إن أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب له القاضى أجلاً وأعذر إليه بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها .
إن أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب له القاضى أجلاً وأعذر إليه بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها .
فإذا إنقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذراً مقبولاً فرق القاضى بينهما بتطليقة بائنة .
وإن لم يمكن وصول الرسائل إلى الغائب طلقها القاضى عليه بلا أعذار وضرب أجل.
الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ،
المذكرة الإيضاحية
لقد كان يجري العمل في مصر قبل صدور القانون رقم 25 لسنة ۲۹ علي عدم التفريق بسبب الغيبة بناء على رأي الحنفية ومن وافقتهم والمشرع عدل عن ذلك بعد صدور هذا القانون ، وأصبح يجدي العمل علي التفريق بسبب الغيبة ومصدر ذلك القانون مذهب المالكية والحنابلة .
وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية أنه قد يغيب الزوج عن زوجته مدة طويلة بلا عذر مقبول ثم لا هو يحمل زوجته إليه ولا هو يطلقها لتتخذ لها زوجاً غيره ومقام الزوجة علي هذا الحال زمناً طويلاً مع محافظتها علي العفة والشرف وأمر لا تحتمله الطبيعة في الأعم الأغلب وإن ترك لها الزوج مالاً تستطيع الإنفاق منه وقد يقترف الزوج من الجرائم ما يستحق عقوبة السجن الطويل فتقع زوجته في مثل ما وقعت فيه زوجة الغائب وليس في أحكام مذهب أبي حنيفة ما تعالج به هذه الحالة ومعالجتها واجب إجتماعي محتم، ومذهب الإمام مالك يجيز التطليق على الغائب الذي يترك لزوجته ما تنفق منه على نفسها إذا طالت غيبته سنة فأكثر ، وتضررت الزوجة من بعده عنها بعد أن يضرب له أجل ويعذر إليها بأنه إما إن حضر للإقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها وإلا طلقها عليه القاضي ، هذا إذا أمكن وصول الرسائل إليه وإلا فيطلق القاضي عليه بلا ضرب أجل ولا أعذار ، وواضح أن المراد بغيبة الزوج هنا غيبته عنها بالإقامة في بلد أخر غير بلد الزوجة ، إنما الغيبة عن بيت الزوجية مع الإقامة في بلد واحد فهي من الأحوال التي يتناولها التطليق للضرر لذلك فإنه يشترط لطلب التطليق للغياب شروط وهي :
أولاً : أن تكون غيبة الزوج سنة فأكثر في بلد أخر غير البلد الذي تقيم فيه الزوجة ، لأن إقامتها في بلد واحد ، وترك الزوج زوجته فيعتبر ذلك هجرا لها يجيز لها التطليق وفق المادة السادسة من القانون .
ثانياً: أن تكون غيبة الزوجة بغير عذر مقبول، وتقدير هذا العذر أمر متروك لقاضي الموضوع متى كان إستخلاصه سائغاً .
ثالثاً : أن تتضرر الزوجة من بعد الزوج عنها لذلك فالمشرع أجاز للزوجة إذا غاب زوجها سنة فأكثر وتضررت من بعده عنها هذه المدة الطويلة ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه ، الحق في طلب التطليق يسبب هذا الضرر و الطلاق للغيبة يعد طلاقاً بائناً لأن سببها الضرر كالطلاق بسبب سوء العشرة.
ومؤدي المادة 13 من القانون 25 لسنة ۱۹۲۹ إن المشرع خول القاضي التطليق للغيبة ، وإذا غاب الزوج عن زوجته مدة سنة فأكثر ولحقها من جراء ذلك ضرر وغيبته كانت بلا عذر مقبول وأثبتت الزوجة تلك الغيبة والضرر الذي لحقها بكافة طرق الإثبات القانونية ، فإن كان الزوج غير معلوم له محل إقامة أو معلوم ولا يسهل مراسلته فالمشرع خول القاضي التطليق من غير أعذار أو ضرب أجل إما إذا أمكن وصول الرسائل إليه أمهله القاضي فترة من الزمن مع أعذاره ، وهي مهلة قصد بها حث الزوج الغائب على العودة للإقامة مع زوجته أو نقلها إليه بجهة إقامته بحيث إذا فعل ذلك بعد إنقضاء المهلة أو في أي مرحلة من مراحل الدعوى إنتفي موجب التطليق ويقضي برفض الدعوى أما إذا لم يفعل أو لم يبد عذراً مقبولاً فرق القاضي بينهما بطلقة بائنة دفعاً للضرر .
كما أنه من المقرر أن المادة ۱۲ لا توجب عرض الصلح علي الطرفين وإنما ينطبق على حكم المادة السادسة من القانون 25 لسنة ۱۹۲۹.
1- لما كان ذلك , وكان الواقع فى الدعوى أن الطاعنة أقامتها بطلب الحكم بتطليقها على المطعون ضده طلقة بائنة استنادا إلى أنه هجرها وسافر إلى السعودية دون أن يصطحبها معه فإن المعنى المقصود من هذا الطلب هو التطليق للغيبة الذى تحكمه المادتان 12 ، 13 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 وليس التطليق للهجر الذى تحكمه المادة السادسة من ذات القانون وإذ أقام الحكم المطعون فيه قضاءه برفض طلب الطاعنة بالتطليق على سند من عدم تحقق الهجر الذى تحكمه المادة السادسة من القانون المذكور دون أن يطبق نص المادتين 12 ، 13 من ذات القانون والتحقق من مدى توافر شروطهما على واقعة النزاع فإنه لا يكون قد أسبغ التكييف القانونى الصحيح لطلبات الطاعنة فى الدعوى مما يشوبه بالقصور فى التسبيب .
(الطعن رقم 234 لسنة 71 جلسة 2003/06/16 س 54 ع 2 ص 993 ق 174)
2- التراخى فى إتمام الزوجية بسبب من الزوج يعد ضرباً من ضروب الهجر لأن إستطالته تنال من الزوجة وتصيبها بأبلغ الضرر ومن شأنه أن يجعلها كالمعلقة فلا هى ذات بعل ولا هى مطلقة . لما كان ذلك وكان الثابت من الأوراق أن الزوج الطاعن بالمطعون ضدها تم فى 1984/8/20 وأقامت دعواها بالتطليق فى 1986/12/2 لتراخيه فى الدخول بها وتضررها من ذلك وكان البين من تقريرات الحكم الإبتدائى المؤيد بالحكم المطعون فيه أنه بعد أن عرض الصلح على الطرفين أقام قضاءه بالتطليق للضرر على ما إستخلصه من أقوال شاهدى المطعون ضدها أن الطاعن لم يقم بإعداد مسكن شرعى لإتمام الدخول بها بالإضافة إلى هجرة لها بدون عذر مقبول وهو من الحكم إستخلاص سائغ له أصله الثابت فى الأوراق ويكفى لحمل قضائه ويكون النعى عليه بعدم إتخاذ إجراءات التحكيم أو عدم تطبيق المادتين 12 ، 13 من القانون رقم 25 لسنة 1929فى شأن التطليق لغياب الزوج قائماً على غير أساس .
(الطعن رقم 92 لسنة 58 جلسة 1990/12/18 س 41 ع 2 ص 943 ق 319)
3- النص فى المادة 13 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية على أنه " إذا أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب القاضى أجلاً وأعذر إليه بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها فإذا إنقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذراً مقبولاً فرق القاضى بينهما بتطليقة بائنة " يدل على أن المشرع أوجب على القاضى أن يضرب أجلاً للزوج الغائب - إذا أمكن وصول الرسائل إليه - ويكتب له يعذره بأنه يطلق زوجته عليه إن لم يحضر للإقامة معها أو بنقلها إليه أو يطلقها وهذا الإعذار قصد به - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - حث الزوج الغائب على العودة للإقامة مع زوجته أو ينقلها إليه لجهة إقامته . بحيث إذ إختار أحد هذه الخيارات الثلاث إنتفى موجب التطليق - أى لا طلاق عليه من القاضى .
(الطعن رقم 26 لسنة 58 جلسة 1990/01/16 س 41 ع 1 ص 152 ق 33)
4- لما كان إعمال نص المادة 6 من القانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية يختلف فى مجاله عن نطاق إعمال المادة 12 منه ذلك أن هجر الزوج لزوجته المعتبر من صور الاضرار الموجب للتفريق وفقا لنص المادة السادسة - وعلى ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية -هو الذى يتمثل فى غيبته عن بيت الزوجية مع الإقامة فى بلد واحد أما إن غاب عنها بإقامته فى بلد آخر غير بلدها فإن لها أن تطلب التطليق إذا إستمرت الغيبة مدة سنة فأكثر بلا عذر مقبول وذلك وفقا لنص المادة الثانية عشر ويسرى فى شأنه عندئذ حكم المادة التالية رقم 13 والتى توجب على القاضى إن أمكن وصول الرسائل إلى الغائب أن يضرب له أجلا مع الاعذار اليه بتطليق زوجته عليه إن هو لم يحضر للإقامة معها أوينقلها إليه أو يطلقها فإذا إنقضى الأجل و لم يفعل و لم يبد عذرا مقبولا فرق القاضى بينهما بتطليقه بائنة وإن لم يمكن وصول الرسائل إلى الغائب طلقها القاضى عليه بلا أعذار و ضرب أجل .
(الطعن رقم 11 لسنة 52 جلسة 1983/02/15 س 34 ع 1 ص 478 ق 105)
5- مفاد المادة 13 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية أن المشرع جعل المناط فى وجوب إمهال الزوج الغائب فترة من الزمن مع إعذاره ، هو إمكانية وصول الرسائل إليه ، إلا أنه لم يحدد وسيلة إعلانه بما يقرره القاضى فى هذا الشأن . وإذ كانت مدة الإمهال المنصوص عليها فى هذه المادة ليست من قبيل مواعيد المرافعات التى يتعين مراعاتها عند القيام بالإجراء المطلوب ، وإنما هى مجرد مهلة يقصد بها حث الزوج الغائب على العودة للإقامة مع زوجته أو نقلها إليه بجهة إقامته بحيث إذا فعل ذلك بعد إنقضاء المهلة أو فى أى مرحلة من مراحل الدعوى إنتفى موجب التطليق ، فإنه يكفى لتحقق شرط الإمهال والإعذار فى حق الزوج الغائب أن يصل إلى علمه ما يقرره القاضى فى هذا الشأن . لما كان ذلك ، وكان البين من مدونات الحكم الإبتدائى المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه أن الطاعن مثل بوكيل عنه بالجلسة المحددة بقرار الإمهال والإعذار المعلن إليه بما يقطع بعلمه به ، فإنه لا محل لما ينعى به على إجراءات إعلانه بهذا القرار ويكون النعى بهذا السبب على غير أساس .
(الطعن رقم 13 لسنة 48 جلسة 1981/01/20 س 32 ع 1 ص 247 ق 51)
6- مؤدى نصوص المواد 12 ، 13 ، 23 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ، أن المشرع أجاز للزوجة إذا غاب عنها زوجها سنة عدتها 365 يوماً فأكثر وتضررت فعلا من بعده عنها هذه المدة الطويلة ، أن تطلب الطلاق بسبب هذ الضرر ، ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه ، والطلقه هنا بائنة لأن سببها الضرر فكانت كالفرقة بسبب مضارة الزوج ، و شرط لذلك توافر أمرين : أولهما - أن تكون غيبه الزوج المدة المشار إليها فى بلد آخر غير البلد الذى تقيم فيه الزوجة ، أما إذا كان يقطنان بلدا واحدا و ترك الزوج زوجته فيعتبر ذلك منه هجرا لها يجيز التطليق وفق المادة السادسة من القانون ، و الثانى أن تكون غيبة الزوج بغير عذر مقبول وتقدير العذر أمر متروك لقاضى الموضوع طالما كان إستخلاصه سائغا ، وخول المشرع القاضى التطليق لهذا السبب من غير إعذار أو ضرب اجل إن كان الزوج الغائب غير معلوم محل إقامته أو معلوما ولا سبيل إلى مراسلته ، أما أن أمكن وصول الرسائل إليه فيحدد القاضى له أجلا يحضر فيه للاقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها ، وأنه وإن ضربت المذكرة الإيضاحية للقانون الأمثال على العذر المقبول بأنه طلب العلم أو النجارة أو انقطاع المواصلات ، إلا أن المناط فى اعتباره كذلك هو ألا يقصد الزوج به الأذى ، بحيث يتعين ثبوت أن الزوج لا يستطيع نظرا لظروفه نقل زوجته إلى حيث يطلب العلم أو يمارس التجارة ، وتقدير توافر الغيبة والهجر المتعمد يخضع لتقدير قاضى الموضوع دون رقابة عليه فى ذلك من محكمة النقض متى كان استخلاصه سائغا له أصله الثابت من الأوراق .
(الطعن رقم 34 لسنة 48 جلسة 1979/06/13 س 30 ع 2 ص 630 ق 303)
هذه المادة مكملة للمادة 12 .
يتعين النظر أولاً فى دعاوى الطلاق للغياب إلى ما إذا كان الزوج الغائب يمكن وصول الرسائل إليه ، وإستخدام المشرع لهذا التعبير إنما هو للدلالة على ما إذا كان الزوج معلوم الإقامة أو مجهول المكان حيث أن الزوج المعلوم الإقامة هو من يمكن مراسلته، وقد جرى العمل بالمحاكم ونيابة الأحوال الشخصية على أن ذلك يتحدد من واقع إعلان صحيفة إفتتاح الدعوى وأوراقها القضائية حيث يمكن التأكد مما إذا كان الزوج معلوم الإقامة من عدمه .
إلا أن العبرة هنا ليست بالعلم أو عدم العلم بمحل إقامة الزوج وإنما هى بإمكان وصول الرسائل إليه إذ قد يستحيل وصول الرسائل إليه رغم كونه معلوم الإقامة بسبب إنقطاع المواصلات فيتم النظر فيما إذا كانت غيبته بعذر أو بغير عذر لهذا السبب ، ومثال ذلك أن يكون الزوج مقيماً فى دولة ما إلا أنه لا يعلم عنوانه بها فلا يمكن وصول الرسائل إليه فيعد غير معلوماً له محل للإقامة ، وعلى ذلك فلا يخلو الأمر هنا من فرضين فأما أن يكون الزوج مجهول الإقامة فلا يمكن من ثم وصول الرسائل إليه أو معلوم الإقامة وهنا قد يمكن وصول الرسائل إليه إذا كان معلوماً له عنوان أو لا يمكن وصول الرسائل إليه إذا لم يكن معلوماً له عنوان فيستوى ومجهول الإقامة .
ومن خلال ما تقدم فإنه يتعين التفرقة بين فرضين :
الفرض الأول : أن يكون الزوج معلوم الإقامة أى يمكن وصول الرسائل إليه تعين على المحكمة بعد أن تكون قد إكتملت أمامها أدلة الإثبات وبقرار تصدره أن تؤجل نظر الدعوى لأجل محدد وتكلف قلم كتاب المحكمة أن يوجه إلى الزوج المدعى عليه إعلاناً يتعين أن يتضمن عرض ثلاث بدائل على الزوج وهى أن يحضر للإقامة مع الزوجة أو أن ينقلها للإقامة معه حيث يوجد أو أن يطلقها وإلا طلقتها عليه المحكمة ، ويتعين أن يتضمن هذا الإعلان الأجل الذى منحته المحكمة للزوج لتنفيذ أى من تلك البدائل ويتحدد هذا الأجل زمنياً بما تقدره المحكمة لقرب أو بعد المكان الذى يقيم به الزوج عن محل إقامة الزوجة ، فإذا حل ميعاد نظر الدعوى الذى يكون هو ميعاد إنقضاء المهلة الممنوحة للزوج ولم ينفذ الزوج أى من البدائل التى طرحتها عليه المحكمة أو يقدم عذراً مقبولاً إلى المحكمة يبين منه عدم قدرته على الحضور للإقامة مع الزوجة أو نقلها إلى حيث يطلب العلم أو يمارس التجارة مثلاً أى يجعل غيابه بمقتضى وفقاً للمادة 12 حكم القاضى بتطليق الزوجة على الزوج طلقة بائنة ، أما إذا حضر الزوج وقام بتنفيذ قرار المحكمة حكمت برفض الدعوى .
لا يشترط أن يتم إعلان الزوج بطريقة معينة أو على نحو معين إذ يمكن أن يكون بإعلان قضائى أو بكتاب بعلم الوصول أو بغير ذلك .
إمهال الزوج ( حالاته وأثره)
ومدة الإمهال التى تحددها المحكمة ليست من مواعيد المرافعات التى يتعين على الزوج تنفيذ أى من البدائل خلالها فيكون للزوج تنفيذ أى من البدائل ولو بعد إنقضاء المهلة أو فى أية حالة كانت عليها الدعوى فإن هو فعل إمتنع الحكم بالتطليق ، نقض أحوال جلسة 20/ 1/ 1981 – الطعن رقم 13 لسنة 48 ق .
كما أنه لا يشترط أن يتم الإعذار بالفعل فحضور الزوج بالجلسة المحددة لنظر الدعوى بعد إنقضاء فترة الإمهال يحقق الغاية من الإجراء .نقض أحوال جلسة 20/ 1/ 1981 – الطعن رقم 13 لسنة 48 ق .
والفرض الثانى : أن يكون الزوج ممن لا يمكن – بالتعبير الشرعى – وصول الرسائل إليه وهو ما تتبينه المحكمة من إعلانات أوراق الدعوى وما تقدمه الزوجة من دليل على ذلك – كما قدمنا – وبعد إستيفاء أدلة الثبوت يصدر القاضى فى هذه الحالة حكمه بتطليق الزوجة دون إعذار أو ضرب أجل وذلك طالما لم يثبت علم الزوجة بمحل إقامة الزوج .
وغنى عن البيان أن إثبات كون الزوج مجهول الإقامة يستعان لإثباته بتحرى جهة الإدارة كما تقدم القول .
وجدير بالذكر أن الطلقة هنا تكون بائنة سببها الضرر فكانت كالفرقة بسبب مضارة الزوج )موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الثاني ، الصفحة : 23)
التطليق للغيبة
المادتان ۱۲، ۱۳ من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل:
مادة (۱۲):
إذا غاب الزوج سنة فأكثر بلا عذر مقبول جاز لزوجته أن تطلب إلى القاضي تطليقها بائناً إذا تضررت من بعده عنها ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.
مادة (۱۳) :
إن أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب له القاضى أجلاً وأعذر إليه بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها.
فإذا إنقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذراً مقبولاً فرق القاضي بينهما بتطليقة بائنة.
وإن لم يمكن وصول الرسائل إلى الغائب طلقها القاضي عليه بلا إعذار أو ضرب أجل.
آراء المذاهب الفقهية في التطليق للغيبة والمصدر التشريعي لأحكام المادتين ۱۲ و ۱۳ من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹؛
ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يحق للزوجة طلب التطليق للغيبة لعدم وجود ما يصلح سبباً للتفريق في نظرهم، كما أنه لم يقم دليل شرعي على أن غيبة الزوج سبب للتفريق بينه وبين زوجته، والأصل بقاء الزواج حتى يقوم الدليل على جواز التفريق.
بينما ذهب المالكية والحنابلة إلى أنه يجوز للزوجة طلب التفريق بينها وبين زوجها إذا طالت غيبته، وتضررت منها المرأة بأن خشيت على نفسها من الزنا، ويقبل قولها في ذلك بيمينها، لأنها تدعى أمراً لا يعرف إلا من جهتها.
لأن إقامتها من غير زوج مدة طويلة مع محافظتها على العفة والشرف مما يتعذر على الطبيعة البشرية إحتماله.
غير أن المالكية والحنابلة إتفقوا في بعض المسائل وإختلفوا في البعض الآخر.
فقد اتفقوا في أن الغيبة إذا كانت بعيدة لا يمكن وصول الرسائل إليه أو يمكن بعد زمن طويل، موجبة للتفريق في الحال بدون إعذار ولا إمهال. وإن كانت قريبة فلا يصح التفريق إلا بعد الإعذار إليه بأن يقدم أو ينقل امرأته إليه أو يطلق، فإن لم يفعل فرق بينهما بعد أن يتريث القاضي مدة بإجتهاده رجاء عودته.
وقد إختلفوا في المقصود بالغيبة التي تجيز التفريق، فذهب المالكية إلى أن المقصود بالغيبة هنا، الغيبة مطلقاً بعذر وبغير عذر لأن المرأة تتضرر في الحالتين.
وذهب الحنابلة إلى أن الغيبة المقصودة هي الغيبة التي تكون بدون عذر.
وفي مدة الغيبة التي تجيز التفريق، ذهب المالكية في الراجح عندهم أن مدتها سنة وقيل ثلاث سنين، وحددها الحنابلة بستة أشهر إستناداً إلى أن عمر كان لا يجعل الجند يتغيبون عن زوجاتهم أكثر من ستة أشهر لأن هذه المدة أقصى ما تستطيع المرأة الصبر عليه من غياب زوجها.
وفي وصف الفرقة فالفرقة للغياب عند المالكية طلاق بائن لأن كل فرقة يوقعها القاضي - غير التطليق للإيلاء أو الإعسار بالنفقة - تكون طلاقاً بائناً عندهم، إذ المراد بها رفع الضرر عن المرأة وهو لا يرتفع إلا بالبائن، أما عند الحنفية فهي فسخ لأنها لم تصدر من الزوج، ولا بتفويض منه .
وكان العمل في مصر يجري على مذهب الحنفية، إلى أن صدر المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ وأجاز التفريق للغيبة.
ورغم أن المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون المذكور صرحت بأن أحكام التفريق مأخوذة من مذهب مالك إلا أن الواقع أن هذه الأحكام ملفقة بين مذهب مالك وأحمد بن حنبل.
فقد أخذ المرسوم بقانون بمدة الغيبة وهي سنة من مذهب مالك، وأخذ بمذهب أحمد بن حنبل في أن الغيبة التي تجيز التفريق هي التي تكون بلا عذر، ولم يأخذ بالإطلاق الوارد بمذهب مالك.
شروط التطليق للغيبة في المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ (المعدل) :
يشترط لتطليق الزوجة لغيبة زوجها طبقا للمادتين 12 ، 13 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة ۱۹۲۹ (المعدل) توافر الشروط الآتية:
الشرط الأول : غياب الزوج مدة سنة فأكثر :
والمراد بغيبة الزوج هنا غيبته عن زوجته بالإقامة في بلد آخر غير البلد الذي تقيم فيه الزوجة أما الغيبة عن بيت الزوجية مع الإقامة في بلد واحد فهو من الأحوال التي يتناولها التطليق للضرر طبقاً للمادة السادسة من المرسوم بقانون لأنه يكون هجراً قصد به الأذى.
وقد حدا بالشارع إلى النص على التطليق للغيبة أن الزوج قد يغيب عن زوجته مدة طويلة بلا عذر مقبول ثم لا يحمل زوجته إليه ولا هو يطلقها لتتخذ لها زوجاً غيره ومقام الزوجة على هذا الحال زمناً طويلاً مع محافظتها على العفة والشرف أمر لا تحتمله الطبيعة في الأعم الأغلب وإن ترك لها الزوج مالاً تستطيع الإنفاق منه .
ولا يقصد بإقامة الزوج في بلد آخر إقامته بدولة أخرى أي خارج جمهورية مصر، وإنما تكفي إقامته في غير موطن الزوجة بإحدى مدن أو قري أو عزب الجمهورية.
وتثبت إقامة الزوج خارج جمهورية مصر بشهادة الجهات الرسمية المختصة، وتثبت إقامته في غير موطن الزوجة داخل الجمهورية بالبينة أو التحريات التي يجريها المحضر المختص عن إقامة الزوج عند إعلانه بصحيفة - الدعوى.
وكثيراً ما تتداخل طلبات المدعية حيث تدعي إصابة الزوج بالعنة مثلاً وأن هذه الحالة أدت به إلى إعتدائه عليها ضرباً وسباً حيث إنتهى به المطاف إلى أن غاب عنها إلى جهة غير معلومة وتنتهى المدعية إلى طلب التطليق للغياب، وفي هذه الحالة يتعين على المحكمة إضفاء التكييف الصحيح على طلبات المدعية، وهي لا تكون في هذه الحالة بطلب التطليق للغياب بل تكون بطلب التطليق للعنة لأن الضرب والغياب ليس إلا أثرا من آثار العنة وعلى سبيل النتيجة لتلك الحالة.
الشرط الثاني : أن يكون الغياب بلا عذر مقبول:
يشترط التطليق أن يكون غياب الزوج مدة سنة فأكثر بلا عذر مقبول، وهذا الحكم أخذ من مذهب الإمام أحمد بن حنبل، أما الإمام مالك فيجيز التطليق إذا غاب الزوج مطلقاً سواء كان غيابه لعذر أو لغير عذر، لأن الضرر متحقق في الحالتين .
وهذا الشرط يختلف عن التطليق للضرر المتمثل في الهجر أى ترك الزوج زوجته وإقامته في مسكن آخر بذات البلد، إذ في الحالة الأخيرة لا يشترط التطليق أن يكون هذا الهجر بلا عذر لأن العبرة بتحقق الضرر فعلاً، والضرر يتحقق في الصورتين. : ولم يحدد الفقهاء الأعذار الشرعية على سبيل الحصر وإنما جعل للقاضي أمر تقديرها، وقد ذكرت المذكرة الإيضاحية للمرسوم بقانون أمثلة للعذر المقبول وهي طلب العلم أو التجارة أو إنقطاع المواصلات. والمناط في إعتبار العذر كذلك هو ألا يقصد الزوج به الأذى، بحيث يتعين ثبوت أن الزوج لا يستطيع نظرا لظروفه نقل زوجته إلى حيث يطلب العلم أو يمارس التجارة. وتقدير توافر الغيبة والهجر المتعمد يخضع لتقدير قاضي الموضوع دون رقابة عليه في ذلك من محكمة النقض متى كان إستخلاصه سائغاً له أصله الثابت بالأوراق.
الشرط الثالث : أن تتضرر الزوجة من غيبة الزوج عنها:
يشترط التفريق للغيبة أن تتضرر الزوجة من غيبة الزوج عنها، كأن تخشی على نفسها الفتنة، والقول في ذلك للزوجة بيمينها لأنه أمر لا يعرف إلا من جهتها، فلا تكلف بإثباته فيكفي أن تذكر بصحيفة دعواها أنها تتضرر من غيبة زوجها، ولا يوجه إليها اليمين إلا بناء على طلب الزوج لأن اليمين هنا من حقوق العباد .
ولا يحول دون طلب التطليق أن يكون الزوج قد ترك لها مالاً تستطيع الإنفاق منه، لأن التطليق هنا يقوم على تضررها لغيبته لا لعدم النفقة.
إجراءات القضاء بالتطليق :
إذا كان الزوج معلوم الإقامة في الداخل أو الخارج ويمكن وصول الرسائل إليه فيحدد القاضي له أجلاً ويعذر إليه بأن يحضر فيه للإقامة مع زوجته أو ينقلها إليه أو يطلقها. ويخضع تحديد هذا الأجل لتقدير القاضي وهو يراعى في ذلك مقدار المسافة وحالة المواصلات.
فإذا إنقضى الأجل الذي حدده القاضي وتحقق القاضي من إعلانه بالأجل والإعذار، ولم يفعل الزوج واحداً من الخيارات الثلاثة سالفة الذكر بأن لم يحضر للإقامة مع زوجته، أو ينقلها إليه، أو يطلقها، ولم يبد عذراً مقبولاً لذلك فرق القاضي بينهما بطلقة بائنة.
أما إذا قام الزوج بتنفيذ أحد الخيارات المذكورة حكم القاضي برفض دعوى الزوجة.
أما إذا كان الزوج الغائب غير معلوم محل إقامته أو مفقوداً لا يعلم ما إذا كان حياً أو ميتاً، أو كان محل إقامته معلوماً، ولكن لا يمكن وصول الرسائل إليه لأي سبب كإنقطاع المواصلات مثلاً، طلقها القاضي عليه - بعد إثبات الدعوي - بلا إعذار ولا ضرب أجل.
ويثبت عدم إمكان وصول الرسائل إلى الزوج مما تتبينه المحكمة من إعلانات أوراق الدعوى وما تقدمه الزوجة من دليل على ذلك، كما يمكن الإستعانة في ذلك بالتحرى من جهة الإدارة، للتثبت فقط.
ولم يحدد القانون وسيلة إعلان الزوج بالأجل والإعذار، فلا يشترط أن يتم إعلان الزوج بواسطة المحضرين، وإنما يجوز إعلانه بأي طريق آخر مثل كتاب مسجل أو كتاب مسجل مصحوب بعلم الوصول.فالمناط هو وصول الأجل والإعذار إلى علمه.
ومدة الإمهال التي تحددها المحكمة ليست من مواعيد المرافعات التي يتعين على الزوج تنفيذ أي من الخيارات الثلاثة المطلوبة منه خلالها، وإنما هي مجرد مهلة يقصد بها حث همة الزوج الغائب على العودة للإقامة مع زوجته أو نقلها إليه بجهة إقامته، بحيث إذا فعل ذلك بعد إنقضاء المهلة أو في مرحلة من بین مراحل الدعوى إنتفی موجب التطليق.(موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الرابع، الصفحة 452).
التطليق للغيبة
رأي الفقه
يرى الحنفية والشافعية أن الزوج إذا غاب عن زوجته مدة تخشي علي نفسها من الفتنة فلا تكون هذه الغيبة سبباً في طلب التفرق لأن ما تدب إليه الشارع من العناية بالعلاقة الزوجية يقضي بألا تسمع طلب الزوجة للتفرق بينها وبين زوجها إذا غاب عنها وحرصاً على بقاء هذه المودة الكريمة ينبغي أن تكون صابرة محتسبة ما قد يلحقها من أذي عسى الله أن يصلح أمره فيعود إلى بيته راضياً شاكراً .
مذهب المالكية
يرى المالكية بأن للزوجة حق طلب الطلاق إذا غاب عنها زوجها غيبة تتضرر منها وقدر ذلك بسنة وقيل ثلاث سنين ، سواء أكانت الغيبة بعذر أو بدون عذر ، فكلاهما يستوجب الفرقة إذا تضررت الزوجة منها وخافت على نفسها الفتنة ، وعليها أن ترفع أمرها إلى القاضي طالبة التطليق بينها وبين زوجها ، وعلى الزوجة أن تثبت الزوجية وعله زوجها بكافة طرق الإثبات القانونية ، ولا يخلو الأمر إما أن يكون الزوج في مكان يسهل وصول الرسائل إليه أم لا فإن كان كل معلوم محل الإقامة أعذر إليه بأن يحضر للإقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها ، وضرب له أجل حسبما يراه القاضي ، فإن لم يفعل ناب عنه القاضي وطلقها عليه بعد مضي الأجل دفعاً للضرر.
وأما إذا كان في مكان مجهول ولاتصل إليه الرسائل طلقها عليه القاضي دون ضرب أجل وأعذار ويرى المالكية إن غياب الزوج عن زوجته فيه قسوة وجفاء ، وهي لا تأمن إن يجبرها شيطان الهوى إلى إنخراط في سلك الجريمة الشنعاء عند طول غيابه ، وقد أمر الشارع بإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وليس مع الغيبة الشاقة إمساك بمعروف فوجب التسريح بإحسان .
مذهب الحنابلة
فرقوا بين الغيبة بعذر فلا تكون سبباً في طلب التطليق ولا يطلق علي أساسها القاضي ، إما إذا كانت الغيبة بغير عذر فلها حق طلب التفريق ويطلق على أساسها القاضي وأعذره القاضي إذا كان في مكان يسهل وصول الرسائل إليه وإلا فلا داعي من أعذاره إذ لا جدوى من ذلك ( واستدلوا بذلك ) وقدروا مدة الغيبة بستة أشهر وإستدلوا بذلك عندما سأل عمر رضي الله عنه حفصة أم المؤمنين كم تصبر المرأة عن زوجها فقالت : خمسة أشهر أو ستة أشهر . (الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 430).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والعشرون ، الصفحة / 62
التَّفْرِيقُ لِلْغَيْبَةِ وَالْفَقْدِ وَالْحَبْسِ:
- الْغَائِبُ هُوَ: مَنْ غَادَرَ مَكَانَهُ لِسَفَرٍ وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ، وَحَيَاتُهُ مَعْلُومَةٌ، فَإِذَا جُهِلَتْ حَيَاتُهُ فَهُوَ الْمَفْقُودُ، أَمَّا الْمَحْبُوسُ فَهُوَ: مَنْ قُبِضَ عَلَيْهِ وَأُودِعَ السِّجْنَ بِسَبَبِ تُهْمَةٍ أَوْ جِنَايَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي زَوْجَةِ الْغَائِبِ وَالْمَفْقُودِ وَالْمَحْبُوسِ إِذَا طَلَبَتِ التَّفْرِيقَ لِذَلِكَ، هَلْ تُجَابُ إِلَى طَلَبِهَا؟ عَلَى أَقْوَالٍ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:
- التَّفْرِيقُ لِلْغَيْبَةِ:
- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّفْرِيقِ لِلْغَيْبَةِ عَلَى أَقْوَالٍ مَبْنَاهَا اخْتِلاَفُهُمْ فِي حُكْمِ اسْتِدَامَةِ الْوَطْءِ، أَهُوَ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ مِثْلُ مَا هُوَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ؟
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلِ الْقَاضِي، إِلَى أَنَّ دَوَامَ الْوَطْءِ قَضَاءُ حَقٍّ لِلرَّجُلِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ حَقٌّ، فَإِذَا مَا تَرَكَ الزَّوْجُ وَطْءَ زَوْجَتِهِ مُدَّةً لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لَهَا أَمَامَ الْقَاضِي، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي ذَلِكَ حَاضِرًا أَمْ غَائِبًا، طَالَتْ غَيْبَتُهُ أَمْ لاَ؛ لأِنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ قَضَاءٌ يَنْقَضِي بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِذَا اسْتَوْفَتْهَا لَمْ يَعُدْ لَهَا فِي الْوَطْءِ حَقٌّ فِي الْقَضَاءِ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا غَابَ الزَّوْجُ عَنْ زَوْجَتِهِ مُدَّةً مَا مَهْمَا طَالَتْ، وَتَرَكَ لَهَا مَا تُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقُّ طَلَبِ التَّفْرِيقِ لِذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا قَيَّدُوا عَدَمَ وُجُوبِ الْوَطْءِ بِعَدَمِ قَصْدِ الإِْضْرَارِ بِالزَّوْجَةِ، فَإِذَا قَصَدَ بِذَلِكَ الإِْضْرَارَ بِهَا عُوقِبَ وَعُزِّرَ، لاِخْتِلاَلِ شَرْطِ سُقُوطِ الْوُجُوبِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلِهِمُ الثَّانِي وَهُوَ الأَْظْهَرُ إِلَى أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْوَطْءِ وَاجِبٌ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا قَضَاءً، مَا لَمْ يَكُنْ بِالزَّوْجِ عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا غَابَ الزَّوْجُ عَنْ زَوْجَتِهِ مُدَّةً بِغَيْرِ عُذْرٍ، كَانَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ تَرْكُهُ بِعُذْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْوَطْءِ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ مُطْلَقًا، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ مُدَّةً، كَانَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ سَفَرُهُ هَذَا لِعُذْرٍ أَمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لأِنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ وَاجِبٌ مُطْلَقًا عِنْدَهُمْ.
شُرُوطُ التَّفْرِيقِ لِلْغَيْبَةِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا:
- يُشْتَرَطُ فِي الْغَيْبَةِ لِيَثْبُتَ التَّفْرِيقُ بِهَا لِلزَّوْجَةِ شُرُوطٌ، وَهِيَ:
أ - أَنْ تَكُونَ غَيْبَةً طَوِيلَةً، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُدَّتِهَا:
فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا غَابَ عَنْ زَوْجَتِهِ مُدَّةَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ كَانَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ عَلَيْهِ إِذَا تَحَقَّقَتِ الشُّرُوطُ الأُْخْرَى، وَذَلِكَ اسْتِدْلاَلاً بِمَا رَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ رضي الله عنه، قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه - بَيْنَمَا كَانَ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ مَرَّ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا وَهِيَ تَقُولُ: - بَيْنَمَا كَانَ يَحْرُسُ الْمَدِينَةَ مَرَّ بِامْرَأَةٍ فِي بَيْتِهَا وَهِيَ تَقُولُ:
تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهُ
وَطَالَ عَلَيَّ أَنْ لاَ حَبِيبَ أُلاَعِبُهْ
وَوَاللَّهِ لَوْلاَ خَشْيَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ
لَحُرِّكَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهْ
فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ فُلاَنَةُ زَوْجُهَا غَائِبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ تَكُونُ مَعَهَا، وَبَعَثَ إِلَى زَوْجِهَا فَأَقْفَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - - فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَمِثْلُكَ يَسْأَلُ مِثْلِي عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لَوْلاَ أَنِّي أُرِيدُ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا سَأَلْتُكِ، قَالَتْ: خَمْسَةُ أَشْهُرٍ، سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَوَقَّتَ لِلنَّاسِ فِي مَغَازِيهِمْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، يَسِيرُونَ شَهْرًا، وَيُقِيمُونَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَيَسِيرُونَ شَهْرًا رَاجِعِينَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ، إِلَى أَنَّهَا سَنَةٌ فَأَكْثَرُ، وَفِي قَوْلٍ لِلْغِرْيَانِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاَثَ لَيْسَتْ بِطُولٍ، بَلْ لاَ بُدَّ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ مِنْهُمْ عَلَى الاِجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ.
ب - أَنْ تَخْشَى الزَّوْجَةُ عَلَى نَفْسِهَا الضَّرَرَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْغَيْبَةِ، وَالضَّرَرُ هُنَا هُوَ خَشْيَةُ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَى كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ، وَلَيْسَ اشْتِهَاءُ الْجِمَاعِ فَقَطْ، وَالْحَنَابِلَةُ وَإِنْ أَطْلَقُوا الضَّرَرَ هُنَا إِلاَّ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ خَشْيَةَ الزِّنَى كَالْمَالِكِيَّةِ.
إِلاَّ أَنَّ هَذَا الضَّرَرَ يَثْبُتُ بِقَوْلِ الزَّوْجَةِ وَحْدَهَا، لأِنَّهُ لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ مِنْهَا، إِلاَّ أَنْ يُكَذِّبَهَا ظَاهِرُ الْحَالِ.
ج - أَنْ تَكُونَ الْغَيْبَةُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَتْ لِعُذْرٍ كَالْحَجِّ وَالتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ لَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِهَذَا يَكُونُ لَهَا حَقُّ طَلَبِ التَّفْرِيقِ عِنْدَهُمْ إِذَا طَالَتْ غَيْبَتُهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ عَلَى سَوَاءٍ.
د - أَنْ يَكْتُبَ الْقَاضِي إِلَيْهِ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا أَوْ نَقْلِهَا إِلَيْهِ أَوْ تَطْلِيقِهَا وَيُمْهِلَهُ مُدَّةً مُنَاسِبَةً، إِذَا كَانَ لَهُ عِنْوَانٌ مَعْرُوفٌ، فَإِنْ عَادَ إِلَيْهَا، أَوْ نَقَلَهَا إِلَيْهِ أَوْ طَلَّقَهَا فَبِهَا، وَإِنْ أَبْدَى عُذْرًا لِغِيَابِهِ لَمْ يُفَرِّقْ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ دُونَ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ كُلَّهُ، أَوْ لَمْ يَرُدَّ بِشَيْءٍ وَقَدِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْوَانٌ مَعْرُوفٌ، أَوْ كَانَ عِنْوَانُهُ لاَ تَصِلُ الرَّسَائِلُ إِلَيْهِ طَلَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِطَلَبِهَا.
نَوْعُ الْفُرْقَةِ لِلْغَيْبَةِ، وَطَرِيقُ وُقُوعِهَا:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْرِيقِ لِلْغَيْبَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ قَضَاءِ الْقَاضِي لأِنَّهَا فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَلاَ تُنَفَّذُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ لِلْغَيْبَةِ فَسْخٌ، وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهَا طَلاَقٌ، وَهَلْ هِيَ طَلاَقٌ بَائِنٌ؟ لَمْ نَرَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَنْ صَرَّحَ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ، إِلاَّ أَنَّ إِطْلاَقَاتِهِمْ تُفِيدُ أَنَّهَا طَلاَقٌ بَائِنٌ، فَقَدْ جَاءَ فِي رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ قَوْلُهُ: إِنَّ كُلَّ طَلاَقٍ يُوقِعُهُ الْحَاكِمُ طَلاَقٌ بَائِنٌ إِلاَّ طَلاَقَ الْمُولِي وَطَلاَقَ الْمُعْسِرِ بِالنَّفَقَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ طَلاَقٌ لِلضَّرَرِ - وَهُوَ بَائِنٌ عِنْدَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ - إِلاَّ أَنَّ الدُّسُوقِيَّ أَوْرَدَ الْفُرْقَةَ لِلْغَيْبَةِ فِي ضِمْنِ الْكَلاَمِ عَنِ الْفُرْقَةِ لِلإِْيلاَءِ، وَهِيَ طَلاَقٌ رَجْعِيٌّ، فَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهَا طَلاَقًا رَجْعِيًّا، إِلاَّ أَنَّ الاِحْتِمَالَ الأَْوَّلَ هُوَ الأَْرْجَحُ.
- التَّفْرِيقُ لِلْفَقْدِ:
- إِذَا غَابَ الزَّوْجُ عَنْ زَوْجَتِهِ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً خَفِيَتْ فِيهَا أَخْبَارُهُ، وَجُهِلَتْ فِيهَا حَيَاتُهُ، فَهَلْ لِزَوْجَتِهِ حَقُّ طَلَبِ التَّفْرِيقِ عَلَيْهِ؟
الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي الْغَائِبِ، ذَلِكَ أَنَّ الْمَفْقُودَ غَائِبٌ وَزِيَادَةٌ، فَيَكُونُ لِزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ مَا لِزَوْجَةِ الْغَائِبِ مِنْ أَمْرِ التَّفْرِيقِ عَلَيْهِ.
فَإِذَا لَمْ تَطْلُبْ زَوْجَتُهُ الْمُفَارَقَةَ، فَهَلْ تَكُونُ عَلَى زَوْجِيَّتِهِ عُمْرَهَا كُلَّهُ؟
فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ أَحْوَالٌ وَشُرُوطٌ، اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي بَعْضِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا الآْخَرِ عَلَى أَقْوَالٍ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي: -
أ - إِذَا كَانَ ظَاهِرُ غَيْبَةِ الزَّوْجِ السَّلاَمَةَ، كَمَا إِذَا غَابَ فِي تِجَارَةٍ أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ.. وَلَمْ يَعُدْ، وَخَفِيَتْ أَخْبَارُهُ وَانْقَطَعَتْ، فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ حَيٌّ فِي الْحُكْمِ، وَلاَ تَنْحَلُّ زَوْجِيَّتُهُ حَتَّى يَثْبُتَ مَوْتُهُ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ بِمَوْتِ أَقْرَانِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ تَتَرَبَّصُ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَرْبَعَ سِنِينَ مِنْ غَيْبَتِهِ، ثُمَّ يُحْكَمُ بِوَفَاتِهِ، فَتَعْتَدُّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَتَحِلُّ بَعْدَهَا لِلأَْزْوَاجِ.
ب - وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ الْهَلاَكَ، كَمَنْ فُقِدَ بَيْنَ أَهْلِهِ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، أَوْ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَعُدْ، أَوْ فُقِدَ فِي سَاحَةِ الْقِتَالِ... فَقَدْ ذَهَبَ أَحْمَدُ فِي الظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ زَوْجَتَهُ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُحْكَمُ بِوَفَاتِهِ فَتَعْتَدُّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، ثُمَّ تَحِلُّ لِلأَْزْوَاجِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم، وَغَيْرِهِمْ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، إِلَى أَنَّهَا لاَ تَتَزَوَّجُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مَوْتُهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِمَوْتِ الأَْقْرَانِ، مَهْمَا طَالَتْ غَيْبَتُهُ، كَمَنْ غَابَ وَظَاهِرُ غَيْبَتِهِ السَّلاَمَةُ عَلَى سَوَاءٍ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَقْسِيمٌ خَاصٌّ فِي زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ، هُوَ: أَنَّ الْمَفْقُودَ إِمَّا أَنْ يُفْقَدَ فِي حَالَةِ حَرْبٍ أَوْ حَالَةِ سِلْمٍ، وَقَدْ يَكُونُ فَقْدُهُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، أَوْ دَارِ الشِّرْكِ، وَقَدْ يُفْقَدُ فِي قِتَالٍ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ طَائِفَةٍ مُسْلِمَةٍ وَأُخْرَى كَافِرَةٍ، وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْحَالاَتِ حُكْمٌ خَاصٌّ بِهَا عِنْدَهُمْ بِحَسَبِ مَا يَلِي:
أ - فَإِذَا فُقِدَ فِي حَالَةِ السِّلْمِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَإِنَّ زَوْجَتَهُ تُؤَجَّلُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، ثُمَّ تَحِلُّ لِلأَْزْوَاجِ، هَذَا إِنْ دَامَتْ نَفَقَتُهَا مِنْ مَالِهِ، وَإِلاَّ طَلَّقَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ.
ب - وَإِذَا فُقِدَ فِي دَارِ الشِّرْكِ، كَالأَْسِيرِ لاَ يُعْلَمُ لَهُ خَبَرٌ، فَإِنَّ زَوْجَتَهُ تَبْقَى مُدَّةَ التَّعْمِيرِ أَيْ مَوْتِ أَقْرَانِهِ، حَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عِنْدَهَا مَوْتُهُ، ثُمَّ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، ثُمَّ تَحِلُّ لِلأَْزْوَاجِ، وَقَدَّرُوا ذَلِكَ بِبُلُوغِهِ السَّبْعِينَ مِنَ الْعُمْرِ، وَقِيلَ: الثَّمَانِينَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذَا إِنْ دَامَتْ نَفَقَتُهَا، وَإِلاَّ طَلُقَتْ عَلَيْهِ.
ج - فَإِنْ فُقِدَ فِي حَالَةِ حَرْبٍ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ عَقِبَ انْفِصَالِ الصَّفَّيْنِ وَخَفَاءِ حَالِهِ، وَتَحِلُّ بَعْدَهَا لِلأَْزْوَاجِ.
د - وَإِنْ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ طَائِفَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَأُخْرَى كَافِرَةٍ، فَإِنَّهُ يُكْشَفُ عَنْ أَمْرِهِ، وَيُسْأَلُ عَنْهُ، فَإِنْ خَفَى حَالُهُ أُجِّلَتْ زَوْجَتُهُ سَنَةً، ثُمَّ اعْتَدَّتْ لِلْوَفَاةِ، ثُمَّ حَلَّتْ لِلأَْزْوَاجِ.
نَوْعُ الْفُرْقَةِ لِلْفَقْدِ، وَطَرِيقُ وُقُوعِهَا:
- إِذَا لَمْ يُرْفَعِ الْمَفْقُودُ لِلْقَاضِي مِنْ قِبَلِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَحَدِ وَرَثَتِهِ أَوِ الْمُسْتَحِقِّينَ فِي تَرِكَتِهِ، فَهُوَ حَيٌّ فِي حَقِّ زَوْجَتِهِ الْعُمْرَ كُلَّهُ بِالاِتِّفَاقِ.
فَإِذَا رُفِعَ إِلَى الْقَاضِي وَقَضَى بِمَوْتِهِ، بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الشُّرُوطِ وَالأَْحْوَالِ وَالاِخْتِلاَفِ، انْقَضَتِ الزَّوْجِيَّةُ حُكْمًا مِنْ تَارِيخِ الْحُكْمِ بِالْوَفَاةِ، وَبَانَتْ زَوْجَتُهُ وَاعْتَدَّتْ لِلْوَفَاةِ جَبْرًا، وَهِيَ بَيْنُونَةُ وَفَاةٍ، لاَ بَيْنُونَةُ طَلاَقٍ أَوْ فَسْخٍ.
هَذَا وَلاَ بُدَّ لِحُلُولِ هَذِهِ الْفُرْقَةِ مِنْ قَضَاءِ الْقَاضِي بِمَوْتِهِ، وَإِلاَّ فَهِيَ زَوْجَتُهُ الْعُمْرَ كُلَّهُ، وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ مَحَلَّ الْقَاضِي فِي الْحُكْمِ بِالْوَفَاةِ هُنَا عِنْدَ الْحَاجَةِ الْوَالِي، وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِذَا ظَهَرَ الْمَفْقُودُ حَيًّا بَعْدَ الْحُكْمِ بِوَفَاتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ لَمْ تَتَزَوَّجْ غَيْرَهُ بَعْدَ عِدَّتِهَا فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ الزَّوَاجُ غَيْرَ صَحِيحٍ، أَوْ كَانَ الزَّوْجُ الْجَدِيدُ يَعْلَمُ بِحَيَاةِ الأْوَّلِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الزَّوَاجُ صَحِيحًا، وَلاَ يَعْلَمُ الزَّوْجُ الثَّانِي بِحَيَاةِ الأْوَّلِ، فَهِيَ لِلثَّانِي إِنْ دَخَلَ بِهَا، عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَإِلاَّ فَهِيَ لِلأَْوَّلِ أَيْضًا.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثلاثون ، الصفحة / 19
عُذْر
التَّعْرِيفُ :
- الْعُذْرُ لُغَةً: - هُوَ الْحُجَّةُ الَّتِي يُعْتَذَرُ بِهَا، وَالْجَمْعُ أَعْذَارٌ، يُقَالُ: لِي فِي هَذَا الأَْمْرِ عُذْرٌ، أَيْ: خُرُوجٌ مِنَ الذَّنْبِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ: عَذَرْتُهُ عُذْرًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ: رَفَعْتُ عَنْهُ اللَّوْمَ، فَهُوَ مَعْذُورٌ أَيْ: غَيْرُ مَلُومٍ
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
أ - الرُّخْصَةُ :
- الرُّخْصَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ: اسْمٌ مِنْ (رَخَّصَ) تَقُولُ: رَخَّصَ لَهُ الأَْمْرَ أَيْ: أَذِنَ لَهُ فِيهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ، وَتَأْتِي بِمَعْنَى تَرْخِيصِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ فِي أَشْيَاءَ خَفَّفَهَا عَنْهُ فَهِيَ إِذْنٌ بِمَعْنَى: التَّيْسِيرِ وَالتَّخْفِيفِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ مَا شُرِعَ مِنَ الأَْحْكَامِ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ وَلَوْلاَ الْعُذْرُ لَثَبَتَتِ الْحُرْمَةُ.
ب - الْعَفْوُ :
- الْعَفْوُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَحْوُ الذُّنُوبِ، وَهُوَ - أَيْضًا -: التَّجَاوُزُ عَنِ الذَّنْبِ، وَتَرْكُ الْعِقَابِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَيْضًا قَبُولُ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الصَّفْحُ وَإِسْقَاطُ اللَّوْمِ وَالذَّنْبِ، وَفِي الْجِنَايَاتِ هُوَ: إِسْقَاطُ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ الْقَوَدَ عَنِ الْقَاتِلِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والثلاثون ، الصفحة / 321
غَيْبَةُ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ:
لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَيَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ بِرِضَاهَا - وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا وَلِيٌّ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ.
وَيُرَاعَى فِي النِّكَاحِ وِلاَيَةُ الأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا غَابَ الأَْقْرَبُ.
فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ - عَدَا زُفَرَ - وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِذَا غَابَ الْوَلِيُّ الأَْقْرَبُ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً جَازَ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ أَنْ يُزَوِّجَ دُونَ السُّلْطَانِ. لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ» وَهَذِهِ لَهَا وَلِيٌّ، كَمَا قَالَ الْبُهُوتِيُّ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ وِلاَيَةٌ نَظَرِيَّةٌ. وَلَيْسَ مِنَ النَّظَرِ التَّفْوِيضُ إِلَى مَنْ لاَ يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ؛ لأَِنَّ التَّفْوِيضَ إِلَى الأَْقْرَبِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ أَقْرَب، بَلْ لأَِنَّ فِي الأَْقْرَبِيَّةِ زِيَادَةَ مَظِنَّةٍ لِلْحِكْمَةِ، وَهِيَ الشَّفَقَةُ الْبَاعِثَةُ عَلَى زِيَادَةِ إِتْقَانِ الرَّأْيِ لِلْمُوَلِّيَةِ. فَحَيْثُ لاَ يُنْتَفَعُ بِرَأْيِهِ أَصْلاً سُلِبَتْ إِلَى الأَْبْعَدِ كَمَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، فَإِذَا غَابَ الأَْبُ مَثَلاً زَوَّجَهَا الْجَدُّ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّلْطَانِ، كَمَا إِذَا مَاتَ الأَْقْرَبُ.
وَقَالَ زُفَرُ: لاَ يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا الأَْبْعَدُ فِي غِيَابِ الأَْقْرَبِ؛ لأَِنَّ وِلاَيَةَ الأَْقْرَبِ قَائِمَةٌ؛ لأَِنَّهَا ثَبَتَتْ حَقًّا لَهُ صِيَانَةً لِلْقَرَابَةِ، فَلاَ تَبْطُلُ بِغَيْبَتِهِ.
وَحَدُّ الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ لاَ تَصِلُ إِلَيْهَا الْقَوَافِلُ فِي السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ، وَقِيلَ: أَدْنَى مُدَّةِ السَّفَرِ؛ لأَِنَّهُ لاَ نِهَايَةَ لأَِقْصَاهُ، وَقِيلَ: إِذَا كَانَ بِحَالٍ يَفُوتُ الْخَاطِبُ الْكُفْءُ بِاسْتِطْلاَعِ رَأْيِ الْوَلِيِّ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْغَيْبَةَ الْمُنْقَطِعَةَ هِيَ مَا لاَ تُقْطَعُ إِلاَّ بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، قَالَ الْبُهُوتِيُّ نَقْلاً عَنِ الْمُوَفَّقِ: وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ. فَإِنَّ التَّحْدِيدَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ وَلاَ تَوْقِيفَ، وَتَكُونُ الْغَيْبَةُ الْمُنْقَطِعَةُ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لأَِنَّ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ.
وَقَالُوا: إِنْ كَانَ الأَْقْرَبُ أَسِيرًا أَوْ مَحْبُوسًا فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ لاَ يُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ أَوْ تَتَعَذَّرُ فَزَوَّجَ الأَْبْعَدُ صَحَّ، لأَِنَّهُ صَارَ كَالْبَعِيدِ، كَمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ الأَْقْرَبُ غَائِبًا لاَ يُعْلَمُ مَحَلُّهُ أَقَرِيبٌ هُوَ أَمْ بَعِيدٌ؟ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ الْمُجْبِرَ الأَْقْرَبَ إِذَا كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً زَوَّجَ الْحَاكِمُ ابْنَةَ الْغَائِبِ الْمُجْبَرَةِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، وَلاَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا فِي غَيْبَةٍ قَرِيبَةٍ، لاَ لِلْحَاكِمِ وَلاَ لِغَيْرِهِ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ وَبِدُونِ تَفْوِيضِهِ، حَتَّى إِنَّهُمْ قَالُوا: يُفْسَخُ النِّكَاحُ أَبَدًا إِذَا زَوَّجَ الْحَاكِمُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، وَلَوْ أَجَازَهُ الْمُجْبِرُ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَلَوْ وَلَدَتِ الأَْوْلاَدَ.
وَهَذَا - أَيْ تَحَتُّمُ الْفَسْخِ - إِذَا كَانَتِ النَّفَقَةُ جَارِيَةً عَلَيْهَا. وَلَمْ يَخْشَ عَلَيْهَا الْفَسَادَ، وَكَانَتِ الطَّرِيقُ مَأْمُونَةً، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ إِضْرَارُهُ بِهَا بِغَيْبَتِهِ بِأَنْ قَصَدَ تَرْكَهَا مِنْ غَيْرِ زَوَاجٍ، فَإِنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ كَتَبَ لَهُ الْحَاكِمُ: إِمَّا أَنْ تَحْضُرَ تَزَوُّجَهَا أَوْ تُوَكِّلَ وَكِيلاً يُزَوِّجُهَا، وَإِلاَّ زَوَّجْنَاهَا عَلَيْك، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَلاَ فَسْخَ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَالِغَةً أَوْ لاَ.
وَحَدُّ الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَسَافَةُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ذَهَابًا، وَحَدُّ الْبَعِيدَةِ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ عَلَى اخْتِلاَفِ الْقَوْلَيْنِ.
أَمَّا الْغَيْبَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدَّيْنِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمُهُ كَمَا قَالَ الدُّسُوقِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَيَبْقَى الْكَلاَمُ فِي النِّصْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ، وَيُلْحَقُ بِالْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ فَيُفْسَخُ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي غِيَابِ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ. أَمَّا غَيْبَةُ الْوَلِيِّ غَيْرِ الْمُجْبِرِ الأَْقْرَبِ، فَحَدُّهَا الثَّلاَثُ فَمَا فَوْقَهَا، فَإِذَا غَابَ غَيْبَةً مَسَافَتُهَا مِنْ بَلَدِ الْمَرْأَةِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا، وَدَعَتْ لِكُفْءٍ. وَأَثْبَتَتْ مَا تَدَّعِيهِ مِنَ الْغَيْبَةِ وَالْمَسَافَةِ وَالْكَفَاءَةِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُهَا لاَ الأَْبْعَدُ، فَلَوْ زَوَّجَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الأَْبْعَدُ صَحَّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ غَابَ الْوَلِيُّ الأَْقْرَبُ نَسَبًا أَوْ وَلاَءً إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ وَلاَ وَكِيلَ لَهُ بِالْبَلَدِ، أَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، زَوَّجَ سُلْطَانُ بَلَدِ الزَّوْجَةِ أَوْ نَائِبُهُ، لاَ سُلْطَانُ غَيْرِ بَلَدِهَا، وَلاَ الأَْبْعَدُ عَلَى الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الْغَائِبَ وَلِيٌّ، وَالتَّزْوِيجُ حَقٌّ لَهُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ نَابَ عَنْهُ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: يُزَوِّجُ الأَْبْعَدُ كَالْجُنُونِ. قَالَ الشَّيْخَانِ: وَالأَْوْلَى لِلْقَاضِي أَنْ يَأْذَنَ لِلأَْبْعَدِ أَنْ يُزَوِّجَ، أَوْ يَسْتَأْذِنَهُ فَيُزَوِّجَ الْقَاضِي لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ. أَمَّا فِيمَا دُونَ الْمَرْحَلَتَيْنِ فَلاَ يُزَوِّجُ إِلاَّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ الأَْقْرَبِ فِي الأَْصَحِّ؛ لِقِصَرِ الْمَسَافَةِ، فَيُرَاجَعُ لِيَحْضُرَ أَوْ يُوَكِّلَ كَمَا لَوْ كَانَ مُقِيمًا، وَمُقَابِلُ الأَْصَحِّ: يُزَوِّجُ؛ لِئَلاَّ تَتَضَرَّرَ بِفَوَاتِ الْكُفْءِ الرَّاغِبِ كَالْمَسَافَةِ الطَّوِيلَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الأَْوَّلِ لَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إِلَيْهِ لِفِتْنَةٍ أَوْ خَوْفٍ جَازَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُزَوِّجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَوْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ لِغَيْبَةِ وَلِيِّهَا ثُمَّ قَدِمَ وَقَالَ: كُنْتُ زَوَّجْتُهَا فِي الْغَيْبَةِ، قُدِّمَ نِكَاحُ الْحَاكِمِ.
التَّفْرِيقُ لِغَيْبَةِ الزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ:
غَيْبَةُ الزَّوْجِ عَنْ زَوْجَتِهِ لاَ تَخْلُو عَنْ حَالَيْنِ.
الأُْولَى: أَنْ تَكُونَ غَيْبَةً قَصِيرَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ بِحَيْثُ يُعْرَفُ خَبَرُهُ وَيَأْتِي كِتَابُهُ. فَهَذَا لَيْسَ لاِمْرَأَتِهِ أَنْ تَطْلُبَ التَّفْرِيقَ إِذَا لَمْ يَتَعَذَّرِ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الزَّوْجِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
الثَّانِيَةُ: الْغَيْبَةُ الطَّوِيلَةُ الَّتِي يَنْقَطِعُ فِيهَا خَبَرُهُ، بِأَنْ لَمْ يُدْرَ مَوْضِعُهُ وَحَيَاتُهُ وَمَوْتُهُ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْغَيْبَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِجَوَازِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ عِنْدَهُمْ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ أَوْ يَمْضِيَ مِنَ الزَّمَنِ مَا لاَ يَعِيشُ إِلَى مِثْلِهِ غَالِبًا.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَسَّمُوا حَالاَتِ الْغَيْبَةِ إِلَى أَقْسَامٍ وَبَيَّنُوا لِكُلِّ قِسْمٍ حُكْمَهُ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي: (طَلاَقٍ ف 87 وَمَا بَعْدَهَا، وَمَفْقُودٍ)