الباب الرابع
تصفية الشركة :(المواد من 137 إلى 154)
أورد المشروع أحكاماً تفصيلية لمعالجة أوضاع وتصفية الشركة وتنظيم سلطات المصفي وبيانها بما يتفق والمستقر من أحكام القضاء وأراء الفقهاء في هذا الخصوص، وذلك منعاً لما قد يثور من منازعات، مع الحفاظ على حقوق الدائنين والمساهمين .
إذ كان الثابت من عقد الشركة محل النزاع أنه تضمن بالمادة 38 منه النص على أنه عند انتهاء مدة الشركة أو فى حالة حلها قبل الأجل المحدد تقرر الجمعية العمومية بناء على طلب المديرين طريقة التصفية وتعين مصفياً أو جملة مصفين وتحدد سلطاتهم وتنتهى سلطة المديرين بتعين المصفين أما سلطة الجمعية العمومية فتبقى قائمة طوال مدة التصفية إلى أن يتم إخلاء عهدة المصفين ، كما نصت المادة 60 من صحيفة الشركات المنشور بها عقد الشركة على أنه مع عدم الإخلال بحقوق المساهمين المقررة قانوناً لا يجوز رفع المنازعات التى تمس المصلحة العامة والمشتركة للشركة ضد مجلس الإدارة أو ضد واحد أو أكثر من أعضائه إلا باسم مجموع المساهمين وبمقتضى قرار من الجمعية العامة وعلى كل مساهم يريد إثارة نزاع من هذا القبيل أن يخطر بذلك مجلس الإدارة قبل انعقاد الجمعية العامة التالية بشهر واحد على الأقل ويجب على المجلس أن يدرج هذا الاقتراح فى جدول أعمال الجمعية وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بحل وتصفية الشركة محل النزاع وفقاً لنصوص القانون المدنى دون أن يعرض لدفاع الطاعن بعدم جواز حل الشركة بحكم من المحكمة واختصاص الجمعية العمومية للشركة بهذا الأمر استناداً إلى نص المادة 38 من عقد الشركة والمادة 60 من اللائحة الأساسية لها فإنه يكون مشوباً بالقصور فى التسبيب .
(الطعن رقم 10334 لسنة 76 جلسة 2008/12/22 س 59 ص 871 ق 153)
سلطة المصفي:
يقوم المصفي فور تعيينه وبالاتفاق مع مجلس إدارة شركة المساهمة بجرد ما للشركة من أموال وما عليها من التزامات وتحرر قائمة مفصلة بذلك وميزانية يوقعها المصفي وأعضاء مجلس الإدارة، ويقدم مجلس الإدارة حساباً تضم للمصفي ويسلمونه أموال الشركة ودفاترها ووثائقها. ويمسك المصفي دفتر القيد الأعمال المتعلقة بالتصفية ويتبع في مسك هذا الدفتر أحكام قانون الدفاتر التجارية (مادة 142 من القانون 159 لسنة 1981 ). والمصفي يعتبر وكيلاً عن الشركة. وغالباً يحدد بالأمر أو الحكم الصادر بتعيينه حدود سلطته فإذا سكت أمر تعيينه عن تحديد سلطات المصفي فإن سلطته تتحدد في نطاق القيام بجميع الأعمال المؤدية لتصفية الشركة، وقد بين المشرع في المواد من 143 وحتى 145 من القانون 159 لسنة 1981 سلطات المصفي وذلك على نحو ما يلي:
1- على المصفي أن يقوم بجميع ما يلزم للمحافظة على أموال الشركة وحقوقها.
2- للمصفي أن يستوفي ما للشركة من حقوق لدى الغير.
3- للمصفي مطالبة الشركاء المساهمين بالوفاء بباقي حصصهم إذا اقتضت التصفية ذلك.
4- لا يجوز للمصفي القيام بأعمال جديدة إلا إذا كانت لازمة لأعمال سابقة.
5- لا يجوز للمصفي أن يبيع موجودات الشركة جملة إلا بإذن من الجمعية العامة.
6- على المصفي وفاء ما على الشركة من ديون.
7- للمصفي بيع مال الشركة منقولاً أو عقاراً بالمزاد العلني أو بأية طريقة أخرى ما لم ينص في وثيقة تعيينه على إجراء البيع بطريقة معينة.
8- للمصفي تمثيل الشركة أمام القضاء والصلح والتحكيم.
مسؤولية المصفي عن أعمال التصفية:
1- مسئولية المصفي قبل الغير:
نفرق بين حالتين:
الأولى: إذا كان ما قام به المصفي من أعمال مما تقتضيه أعمال التصفية فإن مسئولية هذا العمل تقع على عاتق الشركة حتى ولو جاوز المصفي القيود الواردة على سلطته أو استعمل توقيع الشركة لحسابه الخاص إلا إذا كان من تعاقد مع المصفي سيئ النية.
الثانية: إذا كان ما قام به المصفي من أعمال لا تدخل ضمن ما تقتضيه أعمال - التصفية وتجاوز بذلك حدود سلطته واختصاصه. في هذه الحالة للغير أن يرجع على المصفي ولا نسأل الشركة عن هذه الأعمال.
2- مسئولية المصفي قبل الشركة:
يسأل المصفي قبل الشركة إذا أساء تدبير شؤونها خلال مدة التصفية، كما يسأل عن تعويض الضرر الذي يلحق المساهمين بسبب أخطائه.
سلطة المصفي:
تتحدد سلطات واختصاصات المصفي بمقتضى سند تعيينه وهو عقد الشركة أو الاتفاق اللاحق أو حكم المحكمة. فإذا لم يتضمن سند تعيين المصفي سلطاته فإنه تكون له كافة السلطات التي يستطيع عن طريقها تحقيق الغرض المقصود من تعيينه:
فله سلطة اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لاستيفاء حقوق الشركة لدى الغير .
وله حق تمثيل الشركة أمام القضاء مدعية أو مدعي عليه باعتباره نائباً عنها.
ويلتزم بسداد ديون الشركة المستحقة في ذمتها للغير.
وله حق إنهاء الأعمال التي بدأتها الشركة ولم تتم قبل حلها متى كان ذلك أمر تستلزمه عمليات التصفية.
ومع ذلك فقد وضع المشرع بالمادة 535 من القانون المدني بعض القيود على سلطة المصفي هي:
لا يجوز له أن يبدأ أعمال جديدة إلا إذا رخص له الشركاء في ذلك أو كانت هذه الأعمال لازمة لإتمام أعمال سابقة على انقضاء الشركة.
لا يجوز له أن يبيع مال الشركة - منقولاً أو عقاراً – بالممارسة أو بالمزاد العلني إذا كان ممنوعا عن ذلك.
مسئولية المصفي :
مسئولية المصفي هي مسئولية الوكيل بأجر، ويترتب على ذلك:
أن يلتزم بأعمال التصفية على الوجه المرسوم بقرار تعيينه أو الحكم الصادر من المحكمة بتعيينه وألا يخرج عن الحدود المرسومة به.
أن يبذل في تنفيذ أعمال التصفية عناية الرجل المعتاد.
أن يقدم دائماً كشف حساب بأعمال التصفية، وأن يقدم دائماً للشركة المعلومات الوافية عن حالة التصفية وأن يضع تحت تصرفهم الدفاتر والأوراق الخاصة بالتصفية. (الشركات التجارية ، الأستاذ/ حسن عبد الحليم عناية، دار محمود للنشر والتوزيع، طبعة 2018-2019 ، المجلد: الأول ، الصفحة : 333 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السابع والثلاثون، الصفحة / 86
مُزَايَدَةٌ
التَّعْرِيفُ:
الْمُزَايَدَةُ فِي اللُّغَةِ: التَّنَافُسُ فِي زِيَادَةِ ثَمَنِ السِّلْعَةِ الْمَعْرُوضَةِ لِلْبَيْعِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: أَنْ يُنَادَى عَلَى السِّلْعَةِ وَيَزِيدُ النَّاسُ فِيهَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى تَقِفَ عَلَى آخِرِ زَائِدٍ فِيهَا فَيَأْخُذَهَا.
وَمُعْظَمُ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ وَرَدَ بِشَأْنِ (بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ) لأَِنَّهُ أَغْلَبُ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا الْمُزَايَدَةُ، وَبَيْعُ الْمُزَايَدَةِ هُوَ - كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ - بَيْعٌ الْتَزَمَ مُشْتَرِيهِ ثَمَنَهُ عَلَى قَبُولِ الزِّيَادَةِ.
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (سَوْمٌ ف 3).
وَلِعَقْدِ الْمُزَايَدَةِ - أَوْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ - أَسْمَاءٌ أُخْرَى، مِنْهَا: بَيْعُ مَنْ يَزِيدُ، وَبَيْعُ الدَّلاَلَةِ، وَبَيْعُ الْمُنَادَاةِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ (بَيْعَ الْفُقَرَاءِ) لِوُقُوعِهِ عَلَى بَيْعِ أَثَاثِهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَبَيْعُ مَنْ كَسَدَتْ بِضَاعَتُهُ لِوُقُوعِهِ عَلَى بَيْعِ السِّلَعِ غَيْرِ الرَّائِجَةِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - النَّجْشُ:
النَّجْشُ لُغَةً: الإِْثَارَةُ.
وَاصْطِلاَحًا: الزِّيَادَةُ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ مِمَّنْ لاَ يُرِيدُ شِرَاءَهَا لِيُغَرِّرَ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِمَا فِي النَّجْشِ مِنْ إِثَارَةِ رَغْبَةِ الْغَيْرِ فِي السِّلْعَةِ وَلَوْ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِمَّا يُقَدِّرُهُ الْمُشْتَرِي.
فَالنَّجْشُ يَشْتَرِكُ مَعَ الْمُزَايَدَةِ فِي الصُّورَةِ بِوُقُوعِ الزِّيَادَةِ مِنَ النَّاجِشِ، وَيَخْتَلِفُ عَنْهَا فِي انْتِفَاءِ قَصْدِ النَّاجِشِ الشِّرَاءَ.
ب - الْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ الْغَيْرِ:
الْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ الْغَيْرِ هُوَ أَنْ يَعْرِضَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ شِرَاءَ سِلْعَةَ غَيْرِهِ وَقَدْ رَكَنَ إِلَيْهِ، وَيَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً وَهُوَ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ: افْسَخْ بَيْعَكَ وَأَنَا أَبِيعُكَ مِثْلَ السِّلْعَةِ بِثَمَنٍ أَقَلَّ، فَالْبَيْعُ عَلَى بَيْعِ الْغَيْرِ يَخْتَلِفُ عَنِ الْمُزَايَدَةِ بِأَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ الرُّكُونِ لإِِتْمَامِ الصَّفْقَةِ وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ الْعَقْدُ وَالرِّضَا.
أَمَّا الْمُزَايَدَةُ فَهِيَ: عُرُوضٌ لِلشِّرَاءِ تَقَعُ قَبْلَ الرُّكُونِ بَيْنَ مَالِكِ السِّلْعَةِ وَمَنْ يَرْغَبُ فِي شِرَائِهَا أَوَّلاً.
ج - السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ:
الْمُرَادُ مِنَ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ أَنْ يَتَّفِقَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ وَالرَّاغِبُ فِيهَا عَلَى الْبَيْعِ، وَلَمْ يَعْقِدَاهُ، فَيَقُولُ آخَرُ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ: أَنَا أَشْتَرِيهَا بِأَكْثَرَ، أَوْ يَقُولُ لِلرَّاغِبِ فِي السِّلْعَةِ: أَنَا أَبِيعُكَ خَيْرًا مِنْهَا بِأَرْخَصَ، فَالسَّوْمُ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ يَخْتَلِفُ عَنِ الْمُزَايَدَةِ أَيْضًا فِي وُقُوعِهِ بَعْدَ الرُّكُونِ خِلاَفًا لِلْمُزَايَدَةِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ، وَحِكْمَةُ التَّشْرِيعِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى إِبَاحَةِ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِفِعْلِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ أَنَّهُ «بَاعَ قَدَحًا وَحِلْسًا بَيْعَ مَنْ يَزِيدُ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ فَقَالَ رَجُلٌ أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَمٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُ مِنْهُ».
قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا أَيْضًا إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ يَبِيعُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِالْمُزَايَدَةِ.
وَذَهَبَ النَّخَعِيُّ إِلَى كَرَاهَتِهِ مُطْلَقًا، وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهُوَيْهِ إِلَى كَرَاهَتِهِ فِيمَا عَدَا بَيْعَ الْغَنَائِمِ وَالْمَوَارِيثِ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ وَهْبٍ الْخَوْلاَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ» وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما : «نَهَى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَنْ يَبِيعَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَحَدٍ حَتَّى يَذَرَ إِلاَّ الْغَنَائِمَ وَالْمَوَارِيثَ».
وَقَالَ عَطَاءٌ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ لاَ يَرَوْنَ بَأْسًا فِي بَيْعِ الْغَنَائِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِاسْتِحْبَابِ الْمُزَايَدَةِ فِي بَيْعِ مَالِ الْمُفْلِسِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَوَقُّعِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَتَطْيِيبِ نُفُوسِ الْغُرَمَاءِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُحْضِرَهُمْ فِيهِ.
رُكْنُ الْمُزَايَدَةِ (كَيْفِيَّةُ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْمُزَايَدَةِ):
مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ هُوَ الصِّيغَةُ - كَمَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ - أَوْ هُوَ الصِّيغَةُ مَعَ الأَْطْرَافِ (الْعَاقِدِينَ وَالْمَحَلِّ: الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ) كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ ثُمَّ إِنَّ الصِّيغَةَ هِيَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ.
وَفِي الْمُزَايَدَةِ إِذَا نَادَى الدَّلاَّلُ عَلَى السِّلْعَةِ فَإِنَّ مَا يَصْدُرُ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْحَاضِرِينَ هُوَ إِيجَابٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهِيَ إِيجَابَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَالْقَبُولُ هُوَ مُوَافَقَةُ الْبَائِعِ - أَوِ الدَّلاَّلِ الْمُفَوَّضِ مِنْهُ - عَلَى الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَا، وَأَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَالإِْيجَابُ هُوَ مُوَافَقَةُ الْبَائِعِ وَالدَّلاَّلِ وَقَدْ تَأَخَّرَ وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ الْقَبُولُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ بِعْنِيهِ بِكَذَا.
إِلْزَامُ جَمِيعِ الْمُشَارِكِينَ فِي الْمُزَايَدَةِ بِالشِّرَاءِ - فِي مَجْلِسِ الْمُنَادَاةِ - وَلَوْ زِيدَ عَلَيْهِمْ:
صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ الْجَدُّ، وَقَالَ:
إِنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ - أَيْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ - وَنَقَلَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ رِزْقٍ أَيْضًا بِأَنَّ كُلَّ مَنْ زَادَ فِي السِّلْعَةِ لَزِمَتْهُ بِمَا زَادَ إِنْ أَرَادَ صَاحِبُهَا أَنْ يُمْضِيَهَا لَهُ بِمَا أَعْطَى فِيهَا مَا لَمْ يَسْتَرِدَّ سِلْعَتَهُ فَيَبِيعُ بَعْدَهَا أُخْرَى أَوْ يُمْسِكُهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ مَجْلِسُ الْمُنَادَاةِ.
وَقَدْ عَلَّلَ ابْنُ رُشْدٍ ذَلِكَ بِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ لاَ يُحِبُّ مُمَاطَلَةَ الَّذِي زَادَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُ، فَلَيْسَ طَلَبُ الزِّيَادَةِ بِهَا وَإِنْ وَجَدَهَا إِبْرَاءً لِمَنْ قَبْلَهُ، وَرَبَطَ الدُّسُوقِيُّ ذَلِكَ بِالْعُرْفِ فَقَالَ: وَلِلْبَائِعِ إِلْزَامُ الْمُشْتَرِي فِي الْمُزَايَدَةِ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ أَوِ انْفَضَّ الْمَجْلِسُ حَيْثُ لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِعَدَمِ إِلْزَامِهِ، كَمَا عِنْدَنَا بِمِصْرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ زَادَ فِي السِّلْعَةِ وَأَعْرَضَ عَنْهُ صَاحِبُهَا أَوِ انْفَضَّ الْمَجْلِسُ فَإِنَّهُ لاَ يُلْزِمُهُ بِهَا وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنِ السِّلْعَةُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي وَإِلاَّ كَانَ لِرَبِّهَا إِلْزَامُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ الْعَادَةَ بِتُونُسَ فِي أَيَّامِهِ عَدَمُ اللُّزُومِ، وَذَكَرَ الْحَطَّابُ أَنَّ الْعُرْفَ بِمَكَّةَ فِي زَمَنِهِ جَرَى عَلَى عَدَمِ الإِْلْزَامِ أَيْضًا.
إِلْزَامُ جَمِيعِ الْمُشَارِكِينَ فِي الْمُزَايَدَةِ بِالشِّرَاءِ بَعْدَ مَجْلِسِ الْمُنَادَاةِ
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْعُرْفُ اللُّزُومَ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ، أَوِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْبَائِعُ فَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْبَيْعُ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ فِي مَسْأَلَةِ الْعُرْفِ بِمِقْدَارِ مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الشَّرْطِ فِي الأَْيَّامِ الْمَشْرُوطَةِ، وَبَعْدَهَا بِقُرْبِ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَيَتَأَكَّدُ هَذَا إِذَا حَصَلَ الاِشْتِرَاطُ بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى السِّلْعَةِ أَيَّامًا.
وَقَدْ صَرَّحَ الزُّرْقَانِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْبَيْعِ الْمُطْلَقِ حَيْثُ لاَ يَلْزَمُ الْبَيْعُ فِيهِ بِتَرَاخِي الْقَبُولِ عَنِ الإِْيجَابِ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ، أَوْ بِحُصُولِ فَاصِلٍ يَقْتَضِي الإِْعْرَاضَ عَمَّا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ فِيهِ إِلاَّ بَيْعَ الْمُزَايَدَةِ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُلْزِمَ السِّلْعَةَ لِمَنْ شَاءَ حَيْثُ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ ذَلِكَ أَوْ جَرَى بِهِ عُرْفُ إِمْسَاكِهَا حَتَّى انْقَضَى مَجْلِسُ الْمُنَادَاةِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: بَعْضُ الْقُضَاةِ أَلْزَمَ بَعْضَ أَهْلِ الأَْسْوَاقِ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ، مَعَ أَنَّ عَادَتَهُمُ الاِفْتِرَاقُ عَلَى غَيْرِ إِيجَابٍ اغْتِرَارًا بِظَاهِرِ ابْنِ حَبِيبٍ وَحِكَايَةِ غَيْرِهِ، فَنَهَيْتُهُ عَنْ هَذَا لأَِجْلِ مُقْتَضَى عَوَائِدِهِمْ، وَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي أَنْ لاَ يَلْتَزِمَ الْبَيْعَ إِلاَّ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ فَلَهُ شَرْطُهُ، وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ بِخِلاَفِهِ، لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ.
خِيَارُ الرُّجُوعِ عَنِ الإِْيجَابِ فِي الْمُزَايَدَةِ:
الرُّجُوعُ عَنِ الْمُزَايَدَةِ إِمَّا أَنْ يَقَعَ قَبْلَ زِيَادَةِ آخَرَ عَلَى مَا دَفَعَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ بَعْدَهَا، فَإِنْ وَقَعَ الرُّجُوعُ قَبْلَ زِيَادَةَ آخَرَ عَلَى مَا دَفَعَهُ مِنْ ثَمَنٍ فَإِنَّهُ لاَ يَخْتَلِفُ بَيْعُ الْمُزَايَدَةِ عَنْ غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةِ الرُّجُوعِ عَنِ الإِْيجَابِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ لِلْمُوجِبِ حَقَّ الرُّجُوعِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْقَبُولُ لإِِيجَابِهِ، وَلاَ يَرِدُ هُنَا الْخِلاَفُ الْمَنْقُولُ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَا لَوْ رَبَطَ الإِْيجَابَ بِوَقْتٍ، وَأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَقَيَّدُ بِوَقْتِهِ فَلاَ يَمْلِكُ الْمُوجِبُ الرُّجُوعَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ فِي لُزُومِ الْمُزَايَدَةِ لِجَمِيعِ الْمُشْتَرِكِينَ فِيهَا يُغْنِي عَنْ مُقْتَضَى هَذَا الْقَوْلِ.
خِيَارُ الْمَجْلِسِ فِي الْمُزَايَدَةِ
قَالَ الْحَطَّابُ: جَرَتِ الْعَادَةُ بِمَكَّةَ أَنَّ مَنْ رَجَعَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ.
الزِّيَادَةُ بَعْدَ بَتِّ الْبَيْعِ لأَِحَدِ الْمُشَارِكِينَ فِي الْمُزَايَدَةِ
لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي السِّلْعَةِ إِذَا تَوَقَّفَ الْمَالِكُ أَوِ الدَّلاَّلُ عَنِ النِّدَاءِ - لأَِنَّهُ أَعْرَضَ عَنِ الْبَيْعِ - لِعَدَمِ وُصُولِ السِّلْعَةِ إِلَى قِيمَتِهَا وَكَفِّ الْحَاضِرِينَ عَنِ الزِّيَادَةِ.
وَأَمَّا فِي حَالَةِ الرُّكُونِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ يُنَادِي عَلَى سِلْعَتِهِ فَطَلَبَهَا إِنْسَانٌ بِثَمَنٍ، فَكَفَّ عَنِ النِّدَاءِ وَرَكَنَ إِلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَلَيْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَزِيدَ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا اسْتِيَامٌ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُفَّ عَنِ النِّدَاءِ فَلاَ بَأْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَزِيدَ.
وَإِنْ كَانَ الدَّلاَّلُ هُوَ الَّذِي يُنَادِي عَلَى السِّلْعَةِ وَطَلَبَهَا إِنْسَانٌ بِثَمَنٍ فَقَالَ الدَّلاَّلُ: حَتَّى أَسْأَلَ الْمَالِكَ فَلاَ بَأْسَ لِلْغَيْرِ أَنْ يَزِيدَ، فَإِنْ أَخْبَرَ الدَّلاَّلُ الْمَالِكَ فَقَالَ: بِعْهُ وَاقْبِضِ الثَّمَنَ، فَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ الْحَطَّابُ: وَسَوَاءٌ تَرَكَ السِّمْسَارُ الثَّوْبَ عِنْدَ التَّاجِرِ أَوْ كَانَ فِي يَدِهِ وَجَاءَ بِهِ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: بِعْهُ، ثُمَّ زَادَ فِيهِ تَاجِرٌ آخَرُ أَنَّهُ لِلأَْوَّلِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ رَبُّ الثَّوْبِ لَمَّا شَاوَرَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ فَرَجَعَ السِّمْسَارُ وَنَوَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنَ التَّاجِرِ فَزَادَ فِيهِ تَاجِرٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ يَعْمَلُ فِيهِ بِرَأْيِهِ وَيَقْبَلُ الزِّيَادَةَ إِنْ شَاءَ وَلاَ يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِالنِّيَّةِ.
وَاسْتَظْهَرَ الشَّرْوَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ تَحْرُمُ الزِّيَادَةُ حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنِ الدَّلاَّلُ الْمُشْتَرِيَ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ لاَ يَبْعُدُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَإِنْ عَيَّنَهُ.
زِيَادَةُ اثْنَيْنِ مَبْلَغًا مُتَمَاثِلاً:
ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ زَادَ اثْنَانِ مَبْلَغًا مُتَمَاثِلاً وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا فَإِنَّهُمَا يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي السِّلْعَةِ، وَقَالَ عِيسَى: هِيَ لِلأَْوَّلِ، وَلاَ أَرَى لِلصَّائِحِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ مِثْلَ الثَّمَنِ الَّذِي قَدْ أَعْطَاهُ غَيْرُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا قَدْ أَعْطَيَاهُ فِيهِ دِينَارًا مَعًا فَهُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ.
خِيَارُ الْعَيْبِ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ يَثْبُتُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُشْتَرِي لأَِنَّ الأَْصْلَ فِي الْبَيْعِ السَّلاَمَةُ.
وَبَيْعُ الْمُزَايَدَةِ مِنَ الْبُيُوعِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْعَيْبِ كَبَقِيَّةِ الْبُيُوعِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (خِيَارُ الْعَيْبِ ف 20 - 25).
الْمُطَالَبُ بِخِيَارِ الْعَيْبِ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ
نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الرُّجُوعَ بِخِيَارِ الْعَيْبِ يَكُونُ عَلَى أَصْحَابِ السِّلَعِ، جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ:
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي يَبِيعُ فِيمَنْ يَزِيدُ يَسْتَأْجِرُ عَلَى الصِّيَاحِ، فَيُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ مَسْرُوقٌ أَوْ خَرْقٌ أَوْ عَيْبٌ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، وَإِنَّمَا هُوَ أَجِيرٌ آجَرَ نَفْسَهُ وَبَدَنَهُ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الْعُهْدَةُ عَلَى أَرْبَابِ السِّلَعِ فَلْيَتْبَعُوهُمْ، فَإِنْ وَجَدُوا َرْبَابَهَا وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ تِبَاعَةٌ.
دَعْوَى الْغَبْنِ فِي الْمُزَايَدَةِ
مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ حَقَّ لِمُدَّعِي الْغَبْنِ فِي الرُّجُوعِ عَلَى الْبَائِعِ وَلَوْ كَانَ الْغَبْنُ خَارِجًا عَنِ الْمُعْتَادِ إِلاَّ إِذَا تَوَافَرَتْ ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ هِيَ:
أ - أَنْ يَكُونَ الْمَغْبُونُ جَاهِلاً بِثَمَنِ الْمِثْلِ فِي السُّوقِ لِمَا بَاعَهُ أَوِ اشْتَرَاهُ، أَمَّا الْعَارِفُ بِالْقِيَمِ فَلاَ يُخْتَلَفُ فِي إِمْضَائِهِ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ - كَمَا قَالَ الْمَازِرِيُّ - إِنَّمَا فَعَلَهُ لِغَرَضٍ، وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهِ أَنْ يَكُونَ كَالْوَاهِبِ لِمَالِهِ.
ب - أَنْ يَدَّعِيَ قَبْلَ مُضِيِّ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ، وَقَدْ نَصَّ الْوَزَّانِيُّ فِي إِحْدَى فَتَاوِيهِ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ وَغَيْرِهِ، وَأَيَّدَ فَتْوَاهُ بِكَلاَمٍ نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ التَّسُولِيُّ أَنَّهُ لاَ يُسْمَعُ الاِدِّعَاءُ بِالْغَبْنِ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ، لِمَا يَتَوَافَرُ فِيهِ مِنَ الإِْشْهَارِ وَحُضُورِ الْمُتَزَايِدِينَ، قَالَ ابْنُ عَاتٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ أَكْرَى نَاظِرُ الْحَبْسِ (الْوَقْفِ) عَلَى يَدِ الْقَاضِي رِيعَ الْحَبْسِ بَعْدَ النِّدَاءِ عَلَيْهِ وَالاِسْتِقْصَاءِ ثُمَّ جَاءَتْ زِيَادَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَقْضُ الْكِرَاءِ، وَلاَ قَبُولُ الزِّيَادَةِ إِلاَّ أَنْ يَثْبُتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ فِي الْكِرَاءِ غَبْنًا عَلَى الْحَبْسِ فَتُقْبَلُ الزِّيَادَةُ وَلَوْ مِمَّنْ كَانَ حَاضِرًا، وَإِذَا حَصَلَ التَّنَاكُرُ فِي دَعْوَى الْجَهْلِ فَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي الْمَعْرِفَةَ، لأَِنَّهَا بَيِّنَةٌ نَاقِلَةٌ عَنِ الأَْصْلِ الَّذِي هُوَ الْجَهْلُ فَتَقَدَّمَ.
ج - أَنْ يَكُونَ الْغَبْنُ فَاحِشًا بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ قَدْرَ الثُّلُثِ فَأَكْثَرَ.
وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ لِلْغَبْنِ وَحْدَهُ تَأْثِيرًا مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ التَّغْرِيرُ، وَهُوَ لاَ يَخْتَلِفُ فِيهِ الْحُكْمُ بَيْنَ الْمُزَايَدَةِ وَغَيْرِهَا عِنْدَهُمْ.
النَّجْشُ فِي الْمُزَايَدَةِ:
النَّجْشُ فِي بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ - كَالنَّجْشِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْبُيُوعِ، حَرَامٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ خَدِيعَةِ الْمُسْلِمِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا بَلَغَتِ السِّلْعَةُ قِيمَتَهَا.
وَفِي حُكْمِهِ التَّكْلِيفِيِّ وَحُكْمِهِ الْوَضْعِيِّ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ف 128).
مُشَارَكَةُ الدَّلاَّلِ فِي الشِّرَاءِ مَعَ بَعْضِ مَنْ يَزِيدُ دُونَ عِلْمِ الْبَائِعِ
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لاَ يَجُوزُ لِلدَّلاَّلِ الَّذِي هُوَ وَكِيلُ الْبَائِعِ فِي الْمُنَادَاةِ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمَنْ يَزِيدُ بِغَيْرِ عِلْمِ الْبَائِعِ، فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَزِيدُ وَيَشْتَرِي فِي الْمَعْنَى، وَهَذَا خِيَانَةٌ لِلْبَائِعِ، وَمَنْ عَمِلَ مِثْلَ هَذَا لَمْ يَجِبْ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَلَمْ يُنْصَحْ لِلْبَائِعِ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ وَإِنْهَاءِ الْمُنَادَاةِ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا يَئُولُ إِلَى بَيْعِ الْوَكِيلِ مِنْ نَفْسِهِ مَا وُكِّلَ بِبَيْعِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ فَمَنَعَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيَّةُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، لأَِنَّ الْعُرْفَ فِي الْبَيْعِ أَنْ يُوجَبَ لِغَيْرِهِ فَحَمَلَ الْوَكَالَةَ عَلَيْهِ، وَلأَِنَّ إِذْنَ الْمُوَكَّلِ يَقْتَضِي الْبَيْعَ مِمَّنْ يَسْتَقْصِي فِي الثَّمَنِ عَلَيْهِ، وَفِي الْبَيْعِ لِنَفْسِهِ لاَ يَسْتَقْصِي فِي الثَّمَنِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الإِْذْنِ وَصَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِاسْتِثْنَاءِ مَا لَوِ اشْتَرَى بَعْضَ مَا وُكِّلَ بِبَيْعِهِ بِسِعْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَبِيعَ لِنَفْسِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا زَادَ عَلَى مَبْلَغِ ثَمَنِهِ فِي النِّدَاءِ أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَبِيعُ وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْمُشْتَرِينَ وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَيْضًا: إِذَا تَوَاطَأَ جَمَاعَةٌ مِنَ الدَّلاَّلِينَ عَلَى أَنْ يَشْتَرِكُوا فِي شِرَاءِ مَا يَبِيعُونَهُ، فَإِنَّ عَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يُعَزِّرَهُمْ تَعْزِيرًا بَلِيغًا يَرْدَعُهُمْ وَأَمْثَالَهُمْ عَنْ هَذِهِ الْخِيَانَةِ، وَمِنْ تَعْزِيرِهِمْ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ مِهْنَةِ الدَّلاَلَةِ فِي السُّوقِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ.
التَّوَاطُؤُ عَلَى تَرْكِ الْمُزَايَدَةِ بَعْدَ سِعْرٍ مُحَدَّدٍ
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَتَابَعَهُمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى أَنَّ التَّوَاطُؤَ عَلَى تَرْكِ الْمُزَايَدَةِ إِنْ تَمَّ بَيْنَ أَحَدِ الْحَاضِرِينَ وَآخَرَ، بِأَنْ يَسْأَلَهُ تَرْكَ الْمُزَايَدَةِ فَهُوَ لاَ بَأْسَ بِهِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ يَجْعَلُهُ لِمَنْ كَفَّ عَنِ الزِّيَادَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: كُفَّ عَنِ الزِّيَادَةِ وَلَكَ دِينَارٌ أَوْ قَالَ لَهُ: كُفَّ عَنِ الزِّيَادَةِ وَنَحْنُ شَرِيكَانِ فِي السِّلْعَةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ بَابَ الْمُزَايَدَةِ مَفْتُوحٌ وَإِنَّمَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا مُزَايَدَةَ الآْخَرِ.
أَمَّا إِنْ تَمَّ التَّوَاطُؤُ بَيْنَ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ عَلَى الْكَفِّ عَنِ الزِّيَادَةِ فَلاَ يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ. وَمِثْلُ تَوَاطُؤِ الْجَمِيعِ تَصَرُّفُ مَنْ حُكْمُهُمْ كَمَجْمُوعَةٍ مُتَحَكِّمَةٍ فِي سُوقِ الْمُزَايَدَةِ أَوْ شَيْخِ السُّوقِ.
وَالْهَدَفُ مِنَ التَّوَاطُؤِ قَدْ يَكُونُ الاِشْتِرَاكُ بَيْنَهُمْ فِي تَمَلُّكِ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا لاِقْتِسَامِهَا بَيْنَهُمْ، وَقَدْ يَكُونُ بِتَخْصِيصِ سِلْعَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِيَشْتَرِيَهَا بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا دُونَ مُنَازَعَةِ الآْخَرِينَ لَهُ، وَفِي الْحَالَتَيْنِ ضَرَرٌ بِالْبَائِعِ وَبَخْسٌ لِسِلْعَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
( وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) فَإِنْ وَقَعَ التَّوَاطُؤُ الْمَمْنُوعُ خُيِّرَ الْبَائِعُ بَيْنَ الرَّدِّ وَالإِْمْضَاءِ، فَإِنْ هَلَكَتِ السِّلْعَةُ فَلَهُ الأَْكْثَرُ مِنَ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ.
