فيما يتعلق بإدارة الشركة : (المواد من 53 إلي 102)
- حافظ المشروع علي مبدأ مشاركة العاملين في إدارة الشركة ، حيث نصت المادة (84) علي أن العاملين نصيب في إدارة الشركات المساهمة الخاضعة لأحكام المشروع ، وأن تحدد اللائحة التنفيذية طرق وقواعد وشروط اشتراك العاملين في الإدارة ، وأنه يجب أن ينص نظام الشركة علي إحدي طرق الاشتراك .
يبين من استقراء أحكام قانون الشركات الصادر بالقانون رقم 159 لسنة 81 بشأن مسئولية أعضاء مجلس إدارة الشركة المساهمة أمام الشركة أنها ليست مسئولية تضامنية ذلك أن التضامن لا يفترض ولا يكون إلا بنص أو اتفاق وقد خلت نصوص هذا القانون من نص يفرض المسئولية التضامنية لأعضاء مجلس الإدارة عن أعمالهم أمام الشركة المساهمة – فيما عدا ما يقرره هذا القانون من تضامن فى المسئولية للمؤسسين لها والواردة بالمواد 8 ،10 ،14، 19 بالفصل الثانى من الباب الأول تحت عنوان المؤسسون وإجراءات التأسيس وكذا المادة 30 من ذات الفصل والخاصة بالشركات ذات المسئولية المحدودة – ولم يرد به إلا حالتين فرض فيهما هذه المسئولية التضامنية للأعضاء إلا أنهما تنفيان وجودها كأصل عام به – الأولى ما قررته المادة 43 منه بشأن مسئولية أعضاء مجلس الإدارة الذين وافقوا على توزيع أرباح ترتب عليها منع الشركة من أداء التزاماتها النقدية فى موعدها فقررت هذه المادة المسئولية التضامنية لأعضاء مجلس الإدارة الذين وافقوا على توزيع الأرباح – وفى حدود مقدار الأرباح التى أبطل توزيعها وهى بهذا تقضى بعدم وجود المسئولية التضامنية لجميع أعضاء مجلس الأدارة – وإنما من وافق فقط – وكذا إمكانية الرجوع على المساهمين الذين علموا بمخالفة التوزيع لأحكام القانون. والثانية وما قررته المادة 161 من ذات القانون من تضامن فى المسئولية بين كل من تسبب فى بطلان تصرف أو تعامل أو قرار يصدر من الجمعية العامة أو مجلس الإدارة. حال تعدد المتسببين إذا كان تشكيل الجمعية أو المجلس على خلاف أحكام هذا القانون وسواء كانوا من أعضاء المجلس أو غيرهم، وإذا كانت مسئولية أعضاء مجلس إدارة شركة المساهمة أمام الشركة ليست تضامنية فإنها أيضاً ليست فردية بحتة يُسأل فيها كل عضو عن قراره هو فقط إذ لا قرارات فردية فى مجلس الإدارة وإنما هى قرارات مشتركة ترتب مسئولية مشتركة بين الأعضاء سندها وأساسها ما قرره القانون من أحكام بشأن كيفية اتخاذها والعدد اللازم لإصدارها ومدى إلزامها وهو ما أبانته وفصلته المادتان 77 ، 54 من القانون والمادة 245 من لائحته التنفيذية حيث ورد بالأولى والأخيرة من هذه المواد أن عدد أعضاء مجلس الإدارة لا يقل عن ثلاثة أعضاء ما لم ينص النظام الأساسى للشركة على عدد أكبر ولا يكون الاجتماع صحيحا إلا بهذا الحد الأدنى من الأعضاء مع إمكانية أن ينوب بعضهم عن بعض فى الحضور بمراعاة هذا العدد وتكون القرارات الصادرة عنه بأغلبية أعضائه وأعطت الثانية كافة السلطات المتعلقة بإدارة الشركة والقيام بكافة الأعمال اللازمة لتحقيق غرض الشركة كل ذلك يدل على أنها مسئولية مشتركة بينهم يسأل كل من شارك فيهم فى إصدار قرار يوجب المسئولية والتعويض عنه معًا دون تضامن فيما بينهم – وهذه المسئولية المشتركة نظمتها المادة 102 من ذات القانون بدعوى المسئولية المدنية مبينة عناصرها ومن له الحق فى إقامتها ومتى تسقط ومدة سقوطها والضمانات اللازمة لتفعيلها حيث نصت على أن "لا يترتب على أى قرار يصدر من الجمعية العامة سقوطها دعوى المسئولية المدنية ضد أعضاء مجلس الإدارة بسبب الأخطاء التى تقع منهم فى تنفيذ مهمتهم. وإذا كان الفعل الموجب للمسئولية قد عرض على الجمعية العامة بتقرير من مجلس الإدارة أو مراقب الحسابات فإن هذه الدعوى تسقط بمضى سنة من تاريخ صدور قرار الجمعية العامة بالمصادقة على تقرير مجلس الإدارة ومع ذلك إذا كان الفعل المنسوب إلى أعضاء مجلس الإدارة يكون جناية أو جنحة لا تسقط الدعوى إلا بسقوط الدعوى العمومية. ولجهة الإدارة المختصة وكل مساهم مباشرة هذه الدعوى ويقع باطلاً كل شرط فى نظام الشركة يقضى بالتنازل عن الدعوى أو تعليق مباشرتها على إذن سابق من الجمعية العامة أو على اتخاذ أى إجراء آخر" فهى تدل على أن القاعدة العامة هى مسئولية أعضاء مجلس إدارة شركة المساهمة عن الأخطاء التى تقع منهم فى تنفيذ مهمتهم وهى إدارة أمور الشركة والقيام بكافة الأعمال والتصرفات الالزمة لذلك ولا يخل بها أو يسقطها أى قرار يصدر من الجمعية العامة بشأن هذه الأعمال حال قيامها بدورها المنوط بها قانوناً فى إدارة الشركة بالإشتراك مع مجلس الإدارة إلا أنها تسقط بشروط محددة أولها أن تكون الأفعال الموجبة للمسئولية قد عرضت على الجمعية العامة عن أحد طريقين إما بتقرير من مجلس الإدارة أو بتقرير من مراقب الحسابات فإن عرضت على خلاف ذلك فلا تسقط والثانى أن تصادق الجمعية العامة على التقرير المعروض عليها والمتضمن الأعمال محل المسئولية والثالث مرور مدة سنة على تاريخ المصادقة وهى مدة سقوط لا تقادم فلا تقبل الوقف أو الإنقطاع والرابع ألا تشكل هذه الأعمال جناية أو جنحة فلا تسقط الدعوى المدنية عنها إلا بسقوط الدعوى العمومية وأن كل مساهم فى الشركة ولجهة الإدارة المختصة – والتى يقصد بها – أى جهة للإدارة داخل الشركة {الجمعية العامة – مجلس الإدارة وغيرهم مما يناط بهم إدارة الشركة} وليس الجهة الإدارية المختصة بتطبيق أحكام القانون 159 لسنة 1981 وهى الهيئة العامة للإستثمار والمناطق الحرة – إقامة هذه الدعوى والتى ضمن المشرع تفعيلها بإبطال أى قيد يرد على مباشرتها سواء كان إذناً من الجمعية العامة أو نص فى النظام الأساسى للشركة أو أى قيد أو إجراء آخر على عمومه.
(الطعن رقم 4206 لسنة 92 ق - جلسة 9 / 5 / 2023 )
المسئولية المدنية :
يسأل رئيس مجلس إدارة شركة المساهمة والأعضاء تجاه الشركة والمساهمين والغير عن جميع الأخطاء في إدارة الشركة، وعن أعمال الغش أو إساءة استعمال السلطة كما يسأل عن مخالفته لأحكام القانون أو نظام الشركة.
وتحمي حقوق الشركة أو المساهمين أو الغير دعوى المسئولية ضد مجلس الإدارة، ولا ترفع هذه الدعوى إلا ممن أصابه ضرر نتيجة أخطاء مجلس الإدارة أو أحد أعضائه أو بعضهم، سواء كان هذا المضرور هو أو أحد المساهمين شخصياً أو الغير وكان الفقه الفرنسي التقليدي يميز بين الدعوى التي تملكها الشركة كشخص معنوي وبين دعوى المساهم الشخصية فبالنسبة لدعوى الشركة فإنها تمارس ليس فقط بواسطة ممثلي الشركة بل أيضاً بواسطة مساهم أو بعض المساهمين باسم الشركة ويطلق عليها دعوی الشركة التي تمارس بصفة شخصية action Sociale exercée personnellement والفرق بين هذه الدعوى ودعوى المساهم الفردية action individuelle أثار الكثير من الجدل بين الفقه الفرنسي وقتئذ، ولكن حالياً وفي ظل التعديلات التشريعية الحديثة لم يعد هناك فروق جوهرية بينها وتم تحديد شروط كل دعوى منهما. وغالبا ما تعين المحكمة خبيراً في مثل هذه الحالات لتحديد وتقدير الأضرار التي أصابت الشركة أو المساهمين .
وسوف نشير فيما يلي إلى كل من دعوى الشركة ودعوى المساهم الشخصية.
دعوى الشركة التي ترفع من ممثلها القانوني :
يطلق اصطلاح دعوى الشركة action sociale على الدعوى التي ترفعها الشركة كشخص معنوي ضد أعضاء مجلس الإدارة الذين تسببوا بأضرار للشركة بسبب خطئهم وقيل في تبرير هذه الدعوى أننا بصدد مسئولية تعاقدية responsabilite contractuelle حيث يعد مجلس الإدارة نائباً ووكيلاً عن الشركة وقيل أنها مسئولية قانونية responsabilité juridique لأن القانون هو الذي نص عليها ويرى الفقه الفرنسي أنه لا أهمية للأساس القانوني لدعوى المسئولية في هذه الحالة حيث الأساس لهذه الدعوى هو إثبات الخطأ المرتكب من مجلس الإدارة والأضرار التي أصابت الشركة وعلاقة السببية بينهما وطبقاً للقواعد العامة لا يجوز تتبع أعضاء المجلس أو المجلس ذاته بهذه المسئولية إلا عن أفعال ارتكبوها أثناء تأدية وظائفهم، مع مراعاة إمكانية هذه المساءلة عن الأضرار التي لحقت الشركة بعد تركهم مواقعهم في العمل طالما كانت هذه المسئولية عن أفعال ارتكبوها أثناء تأدية مهام وظائفهم .
ودعوى الشركة المشار إليها ترفع من ممثل الشركة وهو رئيس مجلس إدارتها وقت رفع الدعوى بناءً على قرار من الجمعية العامة العادية إذا كانت ضد أعضاء مجلس الإدارة مجتمعاً أما إذا كانت الدعوى ضد أحد أو بعض أعضاء المجلس فإنها ترفع بواسطة باقي الأعضاء وغنى عن البيان أن دعوى الشركة إذا كانت ضد أعضاء مجلس الإدارة مجتمعين فلا ترفع إلا بعد استقالة أو عزل هذا المجلس ويحرك دعوى المسئولية رئيس مجلس الإدارة الجديد أو من يليه .
دعوى الشركة التي ترفع من مساهم أو مجموعة من المساهمين:
action sociale exercée par un actionnaire ou groupement d'actionnaires
تحرص التشريعات أيضاً - حماية منها للمساهمين - على إعطاء حق رفع الدعوى لكل مساهم أو مجموعة من المساهمين خشية إحجام أعضاء مجلس الإدارة التالي عن رفع هذه الدعوى بسبب احتمال فشلها أو إهمالاً منهم في ذلك أو بقصد مجاملة مجلس الإدارة السابق فكل مساهم وحده يستطيع رفع دعوى الشركة أياً كانت نسبة مساهمته في رأسمال الشركة شريطة أن يحمل صفة المساهم وقت رفع الدعوى وطوال فترة التقاضى وما يحكم به من تعويضات في هذه الدعوى يلحق بذمة الشركة مباشرة، وعلى هذه الأخيرة إعطاء من رفع الدعوى نصيبه من هذه التعويضات شأنه في ذلك شأن أي مساهم علاوة على نفقات وتكاليف رفع الدعوى. ولا يمنع رفع أحد المساهمين هذه الدعوى بقية المساهمين من رفعها أيضاً .
ووفقاً لتشريع الشركات 159 لسنة 1981 تجيز المادة (102) منه، وهي تقابل المادة (245) من قانون الشركات الفرنسي رقم 537 لسنة 1966، للشركة ولكل مساهم رفع دعوى الشركة ضد أعضاء مجلس الإدارة - متفردين أو مجتمعين - عن الأخطاء التي صدرت منهم أثناء إدارة الشركة والتي ترتب عليها ضرر لها، كما إذا أساء أعضاء المجلس السلطات التي منحت لهم في إدارة الشركة إضراراً بالمساهمين، أو قيام رئيس المجلس أو العضو المنتدب بإضافة الصفقات إلى نفسه مستغلاً اسم الشركة ، أو قيام أي من أعضاء المجلس بأعمال منافسة غير مشروعة بشركة مماثلة مما ترتب عليه إساءة سمعة الشركة وضياع فرص ربح عليها ومن أكثر الأخطاء انتشاراً في مجال شركات المساهمة قيام المجلس بتعدى السلطات المحددة له بعقد الشركة واقراض الشركة دون ضمانات كافية .
ووفقاً للقانون الفرنسي فإنه يخق، بعد صدور مرسوم 19 يناير 1988 ، للمساهمين الحاصلين على نسبة أقل من 20% في الشركات التي يزيد رأسمالها على حد معين تفويض بعضهم أو أحدهم لإقامة دعوی الشركة وبذلك تمارس دعوى الشركة بواسطة أحد المساهمين أو بعضهم نيابة عن باقى المساهمين، ونتيجة لذلك لا أثر لفقد أحدهم صفة المساهم أثناء سير الدعوى .
والمسئولية المدنية على النحو السابق قد تلحق عضواً بالذات من أعضاء مجلس الإدارة وقد تلحق جميع أعضاء المجلس كما سبق القول. وفي هذه الحالة الأخيرة يكون الأعضاء مسئولين على وجه التضامن بأداء التعويض، إلا إذا أثبت فريق منهم اعتراضه على القرار الذي رتب المسئولية وذكر اعتراضه في المحضر .
وكما سبق القول تملك الجمعية العامة العادية رفع دعوى المسئولية ضد مجلس الإدارة أو أعضائه طبقاً لحكم المادة ( 5 / 160) من القانون 159 لسنة 1981 والتي تنص على أنه « وللجمعية العامة أن تقرر عزل أعضاء مجلس الإدارة ورفع دعوى المسئولية عليهم، ويكون قرارها صحيحاً متى وافق عليه الشركاء الحائزون لنصف رأس المال بعد أن يستبعد منه نصيب من ينظر في أمر عزله من أعضاء هذا المجلس كما يكون للجمعية أن تقرر تغيير مراقبي الحسابات، ورفع دعوى المسئولية عليهم» .
وأكدت هذا الحق للجمعية العامة العادية (المادة 127 - ثانياً) من اللائحة التنفيذية لقانون المشار إليه.
كما تجيز المادة ( 3 / 102) من قانون 159 لسنة 1981 السابق الإشارة إليها أن ترفع هذه الدعوى من الجهة الإدارية المختصة والحكمة من ذلك أيضاً هي حماية مصالح مجموع المساهمين والغير.
ويحق أيضاً لدائني الشركة مساءلة أعضاء مجلس الإدارة عن أي أعمال تمت بقصد الإضرار بهم أو المساس بحقوقهم كما إذا قاموا بتهريب جزء من رأسمال الشركة إضراراً بهم أو توزيع أرباح صورية.
ويؤكد هذا الحق لدائني شركة المساهمة ما تقضي به المادة (43) من القانون والمادة (198) من اللائحة التنفيذية والتي تقرر الإجراءات التي يجوز للدائنين الالتجاء إليها فور توزيع أرباح يترتب عليها منع الشركة من أداء التزاماتها النقدية في مواعيدها حيث تنص المادة (43) المشار إليها على أنه لا يجوز توزيع الأرباح إذا ترتب على ذلك منع الشركة من أداء التزاماتها في مواعيدها وأضافت اللائحة التنفيذية في هذا الشأن أنه يجب أن يتضمن اقتراح مجلس الإدارة بتوزيع الأرباح بيان مدى تأثير ذلك على أداء التزامات الشركة النقدية في مواعيدها، وأن يؤيد ذلك برأي مراقب الحسابات في تقريره (المادة 198).
وبالإضافة إلى حق دائني الشركة في رفع دعوى المسئولية ضد مجلس الإدارة أو أحد أعضائه فإن لهم الحق في الالتجاء إلى القضاء لإبطال أي قرار يصدر بالمخالفة لأحكام القانون المشار إليها .
ويلتزم أعضاء مجلس الإدارة الذين وافقوا على التوزيع بالتضامن قبل الدائنين في حدود مقدار الأرباح التي أبطلت المحكمة توزيعها بل إن المشرع میز الدائنين في هذه الحالة بإمكان رجوعهم على المساهمين الذين علموا بأن التوزيع قد تم بالمخالفة لهذا الحكم في حدود مقدار الأرباح التي قبضوها .
ويترتب أيضاً على حكم المادة (160) من القانون والمشار إليها أنه يشترط لرفع دعوى المسئولية في حالة رفعها من الجمعية العامة العادية أن يوافق على قرار الجمعية العامة بأغلبية خاصة هي الشركاء الحائزين لنصف رأس المال بعد أن يستبعد منه نصيب من ينظر في أمر عزله من أعضاء هذا المجلس.
ولا يعد هذا الشرط من الشروط المقيدة لحق رفع دعوى المسئولية حيث لا يمثل قيداً عاماً أو خاصاً على استخدام هذا الحق في رفع دعوى المسئولية ، بل هو مجرد تنظيم لقرارات الجمعية العامة العادية خاصة في المسائل التي تمثل خطورة معينة والتي من أهمها طرح الثقة بمجلس الإدارة أو بعض أعضائه ورفع دعوى المسئولية حيث يجب أن يكون القرار صادراً من أغلبية معينة بنص القانون حتى لا يكون قرار رفع دعوى المسئولية خاضعاً للهوى أو التسرع في القرار .
ودعوى الشركة التي ترفع من المساهمين أو أحدهم على النحو السابق دعوى تملكها الشركة ذاتها l'action qui appartien a la Societe elle - meme وهي تخضع لذات النظام وتؤدي إلى ذات النتيجة إذا ما رفعت هذه الشركة بواسطة ممثلي الشركة وفقا للقواعد العامة ولا يمنع رفع هذه الدعوى صدور قرار من الجمعية العامة ببراءة ذمة أعضاء المجلس أو إقرار تصرفهم المخالف أو إجازته فلا تسقط دعوى المسئولية ضد الشركة بسبب أي قرار يصدر من الجمعية العامة (المادة 1 / 102 من القانون 159 لسنة 1981).
دعوى المساهم الفردية : action individuelle
طبقاً للقواعد العامة، لكل شخص أصابه ضرر بسبب خطأ أحد أعضاء مجلس إدارة الشركة أو مجلس الإدارة مجتمعاً الحق في رفع دعوی المسئولية طبقاً لحكم المادة (163) مدني والمقابلة للمادة 1382 مدنی فرنسي والتي تقضي بأن كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبة بالتعويض وأساس هذه الدعوى المسئولية التقصيرية La responsabilité delictuelle والتي تشترط لقيامها إثبات خطأ مجلس الإدارة أو أحد أعضائه وعلاقة السببية بين هذا الخطأ والضرر بمعنى أن المساهم في هذه الحالة يستعمل حق أي فرد في رفع دعوى المسئولية ضد من تسبب بخطئه في ضرر ما له ويجب على المساهم أن يثبت الإضرار الشخصية التي أصابته prejudice personnel من التصرف غير السليم من مجلس الإدارة أو أحد أعضائه.
وللمساهم رفع دعوى المسئولية على أعضاء مجلس الإدارة مباشرة أو رفع الدعوى على الشركة بوصفها مسئولة عن أعمالهم مسئولية التابع عن أعمال تابعية وتطبيقاً لذلك يحق لمن أصابه ضرر نتيجة أعمال منافسة غير مشروعة ارتكبها أعضاء مجلس الإدارة الرجوع عليهم أو على الشركة بالتعويض كذلك الشأن في حالة التحايل من قبل مجلس الإدارة أو أحد أعضائه في توزيع الأرباح على بعض المساهمين أو أحدهم ويلاحظ في هذا الصدد صعوبة رفع دعوى المساهم الشخصية ضد أعضاء المجلس أو أحدهم عن الأخطاء المتعلقة بمجرد سوء الإدارة حيث لا يترتب ضرر مباشر للمساهمين عادة، ومن الأمثلة على ذلك انخفاض سعر الأسهم بسوق الأوراق المالية نتيجة سوء الإدارة حيث يصعب رفع دعوى المسئولية لعدم سهولة إثبات علاقة السببية بين انخفاض أسعار هذه الأسهم وبين سوء الإدارة .
ويمكن في حالة تسبب أضرار لعدة مساهمين، أن يقوموا بتوكيل أحدهم في رفع دعوى المسئولية الشخصية.
ودعوى المساهم الشخصية لا توقف أو تنقضي بمجرد صدور قرار من الجمعية العامة بإجازة تصرفات أعضاء المجلس محل المساءلة أو إبراء ذمة المجلس أو الموافقة على جميع أعماله ، بل بترك المساهم شخصياً لدعواه وتنازله عنا .
وتنص المادة ( 1 / 102) من قانون الشركات 159 لسنة 1981 على أنه «لا يترتب على أي قرار يصدر من الجمعية العامة سقوط دعوی المسئولية المدنية ضد أعضاء مجلس الإدارة بسبب الأخطاء التي تقع منهم في تنفيذ مهمتهم».
وهذا النص يسري على دعوى المسئولية بصفة عامة سواء رفعها المساهم بصفته الشخصية أو مستخدما حقه في رفع دعوى الشركة ضد مجلس الإدارة أو أحد أعضائه حيث تتوافر ذات الحكمة في الحالتين وهی حماية مصالح الشركة ومجموع المساهمين فيها أو مصلحة الغير.
بطلان الشروط المقيدة لحق المساهم في رفع دعوى المسئولية :
يستمد المساهم حقه في رفع دعوى المسئولية ضد أعضاء مجلس الإدارة من القانون سواء كانت دعوى المسئولية الشخصية أو دعوى الشركة وهذا الحق من النظام العام لا يجوز منعه منه أو وضع قيود تفرغه من مضمونه أياً كانت الأسباب ومن الشروط التي اعتادت الشركة وضعها بنظامها الأساسي في تقييد حق المساهم في رفع دعوى المسئولية شرط الإخطار أو أخذ الرأي La clause d'avis ومقتضاه حصول المساهم على رأي الجمعية العامة مثلا أو مجلس الإدارة قبل رفع دعوى المسئولية، وكذلك شرط الإذن المسبق La clause d ' autorisation وهو اشتراط حصول المساهم على إذن قبل رفع الدعوى سواء في دعواه الفردية أو دعوی الشركة وتعد هذه الشروط غير مكتوبة طبقاً لحكم تشريع الشركات الفرنسي كما يمنع ذات التشريع اشتراط قرار من الجمعية العامة لرفع دعوى المسئولية ذلك أن الجمعية العامة تكون عادة تحت سيطرة مجلس الإدارة وتأثيره كما لا أثر لإصدار الجمعية العامة قراراً ببراءة ذمة المجلس كما سبق القول .
وتنص المادة ( 3 / 102) من القانون 159 لسنة 1981 صراحة على بطلان أي من هذه الشروط المقيدة حيث تنص على أنه « ولجهة الإدارة ولكل مساهم مباشرة هذه الدعوى، ويقع باطلاً كل شرط في نظام الشركة يقضي بالتنازل عن الدعوى أو بتعليق مباشرتها على إذن سابق من الجمعية العامة، أو على اتخاذ أي إجراء آخر».
سقوط دعوى المسئولية المدنية :
حرصاً على التوفيق بين مصالح المساهمين والمسئولية المشددة المجلس الإدارة مجتمعاً أو منفرداً على النحو السابق شرحه تسعى التشريعات عادة إلى وضع تقادم قصير لدعوى المسئولية السابق شرح أحكامها وفي القانون الفرنسي طبقاً للمادة 247 من قانون الشركات 1966 تتقادم دعوی المسئولية - سواء دعوى الشركة أو دعوى المساهم الشخصية - بمضى ثلاث سنوات حتى ولو لم يكن الفعل المخالف يعد في ذاته جنحة، أو بمضى عشر سنوات إذا كان الفعل المخالف مكوناً لجناية وتبدأ مدة التقادم من تاريخ وقوع الفعل المخالف أو من تاريخ اكتشافه إذا كان خفياً .
كذلك إذا كانت دعوى المسئولية بسبب خطأ يتعلق بنظام الشركة كما إذا لم تتبع الإجراءات الوجوبية أو الشكلية الواجب توافرها عند هذا التعديل فإن دعوى المسئولية المشار إليها لا تقادم إلا بمضي عشر سنوات تحسب من تاريخ تصحيح هذا الخطأ (المادة 235 شركات فرنسي والتي تحيل إلى المادة 247 من ذات القانون).
وطبقاً لتشريع الشركات 159 لسنة 1981 تسقط دعوى المسئولية المدنية بمضي سنة فقط في الحالة التي يكون فيها الفعل الموجب لمسئولية أعضاء مجلس الإدارة أو أحدهم قد عرض على الجمعية العامة بتقرير من مجلس إدارة الشركة أو من مراقب الحسابات فيها. وتبدأ مدة السنة كتقادم خاص في هذه الحالة من تاريخ صدور قرار الجمعية العامة بالمصادقة على تقرير مجلس الإدارة وفي هذا الخصوص تنص المادة ( 2 / 102) من القانون المشار إليه على أنه «وإذا كان الفعل الموجب للمسئولية قد عرض على الجمعية العامة بتقرير من مجلس الإدارة أو مراقب الحسابات، فإن هذه الدعوى تسقط بمضي سنة من تاريخ صدور قرار الجمعية العامة بالمصادقة على تقرير مجلس الإدارة ...».
أما إذا كان الفعل الموجب للمسئولية لأعضاء المجلس يكون جناية أو جنحة، أي في حالة المسئولية الجناية - فإن المشرع قرر القواعد العامة السقوط دعوى المسئولية وهي سقوط الدعوى العمومية الخاصة بهذه الجرائم. وأشارت المادة ( 2 / 102) المشار إليها في عجزها على ذلك بقولها «... ومع ذلك إذا كان الفعل المنسوب إلى أعضاء مجلس الإدارة يكون جناية أو جنحة فلا تسقط الدعوى إلا بسقوط الدعوى العمومية».
ويلاحظ على أحكام التقادم الخاصة المشار إليها والتي يترتب عليها سقوط دعوى المسئولية المدنية بمضي سنة واحدة، أنها أحكام خاصة بحالة واحدة فقط هي حالة عرض الفعل الموجب للمسئولية المدنية على الجمعية العامة بتقرير من مجلس الإدارة أو مراقب الحسابات على أن تحسب هذه المدة من تاريخ صدور قرار الجمعية العامة بالمصادقة على تقرير مجلس الإدارة أما بالنسبة للحالات التي ترفع فيها دعوى المسئولية المدنية ضد أعضاء مجلس الإدارة مجتمعاً أو منفرداً بغير طريق العرض على الجمعية العامة بتقرير من مجلس إدارة الشركة، فتخضع للتقادم العادي لدعوى المسئولية طبقاً للقواعد العامة ومثال ذلك دعوى المسئولية التي ترفعها الشركة طبقاً لنص المادة ( 5 / 160) من القانون وهي الحالة التي تقرر فيها الجمعية العامة العادية «عزل أعضاء المجلس ورفع دعوى المسئولية عليهم ويكون قرارها صحيحاً إذا وافق عليه الشركاء الحائزون لنصف رأس المال بعد أن يستبعد منه نصيب من ينظر في أمر عزله من أعضاء هذا المجلس ...». وواضح من عبارات هذه المادة أن رفع دعوى المسئولية في هذه الحالة لا يشترط أن يقدم للجمعية العامة بناءً على تقرير من مجلس الإدارة وبالتالي لا تخضع دعوى المسئولية في هذه الحالة إلى التقادم القصير المسقط لهذه الدعوى.
كما لا تخضع لهذا لتقادم القصير دعوى المسئولية التي يرفعها المساهم بصفته الشخصية وتخضع للقواعد العامة في هذا الشأن بمعنى أن الدعوى الفردية التي يرفعها المساهم والناشئة عن العمل غير المشروع تتقادم بانقضاء ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالشخص المسئول عنه، وتسقط هذه الدعوى في كل حالة إذا انقضت مدة خمس عشرة عاماً من يوم وقوع العمل غير المشروع وغنى عن البيان أن هذه الدعوى إذا كانت ناشئة عن جريمة فإنها تسقط بسقوط الدعوى العمومية تطبيقا لحكم المادة (172) من القانون المدني المصري وأساس ذلك في الواقع أن نص المادة ( 2 / 102) من القانون 159 لسنة 1981 إنما هو نص استثنائي من حيث مدة سقوط دعوى المسئولية، ولما كان الاستثناء لا يقاس عليه ولا يتوسع في تفسيره فإن حالات دعوى المسئولية، في غير الحالة التي يعرض فيها الفعل الموجب للمسئولية على الجمعية العامة بتقرير من مجلس الإدارة أو مراقب الحسابات، تخضع للقواعد العامة في مدة سقوط الدعوي .
ويلاحظ أن مدة السنة المنصوص عليها بالمادة (102) المشار إليها ليست مدة تقادم وإنما هي مدة سقوط فلا تقبل الوقف أو الانقطاع. (الشركات التجارية للدكتورة / سميحة القليوبي، الطبعة السابعة، 2016، دار النهضة العربية ، الصفحة : 1071)
المسئولية المدنية لرئيس وأعضاء مجلس الإدارة :
وفقاً لنص المادة 1/101 والمادة 1/161 من القانون رقم 159 لسنة 1981 يسأل رئيس وأعضاء مجلس الإدارة قبل الشركة والمساهمين والغير عن أعمال الغش وإساءة استعمال السلطة وعن كل مخالفة لأحكام القانون وعن الأخطاء التي يرتكبونها أثناء وبمناسبة أعمال إدارة الشركة فضلاً عن المسئولية المدنية المترتبة على المسئولية الجنائية إذا كان الفعل المنسوب إلى رئيس وأعضاء مجلس الإدارة جناية أو جنحة. ولا يحول دون إقامة دعوى المسئولية المدنية صدور قرار من الجمعية العامة للمساهمين بإبراء ذمة مجلس الإدارة أو الموافقة على جميع أعماله، وهذا ما أكدته المادة 1/102 من القانون 159 لسنة 1981 بقولها: "لا يترتب على أي قرار يصدر من الجمعية العامة سقوط دعوى المسئولية المدنية ضد أعضاء مجلس الإدارة بسبب الأخطاء التي تقع منهم في تنفيذ مهمتهم". وتوجه دعوى المسئولية المدنية إلي رئيس مجلسن الإدارة أو أي من أعضاء مجلس الإدارة. كما يمكن أن توجه إلى مجلس الإدارة ككل وفي هذه الحالة الأخيرة يكون أعضاء مجلس الإدارة مسئولين على وجه التضامن بأداء التعويض إلا إذا أثبت فريق منهم اعتراضه على القرار الذي رتب المسؤولية كتابة في محضر الجلسة. بل ذهب رأى إلى أن المسئولية المدنية تمتد لتشمل أعضاء مجلس الإدارة الغائبين بدون عذر مقبول لأنهم بذلك يرتكبون إهمالا مؤثمة في حق الشركة أو المساهمين أو الغير. وصاحب الحق في رفع دعوى المسئولية المدنية هو كل من لحقه ضرر من جراء التصرف أو القرار الخاطئ لرئيس أو لأعضاء مجلس الإدارة سواء كانت الشركة ذاتها أو المساهمين أو الغير أو جهة الإدارة المختصة. ويقع باطلاً كل شرط في نظام الشركة يقضي بالتنازل عن دعوى المسئولية المدنية أو بتعليق مباشرتها على إذن مسبق من الجمعية العامة (مادة 3/102 من القانون 159 لسنة 1981) وتسقط دعوى المسؤولية المدنية بمضي سنة من تاريخ صدور قرار الجمعية العامة بالمصادقة على تقرير مجلس الإدارة وذلك في حالة ما إذا كان الفعل الموجب للمسئولية قد عرض على الجمعية العامة بتقرير من مجلس الإدارة أو مراقب الحسابات. فإذا كان الفعل المنسوب إلى رئيس أو أعضاء مجلس الإدارة يكون جناية أو جنحة فلا تسقط دعوى المسؤولية المدنية إلا بسقوط الدعوى العمومية (مادة 2/102 من القانون 159 لسنة 1981 ).
دعوى المسئولية المدنية المقامة من الشركة (دعوى الشركة) :
يكون أعضاء مجلس الإدارة مسئولين قبل الشركة عن الخطأ في الإدارة وعن جميع أعمال الغش وعن كل مخالفة للقانون أو نظام الشركة حتى ترتب على ذلك ضرراً يصيب الشركة ذاتها وينقص من ذمتها.
ومن صور الأخطاء الموجبة لمسئولية أعضاء مجلس الإدارة تجاه الشركة الحصول على قروض من الشركة بالمخالفة كحكم المادة 96 من القانون 159 لسنة 1981 ، أو توزيع أرباح صورية على المساهمين بالمخالفة لحكم المادة 43 من القانون 159 لسنة 1981 ، أو الإقراض دون ضمانات رغم أن نظام الشركة يوجب الحصول على ضمانات أو القيام بعمليات جزافية أدت إلى خسارة الشركة أو التهاون في استيفاء حقوق الشركة من الغير أو إيداع أموال الشركة في بنك مهدد بالإفلاس أو الخروج بالشركة عن غرضها الأصلي الذي أنشئت خصيصاً له بموجب نظامها .
وترفع دعوى الشركة من الجمعية العامة للمساهمين ولها في سبيل ذلك عزل مجلس الإدارة الذي اقترف الخطأ وتعيين مجلس إدارة جديد يباشر دعوى المسئولية في مواجهة رئيس وأعضاء مجلس الإدارة المعزول. أو تختار وكيلاً خاصاً لرفع دعوى المسئولية باسمها ضد رئيس وأعضاء مجلس الإدارة. كما يجوز للمصفي رفع دعوى المسئولية ضد مجلس الإدارة إذا كانت الشركة في فترة التصفية بشرط استئذان الجمعية العامة. وفي حالة إفلاس الشركة يجوز لأمين التفليسة أن يرفع دعوى المسئولية ضد مجلس الإدارة دون استئذان من الجمعية العامة لأن الشركة تفقد في التقاضي بشهر إفلاسها فلا يكون للجمعية العامة حق تقرير رفع الدعوى .
فإذا لم ترفع الشركة دعوى المسئولية المدنية ضد أعضاء مجلس الإدارة السبب أو لآخر فإنه يصبح من حق المساهمين رفع هذه الدعوى بل تستطيع الجهة الإدارية المختصة وكل مساهم بمفرده مباشرة هذه الدعوى. ويقع باطلاً كل شرط في نظام الشركة يقضي بالتنازل عن الدعوى أو يعلق مباشرتها على إذن سابق من الجمعية العامة أو اتخاذ أي إجراء آخر (المادة 3/102 من القانون 159 لسنة 1981 وتحسبا لما قد يكون في مصادقة الجمعية العامة على أعمال مجلس الإدارة أو صدور قرار عنها من سقوط دعوى الشركة رغم ما اقترفه المجلس من أخطاء وما قد يحصله ذلك من إبراء الذمة مجلس الإدارة فقد نصت المادة 1/102 من القانون رقم 159 لسنة 1981 على أنه: "لا يترتب على أي قرار يصدر من الجمعية العامة سقوط دعوى المسئولية المدنية ضد أعضاء مجلس الإدارة بسبب الأخطاء التي تقع منهم في تنفيذ مهمتهم". إذا يمكن أن تتم موافقة الجمعية العامة دون علم بحقيقة ما اقترفه المجلس من غش أو تدليس أو تتم نتيجة لمجاملة أو تدخل لمجلس الإدارة حيث تسيء الأغلبية في الجمعية العامة إلى حقوق الأقلية . وسبق أن ذكرنا أن دعوى المسئولية المدنية تسقط بمضي سنة من تاريخ صدور الجمعية العامة بالمصادقة على تقرير مجلس الإدارة وذلك في حالة ما إذا كان الفعل الموجب للمسئولية قد عرض على الجمعية العامة بتقرير من مجلس الإدارة أو مراقب الحسابات. فإذا كان الفعل المنسوب إلى أعضاء مجلس الإدارة مكونة لجناية أو جنحة فإن دعوى المسئولية المدنية لا تسقط إلا بسقوط الدعوى العمومية (مادة 2/102 من القانون 159 لسنة 1981).
دعوى المسئولية المدنية المقامة من المساهم:
إذا لم تباشر الشركة دعوى المسئولية المدنية ضد أعضاء مجلس الإدارة السبب أو لآخر فقد استقر القضاء وأغلب الفقهاء على الاعتراف للمساهم بحق رفع دعوى الشركة سواء أثناء قيامها أو في فترة التصفية حتى يكفل الدفاع عن مصلحته فيها بعد ما أغفلت الشركة الدفاع عن نفسها بنفسها. والمساهم لا يرفع دعوى الشركة ضد أعضاء مجلس الإدارة بصفته نائباً عن الشركة كما أنه لا يستعمل الدعوى غير المباشرة التي يرفعها دائن الشركة باسم مدينه على مدين هذا المدين والتي تخول للدائن في هذه الحالة مقاضاة أعضاء مجلس الإدارة عن إهمالهم وخطئهم إذا قصرت الشركة في رفع الدعوى .
وإنما يرفع المساهم دعوى الشركة باسمه الشخصي فهي حق له ولا ينوب عن غيره في ممارسة هذا الحق غير أنه لا يحق له ممارسة هذا الحق إلا في حالة ما إذا أغفلت الشركة مباشرة الدعوى. ويشترط لقبول دعوى الشركة التي يرفعها المساهم عدة شروط نجملها فيما يلي :
1- يجب أن يكون رافع دعوى الشركة مساهم .
2- أن تقصر الشركة في رفع دعواها بواسطة وكلائها القانونيين أو تقصر في التصالح على مسئولية أعضاء مجلس الإدارة. على أن حق المساهم في الاستمرار في مباشرة دعوى الشركة تقفي إذا تدخلت الجمعية العامة بعد رفعها بتقرير براءة أعضاء مجلس الإدارة أو التصالح على مسئولياتهم .
3- أن يخطر المساهم الجمعية العامة برغبته في رفع دعوى الشركة ضد أعضاء مجلس الإدارة ولا يقتضي هذا الشرط حرمان المساهم من رفع دعوى الشركة ولا يجعل هذا الحق معلقاً على إذن الجمعية العامة وكل ما هنالك أن المساهم يلتزم بإخطار الجمعية العامة برغبته في ممارسة الدعوى دون أن يكلف بانتظار تعقيب الجمعية على ذلك.
ويحصل الإخطار بالكيفية المنصوص عليها في النظام الأساسي للشركة. فإذا لم يتضمن النظام نصة يبين كيفية الإخطار جاز الإخطار بموجب كتاب موصى عليه أو بورقة من أوراق المحضرين .
وجدير بالذكر أنه لا يجوز حرمان المساهم من حقه في مباشرة دعوى الشركة ضد أعضاء مجلس الإدارة سواء بنص في النظام الأساسي للشركة أو بقرار من الجمعية العامة للمساهمين ولا يجوز تعليق هذا الحق على إذن من الجمعية العامة أو على إجراء آخر.
دعوى المسئولية المدنية التي ترفع من الغير:
يحق لدائني الشركة رفع دعوى المسئولية المدنية ضد أعضاء مجلس الإدارة متى ثبت ارتكابهم لأعمال كان من شأنها الإضرار بهم أو المساس . بحقوقهم كما لو قام أعضاء مجلس الإدارة بتهريب جزء من رأس المال إضراراً بدائني الشركة أو قاموا بتوزيع أرباح صورية على المساهمين. ويجوز مباشرة هذه الدعوى التي ترتكز على خطأ تقصيري من قبل دائني الشركة بصفة منفردة أو من قبل جماعة حملة السندات .(الشركات التجارية ، الأستاذ/ حسن عبد الحليم عناية، دار محمود للنشر والتوزيع، طبعة 2018-2019 ، المجلد: الأول ، الصفحة : 282 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثالث عشر ، الصفحة / 118
تَقَادُمٌ
التَّعْرِيفُ:
التَّقَادُمُ لُغَةً: مَصْدَرُ تَقَادَمَ يُقَالُ: تَقَادَمَ الشَّيْءُ أَيْ: صَارَ قَدِيمًا. وَقَدْ عَبَّرَتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةُ عَنِ التَّقَادُمِ بِمُرُورِ الزَّمَانِ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ فِي الْجُمْلَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. التَّقَادُمُ الْمَانِعُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى:
لِوَلِيِّ الأَْمْرِ مَنْعُ الْقُضَاةِ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى فِي أَحْوَالٍ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْعُ سَمَاعِ الدَّعْوَى فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ بَعْدَ مُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَمَعَ أَنَّ الْحَقَّ لاَ يَسْقُطُ بِتَقَادُمِ الزَّمَانِ، إِلاَّ أَنَّ وَجْهَ هَذَا الْمَنْعِ هُوَ تَلاَفِي التَّزْوِيرِ وَالتَّحَايُلِ؛ لأَِنَّ تَرْكَ الدَّعْوَى زَمَانًا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ إِقَامَتِهَا، يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحَقِّ ظَاهِرًا.
وَعَدَمُ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى سُقُوطِ الْحَقِّ فِي ذَاتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ مَنْعِ الْقُضَاةِ عَنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى مَعَ بَقَاءِ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ يَلْزَمُهُ، وَلَوْ كَانَ التَّقَادُمُ مُسْقِطًا لِلْحَقِّ لَمْ يَلْزَمْهُ
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / العشرون، الصفحة / 270
دَعْوَى
التَّعْرِيفُ:
الدَّعْوَى فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنَ الاِدِّعَاءِ، مَصْدَرُ ادَّعَى، وَتُجْمَعُ عَلَى دَعَاوَى بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا.
وَلَهَا فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: الطَّلَبُ وَالتَّمَنِّي، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ). وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ، كَمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وَمِنْهَا: الزَّعْمُ. وَلاَ تُطْلَقُ الدَّعْوَى عَلَى الْقَوْلِ الْمُؤَيَّدِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ حَقًّا، وَصَاحِبُهُ مُحِقًّا لاَ مُدَّعِيًا، فَلاَ تُطْلَقُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لأَِنَّ مَا صَدَرَ عَنْهُ مَقْرُونٌ بِالْحُجَّةِ السَّاطِعَةِ، وَهِيَ الْمُعْجِزَةُ. وَكَانُوا يُسَمُّونَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ مُدَّعِيًا لِلنُّبُوَّةِ.
وَالدَّعْوَى فِي الاِصْطِلاَحِ: قَوْلٌ يَطْلُبُ بِهِ الإِْنْسَانُ إِثْبَاتَ حَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي أَوِ الْمُحَكَّمِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْقَضَاءُ:
الْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ: الْحُكْمُ. وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالإِْلْزَامُ بِهِ، وَفَصْلُ الْخُصُومَةِ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالْقَضَاءِ أَنَّ الدَّعْوَى طَلَبُ حَقٍّ، وَالْقَضَاءُ نَهْوِ الْحُكْمِ فِي هَذَا الطَّلَبِ وَالإِْلْزَامِ بِهِ.
التَّحْكِيمُ:
التَّحْكِيمُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ حَكَّمَ، يُقَالُ: حَكَّمُوهُ بَيْنَهُمْ: أَيْ فَوَّضُوهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ،
وَيُقَالُ: حَكَّمْنَا فُلاَنًا فِيمَا بَيْنَنَا أَيْ أَجَزْنَا حُكْمَهُ بَيْنَنَا.
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: تَوْلِيَةُ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا.
وَعَلَى هَذَا يَشْتَرِكُ التَّحْكِيمُ وَالدَّعْوَى فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَضَمَّنُ طَلَبَ الْفَصْلِ فِي الْخُصُومَةِ، وَيَخْتَلِفَانِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ، وَالأَْثَرُ، وَالْمَحَلُّ:
فَالتَّحْكِيمُ فِي حَقِيقَتِهِ عَقْدٌ مَبْنَاهُ عَلَى اتِّفَاقِ إِرَادَتَيْنِ، حَيْثُ يَكُونُ بِتَرَاضِي الْخُصُومِ عَلَى اخْتِيَارِ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا، وَلاَ يَصِحُّ بِإِرَادَةِ أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ. أَمَّا الدَّعْوَى فَهِيَ تَصَرُّفٌ قَوْلِيٌّ يَقُومُ بِهِ الْمُدَّعِي بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ.
وَلِلتَّحْكِيمِ أَثَرٌ إِنْشَائِيٌّ، حَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِنْشَاءُ وِلاَيَةٍ خَاصَّةٍ لِلْمُحَكَّمِ لَمْ تَكُنْ لَهُ قَبْلَ التَّحْكِيمِ، أَمَّا الدَّعْوَى فَلَيْسَ لَهَا مِثْلُ هَذَا الأَْثَرِ، إِذْ تُرْفَعُ إِلَى الْقَاضِي الَّذِي يَسْتَمِدُّ وِلاَيَتَهُ مِنْ عَقْدِ التَّوْلِيَةِ.
وَالتَّحْكِيمُ يَجُوزُ فِي الأَْمْوَالِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
أَمَّا الدَّعْوَى فَتَصِحُّ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ بِلاَ خِلاَفٍ.
الاِسْتِفْتَاءُ:
الاِسْتِفْتَاءُ طَلَبُ الإِْفْتَاءِ، وَالإِْفْتَاءُ هُوَ:
الإِْخْبَارُ عَنْ حُكْمِ الشَّارِعِ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ بِنَاءً عَلَى اسْتِقْرَاءِ الأَْدِلَّةِ وَاتِّبَاعِ مُقْتَضَيَاتِهَا. وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الاِسْتِفْتَاءَ هُوَ طَلَبُ بَيَانِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ.
وَتَخْتَلِفُ الدَّعْوَى عَنْهُ أَنَّ فِيهَا طَلَبَ إِلْزَامِ الْخَصْمِ بِحَقٍّ، فَتَقْتَضِي وُجُودَ خَصْمٍ يُطْلَبُ إِلْزَامُهُ بِالْحَقِّ، وَلَيْسَ فِي الاِسْتِفْتَاءِ طَلَبُ إِلْزَامٍ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ وُجُودُ خَصْمٍ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
لَمَّا كَانَتِ الدَّعْوَى فِي حَقِيقَتِهَا إِخْبَارًا يُقْصَدُ بِهِ طَلَبُ حَقٍّ أَمَامَ الْقَضَاءِ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، فَمِنَ الْبَدَهِيِّ أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً إِذَا كَانَتْ دَعْوَى كَاذِبَةً، وَكَانَ الْمُدَّعِي يَعْلَمُ ذَلِكَ، أَوْ يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي دَعْوَاهُ، فَهِيَ عِنْدَئِذٍ تَصَرُّفٌ مُبَاحٌ، فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ يَقْصِدُ بِهَا الضِّرَارَ، فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً، كَمَا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ غَرِيمَهُ لاَ يُنْكِرُ حَقَّهُ، وَأَنَّهُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِتَوْفِيَتِهِ إِيَّاهُ، فَيَرْفَعُ الدَّعْوَى لِلتَّشْهِيرِ بِهِ، فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً.
أَرْكَانُ الدَّعْوَى:
أَرْكَانُ الدَّعْوَى عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ هِيَ: الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمُدَّعَى، وَالْقَوْلُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الْمُدَّعِي يَقْصِدُ بِهِ طَلَبَ حَقٍّ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ يُمَثِّلُهُ. وَلِكُلِّ رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ الأَْرْكَانِ شُرُوطٌ خَاصَّةٌ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِيمَا بَعْدُ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ رُكْنُ الدَّعْوَى هُوَ التَّعْبِيرُ الْمَقْبُولُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْ إِنْسَانٍ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يَقْصِدُ بِهِ طَلَبَ حَقٍّ لَهُ أَوْ لِمَنْ يُمَثِّلُهُ، مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ: لِي عَلَى فُلاَنٍ أَوْ قِبَلَ فُلاَنٍ كَذَا، أَوْ قَضَيْتُ حَقَّ فُلاَنٍ، أَوْ أَبْرَأَنِي عَنْ حَقِّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الرُّكْنَ هَلْ هُوَ مُجَرَّدُ التَّعْبِيرِ الطَّلَبِيِّ مِنْ قَوْلٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ، أَوْ أَنَّهُ هُوَ مَدْلُولُ ذَلِكَ التَّعْبِيرِ، أَوْ أَنَّهُ كِلاَ الأَْمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى هَلْ رُكْنُ الدَّعْوَى هُوَ الدَّالُّ أَوِ الْمَدْلُولُ أَوْ كِلاَهُمَا؟ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْقْوَالِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والعشرون، الصفحة / 274
ذِمَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
الذِّمَّةُ فِي اللُّغَةِ تُفَسَّرُ بِالْعَهْدِ وَبِالأَْمَانِ كَتَسْمِيَةِ الْمُعَاهَدِ بِالذِّمِّيِّ، وَفُسِّرَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» بِالأَْمَانِ، وَالذِّمَّةُ أَيْضًا الضَّمَانُ، فَإِذَا قُلْتَ فِي ذِمَّتِي كَذَا يَكُونُ الْمَعْنَى فِي ضَمَانِي، وَتُجْمَعُ عَلَى ذِمَمٍ، كَسِدْرَةٍ وَسِدَرٍ.
وَأَمَّا الذِّمَّةُ فِي الشَّرْعِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهَا كَمَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْكُلِّيَّاتِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا وَصْفًا، وَعَرَّفَهَا: بِأَنَّهَا وَصْفٌ يَصِيرُ الشَّخْصُ بِهِ أَهْلاً لِلإِْيجَابِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَبِي زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّمَّةِ الْعَقْلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا ذَاتًا، وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وَلِهَذَا عَرَّفَهَا بِأَنَّهَا نَفْسٌ لَهَا عَهْدٌ، فَإِنَّ الإِْنْسَانَ يُولَدُ وَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَمِلْكُ النِّكَاحِ، وَيَلْزَمُهُ عُشْرُ أَرْضِهِ وَخَرَاجُهَا بِالإِْجْمَاعِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَهَا الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى الْعَهْدِ، وَاسْتَعْمَلَهَا بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ بِمَعْنَى أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ، وَجَاءَ فِي الْمُغْرِبِ أَنَّ الذِّمَّةَ تُطْلَقُ عَلَى مَحَلِّ الاِلْتِزَامِ كَقَوْلِهِمْ: ثَبَتَ فِي ذِمَّتِي، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ: هِيَ مَحَلُّ الضَّمَانِ وَالْوُجُوبِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هِيَ مَعْنًى يَصِيرُ بِسَبَبِهِ الآْدَمِيُّ عَلَى الْخُصُوصِ أَهْلاً لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ لَهُ وَعَلَيْهِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِلْتِزَامُ:
أَصْلُ الاِلْتِزَامِ اللُّزُومُ، وَمَعْنَى اللُّزُومِ فِي اللُّغَةِ الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ، يُقَالُ لَزِمَ الشَّيْءُ يَلْزَمُ لُزُومًا أَيْ ثَبَتَ وَدَامَ، وَلَزِمَهُ الْمَالُ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ: وَجَبَ حُكْمُهُ، وَأَلْزَمْتُهُ الْمَالَ وَالْعَمَلَ فَالْتَزَمَهُ، وَالاِلْتِزَامُ أَيْضًا الاِعْتِنَاقُ.
وَالاِلْتِزَامُ أَيْضًا: إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لاَزِمًا لَهُ، أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ قَبْلُ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى شَامِلٌ لِلْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ جَرَتْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالاَتُ الْفُقَهَاءِ حَيْثُ تَدُلُّ تَعْبِيرَاتُهُمْ عَلَى أَنَّ الاِلْتِزَامَ عَامٌّ فِي التَّصَرُّفَاتِ الاِخْتِيَارِيَّةِ، وَهِيَ تَشْمَلُ جَمِيعَ الْعُقُودِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُعَاوَضَاتُ وَالتَّبَرُّعَاتُ، وَهُوَ مَا اعْتَبَرَهُ الْحَطَّابُ اسْتِعْمَالاً لُغَوِيًّا.
قَالَ الْحَطَّابُ: وَالاِلْتِزَامُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ هُوَ إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا عَلَى شَيْءٍ، فَهُوَ بِمَعْنَى الْعَطِيَّةِ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَالْحَبْسُ (الْوَقْفُ) وَالْعَارِيَّةُ، وَالْعُمْرَى، وَالْعَرِيَّةُ، وَالْمِنْحَةُ، وَالإِْرْفَاقُ وَالإِْخْدَامُ، وَالإِْسْكَانُ، وَالنَّذْرُ، قَالَ الْحَطَّابُ فِي كِتَابِهِ تَحْرِيرِ الْكَلاَمِ: وَقَدْ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْتِزَامُ الْمَعْرُوفِ بِلَفْظِ الاِلْتِزَامِ.
وَالذِّمَّةُ أَعَمُّ مِنَ الاِلْتِزَامِ.
ب - الأَْهْلِيَّةُ:
الأَْهْلِيَّةُ هِيَ مَصْدَرٌ صِنَاعِيٌّ لِكَلِمَةِ أَهْلٍ، وَمَعْنَاهَا لُغَةً كَمَا فِي أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ: الصَّلاَحِيَّةُ وَيَتَّضِحُ تَعْرِيفُ الأَْهْلِيَّةِ فِي الاِصْطِلاَحِ مِنْ خِلاَلِ تَعْرِيفِ نَوْعَيْهَا: أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ وَأَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ، فَأَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ هِيَ صَلاَحِيَّةُ الإِْنْسَانِ لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَأَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ هِيَ صَلاَحِيَّةُ الإِْنْسَانِ لِصُدُورِ الْفِعْلِ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا.
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الذِّمَّةِ وَالأَْهْلِيَّةِ أَنَّ الأَْهْلِيَّةَ أَثَرٌ لِوُجُودِ الذِّمَّةِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْوُجُوبِ فِي الإِْنْسَانِ ذَاتُ عُنْصُرَيْنِ: -
أَحَدُهُمَا: قَابِلِيَّتُهُ لِثُبُوتِ الْحُقُوقِ لَهُ أَيْ صَلاَحِيَّتُهُ لِلإِْلْزَامِ.
الثَّانِي: قَابِلِيَّتُهُ لِثُبُوتِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ أَيْ صَلاَحِيَّتُهُ لِلاِلْتِزَامِ.
فَالْعُنْصُرُ الأَْوَّلُ يَثْبُتُ لِلشَّخْصِ مُنْذُ كَوْنِهِ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ وَلاَ يَسْتَدْعِي وُجُوبَ ذِمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ فِي شَخْصِهِ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُ لاَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا نَاحِيَةُ الاِلْتِزَامِ أَيْ نَاحِيَةُ ثُبُوتِ الْحَقِّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْعُنْصُرُ الثَّانِي مِنْ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَابِلِيَّةُ التَّحَمُّلِ بِأَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ عَلَيْهِ وَهَذَا لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بَعْدَ الْوِلاَدَةِ.
وَالثَّانِي: الذِّمَّةُ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ الشَّخْصِ مَحَلٌّ مُقَدَّرٌ لاِسْتِقْرَارِ تِلْكَ الْحُقُوقِ فِيهِ بِحَيْثُ تَشْغَلُهُ تِلْكَ الْحُقُوقُ حَالَ ثُبُوتِهَا وَيَفْرُغُ مِنْهَا حَالَ سُقُوطِهَا.
وَهَذَانِ الأَْمْرَانِ اللَّذَانِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِمَا تَصَوُّرُ الاِلْتِزَامِ هُمَا مُتَلاَزِمَانِ فِي الْوُجُودِ مُتَغَايِرَانِ فِي الْمَفْهُومِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّخْصِ أَهْلاً لِتَحَمُّلِ الْحُقُوقِ أَنْ يَكُونَ فِي شَخْصِهِ مُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ لَهَا وَبِالْعَكْسِ، فَمَتَى اعْتُبِرَتْ لِلشَّخْصِ أَهْلِيَّةُ التَّحَمُّلِ شَرْعًا اعْتُبِرَتْ لَهُ ذِمَّةٌ، وَلَكِنْ لَيْسَتْ تِلْكَ الأَْهْلِيَّةُ هِيَ الذِّمَّةَ نَفْسَهَا، بَلْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ مَا بَيْنَ مَعْنَى الْقَابِلِيَّةِ وَمَعْنَى الْمَحَلِّ.
ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ فِي الْعَلاَقَةِ بَيْنَ الذِّمَّةِ وَأَهْلِيَّةِ الْمُعَامَلَةِ أَنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَهُمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ، فَهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْحُرِّ الْبَالِغِ الْكَامِلِ الأَْهْلِيَّةِ فَيُقَالُ: هُوَ ذُو ذِمَّةٍ وَذُو أَهْلِيَّةٍ، وَتَنْفَرِدُ الذِّمَّةُ فِي الْعَبْدِ فَهُوَ ذُو ذِمَّةٍ وَلاَ أَهْلِيَّةَ لَهُ، وَتَنْفَرِدُ الأَْهْلِيَّةُ فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فَيُقَالُ هُوَ ذُو أَهْلِيَّةٍ وَلاَ ذِمَّةَ مُسْتَقِلَّةً لَهُ.
ج - الْعَهْدُ:
الْعَهْدُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الاِلْتِزَامِ وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الْوَصِيَّةُ، يُقَالُ عَهِدَ إِلَيْهِ يَعْهَدُ إِذَا أَوْصَاهُ، وَالْعَهْدُ: الأَْمَانُ وَالْمَوْثِقُ وَالذِّمَّةُ، وَالْعَهْدُ كُلُّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَا بَيْنَ الْعِبَادِ مِنَ الْمَوَاثِيقِ فَهُوَ عَهْدٌ، وَالْعَهْدُ: الْيَمِينُ يَحْلِفُ بِهَا الرَّجُلُ.
وَالْعَهْدُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنْ ذِي ذِمَّةٍ وَلِذَا سُمِّيَ الْعَهْدُ ذِمَّةً.
خَصَائِصُ الذِّمَّةِ:
تَخْتَصُّ الذِّمَّةُ بِأُمُورٍ:
الأَْوَّلُ: الذِّمَّةُ مِنْ صِفَاتِ الشَّخْصِيَّةِ الإِْنْسَانِيَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ، وَهِيَ الشَّخْصِيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَوْ مِنْ صِفَاتِ الشَّخْصِيَّةِ الْحُكْمِيَّةِ كَبَيْتِ الْمَالِ وَالْوَقْفِ.
الثَّانِي: الذِّمَّةُ مِنْ تَوَابِعِ الشَّخْصِيَّةِ، فَهِيَ تُلاَزِمُ الْعُنْصُرَ الثَّانِيَ مِنْ عُنْصُرَيْ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ عُنْصُرُ الاِلْتِزَامِ، وَهَذِهِ الأَْهْلِيَّةُ مَنَاطُهَا الصِّفَةُ الإِْنْسَانِيَّةُ، فَتُلاَزِمُ الإِْنْسَانَ مُنْذُ وُجُودِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ حَمْلاً فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَلاَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُ إِنْسَانٍ بِلاَ ذِمَّةٍ حَتَّى لَوْ كَانَتْ تِلْكَ الذِّمَّةُ فَارِغَةً أَيْ خَالِيَةً مِنَ الاِلْتِزَامِ.
الثَّالِثُ: لِكُلِّ شَخْصٍ ذِمَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَتِلْكَ الذِّمَّةُ لاَ تَتَعَدَّدُ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ وَلاَ يَجُوزُ الاِشْتِرَاكُ فِيهَا.
الرَّابِعُ: الذِّمَّةُ لاَ حَدَّ لِسَعَتِهَا فَهِيَ تَتَّسِعُ لِكُلِّ الدُّيُونِ مَهْمَا عَظُمَتْ؛ لأَِنَّ الذِّمَّةَ ظَرْفٌ اعْتِبَارِيٌّ يَتَّسِعُ لِكُلِّ الاِلْتِزَامَاتِ.
الْخَامِسُ: الذِّمَّةُ تَتَعَلَّقُ بِالشَّخْصِ لاَ بِأَمْوَالِهِ وَثَرْوَتِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُمَارَسَةِ أَعْمَالِهِ الْمَالِيَّةِ بِحُرِّيَّةٍ مُطْلَقَةٍ تُمَكِّنُهُ مِنْ سَدَادِ دُيُونِهِ، فَلَهُ التِّجَارَةُ وَالْبَيْعُ وَلَوْ كَانَ مَدِينًا بِأَكْثَرَ مِمَّا يَمْلِكُ، وَلَهُ وَفَاءٌ أَيْ دَيْنٌ مُتَقَدِّمٌ أَوْ مُتَأَخِّرٌ فِي الثُّبُوتِ، وَلاَ يَحِقُّ لِلدَّائِنِينَ الاِعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ كَالرَّهْنِ أَوِ الْحَجْرِ أَوِ التَّفْلِيسِ.
السَّادِسُ: الذِّمَّةُ ضَمَانٌ لِكُلِّ الْحُقُوقِ بِلاَ تَرْجِيحٍ وَلاَ يَقْتَضِي ذَلِكَ مَنْعَ الْمَدِينِ مِنَ التَّصَرُّفِ بِأَمْوَالِهِ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ الذِّمَّةَ لاَ حَدَّ لِسَعَتِهَا إِذْ هِيَ شَرْعًا مُسْتَقِلَّةٌ عَمَّا يَمْلِكُ صَاحِبُهَا فَتَتَسَاوَى فِيهَا الدُّيُونُ فِي الأَْصْلِ وَلاَ يَكُونُ سَبْقُ بَعْضِهَا فِي الثُّبُوتِ سَبَبًا لِتَرْجِيحِهِ، وَمَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الإِْنْسَانِ مِنْ حُقُوقٍ عَلَيْهِ لاَ يَتَقَيَّدُ وَفَاؤُهَا بِنَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِجُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ، فَالدُّيُونُ مَتَى اسْتَقَرَّتْ فِي الذِّمَّةِ بِسَبَبٍ صَحِيحٍ تَسَاوَتْ فِي احْتِرَامِهَا وَانْتَفَى التَّرْجِيحُ، وَإِلاَّ لَتَعَذَّرَ التَّعَامُلُ إِذْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْرِفَ مَا عَلَى مَنْ يُرِيدُ مُعَامَلَتَهُ مِنْ دُيُونٍ سَابِقَةٍ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ رُتْبَةِ دَيْنِهِ.
انْتِهَاءُ الذِّمَّةِ:
الذِّمَّةُ تَبْدَأُ مَعَ الشَّخْصِ مُنْذُ الْحَمْلِ بِهِ وَتَبْقَى مَعَهُ طِيلَةَ حَيَاتِهِ، فَإِذَا مَاتَ ذَلِكَ الشَّخْصُ فَإِنَّ تِلْكَ الذِّمَّةِ تَنْتَهِي إِذْ لاَ بَقَاءَ لَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي انْتِهَاءِ الذِّمَّةِ فَوْرًا بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الْمَوْتِ، أَوْ أَنَّ الْمَوْتَ يُضْعِفُهَا، أَوْ أَنَّ الذِّمَّةَ تَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ حَتَّى تُسْتَوْفَى الْحُقُوقُ مِنَ الْمَيِّتِ عَلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:
- الرَّأْيُ الأَْوَّلُ:
وَهُوَ رَأْيُ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ) أَنَّ الذِّمَّةَ تَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ حَتَّى تُصَفَّى الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّرِكَةِ فَيَصِحُّ لِلْمَيِّتِ اكْتِسَابُ حُقُوقٍ جَدِيدَةٍ بَعْدَ مَوْتِهِ كَانَ سَبَبًا لَهَا، كَمَنْ نَصَبَ شَبَكَةً لِلاِصْطِيَادِ فَوَقَعَ فِيهَا حَيَوَانٌ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ وَتَظَلُّ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ بَاقِيَةً بَعْدَ مَوْتِهِ حَتَّى تُسَدَّدَ دُيُونُهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» وَيُمْكِنُ أَنْ تُشْغَلَ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِدُيُونٍ جَدِيدَةٍ كَشَغْلِهَا بِثَمَنِ الْمَبِيعِ الَّذِي رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَبَبِ عَيْبٍ ظَهَرَ فِيهِ، وَكَالْتِزَامِهِ بِضَمَانِ قِيمَةِ مَا وَقَعَ فِي حُفْرَةٍ حَفَرَهَا الشَّخْصُ قَبْلَ مَوْتِهِ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ.
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْمَيِّتِ فَتَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ عَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ نَفْعُهُ بِهَا فِي قَضَاءِ دُيُونِهِ.
وَلاَ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ سَوَاءٌ أَعَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُتَصَوَّرُ لَهُ الْمِلْكُ، فَأَثَرُ الْمَوْتِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ يَقْتَصِرُ عَلَى عَدَمِ مُطَالَبَةِ الْمَيِّتِ بِالْحُقُوقِ، وَإِنَّمَا يُطَالَبُ وَرَثَتُهُ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ لأَِصْحَابِهَا.
الرَّأْيُ الثَّانِي:
وَهُوَ رَأْيُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَوْتَ لاَ يُنْهِي الذِّمَّةَ بَلْ يُضْعِفُهَا، وَعَلَى هَذَا الرَّأْيِ فَإِنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ تَبْقَى بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ لِتَصْفِيَةِ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّرِكَةِ الَّتِي لَهَا سَبَبٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَيِّتَ يُمْكِنُ أَنْ يَكْتَسِبَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِلْكًا جَدِيدًا كَمَا لَوْ نَصَبَ قَبْلَ الْمَوْتِ شَبَكَةً فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ، كَمَا أَنَّ الْمَيِّتَ يَلْتَزِمُ بِالدُّيُونِ الَّتِي تَسَبَّبَ بِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ كَرَدِّ الْمَبِيعِ الْمَعِيبِ عَلَيْهِ، وَالْتِزَامِهِ بِالثَّمَنِ، وَضَمَانِ مَا وَقَعَ فِي حُفْرَةٍ حَفَرَهَا فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ.
لَكِنْ لاَ تَصِحُّ كَفَالَةُ دَيْنٍ عَلَى مَيِّتٍ مُفْلِسٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ عِبَارَةٌ عَنِ الْفِعْلِ، وَالْمَيِّتَ عَاجِزٌ عَنِ الْفِعْلِ، فَكَانَتْ هَذِهِ كَفَالَةً بِدَيْنٍ سَاقِطٍ فَلاَ تَصِحُّ، كَمَا لَوْ كَفَلَ إِنْسَانًا بِدَيْنٍ وَلاَ دَيْنَ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَاتَ مَلِيئًا فَهُوَ قَادِرٌ بِنَائِبِهِ، وَكَذَا إِذَا مَاتَ عَنْ كَفِيلٍ؛ لأَِنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ فَتَصِحُّ كَفَالَةُ دَيْنِ الْمَيِّتِ؛ لأَِنَّ الْمَوْتَ لاَ يُنَافِي بَقَاءَ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّهُ مَالٌ حُكْمِيٌّ فَلاَ يَفْتَقِرُ بَقَاؤُهُ إِلَى الْقُدْرَةِ، وَلِهَذَا بَقِيَ إِذَا مَاتَ مَلِيئًا حَتَّى تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِهِ، وَكَذَا بَقِيَتِ الْكَفَالَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُفْلِسًا، وَإِذَا مَاتَ عَنِ الْكَفِيلِ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عَنْهُ بِالدَّيْنِ، فَكَذَا يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ عَنْهُ وَالتَّبَرُّعُ.
وَمِثْلُ الْكَفَالَةِ فِي هَذَا الْوَصِيَّةُ، فَإِنَّهَا لاَ تَصِحُّ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سَوَاءٌ أَعَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ أَمْ لاَ. خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ فَلَوْ أَوْصَى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لِلْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ؛ لأَِنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْوَصِيَّةِ فَلاَ يُزَاحِمُ الْحَيَّ الَّذِي هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، لَكِنْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ فَإِنَّ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ تَصِحُّ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ عَلِمَ بِمَوْتِهِ فَلاَ تَصِحُّ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمَيِّتِ لَغْوٌ.
الرَّأْيُ الثَّالِثُ:
وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَابِلَةِ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ الذِّمَّةَ تَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ؛ لأَِنَّهَا مِنْ خَصَائِصِ الشَّخْصِ الْحَيِّ، وَثَمَرَةُ الذِّمَّةِ صِحَّةُ مُطَالَبَةِ صَاحِبِهَا بِتَفْرِيغِهَا مِنَ الدَّيْنِ الشَّاغِلِ لَهَا، فَبِالْمَوْتِ يَخْرُجُ الشَّخْصُ عَنْ صَلاَحِيَّةِ الْمُطَالَبَةِ فَتَنْهَدِمُ الذِّمَّةُ.
وَعَلَى هَذَا إِنْ تُوُفِّيَ الشَّخْصُ الْمَدِينُ دُونَ أَنْ يَتْرُكَ مَالاً فَمَصِيرُ دُيُونِهِ السُّقُوطُ.
وَإِنْ تَرَكَ مَالاً تَعَلَّقَتِ الدُّيُونُ بِمَالِهِ. هَذَا وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ قَضَاءُ مَا عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ دَيْنٍ إِنْ لَمْ يَتْرُكْ مَالاً لَكِنْ يُسْتَحَبُّ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
مَسَائِلُ الْفِقْهِ وَفُرُوعُهُ وَالَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا الذِّمَّةُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، فَهِيَ مَنْثُورَةٌ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَفُصُولِهِ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهَا فِي الأَْبْوَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهَا وَغَيْرِهَا. وَيُنْظَرُ مَا يَتَّصِلُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي مُصْطَلَحِ: (أَهْلُ الذِّمَّةِ) وَمَا يَتَّصِلُ بِالذِّمَّةِ بِمَعْنَى الْعَهْدِ فِي مُصْطَلَحِ: (أَمَان، وَحَلِف، وَمُعَاهَدَة).
