الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحدة.
الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحدة.
موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ،
المذكرة الإيضاحية
شرع الطلاق على أن يوقع على دفعات متعددة (( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230 ) )). سورة البقرة .
فالآية الكريمة تكاد تكون صريحة في أن الطلاق لا يكون إلا مرة بعد مرة وجعلت دفعات الطلاق ثلاثاً ليجرب الرجل نفسه بعد المرة الأولى والثانية ويروضها على الصبر والإحتمال ولتجرب المرأة نفسها أيضاً حتى إذا لم تفد التجارب ووقعت الطلقة الثالثة علم أنه ليس في البقاء خير وأن الإنفصال بينهما أحق أولى.
والطلاق المتعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحدة وهو رأي محمد ابن إسحاق ونقل على وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير ونقله عن مشایخ قرطبة ومنهم محمد بن تقي بن مخلد ومحمد بن عبد السلام ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاووس وعمر بن دینار وقد أفتى به عكرمة وداود. وقال ابن القيم أنه رأى أكثر الصحابة ورأى بعض أصحاب أحمد (مادة 3 من المشروع).
1- عبارة الطلاق المقترن بالعدد لفظاً أو إشارة بالتطبيق للمادة الثالثة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 يشتمل الطلاق المتتابع فى مجلس واحد لأنه مقترن بالعدد فى المعنى وإن لم يوصف لفظ الطلاق بالعدد ، وكان الثابت من الحكم المطعون فيه أن إقرار الطاعن بطلاق المطعون عليها كان مجرداً عن العدد لفظاً أو إشارة ولم يكن طلاقاً على مال وليس مكملاً للثلاث وحصل بعد الدخول فإنه لا يقع به إلا واحدة ويكون طلاقاُ رجعياً ، ولا عبرة بوصف الطلاق الذى يرد على لسان أحد الزوجين .
(الطعن رقم 29 لسنة 45 جلسة 1977/05/25 س 28 ع 1 ص 1288 ق 222)
2- إذ كان البين من الحكم المطعون فيه أن الحكم الصادر فى الدعوى الأولى بالرفض - دعوى طلاق بين ذات الخصوم - المؤبد إستئنافياً كان بشأن طلاق إدعت الطاعنة أن المطعون عليه أوقعه عليها ثلاث مرات ، الثالثة منها فى آخر سبتمبر 1962 ، فى حين أن النزاع الحالى يدور حول طلاق مثبت فى إقرار منسوب صدوره إلى المطعون عليه بتطليقه للطاعنة ثلاث طلقات أولاها فى آخر يوليو 1962 و الثانية فى 14 سبتمبر 1962 و الثالثة فى 21 سبتمبر 1962 ، وإذ إعتبر الحكم الطلقة المكملة للثلاث المحدد وقوعها فى الدعوى الأولى بآخر سبتمبر 1962 هى بعينها الطلقة الثالثة المثبت فى الإقرار صدورها بتاريخ 21 من سبتمبر 1962 إستناداً إلى أن كلا من الطلقتين صدرت فى أواخر ذلك الشهر ، مع أن هذين التاريخين مختلفان ، ورتب الحكم على ذلك عدم جواز نظر الدعوى الحالية لسبق الفصل فيها فى الدعوى الأولى ، فإنه يكون فوق مخالفته للقانون قد شابه فساد فى الإستدلال .
(الطعن رقم 20 لسنة 37 جلسة 1973/06/27 س 24 ع 2 ص 982 ق 170)
3- لما كان الطلاق المتتابع دفعه واحدة لا يقع إلا طلقة واحدة ، فإن إستناد الحكم المطعون فيه إلى شهادة الشهود بإستمرار الحياة الزوجية حتى وفاة الزوج ، يكون مؤداه أن الحكم قد إتخذ من هذه الشهادة دليلا على حصول مراجعة الزوج لزوجته بعد هذا الطلاق الذى يعتبر رجعيا ، و ليس فى ذلك ما يعتبر مخالفاً للقانون طالما أن الرجعة تكون بالقول أو بالفعل ، ومن ثم يكون الحكم قد إستند فى إثبات الزوجية إلى دليل مقبول .
(الطعن رقم 34 لسنة 28 جلسة 1960/06/23 س 11 ع 2 ص 471 ق 74)
4- نص المادة الثالثة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 على أن الطلاق المقترن بالعدد لفظا أو إشارة لا يقع إلا واحدة - يشمل الطلاق المتتابع فى مجلس واحد لأنه مقترن بالعدد فى المعنى وإن لم يوصف لفظ الطلاق بالعدد ، يؤكد ذلك ما ورد فى المذكرة الإيضاحية من أن الطلاق شرع على أن يوقع على دفعات متعددة وأن الآية الكريمة " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " تكاد تكون صريحة فى أن الطلاق لا يكون إلا مرة بعد مرة و أن دفعات الطلاق جعلت ثلاثا ليجرب الرجل نفسه بعد المرة الاولى و الثانية و يروضها عل الصبر والإحتمال ولتجرب المرأة نفسها أيضا حتى إذا لم تفد التجارب ووقع الطلاق بعد الطلقة الثالثة علم إنه ليس فى البقاء خير وأن الإنفصال البات بينهما أحق و أولى .
(الطعن رقم 34 لسنة 28 جلسة 1960/06/23 س 11 ع 2 ص 471 ق 74)
سند وجوب النص
ويستند النص محل التعليق إلى قوله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) وحديث مسلم " الطلاق ثلاث كان يجعل واحدة على عهد الرسول و أبي بكر واثنتين من خلافة عمر".
الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة هو الطلاق الثلاث بلفظ واحد أما بتكرار الطلاق الواحد مرات كما إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق أو بإقتران الطلاق بعدد الثلاث ملفوظاً به أو مدلولاً عليه بالإشارة، كما إذا قال لها أنت طالق ثلاثاً أو قال لها أنت طالق هكذا وإشارة بأصابعه الثلاث مرفوعة .
مفهوم الطلاق المتعدد
والأصل الراجح في المذهب الحنفي - واجب التطبيق - أن الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة يقع صحيحاً كما نطق أو أشار به الزوج.
حكم الطلاق المتعدد
إلا أنه خروجاً على هذا الأصل الراجح أورد المشرع نص المادة الثالثة وبمقتضاه إعتبر هذا الطلاق على أي من الصور التي ورد بها النص لا يقع به إلا طلقة واحدة، وهذا الإستثناء قصد به التوسعة علی الناس بعد أن ضجوا بالشكوى وتحايلوا على الشريعة بالإرتكان إلى النية أو زواج التحليل المذموم و إلتماس الفتوى بفساد العقد من بعض الفقهاء التحليل البائنة لمطلقها ثلاثة وإعمالاً لرواية حدثت في عهد الرسول صلي الله عيله وسلم حيث طلق أحد الصحابة (ركانه بن عبد یزید) امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً فلما علم الرسول قال "إنما تلك واحدة فأرجعها أن شئت"، وفي ذلك المفهوم تقول محكمة جنوب القاهرة. "حيث أنه قد جاء في المذكرة الإيضاحية لذلك النص أن الطلاق المتعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحدة وهو رأي محمد بن إسحق ونقل عن على وابن مسعود والزبير ونقله المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاووس وعمر ابن دینار وقال ابن القيم أنه رأى أكثر الصحابة ومؤدى ذلك النص أن الطلاق المقترن بالعدد لفظاً كأن يقول طلقتك اثنتين أو ثلاث لا يقع إلا واحدة، وحيث أنه لما كان ما تقدم وكان الثابت أن المدعى عليه طلق زوجته المدعية بقوله لها طلقتك يا زوجتي طلاقأ بالثلاث بائنة لا رجعة فيه ومن ثم بالبناء على ما تقدم لا يقع ذلك الطلاق إلا واحدة ويتعين إجابة المدعية إلى طلبها وإعتباره كذلك .
وقد ثار الخلاف حول تطبيق النص فذهب البعض أن مقصود .الطلاق المقترن بعدد هو الطلاق ثلاثاً كقول الرجل لامرأته أنت طالق بالثلاثة أو بالتدليل على ذلك بالإشارة وهذا هو الذي لا يقع إلا بطلقة واحدة - أما الطلاق المتتابع أو المتعدد كقول الرجل لامرأته أنت طالق، أنت طالق، - فيقع به الطلاق ثلاثاً وذلك لأنه هو الأصل الراجح في المذهب الحنفي وما نص القانون في المادة الثالثة إلا إستثناء عليه فلا يجب التوسع في تفسيره والوقوف به عند حد الطلاق المقترن بعدد دون الطلاق المتتابع .
بينما ذهب رأي آخر إلى أن مضمون المادة الثالثة يشمل النوعين من الطلاق المقترن بعدد والمتتابع فلا يقع به إلا طلقة واحدة في أي من الحالتين وذلك إتساقاً وروح التشريع والغاية التي وضع من أجلها النص مراعاة للصالح العام، بالإضافة إلى أن غرض القانون الواضح من مذکرته التفسيرية هو رغبته في القضاء على فكرة أن للزوج أن يطلق دفعة واحدة طلقة أو اثنين أو أن يفصم عرى الزوجية دفعة واحدة في جنس واحد وإذا كان ذلك غرض القانون والعلة الباعثة عليه فإنه يكون سن العبث أن يجعل الطلاق بلفظ الثلاث طلقة واحدة يجعل الطلاق المتتابع ثلاث طلقات لأن المطلق يترك هذه إلى تلك ويفر من حكم القانون بأسهل ضيق، ولفظ القانون وإن كان ظاهرة في المقترن بالعدد الذي يوصف فيه طلاق بالعدد فإنه يحتمل شمول الطلاق المتتابع في مجلس واحد لأنه مقرن بالعدد في المعنى وإن لم يوصف لفظ الطلاق بالعدد وفي ذلك تقول محكمة إستئناف القاهرة "وإن كان البادي من عبارة نص المادة الثالثة من قانون رقم 25 لسنة 1929 أن المقصود هو الطلاق المقترن بالعدد لفظاً أو إشارة إلا أن المحكمة ترى إنطباق هذا النص على الطلاق المتتابع توخياً لمحكمة التشريع وإلا كان من العبث قصر النص على المقرون بالعدد إذ يستطيع المطلق أن يتركه إلى الطلاق المتتابع ولو في مجلس واحد يتفادى حكم القانون. وظاهر النص و إن كان وارد بشأن الطلاق الذي يوصف بالعدد فإنه يحتمل الطلاق المتتابع في مجلس واحد لأنه مقترن في معناه وإن لم يوصف بالعدد في ألفاظه وعبرت المذكرة التفسيرية للقانون عن الطلاق المقترن بالعدد بعبارة " الطلاق المتعدد ولا شك في أن الطلاق المتتابع في مجلس واحد بعدد متعدداً ويوضح ذلك أيضاً المصدر التاريخي لهذه المادة من الفقهاء اللذين قرروا أن الطلاق الثلاث بلفظ الثلاث يقع واحدة هم اللذين قرروا أن الطلاق المتتابع في مجلس واحد لا يقع إلا واحدة ومن المنطق السليم الأخذ برأيهم كله في الموضوع الواحد .
ونحن نميل إلى تأييد الرأي الأخير لذات الأسباب التي استند إليها فضلاً عن أن الطلاق المتتابع أو المتعدد في المجلس الواحد لا يعدو أن يكون في رأينا سوى تأكيداً للطلاق الأول فلا يقع إلا واحدة.
ويشترط أن يكون المجلس الذي وقع فيه الطلاق واحداً فإذا اختلف المجلس وقع الطلاق بعدد المجالس التي أوقع فيها، فإذا ما قال لامرأته في منزل أهله أنت طالق ثم انتقل بها إلى منزل الزوجية في اليوم الثالث أعاد قوله لها أنت طالق فلما ذهب إلى بيت أهلها لتحكيمهم بمدة أسبوع قال لها للمرة الثالثة أنت طالق فإنه يكون قد طلقها ثلاثاً.
دعوی تعديل وصف الطلاق
ولأي من الزوجين أن يقيم الدعوى بتعديل وصف الطلاق الواقع من الزوج سواء كان ذلك الطلاق شفوياً أو ثابت بإشهاد رسمي - سواء من واحد إلى ثلاث - أي من رجعي إلى بائن والعكس، إلا أنه إذا كان قد صدر حكماً قضائياً نهائياً بإثبات طلاق الزوج لزوجته طلقة واحدة أو طلقتان طلاقاً رجعياً أو بائناً فإنه لا يجوز إقامة الدعوى بطلب تعديل وصف الطلاق الثابت بالحكم إحتراماً لحجيته التي تعلو إعتبارات النظام العام . (موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ، الصفحة : 192)
عدد الطلقات - الطلاق المتعدد لفظاً أو إشارة - الطلاق المتتابع
عدد الطلقات:
قال تعالى: ( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
فقد دلت هذه الآية على أن الزوج يملك ثلاث طلقات توقع على دفعات، لا دفعة واحدة أو دفعتين، وللزوج بعد الطلقة الأولى والثانية أن يمسك زوجته برجعتها في العدة إن كان الطلاق رجعياً بدون عقد ومهر جديدين وبدون التوقف على رضاها، فإذا انقضت عدتها أو كان طلاقها بائناً كان له أن يعيدها إلى عصمته بعقد ومهر جديدين، وإذا طلقها ثلاث مرات، فإنها تحرم عليه تحريماً مؤقتاً ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ويدخل بها دخولاً حقيقاً، ويطلقها أو يموت عنها، وتنقضي عدتها.
وحدد الشارع عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجته بثلاث طلقات، ليضع حداً للطلاق يقف عنده الزوج ولا يتعداه دفعاً لما كانت تلاقيه المرأة في الجاهلية من عنت وإمتهان إن كان الرجل في الجاهلية يطلق ما شاء ويراجع في العدة ما شاء بدون أن يكون له حد يقف عنده، فكانت المرأة تبقى معلقة فلا هي زوجة تتمتع بحقوقها الزوجية ولا هي خالية من الزوج حتى تملك التزوج من جديد.
وحدد الإسلام الطلاق بثلاث مرات لا بمرة واحدة، ليجرب الرجل نفسه بعد المرة الأولى والثانية ويروضها على الصبر والإحتمال ولتجرب المرأة نفسها أيضاً حتى إذا لم تفد التجارب ووقعت الطلقة الثالثة علم أنه ليس في البقاء خير وأن الإنفصال البات بينهما أحق وأولى.
الطلاق المتعدد لفظاً أو إشارة:
الطلاق المتعدد لفظاً، هو الذي يتكرر فيه لفظ الطلاق، كأن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق، طالق أو يكون بلفظ واحد مع إقترانه بعدد الاثنين أو الثلاث ملفوظاً، كأن يقول الرجل: أنت طالق ثلاثاً.
والطلاق المتعدد إشارة، هو الطلاق الذي يقترن بالإشارة الدالة على العدد، كما إذا قال الرجل: أنت طالق هكذا وأشار بأصابعه الثلاثة مرفوعة.
وقد ورد حكم الطلاق المتعدد لفظاً أو إشارة في المادة الثالثة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ (المعدل) التي نصت على أن:«الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحدة»..
ومفاد هذا النص أن الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة يقع طلقة واحدة لا طلقتين أو ثلاث طبقاً للعدد المقترن به.
والحكم المذكور هو رأي محمد بن إسحاق ونقل عن على وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير ونقل عن مشايخ قرطبة ومنهم محمد بن تقی بن مخلد ومحمد بن عبد السلام ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاووس وعمرو بن دينار، وقد أفتى به عكرمة وداود. وقال ابن القيم أنه رأى أكثر الصحابة ورأى بعض أصحاب مالك ورأي بعض الحنفية ورأى بعض أصحاب أحمد.
وتقع الطلقة الواحدة رجعية، إلا إذا كانت مكملة للثلاث أو على مال أو قبل الدخول عملاً بنص المادة الخامسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹.
وقد استند الرأي الذي استمد النص منه حكمه بأن الطلاق المقترن بالعدد لا يقع إلا واحدة إلى ما يأتي:
١- قوله تعالى: ( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ) فإنه يكاد يكون صريحاً في أن الطلاق لا يكون إلا مرة واحدة، وفي أن الطلاق الذي يملك الزوج بعده أن يراجع مطلقته هو طلقتان على أن يكون إيقاعهما مرة بعد مرة فإذا أوقعهما مرة واحدة بلفظ واحد فلا يقع إلا طلقة واحدة، نظير هذا: ما ورد من طلب تكرير التكبير، وتكرير الشهادة في الأذان، فإذا قال المؤذن: «الله أكبر مرتين. أو أشهد أن لا إله إلا الله مرتين»، لا يحسب من ذلك إلا مرة واحدة، ولا يعد أنه كبر مرتين، أو أشهد مرتين ومثله أيضاً ما ورد من طلب التسبيح والتحميد والتكبير عقب كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة، فإذا قال الشخص بعد الصلاة «سبحان الله ثلاثة وثلاثين مرة» فلا يكون مسبحاً إلا مرة واحدة، وكذا في التحميد والتكبير.
۲- أن طلاق السنة أن يطلق الرجل طلقة واحدة في طهر لم يدخل فيه بإمرأة، ولا في الحيض قبله، فإذا خالف السنة، وطلق اثنتين أو ثلاثاً بلفظ واحد، فإنه يمضي عليه ما أذن به الشارع، ويكون الباقي لغواً.
3- قصة ركانة: فقد روى أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول الله عليه السلام: كيف طلقتها؟ فقال: طلقتها ثلاثاً فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال: فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت، فراجعها.
4- ما رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه إذ قال: (كان الطلاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر - طلاق الثلاث يقع واحدة فقال عمر بن الخطاب: إن الناس استعجلوا أمرا لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه. فمن جعل الطلاق الثلاث بلفظ الثلاث يكون واحدة، فإنما يتبع الرسول عليه السلام ولا يتبع عمر رضي الله عنه والرسول أولى بالإتباع، وعمر رضي الله عنه مجتهد يخطئ ويصيب.
الطلاق المتتابع:
في الطلاق المتتابع هو الذي تتكرر صيغته في مجلس واحد، كأن يقول الرجل لامرأته في مجلس واحد: «أنت طالق» مرتين أو ثلاثة.
وبيان حكم الطلاق المتتابع لا تظهر أهميته إلا بالنسبة للزوجة المدخول بها دخولاً حقيقياً، أما الزوجة غير المدخول بها فإنها تبين من الطلقة الأولى، فتكون الطلقة الثانية والثالثة وقعت عليها وهي أجنبية لأنها تطلق لغير عدة. ولا يختلف الوضع إذا كان الزوج قد اختلى بها، لأن الخلوة وإن كانت تثبت العدة، إلا أنها تجب للإحتياط فقط محافظة على الأنساب.
وقد أسلفنا أن المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ (المعدل) نص في مادته الثالثة على أن: «الطلاق المقترن بعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحدة»..
والتفسير الظاهري لهذا النص يؤدي إلى القول أنه لا يسري على الطلاق المتتابع الذي يتكرر في مجلس واحد، ومن ثم يسري على الطلاق المتتابع الرأي الراجح من المذهب الحنفي عملا بالمادة (۲۸۰) من اللائحة، والرأي في هذا المذهب بإتفاق مع جمهور الفقهاء أن الطلاق المتتابع يقع، فإذا طلق الرجل المرأة طلقتين أو ثلاثة في مجلس واحد، وقع الطلاق مرتين أو ثلاثة.
وبهذا الرأي أخذت دار الإفتاء المصرية في فتواها الصادرة بتاريخ 17 / 7 / 1963 في الطلب رقم 466 لسنة 1963.
غير أن بعض الفقهاء ذهبوا - بحق - إلى أن القوانين لا تفسر بظواهر لفظها فقط بل تفسر بأغراضها ومذكراتها الإيضاحية، ومصدرها التاريخي والفكرة العلمية التي انبعثت منها فنظر الذين قالوها وبتفسير نص المادة المذكورة على ضوء ذلك، يؤدي إلى القول أن الطلاق المتتابع لا يقع إلا طلقة واحدة، وذلك لما يأتي:
1- أن غرض القانون واضح في أنه يريد القضاء على فكرة أن الزوج له أن يطلق دفعة واحدة طلقة أو اثنتين أو ثلاثاً، وأن له أن يفصم عرى الزوجية دفعة واحدة في مجلس واحد، وإذا كان ذلك غرض القانون، والعلة الباعثة عليه، فإنه يكون من العبث أن يجعل الطلاق بلفظ الثلاث طلقة واحدة، ويجعل الطلاق المتتابع ثلاث طلقات، لأن المطلق يترك هذه إلى تلك، ويفر من حكم القانون بأسهل طريق، ولفظ القانون، وإن كان ظاهره في المقترن بالعدد الذي يوصف فيه الطلاق بالعدد، فإنه يحتمل شمول الطلاق المتتابع في مجلس واحد، لأنه مقترن بالعدد في المعنى، وإن لم يوصف لفظ الطلاق بالعدد.
۲- أن المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون تزکي ذلك لأنها عبرت عن الطلاق المقترن بالعدد بقولها: «الطلاق المتعدد لفظا أو إشارة» ولا شك أن الطلاق المتتابع في مجلس واحد طلاق متعدد لفظا، لا شك في ذلك التعبير مبينا من جهة أن مراد واضع القانون من كلمة مقترن بالعدد لفظا، ما هو متعدد لفظا، ثم يشير من جهة ثانية إلى أن المقصد من القانون في هذا الباب، هو حمل المطلق على ألا يسير إلا في الطريق الذي رسمه القرآن الكريم، فلا يطلق دفعة واحدة، والطلاق في المجلس الواحد ولو تتابعا دفعة واحدة.
٣- أن المصدر التاريخي للمادة يوضح ذلك، فإن الفقهاء الذين قرروا أن الطلاق الثلاث بلفظ الثلاث يقع واحدة، هم الذين قرروا أن الطلاق المتتابع في مجلس واحد لا يقع إلا مرة واحدة، ومن المنطق المستقيم أن تأخذ برأيهم كله، وهو في موضوع واحد، ما دامت ألفاظ القانون تتسع له، ولا تضيق عنه، بعدما أشير إليه من أن القانون يحتمل التفسير الذي يرجع من حيث المعنى.
4- أن الذين قالوا أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع واحدة استشهدوا لرأيهم بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف
طلقها فقال طلقتها ثلاثا، فقال في مجلس واحد؟ قال نعم قال فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت فراجعها»، ففي هذا الحديث يعتبر النبي عليه السلام الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد على سبيل التتابع ، أو على سبيل وصف الطلاق بالعدد ، طلقة واحدة)». (موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 78)
الطلاق المقترن بعدد :
لقد اختلف الفقهاء في الطلاق الثلاث إذا وقع في وقت واحد هل يقع جميعها أم تعد طلقة واحدة علي رأيين :
الأول : لقد ذهب الأئمة الأربعة وكثير من الصحابة والتابعين علي أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة واقع ، لأن الطلاق متی قرن بالعدد ، فالوقوع يذكر بالعدد ، لأن الموقع هو العدد فإذا صرح بذكر العدد کان هو الحاصل دون ذكر الوصف . واستدلوا من الكتاب بقوله تعالى {{ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان }} فظاهرها جواز إرسال الثلاث أو الثنتين دفعة واحدة أو مفرقة وقوعها . وقال الكرماني، أن قوله الطلاق مرتان يدل على جواز جمع الثنتين ،. وإذا أجاز جمع الثنتين دفعة جاز جمع الثلاث ، وأن التسريح بإحسان عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة .
كما استدلوا بظواهر الآيات القرآنية منها قوله تعالى {{ فإن طلقها فلا تحل له من بعد هنی تنکح زوجا غيره }} وقوله تعالى {{ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن }} وقوله { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن }} وقوله {{ وللمطلقاتمتاع بالمعروف }} فآيات الطلاقات وردت مطلقة لم تفرق بين إيقاع الواحدة وغيرها . ومن السنة حديث ابن عمر قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثاً ويتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها ، هل تحل للأول ؟ قال لا حتى تذوق العسيلة قالوا فلولا أن الثلاث تقع ما وتوقف حلها للأول على ذوق العسيلة .
ومنها حديث فاطمة بنت قيس في رواية طلقني زوجي ثلاثاً فلم يجعل . لي رسول الله سکنی ولا نفقة ، قالوا فلو أنه لم يقع أصلاً أو وقع واحدة رجعية لما حرمت من السكنى والنفقة.
ومنها حديث عبادة بن الصامت قال طلق جدي امرأة له ألف تطليقه فأنطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال صلى الله عليه وسلم ما أتقي الله جدك أما ثلاث فله ، وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له .
ومنها : ما روي عن مجاهد قال كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال له أنه طلق امرأته ثلاثاً . قال فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول يا ابن عباس وأن الله قال ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ، وإنك لم تتق الله فلم يجعل لك مخرجاً عصيت ربك فبانت منك امرأتك .
أما الإجماع : فقالوا ثبت النقل عن أكثر المجاهدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن الثلاث يقعن مجتمعة ، ولم ينكر عليهم ذلك منكر ، وقد خاطب عمر الناس بإمضاء الثلاث علي من حلف بها ، وفيهم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وفيهم من يعلم ما كان عليه العمل في حياته صلى الله عليه وسلم فوافقوه ولم ينكر عليه أحد .
الرأي الثاني : فذهب ابن عباس وطاووس وعطاء وجابر بن زيد والهادي والقاسم وزيد بن علي وإليه ذهب جماعة من المتأخرين منهم إبن تيمية وإبن القيم ومحمد بن تقي ومحمد بن عبد السلام إلى أن الطلاق لا يتابع وإنما تعد طلقة واحدة فقط واستدلوا في كتاب الله بقوله تعالي {{ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان }} قد دلت الآية علي أن الطلاق المشروع بعد الدخول نوعان الطلاق الذي لا يملك الرجل فيه الرجعة وهو ما دل عليه قوله تعالى {{ فإن طلقها فلا تحل له }} والطلاق الذي يملك الرجل فيه الرجعة وهو ما يسبق هذه الطلقة .
وقد شرعه الله مرتين ولا يفهم العرب من كلمة مرتين ونحوها إلا الحصول متعاقباً دفعة بعد دفعة ، ولذلك لم يفهم أحد من قوله صلى الله عليه وسلم من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وقوله تعالى {{ والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم }} وأيمان القسامة إلا الحصول المتعاقب المتكرر بقدر العدد المطلوب ولم يذهب ذاهب إلي أن المكلف إذا أتي بها دفعة واحدة مصحوبة بكلمة العدد المطلوب يكون ممتثلاً .
وفي السنة : ما رواه ابن عباس عن ركانه أنه طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً فسأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها فقال ثلاثاً في مجلس واحد فقال له إنما تلك واحدة فارتجعها .
وما رواه طاووس عن ابن عباس كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب واحدة فقال عمر بن الخطاب أن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناه فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم ( رواه أحمد ومسلم ) وأنه رضي الله عنه هم في آخر إمارته بالرجوع إلى الواحدة ، لأن الرأي أدي إلي نتيجة معكوسة .
الحكمة في جعل الطلاق المتكرر أو المقترن بالعدد طلقة واحدة :
أنه سداً لباب التلاقي والوفاق الذي يريدها الشارع الحكيم ، فقد أعطي الزوج فرصتين للمراجعة عند الندم على إيقاع الطلاق ، فضلاً عما في ذلك من إعتداء على حدود الله ومخالفة لأمره عز وجل فقد قال الله تعالى:
{{ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن }} أي فطلقوهن لإستقبال علتهن طلقة واحدة ليكون هناك أمل في المراجعة وقد أكد هذا الأمل بقوله في الآية نفسها {{ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك امرأ }} فقال المفسرين أراد بالأمر في الآية الرجعة ، فإن طلقها ثلاثاً لا يجد سبيلاً إلي الرجعة فيضر بنفسه وبزوجته وأولاده إن كان له منها أولاد ، ويندم حيث لا ينفع الندم ، وقد كان أمامه فرصة للمرجعة فأضاعها بحمقه وسوء تصرفه وقال القرطبي في تفسيره أن جملة أنت طالق ثلاثاً ، كلام واحد متصل غير منفصل فكيف يصح جعله كلمات متقطعة وتعطي كل كلمة حكماً .
وقد أخذ المشرع الإماراتي واعتبر الطلاق الثلاث المتكرر أو المقترن بالعدد لفظاً أو كتابة أو إشارة طلقة واحدة مقرراً أن الشريعة الإسلامية راعت منتهي الحكمة في جعل الطلاق على ثلاث دفعات وذلك ليجرب الرجل نفسه بعد المرة الأولى والثانية ويروضها علي إحتمال الصبر والأذى ، حتى إذا لم تفسده التجارب ووقعت الثالثة علم أنه ليس في البقاء خير ، وان الإنفصال البات بينهما أحق وأولي ، والقول بوقوع الثلاثة دفعة واحدة مبطل لهذه الحكمة وقال في المثنى لإبن قدامه إن قال أنت طالق ، طالق ، طالق ، وقال أردت التوكيد ، قبل منه ، لأن الكلام يكرر للتوكيد كقوله صلى الله عليه وسلم نكاحها باطل ، باطل ، باطل .
أما أن قصد الإيقاع وكرر الطلقات ، طلقت ثلاثاً وإن لم ينو شيئاً لم يقع إلا واحدة ، لأنه لم يأت بينهما بحرف يقتضي المغايرة .
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية تعليقاً علي هذه المادة أن الطلاق المتعدد لفظاً أو إشارة لا يقع إلا واحدة ، وهو رأي محمد بن إسحاق ونقل عن علي وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير ونقل عن مشايخ قرطبة ومنهم محمد بن تقي بن مخلد ، ومحمد بن عبد السلام ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاووس وعمرو بن دینار وقد أفتى به عكرمة وداود وقال ابن القيم أنه رأي كثير من الصحابة ، ورأي بعض أصحاب مالك ورأي بعض الحنفية ورأي بعض أصحاب أحمد . (الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 287).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الأول ، الصفحة / 210
تَكْرَارُ الطَّلاَقِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ:
لَوْ قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا وَمَنْ فِي حُكْمِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَنَوَى تَكْرَارَ الْوُقُوعِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ ثَلاَثًا عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ، وَلاَ تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: «أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ أَقْتُلُهُ؟».
وَعِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ تَقَعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً.وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَطَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ، لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ الطَّلاَقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ طَلاَقُ الثَّلاَثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ».
وَإِنْ أَرَادَ التَّأْكِيدَ أَوِ الإِْفْهَامَ فَإِنَّهُ تَقَعُ وَاحِدَةً.
وَتُقْبَلُ نِيَّةُ التَّأْكِيدِ دِيَانَةً لاَ قَضَاءً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَتُقْبَلُ قَضَاءً وَإِفْتَاءً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ فَيَقَعُ ثَلاَثًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الأَْصْلَ عَدَمُ التَّأْكِيدِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ تَقَعُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأَِنَّ التَّأْكِيدَ مُحْتَمَلٌ، فَيُؤْخَذُ بِالْيَقِينِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ.
وَمِثْلُ: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، فِي وُقُوعِ الطَّلاَقِ وَتَعَدُّدِهِ عِنْدَ نِيَّتِهِ، وَفِي إِرَادَةِ التَّأْكِيدِ وَالإِْفْهَامِ. أَمَّا عِنْدَ الإِْطْلاَقِ فَإِنَّهُ يَقَعُ الطَّلاَقُ ثَلاَثًا فِي الأُْولَى، وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَةِ.
الْفَصْلُ بَيْنَ الطَّلاَقِ وَعَدَدِهِ:
لاَ تَضُرُّ سَكْتَةُ التَّنَفُّسِ، وَالْعِيِّ فِي الاِتِّصَالِ بَيْنَ الطَّلاَقِ وَعَدَدِهِ. فَإِنْ كَانَ السُّكُوتُ فَوْقَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَضُرُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ تَقَعُ مَعَهُ نِيَّةُ التَّأْكِيدِ. وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ إِلاَّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا.وَفِي الْمَدْخُولِ بِهَايَحْصُلُ التَّأْكِيدُ بِدُونِ نَسَقٍ (أَيْ عَطْفِهِ بِالْفَاءِ أَوْ بِالْوَاوِ أَوْ ثُمَّ).
تَكْرَارُ الطَّلاَقِ مَعَ الْعَطْفِ:
التَّكْرَارُ مَعَ الْعَطْفِ كَعَدَمِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فِي تَعَدُّدِ الطَّلاَقِ، وَفِي نِيَّةِ التَّأْكِيدِ وَالإِْفْهَامِ، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ وَالْفَاءِ وَثُمَّ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ، وَلاَ تُقْبَلُ نِيَّةُ التَّوْكِيدِ مَعَ الْفَاءِ وَثُمَّ، وَفِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ مَا يُفِيدُ أَنَّ التَّأْكِيدَ بِثُمَّ كَالتَّأْكِيدِ بِالْوَاوِ، كَمَا فِي الْعُبَابِ.
وَلاَ تُقْبَلُ نِيَّةُ التَّأْكِيدِ مَعَ الْعَطْفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، وَلاَ يَتَأَتَّى مَعَهَا التَّأْكِيدُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ وَثُمَّ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الأول ، الصفحة / 212
تَكْرَارُ الطَّلاَقِ مَعَ الْعَطْفِ:
التَّكْرَارُ مَعَ الْعَطْفِ كَعَدَمِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فِي تَعَدُّدِ الطَّلاَقِ، وَفِي نِيَّةِ التَّأْكِيدِ وَالإِْفْهَامِ، فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ وَالْفَاءِ وَثُمَّ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ، وَلاَ تُقْبَلُ نِيَّةُ التَّوْكِيدِ مَعَ الْفَاءِ وَثُمَّ، وَفِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ مَا يُفِيدُ أَنَّ التَّأْكِيدَ بِثُمَّ كَالتَّأْكِيدِ بِالْوَاوِ، كَمَا فِي الْعُبَابِ.
وَلاَ تُقْبَلُ نِيَّةُ التَّأْكِيدِ مَعَ الْعَطْفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، وَلاَ يَتَأَتَّى مَعَهَا التَّأْكِيدُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ وَثُمَّ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والعشرون ، الصفحة / 5
طَلاَقٌ
التَّعْرِيفُ:
- الطَّلاَقُ فِي اللُّغَةِ: الْحَلُّ وَرَفْعُ الْقَيْدِ، وَهُوَ اسْمٌ مَصْدَرُهُ التَّطْلِيقُ، وَيُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ: طَلُقَتِ الْمَرْأَةُ تَطْلُقُ فَهِيَ طَالِقٌ بِدُونِ هَاءٍ، وَرُوِيَ بِالْهَاءِ (طَالِقَةٌ) إِذَا بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا، وَيُرَادِفُهُ الإِْطْلاَقُ، يُقَالُ: طَلَّقْتُ وَأَطْلَقْتُ بِمَعْنَى سَرَّحْتُ، وَقِيلَ: الطَّلاَقُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا طَلُقَتْ، وَالإِْطْلاَقُ لِغَيْرِهَا إِذَا سُرِّحَ، فَيُقَالُ: طَلَّقْتُ الْمَرْأَةَ، وَأَطْلَقْتُ الأَْسِيرَ، وَقَدِ اعْتَمَدَ الْفُقَهَاءُ هَذَا الْفَرْقَ، فَقَالُوا: بِلَفْظِ الطَّلاَقِ يَكُونُ صَرِيحًا، وَبِلَفْظِ الإِْطْلاَقِ يَكُونُ كِنَايَةً.
وَجَمْعُ طَالِقٍ طُلَّقٌ، وَطَالِقَةٌ تُجْمَعُ عَلَى طَوَالِقَ، وَإِذَا أَكْثَرَ الزَّوْجُ الطَّلاَقَ كَانَ مِطْلاَقًا وَمِطْلِيقًا، وَطَلِقَةً. وَالطَّلاَقُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ فِي الْحَالِ أَوِ الْمَآلِ بِلَفْظٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَالْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ هُنَا: النِّكَاحُ الصَّحِيحُ خَاصَّةً، فَلَوْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَصِحَّ فِيهِ الطَّلاَقُ، وَلَكِنْ يَكُونُ مُتَارَكَةً أَوْ فَسْخًا.
وَالأَْصْلُ فِي الطَّلاَقِ أَنَّهُ مِلْكُ الزَّوْجِ وَحْدَهُ، وَقَدْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ بِإِنَابَتِهِ، كَمَا فِي الْوَكَالَةِ وَالتَّفْوِيضِ، أَوْ بِدُونِ إِنَابَةٍ، كَالْقَاضِي فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ، قَالَ الشِّرْبِينِيُّ فِي تَعْرِيفِ الطَّلاَقِ نَقْلاً عَنِ التَّهْذِيبِ: تَصَرُّفٌ مَمْلُوكٌ لِلزَّوْجِ يُحْدِثُهُ بِلاَ سَبَبٍ، فَيَقْطَعُ النِّكَاحَ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْفَسْخُ:
- الْفَسْخُ فِي اللُّغَةِ: النَّقْضُ وَالإِْزَالَةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَلُّ رَابِطَةِ الْعَقْدِ وَبِهِ تَنْهَدِمُ آثَارُ الْعَقْدِ وَأَحْكَامُهُ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهُ.
وَبِهَذَا يُقَارِبُ الطَّلاَقَ، إِلاَّ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّ الْفَسْخَ نَقْضٌ لِلْعَقْدِ الْمُنْشِئِ لِهَذِهِ الآْثَارِ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَلاَ يَنْقُضُ الْعَقْدَ، وَلَكِنْ يُنْهِي آثَارَهُ فَقَطْ.
الْمُتَارَكَةُ:
- الْمُتَارَكَةُ فِي اللُّغَةِ: الرَّحِيلُ وَالْمُفَارَقَةُ مُطْلَقًا، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ لِلإِْسْقَاطِ فِي الْمَعَانِي، يُقَالُ: تَرَكَ حَقَّهُ إِذَا أَسْقَطَهُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَرْكُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَالتَّرْكُ بَعْدَ الدُّخُولِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْقَوْلِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، كَقَوْلِهِ لَهَا: خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، أَوْ تَرَكْتُكِ، وَكَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الأْصَحِّ .
وَالْمُتَارَكَةُ تُوَافِقُ الطَّلاَقَ مِنْ وَجْهٍ وَتُخَالِفُهُ مِنْ وَجْهٍ، تُوَافِقُهُ فِي حَقِّ إِنْهَاءِ آثَارِ النِّكَاحِ، وَفِي أَنَّهَا حَقُّ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وَتُخَالِفُهُ فِي أَنَّهَا لاَ تُحْسَبُ عَلَيْهِ وَاحِدَةً، وَأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَالْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَمَخْصُوصٌ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ.
الْخُلْعُ:
- الْخُلْعُ فِي اللُّغَةِ: النَّزْعُ، وَخَالَعَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مُخَالَعَةً وَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ إِذَا افْتَدَتْ مِنْهُ وَطَلَّقَهَا عَلَى الْفِدْيَةِ، وَالْمَصْدَرُ الْخَلْعُ، وَالْخُلْعُ اسْمٌ.
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: إِزَالَةُ مِلْكِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْخُلْعِ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مُقَابِلَ عِوَضٍ تَلْتَزِمُ بِهِ الزَّوْجَةُ أَوْ غَيْرُهَا لِلزَّوْجِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُفْتَى بِهِ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنَّ الْخُلْعَ طَلاَقٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَشْهَرِ مَا يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ فَسْخٌ.
التَّفْرِيقُ:
التَّفْرِيقُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ فَرَّقَ، وَفِعْلُهُ الثُّلاَثِيُّ فَرَقَ، يُقَالُ: فَرَقْتُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، أَيْ فَصَلْتُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ فِي الْمَعَانِي بِالتَّخْفِيفِ، يُقَالُ: فَرَقْتُ بَيْنَ الْكَلاَمَيْنِ، وَبِالتَّشْدِيدِ فِي الأَْعْيَانِ، يُقَالُ: فَرَّقْتُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ وَالْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالتَّشْدِيدُ لِلْمُبَالَغَةِ. وَالتَّفْرِيقُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: إِنْهَاءُ الْعَلاَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِحُكْمِ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى طَلَبِ أَحَدِهِمَا لِسَبَبٍ، كَالشِّقَاقِ وَالضَّرَرِ وَعَدَمِ الإِْنْفَاقِ.. أَوْ بِدُونِ طَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ حِفْظًا لِحَقِّ الشَّرْعِ، كَمَا إِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ.
وَمَا يَقَعُ بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي: طَلاَقٌ بَائِنٌ فِي أَحْوَالٍ، وَفَسْخٌ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى، وَهُوَ طَلاَقٌ رَجْعِيٌّ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ.
الإِْيلاَءُ:
- الإِْيلاَءُ فِي اللُّغَةِ الْحَلِفُ، مِنْ آلَى يُؤْلِي إِيلاَءً، يُجْمَعُ عَلَى أَلاَيَا. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَلِفُ الزَّوْجِ عَلَى تَرْكِ قُرْبِ زَوْجَتِهِ مُدَّةً مَخْصُوصَةً. وَقَدْ حَدَّدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي قوله تعالى :( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فَإِذَا انْقَضَتِ الأْشْهُرُ الأْرْبَعَةُ بِغَيْرِ قُرْبٍ مِنْهُ لَهَا طَلُقَتْ مِنْهُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتَحَقَّتِ الطَّلاَقَ مِنْهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، حَيْثُ تَرْفَعُهُ الزَّوْجَةُ لِلْقَاضِي لِيُخَيِّرَهُ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْفِرَاقِ، فَإِنْ قَرِبَهَا انْحَلَّ الإْيلاَءُ، وَإِنْ رَفَضَ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ.
اللِّعَانُ:
- اللَّعْنُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرْدُ وَالإِْبْعَادُ مِنَ الْخَيْرِ، وَالْمِسَبَّةُ، يُقَالُ: لَعَنَهُ لَعْنًا، وَلاَعَنَهُ مُلاَعَنَةً، وَلِعَانًا، وَتَلاَعَنُوا، إِذَا لَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: عَرَّفَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ: بِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الشَّهَادَاتِ بِالأَْلْفَاظِ الْمَعْرُوفَةِ. وَقَدْ سُمِّيَ بِاللِّعَانِ لِمَا فِي قَوْلِ الزَّوْجِ فِي الأَْيْمَانِ: إِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَذَلِكَ وَفْقًا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ) وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ).
وَالتَّحْرِيمُ بَعْدَ اللِّعَانِ بَيْنَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ يَكُونُ عَلَى التَّأْبِيدِ، أَمَّا الطَّلاَقُ فَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ كَذَلِكَ.
الظِّهَارُ:
- الظِّهَارُ قَوْلُ الرَّجُلِ لاِمْرَأَتِهِ: «أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي»، وَكَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ ضَرْبًا مِنَ الطَّلاَقِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَشْبِيهُ الْمُسْلِمِ زَوْجَتَهُ أَوْ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ، بِخِلاَفِ زَوْجَةِ الْغَيْرِ، فَإِنَّ حُرْمَتَهَا مُؤَقَّتَةٌ، وَيُسَمَّى الظِّهَارُ بِذَلِكَ لِمَا غَلَبَ عَلَى الْمُظَاهِرَيْنِ مِنَ التَّشْبِيهِ بِظَهْرِ الْمُحَرَّمِ، كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: «أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي» وَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِالتَّشْبِيهِ بِالظَّهْرِ.
وَلاَ تَفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الظِّهَارِ، وَلَكِنْ يَحْرُمُ بِهِ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ حَتَّى يُكَفِّرَ الْمُظَاهِرُ، فَإِنْ كَفَّرَ حَلَّتْ لَهُ زَوْجَتُهُ بِالْعَقْدِ الأْوَّلِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلطَّلاَقِ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَصْلِ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلاَقِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ، مِنْهَا:
- قوله تعالى :( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ).
- قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).
- قَوْلُ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاَقِ».
- حَدِيثُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا».
- حَدِيثُ «ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي حَيْضِهَا، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِارْتِجَاعِهَا ثُمَّ طَلاَقِهَا بَعْدَ طُهْرِهَا، إِنْ شَاءَ».
- إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ - لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ الأْصْلِيِّ لِلطَّلاَقِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الأْصْلَ فِي الطَّلاَقِ الإِبَاحَةُ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْهَا فِي أَحْوَالٍ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الأْصْلَ فِيهِ الْحَظْرُ، وَيَخْرُجُ عَنِ الْحَظْرِ فِي أَحْوَالٍ. وَعَلَى كُلٍّ فَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى أَنَّهُ تَعْتَرِيهِ الأْحْكَامُ؛ فَيَكُونُ مُبَاحًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ وَاجِبًا، كَمَا يَكُون مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا وَذَلِكَ بِحَسَبِ الظُّرُوفِ وَالأَْحْوَالِ الَّتِي تُرَافِقُهُ، بِحَسَبِ مَا يَلِي: -
- فَيَكُونُ وَاجِبًا كَالْمُولِي إِذَا أَبَى الْفَيْئَةَ إِلَى زَوْجَتِهِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ، عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنَّهُمْ يُوقِعُونَ الْفُرْقَةَ بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ حُكْمًا، وَكَطَلاَقِ الْحَكَمَيْنِ فِي الشِّقَاقِ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا التَّوْفِيقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَرَأَيَا الطَّلاَقَ، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالتَّفْرِيقِ لِذَلِكَ.
- وَيَكُونُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ إِذَا فَرَّطَتِ الزَّوْجَةُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا - مِثْلِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا - وَكَذَلِكَ يُنْدَبُ الطَّلاَقُ لِلزَّوْجِ إِذَا طَلَبَتْ زَوْجَتُهُ ذَلِكَ لِلشِّقَاقِ.
- وَيَكُونُ مُبَاحًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِدَفْعِ سُوءِ خُلُقِ الْمَرْأَةِ وَسُوءِ عِشْرَتِهَا، أَوْ لأِنَّهُ لاَ يُحِبُّهَا.
- وَيَكُونُ مَكْرُوهًا إِذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ مِنْ دَاعٍ إِلَيْهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: هُوَ حَرَامٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الإْضْرَارِ بِالزَّوْجَةِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ إِلَيْهِ.
- وَيَكُونُ حَرَامًا وَهُوَ الطَّلاَقُ فِي الْحَيْضِ، أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، وَهُوَ الطَّلاَقُ الْبِدْعِيُّ، وَسَوْفَ يَأْتِي بَيَانُهُ. قَالَ الدَّرْدِيرُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّلاَقَ مِنْ حَيْثُ هُوَ جَائِزٌ، وَقَدْ تَعْتَرِيهِ الأْحْكَامُ الأْرْبَعَةُ: مِنْ حُرْمَةٍ وَكَرَاهَةٍ، وَوُجُوبٍ وَنَدْبٍ.
حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الطَّلاَقِ:
- لَقَدْ نَبَّهَ الإْسْلاَمُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ إِلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ الشَّرِيكِ وَالشَّرِيكَةِ فِي الزَّوَاجِ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ وَانْكِحُوا الأَْكْفَاءَ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ». وَقَالَ: «لاَ تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ لِحُسْنِهِنَّ، فَعَسَى حُسْنُهُنَّ أَنْ يُرْدِيَهُنَّ، وَلاَ تَزَوَّجُوهُنَّ لأَِمْوَالِهِنَّ فَلَعَلَّ أَمْوَالَهُنَّ أَنْ تُطْغِيَهُنَّ وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى الدِّينِ، وَلأََمَةٌ خَرْمَاءُ سَوْدَاءُ ذَاتُ دِينٍ، أَفْضَلُ» وَقَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَِرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» «وَقَالَ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عِنْدَمَا خَطَبَ امْرَأَةً: انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا».
وَقَالَ: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأْمَمَ»، وَقَالَ لأِوْلِيَاءِ النِّسَاءِ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأْرْضِ وَفَسَادٌ».
إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ - عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ - قَدْ لاَ يَضْمَنُ اسْتِمْرَارَ السَّعَادَةِ وَالاِسْتِقْرَارِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَرُبَّمَا قَصَّرَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي الأْخْذِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَرُبَّمَا أَخَذَا بِهِ، وَلَكِنْ جَدَّ فِي حَيَاةِ الزَّوْجَيْنِ الْهَانِئَيْنِ مَا يُثِيرُ بَيْنَهُمَا الْقَلاَقِلَ وَالشِّقَاقَ، كَمَرَضِ أَحَدِهِمَا أَوْ عَجْزِهِ وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ عَنَاصِرَ خَارِجَةٍ عَنِ الزَّوْجَيْنِ أَصْلاً، كَالأَْهْلِ وَالْجِيرَانِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ انْصِرَافَ الْقَلْبِ وَتَغَيُّرَهُ، فَيُبْدَأُ بِنُصْحِ الزَّوْجَيْنِ وَإِرْشَادِهِمَا إِلَى الصَّبْرِ وَالاِحْتِمَالِ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَ التَّقْصِيرُ مِنَ الزَّوْجَةِ، قَالَ تَعَالَى: ) وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).
إِلاَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الصَّبْرِ قَدْ لاَ يَتَيَسَّرُ لِلزَّوْجَيْنِ أَوْ لاَ يَسْتَطِيعَانِهِ، فَرُبَّمَا كَانَتْ أَسْبَابُ الشِّقَاقِ فَوْقَ الاِحْتِمَالِ، أَوْ كَانَا فِي حَالَةٍ نَفْسِيَّةٍ لاَ تُسَاعِدُهُمَا عَلَى الصَّبْرِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالِ: إِمَّا أَنْ يَأْمُرَ الشَّرْعُ بِالإِْبْقَاءِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ مَعَ اسْتِمْرَارِ الشِّقَاقِ الَّذِي قَدْ يَتَضَاعَفُ وَيُنْتَجُ عَنْهُ فِتْنَةٌ، أَوْ جَرِيمَةٌ، أَوْ تَقْصِيرٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ عَلَى الأَْقَلِّ تَفْوِيتُ الْحِكْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا شُرِعَ النِّكَاحُ، وَهِيَ الْمَوَدَّةُ وَالأْلْفَةُ وَالنَّسْلُ الصَّالِحُ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنَ بِالطَّلاَقِ وَالْفِرَاقِ، وَهُوَ مَا اتَّجَهَ إِلَيْهِ التَّشْرِيعُ الإْسْلاَمِيُّ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الطَّلاَقَ قَدْ يَتَمَحَّضُ طَرِيقًا لإِِنْهَاءِ الشِّقَاقِ وَالْخِلاَفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ لِيَسْتَأْنِفَ الزَّوْجَانِ بَعْدَهُ حَيَاتَهُمَا مُنْفَرِدَيْنِ أَوْ مُرْتَبِطَيْنِ بِرَوَابِطَ زَوْجِيَّةٍ أُخْرَى، حَيْثُ يَجِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَنْ يَأْلَفُهُ وَيَحْتَمِلُهُ، قَالَ تَعَالَى: ) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا)
وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: بِوُجُوبِ الطَّلاَقِ فِي أَحْوَالٍ، وَبِنَدْبِهِ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى - كَمَا تَقَدَّمَ - عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ تَقْدِيمًا لِلضَّرَرِ الأْخَفِّ عَلَى الضَّرَرِ الأْشَدِّ، وَفْقًا لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ «يُخْتَارُ أَهْوَنُ الشَّرَّيْنِ». وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ الْقَائِلَةُ: «الضَّرَرُ الأْشَدُّ يُزَالُ بِالضَّرَرِ الأَْخَفِّ» وَيُسْتَأْنَسُ فِي ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ زَوْجَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ، وَلَكِنَّنِي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإْسْلاَمِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً».
مَنْ لَهُ حَقُّ الطَّلاَقِ:
- الطَّلاَقُ: نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَرْقِ وَهُوَ مِلْكٌ لِلزَّوْجِ وَحْدَهُ، ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يَمْلِكُ مُفَارَقَةَ زَوْجَتِهِ إِذَا وَجَدَ مَا يَدْعُوهُ إِلَى ذَلِكَ بِعِبَارَتِهِ وَإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ، كَمَا تَمْلِكُ الزَّوْجَةُ طَلَبَ إِنْهَاءِ عَلاَقَتِهَا الزَّوْجِيَّةِ إِذَا وُجِدَ مَا يُبَرِّرُ ذَلِكَ، كَإِعْسَارِ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ، وَغَيْبَةِ الزَّوْجِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابٍ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا تَوْسِعَةً وَتَضْيِيقًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ بِعِبَارَتِهَا، وَإِنَّمَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، إِلاَّ أَنْ يُفَوِّضَهَا الزَّوْجُ بِالطَّلاَقِ، فَإِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ تَمْلِكُهُ بِقَوْلِهَا أَيْضًا.
فَإِذَا اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى الْفِرَاقِ، جَازَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَتِمُّ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى قَضَاءٍ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي، فَإِنَّ لَهُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الأَْسْبَابِ مَا يَدْعُوهُ لِذَلِكَ، حِمَايَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا فِي رِدَّةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - أَوْ إِسْلاَمِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْمَجُوسِيَّيْنِ وَامْتِنَاعِ الآْخَرِ عَنِ الإِْسْلاَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.. إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لاَ يُسَمَّى طَلاَقًا سِوَى الأْوَّلِ الَّذِي يَكُونُ بِإِرَادَةِ الزَّوْجِ الْخَاصَّةِ وَعِبَارَتِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الطَّلاَقَ هَذَا حَقُّ الزَّوْجِ خَاصَّةً قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا الطَّلاَقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ».
ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الْمُطَلِّقَ لاَ يُسْأَلُ عَنْ سَبَبِ الطَّلاَقِ عِنْدَ إِقْدَامِهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأِسْبَابٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا:
- حِفْظُ أَسْرَارِ الأْسْرَةِ.
- حِفْظُ كَرَامَةِ الزَّوْجَةِ وَسُمْعَتِهَا.
- الْعَجْزُ عَنْ إِثْبَاتِ الْكَثِيرِ مِنْ تِلْكَ الأَْسْبَابِ؛ لأِنَّ غَالِبَ أَسْبَابِ الشِّقَاقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَكُونُ خَفِيَّةً يَصْعُبُ إِثْبَاتُهَا، فَإِذَا كَلَّفْنَاهُ بِذَلِكَ نَكُونُ قَدْ كَلَّفْنَاهُ بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَوْ يُحْرِجُهُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، لقوله تعالى: ) وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
- ثُمَّ إِنَّ فِي إِقْدَامِ الزَّوْجِ عَلَى الطَّلاَقِ وَتَحَمُّلِهِ الأَْعْبَاءَ الْمَالِيَّةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَيْهِ، مِنْ مَهْرٍ مُؤَجَّلٍ، وَنَفَقَةٍ وَمُتْعَةٍ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا - وَأُجْرَةِ حَضَانَةٍ لِلأَْوْلاَدِ.. لَقَرِينَةٌ كَافِيَةٌ عَلَى قِيَامِ أَسْبَابٍ مَشْرُوعَةٍ تَدْعُوهُ لِلطَّلاَقِ.
- وَلِكَوْنِ الطَّلاَقِ مُبَاحًا أَصْلاً عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ، إِبَاحَةً مُطْلَقَةً عَنْ أَيِّ شَرْطٍ أَوْ قَيْدٍ.
مَحَلُّ الطَّلاَقِ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الطَّلاَقِ الزَّوْجَةُ فِي زَوْجِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، حَصَلَ فِيهَا دُخُولٌ أَمْ لاَ، فَلَوْ كَانَ الزَّوَاجُ بَاطِلاً أَوْ فَاسِدًا، فَطَلَّقَهَا، لَمْ تَطْلُقْ، لأِنَّ الطَّلاَقَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ خَاصَّةً.
وَهَلْ يُعَدُّ لَفْظُ الطَّلاَقِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مُتَارَكَةً؟ وَالْجَوَابُ: نَعَمْ، لَكِنْ لاَ يَنْقُصُ بِهِ الْعَدَدُ، لأِنَّهُ لَيْسَ طَلاَقًا، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: طَلَّقَ الْمَنْكُوحَةَ فَاسِدًا ثَلاَثًا، لَهُ تَزَوُّجُهَا بِلاَ مُحَلِّلٍ.. لِكَوْنِ الطَّلاَقِ لاَ يَتَحَقَّقُ فِي الْفَاسِدِ، وَلِذَا كَانَ غَيْرَ مُنْقِصٍ لِلْعَدَدِ، بَلْ مُتَارَكَةً.
وَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ بَعْدَ الْوَطْءِ بِشُبْهَةٍ، لاِنْعِدَامِ الزَّوْجِيَّةِ أَصْلاً.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى وُقُوعِ الطَّلاَقِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ، حَتَّى لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ لَهَا فِي عِدَّتِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، ثَانِيَةً، كَانَتَا طَلْقَتَيْنِ، مَا لَمْ يُرِدْ تَأْكِيدَ الأُْولَى، فَإِنْ أَرَادَ تَأْكِيدَ الأُْولَى لَمْ تَقَعِ الثَّانِيَةُ، مَا لَمْ تَكُنْ قَرَائِنُ الْحَالِ تَمْنَعُ صِحَّةَ إِرَادَةِ التَّأْكِيدِ، وَذَلِكَ لأِنَّ الطَّلاَقَ الرَّجْعِيَّ لاَ يُنْهِي الْعَلاَقَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، بِدَلاَلَةِ جَوَازِ رُجُوعِهِ إِلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ بِالْعَقْدِ الأْوَّلِ دُونَ عَقْدٍ جَدِيدٍ.
أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ بَائِنًا وَالْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا إِذَا طَلَّقَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهَا: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ الطَّلاَقِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْبَيْنُونَةُ صُغْرَى أَمْ كُبْرَى، وَكَذَلِكَ الْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا، وَذَلِكَ لاِنْقِضَاءِ النِّكَاحِ بِالْبَيْنُونَةِ وَالْفَسْخِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُبَانَةَ بَيْنُونَةً صُغْرَى فِي عِدَّتِهَا زَوْجَةٌ مِنْ وَجْهٍ بِدَلاَلَةِ جَوَازِ عَوْدِهَا إِلَى زَوْجِهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ أَثْنَاءَ الْعِدَّةِ، وَلاَ يَجُوزُ زَوَاجُهَا مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهَا مَحَلٌّ لِصِحَّةِ الطَّلاَقِ عِنْدَهُمْ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ طَلَّقَ رَجُلٌ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا بَائِنًا مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا أُخْرَى فِي عِدَّتِهَا كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، هَذَا مَا لَمْ يَقْصِدْ تَأْكِيدَ الأُْولَى، فَإِنْ قَصَدَ تَأْكِيدَ الأُْولَى لَمْ تَقَعِ الثَّانِيَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ.
وَأَمَّا الْمَفْسُوخُ زَوَاجُهَا فَلَمْ يَرَ الْحَنَفِيَّةُ وُقُوعَ الطَّلاَقِ فِي عِدَّتِهَا إِذَا كَانَ سَبَبُ الْفَسْخِ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، كَتَقْبِيلِهَا ابْنَ زَوْجِهَا بِشَهْوَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْحُرْمَةُ غَيْرَ مُؤَبَّدَةٍ كَانَتْ مَحَلًّا لِلطَّلاَقِ فِي أَحْوَالٍ، وَغَيْرَ مَحَلٍّ لَهُ فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ فَقَالَ: وَمَحَلُّهُ الْمَنْكُوحَةُ، أَيْ وَلَوْ مُعْتَدَّةً عَنْ طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ أَوْ بَائِنٍ غَيْرِ ثَلاَثٍ فِي حُرَّةٍ وَثِنْتَيْنِ فِي أَمَةٍ، أَوْ عَنْ فَسْخٍ بِتَفْرِيقٍ لإِِبَاءِ أَحَدِهِمَا عَنِ الإِْسْلاَمِ أَوْ بِارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا.. بِخِلاَفِ عِدَّةِ الْفَسْخِ بِحُرْمَةٍ مُؤَبَّدَةٍ كَتَقْبِيلِ ابْنِ الزَّوْجِ، أَوْ غَيْرِ مُؤَبَّدَةٍ، كَالْفَسْخِ بِخِيَارِ عِتْقٍ، وَبُلُوغٍ، وَعَدَمِ كَفَاءَةٍ، وَنُقْصَانِ مَهْرٍ، وَسَبْيِ أَحَدِهِمَا، وَمُهَاجَرَتِهِ، فَلاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ فِيهَا كَمَا حَرَّرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنِ الْفَتْحِ.
رُكْنُ الطَّلاَقِ:
- رُكْنُ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الصِّيغَةُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهُ. أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: فَإِنَّهُمْ يَتَوَسَّعُونَ فِي مَعْنَى الرُّكْنِ، وَيُدْخِلُونَ فِيهِ مَا يُسَمِّيهِ الْحَنَفِيَّةُ أَطْرَافَ التَّصَرُّفِ. وَالطَّلاَقُ بِالاِتِّفَاقِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ، فَرُكْنُ الطَّلاَقِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ: الصِّيغَةُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنْهُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لِلطَّلاَقِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ، هِيَ: أَهْلٌ، وَقَصْدٌ، وَمَحَلٌّ، وَلَفْظٌ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَرْكَانٌ خَمْسَةٌ: مُطَلِّقٌ، وَصِيغَةٌ، وَمَحَلٌّ، وَوِلاَيَةٌ، وَقَصْدٌ. وَالأَْصْلُ فِي الصِّيغَةِ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الطَّلاَقِ الْكَلاَمُ، وَقَدْ يَنُوبُ عَنْهُ الْكِتَابَةُ أَوِ الإِْشَارَةُ، وَلاَ يَنْعَقِدُ الطَّلاَقُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ نَوَى الطَّلاَقَ دُونَ لَفْظٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ لَمْ يَكُنْ مُطَلِّقًا، وَكَذَلِكَ إِذَا أَمَرَ زَوْجَتَهُ بِحَلْقِ شَعْرِهَا بِقَصْدِ الطَّلاَقِ، لاَ يَكُونُ مُطَلِّقًا أَيْضًا.
شُرُوطُ الطَّلاَقِ:
- يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الطَّلاَقِ لَدَى الْفُقَهَاءِ شُرُوطٌ مُوَزَّعَةٌ عَلَى أَطْرَافِ الطَّلاَقِ الثَّلاَثَةِ، فَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُطَلِّقِ، وَبَعْضُهَا بِالْمُطَلَّقَةِ، وَبَعْضُهَا بِالصِّيغَةِ، وَذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُطَلِّقِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمُطَلِّقِ لِيَقَعَ طَلاَقُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ صَحِيحًا شُرُوطٌ، هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ - أَنْ يَكُونَ زَوْجًا:
- وَالزَّوْجُ: هُوَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ عَقْدُ زَوَاجٍ صَحِيحٍ.
الشَّرْطُ الثَّانِي - الْبُلُوغُ:
- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِ الصَّغِيرِ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، مُرَاهِقًا أَوْ غَيْرَ مُرَاهِقٍ، أُذِنَ لَهُ بِذَلِكَ أَمْ لاَ، أُجِيزَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْوَلِيِّ أَمْ لاَ، عَلَى سَوَاءٍ، ذَلِكَ لأِنَّ الطَّلاَقَ ضَرَرٌ مَحْضٌ، فَلاَ يَمْلِكُهُ الصَّغِيرُ وَلاَ يَمْلِكُهُ وَلِيُّهُ وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ».
وَخَالَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ الطَّلاَقَ، فَقَالُوا: إِنَّ طَلاَقَهُ وَاقِعٌ عَلَى أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ. أَمَّا مَنْ لاَ يَعْقِلُ فَوَافَقُوا الْجُمْهُورَ فِي أَنَّهُ لاَ يَقَعُ طَلاَقُهُ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَأَمَّا الصَّبِيُّ الَّذِي لاَ يَعْقِلُ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ لاَ طَلاَقَ لَهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَعْقِلُ الطَّلاَقَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَبِينُ مِنْهُ بِهِ وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ: فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ طَلاَقَهُ يَقَعُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَالْخِرَقِيُّ وَابْنُ حَامِدٍ.. وَرَوَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يَجُوزُ طَلاَقُهُ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ.. وَرَوَى أَبُو الْحَارِثِ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا عَقَلَ الطَّلاَقَ جَازَ طَلاَقُهُ مَا بَيْنَ عَشْرٍ إِلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَقَعُ لِدُونِ الْعَشْرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، لأِنَّ الْعَشْرَ حَدُّ الضَّرْبِ عَلَى الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: إِذَا أَحْصَى الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ جَازَ طَلاَقُهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا بَلَغَ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ وَعَنِ الْحَسَنِ: إِذَا عَقَلَ وَحَفِظَ الصَّلاَةَ وَصَامَ رَمَضَانَ وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِذَا جَاوَزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ - الْعَقْلُ:
- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ طَلاَقِ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ لِفِقْدَانِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ فِي الأْوَّلِ، وَنُقْصَانِهَا فِي الثَّانِي، فَأَلْحَقُوهُمَا بِالصَّغِيرِ غَيْرِ الْبَالِغِ، فَلَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الأَْدِلَّةِ.
وَهَذَا فِي الْجُنُونِ الدَّائِمِ الْمُطْبِقِ، أَمَّا الْجُنُونُ الْمُتَقَطِّعُ فَإِنَّ حُكْمَ طَلاَقِ الْمُبْتَلَى بِهِ مَنُوطٌ بِحَالِهِ عِنْدَ الطَّلاَقِ، فَإِنْ طَلَّقَ وَهُوَ مَجْنُونٌ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ طَلَّقَ فِي إِفَاقَتِهِ وَقَعَ لِكَمَالِ أَهْلِيَّتِهِ. وَقَدْ أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِالْمَجْنُونِ النَّائِمَ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمُبَرْسَمَ وَالْمَدْهُوشَ، وَذَلِكَ لاِنْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ لَدَيْهِمْ وَلِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ...» وَحَدِيثِ: «لاَ طَلاَقَ وَلاَ عَتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ».
وَأَمَّا السَّكْرَانُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِسُكْرِهِ، كَمَا إِذَا سَكِرَ مُضْطَرًّا، أَوْ مُكْرَهًا أَوْ بِقَصْدِ الْعِلاَجِ الضَّرُورِيِّ إِذَا تَعَيَّنَ بِقَوْلِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُسْكِرٌ، لَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُ بِالاِتِّفَاقِ، لِفِقْدَانِ الْعَقْلِ لَدَيْهِ كَالْمَجْنُونِ دُونَ تَعَدٍّ، هَذَا إِذَا غَابَ عَقْلُهُ أَوِ اخْتَلَّتْ تَصَرُّفَاتُهُ، وَإِلاَّ وَقَعَ طَلاَقُهُ.
وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِسُكْرِهِ، كَأَنْ شَرِبَ الْخَمْرَةَ طَائِعًا بِدُونِ حَاجَةٍ، وَقَعَ طَلاَقُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ رَغْمَ غِيَابِ عَقْلِهِ بِالسُّكْرِ، وَذَلِكَ عِقَابًا لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.
وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ: الأُْولَى: بِوُقُوعِ طَلاَقِهِ كَالْجُمْهُورِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ الْخَلاَّلُ وَالْقَاضِي. وَالثَّانِيَةُ: بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِهِ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا اخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَالْكَرْخِيُّ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ - رضي الله تعالى عنه - وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْقَاسِمِ، وَطَاوُسٍ، وَرَبِيعَةَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَقَدِ اسْتُدِلَّ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ جَعَلُوا السَّكْرَانَ كَالصَّاحِي فِي الْحَدِّ بِالْقَذْفِ.
كَمَا اسْتُدِلَّ لِعَدَمِ وُقُوعِ طَلاَقِهِ بِأَنَّهُ فَاقِدُ الْعَقْلِ كَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ، وَبِأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ زَوَالِ الْعَقْلِ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ كُسِرَ سَاقَيْهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، وَأَنَّ امْرَأَةً لَوْ ضَرَبَتْ بَطْنَ نَفْسِهَا فَنَفِسَتْ، سَقَطَتْ عَنْهَا الصَّلاَةُ.
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُطَلَّقَةِ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمُطَلَّقَةِ لِيَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا شُرُوطٌ، هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: قِيَامُ الزَّوْجِيَّةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا:
- وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْمُطَلَّقَةُ زَوْجَةً لِلْمُطَلِّقِ، أَوْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلاَقِهِ الرَّجْعِيِّ، فَإِذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ أَوْ فَسْخٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الاِخْتِلاَفُ فِيهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مَحَلِّ الطَّلاَقِ.
هَذَا فِي الطَّلاَقِ الْمُنَجَّزِ، فَإِذَا عَلَّقَ طَلاَقَهَا بِشَرْطٍ، كَأَنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ التَّعْلِيقِ زَوْجَةً صَحَّ الطَّلاَقُ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً عِنْدَ التَّعْلِيقِ فَفِيهِ الْخِلاَفُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الطَّلاَقِ الْمُنَجَّزِ.
فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ التَّعْلِيقِ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ حَصَلَ الشَّرْطُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَضَافَ التَّعْلِيقَ إِلَى النِّكَاحِ - كَأَنْ قَالَ لِلأْجْنَبِيَّةِ: إِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا - طَلُقَتْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى غَيْرِ النِّكَاحِ، بِأَنْ قَالَ لِلأْجْنَبِيَّةِ: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ، لَمْ تَطْلُقْ بِالاِتِّفَاقِ. وَكَذَلِكَ إِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ قَبْلَ الزَّوَاجِ، فَإِنَّهَا لاَ تَطْلُقُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
فَإِذَا عَلَّقَ طَلاَقَ الأْجْنَبِيَّةِ عَلَى غَيْرِ النِّكَاحِ، وَنَوَى فِيهِ النِّكَاحَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ دَارَ فُلاَنٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ دَخَلَتِ الدَّارَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا، طَلُقَتْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلنِّيَّةِ، وَلَمْ تَطْلُقْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِعَدَمِ الإِْضَافَةِ لِلنِّكَاحِ لَفْظًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: تَعْيِينُ الْمُطَلَّقَةِ بِالإِْشَارَةِ أَوْ بِالصِّفَةِ أَوْ بِالنِّيَّةِ.
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ الْمُطَلَّقَةِ، وَطُرُقُ التَّعْيِينِ ثَلاَثَةٌ: الإِْشَارَةُ، وَالْوَصْفُ، وَالنِّيَّةُ، فَأَيُّهَا قُدِّمَ جَازَ، فَإِذَا تَعَارَضَ الثَّلاَثَةُ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ التَّالِي: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَيَّنَ الْمُطَلَّقَةَ بِالإِْشَارَةِ وَالصِّفَةِ وَالنِّيَّةِ وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَى الْمُعَيَّنَةِ، كَأَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الَّتِي اسْمُهَا عَمْرَةُ مُشِيرًا إِلَيْهَا: يَا عَمْرَةُ، أَنْتِ طَالِقٌ، قَاصِدًا طَلاَقَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِالاِتِّفَاقِ، لِتَمَامِ التَّعْيِينِ بِذَلِكَ.
فَإِنْ أَشَارَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ لِمُتَعَدِّدَاتٍ دُونَ أَنْ يَصِفَهَا بِوَصْفٍ، وَلَمْ يَنْوِ غَيْرَهَا، وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا بِالاِتِّفَاقِ أَيْضًا، لأِنَّ الإِْشَارَةَ كَافِيَةٌ لِلتَّعْيِينِ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَصَفَهَا بِوَصْفِهَا دُونَ إِشَارَةٍ وَدُونَ قَصْدِ غَيْرِهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ أَيْضًا، كَمَا إِذَا قَالَ: سَلْمَى طَالِقٌ. فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَمْ يُشِرْ إِلَيْهَا وَلَمْ يَصِفْهَا، كَمَا إِذَا قَالَ: إِحْدَى نِسَائِي طَالِقٌ، وَنَوَى وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ دُونَ غَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ زَوْجَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ.
فَإِنْ أَشَارَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، وَوَصَفَ غَيْرَهَا، بِأَنْ قَالَ لإِِحْدَى زَوْجَاتِهِ وَاسْمُهَا سَلْمَى: أَنْتِ يَا عَمْرَةُ طَالِقٌ، وَكَانَتِ الأُْخْرَى اسْمُهَا عَمْرَةُ، طَلُقَتِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَضَاءً، وَلَمْ تَطْلُقْ عَمْرَةُ لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ: الْوَصْفُ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ، وَفِي الْغَائِبِ مُعْتَبَرٌ وَكَذَلِكَ إِذَا أَشَارَ إِلَيْهَا وَوَصَفَهَا بِغَيْرِ وَصْفِهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ، كَمَا إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ، أَنْتِ يَا غَزَالَةُ طَالِقٌ، لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ.
فَإِذَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهَا، وَلَكِنْ وَصَفَهَا بِوَصْفٍ هُوَ فِيهَا، وَعَنَى بِهَا غَيْرَهَا، كَأَنْ قَالَ: زَوْجَتِي سَلْمَى طَالِقٌ، وَقَصَدَ غَيْرَهَا، دُيِّنَ إِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ اسْمُهَا سَلْمَى (وَوَقَعَ دِيَانَةً) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ عَلَيْهِ دِيَانَةً وَلاَ قَضَاءً، لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ أَصْلاً، وَعَدَمِ احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِلنِّيَّةِ.
فَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ الدُّنْيَا كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، وَنَوَى زَوْجَتَهُ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ مَحَلَّتِي كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، نَوَاهَا أَمْ لَمْ يَنْوِهَا، فَإِنْ قَالَ: نِسَاءُ مَدِينَتِي كُلُّهُنَّ طَوَالِقُ، فَإِنْ نَوَى زَوْجَتَهُ فِيهِنَّ طَلُقَتْ، وَإِلاَّ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى عَدَمِ طَلاَقِهَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَيْضًا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهَا تَطْلُقُ كَمَا فِي نِسَاءِ الْحَيِّ.
وَلَوْ قَالَ: نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ طَوَالِقُ لَمْ تَطْلُقِ امْرَأَتُهُ فِي الأْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ: سَلْمَى وَعَمْرَةُ، فَدَعَا سَلْمَى فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ، فَظَنَّهَا سَلْمَى فَطَلَّقَهَا، طَلُقَتْ سَلْمَى دِيَانَةً وَقَضَاءً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلْقَصْدِ، أَمَّا عَمْرَةُ فَتَطْلُقُ قَضَاءً لاَ دِيَانَةً لِعَدَمِ الْقَصْدِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى طَلاَقِ الْمُجِيبَةِ فِي الأْصَحِّ ، أَمَّا الْمُنَادَاةُ فَلَمْ تَطْلُقْ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لَمْ تَطْلُقَا. وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ مَعَهَا: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: قَصَدْتُ الأْجْنَبِيَّةَ، ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الأْصَحِّ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ، لاِحْتِمَالِ كَلاَمِهِ ذَلِكَ وَلِكَوْنِ الأْجْنَبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ قَابِلَةً - أَيْ لِلطَّلاَقِ - فَتُقَدَّمُ النِّيَّةُ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ، لأِنَّهَا مَحَلُّ الطَّلاَقِ دُونَ الثَّانِيَةِ، فَلاَ يُصْرَفُ قَوْلُهُ إِلَى قَصْدِهِ، لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ: إِعْمَالُ الْكَلاَمِ أَوْلَى مِنْ إِهْمَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ أَصْلاً، طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ قَوْلاً وَاحِدًا لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ، فَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَرَجُلٍ: أَحَدُكُمَا طَالِقٌ، وَقَصَدَ الرَّجُلَ، بَطَلَ قَصْدُهُ، وَطَلُقَتْ زَوْجَتُهُ، لأِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مَحَلَّ الطَّلاَقِ أَصْلاً.
وَلَوْ قَالَ لإِِحْدَى زَوْجَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ إِنْ فَعَلَتُ كَذَا، ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ إِحْدَاهُمَا، تَعَيَّنَتِ الثَّانِيَةُ الْحَيَّةُ لِلطَّلاَقِ، طَلُقَتْ. وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَاتِهِ الأَْرْبَعِ: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ طَلُقَتْ الَّتِي نَوَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، وَمَنْ وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهَا كَانَتْ هِيَ الْمُطَلَّقَةُ، وَقَالَ مَالِكٌ: طَلُقْنَ جَمِيعًا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُخَيَّرُ، وَيَقَعُ الطَّلاَقُ عَلَى مَنْ يَخْتَارُهَا مِنْهُنَّ لِلطَّلاَقِ.
فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ وَنَسِيَهَا، أُخْرِجَتِ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لاَ يُعَوَّلُ عَلَى الْقُرْعَةِ لِبَيَانِ مَنْ وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ عَلَى تَعْيِينِهِ هُوَ.
وَتَطْلِيقُ جُزْءِ الْمُطَلَّقَةِ كَتَطْلِيقِهَا كُلِّهَا إِذَا كَانَ الْجُزْءُ شَائِعًا وَأَضَافَهُ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: نِصْفُكِ طَالِقٌ، أَوْ ثُلُثُكِ، أَوْ رُبُعُكِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْ أَلْفٍ مِنْكِ.. فَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْجُزْءُ الْمُعَيَّنُ ثَابِتًا فِيهَا وَجُزْءًا لاَ يَتَجَزَّأُ مِنْهَا كَرَأْسِهَا، وَبَطْنِهَا... فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ كَلُعَابِهَا، وَعَرَقِهَا، وَسَائِرِ فَضَلاَتِهَا لَمْ تَطْلُقْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا طَلُقَتْ، وَإِنْ طَلَّقَ جُزْءًا مُعَيَّنًا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا عَادَةً كَالرَّأْسِ، وَالْوَجْهِ، وَالرَّقَبَةِ، وَالظَّهْرِ.. طَلُقَتْ، وَإِنْ كَانَ لاَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا عَادَةً كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ لَمْ تَطْلُقْ فَإِنْ تَعَارَفَهُ النَّاسُ طَلُقَتْ بِهِ أَيْضًا.
الشُّرُوطُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِصِيغَةِ الطَّلاَقِ:
- صِيغَةُ الطَّلاَقِ هِيَ اللَّفْظُ الْمُعَبَّرُ بِهِ عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُسْتَعَاضُ عَنِ اللَّفْظِ فِي أَحْوَالٍ بِالْكِتَابَةِ أَوِ الإِْشَارَةِ. وَلِكُلٍّ مِنَ اللَّفْظِ وَالْكِتَابَةِ وَالإِْشَارَةِ شُرُوطٌ لاَ بُدَّ مِنْ تَوَافُرِهَا فِيهِ، وَإِلاَّ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:
أ - شُرُوطُ اللَّفْظِ:
يُشْتَرَطُ فِي اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الطَّلاَقِ شُرُوطٌ هِيَ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: الْقَطْعُ أَوِ الظَّنُّ بِحُصُولِ اللَّفْظِ وَفَهْمِ مَعْنَاهُ:
- الْمُرَادُ هُنَا: حُصُولُ اللَّفْظِ وَفَهْمُ مَعْنَاهُ، وَلَيْسَ نِيَّةُ وُقُوعِ الطَّلاَقِ بِهِ، وَقَدْ تَكُونُ نِيَّةُ الْوُقُوعِ شَرْطًا فِي أَحْوَالٍ كَمَا سَيَأْتِي.
وَعَلَى هَذَا إِذَا حَلَفَ الْمُطَلِّقُ بِشَيْءٍ، ثُمَّ شَكَّ أَكَانَ حَلِفُهُ بِطَلاَقٍ أَمْ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ لَغْوٌ وَلاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا شَكَّ أَطَلَّقَ أَمْ لاَ؟ فَإِنَّهُ لاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، فَإِنْ تَيَقَّنَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَّقَ ثُمَّ شَكَّ فِي الْعَدَدِ، أَطَلَّقَ وَاحِدَةً، أَمْ ثِنْتَيْنِ، أَمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؟ بَنَى عَلَى الأَْقَلِّ لِحُصُولِ الْيَقِينِ أَوِ الظَّنِّ بِهِ وَالشَّكِّ فِيمَا فَوْقَهُ، وَالشَّكُّ لاَ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِخِلاَفِ الظَّنِّ وَالْيَقِينِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَتَحَرَّى، فَإِنِ اسْتَوَيَا عِنْدَهُ حُمِلَ بِأَشَدِّ ذَلِكَ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا فِي قَضَايَا الْفُرُوجِ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ تَعْلِيقًا عَلَى ذَلِكَ: وَيُمْكِنُ حَمْلُ الأْوَّلِ عَلَى الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى الدِّيَانَةِ.
فَإِذَا نَوَى التَّلَفُّظَ بِالطَّلاَقِ ثُمَّ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، لَمْ يَقَعْ بِالاِتِّفَاقِ، لاِنْعِدَامِ اللَّفْظِ أَصْلاً، وَخَالَفَ الزُّهْرِيُّ، وَقَالَ بِوُقُوعِ طَلاَقِ النَّاوِي لَهُ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ. وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ». وَلَوْ لُقِّنَ أَعْجَمِيٌّ لَفْظَ الطَّلاَقِ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ مَعْنَاهُ، فَقَالَهُ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ وَكَذَلِكَ عَرَبِيٌّ إِذَا لُقِّنَ لَفْظًا أَعْجَمِيًّا يُفِيدُ الطَّلاَقَ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مُطْلَقًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: نِيَّةُ وُقُوعِ الطَّلاَقِ بِاللَّفْظِ:
- هَذَا خَاصٌّ بِالْكِنَايَاتِ مِنَ الأَْلْفَاظِ، أَمَّا الصَّرِيحُ فَلاَ يُشْتَرَطُ لِوُقُوعِ الطَّلاَقِ بِهِ نِيَّةُ الطَّلاَقِ أَصْلاً، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ بَعْضَ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ حَيْثُ أَوْقَعُوا الطَّلاَقَ بِهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالصَّرِيحِ، وَهِيَ الْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ، كَقَوْلِ الْمُطَلِّقِ لِزَوْجَتِهِ: سَرَّحْتُكِ، فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ: طَلَّقْتُكِ، وَوَافَقَهُمُ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، خِلاَفًا لِمَا فُهِمَ مِنْ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ، وَذُكِرَ فِي نَيْلِ الْمَآرِبِ أَنَّ لَفْظَ: سَرَاحٍ مِنَ الْكِنَايَاتِ فَيَحْتَاجُ لِلنِّيَّةِ. وَهَلْ تَقُومُ قَرَائِنُ الأَْحْوَالِ وَالْعُرْفِ مَقَامَ النِّيَّةِ فِي الْكِنَايَاتِ؟.
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَقَالُوا: لاَ عِبْرَةَ. بِالْعُرْفِ وَقَرَائِنِ الْحَالِ، وَعَلَى ذَلِكَ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ طَلاَقَهَا طَلُقَتْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِلنِّيَّةِ، وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَكُونُ ظِهَارًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الطَّلاَقَ لَمْ تَطْلُقْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَطْلُقُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَطْلُقُ ثَلاَثًا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَيُنَوَّى (أَيْ يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ) فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا. وَهَلْ يَقَعُ الطَّلاَقُ بِلَفْظٍ لاَ يَحْتَمِلُهُ أَصْلاً كَقَوْلِهِ لَهَا: اسْقِنِي مَاءً؟ إِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلاَقَ لَمْ يَقَعْ بِهِ شَيْءٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ وَقَعَ الطَّلاَقُ بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلاَ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ لِلْمَالِكِيَّةِ.
___________________________________________________________________
موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 81
(1) أما جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين. ومن بعدهم أصحاب المذاهب الأربعة. فقد ذهبوا إلى وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد إذا كانت الزوجة مدخولا بها، أما إذا لم تكن من مدخولا بها وقعت الطلقة الأولى فقط لأنها وقعت حال قيام الزوجية بينهما حقيقة، أما الوزير الطلقتان الثانية والثالثة، غير واقعتين لأنها تكون باتت من مطلقها لا إلى عدة بالطلقة هم من الأولى ما دام لم يختل بها، فتكون الطلقة الثانية والثالثة، لم يكن لهما ثمة محل لأنها ليست زوجة.
ولا يختلف الوضع إذا كان الزوج قد اختلى بها، لأن الخلوة وإن كانت تثبت العدة، إلا أنها تجب للاحتياط فقط محافظة على الأنساب.
وقد استدلوا لرأيهم بما يأتي:
1-ما رواه عبد الله بن عمر من أنه طلق امرأته وهي حائض ثم أراد أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرعين الباقيين فبلغ ذلك رسول الله عليه السلام فقال: يا بن عمر، ما هكذا أمرك الله! أخطأت السنة فقال له: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لى أن أراجعها؟ فاقل: لا، كانت تبين وتكون معصية.
۲- ما روي عن داود عن عبادة بن الصامت، قال: طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، فقال النبي «ما اتقى الله جك! أما ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبعة وتسعون فعدوان وظلم، وإن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له».
3- ما روى من أن الإمام مالك بلغه أن رجلا قال لابن عباس: «إني طلقت امرأتي مائة طلقة فماذا تر على «فقال ابن عباس: طلقت منك بثلاث وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا».
4- ما روي عن ابن مسعود أنه قال لمن طلق امرأته مائة: «بانت بثلاث. وسائر ذلك عدوان».
5- حديث الملاعنة الذي أخرجه البخاري في صحيحه حيث قال: «عويمر العجلاني» في مجلس الملاعنة: «كذبت عليها إن أمسكتها. یا رسول الله فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم» وهذا يدل على وقوع الطلاق الثلاث مجموعة بلفظ واحد ووجه الدلالة أن النبي عليه السلام لم ينكر عليه الطلاق الثلاث بلفظ واحد. وقد ذهب الشيعة الإمامة إلى أنه لا يقع به شيء مطلقا لا واحدة ولا ثلاثا لأن الطلاق بهذه الكيفية بدعة جاء على خلاف السنة التي شرع الطلاق في حدودها وكل ما جاء على خلاف السنة فهو لا يقع به شيء. وحكى هذا الرأي عن بعض التابعين
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الخامس والثلاثون ، الصفحة / 283
لَفْظٌ
التَّعْرِيفُ:
اللَّفْظُ فِي اللُّغَةِ: أَنْ تَرْمِيَ بِشَيْءٍ كَانَ فِي فِيكَ، وَاللَّفْظُ بِالشَّيْءِ: التَّكَلُّمُ بِهِ، وَلَفَظَ بِقَوْلٍ حَسَنٍ: تَكَلَّمَ بِهِ، وَلَفَظَ بِالْكَلاَمِ: نَطَقَ كَتَلَفَّظَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلاَ: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) وَفِي الْحَدِيثِ: «وَيَبْقَى فِي الأَْرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ» أَيْ تَقْذِفُهُمْ وَتَرْمِيهِمْ.
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: اللَّفْظُ هُوَ مَا يَتَلَفَّظُ بِهِ الإِْنْسَانُ أَوْ مَنْ فِي حُكْمِهِ مُهْمَلاً كَانَ أَوْ مُسْتَعْمَلاً.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْشَارَةُ:
الإِْشَارَةُ لُغَةً: التَّلْوِيحُ بِشَيْءٍ يُفْهَمُ مِنْهُ مَا يُفْهَمُ مِنَ النُّطْقِ، وَتَشْمَلُ الإِْيمَاءَ إِلَى الشَّيْءِ بِالْكَفِّ وَالْعَيْنِ وَالْحَاجِبِ وَغَيْرِهَا، وَمِنْهُ: أَشَارَ عَلَيْهِ بِكَذَا: إِذَا أَبْدَى لَهُ رَأْيَهُ، وَتَكُونُ حِسِّيَّةً عِنْدَ الإِْطْلاَقِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الإِْشَارَةِ وَاللَّفْظِ: أَنَّ الإِْشَارَةَ تُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ اللَّفْظُ وَتَقُومُ مَقَامَهُ أَحْيَانًا.
ب - السُّكُوتُ:
السُّكُوتُ هُوَ الصَّمْتُ، وَهُوَ ضِدُّ النُّطْقِ، يُقَالُ: سَكَتَ الصَّائِتُ سُكُوتًا: إِذَا صَمَتَ.
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: السُّكُوتُ مُخْتَصٌّ بِتَرْكِ الْكَلاَمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَالسُّكُوتُ ضِدُّ التَّلَفُّظِ وَالنُّطْقِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللَّفْظِ:
أ - مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ عَنْ طَرِيقِ الأَْلْفَاظِ:
الأَْلْفَاظُ تُرْجُمَانُ الإِْرَادَةِ وَالرَّغْبَةِ فِي الأَْشْيَاءِ وَالْحَاجَاتِ، وَلِهَذَا يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ الأَْلْفَاظَ بَيْنَ عِبَادِهِ تَعْرِيفًا وَدَلاَلَةً عَلَى مَا فِي نُفُوسِهِمْ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ مِنَ الآْخَرِ شَيْئًا عَرَّفَهُ بِمُرَادِهِ وَمَا فِي نَفْسِهِ بِلَفْظِهِ وَرَتَّبَ عَلَى تِلْكَ الإِْرَادَاتِ وَالْمَقَاصِدِ أَحْكَامَهَا بِوَاسِطَةِ الأَْلْفَاظِ.