حصولها لزمها هذا الإقرار ، طالما كان صادراً عن طواعية وإختيار بقصد الإعتراف بالحق المدعى به في صيغة تفيد ثبوت الحق المقربة ، ولأن الإقرار إعتراف شخصي بواقعة من شأنها أن تنتج ضده أثارة قانونية أو شرعية بحيث تصبح في غير حاجة إلى الإثبات بدليل آخر وينحسم به النزاع فيما أقر به . (الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 295).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السابع، الصفحة / 238
حَالَةُ الطَّلاَقِ
أَوَّلاً: الطَّلاَقُ الثَّلاَثُ:
إِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَكَانَ الإْيلاَءُ مُطْلَقًا عَنِ التَّقْيِيدِ بِمُدَّةٍ، أَوْ كَانَ مُؤَبَّدًا، وَلَمْ يُجَامِعْهَا، بَلْ طَلَّقَهَا فِي مُدَّةِ الإْيلاَءِ ثَلاَثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً - وَكَانَتِ الْمُكَمِّلَةَ لِلثَّلاَثِ - ارْتَفَعَ الإْيلاَءُ فِي حَقِّ الطَّلاَقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَمَالِكٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ أَقْوَالٍ ثَلاَثَةٍ لِلإْمَامِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ ثَانٍ مِنْ أَقْوَالِهِ الثَّلاَثَةِ: لاَ يَرْتَفِعُ الإْيلاَءُ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ رَجُلاً آخَرَ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الزَّوْجِ الأْوَّلِ الْمُولِي مِنْهَا، وَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ زَوَاجِهَا بِهِ وَلَمْ يُجَامِعْهَا، لاَ يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، وَلاَ يُطَالَبُ بِالْفَيْءِ أَوِ الطَّلاَقِ إِنْ لَمْ يَفِئْ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ الْمُوَافِقِ لأِبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ.
أَمَّا عِنْدَ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ (فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ) فَلِلزَّوْجَةِ أَنْ تَرْفَعَ الأْمْرَ إِلَى الْقَاضِي، وَالْقَاضِي يَقِفُ الزَّوْجَ، فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي.
وَعِنْدَ زُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يَقَعُ عَلَيْهَا طَلاَقٌ بَائِنٌ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ زَوَاجِهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ وِقَاعٍ.
وَحُجَّةُ الأْوَّلِينَ: أَنَّ الْحِلَّ الثَّابِتَ بِالزَّوَاجِ الأْوَّلِ قَدْ زَالَ بِالْكُلِّيَّةِ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ، وَالْحِلَّ الْحَاصِلَ بِالزَّوَاجِ الثَّانِي حِلٌّ جَدِيدٌ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ فِيهِ الزَّوْجُ ثَلاَثَ طَلْقَاتٍ، فَصَارَ إِيلاَؤُهُ فِي الزَّوَاجِ الأْوَّلِ كَإِيلاَئِهِ مِنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ.
وَحُجَّةُ الآْخَرِينَ: أَنَّ الْيَمِينَ صَدَرَتْ مُطَلَّقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِالْحِلِّ الَّذِي كَانَ قَائِمًا وَقْتَ صُدُورِهَا، وَعَلَى هَذَا تُوجَدُ الْيَمِينُ عِنْدَمَا يَتَحَقَّقُ حِلُّ الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ، بِلاَ فَرْقٍ بَيْنَ الْحِلِّ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ صُدُورِهَا، وَبَيْنَ الْحِلِّ الَّذِي وُجِدَ بَعْدَ زَوَالِ الْحِلِّ الأَْوَّلِ. فَإِذَا عَادَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الزَّوْجِ الَّذِي آلَى مِنْهَا صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِمَاعِ امْرَأَتِهِ بِنَاءً عَلَى يَمِينِهِ، فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الإْيلاَءِ كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ.
أَمَّا الإْيلاَءُ فِي حَقِّ الْحِنْثِ، فَإِنَّهُ بَاقٍ بَعْدَ الطَّلاَقِ الثَّلاَثِ عِنْدَ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ جَمِيعًا. وَعَلَى هَذَا لَوْ آلَى الرَّجُلُ مِنْ زَوْجَتِهِ إِيلاَءً مُطْلَقًا عَنِ التَّقْيِيدِ بِمُدَّةٍ، أَوْ مُؤَبَّدًا، وَلَمْ يُجَامِعْهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلاَثًا، وَعَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ رَجُلاً آخَرَ، ثُمَّ جَامَعَهَا حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ إِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ قَسَمًا، وَلَزِمَهُ مَا عَلَّقَهُ عَلَى جِمَاعِهَا إِنْ لَمْ تَكُنِ الْيَمِينُ قَسَمًا؛ لأِنَّ الْيَمِينَ إِذَا كَانَتْ لَهَا مُدَّةٌ فَإِنَّهَا تَبْقَى مَا بَقِيَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ، وَلاَ تَبْطُلُ إِلاَّ بِالْحِنْثِ، وَهُوَ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْيَمِينِ، أَوْ بِمُضِيِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ بِدُونِ حِنْثٍ.
وَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ مُطْلَقَةً لَمْ تُقَيَّدْ بِمُدَّةٍ، أَوْ ذُكِرَتْ فِيهَا كَلِمَةُ الأْبَدِ، فَإِنَّهَا لاَ تَبْطُلُ إِلاَّ بِالْحِنْثِ، وَهُوَ فِعْلُ الشَّيْءِ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِهِ (وَهُوَ فِي الإْيلاَءِ الْجِمَاعُ) فَإِذَا لَمْ يُوجَدِ الْحِنْثُ فَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ.
ثَانِيًا: بَقَاءُ الإْيلاَءِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ بِمَا دُونَ الثَّلاَثِ:
إِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَكَانَ الإْيلاَءُ مُؤَبَّدًا أَوْ مُطْلَقًا عَنِ التَّوْقِيتِ، بِأَنْ قَالَ: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُ زَوْجَتِي أَبَدًا، أَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لاَ أَقْرَبُ زَوْجَتِي وَلَمْ يَذْكُرْ وَقْتًا، ثُمَّ أَبَانَهَا بِمَا دُونَ الثَّلاَثِ، وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، كَانَ الإْيلاَءُ بَاقِيًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ جَمِيعًا، مَا عَدَا الشَّافِعِيَّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ الثَّلاَثَةِ، فَإِنَّ الإْيلاَءَ يَنْتَهِي عِنْدَهُ بِالطَّلاَقِ الْبَائِنِ بِمَا دُونَ الثَّلاَثِ، كَمَا يَنْتَهِي بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ.
وَبِنَاءً عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي بَقَاءِ الإِْيلاَءِ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ بِمَا دُونَ الثَّلاَثِ، لَوْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الزَّوَاجِ وَلَمْ يُجَامِعْهَا، وَقَعَتْ طَلْقَةً بَائِنَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ: يُؤْمَرُ بِالْفَيْءِ، فَإِنْ أَبَى وَلَمْ يُطَلِّقْ، طَلَّقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي. وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَمَا وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلاَقُ الثَّانِي، وَمَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَقْرَبْهَا فِيهَا مُنْذُ تَزَوَّجَهَا: وَقَعَتْ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ ثَالِثَةٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَيُؤْمَرُ بِالْفَيْءِ أَوِ الطَّلاَقِ،
فَإِنْ لَمْ يَفِئْ أَوْ يُطَلِّقْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي، وَبِهَذَا تَصِيرُ الْمَرْأَةُ بَائِنَةً بَيْنُونَةً كُبْرَى، وَيَبْقَى الإْيلاَءُ فِي حَقِّ الْحِنْثِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الطَّلاَقِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَيَنْحَلُّ الإِْيلاَءُ فِي حَقِّ الطَّلاَقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَمَالِكٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَلَوْ أَبَانَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ الَّتِي آلَى مِنْهَا إِيلاَءً مُطْلَقًا أَوْ مُؤَبَّدًا بِمَا دُونَ الثَّلاَثِ، وَتَزَوَّجَتْ بِرَجُلٍ آخَرَ، وَدَخَلَ بِهَا، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الأْوَّلِ عَادَ حُكْمُ الإْيلاَءِ مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْجُمْهُورِ مِنَ الْفُقَهَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.
إِنَّمَا الاِخْتِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِيمَا تَعُودُ بِهِ إِلَى الزَّوْجِ الأْوَّلِ: فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ تَعُودُ بِثَلاَثِ تَطْلِيقَاتٍ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ تَعُودُ إِلَيْهِ بِمَا بَقِيَ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَهَذَا الْخِلاَفُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الزَّوَاجَ الثَّانِيَ هَلْ يَهْدِمُ الطَّلْقَةَ وَالطَّلْقَتَيْنِ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلاَثَ، أَوْ لاَ يَهْدِمُ إِلاَّ الثَّلاَثَ؟
فَعِنْدَ الأْوَّلِينَ يَهْدِمُ الطَّلْقَةَ وَالطَّلْقَتَيْنِ كَمَا يَهْدِمُ الثَّلاَثَ، وَعِنْدَ الآْخِرِينَ لاَ يَهْدِمُ إِلاَّ الثَّلاَثَ.
وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الأْوَّلِ: أَنَّ الزَّوَاجَ الثَّانِيَ إِذَا هَدَمَ الطَّلاَقَ الثَّلاَثَ، وَأَنْشَأَ حِلًّا كَامِلاً، فَأَوْلَى أَنْ يَهْدِمَ مَا دُونَ الثَّلاَثِ، وَيُكْمِلَ الْحِلَّ النَّاقِصَ.
وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي: أَنَّ الْحِلَّ الأْوَّلَ لاَ يَزُولُ إِلاَّ بِالطَّلاَقِ الثَّلاَثِ، فَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، وَحَلَّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِهَا، فَلَوْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، عَادَتْ إِلَيْهِ بِالْحِلِّ الأْوَّلِ، فَلاَ يَمْلِكُ عَلَيْهَا إِلاَّ مَا بَقِيَ مِنَ الطَّلاَقِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لَهُ فِي ذَلِكَ الْحِلِّ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن ، الصفحة / 127
فِي الطَّلاَقِ وَالظِّهَارِ وَالْعِتْقِ:
أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الطَّلاَقَ أَوِ الظِّهَارَ لاَ يَتَبَعَّضُ وَلاَ يَتَجَزَّأُ، فَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْضَ طَلْقَةٍ أَوْ نِصْفَهَا أَوْ جُزْأَهَا تَقَعُ طَلْقَةً كَامِلَةً كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَضَافَ الطَّلاَقَ أَوِ الظِّهَارَ إِلَى بَعْضِ زَوْجَتِهِ يَلْزَمُهُ الطَّلاَقُ أَوِ الظِّهَارُ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ جُزْءًا شَائِعًا كَنِصْفِهَا أَوْ ثُلُثِهَا، أَمَّا إِذَا أَسْنَدَ الطَّلاَقَ أَوِ الظِّهَارَ إِلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (طَلاَق وَظِهَار).
وَالْكَلاَمُ فِي تَبْعِيضِ الْعِتْقِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (عِتْق).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م
الجزء / الثاني والعشرون ، الصفحة / 104
رَجْعَةٌ
التَّعْرِيفُ:
- الرَّجْعَةُ اسْمُ مَصْدَرِ رَجَعَ، يُقَالُ: رَجَعَ عَنْ سَفَرِهِ، وَعَنِ الأْمْرِ يَرْجِعُ رَجْعًا وَرُجُوعًا وَرُجْعَى وَمَرْجِعًا، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُوَ نَقِيضُ الذَّهَابِ، وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ فِي اللُّغَةِ الْفُصْحَى فَيُقَالُ: رَجَعْتُهُ عَنِ الشَّيْءِ وَإِلَيْهِ، وَرَجَعْتُ الْكَلاَمَ وَغَيْرَهُ أَيْ رَدَدْتُهُ قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىطَائِفَةٍ مِنْهُمْ)
وَرَجَعَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى أَهْلِهَا بِمَوْتِ زَوْجِهَا أَوْ بِطَلاَقٍ، فَهِيَ رَاجِعَةٌ، وَالرَّجْعَةُ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى الرُّجُوعِ، وَالرَّجْعَةُ بَعْدَ الطَّلاَقِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ.
وَالرَّجْعِيُّ نِسْبَةٌ إِلَى الرَّجْعَةِ، وَالطَّلاَقُ الرَّجْعِيُّ: مَا يَجُوزُ مَعَهُ لِلزَّوْجِ رَدُّ زَوْجَتِهِ فِي عِدَّتِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَعَدَّدَتْ تَعْرِيفَاتُ الْفُقَهَاءِ لِلرَّجْعَةِ عَلَى النَّحْوِ الآْتِي:
عَرَّفَهَا الْعَيْنِيُّ بِأَنَّهَا اسْتِدَامَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ.
وَعَرَّفَهَا صَاحِبُ الْبَدَائِعِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهَا «اسْتِدَامَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ الْقَائِمِ وَمَنْعُهُ مِنَ الزَّوَالِ».
وَعَرَّفَهَا الدَّرْدِيرُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهَا «عَوْدُ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ لِلْعِصْمَةِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ».
وَعَرَّفَهَا الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِقَوْلِهِ: رَدُّ الْمَرْأَةِ إِلَى النِّكَاحِ مِنْ طَلاَقٍ غَيْرِ بَائِنٍ فِي الْعِدَّةِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
وَعَرَّفَهَا الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهَا «إِعَادَةُ مُطَلَّقَةٍ غَيْرِ بَائِنٍ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عَقْدٍ».
دَلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ الرَّجْعَةِ وَحِكْمَتُهَا:
- إِنَّ ارْتِجَاعَ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الإْصْلاَحِ، لِذَلِكَ نَجِدُ الشَّرِيعَةَ الإْسْلاَمِيَّةَ قَدْ نَظَّمَتْ أَحْكَامَهَا.. وَقَدْ أَشَارَ الْكَاسَانِيُّ إِلَى حِكْمَةِ الرَّجْعَةِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ الْحَاجَةَ تَمَسُّ إِلَى الرَّجْعَةِ؛ لأِنَّ الإْنْسَانَ قَدْ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَى ذَلِكَ عَلَى مَا أَشَارَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَلَّ جَلاَلُهُ بِقَوْلِهِ: (لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّدَارُكِ، فَلَوْ لَمْ تَثْبُتِ الرَّجْعَةُ لاَ يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ، لِمَا عَسَى أَنْ لاَ تُوَافِقَهُ الْمَرْأَةُ فِي تَجْدِيدِ النِّكَاحِ وَلاَ يُمْكِنُهُ الصَّبْرُ عَنْهَا فَيَقَعُ فِي الزِّنَا» لِذَا شُرِعَتِ الرَّجْعَةُ لِلإِْصْلاَحِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَهَذِهِ حِكْمَةٌ جَلِيلَةٌ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ.
- وَقَدْ ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الرَّجْعَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإْجْمَاعِ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:
- أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا) وقوله تعالى : ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا).
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضى الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا»،، فَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم طَلَّقَ حَفْصَةَ تَطْلِيقَةً، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه الصلاة والسلام فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، طَلَّقْتَ حَفْصَةَ وَهِيَ صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَهِيَ زَوْجَتُكَ فِي الْجَنَّةِ؟ فَرَاجِعْهَا».
وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّاسُ وَالرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ مَا شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَهِيَ امْرَأَتُهُ إِذَا ارْتَجَعَهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى قَالَ رَجُلٌ لاِمْرَأَتِهِ: وَاللَّهِ لاَ أُطَلِّقُكِ فَتَبِينِي مِنِّي وَلاَ آوِيكِ أَبَدًا، قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: أُطَلِّقُكِ فَكُلَّمَا هَمَّتْ عِدَّتُكِ أَنْ تَنْقَضِيَ رَاجَعْتُكِ، فَذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَسَكَتَتْ عَائِشَةُ حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَتْهُ فَسَكَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَاسْتَأْنَفَ النَّاسُ الطَّلاَقَ مُسْتَقْبَلاً، مَنْ كَانَ طَلَّقَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَ».، وَالإْمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الرَّجْعَةُ فِي الْعِدَّةِ بِقَصْدِ الإِْصْلاَحِ لاَ الإِْضْرَارِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الرَّجْعَةِ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِهَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَقَدْ جَاءَ فِي الرَّوْضِ الْمُرْبِعِ مَا نَصُّهُ «قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ إِذَا طَلَّقَ دُونَ الثَّلاَثِ، وَالْعَبْدَ دُونَ اثْنَتَيْنِ، أَنَّ لَهُمَا الرَّجْعَةَ فِي الْعِدَّةِ»
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
- الأْصْلُ فِي الرَّجْعَةِ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ وَهِيَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ لقوله تعالى : (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْأَرَادُوا إِصْلاَحًا). وَتَكُونُ الرَّجْعَةُ وَاجِبَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً فِي حَالَةِ حَيْضٍ فَهَذَا طَلاَقٌ بِدْعِيٌّ يَسْتَوْجِبُ التَّصْحِيحَ، وَالتَّصْحِيحُ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِالرَّجْعَةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ «ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ».
وَتُسَنُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَتَكُونُ الرَّجْعَةُ مَنْدُوبَةً، وَذَلِكَ فِي حَالَةِ نَدَمِ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلاَقِ، وَلاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ أَوْلاَدٌ تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ نَشْأَتَهُمْ فِي ظِلِّ الأْبَوَيْنِ لِيُدَبِّرَا شُؤُونَهُمْ، فَتَكُونُ الرَّجْعَةُ مَنْدُوبَةً تَحْصِيلاً لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي نَدَبَ إِلَيْهَا الشَّارِعُ الْحَكِيمُ، فَقَدْ حَضَّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الآْيَاتِ عَلَى الصُّلْحِ وَالتَّوْفِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، قَالَ تَعَالَى: (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) وَقَالَ تَعَالَى: (وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ).
وَتَكُونُ الرَّجْعَةُ مُحَرَّمَةً إِذَا قَصَدَ الزَّوْجُ الإْضْرَارَ بِالْمَرْأَةِ فَيُرَاجِعُهَا لِيُلْحِقَ بِهَا الأْذَى وَالضَّرَرَ، وَقَدْ نَهَى الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) فِي هَذِهِ الآْيَةِ يَنْهَى اللَّهُ تَعَالَى الأْزْوَاجَ أَنْ يُمْسِكُوا زَوْجَاتِهِمْ بِقَصْدِ إِضْرَارِهِنَّ وَأَذَاهُنَّ، وَالنَّهْيُ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ، فَتَكُونُ الرَّجْعَةُ مُحَرَّمَةً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَمَعَ هَذَا تَكُونُ الرَّجْعَةُ صَحِيحَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ، وَلَوْ عَلِمْنَا نَحْنُ ذَلِكَ الْمَقْصِدَ طَلَّقْنَا عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لاَ يُمَكَّنُ مِنَ الرَّجْعَةِ إِلاَّ مَنْ أَرَادَ إِصْلاَحًا وَأَمْسَكَ بِمَعْرُوفٍ. وَتَكُونُ الرَّجْعَةُ مَكْرُوهَةً إِذَا ظَنَّ الزَّوْجُ أَنَّهُ لَنْ يُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ الإِْحْسَانُ إِلَى زَوْجَتِهِ، فَتَكُونُ الرَّجْعَةُ فِي حَقِّهِ مَكْرُوهَةً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
شُرُوطُ الرَّجْعَةِ:
وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ مَا يَلِي:
- الشَّرْطُ الأْوَّلُ: أَنْ تَكُونَ الرَّجْعَةُ بَعْدَ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ سَوَاءٌ صَدَرَ مِنَ الزَّوْجِ أَوْ مِنَ الْقَاضِي؛ لأِنَّهَا اسْتِئْنَافٌ لِلْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي قُطِعَتْ بِالطَّلاَقِ، فَلَوْلاَ وُقُوعُهُ لَمَا كَانَ لِلرَّجْعَةِ فَائِدَةٌ، فَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ مُرَاجَعَتِهَا، إِذْ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ تَبِينُ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بَيْنُونَةً كُبْرَى وَلاَ يَحِلُّ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا حَتَّى تَتَزَوَّجَ آخَرَ. قَالَ تَعَالَى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ).
وَالْفُقَهَاءُ جَمِيعًا مُتَّفِقُونَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
- الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَحْصُلَ الرَّجْعَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَأَرَادَ مُرَاجَعَتَهَا فَلَيْسَ لَهُ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ وَهَذَا بِالاِتِّفَاقِ لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً). إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ اعْتَبَرُوا الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ فِي حُكْمِ الدُّخُولِ مِنْ حَيْثُ صِحَّةُ الرَّجْعَةِ؛ لأِنَّ الْخَلْوَةَ تُرَتِّبُ أَحْكَامًا مِثْلَ أَحْكَامِ الدُّخُولِ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ فَلاَ بُدَّ عِنْدَهُمْ مِنَ الدُّخُولِ لِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ، وَلاَ تَكْفِي الْخَلْوَةُ.
- الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْمُطَلَّقَةُ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلاَ يَصِحُّ ارْتِجَاعُهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لقوله تعالى : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْقُرُوءِ الثَّلاَثَةِ؛ وَلأِنَّ فِي ارْتِجَاعِ الْمُطَلَّقَةِ فِي فَتْرَةِ الْعِدَّةِ اسْتِدَامَةً وَاسْتِمْرَارًا لِعَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ انْقَطَعَتْ هَذِهِ الاِسْتِدَامَةُ فَلاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَقَالَ الْكَاسَانِيُّ: مِنْ شُرُوطِ جَوَازِ الرَّجْعَةِ قِيَامُ الْعِدَّةِ فَلاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ لأِنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ يَزُولُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَلاَ تُتَصَوَّرُ الاِسْتِدَامَةُ، إِذْ الاِسْتِدَامَةُ لِلْقَائِمِ لِصِيَانَتِهِ عَنِ الزَّوَالِ وَأَمَّا مَا تَنْتَهِي بِهِ الْعِدَّةُ فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (عِدَّة).
- الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَلاَّ تَكُونَ الْفُرْقَةُ قَبْلَ الرَّجْعَةِ نَاشِئَةً عَنْ فَسْخِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (فَسْخ).
- الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَلاَّ يَكُونَ الطَّلاَقُ بِعِوَضٍ، فَإِنْ كَانَ الطَّلاَقُ بِعِوَضٍ فَلاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ؛ لأِنَّ الطَّلاَقَ حِينَئِذٍ بَائِنٌ لاِفْتِدَاءِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا مِنَ الزَّوْجِ بِمَا قَدَّمَتْهُ لَهُ مِنْ عِوَضٍ مَالِيٍّ يُنْهِي هَذِهِ الْعَلاَقَةَ مِثْلَ الْخُلْعِ وَالطَّلاَقِ عَلَى مَالٍ.
- الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ الرَّجْعَةُ مُنَجَّزَةً فَلاَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ أَوْ إِضَافَتُهَا إِلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، وَصُورَةُ التَّعْلِيقِ عَلَى الشَّرْطِ أَنْ يَقُولَ: إِنْ جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ رَاجَعْتُكِ، أَوْ إِنْ فَعَلْتِ كَذَا فَقَدْ رَاجَعْتُكِ، وَصُورَةُ الإِْضَافَةِ لِلزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ كَأَنْ يَقُولَ: أَنْتِ رَاجِعَةٌ غَدًا أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ وَهَكَذَا، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) وَالأْظْهَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَعْلِيق ف 46) الْمَوْسُوعَة ج 12 ص 317.
اسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِدَامَةٌ لِعَقْدِ النِّكَاحِ أَوْ إِعَادَةٌ لَهُ، وَالنِّكَاحُ لاَ يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَالإْضَافَةَ، وَالرَّجْعَةُ تَأْخُذُ حُكْمَ النِّكَاحِ.
- الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَجِعُ أَهْلاً لإِنْشَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ.
وَهَذَا الشَّرْطُ وَرَدَ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِي إِنْشَاءِ عَقْدِ الزَّوَاجِ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ فِي ارْتِجَاعِ مُطَلَّقَتِهِ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الرَّجْعَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ مِنَ الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمَا لإِِنْشَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ رَجْعَةَ نَاقِصِي الأْهْلِيَّةِ، وَهُمْ: الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، وَالسَّفِيهُ، وَالْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَالْمُفْلِسُ، وَقَدْ بَنَوْا إِجَازَةَ الرَّجْعَةِ مِنْ هَؤُلاَءِ عَلَى أَسَاسِ عَدَمِ إِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِهِمْ، وَعَلَى حَسَبِ حَالَةِ كُلٍّ مِنْ هَؤُلاَءِ عَلَى حِدَةٍ، فَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَيَصِحُّ عَقْدُ نِكَاحِهِ إِلاَّ أَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى إِجَازَةِ وَلِيِّهِ، فَكَمَا صَحَّ عَقْدُهُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَيَصِحُّ عَقْدُ نِكَاحِهِ فِي حُدُودِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَصَحَّتْ رَجْعَتُهُ لاِسْتِمْرَارِ عَقْدِ النِّكَاحِ مِنْ جِهَةٍ؛ وَكَذَا لِعَدَمِ وُجُودِ الإِْسْرَافِ مِنْهُ، وَأَمَّا الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ فَقَدْ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ؛ لأِنَّ الرَّجْعَةَ لَيْسَ فِيهَا إِدْخَالُ غَيْرِ وَارِثٍ مَعَ الْوَرَثَةِ، وَأَمَّا الْمُفْلِسُ فَصَحَّتِ الرَّجْعَةُ مِنْهُ؛ لأِنَّهَا لاَ تَتَطَلَّبُ مَهْرًا جَدِيدًا فَلاَ تَشْغَلُ ذِمَّتَهُ بِالْتِزَامَاتٍ مَالِيَّةٍ وَلاَ يَحْتَاجُ لإِذْنِ الدَّائِنِينَ، كَمَا أَجَازُوا الرَّجْعَةَ مِنَ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ مَعَ عَدَمِ جَوَازِ عَقْدِ نِكَاحِهِ؛ لأِنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِمْرَارٌ لِعَقْدِ النِّكَاحِ وَلَيْسَتْ إِنْشَاءً جَدِيدًا لَهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ شَرْطَ الْمُرْتَجِعِ أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلاً مُخْتَارًا غَيْرَ مُرْتَدٍّ؛ لأِنَّ الرَّجْعَةَ كَإِنْشَاءِ النِّكَاحِ فَلاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ فِي الرِّدَّةِ وَالصِّبَا وَالْجُنُونِ وَلاَ مِنْ مُكْرَهٍ، كَمَا لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ فِيهَا.
فَالرَّجْعَةُ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ السَّفِيهَ فَكَمَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ... وَالسَّكْرَانُ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ تَصِحُّ رَجْعَتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأِنَّهُ فِي الأْصْلِ أَهْلٌ لإِبْرَامِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَلاَ تَصِحُّ رَجْعَتُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، كَمَا لاَ تَصِحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ رَجْعَةُ السَّكْرَانِ غَيْرِ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ، لأِنَّ أَقْوَالَهُ كُلَّهَا لاَغِيَةٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ الرَّجْعَةِ مِنَ الْمُحْرِمِ؛ لأِنَّ الإْحْرَامَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي أَهْلِيَّةِ الْمُحْرِمِ لإِنْشَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ عَارِضٌ. هَذَا وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الرَّجْعَةِ رِضَا الْمَرْأَةِ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ).
يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
كَيْفِيَّةُ الرَّجْعَةِ:
لِلرَّجْعَةِ كَيْفِيَّتَانِ: رَجْعَةٌ بِالْقَوْلِ، وَرَجْعَةٌ بِالْفِعْلِ.
أَوَّلاً: الرَّجْعَةُ بِالْقَوْلِ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ تَصِحُّ بِالْقَوْلِ الدَّالِّ عَلَى ذَلِكَ، كَأَنْ يَقُولَ لِمُطَلَّقَتِهِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ رَاجَعْتُكِ، أَوِ ارْتَجَعْتُكِ، أَوْ رَدَدْتُكِ لِعِصْمَتِي وَهَكَذَا كُلُّ لَفْظٍ يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى.
قَالَ الْعَيْنِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَا نَصُّهُ: «وَالرَّجْعَةُ أَنْ يَقُولَ لِلَّتِي طَلَّقَهَا طَلْقَةً، أَوْ طَلْقَتَيْنِ: رَاجَعْتُكِ بِالْخِطَابِ لَهَا، أَوْ رَاجَعْتُ امْرَأَتِي بِالْغَيْبَةِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الرَّجْعَةِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ: رَدَدْتُكِ أَوْ أَمْسَكْتُكِ».
وَقَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الأْلْفَاظَ الَّتِي تَصِحُّ بِهَا الرَّجْعَةُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
الْقِسْمُ الأْوَّلُ: اللَّفْظُ الصَّرِيحُ مِثْلَ رَاجَعْتُكِ وَارْتَجَعْتُكِ إِلَى نِكَاحِي، وَهَذَا الْقِسْمُ تَصِحُّ بِهِ الرَّجْعَةُ وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْكِنَايَةُ: وَهِيَ الأَْلْفَاظُ الَّتِي تَحْتَمِلُ مَعْنَى الرَّجْعَةِ وَمَعْنًى آخَرَ غَيْرَهَا، كَأَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عِنْدِي كَمَا كُنْتِ، أَوْ أَنْتِ امْرَأَتِي وَنَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ.
فَأَلْفَاظُ الْكِنَايَةِ تَحْتَمِلُ الرَّجْعَةَ وَغَيْرَهَا مِثْلَ أَنْتِ عِنْدِي كَمَا كُنْتِ، فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ كَمَا كُنْتِ زَوْجَةً، وَكَمَا كُنْتِ مَكْرُوهَةً، وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ وَيُسْأَلُ عَنْهَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الأَْلْفَاظِ مِثْلَ رَدَدْتُكِ وَأَمْسَكْتُكِ هَلْ هِيَ مِنَ الصَّرِيحِ أَوِ الْكِنَايَةِ، فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ وَتَحْتَاجُ إِلَى النِّيَّةِ.
وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ «رَدَدْتُكِ» يَحْتَمِلُ الرَّدَّ إِلَى الزَّوْجِيَّةِ أَوْ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا، «وَأَمْسَكْتُكِ» يَحْتَمِلُ الإِْمْسَاكَ بِالزَّوْجِيَّةِ أَوِ الإِْمْسَاكَ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ بَيْتِهَا فِي عِدَّتِهَا.
وَذَهَبَ فَرِيقٌ آخَرُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَمَعَهُمْ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مِنْ صَرِيحِ الرَّجْعَةِ فَلاَ يَحْتَاجَانِ إِلَى نِيَّةٍ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا أَحْكَامُ الرَّجْعَةِ دَلَّتْ عَلَيْهَا بِلَفْظَيِ الرَّدِّ وَالإْمْسَاكِ. قَالَ تَعَالَى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) وَقَالَ تَعَالَى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ).
ثَانِيًا: الرَّجْعَةُ بِالْفِعْلِ:
- يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْجِمَاعَ وَمُقَدِّمَاتِهِ تَصِحُّ بِهِمَا الرَّجْعَةُ، جَاءَ فِي الْهِدَايَةِ «قَالَ: أَوْ يَطَؤُهَا، أَوْ يَلْمَسُهَا بِشَهْوَةٍ، أَوْ يَنْظُرُ إِلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ، وَهَذَا عِنْدَنَا»، وَقَوْلُهُمْ هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَطَاوُسٌ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّعْبِيُّ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ النَّظَرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ جَسَدِ الزَّوْجَةِ سِوَى الْفَرْجِ رَجْعَةً.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الرَّجْعَةَ تُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةً لِلنِّكَاحِ وَاسْتِمْرَارًا لِجَمِيعِ آثَارِهِ، وَمِنْ آثَارِ النِّكَاحِ حِلُّ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، لِذَلِكَ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ بِالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ؛ لأِنَّ النِّكَاحَ مَا زَالَ مَوْجُودًا إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ.
كَمَا أَنَّ الأْفْعَالَ صَرِيحَهَا وَدَلاَلَتَهَا تَدُلُّ عَلَى نِيَّةِ الْفَاعِلِ، فَإِذَا وَطِئَ الزَّوْجُ مُطَلَّقَتَهُ الرَّجْعِيَّةَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ، أَوْ لاَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ، اعْتُبِرَ هَذَا الْفِعْلُ رَجْعَةً بِالدَّلاَلَةِ، فَكَأَنَّهُ بِوَطْئِهَا قَدْ رَضِيَ أَنْ تَعُودَ إِلَى عِصْمَتِهِ.
وَقَدْ قَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ الْقُبْلَةَ وَالنَّظَرَ إِلَى الْفَرْجِ وَاللَّمْسِ بِالشَّهْوَةِ. أَمَّا إِذَا حَصَلَ لَمْسٌ أَوْ نَظَرٌ إِلَى الْفَرْجِ، أَوْ تَقْبِيلٌ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَلاَ تَتَحَقَّقُ الرَّجْعَةُ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الأَْشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ، إِذَا كَانَتْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَإِنَّهَا تَحْصُلُ مِنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ كَالْمُسَاكِنِينَ لَهَا، أَوِ الْمُتَحَدِّثِينَ مَعَهَا، أَوِ الطَّبِيبِ وَالْقَابِلَةِ (الْمُوَلِّدَةِ) أَمَّا وُجُودُ الشَّهْوَةِ مَعَ هَذِهِ الأَْفْعَالِ فَإِنَّهَا لاَ تَحْصُلُ إِلاَّ مِنَ الزَّوْجِ فَقَطْ.
فَإِذَا صَحَّتِ الرَّجْعَةُ مَعَ هَذِهِ الأَْفْعَالِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ احْتَاجَ الزَّوْجُ إِلَى طَلاَقِهَا، فَتَطُولُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَتَقَعُ الْمَرْأَةُ فِي حَرَجٍ شَدِيدٍ.
وَإِذَا حَدَثَتْ هَذِهِ الأَْشْيَاءُ مِنَ الْمَرْأَةِ كَأَنْ قَبَّلَتْ زَوْجَهَا، أَوْ نَظَرَتْ إِلَيْهِ، أَوْ لَمَسَتْهُ بِشَهْوَةٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ. وَاسْتَدَلاَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ حِلَّ الْمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِيَّةِ قَدْ ثَبَتَ لَهُمَا مَعًا، فَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ مِنْهَا إِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِشَهْوَةٍ، كَمَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ تَثْبُتُ مِنْ جِهَتِهَا، كَأَنْ عَاشَرَتِ ابْنَ زَوْجِهَا أَوْ أَبَاهُ، كَمَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ أَيْضًا، لِذَلِكَ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ مِنْ جِهَتِهَا إِذَا لَمَسَتْهُ أَوْ قَبَّلَتْهُ بِشَهْوَةٍ، أَوْ رَأَتْ فَرْجَهُ بِشَهْوَةٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ مِنْ جِهَتِهَا إِذَا لَمَسَتْهُ أَوْ قَبَّلَتْهُ بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَتْ إِلَى فَرْجِهِ بِشَهْوَةٍ، وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الرَّجْعَةَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ حَتَّى إِنَّهُ يُرَاجِعُهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، وَلَيْسَ لَهَا حَقُّ مُرَاجَعَةِ زَوْجِهَا لاَ بِالْقَوْلِ وَلاَ بِالْفِعْلِ، فَسَوَاءٌ نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا لاَ تَثْبُتُ لَهَا الرَّجْعَةُ.
- وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ صِحَّةَ الرَّجْعَةِ بِالْفِعْلِ كَالْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَ الزَّوْجُ بِهَذِهِ الأْفْعَالِ الرَّجْعَةَ، فَإِذَا قَبَّلَهَا أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ، أَوْ نَظَرَ إِلَى مَوْضِعِ الْجِمَاعِ بِشَهْوَةٍ، أَوْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَنْوِ الرَّجْعَةَ فَلاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِفِعْلِ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ، جَاءَ فِي الْخَرَشِيِّ مَا نَصُّهُ: أَنَّ الرَّجْعَةَ لاَ تَحْصُلُ بِفِعْلٍ مُجَرَّدٍ عَنْ نِيَّةِ الرَّجْعَةِ وَلَوْ بِأَقْوَى الأَْفْعَالِ كَوَطْءٍ وَقُبْلَةٍ وَلَمْسٍ، وَالدُّخُولُ عَلَيْهَا مِنَ الْفِعْلِ فَإِذَا نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ كَفَى.
وَالرَّجْعَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ تَصِحُّ بِالْفِعْلِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ بِوَطْءٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفِعْلُ مَصْحُوبًا بِنِيَّةِ الزَّوْجِ فِي الرَّجْعَةِ أَوْ لاَ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ تُعْتَبَرُ أَجْنَبِيَّةً عَنِ الزَّوْجِ فَلاَ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَالرَّجْعَةُ فِي الْعِدَّةِ تُعْتَبَرُ إِعَادَةً لِعَقْدِ الزَّوَاجِ، وَكَمَا أَنَّ عَقْدَ الزَّوَاجِ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِالْقَوْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، فَكَذَا الرَّجْعَةُ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِالْقَوْلِ الدَّالِّ عَلَيْهَا أَيْضًا، فَلَوْ أَنَّ رَجُلاً وَطِئَ امْرَأَةً قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ فَوَطْؤُهُ حَرَامٌ، فَكَذَا الْمُطَلَّقَةُ الرَّجْعِيَّةُ لَوْ وَطِئَهَا الزَّوْجُ فِي الْعِدَّةِ فَوَطْؤُهُ هَذَا حَرَامٌ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي الأْمِّ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ أَنَّ الرَّجْعَةَ حَقٌّ لِلأَْزْوَاجِ، وَأَنَّ الرَّدَّ ثَابِتٌ لَهُمْ دُونَ رِضَى الْمَرْأَةِ قَالَ: وَالرَّدُّ يَكُونُ بِالْكَلاَمِ دُونَ الْفِعْلِ مِنْ جِمَاعٍ وَغَيْرِهِ؛ لأِنَّهُ رَدٌّ بِلاَ كَلاَمٍ، فَلاَ تَثْبُتُ رَجْعَةٌ لِرَجُلٍ عَلَى امْرَأَتِهِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِالرَّجْعَةِ، كَمَا لاَ يَكُونُ نِكَاحٌ وَلاَ طَلاَقٌ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِهِمَا، فَإِذَا تَكَلَّمَ بِهَا فِي الْعِدَّةِ ثَبَتَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ.
- وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ فِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ بَيْنَ الْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، فَإِنَّ الرَّجْعَةَ عِنْدَهُمْ تَصِحُّ بِالْوَطْءِ وَلاَ تَصِحُّ بِمُقَدِّمَاتِهِ وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ ذَلِكَ:
أَوَّلاً: صِحَّةُ الرَّجْعَةِ بِالْوَطْءِ:
- تَصِحُّ الرَّجْعَةُ عِنْدَهُمْ بِالْوَطْءِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ نَوَى الزَّوْجُ الرَّجْعَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِهَا وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى ذَلِكَ.
وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّ فَتْرَةَ الْعِدَّةِ تُؤَدِّي إِلَى بَيْنُونَةِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّجْعَةِ، فَإِذَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ وَوَطِئَهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَقَدْ عَادَتْ إِلَيْهِ، وَيَكُونُ هَذَا مِثْلَ حُكْمِ الإِْيلاَءِ، فَإِذَا آلَى الزَّوْجُ مِنْ زَوْجَتِهِ ثُمَّ وَطِئَهَا فَقَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الإِْيلاَءِ، فَكَذَا الْحَالُ فِي الرَّجْعَةِ إِذَا وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ فَقَدْ عَادَتْ إِلَيْهِ..
ثُمَّ ذَكَرُوا دَلِيلاً آخَرَ يُؤَكِّدُ صِحَّةَ الرَّجْعَةِ بِالْوَطْءِ، جَاءَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ عَلَى الْمُقْنِعِ «أَنَّ الطَّلاَقَ سَبَبٌ لِزَوَالِ الْمِلْكِ وَمَعَهُ خِيَارٌ، فَتَصَرُّفُ الْمَالِكِ بِالْوَطْءِ يَمْنَعُ عَمَلَهُ كَمَا يَنْقَطِعُ بِهِ التَّوْكِيلُ فِي طَلاَقِهَا»، هَذَا مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَابِلَةُ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ.
ثَانِيًا: مُقَدِّمَاتُ الْوَطْءِ:
- اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ فِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ بِمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ، فَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ أَحْمَدَ عَدَمُ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَوْضِعِ الْجِمَاعِ وَاللَّمْسِ وَالتَّقْبِيلِ بِشَهْوَةٍ، وَحُجَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا يَأْتِي:
- أَنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ إِذَا حَدَثَتْ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ وَلاَ يَجِبُ بِهَا مَهْرٌ فَلاَ تَصِحُّ بِهَا الرَّجْعَةُ.
- أَنَّ النَّظَرَ إِلَى مَوْضِعِ الْجِمَاعِ أَوِ اللَّمْسَ قَدْ يَحْدُثُ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ لِلْحَاجَةِ، فَلاَ تَكُونُ رَجْعَةً مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى هِيَ: تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِفِعْلِ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ لأِنَّهَا لاَ تَخْلُو مِنَ اسْتِمْتَاعٍ يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. وَالرِّوَايَةُ الأُْولَى: هِيَ الْمُعْتَمَدَةُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا أَحْمَدُ رضى الله عنه .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ هَلْ تَصِحُّ مَعَهَا الرَّجْعَةُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْلُ الأَْوَّلُ: تَصِحُّ الرَّجْعَةُ مَعَ الْخَلْوَةِ لأِنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ تَتَقَرَّرُ بِالْخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ بِالإِْضَافَةِ إِلَى إِمْكَانِ الاِسْتِمْتَاعِ فِي الْخَلْوَةِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: لاَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ مَعَ الْخَلْوَةِ لأِنَّ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ فِي حَالَةِ الطَّلاَقِ لاَ يَتَأَتَّى فِيهَا الاِسْتِمْتَاعُ فَلاَ تَصِحُّ مَعَهَا الرَّجْعَةُ.
أَحْكَامُ الرَّجْعَةِ:
الإِْشْهَادُ عَلَى الرَّجْعَةِ:
- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْجَدِيدُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى الرَّجْعَةِ مُسْتَحَبٌّ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنهما ، فَمَنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يُشْهِدْ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ؛ لأِنَّ الإِْشْهَادَ مُسْتَحَبٌّ.
وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا يَأْتِي:
- الرَّجْعَةُ مِثْلُ النِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا امْتِدَادًا لَهُ، وَمِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّكَاحِ لاَ تَلْزَمُهَا شَهَادَةٌ، فَكَذَا الرَّجْعَةُ لاَ تَجِبُ فِيهَا الشَّهَادَةُ.
- الرَّجْعَةُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ وَهِيَ لاَ تَحْتَاجُ لِقَبُولِ الْمَرْأَةِ، لِذَلِكَ لاَ تُشْتَرَطُ الشَّهَادَةُ لِصِحَّتِهَا؛ لأِنَّ الزَّوْجَ قَدِ اسْتَعْمَلَ خَالِصَ حَقِّهِ، وَالْحَقُّ إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَبُولٍ أَوْ وَلِيٍّ فَلاَ تَكُونُ الشَّهَادَةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ.
قَالُوا: وَأَمَّا قوله تعالى : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) هَذَا أَمْرٌ، وَالأَْمْرُ فِي هَذِهِ الآْيَةِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ لاَ عَلَى الْوُجُوبِ، مِثْلَ قوله تعالى : (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) وَاتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ بِلاَ إِشْهَادٍ، فَكَذَا اسْتُحِبَّ الإِْشْهَادُ عَلَى الرَّجْعَةِ لِلأَْمْنِ مِنَ الْجُحُودِ، وَقَطْعِ النِّزَاعِ، وَسَدِّ بَابِ الْخِلاَفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. وَيُلاَحَظُ أَنَّ تَأْكِيدَ الْحَقِّ فِي الْبَيْعِ فِي حَاجَةٍ إِلَى إِشْهَادٍ أَكْثَرَ مِنَ الرَّجْعَةِ؛ لأِنَّ الْبَيْعَ إِنْشَاءٌ لِتَصَرُّفٍ شَرْعِيٍّ، أَمَّا الرَّجْعَةُ فَهِيَ اسْتِدَامَةُ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ إِعَادَتُهَا، فَلَمَّا صَحَّ الْبَيْعُ بِلاَ إِشْهَادٍ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ بِلاَ إِشْهَادٍ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَوْ مَنَعَتْ زَوْجَهَا مِنْ وَطْئِهَا حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى الرَّجْعَةِ كَانَ فِعْلُهَا هَذَا حَسَنًا وَتُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَلاَ تَكُونُ عَاصِيَةً لِزَوْجِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى الرَّجْعَةِ وَاجِبٌ لقوله تعالى : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ). وَبِالأَْثَرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَمَّنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلاَقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ وَقَعَ بِهَا وَلَمْ يُشْهِدْ، فَقَالَ: طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى ذَلِكَ وَلاَ تَعُدْ؛ وَلأِنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِبَاحَةُ بُضْعٍ مُحَرَّمٍ فَيَلْزَمُهُ الإِْشْهَادُ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّ الإِْشْهَادَ عَلَى الرَّجْعَةِ لَيْسَ شَرْطًا وَلاَ وَاجِبًا فِي الأَْظْهَرِ.
إعْلاَمُ الزَّوْجَةِ بِالرَّجْعَةِ:
- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ إِعْلاَمَ الزَّوْجَةِ بِالرَّجْعَةِ مُسْتَحَبٌّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ الَّتِي قَدْ تَنْشَأُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.
قَالَ الْعَيْنِيُّ مَا نَصُّهُ: «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْلِمَهَا» أَيْ يُعْلِمَ الْمَرْأَةَ بِالرَّجْعَةِ، فَرُبَّمَا تَتَزَوَّجُ عَلَى زَعْمِهَا أَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يُرَاجِعْهَا وَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَيَطَؤُهَا الزَّوْجُ، فَكَانَتْ عَاصِيَةً بِتَرْكِ سُؤَالِ زَوْجِهَا وَهُوَ يَكُونُ مُسِيئًا بِتَرْكِ الإِْعْلاَمِ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَوْ لَمْ يُعْلِمْهَا صَحَّتِ الرَّجْعَةُ؛ لأِنَّهَا اسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ الْقَائِمِ وَلَيْسَتْ بِإِنْشَاءٍ، فَكَانَ الزَّوْجُ مُتَصَرِّفًا فِي خَالِصِ حَقِّهِ، وَتَصَرُّفُ الإِْنْسَانِ فِي خَالِصِ حَقِّهِ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْغَيْرِ.
سَفَرُ الزَّوْجِ بِالْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ:
- ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ السَّفَرَ بِمُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ، أَمَّا الْجُمْهُورُ فَلاَ يُجِيزُونَ السَّفَرَ بِهَا؛ لأِنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ وَلأِنَّ الزَّوْجَ مَأْمُورٌ بِعَدَمِ إِخْرَاجِهَا مِنَ الْبَيْتِ فِي الْعِدَّةِ لقوله تعالى : (لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ).
وَلأِنَّ الْعِدَّةَ قَدْ تَنْقَضِي وَهِيَ فِي السَّفَرِ مَعَهُ فَتَكُونُ مَعَ أَجْنَبِيٍّ عَنْهَا وَهَذَا مُحَرَّمٌ، كُلُّ هَذَا إِذَا لَمْ يُرَاجِعْهَا فِي الْعِدَّةِ، أَمَّا إِذَا رَاجَعَهَا فَتُسَافِرُ مَعَهُ لأِنَّهَا زَوْجَةٌ لَهُ.
تَزَيُّنُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَتَشَوُّفُهَا لِزَوْجِهَا:
- الْمُطَلَّقَةُ طَلاَقًا رَجْعِيًّا لَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ لِزَوْجِهَا بِمَا تَفْعَلُهُ النِّسَاءُ لأَِزْوَاجِهِنَّ مِنْ أَوْجُهِ الزِّينَةِ مِنَ اللُّبْسِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْحَنَابِلَةُ: تَتَزَيَّنُ وَتُسْرِفُ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ وَتَتَشَوَّفَ لَهُ. وَالتَّشَوُّفُ وَضْعُ الزِّينَةِ فِي الْوَجْهِ، وَالتَّزَيُّنُ أَعَمُّ مِنَ التَّشَوُّفِ؛ لأِنَّهُ يَشْمَلُ الْوَجْهَ وَغَيْرَهُ.
وَقَدْ أُجِيزَ لِلْمَرْأَةِ فِعْلُ ذَلِكَ لِتَرْغِيبِ الزَّوْجِ فِي الْمُرَاجَعَةِ، فَالتَّزَيُّنُ وَسِيلَةٌ لِلرَّجْعَةِ فَلَعَلَّهُ يَرَاهَا فِي زِينَتِهَا فَتَرُوقُ فِي عَيْنِهِ وَيَنْدَمُ عَلَى طَلاَقِهَا فَيُرَاجِعُهَا.
وَاسْتَدَلُّوا لِجَوَازِ التَّزَيُّنِ بِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ رَجْعِيًّا فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ وَالنِّكَاحُ قَائِمٌ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ كَوْنُهَا فِي الْعِدَّةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَزَيُّنِ الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ لِزَوْجِهَا لأِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنْهُ وَالرَّجْعَةُ إِعَادَةٌ لِلنِّكَاحِ عِنْدَهُمْ.
وَيَتْبَعُ هَذَا الْحُكْمَ أَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ دُخُولُ الزَّوْجِ عَلَيْهَا فِي حُجْرَتِهَا، فَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ لاَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا إِذَا كَانَ لاَ يَنْوِي الرَّجْعَةَ. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مُتَجَرِّدَةً مِنَ الثِّيَابِ فَيَقَعُ نَظَرُهُ عَلَى مَوْضِعِ الْجِمَاعِ فَيَكُونُ مُرَاجِعًا عِنْدَ مَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ رَجْعَةً، أَمَّا إِذَا كَانَ يَنْوِي الْمُرَاجَعَةَ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا؛ لأِنَّ فِي نِيَّتِهِ مُرَاجَعَتَهَا فَكَانَتْ زَوْجَةً لَهُ، وَخُصُوصًا أَنَّ الرَّجْعَةَ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى مُوَافَقَةِ الْمَرْأَةِ. اخْتِلاَفُ الزَّوْجَيْنِ فِي الرَّجْعَةِ:
- إِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ عَلَى مُطَلَّقَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ أَنَّهُ رَاجَعَهَا أَمْسِ أَوْ قَبْلَ شَهْرٍ صُدِّقَ إِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ؛ لأِنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ فَلاَ يَكُونُ مُتَّهَمًا فِي الإِْخْبَارِ، وَلاَ يُصَدَّقُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ لأِنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لاَ يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ، فَإِنِ ادَّعَى بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا فَأَنْكَرَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لأِنَّهُ ادَّعَى مُرَاجَعَتَهَا فِي زَمَنٍ لاَ يَمْلِكُ مُرَاجَعَتَهَا فِيهِ.
وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنَّهُ قَدْ رَاجَعَ مُطَلَّقَتَهُ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ.
قَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَإِذَا قَالَ زَوْجُ الْمُعْتَدَّةِ لَهَا: قَدْ رَاجَعْتُكِ، فَقَالَتْ مُجِيبَةً لَهُ: قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلاَ تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ. وَعِنْدَهُمَا الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ؛ لأِنَّهَا صَادَفَتِ الْعِدَّةَ، فَإِنَّ عِدَّتَهَا بَاقِيَةٌ مَا لَمْ تُخْبِرْ بِالاِنْقِضَاءِ، وَقَدْ سَبَقَتِ الرَّجْعَةُ خَبَرَهَا بِالاِنْقِضَاءِ فَصَحَّتِ الرَّجْعَةُ وَسَقَطَتِ الْعِدَّةُ، فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْ بِالاِنْقِضَاءِ بَعْدَ سُقُوطِ الْعِدَّةِ، وَلَيْسَ لَهَا وِلاَيَةُ الإْخْبَارِ بَعْدَ سُقُوطِ الْعِدَّةِ وَلَوْ سَكَتَتْ سَاعَةً ثُمَّ أَخْبَرَتْ؛ وَلأِنَّهَا صَارَتْ مُتَّهَمَةً فِي الإْخْبَارِ بِالاِنْقِضَاءِ بَعْدَ رَجْعَةِ الزَّوْجِ فَلاَ يُقْبَلُ خَبَرُهَا، كَمَا لَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ عَزَلْتُكَ، فَقَالَ الْوَكِيلُ كُنْتُ بِعْتُهُ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الرَّجْعَةُ صَادَفَتْ حَالَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلاَ تَصِحُّ؛ لأِنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ لَيْسَ بِعِدَّةٍ مُطْلَقًا وَشَرْطُ الرَّجْعَةِ أَنْ تَكُونَ فِي عِدَّةٍ مُطْلَقَةٍ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والعشرون ، الصفحة / 199
رَاجِعِ التَّفَاصِيلَ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاحٌ، مَهْرٌ، صَدَاقٌ).
الشَّكُّ فِي الطَّلاَقِ:
شَكُّ الزَّوْجِ فِي الطَّلاَقِ لاَ يَخْلُو مِنْ ثَلاَثِ حَالاَتٍ:
الْحَالَةُ الأْولَى: أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ فِي وُقُوعِ أَصْلِ التَّطْلِيقِ، أَيْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَهَا أَمْ لاَ؟ فَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِإِجْمَاعِ الأْمَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ النِّكَاحَ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ فَلاَ يَزُولُ بِالشَّكِّ لقوله تعالى : (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ).
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقَعَ الشَّكُّ فِي عَدَدِ الطَّلاَقِ - مَعَ تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ - هَلْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا؟ لَمْ تَحِلَّ لَهُ - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ - إِلاَّ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ لاِحْتِمَالِ كَوْنِهِ ثَلاَثًا عَمَلاً بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ» وَيُحْكَمُ بِالأَْقَلِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، فَإِذَا رَاجَعَهَا حَلَّتْ لَهُ عَلَى رَأْيِ هَؤُلاَءِ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقَعَ الشَّكُّ فِي صِفَةِ الطَّلاَقِ كَأَنْ يَتَرَدَّدَ مَثَلاً فِي كَوْنِهَا بَائِنَةً أَوْ رَجْعِيَّةً، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُحْكَمُ بِالرَّجْعِيَّةِ لأَِنَّهَا أَضْعَفُ الطَّلاَقَيْنِ فَكَانَ مُتَيَقِّنًا بِهَا.
وَذَكَرَ الْكَاسَانِيُّ - فِي هَذَا الْمَعْنَى - أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَقْبَحَ طَلاَقٍ فَهُوَ رَجْعِيٌّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لأَِنَّ قَوْلَهُ: أَقْبَحَ طَلاَقٍ يَحْتَمِلُ الْقُبْحَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ الْكَرَاهِيَةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَيَحْتَمِلُ الْقُبْحَ الطَّبِيعِيَّ وَهُوَ الْكَرَاهِيَةُ الطَّبِيعِيَّةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا
فِي وَقْتٍ يُكْرَهُ الطَّلاَقُ فِيهِ طَبْعًا، فَلاَ تَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ فِيهِ بِالشَّكِّ، وَهُوَ بَائِنٌ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ لأَِنَّ الْمُطَلِّقَ قَدْ وَصَفَ الطَّلاَقَ بِالْقُبْحِ، وَالطَّلاَقُ الْقَبِيحُ هُوَ الطَّلاَقُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ الْبَائِنُ، وَلِذَلِكَ يَقَعُ بَائِنًا.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والعشرون ، الصفحة / 5
طَلاَقٌ
التَّعْرِيفُ:
- الطَّلاَقُ فِي اللُّغَةِ: الْحَلُّ وَرَفْعُ الْقَيْدِ، وَهُوَ اسْمٌ مَصْدَرُهُ التَّطْلِيقُ، وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ: طَلُقَتِ الْمَرْأَةُ تَطْلُقُ فَهِيَ طَالِقٌ بِدُونِ هَاءٍ، وَرُوِيَ بِالْهَاءِ (طَالِقَةٌ) إِذَا بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا، وَيُرَادِفُهُ الإِْطْلاَقُ، يُقَالُ: طَلَّقْتُ وَأَطْلَقْتُ بِمَعْنَى سَرَّحْتُ، وَقِيلَ: الطَّلاَقُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا طَلُقَتْ، وَالإِْطْلاَقُ لِغَيْرِهَا إِذَا سُرِّحَ، فَيُقَالُ: طَلَّقْتُ الْمَرْأَةَ، وَأَطْلَقْتُ الأَْسِيرَ، وَقَدِ اعْتَمَدَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الْفَرْقَ، فَقَالُوا: بِلَفْظِ الطَّلاَقِ يَكُونُ صَرِيحًا، وَبِلَفْظِ الإِْطْلاَقِ يَكُونُ كِنَايَةً.
وَجَمْعُ طَالِقٍ طُلَّقٌ، وَطَالِقَةٌ تُجْمَعُ عَلَى طَوَالِقَ، وَإِذَا أَكْثَرَ الزَّوْجُ الطَّلاَقَ كَانَ مِطْلاَقًا وَمِطْلِيقًا، وَطَلِقَةً. وَالطَّلاَقُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ أَوِ الْمَآلِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَالْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ هُنَا: النِّكَاحُ الصَّحِيحُ خَاصَّةً، فَلَوْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَصِحَّ فِيهِ الطَّلاَقُ، وَلَكِنْ يَكُونُ مُتَارَكَةً أَوْ فَسْخًا.
وَالأَْصْلُ فِي الطَّلاَقِ أَنَّهُ مِلْكُ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَقَدْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ بِإِنَابَتِهِ، كَمَا فِي الْوَكَالَةِ وَالتَّفْوِيضِ، أَوْ بِدُونِ إِنَابَةٍ، كَالْقَاضِي فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ، قَالَ الشِّرْبِينِيُّ فِي تَعْرِيفِ الطَّلاَقِ نَقْلاً عَنِ التَّهْذِيبِ: تَصَرُّفٌ مَمْلُوكٌ لِلزَّوْجِ يُحْدِثُهُ بِلاَ سَبَبٍ، فَيَقْطَعُ النِّكَاحَ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْفَسْخُ:
- الْفَسْخُ فِي اللُّغَةِ: النَّقْضُ وَالإِْزَالَةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَلُّ رَابِطَةِ الْعَقْدِ وَبِهِ تَنْهَدِمُ آثَارُ الْعَقْدِ وَأَحْكَامُهُ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ.
وَبِهَذَا يُقَارِبُ الطَّلاَقَ، إِلاَّ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّ الْفَسْخَ نَقْضٌ لِلْعَقْدِ الْمُنْشِئِ لِهَذِهِ الآْثَارِ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَلاَ يَنْقُضُ الْعَقْدَ، وَلَكِنْ يُنْهِي آثَارَهُ فَقَطْ.
الْمُتَارَكَةُ:
- الْمُتَارَكَةُ فِي اللُّغَةِ: الرَّحِيلُ وَالْمُفَارَقَةُ مُطْلَقًا، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ لِلإِْسْقَاطِ فِي الْمَعَانِي، يُقَالُ: تَرَكَ حَقَّهُ إِذَا أَسْقَطَهُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَرْكُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالتَّرْكُ بَعْدَ الدُّخُولِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْقَوْلِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، كَقَوْلِهِ لَهَا: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، أَوْ تَرَكْتُكِ، وَكَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الأْصَحِّ .
وَالْمُتَارَكَةُ تُوَافِقُ الطَّلاَقَ مِنْ وَجْهٍ وَتُخَالِفُهُ مِنْ وَجْهٍ، تُوَافِقُهُ فِي حَقِّ إِنْهَاءِ آثَارِ النِّكَاحِ، وَفِي أَنَّهَا حَقُّ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَتُخَالِفُهُ فِي أَنَّهَا لاَ تُحْسَبُ عَلَيْهِ وَاحِدَةً، وَأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَمَخْصُوصٌ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ.
الْخُلْعُ:
- الْخُلْعُ فِي اللُّغَةِ: النَّزْعُ، وَخَالَعَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مُخَالَعَةً وَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ إِذَا افْتَدَتْ مِنْهُ وَطَلَّقَهَا عَلَى الْفِدْيَةِ، وَالْمَصْدَرُ الْخَلْعُ، وَالْخُلْعُ اسْمٌ.
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: إِزَالَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْخُلْعِ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مُقَابِلَ عِوَضٍ تَلْتَزِمُ بِهِ الزَّوْجَةُ أَوْ غَيْرُهَا لِلزَّوْجِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُفْتَى بِهِ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلاَقٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَشْهَرِ مَا يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ فَسْخٌ.
التَّفْرِيقُ:
التَّفْرِيقُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ فَرَّقَ، وَفِعْلُهُ الثُّلاَثِيُّ فَرَقَ، يُقَالُ: فَرَقْتُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، أَيْ فَصَلْتُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ فِي الْمَعَانِي بِالتَّخْفِيفِ، يُقَالُ: فَرَقْتُ بَيْنَ الْكَلاَمَيْنِ، وَبِالتَّشْدِيدِ فِي الأَْعْيَانِ، يُقَالُ: فَرَّقْتُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ وَالْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالتَّشْدِيدُ لِلْمُبَالَغَةِ. وَالتَّفْرِيقُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: إِنْهَاءُ الْعَلاَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِحُكْمِ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى طَلَبِ أَحَدِهِمَا لِسَبَبٍ، كَالشِّقَاقِ وَالضَّرَرِ وَعَدَمِ الإِْنْفَاقِ.. أَوْ بِدُونِ طَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ حِفْظًا لِحَقِّ الشَّرْعِ، كَمَا إِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ.
وَمَا يَقَعُ بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي: طَلاَقٌ بَائِنٌ فِي أَحْوَالٍ، وَفَسْخٌ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى، وَهُوَ طَلاَقٌ رَجْعِيٌّ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ.
الإِْيلاَءُ:
- الإِْيلاَءُ فِي اللُّغَةِ الْحَلِفُ، مِنْ آلَى يُؤْلِي إِيلاَءً، يُجْمَعُ عَلَى أَلاَيَا. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَلِفُ الزَّوْجِ عَلَى تَرْكِ قُرْبِ زَوْجَتِهِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً. وَقَدْ حَدَّدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي قوله تعالى :( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فَإِذَا انْقَضَتِ الأْشْهُرُ الأْرْبَعَةُ بِغَيْرِ قُرْبٍ مِنْهُ لَهَا طَلُقَتْ مِنْهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتَحَقَّتِ الطَّلاَقَ مِنْهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، حَيْثُ تَرْفَعُهُ الزَّوْجَةُ لِلْقَاضِي لِيُخَيِّرَهُ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْفِرَاقِ، فَإِنْ قَرِبَهَا انْحَلَّ الإْيلاَءُ، وَإِنْ رَفَضَ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ.
اللِّعَانُ:
- اللَّعْنُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرْدُ وَالإِْبْعَادُ مِنَ الْخَيْرِ، وَالْمِسَبَّةُ، يُقَالُ: لَعَنَهُ لَعْنًا، وَلاَعَنَهُ مُلاَعَنَةً، وَلِعَانًا، وَتَلاَعَنُوا، إِذَا لَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: عَرَّفَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ: بِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الشَّهَادَاتِ بِالأَْلْفَاظِ الْمَعْرُوفَةِ. وَقَدْ سُمِّيَ بِاللِّعَانِ لِمَا فِي قَوْلِ الزَّوْجِ فِي الأَْيْمَانِ: إِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَذَلِكَ وَفْقًا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ) وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ).
وَالتَّحْرِيمُ بَعْدَ اللِّعَانِ بَيْنَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ يَكُونُ عَلَى التَّأْبِيدِ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ كَذَلِكَ.
الظِّهَارُ:
- الظِّهَارُ قَوْلُ الرَّجُلِ لاِمْرَأَتِهِ: «أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي»، وَكَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ ضَرْبًا مِنَ الطَّلاَقِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَشْبِيهُ الْمُسْلِمِ زَوْجَتَهُ أَوْ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ، بِخِلاَفِ زَوْجَةِ الْغَيْرِ، فَإِنَّ حُرْمَتَهَا مُؤَقَّتَةٌ، وَيُسَمَّى الظِّهَارُ بِذَلِكَ لِمَا غَلَبَ عَلَى الْمُظَاهِرَيْنِ مِنَ التَّشْبِيهِ بِظَهْرِ الْمُحَرَّمِ، كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: «أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي» وَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالتَّشْبِيهِ بِالظَّهْرِ.
وَلاَ تَفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الظِّهَارِ، وَلَكِنْ يَحْرُمُ بِهِ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ حَتَّى يُكَفِّرَ الْمُظَاهِرُ، فَإِنْ كَفَّرَ حَلَّتْ لَهُ زَوْجَتُهُ بِالْعَقْدِ الأْوَّلِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلطَّلاَقِ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلاَقِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ، مِنْهَا:
- قوله تعالى :( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ).
- قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).
- قَوْلُ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاَقِ».
- حَدِيثُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا».
- حَدِيثُ «ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي حَيْضِهَا، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِارْتِجَاعِهَا ثُمَّ طَلاَقِهَا بَعْدَ طُهْرِهَا، إِنْ شَاءَ».
- إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ - لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ الأْصْلِيِّ لِلطَّلاَقِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الأْصْلَ فِي الطَّلاَقِ الإِبَاحَةُ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْهَا فِي أَحْوَالٍ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الأْصْلَ فِيهِ الْحَظْرُ، وَيَخْرُجُ عَنِ الْحَظْرِ فِي أَحْوَالٍ. وَعَلَى كُلٍّ فَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعْتَرِيهِ الأْحْكَامُ؛ فَيَكُونُ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ وَاجِبًا، كَمَا يَكُون مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا وَذَلِكَ بِحَسَبِ الظُّرُوفِ وَالأَْحْوَالِ الَّتِي تُرَافِقُهُ، بِحَسَبِ مَا يَلِي: -
- فَيَكُونُ وَاجِبًا كَالْمُولِي إِذَا أَبَى الْفَيْئَةَ إِلَى زَوْجَتِهِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ، عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنَّهُمْ يُوقِعُونَ الْفُرْقَةَ بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ حُكْمًا، وَكَطَلاَقِ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَرَأَيَا الطَّلاَقَ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالتَّفْرِيقِ لِذَلِكَ.
- وَيَكُونُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ إِذَا فَرَّطَتِ الزَّوْجَةُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا - مِثْلِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا - وَكَذَلِكَ يُنْدَبُ الطَّلاَقُ لِلزَّوْجِ إِذَا طَلَبَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ لِلشِّقَاقِ.
- وَيَكُونُ مُبَاحًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِدَفْعِ سُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ وَسُوءِ عِشْرَتِهَا، أَوْ لأِنَّهُ لاَ يُحِبُّهَا.
- وَيَكُونُ مَكْرُوهًا إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مِنْ دَاعٍ إِلَيْهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: هُوَ حَرَامٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإْضْرَارِ بِالزَّوْجَةِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ إِلَيْهِ.
- وَيَكُونُ حَرَامًا وَهُوَ الطَّلاَقُ فِي الْحَيْضِ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، وَهُوَ الطَّلاَقُ الْبِدْعِيُّ، وَسَوْفَ يَأْتِي بَيَانُهُ. قَالَ الدَّرْدِيرُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّلاَقَ مِنْ حَيْثُ هُوَ جَائِزٌ، وَقَدْ تَعْتَرِيهِ الأْحْكَامُ الأْرْبَعَةُ: مِنْ حُرْمَةٍ وَكَرَاهَةٍ، وَوُجُوبٍ وَنَدْبٍ.
حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الطَّلاَقِ:
- لَقَدْ نَبَّهَ الإْسْلاَمُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ إِلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ الشَّرِيكِ وَالشَّرِيكَةِ فِي الزَّوَاجِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ وَانْكِحُوا الأَْكْفَاءَ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ». وَقَالَ: «لاَ تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلاَ تَزَوَّجُوهُنَّ لأَِمْوَالِهِنَّ فَلَعَلَّ أَمْوَالَهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأََمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ، أَفْضَلُ» وَقَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَِرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» «وَقَالَ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عِنْدَمَا خَطَبَ امْرَأَةً: انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا».
وَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأْمَمَ»، وَقَالَ لأِوْلِيَاءِ النِّسَاءِ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأْرْضِ وَفَسَادٌ».
إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ - عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ - قَدْ لاَ يَضْمَنُ اسْتِمْرَارَ السَّعَادَةِ وَالاِسْتِقْرَارِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَرُبَّمَا قَصَّرَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي الأْخْذِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَرُبَّمَا أَخَذَا بِهِ، وَلَكِنْ جَدَّ فِي حَيَاةِ الزَّوْجَيْنِ الْهَانِئَيْنِ مَا يُثِيرُ بَيْنَهُمَا الْقَلاَقِلَ وَالشِّقَاقَ، كَمَرَضِ أَحَدِهِمَا أَوْ عَجْزِهِ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَنَاصِرَ خَارِجَةٍ عَنِ الزَّوْجَيْنِ أَصْلاً، كَالأَْهْلِ وَالْجِيرَانِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ انْصِرَافَ الْقَلْبِ وَتَغَيُّرَهُ، فَيُبْدَأُ بِنُصْحِ الزَّوْجَيْنِ وَإِرْشَادِهِمَا إِلَى الصَّبْرِ وَالاِحْتِمَالِ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَ التَّقْصِيرُ مِنَ الزَّوْجَةِ، قَالَ تَعَالَى: ) وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).
إِلاَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الصَّبْرِ قَدْ لاَ يَتَيَسَّرُ لِلزَّوْجَيْنِ أَوْ لاَ يَسْتَطِيعَانِهِ، فَرُبَّمَا كَانَتْ أَسْبَابُ الشِّقَاقِ فَوْقَ الاِحْتِمَالِ، أَوْ كَانَا فِي حَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ لاَ تُسَاعِدُهُمَا عَلَى الصَّبْرِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالِ: إِمَّا أَنْ يَأْمُرَ الشَّرْعُ بِالإِْبْقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ مَعَ اسْتِمْرَارِ الشِّقَاقِ الَّذِي قَدْ يَتَضَاعَفُ وَيُنْتَجُ عَنْهُ فِتْنَةٌ، أَوْ جَرِيمَةٌ، أَوْ تَقْصِيرٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ عَلَى الأَْقَلِّ تَفْوِيتُ الْحِكْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَ النِّكَاحُ، وَهِيَ الْمَوَدَّةُ وَالأْلْفَةُ وَالنَّسْلُ الصَّالِحُ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنَ بِالطَّلاَقِ وَالْفِرَاقِ، وَهُوَ مَا اتَّجَهَ إِلَيْهِ التَّشْرِيعُ الإْسْلاَمِيُّ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الطَّلاَقَ قَدْ يَتَمَحَّضُ طَرِيقًا لإِِنْهَاءِ الشِّقَاقِ وَالْخِلاَفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ لِيَسْتَأْنِفَ الزَّوْجَانِ بَعْدَهُ حَيَاتَهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ أَوْ مُرْتَبِطَيْنِ بِرَوَابِطَ زَوْجِيَّةٍ أُخْرَى، حَيْثُ يَجِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَنْ يَأْلَفُهُ وَيَحْتَمِلُهُ، قَالَ تَعَالَى: ) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا)
وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: بِوُجُوبِ الطَّلاَقِ فِي أَحْوَالٍ، وَبِنَدْبِهِ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى - كَمَا تَقَدَّمَ - عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ تَقْدِيمًا لِلضَّرَرِ الأْخَفِّ عَلَى الضَّرَرِ الأْشَدِّ، وَفْقًا لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ «يُخْتَارُ أَهْوَنُ الشَّرَّيْنِ». وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ الْقَائِلَةُ: «الضَّرَرُ الأْشَدُّ يُزَالُ بِالضَّرَرِ الأَْخَفِّ» وَيُسْتَأْنَسُ فِي ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ زَوْجَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ، وَلَكِنَّنِي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإْسْلاَمِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً».
مَنْ لَهُ حَقُّ الطَّلاَقِ:
- الطَّلاَقُ: نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَرْقِ وَهُوَ مِلْكٌ لِلزَّوْجِ وَحْدَهُ، ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَمْلِكُ مُفَارَقَةَ زَوْجَتِهِ إِذَا وَجَدَ مَا يَدْعُوهُ إِلَى ذَلِكَ بِعِبَارَتِهِ وَإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ، كَمَا تَمْلِكُ الزَّوْجَةُ طَلَبَ إِنْهَاءِ عَلاَقَتِهَا الزَّوْجِيَّةِ إِذَا وُجِدَ مَا يُبَرِّرُ ذَلِكَ، كَإِعْسَارِ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ، وَغَيْبَةِ الزَّوْجِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابٍ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا تَوْسِعَةً وَتَضْيِيقًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ بِعِبَارَتِهَا، وَإِنَّمَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، إِلاَّ أَنْ يُفَوِّضَهَا الزَّوْجُ بِالطَّلاَقِ، فَإِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ تَمْلِكُهُ بِقَوْلِهَا أَيْضًا.
فَإِذَا اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى الْفِرَاقِ، جَازَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَتِمُّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى قَضَاءٍ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي، فَإِنَّ لَهُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الأَْسْبَابِ مَا يَدْعُوهُ لِذَلِكَ، حِمَايَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا فِي رِدَّةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - أَوْ إِسْلاَمِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمَجُوسِيَّيْنِ وَامْتِنَاعِ الآْخَرِ عَنِ الإِْسْلاَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.. إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لاَ يُسَمَّى طَلاَقًا سِوَى الأْوَّلِ الَّذِي يَكُونُ بِإِرَادَةِ الزَّوْجِ الْخَاصَّةِ وَعِبَارَتِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الطَّلاَقَ هَذَا حَقُّ الزَّوْجِ خَاصَّةً قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الطَّلاَقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ».
ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الْمُطَلِّقَ لاَ يُسْأَلُ عَنْ سَبَبِ الطَّلاَقِ عِنْدَ إِقْدَامِهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأِسْبَابٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا:
- حِفْظُ أَسْرَارِ الأْسْرَةِ.
- حِفْظُ كَرَامَةِ الزَّوْجَةِ وَسُمْعَتِهَا.
- الْعَجْزُ عَنْ إِثْبَاتِ الْكَثِيرِ مِنْ تِلْكَ الأَْسْبَابِ؛ لأِنَّ غَالِبَ أَسْبَابِ الشِّقَاقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَكُونُ خَفِيَّةً يَصْعُبُ إِثْبَاتُهَا، فَإِذَا كَلَّفْنَاهُ بِذَلِكَ نَكُونُ قَدْ كَلَّفْنَاهُ بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَوْ يُحْرِجُهُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، لقوله تعالى: ) وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
- ثُمَّ إِنَّ فِي إِقْدَامِ الزَّوْجِ عَلَى الطَّلاَقِ وَتَحَمُّلِهِ الأَْعْبَاءَ الْمَالِيَّةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَيْهِ، مِنْ مَهْرٍ مُؤَجَّلٍ، وَنَفَقَةٍ وَمُتْعَةٍ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا - وَأُجْرَةِ حَضَانَةٍ لِلأَْوْلاَدِ.. لَقَرِينَةٌ كَافِيَةٌ عَلَى قِيَامِ أَسْبَابٍ مَشْرُوعَةٍ تَدْعُوهُ لِلطَّلاَقِ.
- وَلِكَوْنِ الطَّلاَقِ مُبَاحًا أَصْلاً عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ، إِبَاحَةً مُطْلَقَةً عَنْ أَيِّ شَرْطٍ أَوْ قَيْدٍ.
مَحَلُّ الطَّلاَقِ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الطَّلاَقِ الزَّوْجَةُ فِي زَوْجِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، حَصَلَ فِيهَا دُخُولٌ أَمْ لاَ، فَلَوْ كَانَ الزَّوَاجُ بَاطِلاً أَوْ فَاسِدًا، فَطَلَّقَهَا، لَمْ تَطْلُقْ، لأِنَّ الطَّلاَقَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ خَاصَّةً.
وَهَلْ يُعَدُّ لَفْظُ الطَّلاَقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مُتَارَكَةً؟ وَالْجَوَابُ: نَعَمْ، لَكِنْ لاَ يَنْقُصُ بِهِ الْعَدَدُ، لأِنَّهُ لَيْسَ طَلاَقًا، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: طَلَّقَ الْمَنْكُوحَةَ فَاسِدًا ثَلاَثًا، لَهُ تَزَوُّجُهَا بِلاَ مُحَلِّلٍ.. لِكَوْنِ الطَّلاَقِ لاَ يَتَحَقَّقُ فِي الْفَاسِدِ، وَلِذَا كَانَ غَيْرَ مُنْقِصٍ لِلْعَدَدِ، بَلْ مُتَارَكَةً.
وَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ بَعْدَ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، لاِنْعِدَامِ الزَّوْجِيَّةِ أَصْلاً.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى وُقُوعِ الطَّلاَقِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ، حَتَّى لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ لَهَا فِي عِدَّتِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، ثَانِيَةً، كَانَتَا طَلْقَتَيْنِ، مَا لَمْ يُرِدْ تَأْكِيدَ الأُْولَى، فَإِنْ أَرَادَ تَأْكِيدَ الأُْولَى لَمْ تَقَعِ الثَّانِيَةُ، مَا لَمْ تَكُنْ قَرَائِنُ الْحَالِ تَمْنَعُ صِحَّةَ إِرَادَةِ التَّأْكِيدِ، وَذَلِكَ لأِنَّ الطَّلاَقَ الرَّجْعِيَّ لاَ يُنْهِي الْعَلاَقَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، بِدَلاَلَةِ جَوَازِ رُجُوعِهِ إِلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ بِالْعَقْدِ الأْوَّلِ دُونَ عَقْدٍ جَدِيدٍ.
أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ بَائِنًا وَالْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا إِذَا طَلَّقَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاَقِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْبَيْنُونَةُ صُغْرَى أَمْ كُبْرَى، وَكَذَلِكَ الْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا، وَذَلِكَ لاِنْقِضَاءِ النِّكَاحِ بِالْبَيْنُونَةِ وَالْفَسْخِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُبَانَةَ بَيْنُونَةً صُغْرَى فِي عِدَّتِهَا زَوْجَةٌ مِنْ وَجْهٍ بِدَلاَلَةِ جَوَازِ عَوْدِهَا إِلَى زَوْجِهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ، وَلاَ يَجُوزُ زَوَاجُهَا مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهَا مَحَلٌّ لِصِحَّةِ الطَّلاَقِ عِنْدَهُمْ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ طَلَّقَ رَجُلٌ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا بَائِنًا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا أُخْرَى فِي عِدَّتِهَا كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، هَذَا مَا لَمْ يَقْصِدْ تَأْكِيدَ الأُْولَى، فَإِنْ قَصَدَ تَأْكِيدَ الأُْولَى لَمْ تَقَعِ الثَّانِيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ.
وَأَمَّا الْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا فَلَمْ يَرَ الْحَنَفِيَّةُ وُقُوعَ الطَّلاَقِ فِي عِدَّتِهَا إِذَا كَانَ سَبَبُ الْفَسْخِ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، كَتَقْبِيلِهَا ابْنَ زَوْجِهَا بِشَهْوَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْحُرْمَةُ غَيْرَ مُؤَبَّدَةٍ كَانَتْ مَحَلًّا لِلطَّلاَقِ فِي أَحْوَالٍ، وَغَيْرَ مَحَلٍّ لَهُ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ فَقَالَ: وَمَحَلُّهُ الْمَنْكُوحَةُ، أَيْ وَلَوْ مُعْتَدَّةً عَنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ أَوْ بَائِنٍ غَيْرِ ثَلاَثٍ فِي حُرَّةٍ وَثِنْتَيْنِ فِي أَمَةٍ، أَوْ عَنْ فَسْخٍ بِتَفْرِيقٍ لإِِبَاءِ أَحَدِهِمَا عَنِ الإِْسْلاَمِ أَوْ بِارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا.. بِخِلاَفِ عِدَّةِ الْفَسْخِ بِحُرْمَةٍ مُؤَبَّدَةٍ كَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ، أَوْ غَيْرِ مُؤَبَّدَةٍ، كَالْفَسْخِ بِخِيَارِ عِتْقٍ، وَبُلُوغٍ، وَعَدَمِ كَفَاءَةٍ، وَنُقْصَانِ مَهْرٍ، وَسَبْيِ أَحَدِهِمَا، وَمُهَاجَرَتِهِ، فَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ فِيهَا كَمَا حَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْفَتْحِ.
رُكْنُ الطَّلاَقِ:
- رُكْنُ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الصِّيغَةُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهُ. أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: فَإِنَّهُمْ يَتَوَسَّعُونَ فِي مَعْنَى الرُّكْنِ، وَيُدْخِلُونَ فِيهِ مَا يُسَمِّيهِ الْحَنَفِيَّةُ أَطْرَافَ التَّصَرُّفِ. وَالطَّلاَقُ بِالاِتِّفَاقِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ، فَرُكْنُ الطَّلاَقِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ: الصِّيغَةُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لِلطَّلاَقِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، هِيَ: أَهْلٌ، وَقَصْدٌ، وَمَحَلٌّ، وَلَفْظٌ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَرْكَانٌ خَمْسَةٌ: مُطَلِّقٌ، وَصِيغَةٌ، وَمَحَلٌّ، وَوِلاَيَةٌ، وَقَصْدٌ. وَالأَْصْلُ فِي الصِّيغَةِ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الطَّلاَقِ الْكَلاَمُ، وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ الْكِتَابَةُ أَوِ الإِْشَارَةُ، وَلاَ يَنْعَقِدُ الطَّلاَقُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ نَوَى الطَّلاَقَ دُونَ لَفْظٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ لَمْ يَكُنْ مُطَلِّقًا، وَكَذَلِكَ إِذَا أَمَرَ زَوْجَتَهُ بِحَلْقِ شَعْرِهَا بِقَصْدِ الطَّلاَقِ، لاَ يَكُونُ مُطَلِّقًا أَيْضًا.
شُرُوطُ الطَّلاَقِ:
- يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الطَّلاَقِ لَدَى الْفُقَهَاءِ شُرُوطٌ مُوَزَّعَةٌ عَلَى أَطْرَافِ الطَّلاَقِ الثَّلاَثَةِ، فَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُطَلِّقِ، وَبَعْضُهَا بِالْمُطَلَّقَةِ، وَبَعْضُهَا بِالصِّيغَةِ، وَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُطَلِّقِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمُطَلِّقِ لِيَقَعَ طَلاَقُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ صَحِيحًا شُرُوطٌ، هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ - أَنْ يَكُونَ زَوْجًا:
- وَالزَّوْجُ: هُوَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ عَقْدُ زَوَاجٍ صَحِيحٍ.
الشَّرْطُ الثَّانِي - الْبُلُوغُ:
- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِ الصَّغِيرِ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، مُرَاهِقًا أَوْ غَيْرَ مُرَاهِقٍ، أُذِنَ لَهُ بِذَلِكَ أَمْ لاَ، أُجِيزَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْوَلِيِّ أَمْ لاَ، عَلَى سَوَاءٍ، ذَلِكَ لأِنَّ الطَّلاَقَ ضَرَرٌ مَحْضٌ، فَلاَ يَمْلِكُهُ الصَّغِيرُ وَلاَ يَمْلِكُهُ وَلِيُّهُ وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».
وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الطَّلاَقَ، فَقَالُوا: إِنَّ طَلاَقَهُ وَاقِعٌ عَلَى أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ. أَمَّا مَنْ لاَ يَعْقِلُ فَوَافَقُوا الْجُمْهُورَ فِي أَنَّهُ لاَ يَقَعُ طَلاَقُهُ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لاَ يَعْقِلُ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ لاَ طَلاَقَ لَهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَعْقِلُ الطَّلاَقَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَبِينُ مِنْهُ بِهِ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ: فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ طَلاَقَهُ يَقَعُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْخِرَقِيُّ وَابْنُ حَامِدٍ.. وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يَجُوزُ طَلاَقُهُ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ.. وَرَوَى أَبُو الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا عَقَلَ الطَّلاَقَ جَازَ طَلاَقُهُ مَا بَيْنَ عَشْرٍ إِلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَقَعُ لِدُونِ الْعَشْرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، لأِنَّ الْعَشْرَ حَدُّ الضَّرْبِ عَلَى الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: إِذَا أَحْصَى الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ جَازَ طَلاَقُهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا بَلَغَ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ وَعَنِ الْحَسَنِ: إِذَا عَقَلَ وَحَفِظَ الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِذَا جَاوَزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ - الْعَقْلُ:
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ طَلاَقِ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ لِفِقْدَانِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ فِي الأْوَّلِ، وَنُقْصَانِهَا فِي الثَّانِي، فَأَلْحَقُوهُمَا بِالصَّغِيرِ غَيْرِ الْبَالِغِ، فَلَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الأَْدِلَّةِ.
وَهَذَا فِي الْجُنُونِ الدَّائِمِ الْمُطْبِقِ، أَمَّا الْجُنُونُ الْمُتَقَطِّعُ فَإِنَّ حُكْمَ طَلاَقِ الْمُبْتَلَى بِهِ مَنُوطٌ بِحَالِهِ عِنْدَ الطَّلاَقِ، فَإِنْ طَلَّقَ وَهُوَ مَجْنُونٌ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ طَلَّقَ فِي إِفَاقَتِهِ وَقَعَ لِكَمَالِ أَهْلِيَّتِهِ. وَقَدْ أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِالْمَجْنُونِ النَّائِمَ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمُبَرْسَمَ وَالْمَدْهُوشَ، وَذَلِكَ لاِنْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ لَدَيْهِمْ وَلِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ...» وَحَدِيثِ: «لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ».
وَأَمَّا السَّكْرَانُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِسُكْرِهِ، كَمَا إِذَا سَكِرَ مُضْطَرًّا، أَوْ مُكْرَهًا أَوْ بِقَصْدِ الْعِلاَجِ الضَّرُورِيِّ إِذَا تَعَيَّنَ بِقَوْلِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، لَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُ بِالاِتِّفَاقِ، لِفِقْدَانِ الْعَقْلِ لَدَيْهِ كَالْمَجْنُونِ دُونَ تَعَدٍّ، هَذَا إِذَا غَابَ عَقْلُهُ أَوِ اخْتَلَّتْ تَصَرُّفَاتُهُ، وَإِلاَّ وَقَعَ طَلاَقُهُ.
وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِسُكْرِهِ، كَأَنْ شَرِبَ الْخَمْرَةَ طَائِعًا بِدُونِ حَاجَةٍ، وَقَعَ طَلاَقُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ رَغْمَ غِيَابِ عَقْلِهِ بِالسُّكْرِ، وَذَلِكَ عِقَابًا لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ: الأُْولَى: بِوُقُوعِ طَلاَقِهِ كَالْجُمْهُورِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلاَّلُ وَالْقَاضِي. وَالثَّانِيَةُ: بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِهِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ - رضي الله تعالى عنه - وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمِ، وَطَاوُسٍ، وَرَبِيعَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدِ اسْتُدِلَّ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوا السَّكْرَانَ كَالصَّاحِي فِي الْحَدِّ بِالْقَذْفِ.
كَمَا اسْتُدِلَّ لِعَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِهِ بِأَنَّهُ فَاقِدُ الْعَقْلِ كَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ، وَبِأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ زَوَالِ الْعَقْلِ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كُسِرَ سَاقَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، وَأَنَّ امْرَأَةً لَوْ ضَرَبَتْ بَطْنَ نَفْسِهَا فَنَفِسَتْ، سَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلاَةُ.
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُطَلَّقَةِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمُطَلَّقَةِ لِيَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا شُرُوطٌ، هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: قِيَامُ الزَّوْجِيَّةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا:
- وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْمُطَلَّقَةُ زَوْجَةً لِلْمُطَلِّقِ، أَوْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلاَقِهِ الرَّجْعِيِّ، فَإِذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ أَوْ فَسْخٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الاِخْتِلاَفُ فِيهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مَحَلِّ الطَّلاَقِ.
هَذَا فِي الطَّلاَقِ الْمُنَجَّزِ، فَإِذَا عَلَّقَ طَلاَقَهَا بِشَرْطٍ، كَأَنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ التَّعْلِيقِ زَوْجَةً صَحَّ الطَّلاَقُ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً عِنْدَ التَّعْلِيقِ فَفِيهِ الْخِلاَفُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الطَّلاَقِ الْمُنَجَّزِ.
فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ التَّعْلِيقِ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ حَصَلَ الشَّرْطُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَضَافَ التَّعْلِيقَ إِلَى النِّكَاحِ - كَأَنْ قَالَ لِلأْجْنَبِيَّةِ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا - طَلُقَتْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى غَيْرِ النِّكَاحِ، بِأَنْ قَالَ لِلأْجْنَبِيَّةِ: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ، لَمْ تَطْلُقْ بِالاِتِّفَاقِ. وَكَذَلِكَ إِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ قَبْلَ الزَّوَاجِ، فَإِنَّهَا لاَ تَطْلُقُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
فَإِذَا عَلَّقَ طَلاَقَ الأْجْنَبِيَّةِ عَلَى غَيْرِ النِّكَاحِ، وَنَوَى فِيهِ النِّكَاحَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ دَخَلَتِ الدَّارَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا، طَلُقَتْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلنِّيَّةِ، وَلَمْ تَطْلُقْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِعَدَمِ الإِْضَافَةِ لِلنِّكَاحِ لَفْظًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: تَعْيِينُ الْمُطَلَّقَةِ بِالإِْشَارَةِ أَوْ بِالصِّفَةِ أَوْ بِالنِّيَّةِ.
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ الْمُطَلَّقَةِ، وَطُرُقُ التَّعْيِينِ ثَلاَثَةٌ: الإِْشَارَةُ، وَالْوَصْفُ، وَالنِّيَّةُ، فَأَيُّهَا قُدِّمَ جَازَ، فَإِذَا تَعَارَضَ الثَّلاَثَةُ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ التَّالِي: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَيَّنَ الْمُطَلَّقَةَ بِالإِْشَارَةِ وَالصِّفَةِ وَالنِّيَّةِ وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَى الْمُعَيَّنَةِ، كَأَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الَّتِي اسْمُهَا عَمْرَةُ مُشِيرًا إِلَيْهَا: يَا عَمْرَةُ، أَنْتِ طَالِقٌ، قَاصِدًا طَلاَقَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِالاِتِّفَاقِ، لِتَمَامِ التَّعْيِينِ بِذَلِكَ.
فَإِنْ أَشَارَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ لِمُتَعَدِّدَاتٍ دُونَ أَنْ يَصِفَهَا بِوَصْفٍ، وَلَمْ يَنْوِ غَيْرَهَا، وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا بِالاِتِّفَاقِ أَيْضًا، لأِنَّ الإِْشَارَةَ كَافِيَةٌ لِلتَّعْيِينِ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَصَفَهَا بِوَصْفِهَا دُونَ إِشَارَةٍ وَدُونَ قَصْدِ غَيْرِهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ أَيْضًا، كَمَا إِذَا قَالَ: سَلْمَى طَالِقٌ. فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَمْ يُشِرْ إِلَيْهَا وَلَمْ يَصِفْهَا، كَمَا إِذَا قَالَ: إِحْدَى نِسَائِي طَالِقٌ، وَنَوَى وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ دُونَ غَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ.
فَإِنْ أَشَارَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، وَوَصَفَ غَيْرَهَا، بِأَنْ قَالَ لإِِحْدَى زَوْجَاتِهِ وَاسْمُهَا سَلْمَى: أَنْتِ يَا عَمْرَةُ طَالِقٌ، وَكَانَتِ الأُْخْرَى اسْمُهَا عَمْرَةُ، طَلُقَتِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَضَاءً، وَلَمْ تَطْلُقْ عَمْرَةُ لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ: الْوَصْفُ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ، وَفِي الْغَائِبِ مُعْتَبَرٌ وَكَذَلِكَ إِذَا أَشَارَ إِلَيْهَا وَوَصَفَهَا بِغَيْرِ وَصْفِهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ، كَمَا إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ، أَنْتِ يَا غَزَالَةُ طَالِقٌ، لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ.
فَإِذَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهَا، وَلَكِنْ وَصَفَهَا بِوَصْفٍ هُوَ فِيهَا، وَعَنَى بِهَا غَيْرَهَا، كَأَنْ قَالَ: زَوْجَتِي سَلْمَى طَالِقٌ، وَقَصَدَ غَيْرَهَا، دُيِّنَ إِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ اسْمُهَا سَلْمَى (وَوَقَعَ دِيَانَةً) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ عَلَيْهِ دِيَانَةً وَلاَ قَضَاءً، لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ أَصْلاً، وَعَدَمِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِلنِّيَّةِ.
فَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ الدُّنْيَا كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، وَنَوَى زَوْجَتَهُ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ مَحَلَّتِي كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، نَوَاهَا أَمْ لَمْ يَنْوِهَا، فَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ مَدِينَتِي كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، فَإِنْ نَوَى زَوْجَتَهُ فِيهِنَّ طَلُقَتْ، وَإِلاَّ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى عَدَمِ طَلاَقِهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا تَطْلُقُ كَمَا فِي نِسَاءِ الْحَيِّ.
وَلَوْ قَالَ: نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ طَوَالِقُ لَمْ تَطْلُقِ امْرَأَتُهُ فِي الأْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ: سَلْمَى وَعَمْرَةُ، فَدَعَا سَلْمَى فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ، فَظَنَّهَا سَلْمَى فَطَلَّقَهَا، طَلُقَتْ سَلْمَى دِيَانَةً وَقَضَاءً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلْقَصْدِ، أَمَّا عَمْرَةُ فَتَطْلُقُ قَضَاءً لاَ دِيَانَةً لِعَدَمِ الْقَصْدِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى طَلاَقِ الْمُجِيبَةِ فِي الأْصَحِّ ، أَمَّا الْمُنَادَاةُ فَلَمْ تَطْلُقْ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَمْ تَطْلُقَا. وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ مَعَهَا: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: قَصَدْتُ الأْجْنَبِيَّةَ، ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الأْصَحِّ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ، لاِحْتِمَالِ كَلاَمِهِ ذَلِكَ وَلِكَوْنِ الأْجْنَبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ قَابِلَةً - أَيْ لِلطَّلاَقِ - فَتُقَدَّمُ النِّيَّةُ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ، لأِنَّهَا مَحَلُّ الطَّلاَقِ دُونَ الثَّانِيَةِ، فَلاَ يُصْرَفُ قَوْلُهُ إِلَى قَصْدِهِ، لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ: إِعْمَالُ الْكَلاَمِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ أَصْلاً، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ قَوْلاً وَاحِدًا لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ، فَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَرَجُلٍ: أَحَدُكُمَا طَالِقٌ، وَقَصَدَ الرَّجُلَ، بَطَلَ قَصْدُهُ، وَطَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، لأِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مَحَلَّ الطَّلاَقِ أَصْلاً.
وَلَوْ قَالَ لإِِحْدَى زَوْجَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ إِنْ فَعَلَتُ كَذَا، ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ إِحْدَاهُمَا، تَعَيَّنَتِ الثَّانِيَةُ الْحَيَّةُ لِلطَّلاَقِ، طَلُقَتْ. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَاتِهِ الأَْرْبَعِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ طَلُقَتْ الَّتِي نَوَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، وَمَنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهَا كَانَتْ هِيَ الْمُطَلَّقَةُ، وَقَالَ مَالِكٌ: طَلُقْنَ جَمِيعًا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُخَيَّرُ، وَيَقَعُ الطَّلاَقُ عَلَى مَنْ يَخْتَارُهَا مِنْهُنَّ لِلطَّلاَقِ.
فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ وَنَسِيَهَا، أُخْرِجَتِ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لاَ يُعَوَّلُ عَلَى الْقُرْعَةِ لِبَيَانِ مَنْ وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ عَلَى تَعْيِينِهِ هُوَ.
وَتَطْلِيقُ جُزْءِ الْمُطَلَّقَةِ كَتَطْلِيقِهَا كُلِّهَا إِذَا كَانَ الْجُزْءُ شَائِعًا وَأَضَافَهُ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: نِصْفُكِ طَالِقٌ، أَوْ ثُلُثُكِ، أَوْ رُبُعُكِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْ أَلْفٍ مِنْكِ.. فَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْجُزْءُ الْمُعَيَّنُ ثَابِتًا فِيهَا وَجُزْءًا لاَ يَتَجَزَّأُ مِنْهَا كَرَأْسِهَا، وَبَطْنِهَا... فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ كَلُعَابِهَا، وَعَرَقِهَا، وَسَائِرِ فَضَلاَتِهَا لَمْ تَطْلُقْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا طَلُقَتْ، وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مُعَيَّنًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا عَادَةً كَالرَّأْسِ، وَالْوَجْهِ، وَالرَّقَبَةِ، وَالظَّهْرِ.. طَلُقَتْ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا عَادَةً كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ لَمْ تَطْلُقْ فَإِنْ تَعَارَفَهُ النَّاسُ طَلُقَتْ بِهِ أَيْضًا.
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِصِيغَةِ الطَّلاَقِ:
- صِيغَةُ الطَّلاَقِ هِيَ اللَّفْظُ الْمُعَبَّرُ بِهِ عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَعَاضُ عَنِ اللَّفْظِ فِي أَحْوَالٍ بِالْكِتَابَةِ أَوِ الإِْشَارَةِ. وَلِكُلٍّ مِنَ اللَّفْظِ وَالْكِتَابَةِ وَالإِْشَارَةِ شُرُوطٌ لاَ بُدَّ مِنْ تَوَافُرِهَا فِيهِ، وَإِلاَّ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:
أ - شُرُوطُ اللَّفْظِ:
يُشْتَرَطُ فِي اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الطَّلاَقِ شُرُوطٌ هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: الْقَطْعُ أَوِ الظَّنُّ بِحُصُولِ اللَّفْظِ وَفَهْمِ مَعْنَاهُ:
- الْمُرَادُ هُنَا: حُصُولُ اللَّفْظِ وَفَهْمُ مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ نِيَّةُ وُقُوعِ الطَّلاَقِ بِهِ، وَقَدْ تَكُونُ نِيَّةُ الْوُقُوعِ شَرْطًا فِي أَحْوَالٍ كَمَا سَيَأْتِي.
وَعَلَى هَذَا إِذَا حَلَفَ الْمُطَلِّقُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ شَكَّ أَكَانَ حَلِفُهُ بِطَلاَقٍ أَمْ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَغْوٌ وَلاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا شَكَّ أَطَلَّقَ أَمْ لاَ؟ فَإِنَّهُ لاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، فَإِنْ تَيَقَّنَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَّقَ ثُمَّ شَكَّ فِي الْعَدَدِ، أَطَلَّقَ وَاحِدَةً، أَمْ ثِنْتَيْنِ، أَمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ بَنَى عَلَى الأَْقَلِّ لِحُصُولِ الْيَقِينِ أَوِ الظَّنِّ بِهِ وَالشَّكِّ فِيمَا فَوْقَهُ، وَالشَّكُّ لاَ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِخِلاَفِ الظَّنِّ وَالْيَقِينِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَتَحَرَّى، فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ حُمِلَ بِأَشَدِّ ذَلِكَ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا فِي قَضَايَا الْفُرُوجِ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ تَعْلِيقًا عَلَى ذَلِكَ: وَيُمْكِنُ حَمْلُ الأْوَّلِ عَلَى الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى الدِّيَانَةِ.
فَإِذَا نَوَى التَّلَفُّظَ بِالطَّلاَقِ ثُمَّ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، لَمْ يَقَعْ بِالاِتِّفَاقِ، لاِنْعِدَامِ اللَّفْظِ أَصْلاً، وَخَالَفَ الزُّهْرِيُّ، وَقَالَ بِوُقُوعِ طَلاَقِ النَّاوِي لَهُ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ. وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ». وَلَوْ لُقِّنَ أَعْجَمِيٌّ لَفْظَ الطَّلاَقِ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ، فَقَالَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ عَرَبِيٌّ إِذَا لُقِّنَ لَفْظًا أَعْجَمِيًّا يُفِيدُ الطَّلاَقَ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مُطْلَقًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: نِيَّةُ وُقُوعِ الطَّلاَقِ بِاللَّفْظِ:
- هَذَا خَاصٌّ بِالْكِنَايَاتِ مِنَ الأَْلْفَاظِ، أَمَّا الصَّرِيحُ فَلاَ يُشْتَرَطُ لِوُقُوعِ الطَّلاَقِ بِهِ نِيَّةُ الطَّلاَقِ أَصْلاً، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ بَعْضَ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ حَيْثُ أَوْقَعُوا الطَّلاَقَ بِهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالصَّرِيحِ، وَهِيَ الْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ، كَقَوْلِ الْمُطَلِّقِ لِزَوْجَتِهِ: سَرَّحْتُكِ، فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ: طَلَّقْتُكِ، وَوَافَقَهُمُ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، خِلاَفًا لِمَا فُهِمَ مِنْ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ، وَذُكِرَ فِي نَيْلِ الْمَآرِبِ أَنَّ لَفْظَ: سَرَاحٍ مِنَ الْكِنَايَاتِ فَيَحْتَاجُ لِلنِّيَّةِ. وَهَلْ تَقُومُ قَرَائِنُ الأَْحْوَالِ وَالْعُرْفِ مَقَامَ النِّيَّةِ فِي الْكِنَايَاتِ؟.
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَقَالُوا: لاَ عِبْرَةَ. بِالْعُرْفِ وَقَرَائِنِ الْحَالِ، وَعَلَى ذَلِكَ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ طَلاَقَهَا طَلُقَتْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِلنِّيَّةِ، وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَكُونُ ظِهَارًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الطَّلاَقَ لَمْ تَطْلُقْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَطْلُقُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَطْلُقُ ثَلاَثًا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَيُنَوَّى (أَيْ يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ) فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. وَهَلْ يَقَعُ الطَّلاَقُ بِلَفْظٍ لاَ يَحْتَمِلُهُ أَصْلاً كَقَوْلِهِ لَهَا: اسْقِنِي مَاءً؟ إِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلاَقَ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ وَقَعَ الطَّلاَقُ بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلْمَالِكِيَّةِ.
ثَانِيًا: الرَّجْعِيُّ وَالْبَائِنُ:
- الطَّلاَقُ الرَّجْعِيُّ هُوَ: مَا يَجُوزُ مَعَهُ لِلزَّوْجِ رَدُّ زَوْجَتِهِ فِي عِدَّتِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ، وَالْبَائِنُ هُوَ: رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ. هَذَا، وَالطَّلاَقُ الْبَائِنُ عَلَى قِسْمَيْنِ: بَائِنٌ بَيْنُونَةٌ صُغْرَى، وَبَائِنٌ بَيْنُونَةٌ كُبْرَى.
فَأَمَّا الْبَائِنُ بَيْنُونَةٌ صُغْرَى فَيَكُونُ بِالطَّلْقَةِ الْبَائِنَةِ الْوَاحِدَةِ، وَبِالطَّلْقَتَيْنِ الْبَائِنَتَيْنِ، فَإِذَا كَانَ الطَّلاَقُ ثَلاَثًا، كَانَتِ الْبَيْنُونَةُ بِهِ كُبْرَى مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ أَصْلُ كُلٍّ مِنَ الثَّلاَثِ بَائِنًا أَمْ رَجْعِيًّا بِالاِتِّفَاقِ.
فَإِذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ رَجْعِيًّا حَلَّ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ بِالرَّجْعَةِ، دُونَ عَقْدٍ جَدِيدٍ، فَإِذَا مَضَتِ الْعِدَّةُ عَادَ إِلَيْهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ فَقَطْ.
فَإِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً بَائِنَةً وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ جَازَ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا، وَلَكِنْ لَيْسَ بِالرَّجْعَةِ، وَإِنَّمَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
فَإِذَا طَلَّقَهَا ثَلاَثًا كَانَتِ الْبَيْنُونَةُ كُبْرَى، وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَتَتَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَدْخُلُ بِهَا، ثُمَّ تَبِينُ مِنْهُ بِمَوْتٍ أَوْ فُرْقَةٍ، وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا، فَإِنْ حَصَلَ ذَلِكَ حَلَّ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).
الْبَيْنُونَةُ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى:
- الْبَيْنُونَةُ عِنْدَ إِطْلاَقِهَا تَنْصَرِفُ لِلصُّغْرَى، وَلاَ تَكُونُ كُبْرَى إِلاَّ إِذَا كَانَتْ ثَلاَثًا.
إِلاَّ أَنَّ طُرُقَ وُقُوعِ الثَّلاَثِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَعْضِهَا، وَاتَّفَقُوا فِي بَعْضِهَا الآْخَرِ حَسَبَ الآْتِي: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً أَوْ بَائِنَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا بِعَقْدٍ أَوْ رَجْعَةٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا مَرَّةً أُخْرَى رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا بِعَقْدٍ أَوْ رَجْعَةٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ كَانَ ثَلاَثًا، وَبَانَتْ مِنْهُ بَيْنُونَةً كُبْرَى، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ) الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ). وَقَوْلِهِ: ) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ). كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، أَنَّ الثَّانِيَةَ لاَ تَقَعُ عَلَيْهَا، لِعَدَمِ كَوْنِهَا مَحَلًّا لِلطَّلاَقِ، لاِنْقِضَاءِ الزَّوْجِيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالطَّلاَقُ خَاصٌّ بِالزَّوْجَاتِ، وَكَذَلِكَ إِذَا طَلَّقَهَا ثَالِثَةً بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا لاَ تَقَعُ عَلَيْهَا، وَفِي هَذِهِ الْحَالِ تَكُونُ الْبَيْنُونَةُ صُغْرَى وَيَحِلُّ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
وَالْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا إِذَا طَلَّقَهَا: فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ اللَّفْظِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُقُوعِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ عَلَيْهَا - كَالْمَدْخُولِ بِهَا - إِذَا عَطَفَهُنَّ عَلَى بَعْضِهِنَّ بِالْوَاوِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ؛ لأِنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَتَكُونُ الأُْولَى غَيْرَ الثَّانِيَةِ، وَهُنَّ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَوْطُوءَةِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً بِالْعَطْفِ، أَوْ قَبْلَ وَاحِدَةٍ، أَوْ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ، تَقَعُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَلاَ تَلْحَقُهَا الثَّانِيَةُ لِعَدَمِ الْعِدَّةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا عَطَفَهَا بِالْفَاءِ وَثُمَّ. وَفِي أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، أَوْ قَبْلَهَا أَوْ مَعَ وَاحِدَةٍ أَوْ مَعَهَا وَاحِدٌ ثِنْتَانِ، الأَْصْلُ: أَنَّهُ مَتَى أَوْقَعَ بِالأْوَّلِ لَغَا الثَّانِي، أَوْ بِالثَّانِي اقْتَرَنَا، لأِنَّ الإِْيقَاعَ فِي الْمَاضِي إِيقَاعٌ فِي الْحَالِ.
وَيَقَعُ بِأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ ثِنْتَانِ لَوْ دَخَلْتِ لِتَعَلُّقِهِمَا بِالشَّرْطِ دَفْعَةً، وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ إِنْ قَدَّمَ الشَّرْطَ، لأِنَّ الْمُعَلَّقَ كَالْمُنَجَّزِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَالَ لِغَيْرِ مَوْطُوءَةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ؛ لأِنَّهَا تَبِينُ بِالأُْولَى، فَلاَ يَقَعُ مَا بَعْدَهَا، وَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ فَدَخَلَتْ وَقَعَتْ ثِنْتَانِ فِي الأْصَحِّ لأِنَّهُمَا مُتَعَلِّقَانِ بِالدُّخُولِ وَلاَ تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا يَقَعَانِ مَعًا، وَالثَّانِي مُقَابِلُ الأْصَحِّ لاَ يَقَعُ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَالْمُنَجَّزِ، وَلَوْ عَطَفَ بِثُمَّ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ لَمْ يَقَعْ بِالدُّخُولِ إِلاَّ وَاحِدَةٌ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إِحْدَى عَشْرَةَ طَلْقَةً طَلُقَتْ ثَلاَثًا، بِخِلاَفِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَلاَ يَقَعُ إِلاَّ طَلْقَةٌ لِلْعَطْفِ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَ طَلْقَةٍ، أَوْ مَعَهَا طَلْقَةٌ، فَثِنْتَانِ مَعًا فِي الأْصَحِّ ، وَقِيلَ عَلَى التَّرْتِيبِ وَاحِدَةٌ تَبِينُ بِهَا.
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ أَوْ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ، فَطَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأِنَّهَا تَبِينُ بِالأُْولَى، فَلاَ تُصَادِفُ الثَّانِيَةُ نِكَاحًا .
أَمَّا الْمَدْخُولُ بِهَا إِنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً فِي عِدَّتِهَا، فَإِنْ كَانَتِ الأُْولَى رَجْعِيَّةً، فَقَدْ ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إِلَى وُقُوعِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا طَلَّقَهَا ثَالِثَةً فِي الْعِدَّةِ - وَكَانَتِ الثَّانِيَةُ رَجْعِيَّةً أَيْضًا - وَقَعَتِ الثَّالِثَةُ وَبَانَتْ مِنْهُ بَيْنُونَةً كُبْرَى، هَذَا مَا لَمْ يَنْوِ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ تَأْكِيدَ الأُْولَى، فَإِنْ نَوَى تَأْكِيدَ الأُْولَى صُدِّقَ دِيَانَةً، وَلَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً، وَأُمْضِيَ عَلَيْهِ الثَّلاَثُ، مَا لَمْ تَحُفَّ بِهِ قَرَائِنُ أَحْوَالٍ تُرَجِّحُ صِحَّةَ نِيَّتِهِ، فَإِنْ حَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ حَالٍ تُرَجِّحُ صِحَّةَ نِيَّتِهِ صُدِّقَ دِيَانَةً وَقَضَاءً، كَمَا إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فَسُئِلَ: مَاذَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: طَلَّقْتُهَا، أَوْ قُلْتُ: هِيَ طَالِقٌ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ وَتَخَلَّلَ فَصْلٌ، فَثَلاَثٌ، سَوَاءٌ أَقَصَدَ التَّأْكِيدَ أَمْ لاَ، لأِنَّهُ خِلاَفُ الظَّاهِرِ، لَكِنْ إِذَا قَالَ: قَصَدْتُ التَّأْكِيدَ، فَإِنَّهُ يُدَيَّنُ، فَإِنْ تَكَرَّرَ لَفْظُ الْخَبَرِ فَقَطْ، كَأَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ، فَكَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِلْقَاضِي فِي قَوْلِهِ: يَقَعُ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ فَصْلٌ، فَإِنْ قَصَدَ تَأْكِيدًا - أَيْ قَصَدَ تَأْكِيدَ الأُْولَى بِالأَْخِيرَتَيْنِ - فَوَاحِدَةٌ... أَوْ قَصَدَ اسْتِئْنَافًا فَثَلاَثٌ.. وَكَذَا إِذَا أَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ تَأْكِيدًا وَلاَ اسْتِئْنَافًا يَقَعُ ثَلاَثٌ فِي الأَْظْهَرِ.
وَالْحَنَابِلَةُ فِي هَذَا مَعَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَالْمَالِكِيَّةُ مَذْهَبُهُمْ لاَ يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ الدَّرْدِيرُ: وَإِنْ كَرَّرَهُ ثَلاَثًا بِلاَ عَطْفٍ لَزِمَهُ ثَلاَثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا كَغَيْرِهَا، أَيْ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا يَلْزَمُهُ الثَّلاَثُ إِنْ نَسَّقَهُ وَلَوْ حُكْمًا، كَفَصْلِهِ بِسُعَالٍ، إِلاَّ لِنِيَّةِ تَأْكِيدٍ فِيهِمَا - أَيْ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا - فَيُصَدَّقُ بِيَمِينٍ فِي الْقَضَاءِ، وَبِغَيْرِهَا فِي الْفَتْوَى، بِخِلاَفِ الْعَطْفِ فَلاَ تَنْفَعُهُ نِيَّةُ التَّأْكِيدِ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ، لأِنَّ الْعَطْفَ يُنَافِي التَّأْكِيدَ.
- فَإِذَا طَلَّقَهَا بَائِنًا وَاحِدَةً، أَوِ اثْنَتَيْنِ مَعًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً فِي عِدَّتِهَا، لَمْ تَقَعِ الثَّانِيَةُ أَوِ الثَّالِثَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِخُرُوجِهَا عَنِ الزَّوْجِيَّةِ بِالأُْولَى، فَلَمْ تَعُدْ مَحَلًّا لِلطَّلاَقِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأُْولَى أَوِ الثَّانِيَةَ إِذَا كَانَتَا بِلَفْظٍ صَرِيحِ، لَحِقَتْهَا الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ، بِلَفْظٍ صَرِيحٍ كَانَتْ أَوْ كِنَائِيٍّ، فَإِذَا كَانَتِ الأُْولَى أَوِ الثَّانِيَةُ بَائِنًا لَحِقَتْهَا الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ إِذَا كَانَتْ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ فَقَطْ، فَإِذَا كَانَتْ بَائِنًا لَمْ تَلْحَقْهَا إِذَا أَمْكَنَ جَعْلُهَا إِخْبَارًا عَنْهَا لاِحْتِمَالِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ لَهَا: أَنْتِ بَائِنٌ بَائِنٌ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهَا إِخْبَارًا عَنْهَا لَحِقَتْهَا أَيْضًا، كَقَوْلِهِ لَهَا: أَنْتِ بَائِنٌ ثُمَّ قَوْلُهُ: أَنْتِ بَائِنٌ بِأُخْرَى، فَإِنَّهَا تَلْحَقُهَا لِتَعَذُّرِ جَعْلِهَا إِخْبَارًا عَنْهَا.
فَإِذَا طَلَّقَهَا وَذَكَرَ أَنَّهُ ثَلاَثٌ لَفْظًا وَقَعَ ثَلاَثًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: اثْنَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اثْنَتَانِ، كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثًا، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ.
فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلاَثِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَالَ لَهَا: (هَكَذَا) مَعَ الإِْشَارَةِ وَقَعَ الثَّلاَثُ، وَإِنْ قَالَ: مِثْلُ هَذِهِ، مَعَ الإِْشَارَةِ بِالثَّلاَثِ وَقَعَ ثَلاَثٌ إِنْ نَوَاهَا، وَإِلاَّ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا مَعَ الإِْشَارَةِ بِالأَْصَابِعِ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَلَغَتِ الإِْشَارَةُ.
فَإِنْ كَتَبَ لَهَا ثَلاَثًا بَدَلَ الإِْشَارَةِ بِالأَْصَابِعِ، فَمِثْلُ الإِْشَارَةِ.
فَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَكْبَرَ الطَّلاَقِ أَوْ أَغْلَظَهُ.. فَإِنْ نَوَى بِهِ ثَلاَثًا، فَثَلاَثٌ لاِحْتِمَالِ اللَّفْظِ ذَلِكَ، وَإِلاَّ وَقَعَ بِهِ وَاحِدَةٌ بَائِنٌ.
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى عَدَدًا وَقَعَ مَا نَوَاهُ، فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَنَوَى عَدَدًا، وَقَعَ مَا نَوَاهُ وَاحِدَةً بِهِ عَلَى الرَّاجِحِ؛ لأِنَّ الْمَلْفُوظَ يُنَاقِضُ الْمَنْوِيَّ، وَاللَّفْظُ أَقْوَى، فَالْعَمَلُ بِهِ أَوْلَى. وَقِيلَ: يَقَعُ الْمَنْوِيُّ عَمَلاً بِالنِّيَّةِ.
وَالْحَنَابِلَةُ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، إِلاَّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ قَوْلُهُ: وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ بَرِيَّةٌ، أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، أَوِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَهُوَ عِنْدِي ثَلاَثٌ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ أُفْتِيَ بِهِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَمْ لَمْ يَدْخُلْ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَيُوقِعُونَ بِذَلِكَ ثَلاَثًا إِنْ نَوَاهَا، لاِحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهَا، فَإِذَا لَمْ يَنْوِ الثَّلاَثَ لَمْ يَقَعْ بِهِ ثَلاَثٌ.
وَالْمَالِكِيَّةُ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ، إِلاَّ أَنَّهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الأَْخِيرَةِ يَقُولُونَ: يَقَعُ ثَلاَثٌ مُطْلَقًا، إِلاَّ فِي الْخُلْعِ أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَيَكُونُ وَاحِدَةً.
فَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَنَوَى بِهِ ثَلاَثًا، وَقَعَ وَاحِدَةٌ، وَبَطَلَتِ النِّيَّةُ، لِعَدَمِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهَا، فَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثًا وَنَوَى بِهِ وَاحِدَةً، وَقَعَ عَلَيْهِ ثَلاَثٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لِصَرَاحَةِ اللَّفْظِ، فَلاَ تَعْمَلُ النِّيَّةُ بِخِلاَفِهِ.
فَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِهِ ثَلاَثًا، وَقَعَ بِهِ وَاحِدَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ يَقَعُ ثَلاَثٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
_________________________________________________________________
موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 94
متى يكون الطلاق رجعيا ومتى يكون الطلاق بائنا؟
(أ) في مذاهب الفقه الإسلامي :
مذهب الحنفية أن كل طلاق يوقعه الزوج يكون رجعيا إلا في الحالات الآتية:
1)الطلاق قبل الدخول .
۲) الطلاق على مال.
۳) الطلاق المكمل للثلاث.
4) الطلاق الموصوف بالبينونة، كقول الرجل لامرأته: «أنت طالق طلاقا بائنا». . 5) الطلاق الموصوف بوصف يدل على البينونة، كقول الرجل: «أنت طالق طلقة شديدة».
6) الطلاق الموصوف بأفعل تفضيل يدل على الشدة كقول الرجل: «أنت طالق أشد الطلاق أو أنت طالق أفحش الطلاق أو أنت طالق أشر الطلاق».
۷) الطلاق المشبه بشيء يدل على العظم، كأن يقول الرجل: «أنت طالق طلقة كالجبل».
۸) الطلاق الذي يكون بلفظ من ألفاظ الكناية مثل أن يقول الرجل: «أنت بائن أو أنت بتة» لأن ألفاظ الكناية تدل على الانفصال في الحال ولا يتحقق هذا إلا بالطلاق البائن.
ويستثنى من ألفاظ الكناية ثلاثة ألفاظ هي:
(اعتدی - استبرئي رحمك - أنت واحدة) لأن هذه الألفاظ حذف منها لفظ الطلاق مع نية ذكره فمعنی اعتدى: أنت طالق فاعتدي، ومعنى استبرئي رحمك أنت طالق فاستبرئي رحمك ومعنى أنت واحدة: أنت طالق طلقة واحدة، فكلمة الطلاق مطوية على نية الذكر، فكان الطلاق بلفظ صريح فيقع رجعيا، فضلا عن أن هذه الألفاظ لا تدل على الانفصال في الحال.
أما الشافعي ومالك فعندهما أن الأصل في الطلاق أن يقع رجعيا ويستثنى من ذلك حالات ثلاث هي:
۱) الطلاق قبل الدخول.
۲) الطلاق على مال.
۳): الطلاق المكمل للثلاث.
وأساس الخلاف بين الأحناف وغيرهم أن الأحناف يرون أن وصف الطلاق من حق المطلق وليس من عمل الشارع، فللمطلق أن يعطيه وصف البينونة بالتفصيل السابق، ولأن الشارع أعطاه حق الطلاق مطلقا ولم يوجد ما يقيده، ولأنه في نظر الأئمة الأربعة يملك البينونة الكبرى بالتعليق ثلاثا دفعة واحدة فأولى أن يملك وصف الطلاق بالبينونة الصغرى، لأن من ملك الأقوى ملك الأضعف.
أما باقي الأئمة فيرون أن وصف الطلاق من عمل الشارع، فما وصفه بأنه رجعي فهو ما وصفه بأنه بائن فهو بائن.
وقد كان العمل بمصر على مذهب الحنفية حتى تاريخ العمل بالمرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹.