إذا عجز الحكمان عن الإصلاح :
إذا عجز الحكمان عن الإصلاح :
(1) فإن كانت الإساءة كلها من جانب الزوج إقترح الحكمان التطليق بطلقة بائنة دون مساس بشئ من حقوق الزوجة المترتبة على الزواج والطلاق .
(2) وإذا كانت الإساءة كلها من جانب الزوجة إقترحا التطليق نظير بدل مناسب يقدر أنه تلتزم به الزوجة .
(3) وإذا كانت الإساءة مشتركة إقترحا التطليق دون بدل او ببدل يتناسب مع نسبة الإساءة .
(4) وان جهل الحال فلم يعرف المسيء منهما اقترح الحكمان تطليقاً دون بدل .
موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول
المذكرة الإيضاحية
الأصل في جواز التطليق للضرر قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ..) (من الآية رقم 35 من سورة النساء).
فقد فهم بعض الصحابة أن حق الحكمين مطلق في الإصلاح أو التفريق وأن على القاضي أن يقضي بما يريانه ومن هؤلاء علي بن أبي طالب وعبد الله ابن عباس ولم يعرف لهما مخالف، وهو يتفق مع المأثور من أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم إذ قال (لا ضرر ولا ضرار) كما يتفق كذلك مع وصايا القرآن الكريم في مثل قوله تعالى ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ (من الآية رقم ۲۲۹ من سورة البقرة) وإذا فات الإمساك بالمعروف تعين التسريح بالإحسان.
1- الثابت أن الحكام الثلاثة قد خلصوا إلى تطليق المطعون ضدها من الطاعن, واتفق حكم الزوج والحكم الثالث على إسقاط حقوقها الشرعية وإذ قضى الحكم المطعون فيه بالتطليق دون بدل, فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون, فيما تضمنه من عدم إسقاط حقوقها الشرعية المترتبة على الزواج والطلاق, ومن ثم يتعين نقضه جزئيا فى هذا الصدد.
(الطعن رقم 203 لسنة 66 جلسة 2001/01/13)
2- مفاد نص المادة العاشرة من القانون رقم 25 لسنة 1929 أن التطليق فى الحالات التى يجب فيها بعث حكمين لا يكون ببدل الا إذا كانت الاساءة من جانب الزوجة أو كانت الاساءة مشتركة بين الزوجين ولا محل لإلزام الزوج ببدل إذا إذا كانت الاساءة كلها من جانبه ، إذ أن التطليق فى هذه الحالة لا يمس حقوق الزوجة المترتبة على الزواج أو التطليق ، فلها أن تطالب بهذه الحقوق ومنها المتعة بدعوى مستقلة .
(الطعن رقم 226 لسنة 65 جلسة 1997/05/26 س 48 ع 1 ص 815 ق 159)
3- لما كانت قواعد التحكيم الواردة فى المواد من 7 إلى 11 من المرسوم بقانون رقم 25لسنه 1929 - سواء قبل تعديلها بالقانون رقم 100 لسنة 1985 أو بعد هذا التعديل - قد أخذت من مذهب الأمام مالك ، فإنه يجب الرجوع إلى هذا المذهب فى بيان الشروط الواجب توافرها فى الحكام فيما لم يرد به نص صريح فى المواد المشار إليها وإذ كان هذا المذهب يشترط الذكورة فى الحكام على اعتبار أن طريقهم هو الحكم وليس الشهادة أو الوكالة فتبين الالتزام بهذا الشرط وإن لم يرد به نص صريح فى المادة السابعة بعد تعديلها بالقانون السالف الذكر، لما كان ذلك وكانت المحكمة لم تلتزم بهذا الشرط فيمن بعثتهم حكاما فى الدعوى بأن كان من بينهم إمرأة مما يبطل التقرير المقدم منهم وإذ عول الحكم المطعون فيه على التقرير واتخذ منه سندا لقضائه فيما هو معروض عليه بخصوص إسقاط حقوق الطاعنة المالية وإلزامها بأن تدفع للمطعون ضده تعويضاً مقداره ألفى جنيه فإنه بدوره يكون باطلاً .
(الطعن رقم 98 لسنة 60 جلسة 1993/07/27 س 44 ع 2 ص 878 ق 282)
4- متى كان ما قرره الحكم يتفق ومنطق تقرير الحكمين الذى لم ينسبا فيه إساءة إلى الزوج المطعون عليه فى ذات الوقت الذى قررا فيه فشلهما فى إقناع الطاعنة فى الإستجابة لطلبهما العدول عن إصرارها على فك عروة الزوجية رعاية لأبنائهما ، وبهذه المثابة فلا يكون ما خلص إليه الحكمان مجهلاً للحال لأن رأيهما قد إجتمع على التعرف على المسئ من الزوجين وأنه من الطاعنة دون المطعون عليه ، وكانت الإساءة من الزوجة وحدها لا تبرر التفريق ، فإن قضاء الحكم برفض الدعوى لامخالفة فيه للقانون .
(الطعن رقم 17 لسنة 42 جلسة 1975/11/26 س 26 ص 1499 ق 281)
5- نص المادة السادسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية يدل على أن المشرع رأى أن الزوجة إذا إدعت على زوجها إضراره بها بأى نوع من أنواع الضرر الذى لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما ومن هما فى طبقتهما وطلبت من القاضى تطليقها منه ، وثبت الضرر الذى إدعته ولم يفلح القاضى فى التوفيق بينهما طلقها منه ، وإن عجزت الزوجة عن إثبات الضرر رفض مدعاها ، فإذا جاءت مكررة شكواها طالبة التطليق للإضرار ولم يثبت للمرة الثانية ما تشكو منه كان على القاضى أن يعين الحكمين بمعنى أن مناط إتخاذ إجراءات التحكيم المنصوص عليها فى المواد من 7 - 11 من القانون رقم 25 لسنة 1929 أن تكون الدعوى المقامة للتطليق هى دعوى ثانية سبقتها دعوى أولى بطلب التطليق للضرر ولم يثبت للمحكمة فى الدعويين هذا الضرر المدعى .
(الطعن رقم 13 لسنة 42 جلسة 1975/05/28 س 26 ص 1108 ق 212)
6- مفاد نص المادة السادسة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 أنه إذا كررت الزوجة شكواها طالبة التطليق لإضرار الزوج بها بعد رفض طلبها بالتفريق ولم تثبت ما تشكو منه ، فإنه يتعين أن يبعث القاضى حكمين على النحو المبين بالمواد من 7 إلى 11 من القانون المذكور ، وهو حكم مأخوذ من مذهب الإمام مالك فى أحكام الشقاق بين الزوجين . ولما كان الثابت أن المطعون عليها أقامت دعواها الأولى طالبة التطليق للضرر ، و قضى برفضهاَ نهائياً لعجزها عن الإثبات ثم أقامت دعواها الحالية بنفس الطلبات و قضى فيها إبتدائيا بالتطليق ، ولما كانت محكمة الإستئناف بعد أن ألغت حكم محكمة أول درجة بالتطليق - لعدم الإطمئنان إلى أقوال شهود المطعون عليها - قد مضت فى نظر الدعوى وقضت ببعث الحكمين تطبيقاً لماَ يوجبه القانون على النحو سالف البيان ، النعى على الحكم يكون فى غير محله .
(الطعن رقم 46 لسنة 40 جلسة 1974/02/20 س 25 ع 1 ص 379 ق 63)
7- مؤدى نصوص المواد الثامنة والتاسعة والعاشرة والحادية عشر من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 أن المشروع خول الحكمين أن يتعرفاَ أسباب الشقاق بين الزوجين و يبذلاَ جهدهماَ فى الإصلاح فإن أمكن على طريقة معينة قرارها وإذا عجزاَ عن الإصلاح وكانت الإساءة من الزوج أو الزوجين معاً أو جهل الحال ولم يعرف من أى جانب كانت الإساءة قررا التفريق بينهماَ بطلقة بائنة ، وإذا إختلف الحكمان أمرهماَ القاضى بمعاودة البحث ، فإن إستمر الخلاف بينهما حكم غيرهما ، وعلى الحكمين أن يرفعاَ إلى القاضى ما يقرران ، وعلى القاضى أن يحكم بمقتضاه . وهذه الأحكام مستمدة من فقه المالكية ، ومن المنصوص عليه فيه أن الحكمين طريقهماَ الحكم لا الشهادة ولا الوكالة و لو كان من جهة الزوجين لأن الحكم فى اللغة هو الحاكم ، فإن إتفقاَ الحكمان نفذ حكمهماَ ووجب على الحاكم إمضاؤه من غير تعقيب ولوخالف مذهبه ، وإن إختلفاَ فطلق أحدهماَ و لم يطلق الآخر ، فلا يكون هناك فراق لأن إلى كل واحد منهما ماَ إلى صاحبه بإجتماعهماَ عليه . ولما كان الثابت من الحكم المطعون فيه أن الحكمين الآخرين ، كسابقيهماَ إختلفاَ ولم يقرراَ بجهل الحال ، وكان يتعين أزاء إختلافهماَ أن تكلفهماَ المحكمة بمعاودة البحث تطبيقاً لحكم المادة العاشرة من القانون ، وإذ إستنتج الحكم جهل الحال من إختلاف الحكمين ، وقضى بتطليق المطعون عليها مع أن المشرع ترك للحكمين بجهل الحال و بالتفريق بين الزوجين تبعاً لذلك على أن يحكم القاضى بالتطليق حسبما قراره عملاً بحكم المادتين التاسعة والحادية عشر من القانون لماَ كان ما تقدم فإن الحكم يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .
(الطعن رقم 46 لسنة 40 جلسة 1974/02/20 س 25 ع 1 ص 379 ق 63)
8- النص فى الفقرة الرابعة من المادة العاشرة يدل على أن عمل المحكمين هو التوفيق بين الزوجين ما أمكن والسعى لإعادة الحياة بينهما وتحرى أسباب الخلاف والوقوف على كل ما يشكو كل من الزوجين من صاحبه ، فإن جهل الحال وكان هناك ضرر بينهما ولم يعرف الحكمان من المسىء من الزوجين إقتراحاً تطليقاً دون بدل وكان الثابت من تقرير الحكمين إنهما حاولا التوفيق بين الطاعن والمطعون ضدها التى أصرت على عدم إستمرار الحياة الزوجية بسبب عدم إستطاعتها العيش مع الطاعن لإختلافهما فى الطباع والعادات وتنازلت له عن جميع مالها من حقوق طرفه ، فإن إقتراح الحكمين التفريق بين الطاعن والمطعون ضدها مع حرمانها من جميع حقوق الزوجية يكون قائماً على سبب جهل الحال بين الزوجين .
(الطعن رقم 4 لسنة 58 جلسة 1989/02/21 س 40 ع 1 ص 517 ق 93)
9- النص في المادة العاشرة من المرسوم بقانون رقم 25 سنة ۱۹۲۹ المعدل بالقانون رقم ۱۰۰ سنة 1985 يدل على أن البدل المنصوص عليه في الفقرة الثانية إنما ينصرف إلى حقوق الزوجة المترتبة علي الزواج أو الطلاق وهي تشمل جميع حقوقها المالية قبل الزواج ولا يعني عوضا ماليا أخر غير هذه الحقوق ، فإن وقعت الإساءة كلها من جانب الزوجة اقترح الحكمان التطليق وإسقاط هذه الحقوق عنها كلها أو بعضها كبدل تلتزم به لتفتدي نفسها نظیر تطليقها ، يساند هذا النظر ما ورد في المقابل بنص الفقرة الأولي سالفة البيان التي تفيد التزام الزوج بهذه الحقوق ، وإذا اقترح الحكمان التطليق وكانت الإساءة كلها من جانبه دون مساس بأي حق منها ، لما كان ذلك ، وكان الثابت من تقرير الحكمين أن الإساءة كلها من جانب المطعون ضدها ، و اقترح الحكمان تطليقها طلقة بائنة من حرمانها من جميع حقوقها المالية ، فإن الحكم المطعون فيه إن قضي بتأييد الحكم الابتدائي بتطليق المطعون ضدها مع إسقاط جميع حقوقها الشرعية - وهو البدل الذي ألزمها به - دون إلزامها بعوض مالي أخر للطاعن فانه يكون قد طبق القانون علي وجهه الصحيح .
{{ طعن رقم 585 سنة ۷۰ ق أحوال شخصية جلسة 14/12/2002 غير منشور }}
يتناول نص المادة محل التعليق (المادة العاشرة) التعرض للحالة التي تكون معها نتيجة الحكمين هي إتفاقهم سواء من حيث تحديد شخص المسيء من أي من الزوجين أو من حيث الإنتهاء إلى وجوب التفريق بينهما بالطلاق بينما يتناول نص المادة التالية (الحادية عشر) أحوال إختلاف الحكمين سواء حول تحديد شخص المسيء أو حول إيقاع الطلاق من عدمه.
الفروض المختلفة لما ينتهي إليه عمل الحكمين:
وعلى ذلك فإنه بالنظر إلى هذا النص في ضوء مفهوم المادة 11 التالية يتعين أنه يفترض أن الحكمان بحثا أسباب الشقاق وتعرفا عليها وحاولا الإصلاح دون جدوى واتفقا على شخص المسيء أو درجة إساءة كل من الزوجين إلى الآخر ومدى مساهمته في إستحكام الخلف بينهما وكذا إتفاقهما على التفريق بينهما بالطلاق، وقد انطوى النص على أربعة فروض تغطى أيا من النتائج التي ينتهي الحكمان إليها.
1- فإذا اتفق الحكمان على أن الإساءة كلها من جانب الزوج إقترح الحكمان عدم إسقاط لأي من حقوق الزوجة المترتبة على الزواج كالنفقة أو المترتبة على الطلاق كالمتعة ومؤخر الصداق في حالة قضاء المحكمة بالتطليق.
۲- أما إذا اتفق الحكمان على أن الإساءة كلها من جانب الزوجة إقترحا إلزام الزوجة بتعويض مناسب يقدر انه في تقريرهما إلا أن هذا التقدير لا يلزم المحكمة حيث يكون لها سلطة مراقبته وإعادة تقديره .
3- وإذا إتفق الحكمان على أن كل من الزوجين يشترك بقدر من الإساءة إقتراحا عدم إلزام أيهما ببدل أو تعويض يتناسب ونسبة إساءة كل من الزوجين إلى الآخر.
4- أما إذا اتفقا على أنه لا يستطاع دوام العشرة بين الزوجين إلا أنهما لم يتمكنا من تحديد أي منهما هو المسيء إقترحا عدم إسقاط أي بدل إلا أن إختلاف الحكمين في تحديد شخص المسيء بأن يذهب أحدهما إلى أنه هو الزوج بينما يذهب الآخر إلى أنها الزوجة لا يعد إقرار منهما بجهل الحال إذ يتعين في الحالة الأخيرة ذكر ذلك في التقرير صراحة .
إضافة طلب الفصل في الحقوق المالية لأول مرة أمام محكمة الإستئناف
ونحن نرى أنه إذا كانت القاعدة أن المحكمة مقيدة بطلبات الخصوم في الدعوى فإن إقتصار المدعية على طلب التطليق دون أن تقرنه بطلب إحتفاظها بحقوقها المالية وكذا إكتفاء الزوج بالجواب على الدعوى بطلب رفضها دون أن يقرنه بطلب إلزامها برد ما قبضته من مهر أو إسقاط حقوقها المالية أو إلزامها ببدل مناسب فإن لازم ذلك أن تتقيد المحكمة في قضائها بطلب التطليق وحده إلتزاما بقاعدة التقيد بطلبات الخصوم وحتى لا يشوبه عيب القضاء بما لم يطلبه الخصوم إعمالاً لعموم حكم المادة 176 مرافعات .
إلا أن القانون رقم 1 لسنة ۲۰۰۰ أجاز في الفقرة الثانية من المادة 2/85 منه للخصوم إضافة طلب الفصل في الحقوق المالية لأول مرة أمام محكمة الإستئناف بإعتباره طلباً جديداً لم يسبق طرحه على محكمة أول درجة بإعتبار أنه في هذه الحالة يعد من الطلبات المكملة للطلب الأصلي بالتطليق أو مترتبة عليه أو متصلة به.
أما إذا اختلف الحكمان أو تخلف أيهما عن الحضور تسمع المحكمة أقوالهما أو أقوال الحاضر منهما بعد حلف اليمين وذلك إعمالاً لحكم الفقرة الأخيرة من المادة 19 من القانون رقم 1 لسنة ۲۰۰۰. (موسوعة المشكلات العملية في قوانين الأحوال الشخصية ، المستشار/ أشرف مصطفى كمال، الطبعة الخامسة عشر 2017 / 2018 ، الجزء : الأول ، الصفحة : 411).
وواضح من المادة أن الحكمين إذا باشرا عملهما في إزالة أسباب الشقاق بين الزوجين وإعادة الألفة والمودة بينهما، ولكنهما عجزا عن الإصلاح بينهما، فإن مهمتهما تصبح قاصرة على إقتراح التطليق بطلقة بائنة إما نظير بدل أو بدون بدل، وذلك بالتفصيل الآتي:
1- إذا ثبت للحكمين أن الإساءة كلها من جانب الزوج، وليس من جانب الزوجة شيء منها، كما لو كان الزوج يعتدي عليها بالضرب أو السب، إقترحا التطليق دون مساس بشيء من حقوق الزوجة المترتبة على الزواج والطلاق، وهذا الحكم يمنع الزوج المشاكس من إستغلال الزوجية لإيذاء الزوجة - وإهدار حقوقها قبله
2- إذا ثبت للحكمين أن الإساءة كلها من جانب الزوجة، وليس من جانب الزوج شيء منها، كأن تكون الزوجة قد امتنعت عن طاعة زوجها دون حق، أو خرجت للعمل في غير الأحوال الجائزة، إقترحا التطليق نظير بدل (خلع) مناسب تلزم به الزوجة، وهذا البدل قد يكون حقها في المهر كله أو بعضه، ويقدر الحكمان هذا البدل طبقاً لظروف الحال ومدى الإساءة.
3- إذا ثبت للحكمين أن الإساءة مشتركة بين الزوجين، كأن يكون الزوج قد تزوج بأخرى فلحقها من جراء ذلك ضرر مادي أو معنوي، وفي المقابل خرجت الزوجة من منزل الزوجية دون حق، أو غير ذلك من صور الإساءة المشتركة، إقترحا التطليق دون بدل أو بيدل (خلع) تلزم به الزوجة يتناسب مع نسبة الإساءة، وذلك بالتفصيل الآتي:
(أ) إذا كانت إساءة الزوجين متساوية إقترح الحكمان التطليق دون بدل خلع.
(ب) إذا كانت إساءة الزوجة تزيد على إساءة الزوج إقترح الحكمان التطليق ببدل (خلع) يتناسب مع نسبة الإساءة تلزم به الزوجة.
(ج) إذا كانت إساءة الزوج تزيد على إساءة الزوجة، إقترح الحكمان التطليق دون بدل لأنه يجب تفسير عموم الفقرة الثالثة من المادة العاشرة التي تنص على أنه: «وإذا كانت الإساءة مشتركة إقترحا التطليق دون بدل أو ببدل يتناسب مع نسبة الإساءة» على ضوء المقرر في المذهب المالكي بإعتباره المصدر التشريعي للنص، والمنصوص عليه في هذا المذهب أنه لا ينبغی للحكمين «أن يأخذا من الزوج شيئاً ويطلقا عليه» .
فالممنوع على الحكمين هو أن يحكما على الزوج بالتفريق مع مال يلزم به، أما أن يحكما بالتفريق دون مال أو بمال تلزم به الزوجة المسيئة فذلك جائز لأنها حين تحصل على التفريق - وهي مسيئة – فينبغي أن يكون لذلك مقابل يحصل عليه الزوج الذي يكلف المهر وغيره لإقامة هذا الزواج .
فضلاً عن أن الفقرة الأولى من المادة جعلت التطليق في الحالة التي تكون فيها الإساءة كلها من جانب الزوج دون بدل يدفعه الزوج، فبداهة لا يقصد النص إلزام الزوج ببدل في الحالة التي تكون فيها الإساءة مشتركة بينه وبين الزوجة .
4- إذا جهل الحال، فثبت المحكمين وجود إساءة وغم عليهما الوقوف على أي من الزوجين كانت منه الإساءة، فإنهما يقترحان التطليق دون بدل (خلع).
وقد جاعت صياغة المادة سالفة الذكر معيبة، ذلك أن الفقرة الأولي من المادة وصفت الطلاق الذي يقترحه الحكمان إذا كانت الإساءة كلها من جانب الزوج بأنه بائناً، بينما لم يرد هذا الوصف في الطلاق الذي يقترحه الحكمان في الصورة الواردة بفقرات المادة الثلاث الأخرى، رغم أن هذا الطلاق يقع بدوره بائناً، وذلك لما هو منصوص عليه في المذهب المالكي - المصدر التشریعی للمادة - أن تطليق الحكمين يقع بائناً ولو لم يكن خلعاً أي كان بلا عوض . (موسوعة الفقه والقضاء في الأحوال الشخصية، للمستشار/ محمد عزمي البكري، دار محمود للنشر، المجلد الثاني، الصفحة 187).
مناط إتخاذ إجراءات التحكيم :
أن تكون الدعوى المقامة للتطليق هي دعوى ثانية سبقتها دعوى أولي بطلب التطليق للضرر مع عجز الزوجة في إثبات الضرر في كلا الدعويين دون أن يلزم لذلك أن تكون مقيمة مع زوجها في دعوى التطليق الثانية ، علي أن تستند في الدعوى الثانية بالتطليق علي وقائع مغايرة لتلك التي رفعت الدعوى الأولى علي أساسها ، وإن تعجز المحكمة عن محاولة الإصلاح بين الزوجين .
مهمة الحكمين
لقد خول المشرع الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الإصلاح إن أمكن والعمل على إزالتها وضرورة بذل جهدهما لإصلاح ذات البين فلا يتسرعان في فصم عرى الزوجية وعليهما جمع الطرفين في مجالس عائلية يحددان زمانها ومكانتها لا يحضرها إلا الزوجان ، ومن يقرر الحكمان ضرورة حضوره من الأقارب أو الوكلاء أو من يستعان بهم في الإصلاح أو في تقصي الحقائق ، ومعلوم بداهة أن تخلف احد الزوجين عن حضور تلك المجالس لا يعطلها بعد إعلانه بالحضور ، لأن الإخطار لا يستلزم شكلاً خاصاً بحضور الزوجين معاً ، فإن لم تثمر مساعي الحكمين صلحاً ، وبقي طالب التطليق مصراً علي طلبه فيما حكمهما إلى القاضي متضمناً تحديد مصدر الشقاق ومن هو المسئ من الزوجين للآخر ونسبة تلك الإساءة ، وهذه ناحية لابد منها إذ أنها ستكون مرتكز الحكمين عندما تفضي بالمهر حين الحكم بالتطليق أن يكون كله أو بعضه من حق الزوجة إذا كانت الإساءة كلها أو أكثرها من الزوج أو العكس .
ويجب أن يشتمل حکم تعيين الحكمين علي تاريخ بدء المهمة ونهايتها بما لا يجاوز ستة أشهر ، ويجوز للمحكمة إعطاء الحكمين مهلة أخري مرة واحدة لا تزيد على ثلاثة أشهر مع وجوب إعلان الحكمين والخصوم بحكم تعيين الحكمين مع تحليفهما، فإن لم يقدما تقريرهما في المدة المحددة إعتبرتهما المحكمة أنها غير متفقين .
وأنه في حالة عجز الحكمين عن الإصلاح فإن الحكمين يقرران التطليق بطلقة بائنة إذا كانت الإساءة كلها من الزوج دون المساس بحقوق الزوجة المترتبة على الزواج والطلاق، أما إذا كانت الإساءة كلها من الزوجة قرر الحكمان التطليق بمقابل بدل مناسب تدفعه الزوجة ، وفي حالة ما إذا كانت الإساءة مشتركة قرر الحكمان التطليق بينهما ببدل مناسب مع الإساءة أو بدون بدل ، أما إذا لم يعرف الحكمان من المسئ منهما إقترح الحكمان التطليق بينهما دون بدل . (الموسوعة الشاملة في شرح قانون الأحوال الشخصية والأسرة ، للمستشار/ سيد عبد الرحيم الشيمي ، طبعة 2018 / حيدر جروب للأصدارات القانونية ، الصفحة : 38).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثالث ، الصفحة / 141
إِسَاءَةٌ
التَّعْرِيفُ:
الإْسَاءَةُ لُغَةً: خِلاَفُ الإِْحْسَانِ، يُقَالُ: أَسَاءَ الرَّجُلُ إِسَاءَةً، خِلاَفُ أَحْسَنَ، وَأَسَاءَ إِلَيْهِ خِلاَفُ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَسَاءَ الشَّيْءَ أَفْسَدَهُ، وَلَمْ يُحْسِنْ عَمَلَهُ، وَالإْسَاءَةُ اسْمٌ لِلظُّلْمِ وَلِلْمَعْصِيَةِ .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَمِنْ ذَلِكَ إِطْلاَقُهُمُ الإْسَاءَةَ عَلَى إِضْرَارِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِالآْخَرِ . وَفِي مِنَحِ الْجَلِيلِ: نُدِبَ لِلْقَاضِي تَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ (أَيْ تَعَدَّى) بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ: ظَلَمْتَنِي، أَوْ جُرْتَ عَلَيَّ، وَيَسْتَنِدُ الْقَاضِي فِيهِ لِعِلْمِهِ، فَيُؤَدِّبُهُ، وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، أَمَّا مَنْ أَسَاءَ (إِلَيْهِ) فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ فَلاَ يُؤَدِّبُهُ بِنَفْسِهِ، وَلْيَرْفَعْهُ لِقَاضٍ آخَرَ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِلْقَاضِي الْفَاضِلِ الْعَدْلِ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ، وَالْعُقُوبَةُ عَلَى مَنْ تَنَاوَلَهُ بِالْقَوْلِ وَأَذَاهُ وَهُوَ غَائِبٌ .
وَفِي الْمُغْنِي لاِبْنِ قُدَامَةَ: لِلْقَاضِي أَنْ يُؤَدِّبَ الْخَصْمَ، إِذَا افْتَأَتَ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَقُولَ: حَكَمْتَ عَلَيَّ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أَوِ ارْتَشَيْتَ .
وَبَعْضُ الأْصُولِيِّينَ يَعْتَبِرُ الإْسَاءَةَ مَرْتَبَةً بَيْنَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ وَالتَّنْزِيهِيَّةِ، فَهِيَ أَفْحَشُ مِنَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ، وَأَدْوَنُ مِنَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ تَارِكَ سُنَّةِ الْهُدَى - كَالأَْذَانِ وَالْجَمَاعَةِ - مُسِيءٌ يَسْتَوْجِبُ اللَّوْمَ . وَقَالَ الْفَتُوحِيُّ: يُسَمَّى الْحَرَامُ مَحْظُورًا وَمَمْنُوعًا وَمَعْصِيَةً وَقَبِيحًا وَسَيِّئَةً.
وَيُقَالُ لِفَاعِلِ الْمَكْرُوهِ: مُخَالِفٌ وَمُسِيءٌ وَغَيْرُ مُمْتَثِلٍ، مَعَ أَنَّهُ لاَ يُذَمُّ فَاعِلُهُ، وَلاَ يَأْثَمُ عَلَى الأْصَحِّ، قَالَ الإْمَامُ أَحْمَدُ، فِيمَنْ زَادَ عَلَى التَّشَهُّدِ: أَسَاءَ. وَظَاهِرُ كَلاَمِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الإْسَاءَةَ تَخْتَصُّ بِالْحَرَامِ، فَلاَ يُقَالُ أَسَاءَ إِلاَّ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ .
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الضَّرَرُ:
- الضَّرَرُ لُغَةً: ضِدُّ النَّفْعِ، وَاصْطِلاَحًا: إِلْحَاقُ مَفْسَدَةٍ بِالْغَيْرِ .
وَضَرَّهُ يَضُرُّهُ: إِذَا فَعَلَ بِهِ مَكْرُوهًا .
فَالإْسَاءَةُ وَالضَّرَرُ يَلْتَقِيَانِ فِي الْمَعْنَى، إِلاَّ أَنَّ الإْسَاءَةَ قَبِيحَةٌ، وَأَمَّا الْمَضَرَّةُ فَقَدْ تَكُونُ حَسَنَةً، إِذَا قُصِدَ بِهَا وَجْهٌ يَحْسُنُ، نَحْوَ الْمَضَرَّةِ بِالضَّرْبِ لِلتَّأْدِيبِ وَبِالْكَدِّ لِلتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ .
ب - التَّعَدِّي:
3 - التَّعَدِّي: مُجَاوَزَةُ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ، وَالتَّعَدِّي الظُّلْمُ فَالإِْسَاءَةُ وَالتَّعَدِّي قَدْ يَلْتَقِيَانِ فِي الْمَعْنَى.
الْحُكْمُ الإْجْمَالِيُّ:
4 - يُمْكِنُ إِجْمَالُ حُكْمِ الإْسَاءَةِ بِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مَعْصِيَةً كَزِنَى، أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ، أَوْ تَرْكِ فَرْضٍ أَوْ وَاجِبٍ، أَوْ كَانَتْ تَعَدِّيًا وَظُلْمًا لِلْغَيْرِ، كَسَبٍّ وَشَتْمٍ وَأَخْذِ مَالٍ وَضَرْبٍ، فَهِيَ حَرَامٌ، تَسْتَوْجِبُ الْعُقُوبَةَ بِالْحَدِّ أَوِ التَّعْزِيرِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلسُّنَّةِ الَّتِي تُعْتَبَرُ مِنَ الشَّعَائِرِ، كَالْجَمَاعَةِ وَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، تَسْتَوْجِبُ اللَّوْمَ وَالْعِتَابَ .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
5 - غَالِبًا مَا يُعَبِّرُ الْفُقَهَاءُ عَنِ الإِْسَاءَةِ بِالْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنْهَا، وَهُوَ الضَّرَرُ وَالإِْضْرَارُ وَالظُّلْمُ، يَأْتِي هَذَا غَالِبًا فِي حُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ، كَحَقِّ الشُّرْبِ، وَحَقِّ الطَّرِيقِ، وَحَقِّ الْمَسِيلِ، وَحَقِّ الْجِوَارِ.
وَيُعَبِّرُونَ كَذَلِكَ بِالإْسَاءَةِ عَنِ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَالِ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ اسْمَ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ أَوِ الإْتْلاَفِ، وَإِذَا كَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرْضِ أَطْلَقُوا اسْمَ السَّبِّ أَوِ الْقَذْفِ أَوِ الزِّنَى. وَإِذَا كَانَ مِنْ نَاحِيَةِ النَّفْسِ أَوِ الأَْطْرَافِ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ اسْمَ الْجِنَايَةِ وَالْجِرَاحِ وَهَكَذَا.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / العاشر ، الصفحة / 233
تَحْكِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
التَّحْكِيمُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ حَكَّمَهُ فِي الأَْمْرِ وَالشَّيْءِ، أَيْ: جَعَلَهُ حَكَمًا، وَفَوَّضَ الْحُكْمَ إِلَيْهِ.
وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ).
وَحَكَّمَهُ بَيْنَهُمْ: أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. فَهُوَ حَكَمٌ، وَمُحَكَّمٌ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ: «إِنَّ الْجَنَّةَ لِلْمُحَكَّمِينَ» فَالْمُرَادُ بِهِ الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي يَدِ الْعَدُوِّ، فَيُخَيَّرُونَ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالْقَتْلِ، فَيَخْتَارُونَ الْقَتْلَ ثَبَاتًا عَلَى الإِْسْلاَمِ.
وَفِي الْمَجَازِ: حَكَّمْتُ السَّفِيهَ تَحْكِيمًا: إِذَا أَخَذْتَ عَلَى يَدِهِ، أَوْ بَصَّرْتَهُ مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ رحمه الله تعالى: حَكِّمِ الْيَتِيمَ كَمَا تُحَكِّمُ وَلَدكَ. أَيِ: امْنَعْهُ مِنَ الْفَسَادِ كَمَا تَمْنَعُ وَلَدَكَ وَقِيلَ: أَرَادَ حُكْمَهُ فِي مَالِهِ إِذَا صَلَحَ كَمَا تُحَكِّمُ وَلَدَكَ.
وَمِنْ مَعَانِي التَّحْكِيمِ فِي اللُّغَةِ: الْحَكَمُ.
يُقَالُ: قَضَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَقَضَى لَهُ، وَقَضَى عَلَيْهِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّحْكِيمُ: تَوْلِيَةُ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا.
وَفِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: التَّحْكِيمُ عِبَارَةٌ عَنِ اتِّخَاذِ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا بِرِضَاهُمَا لِفَصْلِ خُصُومَتِهِمَا وَدَعْوَاهُمَا.
وَيُقَالُ لِذَلِكَ: حَكَمٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وَمُحَكَّمٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ، وَتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقَضَاءُ:
مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الْحُكْمُ، وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَالإِْلْزَامُ بِهِ، وَفَصْلُ الْخُصُومَةِ.
وَعَلَى هَذَا فَكُلٌّ مِنَ التَّحْكِيمِ وَالْقَضَاءِ وَسِيلَةٌ لِفَضِّ النِّزَاعِ بَيْنَ النَّاسِ وَتَحْدِيدِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلِهَذَا اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا صِفَاتٍ مُتَمَاثِلَةً. كَمَا سَنَرَى بَعْدَ قَلِيلٍ.
إِلاَّ أَنَّ بَيْنَهَا فَوَارِقَ جَوْهَرِيَّةً تَتَجَلَّى فِي أَنَّ الْقَضَاءَ هُوَ الأَْصْلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَنَّ التَّحْكِيمَ فَرْعٌ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ هُوَ صَاحِبُ وِلاَيَةٍ عَامَّةٍ، فَلاَ يَخْرُجُ عَنْ سُلْطَةِ الْقَضَاءِ أَحَدٌ، وَلاَ يُسْتَثْنَى مِنِ اخْتِصَاصِهِ مَوْضُوعٌ.
أَمَّا تَوْلِيَةُ الْحَكَمِ فَتَكُونُ مِنَ الْقَاضِي أَوْ مِنَ الْخَصْمَيْنِ وَفْقَ الشُّرُوطِ وَالْقُيُودِ الَّتِي تُوضَعُ لَهُ، مَعَ مُلاَحَظَةِ أَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلتَّحْكِيمِ، كَمَا سَنَرَى.
ب - الإِْصْلاَحُ:
الإِْصْلاَحُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الإِْفْسَادِ. يُقَالُ: أَصْلَحَ: إِذَا أَتَى بِالْخَيْرِ وَالصَّوَابِ. وَأَصْلَحَ فِي عَمَلِهِ، أَوْ أَمْرِهِ: أَتَى بِمَا هُوَ صَالِحٌ نَافِعٌ.
وَأَصْلَحَ الشَّيْءَ: أَزَالَ فَسَادَهُ.
وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، أَوْ ذَاتَ بَيْنِهِمَا، أَوْ مَا بَيْنَهُمَا: أَزَالَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ عَدَاوَةٍ وَنِزَاعٍ بِرِضَا الطَّرَفَيْنِ.
، وَفِي، الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَالْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
فَالإِْصْلاَحُ وَالتَّحْكِيمُ يُفَضُّ بِهِمَا النِّزَاعُ، غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ تَوْلِيَةٍ مِنَ الْقَاضِي أَوِ الْخَصْمَيْنِ، وَالإِْصْلاَحُ يَكُونُ الاِخْتِيَارُ فِيهِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْ مِنْ مُتَبَرِّعٍ بِهِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
التَّحْكِيمُ مَشْرُوعٌ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ الْكَرِيمُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا).
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ هَذِهِ الآْيَةَ دَلِيلُ إِثْبَاتِ التَّحْكِيمِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ، «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَضِيَ بِتَحْكِيمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رضي الله عنه فِي أَمْرِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، حِينَ جَنَحُوا إِلَى ذَلِكَ وَرَضُوا بِالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِهِ».
«وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَضِيَ بِتَحْكِيمِ الأَْعْوَرِ بْنِ بَشَامَةَ فِي أَمْرِ بَنِي الْعَنْبَرِ، حِينَ انْتَهَبُوا أَمْوَالَ الزَّكَاةِ».
وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «أَنَّ أَبَا شُرَيْحٍ هَانِئَ بْنَ يَزِيدَ رضي الله عنه لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ قَوْمِهِ، سَمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ. قَالَ: فَمَا أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ. قَالَ: أَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ. وَدَعَا لَهُ وَلِوَلَدِهِ».
أَمَّا الإِْجْمَاعُ، فَقَدْ كَانَ بَيْنَ عُمَرَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله تعالى عنهما مُنَازَعَةٌ فِي نَخْلٍ، فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رضي الله عنه.
وَاخْتَلَفَ عُمَرُ مَعَ رَجُلٍ فِي أَمْرِ فَرَسٍ اشْتَرَاهَا عُمَرُ بِشَرْطِ السَّوْمِ، فَتَحَاكَمَا إِلَى شُرَيْحٍ.
كَمَا تَحَاكَمَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ إِلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنهم،، وَلَمْ يَكُنْ زَيْدٌ وَلاَ شُرَيْحٌ وَلاَ جُبَيْرٌ مِنَ الْقُضَاةِ.
وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِجَمْعٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ التَّحْكِيمِ.
إِلاَّ أَنَّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَنِ امْتَنَعَ عَنِ الْفَتْوَى بِذَلِكَ، وَحُجَّتُهُ: أَنَّ السَّلَفَ إِنَّمَا يَخْتَارُونَ لِلْحُكْمِ مَنْ كَانَ عَالِمًا صَالِحًا دَيِّنًا، فَيَحْكُمُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، أَوْ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِينَ. فَلَوْ قِيلَ بِصِحَّةِ التَّحْكِيمِ الْيَوْمَ لَتَجَاسَرَ الْعَوَامُّ، وَمَنْ كَانَ فِي حُكْمِهِمْ إِلَى تَحْكِيمِ أَمْثَالِهِمْ، فَيَحْكُمُ الْحَكَمُ بِجَهْلِهِ بِغَيْرِ مَا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الأَْحْكَامِ، وَهَذَا مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَلِذَلِكَ أَفْتَوْا بِمَنْعِهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ أُحِبُّ ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجْزِهِ ابْتِدَاءً.وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَوَازِهِ فِي الْمَالِ فَقَطْ.
وَمَهْمَا يَكُنْ فَإِنَّ جَوَازَ التَّحْكِيمِ هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ نَفَاذُهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
وَطَرَفَا التَّحْكِيمِ هُمَا الْخَصْمَانِ اللَّذَانِ اتَّفَقَا عَلَى فَضِّ النِّزَاعِ بِهِ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى الْمُحَكِّمَ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَكْسُورَةِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْخَصْمَانِ اثْنَيْنِ، وَقَدْ يَكُونَانِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَالشَّرْطُ فِي طَرَفَيِ التَّحْكِيمِ الأَْهْلِيَّةُ الصَّحِيحَةُ لِلتَّعَاقُدِ الَّتِي قِوَامُهَا الْعَقْلُ، إِذْ بِدُونِهَا لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ.
وَلاَ يَجُوزُ لِوَكِيلِ التَّحْكِيمِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ مُوَكِّلِهِ، وَكَذَلِكَ الصَّغِيرُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ مِنْ عَامِلِ الْمُضَارَبَةِ إِلاَّ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَلاَ مِنَ الْوَلِيِّ وَالْوَصِيِّ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالإِْفْلاَسِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالْقَاصِرِ أَوْ بِالْغُرَمَاءِ.
شُرُوطُ الْمُحَكَّمِ:
أ - أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَلَوْ حَكَّمَ الْخَصْمَانِ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مَثَلاً لَمْ يَجُزْ بِالإِْجْمَاعِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَهَالَةِ إَلاَّ إَذَا رَضُوا بِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَحْكِيمًا لِمَعْلُومٍ.
ب - أَنْ يَكُونَ أَهْلاً لِوِلاَيَةِ الْقَضَاءِ، وَعَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، عَلَى خِلاَفٍ فِيمَا بَيْنَهَا فِي تَحْدِيدِ عَنَاصِرِ تِلْكَ الأَْهْلِيَّةِ.
وَالْمُرَادُ بِأَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ هُنَا: الأَْهْلِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ لِلْقَضَاءِ، لاَ فِي خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ مَوْضُوعِ النِّزَاعِ.
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُمْكِنُ الاِسْتِغْنَاءُ عَنْهُ عِنْدَمَا لاَ يُوجَدُ الأَْهْلُ لِذَلِكَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ جَوَازَ التَّحْكِيمِ بِعَدَمِ وُجُودِ قَاضٍ، وَقِيلَ: يَتَقَيَّدُ بِالْمَالِ دُونَ الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ، أَيْ إِثْبَاتِ عَقْدِ النِّكَاحِ.
وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْمُحَكَّمَ لاَ تُشْتَرَطُ فِيهِ كُلُّ صِفَاتِ الْقَاضِي.
وَثَمَّةَ أَحْكَامٌ تَفْصِيلِيَّةٌ لِهَذَا الشَّرْطِ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَبْحَثِ (دَعْوَى) (وَقَضَاءٌ).
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْقَضَاءِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَحَقِّقَةً فِي الْمُحَكَّمِ مِنْ وَقْتِ التَّحْكِيمِ إِلَى وَقْتِ الْحُكْمِ.وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَكَّمِ: الإِْسْلاَمُ، إِنْ كَانَ حَكَمًا بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا، أَمَّا إِذَا كَانَا غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُ الْمُحَكَّمِ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ الْمُسْلِمِ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ تَرَاضِي الْخَصْمَيْنِ عَلَيْهِ كَتَوْلِيَةِ السُّلْطَانِ إِيَّاهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ وِلاَيَةَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ الْحُكْمَ بَيْنَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ صَحِيحَةٌ، وَكَذَلِكَ التَّحْكِيمُ.
وَلَوْ كَانَا غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ، وَحَكَّمَا غَيْرَ مُسْلِمٍ جَازَ، فَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُ الْحَكَمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَيُنَفَّذُ لَهُ.
وَقِيلَ: لاَ يُنَفَّذُ لَهُ أَيْضًا.
أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَتَحْكِيمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه مَوْقُوفٌ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ صَحَّ، وَإِلاَّ بَطَلَ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ جَائِزٌ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ حَكَّمَ مُسْلِمٌ وَمُرْتَدٌّ رَجُلاً، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قُتِلَ الْمُرْتَدُّ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ عَلَيْهِمَا.
وَرَتَّبُوا عَلَى ذَلِكَ آثَارًا تَظْهَرُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ التَّفْرِيعِيَّةِ... مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ لَوْ حَكَّمَا صَبِيًّا فَبَلَغَ، أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ حَكَمَ، لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ.
وَلَوْ حَكَّمَا مُسْلِمًا، ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ أَيْضًا، وَكَانَ فِي رِدَّتِهِ عَزْلُهُ. فَإِذَا عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَحْكِيمٍ جَدِيدٍ.
وَلَوْ عَمِيَ الْمُحَكَّمُ، ثُمَّ ذَهَبَ الْعَمَى، وَحَكَمَ لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ.
أَمَّا إِنْ سَافَرَ أَوْ مَرِضَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ بَرِئَ وَحَكَمَ جَازَ ْ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يَقْدَحُ بِأَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ.
وَلَوْ أَنَّ حَكَمًا غَيْرَ مُسْلِمٍ، حَكَّمَهُ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَهُوَ عَلَى حُكُومَتِهِ؛ لأَِنَّ تَحْكِيمَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُسْلِمِ جَائِزٌ وَنَافِذٌ.
وَلَوْ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ وَكَّلَ الْحَكَمَ بِالْخُصُومَةِ فَقَبِلَ، خَرَجَ عَنِ الْحُكُومَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا عَلَى قَوْلِ الإِْمَامِ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهَا فِي قَوْلِ الْكُلِّ.
ج - أَنْ لاَ يَكُونَ بَيْنَ الْمُحَكَّمِ وَأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ قَرَابَةٌ تَمْنَعُ مِنَ الشَّهَادَةِ. وَإِذَا اشْتَرَى الْمُحَكَّمُ الشَّيْءَ الَّذِي اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِيهِ، أَوِ اشْتَرَاهُ ابْنُهُ أَوْ أَحَدٌ مِمَّنْ لاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْحُكُومَةِ.
وَإِنْ حَكَّمَ الْخَصْمُ خَصْمَهُ، فَحَكَمَ لِنَفْسِهِ، أَوْ عَلَيْهَا جَازَ تَحْكِيمُهُ ابْتِدَاءً، وَمَضَى حُكْمُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ جَوْرًا بَيِّنًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:
الْقَوْلُ الأَْوَّلُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْخَصْمُ الْحَكَمُ قَاضِيًا أَمْ غَيْرَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مُطْلَقًا لِلتُّهْمَةِ.
الثَّالِثُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُحَكَّمُ قَاضِيًا أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ الْمُحَكَّمُ قَاضِيًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاضِيًا جَازَ.
وَالْقَوْلُ الأَْوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَبِهِ أَخَذَ الْحَنَابِلَةُ.
مَحَلُّ التَّحْكِيمِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلتَّحْكِيمِ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي الْحُدُودِ الْوَاجِبَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ.
وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ اسْتِيفَاءَ عُقُوبَتِهَا مِمَّا يَسْتَقِلُّ بِهِ وَلِيُّ الأَْمْرِ، وَأَنَّ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ غَيْرِ الْخُصُومِ، فَكَانَ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَمَا اخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ مِنْ جَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَضَعِيفٌ. لأَِنَّ الْغَالِبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَالأَْصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ عَدَمُ جَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا.
أَمَّا الْقِصَاصُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ.
وَاخْتَارَهُ الْخَصَّافُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ، لأَِنَّ التَّحْكِيمَ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ.
وَالإِْنْسَانُ لاَ يَمْلِكُ دَمَهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ مَوْضِعًا لِلصُّلْحِ.
وَمَا رُوِيَ مِنْ جَوَازِهِ فِي الْقِصَاصِ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحُقُوقِ فَضَعِيفٌ رِوَايَةً وَدِرَايَةً؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ حَقًّا مَحْضًا لِلإِْنْسَانِ - وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ حَقَّهُ - وَلَهُ شَبَهٌ بِالْحُدُودِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ.
وَلاَ يَصِحُّ التَّحْكِيمُ فِي مَا يَجِبُ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، لأَِنَّهُ لاَ وِلاَيَةَ لِلْحَكَمَيْنِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلاَ يُمْكِنُهُمَا الْحُكْمُ عَلَى الْقَاتِلِ وَحْدَهُ بِالدِّيَةِ، لِمُخَالَفَتِهِ حُكْمَ الشَّرْعِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْ دِيَةً عَلَى الْقَاتِلِ وَحْدَهُ دُونَ الْعَاقِلَةِ، إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ مُحَدَّدَةٍ - كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ خَطَأً - وَلِلتَّفْصِيلِ اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (دِيَةٌ، عَاقِلَةٌ).
أَمَّا فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الْمُحَدَّدَةِ، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ جَائِزٌ وَنَافِذٌ.
وَلَيْسَ لِلْحَكَمِ أَنْ يَحْكُمَ فِي اللِّعَانِ كَمَا ذَكَرَ الْبُرْجَنْدِيُّ، وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ نُجَيْمٍ. وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ اللِّعَانَ يَقُومُ مَقَامَ الْحَدِّ.
وَأَمَّا فِيمَا عَدَا مَا ذُكِرَ آنِفًا، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ جَائِزٌ وَنَافِذٌ.وَلَيْسَ لِلْمُحَكَّمِ الْحَبْسُ، إِلاَّ مَا نُقِلَ عَنْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ جَوَازِهِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَإِنَّ التَّحْكِيمَ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا هِيَ: الرُّشْدُ، وَضِدُّهُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْحَبْسُ (الْوَقْفُ)، وَأَمْرُ الْغَائِبِ، وَالنَّسَبُ، وَالْوَلاَءُ، وَالْحَدُّ، وَالْقِصَاصُ، وَمَالُ الْيَتِيمِ، وَالطَّلاَقُ، وَالْعِتْقُ، وَاللِّعَانُ. لأَِنَّ هَذِهِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهَا الْقَضَاءُ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ إِمَّا حُقُوقٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْحَدِّ وَالْقَتْلِ وَالطَّلاَقِ، أَوْ حُقُوقٌ لِغَيْرِ الْمُتَحَاكِمَيْنِ، كَالنَّسَبِ، وَاللِّعَانِ.
وَقَدْ وَضَعَ ابْنُ عَرَفَةَ حَدًّا لِمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحْكِيمُ، فَقَالَ: ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيمَا يَصِحُّ لأَِحَدِهِمَا تَرْكُ حَقِّهِ فِيهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا يَصِحُّ فِي الأَْمْوَالِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّ التَّحْكِيمَ عِنْدَهُمْ لاَ يَجُوزُ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ لَيْسَ فِيهَا طَالِبٌ مُعَيَّنٌ، وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبُ.
وَلَوْ حَكَّمَ خَصْمَانِ رَجُلاً فِي غَيْرِ حَدِّ اللَّهِ تَعَالَى جَازَ مُطْلَقًا بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ. وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ.
وَقِيلَ: بِشَرْطِ عَدَمِ وُجُودِ قَاضٍ بِالْبَلَدِ.
وَقِيلَ: يَخْتَصُّ التَّحْكِيمُ بِالأَْمْوَالِ دُونَ الْقِصَاصِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِمَا.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحْكِيمُ.
فَفِي ظَاهِرِ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّ التَّحْكِيمَ يَجُوزُ فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْقَاضِي مِنْ خُصُومَاتٍ، كَمَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمَالُ وَالْقِصَاصُ وَالْحَدُّ وَالنِّكَاحُ وَاللِّعَانُ وَغَيْرُهَا، حَتَّى مَعَ وُجُودِ قَاضٍ، لأَِنَّهُ كَالْقَاضِي وَلاَ فَرْقَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بِجَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي الأَْمْوَالِ خَاصَّةً، وَأَمَّا النِّكَاحُ وَالْقِصَاصُ وَالْحَدُّ فَلاَ يَجُوزُ فِيهَا التَّحْكِيمُ، لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الاِحْتِيَاطِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ عَرْضِهَا عَلَى الْقَضَاءِ لِلْحُكْمِ.
شُرُوطُ التَّحْكِيمِ:
يُشْتَرَطُ فِي التَّحْكِيمِ مَا يَأْتِي:
أ - قِيَامُ نِزَاعٍ، وَخُصُومَةٍ حَوْلَ حَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ.
وَهَذَا الشَّرْطُ يَسْتَدْعِي حُكْمًا قِيَامَ طَرَفَيْنِ مُتَشَاكِسَيْنِ، كُلٌّ يَدَّعِي حَقًّا لَهُ قِبَلَ الآْخَرِ.
ب - تَرَاضِي طَرَفَيِ الْخُصُومَةِ عَلَى قَبُولِ حُكْمِهِ، أَمَّا الْمُعَيَّنُ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي فَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا بِهِ، لأَِنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْقَاضِي.
وَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَقَدُّمُ رِضَى الْخَصْمَيْنِ عَنِ التَّحْكِيمِ، بَلْ لَوْ رَضِيَا بِحُكْمِهِ بَعْدَ صُدُورِهِ جَازَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ التَّرَاضِي.
ج - اتِّفَاقُ الْمُتَخَاصِمَيْنِ وَالْحَكَمِ عَلَى قَبُولِ مُهِمَّةِ التَّحْكِيمِ... وَمُجْمَلُ هَذَيْنِ الاِتِّفَاقَيْنِ يُشَكِّلُ رُكْنَ التَّحْكِيمِ، الَّذِي هُوَ:
لَفْظُهُ الدَّالُّ عَلَيْهِ مَعَ قَبُولِ الآْخَرِ.
وَهَذَا الرُّكْنُ قَدْ يَظْهَرُ صَرَاحَةً، كَمَا لَوْ قَالَ الْخَصْمَانِ: حَكَّمْنَاكَ بَيْنَنَا. أَوْ قَالَ لَهُمَا: أَحْكُمُ بَيْنَكُمَا، فَقَبِلاَ.
وَقَدْ يَظْهَرُ دَلاَلَةً... فَلَوِ اصْطَلَحَ الْخَصْمَانِ عَلَى رَجُلٍ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يُعْلِمَاهُ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمَا اخْتَصَمَا إِلَيْهِ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، جَازَ.
وَإِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْحُكْمَ، لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ إِلاَّ بِتَجْدِيدِ التَّحْكِيمِ.
وَلِلْخَصْمَيْنِ أَنْ يُقَيِّدَا التَّحْكِيمَ بِشَرْطٍ... فَلَوْ حَكَّمَاهُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا فِي يَوْمِهِ، أَوْ فِي مَجْلِسِهِ وَجَبَ ذَلِكَ، وَلَوْ حَكَّمَاهُ عَلَى أَنْ يَسْتَفْتِيَ فُلاَنًا، ثُمَّ يَقْضِيَ بَيْنَهُمَا بِمَا قَالَ جَازَ.
وَلَوْ حَكَّمَا رَجُلَيْنِ، فَحَكَمَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَجُزْ، وَلاَ بُدَّ مِنِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْمَحْكُومِ بِهِ، فَلَوِ اخْتَلَفَا لَمْ يَجُزْ.
وَكَذَلِكَ لَوِ اتَّفَقَا عَلَى تَحْكِيمِ رَجُلٍ مُعَيَّنٍ.
فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَ غَيْرَهُ بِالتَّحْكِيمِ. لأَِنَّ الْخَصْمَيْنِ لَمْ يَرْضَيَا بِتَحْكِيمِ غَيْرِهِ.
وَلَوْ فَوَّضَ، وَحَكَمَ الثَّانِي بِغَيْرِ رِضَاهُمَا، فَأَجَازَ الأَْوَّلُ حُكْمَهُ، لَمْ يَجُزْ لأَِنَّ الإِْذْنَ مِنْهُ فِي الاِبْتِدَاءِ لاَ يَصِحُّ، فَكَذَا فِي الاِنْتِهَاءِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ إِجَازَةِ الْخَصْمَيْنِ بَعْدَ الْحُكْمِ. وَقِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، كَالْوَكِيلِ الأَْوَّلِ إِذَا أَجَازَ بَيْعَ الْوَكِيلِ الثَّانِي.
إِلاَّ أَنَّ تَعْلِيقَ التَّحْكِيمِ عَلَى شَرْطٍ، كَمَا لَوْ قَالاَ لِعَبْدٍ: إِذَا أُعْتِقْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا، وَإِضَافَتَهُ إِلَى وَقْتٍ، كَمَا لَوْ قَالاَ لِرَجُلٍ: جَعَلْنَاكَ حَكَمًا غَدًا، أَوْ قَالاَ: رَأْسَ الشَّهْرِ... كُلُّ ذَلِكَ لاَ يَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ. وَالْفَتْوَى عَلَى الْقَوْلِ الأَْوَّلِ.
وَلَيْسَ لِلْخَصْمَيْنِ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى مُحَكَّمٍ لَيْسَ أَهْلاً لِلتَّحْكِيمِ.
وَلَوْ حَكَمَ غَيْرُ الْمُسْلِمِ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ، فَأَجَازَا حُكْمَهُ، لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ حَكَّمَاهُ فِي الاِبْتِدَاءِ.
وَلاَ يَحْتَاجُ الاِتِّفَاقُ عَلَى التَّحْكِيمِ لِشُهُودٍ تَشْهَدُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ بِأَنَّهُمَا قَدْ حَكَّمَا الْحَكَمَ.
إِلاَّ أَنَّهُ يَنْبَغِي الإِْشْهَادُ خَوْفَ الْجُحُودِ. وَلِهَذَا ثَمَرَةٌ عَمَلِيَّةٌ: إِذْ لَوْ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ حَكَّمَا الْحَكَمَ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، فَأَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا أَنَّهُ حَكَّمَهُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْحَكَمِ أَنَّ الْجَاحِدَ حَكَّمَهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ.
وَيَجِبُ أَنْ يَسْتَمِرَّ الاِتِّفَاقُ عَلَى التَّحْكِيمِ حَتَّى صُدُورِ الْحُكْمِ، إِذْ إِنَّ رُجُوعَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ صُدُورِ الْحُكْمِ يُلْغِي التَّحْكِيمَ، كَمَا سَنَرَى.
فَلَوْ قَالَ الْحَكَمُ لأَِحَدِهِمَا: أَقْرَرْتَ عِنْدِي، أَوْ قَامَتْ عِنْدِي بَيِّنَةٌ عَلَيْكَ بِكَذَا، وَقَدْ أَلْزَمْتُكَ، وَحَكَمْتُ بِهَذَا، فَأَنْكَرَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ الإِْقْرَارَ أَوِ الْبَيِّنَةَ لَمْ يُلْتَفَتْ لِقَوْلِهِ، وَمَضَى الْقَضَاءُ. لأَِنَّ وِلاَيَةَ الْمُحَكَّمِ قَائِمَةٌ. وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْقَاضِي.
أَمَّا إِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَزَلَهُ الْخَصْمُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ وَحُكْمَهُ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ، كَالْحُكْمِ الَّذِي يُصْدِرُهُ الْقَاضِي بَعْدَ عَزْلِهِ.
د - الإِْشْهَادُ عَلَى الْحُكْمِ، وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا لِصِحَّةِ التَّحْكِيمِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِقَبُولِ قَوْلِ الْحَكَمِ عِنْدَ الإِْنْكَارِ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِْشْهَادِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
طَرِيقُ الْحُكْمِ:
طَرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ مَا يُوصَلُ إِلَيْهِ، حُكْمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
وَعَلَيْهِ فَإِنَّ طَرِيقَ الْحُكْمِ: مَا يَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ مَوْضُوعُ النِّزَاعِ وَالْخُصُومَةِ.
وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْبَيِّنَةِ، أَوِ الإِْقْرَارِ، أَوِ النُّكُولِ عَنْ حَلِفِ الْيَمِينِ.
يَسْتَوِي فِي هَذَا حُكْمُ الْحَكَمِ، وَحُكْمُ الْقَاضِي.
فَإِنْ قَامَ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ كَانَ حُجَّةً مُوَافِقَةً لِلشَّرْعِ. وَإِلاَّ كَانَ بَاطِلاً.
وَيَبْدُو أَنَّ الْحَكَمَ لاَ يَقْضِي بِعِلْمِهِ.
وَأَمَّا كِتَابُ الْمُحَكَّمِ إِلَى الْقَاضِي، وَكِتَابُ الْقَاضِي إِلَيْهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ، إِلاَّ بِرِضَى الْخَصْمَيْنِ، خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى جَوَازِهِ وَنَفَاذِهِ.
الرُّجُوعُ عَنِ التَّحْكِيمِ:
حَقُّ الرُّجُوعِ عَنِ التَّحْكِيمِ فَرْعٌ مِنْ صِفَةِ التَّحْكِيمِ الْجَوَازِيَّةِ... وَلَكِنَّ هَذَا الْحَقَّ لَيْسَ مُطْلَقًا.
فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَسَحْنُونٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ لِكُلِّ خَصْمٍ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ صُدُورِ الْحُكْمِ، وَلاَ حَاجَةَ لاِتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ رَجَعَ كَانَ فِي ذَلِكَ عَزْلٌ لِلْمُحَكَّمِ.
أَمَّا بَعْدَ صُدُورِ الْحُكْمِ، فَلَيْسَ لأَِحَدٍ حَقُّ الرُّجُوعِ عَنِ التَّحْكِيمِ، وَلاَ عَزْلُ الْمُحَكَّمِ، فَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَبْطُلِ الْحُكْمُ، لأَِنَّهُ صَدَرَ عَنْ وِلاَيَةٍ شَرْعِيَّةٍ لِلْمُحَكَّمِ، كَالْقَاضِي الَّذِي يُصْدِرُ حُكْمَهُ، ثُمَّ يَعْزِلُهُ السُّلْطَانُ.
وَعَلَى هَذَا: فَإِنِ اتَّفَقَ رَجُلاَنِ عَلَى حَكَمٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فِي عَدَدٍ مِنَ الدَّعَاوَى، فَقَضَى عَلَى أَحَدِهِمَا فِي بَعْضِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ عَنْ تَحْكِيمِ هَذَا الْحَكَمِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ الأَْوَّلَ نَافِذٌ، لَيْسَ لِلْحَكَمِ أَنْ يَحْكُمَ فِيمَا بَقِيَ، فَإِنْ حَكَمَ لاَ يَنْفُذُ.
وَإِنْ قَالَ الْحَكَمُ لأَِحَدِ الْخَصْمَيْنِ: قَامَتْ عِنْدِي الْحُجَّةُ بِصِحَّةِ مَا ادَّعَى عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ، فَعَزَلَهُ هَذَا الْخَصْمُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِ الْحَكَمُ بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ عَلَيْهِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يُشْتَرَطُ دَوَامُ رِضَا الْخَصْمَيْنِ إِلَى حِينِ صُدُورِ الْحُكْمِ. بَلْ لَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عِنْدَ الْحُكْمِ، ثُمَّ بَدَا لأَِحَدِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ الْحُكْمِ. تَعَيَّنَ عَلَى الْحَكَمِ أَنْ يَقْضِيَ، وَجَازَ حُكْمُهُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ مَا لَمْ تَبْدَأِ الْخُصُومَةُ أَمَامَ الْحَكَمِ، فَإِنْ بَدَأَتْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ فِيهَا حَتَّى النِّهَايَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ لأَِحَدِهِمَا الرُّجُوعُ وَلَوْ قَبْلَ بَدْءِ الْخُصُومَةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ قَبْلَ صُدُورِ الْحُكْمِ، وَلَوْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ. وَعَلَيْهِ الْمَذْهَبُ.
وَقِيلَ بِعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ. أَمَّا بَعْدَ الْحُكْمِ فَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَا الْخَصْمِ بِهِ كَحُكْمِ الْقَاضِي.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ؛ لأَِنَّ رِضَاهُمَا مُعْتَبَرٌ فِي أَصْلِ التَّحْكِيمِ، فَكَذَا فِي لُزُومِ الْحُكْمِ. وَالأَْظْهَرُ الأَْوَّلُ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لِكُلٍّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ التَّحْكِيمِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحُكْمِ.
أَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَقُبَيْلَ تَمَامِهِ، فَفِي الرُّجُوعِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: لَهُ الرُّجُوعُ لأَِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَتِمَّ، أَشْبَهَ قَبْلَ الشُّرُوعِ.
وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا رَأَى مِنَ الْحَكَمِ مَا لاَ يُوَافِقُهُ رَجَعَ فَبَطَلَ مَقْصُودُهُ. فَإِنْ صَدَرَ الْحُكْمُ نَفَذَ.
أَثَرُ التَّحْكِيمِ:
يُرَادُ بِأَثَرِ التَّحْكِيمِ: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ نَتَائِجَ.
وَهَذَا الأَْثَرُ يَتَمَثَّلُ فِي لُزُومِ الْحُكْمِ وَنَفَاذِهِ، كَمَا يَتَمَثَّلُ فِي إِمْكَانِ نَقْضِهِ مِنْ قِبَلِ الْقَضَاءِ.
أَوَّلاً: لُزُومُ الْحُكْمِ وَنَفَاذُهُ:
مَتَى أَصْدَرَ الْحَكَمُ حُكْمَهُ، أَصْبَحَ هَذَا الْحُكْمُ مُلْزِمًا لِلْخَصْمَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، وَتَعَيَّنَ إِنْفَاذُهُ دُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى رِضَا الْخَصْمَيْنِ، وَعَلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ. وَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ كَحُكْمِ الْقَاضِي.
وَلَيْسَ لِلْحَكَمِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ حُكْمِهِ، فَلَوْ رَجَعَ عَنْ حُكْمِهِ، وَقَضَى لِلآْخَرِ لَمْ يَصِحَّ قَضَاؤُهُ؛ لأَِنَّ الْحُكُومَةَ قَدْ تَمَّتْ بِالْقَضَاءِ الأَْوَّلِ، فَكَانَ الْقَضَاءُ الثَّانِي بَاطِلاً.
وَلَكِنَّ هَذَا الإِْلْزَامَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ حُكْمُ الْحَكَمِ يَنْحَصِرُ فِي الْخَصْمَيْنِ فَقَطْ، وَلاَ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِمَا، ذَلِكَ لأَِنَّهُ صَدَرَ بِحَقِّهِمَا عَنْ وِلاَيَةٍ شَرْعِيَّةٍ نَشَأَتْ مِنَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى اخْتِيَارِ الْحَكَمِ لِلْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ نِزَاعٍ وَخُصُومَةٍ. وَلاَ وِلاَيَةَ لأَِيٍّ مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِهِ، فَلاَ يَسْرِي أَثَرُ حُكْمِ الْحَكَمِ عَلَى غَيْرِهِمَا.
وَتَطْبِيقًا لِهَذَا الْمَبْدَأِ، فَلَوْ حَكَّمَ الْخَصْمَانِ رَجُلاً فِي عَيْبِ الْبَيْعِ فَقَضَى الْحَكَمُ بِرَدِّهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ حَقٌّ بِرَدِّهِ عَلَى بَائِعِهِ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ الأَْوَّلُ وَالثَّانِي وَالْمُشْتَرِي بِتَحْكِيمِهِ، فَحِينَئِذٍ يَرُدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ الأَْوَّلِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَنَازَعَهُ فِي ذَلِكَ، فَادَّعَى أَنَّ فُلاَنًا الْغَائِبَ قَدْ ضَمِنَهَا لَهُ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلاً، وَالْكَفِيلُ غَائِبٌ. فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْمَالِ، وَعَلَى الْكَفَالَةِ، فَحَكَمَ الْحَكَمُ بِالْمَالِ وَبِالْكَفَالَةِ، صَحَّ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ وَلَمْ يَصِحَّ بِالْكَفَالَةِ، وَلاَ عَلَى الْكَفِيلِ.
وَإِنْ حَضَرَ الْكَفِيلُ، وَالْمَكْفُولُ غَائِبٌ، فَتَرَاضَى الطَّالِبُ وَالْكَفِيلُ، فَحَكَمَ الْمُحَكَّمُ بِذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ جَائِزًا، وَنَافِذًا بِحَقِّ الْكَفِيلِ دُونَ الْمَكْفُولِ.
وَلَمْ يَشِذَّ عَنْ هَذَا الْمَبْدَأِ غَيْرُ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ نَصَّ عَلَيْهَا الْحَنَفِيَّةُ، هِيَ: مَا لَوْ حَكَّمَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَغَرِيمُهُ رَجُلاً فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، وَأَلْزَمَ الشَّرِيكَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ نَفَذَ هَذَا الْحُكْمُ، وَتَعَدَّى إِلَى الشَّرِيكِ الْغَائِبِ؛ لأَِنَّ حُكْمَهُ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ فِي حَقِّ الشَّرِيكِ الْغَائِبِ. وَالصُّلْحُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ. فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ رَاضِيًا بِالصُّلْحِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ..
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الْعُرْفَ بَيْنَ التُّجَّارِ قَدْ جَعَلَ التَّحْكِيمَ مِنْ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ كَأَنَّهُ تَحْكِيمٌ مِنْ سَائِرِ الشُّرَكَاءِ. وَلِهَذَا لَزِمَ الْحُكْمُ، وَنَفَذَ فِي حَقِّهِمْ جَمِيعًا.
ثَانِيًا: نَقْضُ الْحُكْمِ:
قَدْ يَرْضَى الْخَصْمَانِ بِالْحُكْمِ، فَيَعْمَلاَنِ عَلَى تَنْفِيذِهِ.. وَقَدْ يَرَى أَحَدُهُمَا رَفْعَهُ إِلَى الْقَضَاءِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ لَمْ يَنْقُضْهُ إِلاَّ بِمَا يَنْقُضُ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِذَا رُفِعَ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ إِلَى الْقَاضِي نَظَرَ فِيهِ، فَإِنْ وَجَدَهُ مُوَافِقًا مَذْهَبَهُ أَخَذَ بِهِ وَأَمْضَاهُ، لأَِنَّهُ لاَ جَدْوَى مِنْ نَقْضِهِ، ثُمَّ إِبْرَامِهِ.
وَفَائِدَةُ هَذَا الإِْمْضَاءِ: أَنْ لاَ يَكُونَ لِقَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلاَفَهُ نَقْضُهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ، لأَِنَّ إِمْضَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ قَضَائِهِ ابْتِدَاءً.
أَمَّا إِنْ وَجَدَهُ خِلاَفَ مَذْهَبِهِ أَبْطَلَهُ، وَأَوْجَبَ عَدَمَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ.
وَهَذَا الإِْبْطَالُ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ، بَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْجَوَازِ، إِنْ شَاءَ الْقَاضِي أَبْطَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ وَأَنْفَذَهُ.
وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الإِْجَازَةُ مِنَ الْقَاضِي بَعْدَ حُكْمِ الْمُحَكَّمِ.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ حَكَّمَا رَجُلاً، فَأَجَازَ الْقَاضِي حُكُومَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، ثُمَّ حَكَمَ بِخِلاَفِ رَأْيِ الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَجَازَ الْمَعْدُومَ.
وَإِجَازَةُ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِهِ بَاطِلَةٌ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ.
وَلَكِنَّ السَّرَخْسِيَّ قَالَ: هَذَا الْجَوَابُ صَحِيحٌ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي مَأْذُونًا فِي اسْتِخْلاَفِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِي الاِسْتِخْلاَفِ فَيَجِبُ أَنْ تَجُوزَ إِجَازَتُهُ.
وَتُجْعَلُ إِجَازَةُ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ اسْتِخْلاَفِهِ إِيَّاهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، فَلاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ حُكْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِنْ حَكَّمَا رَجُلاً، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ حَكَّمَا آخَرَ، فَقَضَى بِحُكْمٍ آخَرَ، ثُمَّ رُفِعَ الْحُكْمَانِ إِلَى الْقَاضِي، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُ الْمُوَافِقِ لِرَأْيِهِ.
هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَنْقُضُ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ إِلاَّ إِذَا كَانَ جَوْرًا بَيِّنًا. سَوَاءٌ أَكَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِ الْقَاضِي، أَمْ مُخَالِفًا لَهُ.
وَقَالُوا بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى.
انْعِزَالُ الْحَكَمِ:
يَنْعَزِلُ الْحَكَمُ بِكُلِّ سَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ الأَْتِيَّةِ:
أ - الْعَزْلُ: لِكُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ عَزْلُ الْمُحَكَّمِ قَبْلَ الْحُكْمِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ قَدْ وَافَقَ عَلَيْهِ الْقَاضِي، فَلَيْسَ لَهُمَا عَزْلُهُ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ اسْتَخْلَفَهُ.
ب - انْتِهَاءُ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لِلتَّحْكِيمِ قَبْل صُدُورَ الْحُكْمِ.
ج - خُرُوجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّحْكِيمِ.
د - صُدُورُ الْحُكْمِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والعشرون ، الصفحة / 56
قَضَاءُ الْقَاضِي بِتَفْرِيقِ الْحَكَمَيْنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:
- إِنْ كَانَ الْمُحَكَّمَانِ مُوَكَّلَيْنِ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِالتَّفْرِيقِ، فَلاَ حَاجَةَ لِحُكْمِ الْقَاضِي بِتَفْرِيقِهِمَا، وَتَقَع الْفُرْقَةُ بِحُكْمِهِمَا مُبَاشَرَةً.
وَإِنْ كَانَا مُحَكَّمَيْنِ مِنَ الْقَاضِي، أُلْزِمَا بِرَفْعِ حُكْمِهِمَا إِلَيْهِ لِيُنَفِّذَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهُ فِي إِنْفَاذِهِ، بَلْ هُوَ مُجْبَرٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَالَفَ اجْتِهَادَهُ - كَمَا تَقَدَّمَ -
فَإِذَا اخْتَلَفَ الْحَكَمَانِ وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ عَزَلَهُمَا الْقَاضِي، وَعَيَّنَ حَكَمَيْنِ آخَرَيْنِ بَدَلاً مِنْهُمَا، وَهَكَذَا حَتَّى يَتَّفِقَ حَكَمَانِ عَلَى شَيْءٍ، فَيُنَفِّذُهُ.
نَوْعُ الْفُرْقَةِ الثَّابِتَةِ بِتَفْرِيقِ الْحَكَمَيْنِ:
- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ لِلشِّقَاقِ طَلاَقٌ بَائِنٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَكَمَانِ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي أَمْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَيْنِ، وَهُوَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، حَتَّى لَوْ أَوْقَعَ الْحَكَمَانِ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا لَمْ يَقَعْ بِحُكْمِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ تَفْرِيقُهُمَا طَلاَقًا أَمْ مُخَالَعَةً عَلَى بَدَلٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُمَا إِنْ فَرَّقَا بِخُلْعٍ فَطَلاَقٌ بَائِنٌ، وَإِنْ فَرَّقَا بِطَلاَقٍ فَهُوَ طَلاَقٌ.
وَهَلْ لِلزَّوْجَيْنِ إِقَامَةُ حَكَمٍ وَاحِدٍ بَدَلاً مِنَ اثْنَيْنِ؟ وَالْجَوَابُ نَعَمْ، نَصَّ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ. وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِوَلِيِّ الزَّوْجَيْنِ أَيْضًا؟ تَرَدَّدَ الْمَالِكِيَّةُ فِيهِ.
وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ بِعَدَمِ الاِكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ لِلآْيَةِ: ) فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا).
التَّفْرِيقُ لِسُوءِ الْمُعَاشَرَةِ:
- نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا أَضَرَّ بِهَا زَوْجُهَا كَانَ لَهَا طَلَبُ الطَّلاَقِ مِنْهُ لِذَلِكَ، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ مِنْهُ الضَّرَرُ أَمْ لاَ، كَشَتْمِهَا وَضَرْبِهَا ضَرْبًا مُبَرِّحًا.. وَهَلْ تَطْلُقُ بِنَفْسِهَا هُنَا بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ يُطَلِّقُ الْقَاضِي عَنْهَا؟ قَوْلاَنِ لِلْمَالِكِيَّةِ وَلَمْ أَرَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الآْخَرِينَ مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ بِوُضُوحٍ، وَكَأَنَّهُمْ لاَ يَقُولُونَ بِهِ مَا لَمْ يَصِلِ الضَّرَرُ إِلَى حَدِّ إِثَارَةِ الشِّقَاقِ، فَإِنْ وَصَلَ إِلَى ذَلِكَ، كَانَ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ.
التَّفْرِيقُ لِلإِْعْسَارِ بِالصَّدَاقِ:
- إِذَا أَعْسَر الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا عَلَى أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا فِرَاقُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَلَكِنْ مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْهُ، وَالنَّظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ، وَلَهَا كَامِلُ نَفَقَتِهَا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَهَا طَلَبَ التَّفْرِيقِ إِلَى جَانِبِ مَالِهَا مِنْ: مَنْعِ نَفْسِهَا وَالنَّفَقَةِ مَا دَامَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَيُؤَجَّلُ الزَّوْجُ لإِِثْبَاتِ عُسْرَتِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ عَجْزُهُ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ لَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وُجُوهٌ وَأَقْوَالٌ ثَلاَثَةٌ:
الأْوَّلُ: الْفَسْخُ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي: الْفَسْخُ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِلاَّ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ.
وَالثَّالِثُ: لَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ مُطْلَقًا، وَهِيَ غَرِيمٌ كَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ.
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِعْسَار ف 14).
شُرُوطُ التَّفْرِيقِ بِالإِْعْسَارِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ:
- يُشْتَرَطُ لِلتَّفْرِيقِ بِالإِْعْسَارِ شُرُوطٌ، هِيَ:
أ - أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ وَاجِبًا عَلَى الزَّوْجِ وُجُوبًا حَالًّا: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَصْلاً، كَأَنْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، أَوْ كَانَ وُجُوبُهُ مُؤَجَّلاً كَأَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ تَأْجِيلُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَإِنْ سَلَّمَ الْبَعْضَ وَأَعْسَر بِالْبَعْضِ الْبَاقِي، فَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ: الأَْقْوَى مِنْهُمَا: جَوَازُ التَّفْرِيقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
ب - أَنْ لاَ تَكُونَ الزَّوْجَةُ قَدْ رَضِيَتْ بِتَأْجِيلِ الْمَهْرِ قَبْلَ الْعَقْدِ، أَوْ بَعْدَهُ بِطَرِيقِ الدَّلاَلَةِ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ لَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا عَلِمَتْ بِإِعْسَارِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَسَكَتَتْ أَوْ رَضِيَتْ بِهِ صَرَاحَةً، فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ لَهَا حَقٌّ فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ لِلإِْعْسَارِ بِالْمَهْرِ بَعْدَ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْعُنَّةِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْرِيقِ لِلإِْعْسَارِ بِالْمَهْرِ عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ حُكْمِ قَاضٍ بِهِ، أَوْ مُحَكَّمٍ؛ لأِنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، هَذَا إِنْ قَدَرَتِ الزَّوْجَةُ عَلَى الرَّفْعِ إِلَيْهِمَا، فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْ ذَلِكَ، وَفَرَّقَتْ بِنَفْسِهَا جَازَ لِلضَّرُورَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ.
وَإِنْ ثَبَتَ إِعْسَارُهُ طَلَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ فَوْرًا، وَقِيلَ: يُنْظِرُهُ مُدَّةً يَرَاهَا مُنَاسَبَةَ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ أَنْظَرَهُ، وَقِيلَ: يَسْجُنُهُ حَتَّى يَدْفَعَ الْمَهْرَ، أَوْ يَظْهَرَ مَالُهُ فَيُنَفِّذُهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَثْبُتُ إِعْسَارُهُ فَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ.
نَوْعُ الْفُرْقَةِ الثَّابِتَةِ بِالإِْعْسَارِ بِالْمَهْرِ:
- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ لِلإِْعْسَارِ بِالْمَهْرِ طَلاَقٌ بَائِنٌ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا فَسْخٌ، لاَ طَلاَقٌ.
التَّفْرِيقُ لِلإِْعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ:
- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ مَا لَمْ تَمْتَنِعْ مِنَ التَّمْكِينِ، فَإِذَا لَمْ يَقُمِ الزَّوْجُ بِهَا لِغَيْرِ مَانِعٍ مِنَ الزَّوْجَةِ كَانَ لَهَا حَقُّ طَلَبِهَا مِنْهُ بِالْقَضَاءِ، وَأَخْذُهَا جَبْرًا عَنْهُ.
فَإِذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنْ دَفْعِ هَذِهِ النَّفَقَةِ لِمَانِعٍ مِنَ الزَّوْجَةِ، كَنُشُوزِهَا، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا.
وَهَلْ يَكُونُ لِلزَّوْجَةِ حَقُّ طَلَبِ التَّفْرِيقِ مِنْهُ إِذَا امْتَنَعَ عَنْهَا بِدُونِ سَبَبٍ مِنَ الزَّوْجَةِ؟
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فِي بَعْضِ الأَْحْوَالِ، وَاتَّفَقُوا فِي أَحْوَالٍ أُخْرَى عَلَى مَا يَلِي: -
أ - إِنْ كَانَ لِلزَّوْجِ الْمُمْتَنِعِ عَنِ النَّفَقَةِ مَالٌ ظَاهِرٌ يُمْكِنُ لِلزَّوْجَةِ أَخْذُ نَفَقَتِهَا مِنْهُ، بِعِلْمِ الزَّوْجِ أَوْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، بِنَفْسِهَا أَوْ بِأَمْرِ الْقَاضِي، لَمْ يَكُنْ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ، لِوُصُولِهَا إِلَى حَقِّهَا بِغَيْرِ الْفُرْقَةِ، فَلاَ تُمَكَّنُ مِنْهَا.
وَيَسْتَوِي هُنَا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، وَأَنْ يَكُونَ مَالُ الزَّوْجِ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا أَيْضًا، وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ نُقُودًا أَوْ مَنْقُولاَتٍ أَوْ عَقَارَاتٍ، لإِِمْكَانِ الأَْخْذِ مِنْهَا.
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ نَصُّوا فِي الأَْظْهَرِ مِنْ قَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّ مَالَهُ الظَّاهِرَ إِنْ كَانَ حَاضِرًا فَلاَ تَفْرِيقَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَلَهَا طَلَبُ الْفَسْخِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ أَمَرَهُ الْقَاضِي بِإِحْضَارِهِ، وَلاَ فَسْخَ لَهَا، وَلَوْ غَابَ وَجُهِلَ حَالُهُ فِي الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ فَلاَ فَسْخَ؛ لأِنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَحَقَّقْ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ كَلاَمِ أَحْمَدَ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الإِْمْكَانِ أَخْذُ النَّفَقَةِ مِنَ الْمَالِ الْغَائِبِ، فَإِنَّ لَهَا طَلَبَ التَّفْرِيقِ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ حَاضِرًا فَلاَ تَفْرِيقَ.
ب - فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ الْمُمْتَنِعِ عَنِ النَّفَقَةِ مَالٌ ظَاهِرٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ لإِِعْسَارِهِ، أَمْ لِلْجَهْلِ بِحَالِهِ، أَمْ لأِنَّهُ غَيَّبَ مَالَهُ، فَرَفَعَتْهُ الزَّوْجَةُ إِلَى الْقَاضِي طَالِبَةً التَّفْرِيقَ لِذَلِكَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّفْرِيقِ، عَلَى قَوْلَيْنِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجَةِ هُنَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ، وَالْقَاضِي يَأْمُرُهَا بِالاِسْتِدَانَةِ عَلَى الزَّوْجِ، وَيَأْمُرُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا - لَوْلاَ زَوْجُهَا - بِإِقْرَاضِهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ حَبَسَهُ وَعَزَّرَهُ حَتَّى يُقْرِضَهَا، ثُمَّ يَعُودَ بِذَلِكَ عَلَى زَوْجِهَا إِذَا أَيْسَر إِنْ شَاءَ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَغَيْرِهِمْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَعْسَر بِالنَّفَقَةِ فَالزَّوْجَةُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَتْ بَقِيَتْ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ وَاسْتَدَانَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَتْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلْقَاضِي طَالِبَةً فَسْخَ نِكَاحِهَا، وَالْقَاضِي يُجِيبُهَا إِلَى ذَلِكَ حَالاً، أَوْ بَعْدَ التَّلَوُّمِ لِلزَّوْجِ رَجَاءَ مَقْدِرَتِهِ عَلَى الإِْنْفَاقِ، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهم وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمْ.
شُرُوطُ التَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ:
- يُشْتَرَطُ لِلتَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ - بِهِ شُرُوطٌ، هِيَ:
أ - أَنْ يَثْبُتَ إِعْسَارُ الزَّوْجِ بِالنَّفَقَةِ، وَذَلِكَ بِتَصَادُقِهِمَا أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَذَلِكَ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مُقَابِلُ الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةِ فَلاَ يَرِدُ هَذَا الشَّرْطُ عِنْدَهُمْ.
ب - أَنْ يَكُونَ الإِْعْسَارُ أَوْ الاِمْتِنَاعُ الْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ هُوَ امْتِنَاعٌ عَنْ أَقَلِّ النَّفَقَةِ، وَهِيَ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ، وَلَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ غَنِيَّةً، أَوِ الزَّوْجُ الْمُمْتَنِعُ غَنِيًّا أَيْضًا؛ لأِنَّ التَّفْرِيقَ إِنَّمَا يُثْبِتُ هُنَا ضَرُورَةَ دَفْعِ الْهَلاَكِ عَنِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْعَجْزِ عَنْ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِينَ، لاَ النَّفَقَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَهَا مُطْلَقًا.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَنِيًّا وَامْتَنَعَ عَنِ الإِْنْفَاقِ إِلاَّ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِينَ - وَهِيَ الضَّرُورِيُّ مِنَ الطَّعَامِ وَالْكِسَاءِ وَلَوْ خَشِنًا - لَمْ يُفَرَّقْ.
هَذَا وَالإِْعْسَارُ وَالاِمْتِنَاعُ عَنِ الإِْنْفَاقِ يَشْمَلُ هُنَا الطَّعَامَ وَالْكِسَاءَ بِالاِتِّفَاقِ؛ لأِنَّ الْحَيَاةَ لاَ تَقُومُ بِدُونِهِمَا.
أَمَّا الإِْعْسَارُ بِالْمَسْكَنِ، فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْصَحَّ أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ.
وَكَذَلِكَ الإِْعْسَارُ بِالأُْدْمِ، إِلاَّ أَنَّ النَّوَوِيَّ صَحَّحَ عَدَمَ الْفَسْخِ بِالإِْعْسَارِ بِالأُْدْمِ؛ لأِنَّهُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ لإِِدَامَةِ الْحَيَاةِ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَعِنْدَهُمْ فِي التَّفْرِيقِ لِلإِْعْسَارِ بِالْمَسْكَنِ وَجْهَانِ:
الأْوَّلُ: أَنَّ لَهَا التَّفْرِيقَ بِهِ كَالطَّعَامِ وَالْكِسَاءِ.
وَالثَّانِي: لاَ تَفْرِيقَ لَهَا بِهِ؛ لأِنَّ الْبُنْيَةَ تَقُومُ بِدُونِهِ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَرَوْنَ التَّفْرِيقَ لِلْعَجْزِ عَنِ الْمَسْكَنِ قَوْلاً وَاحِدًا؛ لأِنَّهُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ.
ج - أَنْ لاَ يَكُونَ لِلزَّوْجِ مَالٌ ظَاهِرٌ حَاضِرٌ يُمْكِنُهَا أَخْذُ نَفَقَتِهَا مِنْهُ بِنَفْسِهَا أَوْ بِطَرِيقِ الْقَاضِي، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لَهَا التَّفْرِيقُ بِالاِتِّفَاقِ، فَإِذَا كَانَ الْمَالُ غَائِبًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ الاِخْتِلاَفُ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ.
د - أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُ الزَّوْجِ عَنِ النَّفَقَةِ الْحَاضِرَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، فَإِذَا امْتَنَعَ عَنِ النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ دُونَ الْحَاضِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ بِالاِتِّفَاقِ، لأِنَّهَا دَيْنٌ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَلَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً لِلإِْبْقَاءِ عَلَى الْحَيَاةِ.
فَإِذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنِ النَّفَقَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَمِّنَ لِزَوْجَتِهِ نَفَقَتَهَا مُدَّةَ غِيَابِهِ، فَإِذَا أَعْسَرَ بِذَلِكَ كَانَ لَهَا طَلَبُ الْفُرْقَةِ مِنْهُ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ: إِنَّ لَهَا الْمُطَالَبَةَ بِهَا فَقَطْ دُونَ التَّفْرِيقِ، فَإِذَا سَافَرَ وَنَفَّذَ مَا عِنْدَهَا مِنَ النَّفَقَةِ كَانَ لَهَا طَلَبُ التَّفْرِيقِ آنَئِذٍ.
فَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُقِيمًا فَلاَ حَقَّ لِلزَّوْجَةِ فِي نَفَقَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، وَبِالتَّالِي فَلاَ حَقَّ لَهَا فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ لِمَنْعِهَا مِنْهَا.
فَإِذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنِ النَّفَقَةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ أَصْلاً، كَأَنْ لَمْ تُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، أَوْ سَقَطَ حَقُّهَا فِي النَّفَقَةِ كَنُشُوزِهَا، فَإِنَّهُ لاَ حَقَّ لَهَا فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الْحَقِّ فِي النَّفَقَةِ أَصْلاً.
هـ - أَنْ لاَ تَكُونَ قَدْ رَضِيَتْ بِالْمَقَامِ مَعَهُ مَعَ عُسْرَتِهِ أَوْ تَرْكِ إِنْفَاقِهِ مُطْلَقًا، صَرَاحَةً أَوْ ضِمْنًا، أَوْ شَرَطَ عَلَيْهَا ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ وَرَضِيَتْ بِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقٌّ فِي طَلَبِ التَّفْرِيقِ لَدَى الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي قَوْلٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ ثَانٍ إِلَى أَنَّ لَهَا طَلَبَ فَسْخِ النِّكَاحِ إِذَا أَعْسَر الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، لأِنَّ وُجُوبَ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ.
نَوْعُ الْفُرْقَةِ بِالاِمْتِنَاعِ عَنِ الإِْنْفَاقِ وَطَرِيقُ وُقُوعِهَا:
- ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ لِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ فَسْخٌ مَا دَامَتْ بِحُكْمِ الْقَاضِي، فَإِنْ طَلَبَ الْقَاضِي مِنَ الزَّوْجِ طَلاَقَهَا فَطَلَّقَهَا كَانَتْ طَلاَقًا رَجْعِيًّا مَا لَمْ يَبْلُغِ الثَّلاَثَ، أَوْ يَكُنْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِلاَّ فَبَائِنٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا طَلاَقٌ رَجْعِيٌّ، وَلِهَذَا كَانَ لِلزَّوْجِ حَقُّ مُرَاجَعَتِهَا فِي الْعِدَّةِ عِنْدَهُمْ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا هُنَا لِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ أَنْ يَجِدَ الزَّوْجُ يَسَارًا لِنَفَقَتِهَا الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ النَّفَقَةَ الضَّرُورِيَّةُ الَّتِي فُرِّقَ مِنْ أَجْلِهَا، فَإِذَا رَاجَعَهَا دُونَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ.
وَأَمَّا طَرِيقُ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْرِيقِ لِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَكُونُ بِغَيْرِ الْقَاضِي، ذَلِكَ أَنَّهَا فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لاَ يَتِمُّ بِغَيْرِ الْقَضَاءِ، إِزَالَةً لِلْخِلاَفِ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا قَدَرَتْ عَلَى الرَّفْعِ لِلْقَاضِي، فَإِنِ اسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ لِعَدَمِ حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ، أَوْ عَجَزَتْ عَنِ الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي نَفُذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِلضَّرُورَةِ.
- وَأَمَّا وَقْتُ الْقَضَاءِ بِهَا، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يُنَجِّزُ الْفُرْقَةَ بَعْدَ ثُبُوتِ الإِْعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ - بِالتَّصَادُقِ أَوِ الْبَيِّنَةِ - دُونَ إِنْظَارٍ، إِلاَّ أَنَّ الأَْظْهَرَ لَدَيْهِمْ إِمْهَالُ الزَّوْجِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ لِلتَّحَقُّقِ مِنْ عَجْزِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ لِعَارِضٍ ثُمَّ يَزُولُ، وَهِيَ مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ يُتَوَقَّعُ فِيهَا الْقُدْرَةُ بِقَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِذَا مَضَتْ دُونَ الْقُدْرَةِ، فَرَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْفَسْخَ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ ثُبُوتِ الإِْعْسَارِ دُونَ إِمْهَالٍ كَخِيَارِ الْعَيْبِ.
وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: إِذَا رَفَعَتِ الزَّوْجَةُ أَمْرَهَا لِلْقَاضِي، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَسْأَلُ الزَّوْجَ، فَإِنِ ادَّعَى الإِْعْسَارَ وَأَثْبَتَهُ تَلَوَّمَ لَهُ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ، فَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُنْفِقْ، طَلَّقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إِعْسَارُهُ، أَوِ ادَّعَى الْيَسَارَ، أَوْ سَكَتَ وَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ، أَمَرَهُ الْقَاضِي بِالإِْنْفَاقِ أَوِ الطَّلاَقِ، فَإِنْ أَبَى طَلَّقَ عَلَيْهِ حَالًّا مِنْ غَيْرِ تَلَوُّمٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ، وَقِيلَ: يُطَلِّقُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ أَيْضًا.
وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً قَرِيبَةً يَقِلُّ بَعْدَهَا عَنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ، كَتَبَ الْقَاضِي إِلَيْهِ بِالْحُضُورِ وَالْخِيَارِ بَيْنَ الإِْنْفَاقِ أَوِ الْفِرَاقِ، فَإِنْ حَضَرَ وَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَبِهَا، وَإِلاَّ طَلَّقَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَحْضُرْ، هَذَا إِذَا كَانَ يَعْلَمُ مَكَانَهُ. فَإِذَا كَانَ لاَ يَعْلَمُ مَكَانَهُ، أَوْ كَانَ مَكَانُهُ بَعِيدًا أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ فَوْرًا.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثامن والثلاثون ، الصفحة / 261
مُصَالَحَةُ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا حَتَّى لاَ يُفَارِقَهَا:
- إِذَا نَفَرَ الزَّوْجُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَأَرَادَ فِرَاقَهَا فَيَجُوزُ لِلزَّوْجَةِ مُصَالَحَتُهُ حَتَّى لاَ يُفَارِقَهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ).
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: الظَّاهِرُ مِنَ الآْيَةِ أَنَّ صُلْحَهُمَا عَلَى تَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا لِلزَّوْجِ وَقَبُولِ الزَّوْجِ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنَ الْمُفَارَقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا أَمْسَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ رضي الله عنها عَلَى أَنْ تَرَكَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رضي الله عنها وَلَمْ يُفَارِقْهَا بَلْ تَرَكَهَا مِنْ جُمْلَةِ نِسَائِهِ وَفَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ لِتَتَأَسَّى بِهِ أُمَّتُهُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ
ذَلِكَ وَجَوَازِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْوِفَاقُ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْفِرَاقِ قَالَ: ( وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) فَإِذَا أَصَرَّ الزَّوْجُ عَلَى الْفِرَاقِ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمَا إِذَا تَفَرَّقَا فَإِنَّ اللَّهَ يُغْنِيهِ عَنْهَا وَيُغْنِيهَا عَنْهُ قَالَ تَعَالَى: ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ).