فيما يتعلق بإدارة الشركة : (المواد من 53 إلي 102)
- حافظ المشروع علي مبدأ مشاركة العاملين في إدارة الشركة ، حيث نصت المادة (84) علي أن العاملين نصيب في إدارة الشركات المساهمة الخاضعة لأحكام المشروع ، وأن تحدد اللائحة التنفيذية طرق وقواعد وشروط اشتراك العاملين في الإدارة ، وأنه يجب أن ينص نظام الشركة علي إحدي طرق الاشتراك .
اللائحة التنفيذية لقانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة وشركات الشخص الواحد
أحكام مشتركة بين الجمعية العامة العادية وغير العادية
مادة 200 : نوعاً اجتماعات الجمعية العامة :
تعقد الجمعية العامة اجتماعات عادية أو غير عادية وذلك بحسب الموضوعان المعروضة عليها في جدول أعمالها ، وطبقاً لأحكام القانون واللائحة .
مادة 201 : موعد اجتماع الجمعية العامة ومكانه :
يكون انعقاد الجمعية العامة في الموعد المنصوص عليه في النظام ، أو في قرار دعوتها للانعقاد بحسب الأحوال ، وبمراعاة أحكام القانون وهذه اللائحة تعقد اجتماعات الجمعية العامة في المدينة التي يوجد بها مركز الشركة الرئيسي ما لم ينص نظام الشركة علي مدينة اخري مكاناً لانعقاد الجمعية .
مادة 202 : بيانات أخطار الدعوة لاجتماع الجمعية العامة :
يجب أن تتضمن إخطارات الدعوة إلى اجتماعات الجمعية العامة ما يأتي :
(أ) اسم الشركة وعنوان مركزها الرئيسي .
(ب) نوع الشركة ( مساهمة - توصية بالأسهم ) .
(ج) مقدار رأسمالها المرخص به والمصدر .
( د) رقم قيدها بالسجل التجاري ومكانه .
(هـ) تاریخ و ساعة انعقاد الجمعية ومكانه .
(و) بيان ما إذا كانت الجمعية عادية أوغير عادية .
(ز) جدول الأعمال ، على أن يتضمن بياناً كافياً للموضوعات المدرجة فيه ، دون الإحالة إلي اية اوراق اخري .
(ح) بیان تاريخ وساعة ومكان انعقاد الاجتماع الثاني في حالة عدم توافر الأصلي ، وذلك إذا كان الاجتماع عادياً وتضمن نظام الشركة ما يسمح بذلك .
مادة 203 : نشر الأخطار بدعوة الجمعية العامة :
يجب نشر الإخطار بدعوة الجمعية العامة للاجتماع مرتين في صحيفتين يوميتين لحسناها علي الأقل باللغة العربية ، على أن يتم النشر في المرة الثانية بعد انقضاء خمسة أيام علي الأقل من تاريخ نشر الإخطار الأول .
ويجوز للشركة التي لم تطرح أسهمها للاكتتاب العام عدم نشر الدعوة والاكتفاء بإرسال الأخطار بالدعوة إلى المساهمين على عناوينهم الثابتة بسجلات الشركة بطريق البريد المسجل ، كما يجوز أن تضع الشركة نظاما لتسليم الإخطارات باليد إلى المساهمين في مقابل إيصال .
ويتم النشر أو الاخطار قبل الموعد المقرر لاجتماع الجمعية الأول ب- (21) يوماً علي الأقل ، وقبل موعد الاجتماع الثاني في حالة عدم إكتمال النصاب بسبعة ايام علي الاقل .
وتكون مصروفات النشر والاخطار - في جميع الأحوال - علي نفقة الشركة وفي حالة عدم انعقاد الاجتماع الأول للجمعية العامة بسبب عدم تكامل النصاب تتم الدعوة إلى الاجتماع الثاني وفقاً للإجراءات السابقة .
مادة 204 : الجهات التي تخطر بدعوة الجمعية العامة للاجتماع :
تخطر كل من الهيئة و الإدارة ومراقب الحسابات والممثل القانوني لجماعة حملة السندات ، بصورة من البيانات والاخطارات التي ترسلها الشركة إلى المساهمين لحضور الجمعية العامة ، أو تنشر عنها ، وذلك في ذات تاريخ الإخطار أو الاعلان.
ويجب إرسال صورة من الميزانية وحساب الأرباح والخسائر وتقرير مجلس الإدارة لكل من الجهات المشار إليها في الفقرة السابقة وذلك مع صورة الأخطار بدعوة الجمعية العامة العادية المقرر نظر هذه الوثائق فيها .
مادة 205 : عدم جواز قيد أي نقل الملكية الأسهم حتى انفضاض الجمعية العامة :
لا يجوز قيد أي نقل لملكية الأسهم في سجلات الشركة من تاريخ نشر الدعوة إلى الاجتماع ، أو من تاريخ إرسالها إلي أصحاب الشأن حتى تاريخ انفضاض الجمعية العامة .
مادة 206 : جدول أعمال الاجتماع :
تحدد الجهة التي تدعو لاجتماع الجمعية العامة مواد جدول أعمالها ، ومع ذلك يجوز للمساهمين الذين لا يملكون (5%) على الأقل من أسهم الشركة أن يطلبوا إدراج بعض المسائل في جدول أعمال الجمعية العامة العادية وذلك بكتاب مسجل يوجه إلي مجلس ادارة الشركة او بتسليمه في مقر مجلس الإدارة مقابل إيصال ، علي أن يوضح في الطلب القرار المطلوب إصداره من الجمعية وأسبابه ، ويرفقوا به ما يفيد إيداع أسهمهم بمراكز الشركة أو احد البنوك المعتمدة ، مع التعهد بعدم سحب هذه الأسهم إلا بعد انفضاض الجمعية العامة التي تنظر الطلب .
ويجب إن يقدم الطلب قبل الموعد المقرر للانعقاد الأول للجمعية بعشرة ايام علي الاقل ، ويجب إن تضاف مشروعات القرارات المطلوب إصدارها إلى جدول الأعمال ، وتطرح للتصويت عليها بالجمعية .
ويجب ألا تقل النسبة المشار إليها في الفقرة الأولي عن (10%) في حالة طلب إدراج و مسائل في جدول اجتماع الجمعية العامة غير العادية.
مادة 207 : قصر المداولة على مسائل جدول الأعمال :
لا يجوز للجمعية العامة المداولة في غير المسائل المدرجة في جدول الأعمال ، ومع ذلك يكون للجمعية حق المداولة في الوقائع الخطيرة التي تتكشف أثناء الاجتماع .
ولا يجوز تغيير المسائل المدرجة في جدول الأعمال إذا تم تأجيل الاجتماع إلى موعد آخر بسبب عدم اكتمال النصاب .
مادة 208 : صفة حضور الجمعية العامة :
يكون حضور المساهمين للجمعية العامة بالأصالة أو النيابة ، ويشترط لصحة الإنابة أن تكون ثابتة بموجب توكيل أو تفويض كتابي .
ولا يجوز للمساهم من غير أعضاء مجلس الإدارة أن ينيب عنه أحد أعضاء مجلس الإدارة ، ومع ذلك يجوز لأعضاء مجلس الإدارة أن ينيبوا بعضهم في حضور الجمعية العامة مع مراعاة نصاب مجلس الإدارة المقرر حضوره لصحة اجتماع الجمعية العامة ، ويعتبر حضور الولي الطبيعي أو الوصي وممثل الشخص الاعتباري حضوراً للأصول .
ويجوز أن يكون التوكيل أو التفويض المشار إليهما في الفقرة العميقة لحضور اجتماع واحد أو أكثر من اجتماع الجمعية العامة ، ومع ذلك يكون التوكيل أو التفويض الصادر الحضور اجتماع معين صالحاً لحضور الاجتماع الذي يؤجل إليه لعدم تكامل النصاب .
كما يجوز أن يكون النائب أحد أمناء الحفظ أو الملاك المسجلين وفقاً لأحكام قانون الإيداع والقيد المركزي للأوراق المالية .
ويجوز أن ينص النظام على وضع حد أعلي لعدد الأصوات التي يمثلها المساهم في اجتماع الجمعية العامة سواء بوصفه أصيلاً أو نائباً عن الغير .
مادة 209 : إثبات حضور المساهمين :
يثبت حضور المساهمين اجتماعات الجمعيات العامة في سجل تدرج فيه البيانات الآتية :
1- الاسم الثلاثي لكل مساهم حضر الجمعية بنفسه ، ومحل إقامته ، وعدد الأسهم التي يحوزها ، وعدد الأصوات التي تخولها له .
2- الاسم الثلاثي لكل مساهم مثل بالجمعية بواسطة نائب ، ومحل إقامته ، وعدد
الأسهم التي يحوزها ، وعدد الأصوات التي تخولها له .
3- الاسم الثلاثي لكل نائب حضر عن غيره ، ومحل إقامته ، وعدد الأسهم التي يمثلها ، وعدد الأصوات التي تخولها له هذه الأسهم .
ويجب قبل بداية الاجتماع - إن يوقع علي هذا السجل كل من مراقبي الحسابات وجامعي الأصوات ، كما تحتفظ الشركة بسندات النيابة عن المساهمين سواء كانت توكيلات أو قرارات وصاية أو غير ذلك لمدة لا تقل عن سنة .
مادة 210 : حضور مجلس الادارة الاجتماعات الجمعية العامة :
يجب أن يحضر اجتماعات الجمعية العامة مجلس الادارة بالنصاب المنصوص عليه بالمادة (60) من القانون .
وفي شركات التوصية بالأسهم يجب أن يحضر أحد الشركاء المديرين علي الأقل ، ومجلس المراقبة بالعدد الواجب توافره لصحة انعقاد جلساته ، وكذلك يجب حضور مراقب الحسابات أو من ينيبه من المحاسبين الذين أشتركوا معه في المراجعة ، للتأكد من صحة الإجراءات التي اتبعت في الدعوة إلى الاجتماع والقيام بالمهام الأخرى المحددة بالقانون وهذه اللائحة .
ويحق للجهات الإدارية المشار إليها في المادة (204) من هذه اللائحة ايفاي مندوب عنها لحضور الجمعية .
كما يكون للممثل القانوني لجماعة حملة السندات على حضور الجمعية العامة .
مادة 211 : رئاسة الجمعية العامة :
يرأس الجمعية العامة رئيس مجلس الادارة أو أحد الشركاء المديرين يعينه نظام الشركة بحسب الأحوال .
واستثناء من ذلك ، إذا تمت الدعوة إلى الاجتماع بناءً علي طلب شخص أو جهة غير رئيس مجلس الإدارة أو مجلس الادارة في الشركاء المديرين أو الإدارة العامة للشركات بحسب الأحوال ، رأس الإجتماع الشخصي أو على الجهة التي دعت إلى الإجتماع - أو مدير عام الإدارة العامة للشركات أو من ينيبه في حالة الدعوة الموجهة من اللجنة المنصوص عليها في المادة (18) من القانون ويهدد النظام من تكون له الرياسة عند غياب رئيس الجمعية العامة ، وفي حالة عدم وجود نص تنتخب الجمعية العامة من الحاضرين رئيساً للاجتماع .
مادة 212 : تعیین امین السير وجامعى الأصوات :
يعين رئيس الجمعية في بداية الاجتماع أمين سر الجمعية وجامعي أصوات ، علي أن تقر الجمعية العامة تعيينهم ، ويجوز إن يتم تعيينهم من غير المساهمين إذا لم يشترط النظام خلاف ذلك .
ويطلب الرئيس من مراقب الحساسات وجامعى الأصوات تعيين نسبة حضور المساهمين وإثبات ذلك في سجل الحضور والتوقيع عليه ثم يعلنه الرئيس .
مادة 213 : حكم تكامل النصاب وعدمه :
إذا تكامل نصاب الحضور المنصوص عليه في النظام ، بدأت الجمعية العامة في نظر جدول الأعمال وفي حالة عدم تكامل النصاب ، يحرر محضر بذلك ويوقعه رئيس الاجتماع وأمين السر وجامعي الأصوات ، ويعلن الرئيس تأجيل الاجتماع إلي الموعد المقرر للاجتماع الثاني .
مادة 214 : محضر مناقشات الجمعية :
يجب أن يتضمن محضر مناقشات الجمعية العامة - بالاضافة إلى البيانات المنصوص عليها بالمادة (75) من القانون - بيان من حضر الجمعية من غير أعضاء الجمعية ، سواء ممثلو الجهات الادارية المختصة او الممثل لجماعة حملة السندات أو غيرهم وان يثبت بالمحضر بيان الملاحظات التي أبدوها في الاجتماع .
ويوقع علي المحضر كل من رئيس الجلسة وأمين السر وجامعي الأصوات ومراقب الحسابات كما يجب إرسال صورة من محضر الاجتماع إلى الهيئة العامة لسوق المال والإدارة العامة للشركات والممثل القانوني لجماعة حملة السندات خلال شهر على الأكثر من تاريخ انعقاد الجمعية .
إثبات حضور المساهمين :
يثبت حضور المساهمين في اجتماعات الجمعيات العامة في سجل تدرج فيه البيانات الخاصة بالاسم الثلاثي لكل مساهم حضر الاجتماع بنفسه، ومحل إقامته وعدد الأسهم التي يحوزها وعدد الأصوات التي تخولها له. كذلك يثبت الاسم الثلاثي لكل مساهم مثل بالاجتماع بواسطة نائب مع ذكر محل إقامته وعدد أسهمه التي يحوزها وعدد الأصوات التي تخولها له. وعلى كل نائب حضر عن غيره إثبات ذلك مع ذكر اسمه الثلاثي ومحل إقامته وعدد الأسهم التي يمثلها وأصواتها.
ويلزم كل من مراقبي الحسابات وجامعي الأصوات بالتوقيع على السجل قبل بداية الاجتماع، كما تحتفظ الشركة بسندات النيابة عن المساهمين سواء كانت توكيلات أو قرارات وصاية أو غير ذلك لمدة سنة على الأقل.
رئاسة الجمعية العامة :
يرأس الجمعية العامة رئيس مجلس الإدارة أو أحد الشركاء المديرين يعينه نظام الشركة بحسب الأحوال (المادة 211 من اللائحة التنفيذية).
واستثناء من ذلك، إذا تمت الدعوة إلى الاجتماع بناء على طلب شخص أو جهة غير رئيس مجلس الإدارة أو مجلس الإدارة أو الشركاء المديرين أو الهيئة العامة للاستثمار بحسب الأحوال، رأس الاجتماع الشخص أو ممثل الجهة التي دعت للاجتماع.
ويحدد النظام من تكون له الرئاسة عند غياب رئيس الجمعية العامة، ، وفي حالة عدم وجود نص تنتخب الجمعية العامة من بين الحاضرين رئيساً للاجتماع.
ويعين رئيس الجمعية في بداية الاجتماع أمين سر الجمعية، وجامعي أصوات، على أن تقر الجمعية العامة تعينهم، ويجوز أن يتم تعيينهم من غير المساهمين إذا لم يشترط النظام غير ذلك.
ويطلب الرئيس من مراقب الحسابات وجامعي الأصوات تعيين نسبة حضور المساهمين وإثبات ذلك في سجل الحضور والتوقيع عليه ثم يعلنه الرئيس (المادة 212 من اللائحة).
وإذا تكامل نصاب الحضور المنصوص عليه بنظام الشركة، بدأت الجمعية العامة في نظر جدول الأعمال.
وفي حالة عدم تكامل النصاب، يحرر محضر بذلك ويوقعه الرئيس وأمين السر وجامع الأصوات ويعلن الرئيس تأجيل الاجتماع إلى الموعد المقرر للاجتماع الثاني (المادة 213 من اللائحة).
ويجب أن يوقع على المحضر كل من رئيس الجلسة وأمين السر وجامعى الأصوات ومراقب الحسابات كما يجب إرسال صورة من محضر الاجتماع إلى الهيئة العامة للرقابة المالية والهيئة العامة للاستثمار بالإضافة إلى الممثل القانوني لجماعة حملة السندات خلال شهر على الأكثر من تاريخ انعقاد الجمعية، وقضت محكمة استئناف القاهرة بأنه «لا ريب أن صورة محضر الجمعية العمومية التي يكتبها أحد المديرين ويعتبرها مطابقة للحقيقة، تعتبر باطلاً من أساسها لأنه كان يتعين عليه أن يعقد جمعية صحيحة يوقع على محضر أعمالها من رئيس الجلسة ومن سكرتيرها الذي تختاره، وتثبت فيه عمليتي التصديق والفرز والأشخاص القائمين على العمليتين إلى غير ذلك من البيانات الواجب توافرها في محضر الجمعية العمومية والتي تثبت صحة ذلك المحضر» .
محضر مناقشات الجمعية العامة :
وفقاً للمادة (75) من القانون يجب أن يحرر محضر بخلاصة وافية لجميع مناقشات الجمعية العامة، وبكل ما يحدث أثناء الاجتماع، وإثبات نصاب الحضور والقرارات التي اتخذت في الجمعية وعدد الأصوات التي وافقت عليها أو خالفتها، وكذلك إثبات كل ما يطلب المساهمون إثباته في المحضر.
كما تسجل أسماء الحضور من المساهمين في سجل خاص يثبت فيه حضورهم وما إذا كان بالأصالة أو بالوكالة، ويوقع هذا السجل قبل بداية الاجتماع من كل من مراقبي الحسابات وجامعى الأصوات كما سبق القول.
وتدون محاضر اجتماعات الجمعية العامة بصفة منتظمة عقب كل جلسة في دفتر خاص، ويتبع في مسك هذه الدفاتر والسجلات الأحكام الخاصة بالدفاتر التجارية من حيث وجوب أن تكون خالية من كل فراغ أو بياض او كتابة في الحواشي أو كشط أو تحشير.
ويجب أن تكون صفحات هذين الدفترين مرقومة بالتسلسل ويتعين قبل استعمالها أن تختم كل ورقة منها بخاتم مصلحة الشهر العقاري والتوثيق ويوقع عليها من الموثق المختص. ويكون إثبات الترقيم ووضع خاتم مصلحة الشهر والتوثيق على النحو السالف الذكر ثابت التاريخ في صدر كل صفحة دفتر قبل استعماله.
ولا يجوز تسجيل دفتر جديد إلا بعد تقديم الدفتر السابق للموثق المختص ليؤشر بإقفاله وإثبات ذلك في السجلات المعدة لذلك بالمصلحة.
وتسري هذه الأحكام الخاصة بالتوثيق على سجل المساهمين وسجل حضور الجمعية العامة كما تسري أيضا على الدفاتر المحاسبية الأصلية والمساعدة. ويلزم المشرع الشركة بناءً على المادة ( 75 / 7) من القانون بضرورة الاحتفاظ بجميع المستندات المؤيدة لما ورد بالدفاتر والسجلات.
وينص القانون يكون الموقعون على محاضر الاجتماعات مسئولین عن صحة بيانات دفترى الجمعية المشار إليهما ويسأل من يكون منهم من أعضاء مجلس الإدارة عن مطابقتها لما ينص عليه القانون ونظام الشركة (المادة 75 / 8 من القانون).
ويلزم المشرع الشركة بإرسال صورة من محضر اجتماع الجمعية العامة للجهة الإدارية المختصة خلال شهر على الأكثر من تاريخ انعقادها (المادة 75 / 9 من القانون).
وتضيف اللائحة التنفيذية إلى هذه الأحكام ضرورة أن يتضمن محضر مناقشات الجمعية العامة بيان من حضر الجمعية من غير أعضاء الجمعية، سواء ممثلو الجهات الإدارية المختصة أو الممثل لجماعة حملة السندات أو غيرهم وأن يثبت بالمحضر بيان الملاحظات التي أبدوها في الاجتماع (المادة 214 من اللائحة التنفيذية).
وتكون القرارات الصادرة من الجمعية العامة المكونة تكويناً صحيحاً والمنعقدة طبقاً للقانون ونظام الشركة ملزمة لجميع المساهمين سواء كانوا حاضرين الاجتماع الذي صدرت فيه هذه القرارات أو غائبين أو مخالفين، وعلى مجلس الإدارة تنفيذ قرارات الجمعية العامة (المادة 71 / 2 من القانون). (الشركات التجارية للدكتورة / سميحة القليوبي، الطبعة السابعة، 2016، دار النهضة العربية ، الصفحة : 931)
محضر مناقشات الجمعية العامة :
وفقاً لنص المادة 75 من القانون رقم 159 لسنة 1981 يجب أن يحرر محضر بخلاصة وافية لجميع مناقشات الجمعية العامة وبكل ما يحدث أثناء الاجتماع وإثبات نصاب الحضور والقرارات التي اتخذت في الجمعية وعدد الأصوات التي وافقت عليها أو خالفتها، وكذلك كل ما يطلب المساهمون إثباته في المحضر .
وتسجل أسماء الذين حضروا من المساهمين في سجل خاص يثبت فيه حضورهم، وما إذا كان بالأصالة أو بالوكالة، ويجب أن يوقع هذا السجل مراقب الحسابات وجامعو الأصوات قبل بداية الاجتماع. وتدون محاضر اجتماعات الجمعية العامة بصفة منتظمة عقب كل جلسة في دفتر خاص ويتبع في مسك هذه الدفاتر والسجلات الأحكام الخاصة بالدفاتر الجارية من حيث وجوب أن تكون هذه الدفاتر خالية من كل فراغ أو بياض أو كتابة في الحواشي أو كشط أو تحشير.
كما يجب أن تكون صفحات هذين الدفترين مرقومة بالتسلسل، ويتعين قبل استعمالها أن تختم كل ورقة منها بخاتم مصلحة الشهر العقاري والتوثيق ويوقع عليها من الموثق المختص. ويكون إثبات الترقيم ووضع خاتم مصلحة الشهر العقاري والتوثيق ثابت التاريخ في صدر كل صفحة قبل استعماله، ولا يجوز تسجيل دفتر جديد إلا بعد تقديم الدفتر السابق للموثق المختص ليؤشر بإقفاله وإثبات ذلك في السجلات المعدة لذلك بالمصلحة. ويكون الموقعون على محاضر الاجتماعات مسئولين عن صحة بيانات دفتري الجمعية المشار إليها، ويسأل من يكون منهم من أعضاء مجلس الإدارة عن مطابقتها لما ينص عليه القانون ونظام الشركة، وهذه الأحكام السابق الإشارة إليها تسري على سجل المساهمين، وسجل حضور الجمعية العامة، وتسرى. أيضاً على الدفاتر المحاسبية الأصلية والمساعدة.
ويلزم المشرع في المادة 7 / 75 من القانون 159 لسنة 1981 بضرورة الاحتفاظ جميع المستندات المؤيدة لما ورد بالدفاتر والسجلات، وأيضاً يجب إرسال صورة من محضر اجتماع الجمعية العامة للجهة الإدارية المختصة الإدارة العامة للشركات) خلال شهر على الأكثر من تاريخ انعقادها (المادة 9 / 75 من القانون 159 لسنة 1981).
وتكون القرارات الصادرة من الجمعية العامة المكونة تكوين صحيحاً والمنعقدة طبقا للقانون ونظام الشركة ملزمة لجميع المساهمين، سواء كانوا حاضرين الاجتماع الذي صدرت فيه هذه القرارات أو غائبين أو مخالفين، وعلى مجلس الإدارة تنفيذ قرارات الجمعية العامة (مادة 2 / 71 من القانون 159 لسنة 1981).(الشركات التجارية ، الأستاذ/ حسن عبد الحليم عناية ، دار محمود للنشر والتوزيع، طبعة 2018-2019 ، المجلد: الأول ، الصفحة : 239 )
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الرابع عشر ، الصفحة / 134
تَوْثِيقٌ
التَّعْرِيفُ:
التَّوْثِيقُ لُغَةً: مَصْدَرُ وَثَّقَ الشَّيْءَ إِذَا أَحْكَمَهُ وَثَبَّتَهُ، وَثُلاَثِيُّهُ وَثُقَ. يُقَالُ وَثُقَ الشَّيْءُ وَثَاقَةً: قَوِيَ وَثَبَتَ وَصَارَ مُحْكَمًا.
وَالْوَثِيقَةُ مَا يُحْكَمُ بِهِ الأَْمْرُ، وَالْوَثِيقَةُ: الصَّكُّ بِالدَّيْنِ أَوِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ، وَالْمُسْتَنَدُ، وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى وَالْجَمْعُ وَثَائِقُ. وَالْمُوَثِّقُ مَنْ يُوَثِّقُ الْعُقُودَ، وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّزْكِيَةُ وَالتَّعْدِيلُ:
التَّزْكِيَةُ:
التَّزْكِيَةُ: الْمَدْحُ وَالثَّنَاءُ، يُقَالُ: زَكَّى فُلاَنٌ بَيِّنَتَهُ أَيْ مَدَحَهَا، وَتَزْكِيَةُ الرَّجُلِ نِسْبَتُهُ إِلَى الزَّكَاءِ وَهُوَ الصَّلاَحُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الإِْخْبَارُ بِعَدَالَةِ الشَّاهِدِ.
وَالتَّعْدِيلُ مِثْلُهُ وَهُوَ نِسْبَةُ الشَّاهِدِ إِلَى الْعَدَالَةِ .
فَالتَّزْكِيَةُ وَالتَّعْدِيلُ تَوْثِيقٌ لِلأَْشْخَاصِ لِيُؤْخَذَ بِأَقْوَالِهِمْ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّوْثِيقُ أَعَمُّ لأَِنَّهُ يَشْمَلُ التَّزْكِيَةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ وَغَيْرِهِمَا.
الْبَيِّنَةُ:
الْبَيِّنَةُ مِنْ بَانَ الشَّيْءُ إِذَا ظَهَرَ، وَأَبَنْتُهُ: أَظْهَرْتُهُ، وَالْبَيِّنَةُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ، وَسَمَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الشُّهُودَ بَيِّنَةً لِوُقُوعِ الْبَيَانِ بِقَوْلِهِمْ وَارْتِفَاعِ الإِْشْكَالِ بِشَهَادَتِهِمْ وَعَلَى ذَلِكَ فَالتَّوْثِيقُ أَعَمُّ مِنَ الْبَيِّنَةِ لأَِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْبَيِّنَةَ وَالرَّهْنَ وَالْكَفَالَةَ.
التَّسْجِيلُ:
هُوَ الإِْثْبَاتُ فِي السِّجِلِّ وَهُوَ كِتَابُ الْقَاضِي وَنَحْوِهِ.
وَفِي الدُّرَرِ: الْمَحْضَرُ: مَا كُتِبَ فِيهِ مَا جَرَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ وَالْحُكْمِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ عَلَى وَجْهٍ يَرْفَعُ الاِشْتِبَاهَ، وَالصَّكُّ: مَا كُتِبَ فِيهِ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ وَالإِْقْرَارُ وَغَيْرُهَا. وَالْحُجَّةُ وَالْوَثِيقَةُ يَتَنَاوَلاَنِ الثَّلاَثَةَ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمَحَاضِرُ: مَا يُكْتَبُ فِيهَا قِصَّةُ الْمُتَحَاكِمَيْنِ عِنْدَ حُضُورِهِمَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَمَا جَرَى بَيْنَهُمَا وَمَا أَظْهَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ حُجَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَنْفِيذٍ وَلاَ حُكْمٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَالسِّجِلاَّتُ: الْكُتُبُ الَّتِي تَجْمَعُ الْمَحَاضِرَ وَتَزِيدُ عَلَيْهَا بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ وَإِمْضَائِهِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَالتَّسْجِيلُ هُوَ إِثْبَاتُ الأَْحْكَامِ الَّتِي يَص ْدُرُهَا الْقَاضِي وَتَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ. فَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوْثِيقِ.
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّوْثِيقِ:
فِي التَّوْثِيقِ مَنْفَعَةٌ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: صِيَانَةُ الأَْمْوَالِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِصِيَانَتِهَا وَنُهِينَا عَنْ إِضَاعَتِهَا.
وَالثَّانِي: قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ فَإِنَّ الْوَثِيقَةَ تَصِيرُ حُكْمًا بَيْنَ الْمُتَعَامِلَيْنِ وَيَرْجِعَانِ إِلَيْهَا عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ فَتَكُونُ سَبَبًا لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ وَلاَ يَجْحَدُ أَحَدُهُمَا حَقَّ صَاحِبِهِ مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ الْوَثِيقَةُ وَتَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَيَنْفَضِحَ أَمْرُهُ بَيْنَ النَّاسِ.
وَالثَّالِثُ: التَّحَرُّزُ عَنِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ لأَِنَّ الْمُتَعَامِلَيْنِ رُبَّمَا لاَ يَهْتَدِيَانِ إِلَى الأَْسْبَابِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعَقْدِ لِيَتَحَرَّزَا عَنْهَا فَيَحْمِلُهُمَا الْكَاتِبُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا رَجَعَا إِلَيْهِ لِيَكْتُبَ.
وَالرَّابِعُ: رَفْعُ الاِرْتِيَابِ فَقَدْ يُشْتَبَهُ عَلَى الْمُتَعَامِلَيْنِ إِذَا تَطَاوَلَ الزَّمَانُ مِقْدَارُ الْبَدَلِ وَمِقْدَارُ الأَْجَلِ فَإِذَا رَجَعَا إِلَى الْوَثِيقَةِ لاَ يَبْقَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا رِيبَةٌ.
وَهَذِهِ فَوَائِدُ التَّوْثِيقِ بِالتَّسْجِيلِ، وَهُنَاكَ تَوْثِيقٌ بِالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ لِحِفْظِ الْحَقِّ.
حُكْمُ التَّوْثِيقِ:
تَوْثِيقُ التَّصَرُّفَاتِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ لاِحْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَيْهِ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ خَشْيَةَ جَحْدِ الْحُقُوقِ أَوْ ضَيَاعِهَا.
وَالأَْصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّوْثِيقِ مَا وَرَدَ مِنْ نُصُوصٍ، فَفِي مَسَائِلِ الدَّيْنِ
جَاءَ قوله تعالى : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَإِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهَ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ).
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الأَْمْرِ بِالْكِتَابَةِ وَالإِْشْهَادِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
الأَْوَّلِ: أَنَّ الأَْمْرَ لِلنَّدْبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَْمْرَ بِالْكِتَابَةِ وَالإِْشْهَادِ فِي الْمُبَايَعَاتِ وَالْمُدَايَنَاتِ لَمْ يَرِدْ إِلاَّ مَقْرُونًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ).
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الأَْمْنَ لاَ يَقَعُ إِلاَّ بِحَسَبِ الظَّنِّ وَالتَّوَهُّمِ لاَ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا أُمِرَ بِهَا لِطُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ لاَ لِحَقِّ الشَّرْعِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِحَقِّ الشَّرْعِ مَا قَالَ: ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، وَلاَ ثِقَةَ بِأَمْنِ الْعِبَادِ، إِنَّمَا الاِعْتِمَادُ عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّرْعُ مَصْلَحَةً، فَالشَّهَادَةُ مَتَى شُرِعَتْ فِي النِّكَاحِ لَمْ تَسْقُطْ بِتَرَاضِيهِمَا وَأَمْنِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الأَْمْرَ بِالْكِتَابَةِ وَالإِْشْهَادِ مَنْدُوبٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ شُرِعَ لِلطُّمَأْنِينَةِ.
كَذَلِكَ جَاءَ قوله تعالى : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) عَقِبَ قَوْلِهِ: ( وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَتْرُكَ الرَّهْنَ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الشَّهَادَةِ جَازَ تَرْكُ الإِْشْهَادِ.
وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ». «وَاشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سَرَاوِيلَ وَمِنْ أَعْرَابِيٍّ فَرَسًا فَجَحَدَهُ الأَْعْرَابِيُّ حَتَّى شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَشْهَدَ فِي ذَلِكَ، «وَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِْشْهَادِ، وَأَخْبَرَهُ عُرْوَةُ أَنَّهُ اشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ تَرْكَ الإِْشْهَادِ»، «وَكَانَ الصَّحَابَةُ رضوان الله عليهم يَتَبَايَعُونَ فِي عَصْرِهِ فِي الأَْسْوَاقِ، فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالإِْشْهَادِ، وَلاَ نُقِلَ عَنْهُمْ فِعْلُهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم».
وَقَدْ نَقَلَتِ الأُْمَّةُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ عُقُودَ الْمُدَايَنَاتِ وَالأَْشْرِبَةِ وَالْبِيَاعَاتِ فِي أَمْصَارِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ مَعَ عِلْمِ فُقَهَائِهِمْ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ الإِْشْهَادُ وَاجِبًا لَمَا تَرَكُوا النَّكِيرَ عَلَى تَارِكِهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْهُ نَدْبًا.
ثُمَّ إِنَّ الْمُبَايَعَةَ تَكْثُرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَغَيْرِهَا، فَلَوْ وَجَبَ الإِْشْهَادُ فِي كُلِّ مَا يَتَبَايَعُونَهُ أَمْضَى إِلَى الْحَرَجِ الْمَحْطُوطِ عَنَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
فَآيَةُ الْمُدَايَنَاتِ الأَْمْرُ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ لِلإِْرْشَادِ إِلَى حِفْظِ الأَْمْوَالِ وَالتَّعْلِيمِ، كَمَا أَمَرَ بِالرَّهْنِ وَالْكِتَابَةِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ صَرَّحَ بِذَلِكَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَأَبُو أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَإِسْحَاقُ، وَجُمْهُورُ الأُْمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
الثَّانِي: أَنَّ الأَْمْرَ لِلْوُجُوبِ فَالإِْشْهَادُ فَرْضٌ لاَزِمٌ يَعْصِي بِتَرْكِهِ لِظَاهِرِ الأَْمْرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مُحْكَمَةٌ وَمَا فِيهَا نَسْخٌ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضى الله تعالى عنهما إِذَا بَاعَ بِنَقْدٍ أَشْهَدَ وَلَمْ يَكْتُبْ، وَإِذَا بَاعَ بِنَسِيئَةٍ كَتَبَ وَأَشْهَدَ.
قَالَ بِذَلِكَ الضَّحَّاكُ، وَعَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
وَقَدْ يَكُونُ التَّوْثِيقُ وَاجِبًا بِالاِتِّفَاقِ كَتَوْثِيقِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الإِْشْهَادَ فِيهِ وَاجِبٌ سَوَاءٌ أَكَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ كَمَا يَقُولُ الْجُمْهُورُ أَمْ عِنْدَ الدُّخُولِ كَمَا يَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ - وَالأَْصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ». فَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةً إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْوَطْءِ.
وَقَدْ يَكُونُ التَّوْثِيقُ مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا، وَذَلِكَ كَالإِْشْهَادِ عَلَى الْعَطِيَّةِ لِلأَْوْلاَدِ إِنْ حَصَلَ فِيهَا تَفَاوُتٌ. إِذِ اعْتَبَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مَكْرُوهًا وَاعْتَبَرَهُ بَعْضُهُمُ الآْخَرُ حَرَامًا وَذَلِكَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضى الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلاَدِكُمْ، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ: فَلاَ تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ»، وَفِي لَفْظٍ «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي».
وَمَعَ الاِخْتِلاَفِ فِي حُكْمِ تَوْثِيقِ الْمُعَامَلاَتِ فَإِنَّهُ حَقٌّ لِكُلِّ مَنْ طَلَبَهُ. يَقُولُ ابْنُ فَرْحُونَ: إِذَا قُلْنَا إِنَّ الإِْشْهَادَ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الدَّيْنِ وَالْبَيْعِ فَإِنَّهُ حَقٌّ لِكُلِّ مَنْ دَعَى إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوِ الْمُتَدَايِنَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ يُقْضَى لَهُ بِهِ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ؛ لأَِنَّ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لاَ يَأْتَمِنَهُ؛ وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى مَنْ بَاعَ سِلْعَةً لِغَيْرِهِ الإِْشْهَادُ عَلَى الْبَيْعِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ؛ لأَِنَّ رَبَّ السِّلْعَةِ لَمْ يَرْضَ بِائْتِمَانِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فِيهِ حَقٌّ لِغَائِبٍ الإِْشْهَادُ فِيهِ وَاجِبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الزَّانِيَيْنِ: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فَأَمَرَ بِالإِْشْهَادِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ اللِّعَانُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لاِنْقِطَاعِ نَسَبِ الْوَلَدِ.
طُرُقُ التَّوْثِيقِ:
لِلتَّوْثِيقِ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَهِيَ قَدْ تَكُونُ بِعَقْدٍ - وَهُوَ مَا يُسَمَّى عُقُودُ التَّوْثِيقَاتِ - كَالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ، وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ عَقْدٍ كَالْكِتَابَةِ وَالإِْشْهَادِ وَحَقِّ الْحَبْسِ وَالاِحْتِبَاسِ.
وَمِنَ التَّوْثِيقَاتِ مَا هُوَ وَثِيقَةٌ بِمَالٍ كَالرَّهْنِ وَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ وَثِيقَةٌ بِذِمَّةٍ كَالْكَفَالَةِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
الْكِتَابَةُ:
كِتَابَةُ الْمُعَامَلاَتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ وَسِيلَةٌ لِتَوْثِيقِهَا، أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَا فِي قَوْلِهِ: ( إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) وَقَدْ وَثَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْكِتَابَةِ فِي مُعَامَلاَتِهِ، فَبَاعَ وَكَتَبَ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَثِيقَةُ التَّالِيَةُ:
«هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَاءُ بْنُ خَالِدٍ بْنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، لاَ دَاءَ، وَلاَ غَائِلَةَ، وَلاَ خِبْثَةَ، بَيْعُ الْمُسْلِمِ مِنَ الْمُسْلِمِ».
كَذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْكِتَابِ فِيمَا قَلَّدَ فِيهِ عُمَّالَهُ مِنَ الأَْمَانَةِ وَأَمَرَ بِالْكِتَابِ فِي الصُّلْحِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ. وَالنَّاسُ تَعَامَلُوهُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.
وَالْمَقْصُودُ بِكِتَابَةِ التَّصَرُّفَاتِ هُوَ إِحْكَامُهَا بِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهَا، وَالْفِقْهُ هُوَ الَّذِي رَسَمَ هَذِهِ الشُّرُوطَ، وَعَنْ طَرِيقِهِ يُعْرَفُ مَا يَصِحُّ مِنَ الْوَثَائِقِ وَمَا يَبْطُلُ؛ إِذْ لَيْسَ لِلتَّوْثِيقِ أَرْكَانٌ وَشُرُوطٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْفِقْهِ، وَمَا يُكْتَبُ يُسَمَّى وَثِيقَةً.
لَكِنْ لَيْسَتْ كُلُّ وَثِيقَةٍ تُكْتَبُ بِتَصَرُّفٍ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ رَهْنٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ تُسَمَّى وَثِيقَةً شَرْعًا، إِنَّمَا تُسَمَّى كَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْكِتَابَةُ حَسَبَ الشُّرُوطِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ - فِيمَا يُسَمَّى بِعِلْمِ الشُّرُوطِ - وَمَا لِذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ انْعِقَادٍ، وَصِحَّةٍ وَنَفَاذٍ، وَلُزُومٍ؛ لأَِنَّ الأَْحْكَامَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْعِبَارَاتِ فِي الدَّعَاوَى وَالإِْقْرَارَاتِ وَالشَّهَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَاتِّبَاعُ الشُّرُوطِ الَّتِي وَضَعَهَا الْفُقَهَاءُ هُوَ الَّذِي يَتَضَمَّنُ حُقُوقَ الْمَحْكُومِ لَهُ وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. وَالشَّهَادَةُ لاَ تُسْمَعُ إِلاَّ بِمَا فِيهِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ( ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا).
الإِْشْهَادُ:
إِشْهَادُ الشُّهُودِ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ وَسِيلَةٌ لِتَوْثِيقِهَا، وَاحْتِيَاطٌ لِلْمُتَعَامِلِينَ عِنْدَ التَّجَاحُدِ؛ إِذْ هِيَ إِخْبَارٌ لإِِثْبَاتِ حَقٍّ - وَالْقِيَاسُ يَأْبَى كَوْنَ الشَّهَادَةِ حُجَّةً فِي الأَْحْكَامِ لأَِنَّهُ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَالْمُحْتَمَلُ لاَ يَكُونُ حُجَّةً مُلْزِمَةً؛ وَلأَِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لاَ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْقَضَاءُ مُلْزِمٌ، فَيَسْتَدْعِي سَبَبًا مُوجِبًا لِلْعِلْمِ وَهُوَ الْمُعَايَنَةُ، فَالْقَضَاءُ أَوْلَى. لَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الَّتِي فِيهَا أَمْرٌ لِلأَْحْكَامِ بِالْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ. مِنْ ذَلِكَ قوله تعالى : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ).
وَلَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الشُّهُودَ بَيِّنَةً لِوُقُوعِ الْبَيَانِ بِقَوْلِهِمْ وَارْتِفَاعِ الإِْشْكَالِ بِشَهَادَتِهِمْ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» قَالَ السَّرَخْسِيُّ: فِي ذَلِكَ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمُنَازَعَاتِ وَالْخُصُومَاتِ تَكْثُرُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ فِي كُلِّ خُصُومَةٍ وَالتَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ.
وَالثَّانِي: مَعْنَى إِلْزَامِ الشُّهُودِ حَيْثُ جَعَلَ الشَّرْعُ شَهَادَتَهُمْ حُجَّةً لإِِيجَابِ الْقَضَاءِ مَعَ احْتِمَالِ الْكَذِبِ إِذَا ظَهَرَ رُجْحَانُ جَانِبِ الصِّدْقِ.
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الشَّهَادَةِ لِحُصُولِ التَّجَاحُدِ بَيْنَ النَّاسِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا.
وَالْبَيِّنَاتُ مُرَتَّبَةٌ بِحَسَبِ الْحُقُوقِ الْمَشْهُودِ فِيهَا، وَلاَ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ؛ إِذْ لاَ يَجُوزُ الشَّهَادَةُ إِلاَّ بِمَا عَلِمَ وَقَطَعَ بِمَعْرِفَتِهِ لاَ بِمَا يَشُكُّ فِيهِ، وَلاَ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَعْرِفَتُهُ.
وَلِبَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّهَادَةِ يُنْظَرُ فِي (إِشْهَادٌ - شَهَادَةٌ).
الرَّهْنُ:
الرَّهْنُ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ التَّوْثِيقِ، إِذْ هُوَ الْمَالُ الَّذِي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِيَسْتَوْفِيَ الدَّائِنُ مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَالأَْصْلُ فِيهِ قوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ).
قَالَ الْجَصَّاصُ: «يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إِذَا عَدِمْتُمِ التَّوَثُّقَ بِالْكِتَابِ وَالإِْشْهَادِ، فَالْوَثِيقَةُ بِرِهَانٍ مَقْبُوضَةٍ، فَأَقَامَ الرَّهْنَ فِي بَابِ التَّوَثُّقِ فِي الْحَالِ الَّتِي لاَ يَصِلُ (الدَّائِنُ) فِيهَا إِلَى التَّوَثُّقِ بِالْكِتَابِ وَالإِْشْهَادِ مَقَامَهَا».
وَلأَِنَّ الرَّهْنَ شُرِعَ لِلْحَاجَةِ إِلَى تَوْثِيقِ الدَّيْنِ عَنْ تَوَاءِ الْحَقِّ (أَيْ هَلاَكِهِ) بِالْجُحُودِ وَالإِْنْكَارِ فَكَانَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ حَبْسُ الْعَيْنِ الَّتِي وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا رَهْنًا. إِذِ التَّوْثِيقُ إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا كَانَ يَمْلِكُ حَبْسَ الْعَيْنِ، فَيَحْمِلُ ذَلِكَ الْمَدِينَ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ فِي أَسْرَعِ الأَْوْقَاتِ. وَبِالرَّهْنِ يُؤْمَنُ الْجُحُودُ وَالإِْنْكَارُ. وَلِذَلِكَ إِذَا حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ كَانَ لِلدَّائِنِ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى الْقَاضِي، فَيَبِيعَ عَلَيْهِ الرَّهْنَ وَيُنْصِفَهُ مِنْهُ إِنْ لَمْ يُجِبْهُ الرَّاهِنُ إِلَى ذَلِكَ. وَمِنْ ثَمَّ يَخْتَصُّ الرَّهْنُ بِأَنْ يَكُونَ مَحَلًّا قَابِلاً لِلْبَيْعِ، فَلاَ يَجُوزُ التَّوْثِيقُ بِرَهْنِ مَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الْجُمْلَةِ.
وَلأَِنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَةِ الْحَقِّ الْمَرْهُونِ فِيهِ وَبِبَعْضِهِ، فَإِذَا أَدَّى بَعْضَ الدَّيْنِ بَقِيَ الرَّهْنُ جَمِيعُهُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ؛ لأَِنَّهُ مَحْبُوسٌ بِحَقٍّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ.
وَقِيلَ: يَبْقَى مِنَ الرَّهْنِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ بِقَدْرِ مَا يَبْقَى مِنَ الْحَقِّ؛ لأَِنَّ جَمِيعَهُ مَحْبُوسٌ بِجَمِيعِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَبْعَاضُهُ مَحْبُوسَةً بِأَبْعَاضِهِ.
هَذَا وَلِلرَّهْنِ شُرُوطٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَقْبُوضًا وَكَوْنُهُ بِدَيْنٍ لاَزِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي (رَهْنٌ).
الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ:
الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ قَدْ يُسْتَعْمَلاَنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الضَّمَانُ لِلدَّيْنِ وَالْكَفَالَةُ لِلنَّفْسِ، وَهُمَا مَشْرُوعَانِ لِلتَّوْثِيقِ. إِذْ فِيهِ ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الأَْصِيلِ عَلَى وَجْهِ التَّوْثِيقِ، وَالأَْصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ( وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ).
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْكْوَعِ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ دِينَارَانِ، قَالَ: هَلْ تَرَكَ لَهُمَا وَفَاءً؟ قَالُوا: لاَ، فَتَأَخَّرَ فَقِيلَ: لِمَ لاَ تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: مَا تَنْفَعُهُ صَلاَتِي وَذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ إِلاَّ إِنْ قَامَ أَحَدُكُمْ فَضَمِنَهُ. فَقَامَ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم .
وَلأَِنَّ الْكَفَالَةَ تُؤَمِّنُ الدَّائِنَ عَنِ التَّوَى بِإِفْلاَسِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَعْدَمَ الْمَضْمُونُ أَوْ غَابَ أَنَّ الضَّامِنَ يَغْرَمُ الْمَالَ. وَإِذَا حَضَرَ الضَّامِنُ وَالْمَضْمُونُ وَهُمَا مُوسِرَانِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: لِلطَّالِبِ أَنْ يُطَالِبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ فَمَلَكَ مُطَالَبَتَهُ كَالأَْصِيلِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِمَالِكٍ.
وَفِي قَوْلِهِ الآْخَرِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْكَفِيلَ مَعَ وُجُودِ الأَْصِيلِ إِلاَّ إِذَا تَعَذَّرَتْ مُطَالَبَةُ الأَْصِيلِ؛ لأَِنَّ الْكَفَالَةَ لِلتَّوَثُّقِ فَلاَ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ مِنَ الْكَفِيلِ إِلاَّ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنَ الأَْصِيلِ كَالرَّهْنِ.
هَذَا وَشُرُوطُ الضَّمَانِ وَمَنْ يَصِحُّ مِنْهُ وَمَا يَصِحُّ بِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (كَفَالَةٌ وَضَمَانٌ).
حَقُّ الْحَبْسِ وَالاِحْتِبَاسِ:
لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّوْثِيقِ صِيَانَةَ الْحُقُوقِ وَالاِحْتِيَاطَ؛ لِذَلِكَ كَانَ مِنْ حَقِّ الدَّائِنِ أَنْ يَتَوَثَّقَ لِحَقِّهِ بِحَبْسِ مَا تَحْتَ يَدِهِ لاِسْتِيفَاءِ حَقِّهِ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ وَلِذَلِكَ صُوَرٌ مُخْتَلِفَةٌ:
مِنْهَا: حَقُّ احْتِبَاسِ الْمَبِيعِ إِلَى قَبْضِ الثَّمَنِ - يَقُولُ ابْنُ عَابِدِينَ: لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ إِلَى قَبْضِ الثَّمَنِ، وَلَوْ بَقِيَ مِنْهُ دِرْهَمٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئَيْنِ بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَمَّى لِكُلٍّ ثَمَنًا فَلَهُ حَبْسُهُمَا إِلَى اسْتِيفَاءِ الْكُلِّ، وَلاَ يَسْقُطُ حَقُّ الْحَبْسِ بِالرَّهْنِ، وَلاَ بِالْكَفِيلِ، وَلاَ بِإِبْرَائِهِ عَنْ بَعْضِ الثَّمَنِ حَتَّى يَسْتَوفِيَ الْبَاقِي.
وَيَنْظُرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (بَيْعٌ وَحَبْسٌ).
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ لَهُ حَقُّ حَبْسِ الْمَنَافِعِ إِلَى أَنْ يَتَسَلَّمَ الأُْجْرَةَ الْمُعَجَّلَةَ، وَكَذَلِكَ لِلصَّانِعِ حَقُّ حَبْسِ الْعَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَلِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ إِذَا كَانَ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ كَالْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (إِجَارَةٌ وَاسْتِصْنَاعٌ).
وَمِنْ ذَلِكَ حَبْسُ الْمَدِينِ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ، وَمَاطَلَ فِي الأَْدَاءِ، وَطَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنَ الْقَاضِي حَبْسَهُ؛ وَلِلدَّائِنِ كَذَلِكَ مَنْعُهُ مِنَ السَّفَرِ؛ لأَِنَّ لَهُ وِلاَيَةَ حَبْسِهِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي: (دَيْنٌ، أَدَاءٌ، وَفَاءٌ).
هَذِهِ هِيَ أَشْهَرُ أَنْوَاعِ التَّوْثِيقِ، وَهُنَاكَ أُمُورٌ أُخْرَى يَكُونُ الْقِيَامُ بِهَا تَوْثِيقًا لِلْحَقِّ وَصِيَانَةً لَهُ. فَكِتَابَةُ الأَْحْكَامِ فِي السِّجِلاَّتِ تُعْتَبَرُ تَوْثِيقًا لِهَذِهِ الأَْحْكَامِ، وَالْحَجْرُ عَلَى الْمُفْلِسِ تَوْثِيقٌ لِحُقُوقِ الدَّائِنِينَ. وَهَكَذَا، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي: (إِفْلاَسٌ، حَجْرٌ، كِتَابَةٌ).
مَا يَدْخُلُهُ التَّوْثِيقُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ:
كُلُّ تَصَرُّفٍ صَحِيحٍ مُسْتَوْفٍ لِشُرُوطِهِ يَدْخُلُهُ التَّوْثِيقُ إِذْ التَّوْثِيقُ يُؤَكِّدُ الْحُقُوقَ لأَِصْحَابِهَا وَيُسَهِّلُ لَهُمُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَالتَّجَاحُدِ يَقُولُ الْجَصَّاصُ فِي قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوه ). فِي الآْيَةِ الأَْمْرُ بِالإِْشْهَادِ إِذَا صَحَّتِ الْمُدَايَنَةُ.
وقوله تعالى : ( وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ): فِيهِ أَمْرٌ لِمَنْ تَوَلَّى كِتَابَةَ الْوَثَائِقِ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَكْتُبَهَا بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ.
وقوله تعالى : ( وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) قَالَ الْجَصَّاصُ: يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا بَيَّنَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ وَالْمُدَايَنَاتِ الثَّابِتَةِ الْجَائِزَةِ لِكَيْ يَحْصُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَدَايِنَيْنِ مَا قَصَدَ مِنْ تَصْحِيحِ عَقْدِ الْمُدَايَنَةِ.
أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الْبَاطِلَةُ فَالأَْصْلُ فِيهَا أَنَّ الإِْقْدَامَ عَلَيْهَا حَرَامٌ، وَيَأْثَمُ فَاعِلُهَا لاِرْتِكَابِهِ الْمَعْصِيَةَ بِمُخَالَفَتِهِ الْمَشْرُوعَ، وَبِالتَّالِي يَكُونُ تَوْثِيقُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ حَرَامًا؛ إِذْ وَسِيلَةُ الشَّيْءِ تَأْخُذُ حُكْمَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ لاَ فَائِدَةَ مِنْ تَوْثِيقِ التَّصَرُّفَاتِ الْبَاطِلَةِ لأَِنَّهَا مَفْسُوخَةٌ شَرْعًا، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا آثَارُهَا كَمَا تَتَرَتَّبُ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الصَّحِيحَةِ.
كَذَلِكَ «أَبَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَشْهَدَ عَلَى - تَصَرُّفٍ جَائِرٍ فَامْتَنَعَ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى هِبَةِ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ ابْنَهُ النُّعْمَانَ لأَِنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَ أَوْلاَدِهِ فِي الْعَطِيَّةِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ بَشِيرًا رَدَّ عَطِيَّتَهُ».
وَيَقُولُ الدُّسُوقِيُّ: الْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَالْقَرْضُ الْفَاسِدُ إِذَا شُرِطَ فِيهِ رَهْنٌ فَدَفَعَهُ الْمُشْتَرِي أَوِ الْمُقْتَرِضُ فَإِنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ فَاسِدًا، وَيَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرُدَّهُ لِلرَّاهِنِ؛ لأَِنَّ الرَّهْنَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ.
وَإِذَا كَانَ التَّوْثِيقُ لاَ يَرِدُ إِلاَّ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ مَا يَجُوزُ أَنْ تَجْمَعَ أَكْثَرُ مِنْ تَوْثِيقٍ، وَمِنْهَا مَا يُوَثَّقُ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.
يَقُولُ الزَّرْكَشِيُّ: مِنَ الْعُقُودِ مَا يَدْخُلُهُ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ وَالشَّهَادَةُ، كَالْبَيْعِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ.
وَمِنْهُ مَا يَسْتَوْثِقُ مِنْهُ بِالشَّهَادَةِ لاَ بِالرَّهْنِ وَهُوَ الْمُسَاقَاةُ، جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِهَا، قَالَ: لأَِنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ - وَكَذَلِكَ الْجَعَالَةُ، وَمِنْهُ الْمُسَابَقَةُ إِذَا اسْتَحَقَّ رَهْنَهَا جَازَ الرَّهْنُ وَالضَّمِينُ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ أَوْ لاَزِمٌ.
وَمِنْهُ مَا يَدْخُلُهُ الضَّمِينُ دُونَ الرَّهْنِ وَهُوَ ضَمَانُ الدَّرْكِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ.
بُطْلاَنُ التَّوْثِيقِ:
يَبْطُلُ التَّوْثِيقُ بِعِدَّةِ أُمُورٍ مِنْهَا:
إِذَا كَانَ التَّوْثِيقُ ضِمْنَ تَصَرُّفٍ فَاسِدٍ، إِذْ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا فَسَدَ الْمُتَضَمِّنُ فَسَدَ الْمُتَضَمَّنُ.
وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ بَطَلَ الرَّهْنُ لِفَسَادِ الْبَيْعِ حَتَّى لاَ يَثْبُتَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ الْحَبْسِ وَلِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ.
إِذَا فُقِدَتْ شُرُوطُ الْوَثَائِقِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. فَفِي الشَّهَادَةِ مَثَلاً تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ وَشَهَادَةُ مَنْ يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ أَوْ يَدْفَعُ عَنْهَا مَضَرَّةً، وَمِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ الْمِدْيَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّ الدَّيْنِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (شَهَادَةٌ).
وَفِي الرَّهْنِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ مَحَلًّا قَابِلاً لِلْبَيْعِ وَهُوَ - كَمَا يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ - أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ، وَأَنْ يَكُونَ مَالاً مُطْلَقًا مُتَقَوِّمًا مَعْلُومًا مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ، فَلاَ يَجُوزُ رَهْنُ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَلاَ مَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ، وَلاَ رَهْنُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَلاَ رَهْنُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَالإِْحْرَامِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (رَهْنٌ).
وَفِي الْكَفَالَةِ يُشْتَرَطُ فِي الْكَفِيلِ أَوِ الضَّامِنِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ، فَيَبْطُلُ ضَمَانُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ - وَأَنْ يَكُونَ الْمَكْفُولُ لَهُ مَعْلُومًا لأَِنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ إِذَا كَانَ مَجْهُولاً لاَ يَحْصُلُ مَا شُرِعَتْ لَهُ الْكَفَالَةُ وَهُوَ التَّوَثُّقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي: (كَفَالَةٌ - ضَمَانٌ).
إِذَا كَانَ التَّوْثِيقُ مُخَالِفًا لأَِمْرِ الشَّرْعِ فَإِذَا كَانَ الْمَدِينُ مُعْسِرًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ لاَ يَجُوزُ حَبْسُهُ لقوله تعالى : ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ).
كَذَلِكَ لاَ يُحْبَسُ الْوَالِدُ بِدَيْنِ الْوَلَدِ لقوله تعالى : ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) وَقَوْلُهُ: ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) وَيَقُولُ الدُّسُوقِيُّ: يَبْطُلُ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ الْمُتَحَمَّلُ بِهِ فَاسِدًا كَمَا لَوْ كَانَ رِبًا كَمَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لآِخَرَ: ادْفَعْ لِهَذَا دِينَارًا فِي دِينَارَيْنِ لِشَهْرٍ، أَوِ ادْفَعْ لَهُ دَرَاهِمَ فِي دَنَانِيرَ إِلَى شَهْرٍ، وَأَنَا حَمِيلٌ بِذَلِكَ (أَيْ كَفِيلٌ) فَالْحَمَالَةُ بَاطِلَةٌ وَلاَ يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ مُطْلَقًا.
وَكَبَيْعِ السِّلْعَةِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لأَِجَلٍ مَجْهُولٍ أَوْ مَعْلُومٍ، أَوْ كَانَ الْبَيْعُ وَقْتَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ - عِنْدَ مَنْ يَرَى بُطْلاَنَهُ - فَإِذَا ضَمِنَ ذَلِكَ الثَّمَنَ إِنْسَانٌ فَالضَّمَانُ بَاطِلٌ، وَلاَ يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ.
وَكَمَا إِذَا كَانَتْ الْحَمَالَةُ بِجُعْلٍ فَهِيَ فَاسِدَةٌ. لأَِنَّ شَرْطَ الْحَمَالَةِ أَنْ تَكُونَ لِلَّهِ، فَإِذَا كَانَتْ بِمُقَابِلٍ لاَ يُعْتَدُّ بِهَا.
إِذَا ضَاعَتْ وَثِيقَةُ الْحَقِّ فَصَالَحَ صَاحِبُهَا ثُمَّ وَجَدَ الْوَثِيقَةَ بَعْدَ الصُّلْحِ فَلاَ قِيَامَ (مُطَالَبَةَ) لَهُ بِهَا جَاءَ فِي الدُّسُوقِيِّ: مَنِ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ بِحَقٍّ فَقَالَ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقُّك ثَابِتٌ إِنْ أَتَيْت بِالْوَثِيقَةِ الَّتِي فِيهَا الْحَقُّ، فَقَالَ الْمُدَّعِي: ضَاعَتْ مِنِّي فَصَالَحَهُ ثُمَّ وَجَدَ الْوَثِيقَةَ بَعْدُ فَلاَ قِيَامَ لَهُ بِهَا، وَلاَ يُنْقَضُ الصُّلْحُ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا صَالَحَ عَلَى إِسْقَاطِ حَقِّهِ.
انْتِهَاءُ التَّوْثِيقِ:
يَنْتَهِي التَّوْثِيقُ بِانْتِهَاءِ مَا كَانَ سَبَبًا لَهُ وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - احْتِبَاسُ الْمَبِيعِ لأَِجْلِ قَبْضِ الثَّمَنِ يَنْتَهِي بِأَدَاءِ الثَّمَنِ وَيَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ.
وَاحْتِبَاسُ الْمَرْهُونِ يَنْقَضِي بِأَدَاءِ الدَّيْنِ وَيَجِبُ فِكَاكُ الرَّهْنِ وَتَسْلِيمُهُ لِلرَّاهِنِ.
وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الاِحْتِبَاسِ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي بِأَدَاءِ مَا كَانَ الاِحْتِبَاسُ لأَِجْلِهِ.
كَذَلِكَ يَنْتَهِي التَّوْثِيقُ بِإِبْرَاءِ الدَّائِنِ لِلْمَدِينِ وَبِحَوَالَةِ الْمَدِينِ لِلدَّائِنِ فِي الْجُمْلَةِ.
بِالْفَسْخِ أَوْ بِالْعَزْلِ كَمَا فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كَالْوَكَالَةِ وَالْقِرَاضِ الْوَدِيعَةِ إِذْ لاَ فَائِدَةَ فِي التَّوْثِيقِ.
بِبَيْعِ الْوَثِيقَةِ كَالْمَرْهُونِ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ.
بِالْمُقَاصَّةِ فِي الدُّيُونِ.
بِهَلاَكِ الْمَعْقُود عَلَيْهِ كَالْمَبِيعِ إِذَا هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
مَوْتُ الْمَكْفُولِ بِهِ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ كُلِّ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ.
أَثَرُ التَّوْثِيقِ:
أَهَمُّ أَثَرٍ لِلتَّوْثِيقِ صِيَانَةُ الْحُقُوقِ لأَِرْبَابِهَا وَإِثْبَاتُهَا عِنْدَ التَّجَاحُدِ. وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْضُ الآْثَارِ التَّبَعِيَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
مَنْعُ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ فِي الْمَرْهُونِ بِبَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ هِبَةٍ، وَيُعْتَبَرُ تَصَرُّفًا بَاطِلاً؛ لأَِنَّهُ - كَمَا يَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ - تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الْوَثِيقَةِ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ.
ثُبُوتُ وِلاَيَةِ مُطَالَبَةِ الْكَفِيلِ بِمَا عَلَى الأَْصِيلِ، فَيُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِالدَّيْنِ بِدَيْنٍ وَاجِبٍ عَلَى الأَْصِيلِ، وَيُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ بِإِحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِنَفْسِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَائِبًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا يُؤَخِّرُ الْكَفِيلُ إِلَى مُدَّةٍ يُمْكِنُهُ إِحْضَارُهُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فِي الْمُدَّةِ وَلَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُ لِلْقَاضِي حَبَسَهُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ عَجْزُهُ لَهُ.
ثُبُوتُ وِلاَيَةِ مُطَالَبَةِ الْكَفِيلِ الأَْصِيلَ إِذَا كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ وَأَدَّى الْكَفِيلُ مَا عَلَى الأَْصِيلِ.
بَيْعُ الْمَرْهُونِ فِي الرَّهْنِ إِذَا عَجَزَ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَنْ وَفَائِهِ.
التَّوْثِيقُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ:
يَقُولُ الْغَزَالِيُّ: الْمَقْبُولُ رِوَايَتُهُ: كُلُّ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ مُسْلِمٍ ضَابِطٍ فَلاَ تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِمَا يُخَالِفُ هَذِهِ الشُّرُوطَ.
وَيَثْبُتُ ذَلِكَ إِمَّا بِالاِخْتِبَارِ أَوْ بِالتَّزْكِيَةِ.
وَالتَّزْكِيَةُ هِيَ إِخْبَارُ الْعَدْلِ بِالْعَدَالَةِ. وَالأَْصْلُ فِي مَرَاتِبِهَا اصْطِلاَحُ الْمُزَكِّي فِي أَلْفَاظِ التَّزْكِيَةِ، وَالأَْشْهَرُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَرْفَعَهَا فِي التَّعْدِيلِ: حُجَّةٌ وَثِقَةٌ، وَحَافِظٌ وَضَابِطٌ، وَهِيَ تَوْثِيقٌ لِلْعَدْلِ، ثُمَّ بَعْدَهَا ثَلاَثَةُ أَلْفَاظٍ. مَأْمُونٌ، صَدُوقٌ، لاَ بَأْسَ بِهِ، ثُمَّ بَعْدَهَا.. إِلَخْ.
وَمِمَّا يُعْتَبَرُ تَوْثِيقًا: حُكْمُ الْحَاكِمِ وَعَمَلُ الْمُجْتَهِدِ بِرِوَايَتِهِ.
وَيُرْجَعُ إِلَى هَذَا فِي عِلْمِ مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ، وَالْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الرابع والعشرون، الصفحة / 190
سِجِلٌّ
التَّعْرِيفُ:
السِّجِلُّ فِي اللُّغَةِ: الْكِتَابُ يُدَوَّنُ فِيهِ مَا يُرَادُ حِفْظُهُ. وَمِنْهُ كِتَابُ الْقَاضِي، وَكِتَابُ الْعَهْدِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَمِنْهُ قوله تعالى: ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ).أَيْ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلَى مَا فِيهَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخَذَ بِهِ الْمُفَسِّرُونَ.
وَالْجَمْعُ سِجِلاَّتٌ. وَهُوَ أَحَدُ الأَْسْمَاءِ الْمُذَكَّرَةِ النَّادِرَةِ الَّتِي تُجْمَعُ بِالتَّاءِ، وَلَيْسَ لَهَا جَمْعُ تَكْسِيرٍ.
وَيُقَالُ: سَجَّلَ تَسْجِيلاً إِذَا كَتَبَ السِّجِلَّ.
وَسَجَّلَ الْقَاضِي عَلَيْهِ: قَضَى، وَأَثْبَتَ حُكْمَهُ فِي السِّجِلِّ.
وَسَجَّلَ الْعَقْدَ وَنَحْوَهُ: قَيَّدَهُ فِي سِجِلٍّ.وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ السِّجِلُّ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الَّذِي فِيهِ حُكْمُهُ، وَيَشْمَلُ فِي عُرْفِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مَا كَانَ مُوَجَّهًا إِلَى قَاضٍ آخَرَ.
ثُمَّ أَصْبَحَ يُطْلَقُ فِي عُرْفِهِمْ كَذَلِكَ عَلَى «الْكِتَابِ الْكَبِيرِ الَّذِي تُضْبَطُ فِيهِ وَقَائِعُ النَّاسِ».
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّ السِّجِلَّ فِي عُرْفِ أَهْلِ زَمَانِهِ: هُوَ مَا كَتَبَهُ الشَّاهِدَانِ فِي الْوَاقِعَةِ وَبَقِيَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطُّ الْقَاضِي.
وَرُبَّمَا خَصَّ الْحَنَابِلَةُ السِّجِلَّ بِمَا تَضَمَّنَ الْحُكْمَ الْمُسْتَنِدَ إِلَى الْبَيِّنَةِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ. وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَطْلَقَ السِّجِلَّ عَلَى الْمَحْضَرِ. غَيْرَ أَنَّ الْمَاوَرْدِيُّ يَرَى وُجُوبَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ السِّجِلَّ وَالْمَحْضَرَ عَلَى جَمِيعِ مَا يُكْتَبُ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمَحْضَرُ:
الْمَحْضَرُ: هُوَ الصَّحِيفَةُ الَّتِي كُتِبَ فِيهَا مَا جَرَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ إِنْكَارِهِ، أَوْ بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، أَوْ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ عَلَى وَجْهٍ يَرْفَعُ الاِشْتِبَاهَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ السِّجِلِّ وَالْمَحْضَرِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الأَْوَّلَ يَتَضَمَّنُ النَّصَّ عَلَى الْحُكْمِ، إِنْفَاذُهُ، خِلاَفُ الثَّانِي.
فَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ زَادَ فِي الْمَحْضَرِ مَا يُفِيدُ إِنْفَاذَ حُكْمِهِ، وَإِمْضَاءَهُ، بَعْدَ إِمْهَالِ الْخَصْمِ بِمَا يَدْفَعُ بِهِ دَعْوَى الْمُدَّعِي، جَازَ.
وَعِنْدَئِذٍ يُصْبِحُ الْمَحْضَرُ وَالسِّجِلُّ سَوَاءً، وَلاَ فَرْقَ.
ب - الصَّكُّ:
الصَّكُّ هُوَ مَا كُتِبَ فِيهِ الْبَيْعُ، وَالرَّهْنُ، وَالإِْقْرَارُ وَغَيْرُهَا.
وَعَرَّفَهُ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّهُ: اسْمٌ خَالِصٌ لَمَا هُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ الْوَاجِبِ.
وَيُطْلَقُ الصَّكُّ أَيْضًا عَلَى مَا يَكْتُبُهُ الْقَاضِي عِنْدَ إِقْرَاضِ مَالِ الْيَتِيمِ.
وَرُبَّمَا أَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ الصَّكَّ عَلَى الْمَحْضَرِ.
ج - الْمُسْتَنَدُ وَالسَّنَدُ:
هُوَ كُلُّ مَا يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ، وَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ حَائِطٍ، وَغَيْرِهِ. وَمُسْتَنَدُ الْحُكْمِ: مَا يَقُومُ عَلَيْهِ.. وَأُطْلِقَ عَلَى صَكِّ الدَّيْنِ وَنَحْوِهِ.
د - الْوَثِيقَةُ:
تُطْلَقُ الْوَثِيقَةُ عَلَى السِّجِلِّ، وَالْمَحْضَرِ، وَالصَّكِّ.
هـ - الدِّيوَانُ:
يَتَعَيَّنُ الْفَصْلُ بَيْنَ الدِّيوَانِ الْعَامِّ، وَدِيوَانِ الْقَضَاءِ.
أ - أَمَّا الدِّيوَانُ الْعَامُّ: فَهُوَ مَوْضِعٌ لِحِفْظِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ السَّلْطَنَةِ مِنَ الأَْعْمَالِ، وَالأَْمْوَالِ، وَمَنْ يَقُومُ بِهَا مِنَ الْجُيُوشِ، وَالْعُمَّالِ.
ب - أَمَّا دِيوَانُ الْقَضَاءِ: فَهُوَ هَذِهِ السِّجِلاَّتُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَحَاضِرِ، وَالصُّكُوكِ، وَكُتُبِ نَصْبِ الأَْوْصِيَاءِ، وَقِوَامِ الأَْوْقَافِ، وَالْوَدَائِعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
و - الْحُجَّةُ:
الْحُجَّةُ تُطْلَقُ عَلَى السِّجِلِّ وَعَلَى الْوَثِيقَةِ. فَهِيَ أَعَمُّ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ تُطْلَقُ عَلَى السِّجِلِّ، وَالْمَحْضَرِ، وَالصَّكِّ. ثُمَّ أُطْلِقَتْ فِي الْعُرْفِ عَلَى مَا نُقِلَ مِنَ السِّجِلِّ مِنَ الْوَاقِعَةِ، وَعَلَيْهِ عَلاَمَةُ الْقَاضِي أَعْلاَهُ، وَخَطُّ الشَّاهِدَيْنِ أَسْفَلُهُ، وَأُعْطِيَ لِلْخَصْمِ.
وَخَصَّ الْحَنَابِلَةُ الْحُجَّةَ بِالْحُكْمِ الْقَائِمِ عَلَى الْبَيِّنَةِ.
اتِّخَاذُ السِّجِلاَّتِ:
يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ سِجِلًّا حَتَّى لاَ يَنْسَى وَاقِعَةَ الدَّعْوَى إِذَا طَالَ الزَّمَنُ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ مُذَكِّرًا لَهُ وَمُعِينًا عَلَى وُصُولِ الْمَحْكُومِ لَهُ إِلَى حَقِّهِ إِذَا جَحَدَهُ الْخَصْمُ.
وَيَكْتُبُ فِي السِّجِلِّ وَقَائِعَ الدَّعْوَى، وَأَدِلَّتَهَا، وَمَا انْتَهَى إِلَيْهِ الْقَاضِي مِنَ الْحُكْمِ فِي مَوْضُوعِهَا؛ لأَِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِحِفْظِ الْحُقُوقِ، وَبِغَيْرِ الْكِتَابَةِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُحْفَظَ.
وَيَتَأَكَّدُ هَذَا الْوَاجِبُ بِطَلَبِ الْمَحْكُومِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ كَانَتِ الْكِتَابَةُ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ، لِتَبْقَى الدَّعْوَى بِكُلِّ مَا تَمَّ فِيهَا مَحْفُوظَةً فِي الدِّيوَانِ، فَرُبَّمَا احْتَاجَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لِمُرَاجَعَتِهَا، وَاسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ.
وَلاَ يَلْزَمُ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ حَكَمَ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ.
غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ مِنَ الْقَاضِي تَسْجِيلَ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ، أَوِ الَّذِي أَوْفَاهُ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ، حَتَّى لاَ يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَعَلَى الْقَاضِي إِجَابَتُهُ لِمَا طَلَبَ.
وَإِنْ كَانَتِ الْخُصُومَةُ مُتَعَلِّقَةً بِنَاقِصِ الأَْهْلِيَّةِ أَوْ عَدِيمِهَا، كَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّ تَسْجِيلَ الْحُكْمِ وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ أَحَدٌ، سَوَاءٌ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ، أَوْ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى مُتَعَلِّقَةً بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْحُدُودِ، أَوْ كَانَ الْحَقُّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْوَقْفِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْفُقَرَاءِ، وَلِجِهَاتِ الْخَيْرِ، فَإِنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ، وَيَحْكُمَ بِهِ دُونَ حَاجَةٍ لِطَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ الْخُصُومَةَ، وَيُسَجِّلَ الْحُكْمَ ابْتِدَاءً، وَقَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ أَحَدٌ ذَلِكَ.
كَيْفِيَّةُ الْكِتَابَةِ فِي السِّجِلاَّتِ:
لاَ يَكْفِي فِي الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلاَّتِ
الاِخْتِصَارُ وَالإِْجْمَالُ. بَلْ لاَ بُدَّ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّصْرِيحِ وَالْبَيَانِ.
فَفِي الْمَحَاضِرِ يَجِبُ عَلَى الْكَاتِبِ أَنْ يَكْتُبَ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، اسْمَ الْمُدَّعِي، وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَكُنْيَتَهُ، وَصِنَاعَتَهُ، وَقَبِيلَتَهُ، وَمَسْكَنَهُ، وَمُصَلاَّهُ (أَيِ الْمَسْجِدَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ عَادَةً) وَكُلُّ مَا يُؤَدِّي إِلَى التَّعَرُّفِ عَلَى شَخْصِهِ.
وَيَذْكُرُ حُضُورَهُ، وَالإِْشَارَةَ إِلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الشُّهُودُ، فَيَتِمُّ تَعْرِيفُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ، وَإِضَافَةُ مَحَلِّ إِقَامَتِهِمْ.
وَلاَ بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ الْكَاتِبُ مَوْضُوعَ الدَّعْوَى، وَمَا جَرَى فِي الْمُحَاكَمَةِ مِنْ إِقْرَارٍ، أَوْ إِنْكَارٍ وَيَمِينٍ، أَوْ نُكُولٍ، أَوْ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ.
وَعَلَى الْكَاتِبِ أَنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَةَ بِأَلْفَاظِهَا، وَذَلِكَ عَقِيبَ دَعْوَى الْمُدَّعِي.
وَيَتَضَمَّنُ الْمَحْضَرُ اسْمَ الْقَاضِي، وَالْمَحْكَمَةَ وَعَلاَمَتَهُ الَّتِي عُرِفَ بِهَا، وَتَارِيخَ تَنْظِيمِ الْمَحْضَرِ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مُنَابًا عَنْ قَاضٍ آخَرَ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ صِفَتَهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَنِ اسْتَنَابَهُ مَأْذُونًا لَهُ بِذَلِكَ.
وَإِنْ أَشْهَدَ عَلَى الْمَحْضَرِ كَانَ أَوْكَدَ وَأَحْوَطَ.
وَيَنْبَغِي فِي كِتَابَةِ الْمَحْضَرِ أَنْ تَكُونَ عَلَى عَادَةِ الْبَلَدِ وَأَعْرَافِهِ، وَمُصْطَلَحَاتِهِ. وَيُرَاعَى فِيهَا مُتَطَلَّبَاتُ كُلِّ عَصْرٍ.
وَفِي السِّجِلِّ يَذْكُرُ الْمَحْضَرَ بِكُلِّ مَا فِيهِ وَيُضَافُ إِلَيْهِ مَا يَلِي:
أ - النَّصُّ عَلَى تَمْكِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِبْدَاءِ دُفُوعِهِ، وَإِمْهَالِهِ. فَإِنْ أَحْضَرَ دَفْعًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَ مُؤَيَّدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِدَفْعِ نَصٍّ عَلَى ذَلِكَ.
ب - وَإِنْ ذَكَرَ فِي السِّجِلِّ أَنَّهُ ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ، دُونَ ذِكْرِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ بِتَمَامِهَا، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
ج - وَقَدْ يُضَافُ إِلَى السِّجِلِّ بَعْدَ عَرْضِ أَقْوَالِ الشُّهُودِ، أَنَّ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَاتِ قَدْ عُرِضَتْ عَلَى الْعُلَمَاءِ، فَأَفْتَوْا بِصِحَّتِهَا، وَجَوَازِ الْقَضَاءِ بِهَا.
د - وَلاَ بُدَّ فِي السِّجِلِّ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِ الْحُكْمِ، وَمُسْتَنَدِهِ، مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
هـ - وَيَتَضَمَّنُ السِّجِلُّ صُدُورَ الْحُكْمِ عَلَنًا، وَالإِْشْهَادَ عَلَيْهِ، وَتَوْقِيعَ الْقَاضِي، وَالنَّصَّ عَلَى أَنَّهُ حُرِّرَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَفِيهِ حُكْمُهُ، وَقَضَاؤُهُ، وَأَنَّهُ حُجَّةٌ لِلْمَحْكُومِ لَهُ.
وَلاَ بُدَّ مِنْ عَرْضِ نُسْخَةِ السِّجِلِّ عَلَى الْقَاضِي، لِتَدْقِيقِهَا حَتَّى لاَ يَكُونَ فِيهَا أَيُّ خَلَلٍ.
حِفْظُ السِّجِلاَّتِ:
إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ الْقَاضِي إِذَا تَقَلَّدَ عَمَلَهُ هُوَ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى مَا فِي الدِّيوَانِ مِنْ وَثَائِقَ، وَوَدَائِعَ، وَأَمْوَالٍ.
وَلاَ يَتِمُّ ذَلِكَ إِلاَّ بَعْدَ جَرْدِهِ بِمَعْرِفَةِ أَمِينَيْنِ أَوْ أَمِينٍ وَاحِدٍ، وَبِحُضُورِ الْقَاضِي السَّابِقِ، أَوْ أَمِينِهِ.
ثُمَّ يُوضَعُ كُلُّ نَوْعٍ مُسْتَقِلًّا عَمَّا سِوَاهُ، لِسُهُولَةِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيَضَعُ عَلَيْهِ خَتْمَهُ خَوْفَ الزِّيَادَةِ، وَالنُّقْصَانِ.
وَبِهَذَا يُحْفَظُ مَا فِي الدِّيوَانِ مَهْمَا تَعَاقَبَ الْقُضَاةُ.
وَمَا يُنَظِّمُهُ الْقَاضِي أَوْ كَاتِبُهُ مِنَ الْمَحَاضِرِ، وَالسِّجِلاَّتِ، وَالْوَثَائِقِ الأُْخْرَى يُكْتَبُ عَلَيْهِ نَوْعُهُ، وَاسْمُ صَاحِبِهِ فَيَقُولُ: مَحْضَرُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ فِي خُصُومَتِهِ مَعَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ.
وَيَخْتِمُهُ بِخَاتَمِهِ، وَمَا اجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ، أَوْ أُسْبُوعٍ فَإِنَّهُ يُفْرِدُهُ، وَيَضُمُّهُ فِي إِضْبَارَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَكْتُبُ عَلَى ظَاهِرِهَا مَحَاضِرُ يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا.. وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ فِي الشَّهْرِ، وَفِي السَّنَةِ. وَيَضَعُ عَلَى ذَلِكَ خَاتَمَهُ، وَيَحْفَظُهُ فِي خِزَانَتِهِ وَتَحْتَ مُرَاقَبَتِهِ، بِحَيْثُ لاَ يَسْتَخْرِجُ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ بِمَعْرِفَتِهِ، وَمُشَاهَدَتِهِ.
وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ إِلاَّ إِذَا أَشْرَفَ الْقَاضِي عَلَى الدِّيوَانِ، وَرَاقَبَ كُتَّابَهُ، وَأُمَنَاءَهُ، وَمَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَبِمَعْرِفَتِهِمْ.
تَعَدُّدُ نُسَخِ السِّجِلِّ:
تُكْتَبُ الْمَحَاضِرُ، وَالسِّجِلاَّتُ، وَالْوَثَائِقُ عَلَى نُسْخَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْمَحْكَمَةِ، وَعَلَيْهَا اسْمُ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ صَاحِبُ الْوَثِيقَةِ، وَخَاتَمُ الْقَاضِي، وَتَكُونُ مُسْتَنَدًا لِلرُّجُوعِ إِلَيْهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَالأُْخْرَى: تُعْطَى لِلْمَحْكُومِ لَهُ، أَوْ صَاحِبِ الْوَثِيقَةِ، لِتَكُونَ حُجَّةً بِالْحَقِّ، وَهِيَ غَيْرُ مَخْتُومَةٍ. وَيَجْرِي ذَلِكَ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ.
ثُمَّ أَصْبَحَتِ الْوَثَائِقُ تُكْتَبُ مُرَتَّبَةً فِي كِتَابٍ يَجْمَعُهَا، وَبِحَسَبِ مَا يَسَعُ مِنْهَا، وَيُحْفَظُ فِي الدِّيوَانِ، وَهُوَ أَكْثَرُ حِفْظًا، وَأَحْوَطُ.
فَإِنْ ضَاعَتِ النُّسْخَةُ الَّتِي فِي يَدِ ذِي الشَّأْنِ، وَطَلَبَ مِنَ الْقَاضِي نُسْخَةً أُخْرَى، أَسْعَفَ طَلَبَهُ، وَكَتَبَ عَلَيْهَا مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْفِقْدَانِ، وَتَارِيخِهَا، حَتَّى لاَ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ الْوَارِدُ فِيهَا مَرَّتَيْنِ.
