loading

قانون شركات الأموال

المذكرة الإيضاحية

اللائحة التنفيذية لقانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة وشركات الشخص الواحد

تخفيض رأس المال

مادة 105 : السلطة المختصة بالتخفيض : 

يخفض رأس مال الشركة المصدر بقرار من الجمعية العامة غير العادية بناءً علي إقتراح مجلس الإدارة أو الشريك أو الشركاء المديرين بحسب الأحوال ، ويتم تعديل أحكام العقد أو النظام بما يتفق مع هذا التخفيض .

ويجب أن يرفق بمشروع التخفيض المقدم إلى الجمعية تقرير من مراقب الحسابات - حول مدى قيام أسباب جدية تدعو للتخفيض ، ويجب أن يتاح لمراقب الحسابات كافة البيانات اللازمة والوقت الكافي لإعداد التقرير المشار إليه .

ولا يشترط أن يكون رأس المال يتم تخفيضه مدفوعاً بالكامل.

مادة 106 : كيفية تنفيذ التخفيض :

يحدد القرار الصادر بالتخفيض الكيفية التي يتم بها تنفيذه ويكلف مجلس الإدارة أو الشريك أو الشركاء المديرين بحسب الأحوال باتخاذ ما يلزم من إجراءات التنفيذ قرار التخفيض . 

ويتم التخفيض بإحدي الوسائل الآتية : 

(أ) تخفيض القيمة الأسمية للسهم . 

(ب) تخفيض عدد الأسهم . 

(ج) شراء الشركة لبعض الأسهم وإعدامها .

مادة 107: آثار التخفيض بالنسبة للحد الأدنى لرأس المال المصدر ولقيمة السهم :

لا يجوز أن يترتب علي تخفيض رأس المال المصدر أن يقل عن الحد الأدني المنصوص عليه بالمادة (6) من هذه اللائحة ، كما لا يجوز أن يترتب على تخفيض قيمة السهم أن يقل عن الحد الأدني المنصوص عليه بالمادة (7) من هذه اللائحة . 

مادة 108 : حالة التخفيض بطريق تخفيض عدد الأسهم :

في حالة تخفيض رأس المال بطريق تخفيض عدد الأسهم ، يجب أن يتم تخفيض عدد الأسهم التي يملكها كل مساهم بذات النسبة التي تقرر بها تخفيض رأس المال . 

مادة 109 : حالة التخفيض بشراء الشركة بعض الأسهم : 

إذا كان تخفيض رأس المال بطريق شراء الشركة بعض. أسهمها وإعدامها ، وجب على الشركة أن توجه طلب الشراء إلي جميع المساهمين بإعلان ينشر في صحيفة الإستثمار أو صحيفتين يوميتين إحداهما على الأقل باللغة العربية مع إخطار المساهمين بمضمون هذا الإعلان على عناوينهم المبينة بسجلات الشركة . 

ويتعين أن يشمل الإعلان المشار إليه إسم الشركة وشكلها وعنوان مركزها الرئيسي ومقدار رأس المال المصدر ، وعدد الأسهم المطلوب شراؤها ، والثمن المعروض للسهم ، وكيفية أداء الثمن والمدة التي يظل عرض الشركة قائماً خلالها بما لا يقل عن ثلاثين يوماً ، والمكان الذي يتم فيه للمساهم إبداء رغبته في البيع .

 

مادة 150 : مدة احتفاظ الشركة بالأسهم المشتراه وحقوق هذه الأسهم :

لا يجوز أن تحتفظ الشركة بما تحصل عليه من أسهمها لأكثر من سنة ميلادية ، ومن بينها الأسهم التي حصلت عليها لتنفيذ أحد أنظمة إثابة أو تحفيز العاملين أو المديرين بعد انتهاء الفترة المحددة لتنفيذ هذه النظم ، ويجب عليها أن تتصرف في هذه الأسهم إلى العاملين بها أو إلى الغير بحسب الأحوال أو أن يتم تخفيض رأس المال بنهاية هذه السنة كحد أقصى واعدام تلك الأسهم . 

وإذا تقاعست الشركة عن القيام بإنقاص رأس مالها وفقاً لفقرة السابقة تولت الهيئة اتخاذ إجراءات إنقاص رأس مال الشركة بعد مضي ثلاثين يوماً من تاريخ إنذارها وفقا للإجراءات الآتية :

1- إنذار الشركة بكتاب موصي عليه بعلم الوصول باتخاذ إجراءات إنقاص رأس مالها بعد مضي سنة ميلادية من شراء أسهمها خلال ثلاثين يوما من تسلمها الإنذار . 

2- بعد انتهاء الفترة المشار إليها في البند (1) تجب مراعاة الأحكام المنظمة الاجتماعات الجمعية العامة العادية الواردة بأحكام هذه اللائحة لاتخاذ قرار بإنقاص رأس مال الشركة بالقيمة الأسمية للأسهم التي مضى على شراء الشركة لها سنة ، وفي حالة عدم انعقاد الجمعية العامة خلال شهر من تاريخ إخطار الهيئة للشركة أو رفض الجمعية التخفيض رأسمالها خلال هذه المدة لأي سبب ، فتقوم الهيئة بإصدار قرارها بتخفيض رأسمال الشركة خلال مدة شهر من نهاية مدة الشهر المشار إليها . 

3- اتخاذ إجراءات الشهر في السجل التجاري بإنقاص رأس مال الشركة .

وفي جميع الأحوال ، لا يكون للأسهم المشار إليها حق التصويت أو الحصول على الأرباح عند توزيعها وتستنزل من إجمالي أسهم الشركة عند حساب الحضور والنصاب اللازم للتصويت في الجمعية العامة ، وذلك لحين التصرف فيها .

الأحكام

«... لما كان ما تقدم، وكان الحكم المطعون فيه قد استخلص خطأ الطاعنين عن التراخي في اتخاذ الإجراءات المطلوبة لتوفيق أوضاع : الطاعنة الأولى مما ترتب عليه إيقاف البورصة التداول على الأسهم الخاصة بها في حين أن الشركتين الطاعنتين وهما إحدى الشركات التابعة لوزارة الاستثمار الخاضعة لقانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991 ، الذي وضع ضوابط لبيع أسهم تلك الشركات في البورصة المصرية طبقاً لحكم المادة الأولى من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1684 لسنة 2004 سالف البيان وذلك للحفاظ على المال العام وحقوق كافة المساهمين فيها وإذ أصدرت الجمعية العمومية غير العادية للشركة الطاعنة الأولى قرارة بتاريخ ..... بالموافقة على شطب أسهمها بالبورصة شطبأً اختياريأً وهو ما يستتبع تحديد القيمة العادلة للسهم واعتمادها من الهيئة العامة للرقابة المالية، وقيام الشركة بشراء أسهمها وفقاً لقرار شطبها من جداول البورصة أو قيام المستثمر ببيع أسهمه في السوق مباشرة حتى يستطيع تحديد الخسارة الفعلية التي لحقت به .... وهو ما لم يحاول المطعون ضده وعجز عن إثبات الخسارة الفعلية، وكانت الطاعنة الأولى غير مسئولة عن هذه المخاطر الناشئة عنها إلا إذا كانت وليدة إهمال أو تعمد من جانبها للإضرار بحقوق المساهمين وهو ما خلت الأوراق من الدليل المثبت له مما تنتفي معه مسئوليتها كما تنتفي معها - أيضاً - مسئولية الطاعنة الثانية، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر، فإنه يكون معيبة مما يوجب نقضه....». 

( الطعنان رقما 6508 . 1385 لسنة 82 ق جلسة 17/ 6 / 2015 )

( هذا الحكم مشار إليه فى كتاب الشركات التجارية للدكتورة / سميحة القليوبي، الطبعة السابعة، 2016، دار النهضة العربية ، )

شرح خبراء القانون

شراء الشركة لأسهمها وفقا لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 : 

تنص المادة ( 1/48) من قانون الشركات على أنه: «إذا حصلت الشركة بأية طريقة على أسهمها تعين عليها أن تتصرف في هذه الأسهم للغير في مدة أقصاها سنة من تاريخ حصولها عليها، وإلا التزمت بإنقاص رأسمالها بمقدار القيمة الاسمية لتلك الأسهم وباتباع الإجراءات المقررة لذلك»، وتنص الفقرة الثانية من المادة ذاتها على أنه «ويجوز للشركة شراء بعض أسهمها لتوزيعها على العاملين بها كجزء من نصيبهم في الأرباح» . 

وتنظم الفقرتان المشار إليهما في الواقع حالة شراء الشركة لأسهمها بسعرها التجاري في سوق الأوراق المالية. ويترتب على شراء الشركة لجانب من أسهمها انقطاع صلة المساهم البائع نهائيا بالشركة ولا يصبح له أية حقوق قبلها وهذه الحالة تختلف اختلافا جوهريا عن حالة استهلاك الشركة لأسهمها وفقاً للتفصيل السابق إيضاحه بمناسبة استهلاك الأسهم حيث لا تنقطع صلة المساهم الذي استهلك سهمه بالشركة كما سبق القول، إذ يظل له حق في الأرباح طوال حياة الشركة وفقا لنظامها، وحق التصويت في جمعيتها العامة بالإضافة إلى نصيب في موجودات الشركة بعد سداد القيمة الاسمية لأسهم رأس المال. 

ويبدو أن المشرع المصرى أراد من حكم هذا النص، تنظيم الحالة التي ترغب فيها الشركة منح العاملين بها أرباحا في صورة أسهم حتى يصبحوا شركاء فتزداد صلتهم بالشركة وانتمائهم لها ويزداد بالتالي إنتاجهم، وهذا من الأسباب الرئيسية التي تجد الشركة فيها مصلحة لشراء أسهمها من البورصة. ومما يؤكد هذا الاحتمال ما جاء به المشرع بالفقرة الثانية من ذات المادة المادة (48) من القانون) حيث تقضي بأنه: «ويجوز للشركة شراء بعض أسهمها لتوزيعها على العاملين بها كجزء من نصيبهم في الأرباح». 

هذا بالإضافة إلى صریح نص المادة (149) من اللائحة التنفيذية والتي تنص على حالات شراء الشركة لأسهمها وهي حالات وفق ما نرى واردة على سبيل الحصر ومن بينها «إذا كان الشراء بقصد التوزيع على العاملين بالشركة، سواء كنصيب في الأرباح أو لزيادة نسبة مشاركتهم». 

وحرصا من المشرع على مصالح العاملين بشركات المساهمة أضاف المادة (48 مكرر) لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 بتعديله لهذا القانون بالقانون رقم 94 لسنة 2005 حيث تنص على أنه «مع عدم الإخلال بالنظام القانوني لتوزيع الأرباح، يجوز أن يتضمن النظام الأساسي للشركة نظاماً أو أكثر لإثابة أو تحفيز العاملين والمديرين بالشركة من خلال تملكهم بطريق مباشر أو غير مباشر لجزء من أسهمها، وذلك وفقاً للطرق والقواعد والإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون، وتتولى الهيئة العامة لسوق المال إعداد النماذج ومراجعة العقود التي يتم إبرامها في هذا الشأن». 

ويلزم المشرع شركة المساهمة في حالة شرائها لأسهمها على هذا النحو، أن تتصرف فيها للغير (أو للعاملين في مدة أقصاها سنة تحسب من تاريخ حصولها عليها. ولا يعتبر شراء الشركة لأسهمها على هذا النحو إنقاصاً لرأس المال حيث أن الشركة لا تستهلك أسهمها في هذه الحالة بل تعيد بيعها وإذا لم تتمكن الشركة من بيع هذه الأسهم أو التصرف فيها خلال مدة السنة المنصوص عليها بالفقرة الثانية من المادة (48) عليها أن تخفض رأس المال وإعدام هذه الأسهم . 

ولا يكون للأسهم المذكورة خلال فترة احتفاظ الشركة بها أية حقوق في التصويت أو الأرباح وتستنزل من النصاب اللازم للتصويت في الجمعية العامة (المادة ( 2 / 150) من اللائحة التنفيذية).  

أحكام تداول الأسهم الاسمية : 

وفي شأن تداول الأسهم الاسمية، فإنه كان يتم تداولها وفقا لأحكام قانون الشركات 159 لسنة 1981 عن طريق القيد في السجل المخصص لذلك بمقر الشركة الرئيسي المصدرة للأسهم وذلك بناء على إقرار يقدم إلى الشركة يتضمن اتفاق المتنازل والمتنازل إليه على التنازل على الورقة ، ويوقع عليه من كل منهما أو من ينوب عنهما، وذلك بمراعاة الأحكام القانونية المقررة لتداول الأوراق المالية وإذا انتقل السهم الاسمي بطريق الإرث أو الوصية وجب على الوارث أو الموصى له أن يطلب قيد نقل الملكية في سجلات نقل الملكية بالشركة وإذا كان نقل الملكية تنفيذاً لحكم نهائي يتم القيد في السجلات على مقتضى هذا الحكم . 

وحكم في هذا الخصوص من المحكمة الاستئنافية الاقتصادية بجلسة 2010/3/28 بإثبات تخارج أحد المساهمين في شركة مساهمة، لما ثبت من تنازله عن الأسهم والحصول على قيمتها ، وإثبات ذلك بسجلات الشركة . 

ويؤشر بالسجل في جميع الأحوال بما يفيد نقل الملكية باسم من انتقلت إليه وطبقاً لحكم المادة (122) من اللائحة تتكون سجلات الشركة من أوراق متشابهة يتم الكتابة على وجه واحد منها، وتخصص صفحة لكل صاحب حق في ورقة أو مجموعة أوراق مالية من النوع الذي يشمله السجل هذا ويتم القيد في السجل بحسب تاريخ صاحب الحق على السهم. وتحدد المادة (123) من اللائحة البيانات الواجب ذكرها والمثبتة للتنازل وعلى وجه الخصوص الاسم الثلاثي والعنوان لأطراف التنازل وجنسية كل منهما ونوع الأسهم وخصائصها إذا كانت الشركة تمسك سجلاً واحدا للأنواع المختلفة من الأسهم. 

وكان على الشركة نقل ملكية الورقة المالية عن طريق القيد في سجلاتها وذلك خلال خمسة أيام من تاريخ تقديم ما يثبت التنازل عن الورقة المالية أو الواقعة الناقلة للملكية مستوفاه وبقيد التنازل بسجلات الشركة أصبح المتنازل إليه هو المساهم في مواجهة الشركة والغير وله كامل الحقوق الناشئة عن هذه الملكية فعليه كافة الالتزامات الناشئة عنها. 

أما إذا لم يتم قيد التصرف في الأسهم الاسمية على هذا النحو فلم يكن أثر للتنازل في مواجهة الشركة أو الغير، على أن هذا لا يمنع الأثر القانوني للتنازل بين طرفيه وقضت محكمة النقض في هذا الخصوص في ظل أحكام المجموعة التجارية الملغاة، «بانتقال ملكية الأسهم من البائع إلى المشتري بمجرد الاتفاق بينهما مادامت الأسهم المبيعة تتعين بالذات طبقاً لحكم المادة 204 مدنی وذلك دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالتسجيل وأن كانت المادة (39) تجارى حين استلزمت قيد الأسهم الاسمية في دفاتر الشركة قد استهدفت من ذلك فرض قيد على حرية تداولها وجعلت هذا القيد مناطاً لإثبات ملكيتها والتنازل عنها» . 

على أنه بصدور اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال رقم 1992 / 95 تضمنت المادة (100) منها أحكاماً في شأن تداول الأسهم الإسمية، تلغى حكم المادة (120) من لائحة قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 والسابق ذكر أحكامها حيث انه طبقا للمادة (100) من لائحة قانون 95 لسنة 1992 تنتقل ملكية الأوراق المالية الاسمية المقيدة (بجداول البورصة) بإتمام قید تداولها بالبورصة بالوسائل المعدة لذلك. وعلى إدارة البورصة إخطار الجهة مصدرة الورقة بانتقال الملكية خلال ثلاثة أيام من تاريخ القيد وعلى هذه الجهة إثبات نقل الملكية بسجلاتها خلال أسبوع من إخطارها بذلك . 

أما الأسهم الاسمية غير المقيدة فيتم نقل ملكيتها وفقاً لحكم المادة من لائحة قانون سوق رأس المال حيث تلزم البورصة بقيد العمليات التي تخطر بها عن تداول الأوراق المالية غير المقيدة لديها . 

ويتم القيد بواسطة إدارة البورصة عن العمليات التي قامت بتنفيذها شركات السمسرة في نفس يوم إخطارها بهذه العمليات ويتضمن القيد اسم البائع والمشترى وبيانات كاملة عن الورقة المالية والسعر الذي تم تنفيذ العملية به، ويجوز إعطاء ذوى الشأن صورة من القيد حسب النظام المعمول به بالبورصة . 

ووضع المشرع جزاء جنائية عند مخالفة المسئول عن الإدارة الفعلية للشركة المصدرة لهذه التعليمات حيث نص قانون سوق رأس المال بالمادتين (67، 68) على معاقبة كل من يخالف أحد الأحكام المنصوص عليها باللائحة التنفيذية بالغرامة التي لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه ، وتكون أموال الشركة ضامنة في جميع الأحوال للوفاء بما يحكم به من غرامات مالية .

 ويترتب على ما سبق أن ملكية الأسهم غير المقيدة (خارج المقصورة) تنتقل بكل من العقد الصحيح الناقل للملكية والمبرم بين الطرفين بالإضافة إلى إخطار نقل الملكية وهو الذي يترتب عليه الاحتجاج بالملكية في مواجهة الغير فهذا الإخطار الصادر عن إدارة نقل الملكية ببورصة الأوراق المالية هو بمثابة التسجيل الناقل للملكية والذي يستند إلى عقد صحيح وبذلك فإن عقد البيع لا ينقل الملكية وإن كان يرتب حقوقه والتزامات بين طرفيه، كما أن الحيازة المادية للأسهم لا تكفي لإثبات نقل الملكية. 

أما إذا كانت الأوراق المالية الأسمية مقيدة ببورصة الأوراق المالية والمودعة لدى شركة الإيداع والقيد المركزي وفقا لأحكام قانون 93 لسنة 2000 ولائحته التنفيذية، فلا تنتقل ملكيتها إلا بتمام تسوية العمليات التي أجريت عليها وفقا لنص المادة (4) من قانون الإيداع والقيد المركزي سالف الذكر والتي تنص على أنه «لا تنتقل ملكية الأوراق المالية التي تم إيداعها لدى الشركة إلا بإتمام تسوية العمليات التي أجريت عليها». 

ويراعى في هذا الخصوص أن هذا النوع من الأوراق المالية المقيدة بجداول البورصة ، لا يجوز التعامل عليها إلا من خلال بورصة الأوراق المالية بالوسائل المعدة لذلك داخل المقصورة، طبقا لقوانين وقواعد البورصة وإلا كان التداول باطلاً. 

ونشير في هذا الخصوص إلى أن المشرع عدل حكم المادة (16) من قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992 ، والتي كانت تميز بين قيد الأوراق المالية في الجداول الرسمية عنها في الجداول غير الرسمية، حيث ألغى المشرع تقسيم الجداول. وفي ذلك تنص المادة (16) بعد تعديلها بالقانون رقم 123 لسنة 2008 في 2008 / 6 / 9 على أنه : «تقيد الأوراق المالية في جدول البورصة بناء على طلب الجهة المصدرة لها، ويتم قيد الورقة وشطبها بقرار من إدارة البورصة وفقا للقواعد والشروط والأحكام التي يضعها مجلس إدارة الهيئة على أن يفرد جدول خاص تقيد به الأوراق المالية الأجنبية. 

ويجوز أن تتضمن قواعد القيد شروطأ خاصة للتصديق على بعض قرارات الجمعيات العامة للشركات المقيد لها أوراق مالية بالبورصة». 

وبناء على هذا التعديل يتم قيد جميع الأوراق المالية التي تصدرها شركات المساهمة والتوصية بالأسهم بجداول البورصة وذلك بناء على طلب الجهة المصدرة لها. 

وتقوم إدارة البورصة بقيد العمليات التى قامت شركات السمسرة بتنفيذها في ذات يوم إخطارها به، ويتضمن القيد أسم البائع والمشتري وبيانات كاملة عن الورقة المالية والسعر الذي تم تنفيذ العملية به ويجوز إعطاء ذوى الشأن صورة من القيد حسب النظام المعمول به بالبورصة وقرر المشرع بالمادة ( 2 / 24) من قانون سوق رأس المال أنه يحدد رسم قيد الأوراق المالية بالبورصة على ألا يتجاوز رسم القيد في جداول البورصة خمسين ألف جنيه سنويا عن كل إصدار» . 

وتقوم إدارة البورصة بقيد العمليات التي قامت شركات السمسرة، بالتعامل عليها وفقاً لما سبق ذكره . 

هذا ويتضمن القيد اسم البائع والمشتري والسعر الذي تم التعامل به وبيانات كافية عن الورقة المالية واسم الشركة المصدرة. ويحرر لصاحب الشأن إخطار نقل الملكية الصادر عن البورصة وهو يمثل شهادة نقل الملكية. 

شرط إخطار الشركة طبقا لقانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992: 

طبقاً لأحكام لائحة قانون سوق رأس المال (م 61) على كل من يرغب في شراء نسبة 15% فأكثر من أسهم إحدى الشركات ذات الاكتتاب العام من خلال عرض للشراء أن يخطر كلا من الهيئة العامة للرقابة المالية وبورصة الأوراق المالية المقيدة بها تلك الأسهم بذلك، على أن يضمن إخطاره البيانات المطلوبة والثمن الذي يرغب به الشراء ومدة العرض، كما يلتزم بأن يعلن عن بيانات الإخطار في صحيفتين يوميتين صباحيتين واسعتي الانتشار إحداهما على الأقل باللغة العربية وذلك قبل موعد عقد عمليات الشراء بأسبوعين على الأقل .  

القيود الاتفاقية

إلى جانب القيود التي يفرضها المشرع على تداول الأسهم والسابق تناولها بالدراسة بما يعرف بالقيود القانونية، يجوز أن تقيد حرية هذا التداول بقيود ترد بنظام الشركة ذاته، وتلجأ شركة المساهمة إلى ذلك في حالات شركات المساهمة المغلقة أو العائلية أو الحالات التي تخشى فيها وصول الأسهم إلى المساهمين الذين ترى الشركة مصلحة في استبعادهم لمصلحة أكيدة لها، ومن الأمثلة على ذلك عندما لا ترغب الشركة في تسرب أسهمها إلى أجانب أو دخول شركاء لهم آراء معارضة لنشاط الشركة كما إذا كانت الشركة قائمة لإدارة صحيفة لها مبدأ معين، أو إذا كانت الشركة تحرم بيعها إلى أشخاص يزاولون نشاطاً منافساً. 

وقد جرى العمل في شركات المساهمة على إدراج قيود على تداول أسهمها في نظام الشركة الأساسي، لتمكين المساهمين بالتمتع بحق الأفضلية في شراء الأسهم المتنازل عنها لغير المساهمين، وفي مثل هذه الحالات ينص في نظام الشركة على حق مجلس الإدارة أو الجمعية العامة في تقرير شراء الشركة للأسهم المتنازل عنها وهو ما يطلق عليه الحق في الاسترداد Driot de préemption ،وأحياناً تشترط الشركة في نظامها موافقة مجلس الإدارة أو الجمعية العامة على المساهمين الجدد المتنازل إليهم، وهو ما يطلق عليه شرط الموافقة Clause d ' agrément وهو شرط يؤدي في جوهره إلى إدخال نوع من الاعتبار الشخصي في شركات الأموال المتعارف عليه في شركات الأشخاص، الأمر الذي لا يصح أن يكون على إطلاقه وإلا فقدت شركة المساهمة أهم خصائصها. 

ويلاحظ أنه يشترط لصحة مثل هذه القيود الاتفاقية على تداول الأسهم ألا يكون من شأنها منع المساهم كلية من التنازل عن أسهمه، لأن قابلية السهم للتداول تعد من الخصائص المميزة لشركة المساهمة بصفة عامة ومن الحقوق الأساسية للمساهم والمتعلقة بالنظام العام، وتحرص التشريعات دائما على النص عليها. 

ذلك أن شرط الحق في قبول المتنازل إليه دون قيد أو شرط وهو ما يطلق عليه: La clause d ' agrément pur et simple يجعل المساهم مقيدا وحبيسة لأسهمه prisonnier de son titre طالما أن الموافقة يمكن أن ترفض بدون سبب أو تكون تحكمية. 

وتفادياً لمثل هذه الشروط التي تخل بحق المساهم في التنازل عن أسهمه يضيف نظام الشركة الأساسي عادة الحق في الاسترداد إلى جوار شرط الموافقة، ومثل هذا الشرط يعد دائما صحيحا لعدم مساسه بطبيعة الأسهم وقابليتها للتداول وهو من الخصائص المتعلقة بالنظام العام. 

حكم التشريع المصري من القيود الاتفاقية : 

نظم المشرع المصرى حكم القيود الاتفاقية على تداول الأسهم باللائحة التنفيذية لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 في المواد من (139 إلى 141)، والمادة (63) من لائحة قانون سوق رأس المال رقم 95 / 92 وسوف نشير إلى هذه الأحكام تابعاً.

حظر القيود الاتفاقية للشركات ذات الاكتتاب العام وللأسهم المقيدة ببورصات الأوراق المالية : 

وفقاً للمادة (63) من اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال الصادر برقم 95 لسنة 1992 يحظر كلية وضع شروط تقيد تداول أسهم الشركة بنظامها الأساسي إذا كانت من شركات الاكتتاب العام أو الأسهم التي يتم قيدها ببورصات الأوراق المالية، ولا يسري هذا الحظر على الشركات التي نشأت قبل العمل بهذه اللائحة. وفي ذلك تنص المادة (63) سالفة الذكر على أنه : «لا يجوز للشركة أو نظامها الأساسي وضع قيود على تداول أسهمها متى كانت من شركات الاكتتاب العام أو على الأسهم التي يتم قيدها ببورصات الأوراق المالية وذلك مع عدم الإخلال بالأوضاع المقررة عند تاریخ العمل بهذه اللائحة. 

ويعد هذا الحكم منطقياً ومتناسباً مع طبيعة شركات المساهمة أو التوصية بالأسهم التي تطرح أسهمها للاكتتاب العام أو بالنسبة للأسهم المقيدة بإحدى البورصات، حيث قصد المؤسسون فيها وأصحاب الأسهم عرضها عرضاً عاماً في اكتتاب عام دون قصرها على المؤسسين فيها أو تداول أسهمها خارج المقصورة مما يعني عدم الاعتداد كلية بأية اعتبارات شخصية أو موضوعية تبرر وجود قيود اتفاقية على تداول هذه الأسهم، وذلك على خلاف شركات المساهمة ذات الاكتتاب المغلق أو الأسهم التي لم تقيد في أي من بورصات الأوراق المالية.

القيود الاتفاقية للشركات ذات الاكتتاب الفوري والأسهم غیر المقيدة بإحدى بورصات الأوراق المالية : 

نظم المشرع المصري هذه الأحكام بالمواد 139 إلى 141 من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات 159 لسنة 1981 كما سبق القول. 

وبناء على هذه الأحكام يجيز المشرع المصرى أن يتضمن نظام الشركة بعض القواعد المتعلقة بتنظيم تداول الأسهم بشرط ألا تصل إلى حرمان المساهم من حق التنازل عن أسهمه (المادة 139 / 2)، وتردد ذلك أيضاً المادة 140 / 1 من ذات اللائحة. 

وخيراً فعل المشرع المصري في هذا الخصوص بالنص صراحة على ضرورة أن يتضمن نظام الشركة مثل هذه الشروط أو أن يتضمن حق الجمعية غير العادية في تقريره فيما بعد، وفي فرنسا يثور التساؤل عما إذا كان يجوز إضافة الشروط المقيدة بتعديل لنظام الشركة في حالة عدم تضمن هذا الأخير لهذه الشروط. وأساس هذا التساؤل أن مثل هذه الشروط تنال من الحقوق الأساسية للمساهمين. وهذا التساؤل كان مثار خلاف فقهي كبير في فرنسا). وطبقا للمادة (153) من قانون الشركات الفرنسي يمتنع على الجمعية العامة غير العادية زيادة التزامات المساهمين وهو ذات الحكم الذي كانت تتضمنه المادة 31 / 1 من قانون 1867 الفرنسي، وكانت بعض أحكام القضاء تعتبر أن هذا الشروط المقيدة إنما تضيف التزامات على المساهمين لا يجوز للجمعية العامة تقريرها، كما أن محكمة النقض كانت ترى أن مثل هذه الشروط إنما تؤدي إلى إنقاص لحقوق المساهمين وليس زيادة في التزاماتهم، وجاء بالمادة 274 شركات فرنسي ما يفيد صراحة إدراج مثل هذه الشروط بالنظام الأساسي للشركة، ويمكن بناء على ذلك إبطال قرار الجمعية العامة غير العادية الذي يضيف مثل هذه الشروط على أساس إساءة استعمال الحق، على أنه إذا كان هذا مسلماً به إلا أن تطبيقه يكون في الواقع استثنائياً لأن إساءة الحق عند التمسك بها تتعلق بشروط التطبيق للشرط المقيد وليس لمضمونه. 

ويشترط لصحة مثل هذه القيود وفقا للتشريع المصري أن ينص عليها وأن تدرج في نظام الشركة عند تأسيسها، ولا يجوز ذلك بعد تأسيس الشركة ما لم يتضمن النظام الذي وافق عليه المؤسسون النص على حق الجمعية العامة غير العادية في إدخال القيود التي تراها على تداول الأسهم (المادة 139).

والواقع أن هذه الشروط الواردة بالمادة (139) من اللائحة التنفيذية تثير الكثير من التساؤلات وبصفة خاصة الشرط المتعلق بضرورة النص في نظام الشركة الأساسي على حق الجمعية العامة غير العادية في إدخال القيود التي تراها على تداول الأسهم في حالة عدم النص صراحة على هذا الحق في نظام الشركة الأساسي، فإذا كان من المنطقي لتقرير القيود الاتفاقية على تداول الأسهم أن ينص على ذلك بنظام الشركة الأساسي فإنه من غير المنطقى حرمان الجمعية العامة غير العادية من إقراره إذا لم يكن هذا الحق مقرراً لها بداءة بنظام الشركة الأساسي، ذلك أن الجمعية العامة غير العادية هي المهيمنة على مصير الشركة وبصفة خاصة تعديل نظامها الأساسي بما تراه في صالح الشركة سواء بتخفيض رأس المال أو زيادته أو تقرير اندماجها أو حتى حلها حلاً مبتسراً للأسباب الواردة بالقانون، ويعد حق الجمعية العامة غير العادية على هذا النحو من النظام العام لا يجوز حرمانها منه على الإطلاق (المادة 68/ج من القانون) ومن باب أولى أن تكون لها وضع ما تراه من قيود في أي وقت تراه مناسباً. 

و لما كان ذلك فإنه من المقرر قانونا حق الجمعية العامة غير العادية بتعديل نظامها الأساسي بتضمينه ما يفيد وضع قيود على تداول أسهم الشركة سواء كان نظامها يتضمن مسبقاً ما يفيد حقها في ذلك من عدمه، والقول بغير ذلك يسلب الجمعية العامة غير العادية هذا الحق في تعديل نظامها وهو من النظام العام. 

ولذلك نرى عدم قانونية الجزء الأخير من المادة (139) من اللائحة التنفيذية والذي يحرم الجمعية العامة غير العادية حق إدخال القيود على تداول الأسهم إذا لم يتضمن نظامها الأساسي هذا الحق لها بداءة، لأنه يترتب عليه سلب حقها في تعديل نظامها في أي وقت تراه سواء نص بداءة على حقها هذا من عدمه كما سبق القول، وبناء على ذلك نرى أنه يحق دائما للجمعية العامة غير العادية تعديل نظامها الأساسي بما يتضمن وضع قيود على تداول الأسهم سواء كان منصوصاً على هذا الحق لها بنظام الشركة الأساسي من عدمه طالما أن هذه القيود لا يترتب عليها حرمان المساهم كلية من تداول الأسهم باعتبار ذلك من خصائص شركات المساهمة ومن الأسس التي لا يجوز الاتفاق على خلافها، وغنى عن البيان أنه يجوز للجمعية العامة تغيير نوع القيود التي تضعها على تداول الأسهم أو إعادة تنظيمها.

 وحددت المادة (140 / 2) من ذات اللائحة الحالات المستثناه التي لا يجوز فيها تطبيق القيود على تداول الأسهم وهي ما يتم من تنازل بين الأزواج والأصول والفروع. 

ولم يتضمن نص المادة (140) من اللائحة المشار إليه حكم التصرفات التي تتم بين المساهمين فيما بينهم، وكنا نفضل أن يشملهم هذا الحظر أيضاً نظراً لأن المساهم يعتبر شريكاً في الشركة ومن المقرر له كقاعدة عامة حق الأفضلية عن غير المساهمين في أسهم الشركة سواء عند بيعها ببورصة الأوراق المالية - حيث لا يستطيع أحد منعه من الشراء - أو عند زيادة رأس المال والواقع أننا لا نتصور مصلحة للشركة في إقصاء المساهمين الأصلاء عن الحق في التنازل إليهم بأسهم الشركة، إلا إذا كان الهدف من التقييد الخشية من تكديس الأسهم في أيدي أشخاص معينين أو التكوين أغلبية من المساهمين ضد أقلية منهم حيث لا يمثل ذلك مصلحة محمودة يمكن الدفاع عنها ويمكن لتفادي مثل هذه النتائج الاشتراط على حد معين من عدد الأسهم المملوكة للشريك بنظام الشركة الأساسي كما سبق القول. 

وقد سلك المشرع المصرى المسلك الصحيح بمناسبة التنازل عن الحصص بين الشركاء في الشركة ذات المسئولية المحدودة حيث قرر صراحة بالمادة (273) من اللائحة التنفيذية أنه «يجوز للشركاء فيما بينهم أن يتداولوا حصصهم في الشركة - كلها أو بعضها - دون أن يكون لباقی الشركاء في استرداد هذه الحصص ما لم يجز العقد الحق في الاسترداد» وكان يجب اتخاذ نفس الحال بالنسبة للتنازل عن الأسهم في شركات المساهمة من باب أولى حيث لا وجود أساسا للاعتبار الشخصي.

الشروط والإجراءات الواجب اتباعها في حالة اشتراط موافقة الشركة على انتقال ملكية الأسهم واستردادها : 

إذا تطلب نظام شركة المساهمة موافقة الشركة في حالة التنازل عن ملكية الأسهم واستردادها فيجب اتباع الشروط المنصوص عليها بالمادة (141) من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات. وبناء على هذه الشروط والأحكام يلزم مالك الأسهم بتوجيه طلب إلى الشركة للموافقة على بيع أسهمه ، ويجب أن يتضمن الطلب اسمه وعنوانه وعدد الأسهم موضوع التنازل ونوعها والثمن المعروض لشرائها ويتم توجيه الطلب إما بالبريد المسجل، أو بتسليمه مباشرة إلى مركز الشركة الرئيسي مع أخذ الإيصال اللازم بتاريخ التسليم . 

وتعتبر الشركة موافقة على تصرفه في الأسهم إذا لم يصله رد الشركة بالقبول أو الرفض خلال مدة ستين يوماً تحسب من تاريخ تقديمه الطلب الثابت بإيصال البريد المسجل. 

أما إذا استخدمت الشركة حقها في استرداد الأسهم فعليها - خلال ستين يوماً تحسب من تاريخ إبلاغ الشريك الراغب في التنازل باعتراضها على شخص المتنازل إليه – أن تتخذ أحد إجراءين: 

الإجراء الأول : تقديم متنازل إليه آخر سواء من المساهمين أو من غيرهم ليشترى الأسهم المرغوب في التنازل عنها .

الإجراء الثاني : شراء الشركة نفسها للأسهم المعروضة للبيع وذلك سواء ترغب الشركة بهذا الشراء تخفيض رأسمالها أو لغير ذلك من الأسباب کشرائها للعاملين بها.

 وتنص المادة ( 141 / 5، 2) من اللائحة التنفيذية على أن «... ويتم حساب الثمن - للأسهم المتنازل عنها - بالطريقة التي ينص عليها النظام». 

ومن الأمثلة على ذلك ما قد يشترطة نظام الشركة من تحديد الثمن بواسطة خبير أو بناء على قيمة مشروع الشركة حسب ما يظهر من آخر ميزانية مصادق عليها من الهيئات المختصة أو سعر السهم المحدد بناء على مزاد علني، على أنه لا يجوز وضع ثمن مسبق في نظام الشركة لشراء السهم بمقتضاه دون أن يمثل هذا المبلغ قدرا من العدالة وعدم التعسف ضد الأقلية الراغبة في بيع أسهمها إذ يترتب على ذلك استغلال وتعسف الأغلبية ضد الأقلية. 

وإذا لم تستعمل الشركة حقها في اتخاذ أحد الإجراءين المشار إليهما خلال الستين يوما من تاريخ إبلاغ صاحب الشأن بالاعتراض على المتنازل إليه اعتبر ذلك بمثابة موافقة من الشركة على التنازل . 

وأساس افتراض موافقة الشركة على شخص المتنازل إليه بعد مضى مدة الستين يوماً المشار إليها دون اتخاذ أحد الإجراءين سالفي الذكر، هو عودة إلى القاعدة العامة في شركات المساهمة وهي قابلية أسهمها للتداول دائماً وأن القيود الاتفاقية كحق الاسترداد أو الموافقة على شخص المتنازل إليه إنما تمثل استثناء. 

تخفيض رأس المال بطريق شراء الشركة لبعض أسهمها : 

ويقصد به التجاء الشركة إلى شراء العدد من الأسهم الذي تقرر إنقاص رأس المال بما يعادل قيمتهم، وعلى الشركة إعدام هذه الأسهم المشتراة، ويتم الشراء من رأس المال ذاته وليس من الاحتياطي حتى يعد تخفيضاً لرأس المال، ذلك أن الاحتياطي ما هو إلا ربح مجمد. 

ويجب على الشركة عند اتباعها هذا الطريق لتخفيض رأس المال أن توجه طلب الشراء إلى جميع المساهمين بإعلان ينشر في صحيفة الاستثمار، أو في صحيفتين يوميتين إحداهما على الأقل باللغة العربية مع إخطار المساهمين بمضمون هذا الإعلان على عناوينهم المبينة بسجلات الشركة. 

ويتعين أن يشمل الإعلان المشار إليه اسم الشركة وشكلها وعنوان مركزها الرئيسي ومقدار رأس المال المصدر، وعدد الأسهم المطلوب شراؤها، والثمن المعروض للسهم وكيفية أداء الثمن والمدة التي يظل عرض الشركة قائمة خلالها وكذلك المكان الذي يتم فيه للمساهم إبداء رغبته في البيع. 

وإذا زادت طلبات بيع الأسهم المقدمة من المساهمين على القدر الذي تطلب الشركة شراؤه، وجب تخفيض عدد الأسهم المشتراة من كل مساهم بما يتناسب مع مقدار ما يملكه من أسهم الشركة (المادة 110 / 1 من اللائحة التنفيذية). 

أما إذا قلت طلبات البيع عن القدر المطلوب شراؤه من الأسهم، فلمجلس الإدارة إما إعادة الإجراءات مع رفع سعر البيع، أو الشراء من السوق حسبما يحقق مصلحة الشركة. 

وعلى الشركة خلال شهر من تاريخ حصولها على الأسهم اللازمة التنفيذ التخفيض أن تقوم بإلغاء ما حصلت عليه من أسهم وذلك بالتأشير على شهادة السهم بسجلات الشركة بما يفيد الإلغاء، وإخطار بورصات الأوراق المالية بذلك (المادة 111 من اللائحة التنفيذية).  (الشركات التجارية للدكتورة / سميحة القليوبي، الطبعة السابعة، 2016، دار النهضة العربية ، الصفحة :  718)

كيفية تداول الأسهم :

يجب على شركات المساهمة أن تقدم أسهمها التي تصدر بطريق الاكتتاب العام خلال سنة على الأكثر من تاريخ قفل باب الاكتتاب إلى جميع بورصات الأوراق المالية في مصر لتقيد في جداول أسعارها طبقا للشروط والأوضاع المنصوص عليها في لوائح تلك البورصات (مادة 1 / 47 من القانون 159 لسنة 1981). 

كما يجب على الشركات المساهمة أن تقدم أسهمها التي لم تطرح للاكتتاب العام خلال ثلاثة أشهر من تاريخ نشر ميزانية السنة الثالثة إلى جميع بورصات الأوراق المالية في مصر لتقيد في جدول أسعارها طبقا للشروط والأوضاع المنصوص عليها في لوائح تلك البورصات (مادة 127 من اللائحة التنفيذية). 

ويقع عبء القيام بهذا الالتزام على عضو مجلس الإدارة المنتدب. ويكون مسئولا عن التعويض المستحق لأصحاب الشأن بسبب مخالفة ذلك (مادة 2 / 47 من القانون 159 لسنة 1981، المادة 2 / 127 من اللائحة التنفيذية).

 ويجب أن يتم التعامل في أسهم شركات المساهمة وغيرها من الأوراق المالية المقيدة بالبورصة بواسطة شركة سمسرة مرخص لها بذلك وإلا كان التعامل باطلا، وتضمن شركة السمسرة سلامة العملية التي تتم بواسطتها (مادة 18 من القانون 95 لسنة 1992)، وقد أكدت ذلك المادة 1/45 من قانون التجارة الجديد بقولها: "لا يجوز التعامل في سوق الأوراق المالية بالنسبة للصكوك المدرجة بجداول أسعارها إلا بواسطة سمسار مقبول للعمل بها وإلا كان التصرف باطلا .

 فإذا كان السهم محل التعامل إسميا: 

 فإنه يتم نقل ملكيته بقيد التصرف بجداول بورصة الأوراق المالية طبقا لمادتين 15 ، 16 من قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992. 

وعلى إدارة البورصة إخطار الشركة المساهمة مصدرة إلأسهم الإسمية خلال ثلاثة أيام من تاريخ القيد بانتقال ملكية السهم الإسمية (مادة 4 / 100 من اللائحة التنفيذية للقانون 95 لسنة 1992). 

 وعلى شركة المساهمة مصدرة الأسهم الإسمية إثبات نقل ملكيتها بسجلاتها خلال أسبوع من إخطارها من قبل إدارة البورصة (مادة 5 / 100 من اللائحة التنفيذية للقانون 95 لسنة 1992). 

أما إذا كان السهم محل التعامل لحامله : 

فيتم تداوله بمجرد التسليم المادي (أو المناولة من البائع إلى المشتري دون حاجة إلى اتخاذ إجراء معين. وقد نصت على ذلك المادة 3 / 100 من القانون رقم 93 لسنة 1992 بقولها: "وبالنسبة للأوراق المالية لحاملها يتم نقل ملكيتها بانتقال حيازتها". 

وبعد أن كان رأس مال شركة المساهمة قاصرة على الأسهم الإسمية فقط مادة ( 1 / 31 من القانون 159 لسنة 1981)، جاء قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992 ليجيز في المادة الأولى منه لشركات المساهمة إصدار أسهم لحاملها بما لا يزيد على 25% من إجمالي عدد أسهم الشركة منسوبة إلى جميع الإصدارات بشرط أن يتم الوفاء بقيمتها نقدا وأعطى لحاملي هذه الأسهم الحق في حضور الجمعيات العامة ومناقشة تقرير مجلس الإدارة والميزانية وحساب الأرباح والخسائر وتقرير مراقب الحسابات دون أن يكون لهم الحق في التصويت في الجمعيات العامة (مادة أولى من القانون 95 لسنة 1981 والمادة 13 من اللائحة التنفيذية لهذا القانون ولا يجوز تحويل الأسهم لحاملها إلى أسهم إسمية أو العكس (مادة 16 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 95 لسنة 1992) .

أما إذا كان السهم محل التعامل للأمر أو للإذن: 

فيتم تداوله بطريق التظهير أي بالكتابة على ظهر الصك بما يفيد نقل ملكيته كما هو الحال بالنسبة للأوراق التجارية وذلك دون حاجة إلى الرجوع إلى الشركة. وقد خلا التشريع المصري مما يفيد وجود أسهم للأمر أو للإذن ضمن الأوراق المالية المتداولة.

عدم جواز تداول أسهم العمل المخصصة للعاملين بشركة المساهمة

يجوز أن يتضمن نظام الشركة النص على تنظيم لمشاركة العاملين في الإدارة والأرباح وذلك على أساس إنشاء أسهم للعمل تكون مملوكة لمجموع العاملين (مادة 252 من اللائحة التنفيذية). 

وتصدر أسهم العمل دون قيمة ولا يجوز تداولها ولا تدخل في تكوين رأس مال شركة المساهمة. وهي تتقرر لصالح العاملين دون مقابل على النحو الوارد بنظام الشركة . 

والحكمة من هذا القيد تكمن في الحرص على أن تكون أسهم العمل المخصصة للعاملين بالشركة مملوكة دائمة للعاملين بالشركة دون غيرهم حتى يمكن أداء الوظيفة التي أنشئت من أجلها وخصصت هذه الأسهم وهي مشاركة العاملين في إدارة المشروع. 

القيود الاتفاقية الواردة على تداول الأسهم 

فضلا عن القيود القانونية السابقة يجوز أن يتضمن نظام الشركة بعض القواعد المتعلقة بتنظيم تداول الأسهم بشرط ألا تصل إلى حرمان المساهم من حق التنازل عن أسهمه. (مادة ۲ / 139 من اللائحة التنفيذية)، وهذه القواعد تعد بمثابة قيود اتفاقية على تداول الأسهم. 

كما يجوز إدراج هذه القيود الاتفاقية بنظام الشركة بعد تأسيسها إذا لم تكن منصوص عليها فيه من قبل إذا كان نظام الشركة يتضمن نصا يجيز للجمعية العامة غير العادية إدخال القيود التي تراها على تداول الأسهم (مادة 3 / 139 من اللائحة التنفيذية). هذا وقد جرى العمل على إدراج أي من القيود الآتية بنظامها الأساسي: 

حق الأفضلية:

وبمقتضاه يفضل المساهمون في شراء الأسهم المتنازل عنها على غير المساهمين الأجانب عن الشركة) فإذا رغب أحد المساهمين في الشركة في بيع أسهمه إلى أجنبي فإنه يجب عليه إخطار الشركة بذلك مع بيان اسم المشتري والثمن المعروض) وتحدد فترة زمنية معينة لمباشرة حق الأفضلية فإذا انقضت هذه الفترة دون أن يتقدم أحد من المساهمين لشراء هذا السهم أصبح هذا التنازل صحيحا ومنتجا لأثره في مواجهة الشركة والمساهمين ، أما إذا تقدم المساهمون لشراء الأسهم فإنه يجب عليهم شراؤها بالشروط المعلنة إلا أن يكون هناك تواطؤ بين المساهم الذي يرغب في التنازل والأجنبي عندئذ يتعين شراء الأسهم بحسب قيمتها التجارية في بورصة الأوراق المالية  . 

حق الاسترداد لمصلحة الشركة : 

وبمقتضاه تسترد الشركة الأسهم المباعة بقصد منع دخول أشخاص غرباء أو غير مرغوب منهم في الشركة. أو بقصد تخفيض رأس المال عن طريق شراء الشركة للأسهم. 

وتقوم الشركة بشراء الأسهم إذا وجد احتياطي أو أرباح يجوز التصرف فيها، فلا يجوز الاسترداد من رأس المال . 

موافقة مجلس الإدارة:

يجوز أن ينص نظام الشركة على وجوب موافقة إدارة الشركة على تنازل المساهم عن أسهمة إلى الغير (مادة 1/140 من اللائحة التنفيذية) وذلك بالشروط الآتية:

 يوجه مالك الأسهم طلبة إلى الشركة للموافقة على بيع أسهمه، ويجب أن يتضمن الطلب اسمه وعنوانه وعدد الأسهم موضوع التنازل ونوعها والثمن المعروض لشرائها ويتم توجيه الطلب إما بالبريد المسجل أو بتسليمه مباشرة على مركز الشركة الرئيسي مع أخذ الإيصال اللازم بتاريخ التسليم. 

 تعتبر الموافقة قد تمت إذا لم يصله الرد بالقبول أو الرفض خلال ستين يوما من تاريخ تقديم طلبه إليها - ويثبت التاريخ بإيصال البريد المسجل. 

 إذا اعترض مجلس إدارة الشركة على البيع وجب عليه أن يتخذ أحد الإجراءات الآتية خلال ستين يوما من تاريخ إبلاغ صاحب الشأن بالاعتراض:

 تقديم متنازل إليه آخر - سواء من المساهمين أو من غيرهم - ليشتري الأسهم. 

 شراء الأسهم، ويحسب الثمن بالطريقة التي ينص عليها النظام .

 وإذا لم يستعمل مجلس الإدارة حقه في اتخاذ أحد هذين الإجراءين خلال المدة المقررة اعتبر ذلك بمثابة موافقة على التنازل (مادة 141 من اللائحة التنفيذية). 

ولا يسري هذا القيد في حالة ما إذا تم التنازل بين الأزواج والأصول والفروع (مادة 2 / 140 من اللائحة التنفيذية). 

 والقصد من هذا القيد يكون غالبا لمنع دخول أشخاص غرباء و غير مرغوب فيهم في الشركة وقد يكون لتحقيق توازن توزيع أسهم الشركة فيما بين المساهمين . 

تحريم التنازل عن الأسهم لطوائف معينة كالأجانب أو لأشخاص يزاولون صناعة أو تجارة تعتبر منافسة للشركة. 

حق الاسترداد في حالة الوفاة : 

وقد يتضمن نظام الشركة نصا يخولها الحق في استرداد الأسهم في حالة وفاة المساهم وذلك بقصد منع دخول الورثة في الشركة .

أوجه الشبه والاختلاف بين السند والسهم:

 أولا : أوجه الشبه بين السند والسهم 

يتشابه السهم مع السند في أن كليهما يعتبر من المنقولات المعنوية، وأن لكل منهما إيراد دوري فلحامل السهم نصيب في الأرباح ولحامل السند فائدة، ويمثلان بصك كتابي وأنهما قابلان للتحويل وقابلان للتداول بالطرق التجارية، على أن أهم أوجه الشبه بين السهم والسند يخلص فيما يلي: 

عدم قابلية السهم والسند للتجزئة: 

تنص أغلب عقود الشركات على أن الأسهم وحصص التأسيس غير قابلة التجزئة وكذلك الحال بالنسبة للسندات إذ يشترط وقت إصدارها أنها غالبا غير قابلة للتجزئة لأن في تجزئتها تحميلا للشركة الإجراءات وتعقيدات هي في غنى عنها وأصبح هذا الشرط عامة في أغلب الشركات حتى أنه يمكن افتراضه ضمنا في الشركات التي تغفل عن ذكره لأن العرف التجاري جرى به. وليس المقصود من عدم تجزئة السهم أو السند أنه لا يمكن أن يملكه أكثر من شخص واحد وإنما الغرض من هذه القاعدة أنه إذا تملك السهم أو السند كثيرون کالموصى لهم أو الورثة في حال موت مورثهم فليس لكل واحد منهم أن يطالب الشركة بإعطائه صكا يمثل حصته في السهم أو السند أو إعطائه نصيب حصته في الأرباح أو الفوائد أو رأس المال. وإنما يتعين على الورثة أن يختاروا واحدة من بينهم يمثلهم أمام الشركة في حقوقهم والتزاماتهم فإن تعذر ذلك بيع السهم أو السند بالطرق المقررة قانونية في ذلك ويوزع ثمنه بين الورثة .

 أن الصكوك المثبتة للأسهم والسندات لها شكل واحد وتتداول بالطرق التجارية: 

تصدر الصكوك المثبتة للأسهم أو السندات إما إسمية أي يذكر فيها اسم صاحبها المقيد اسمه بسجلات الشركة. وإما لحاملها إذا كانت لا تحمل اسم حاملها ويكتفي أن يبين فيها رقمها المسلسل. 

والأسهم والسندات تتداول بالطرق التجارية فإذا كانت اسمية فهي تتداول بالقيد في بورصة الأوراق المالية مع إخطار الشركة المصدرة بهذا القيد خلال ثلاثة أيام ثم قيام الشركة المصدرة بإثبات هذا القيد بسجلاتها خلال أسبوع من إخطارها، أما إذا كانت الأسهم أو السندات لحاملها فإنها تتداول بالتسليم المادي (أو المناولة). 

ثانيا : أوجه التفرقة بين الأسهم والسندات 

أوجه الاختلاف بين السهم والسند ترجع إلى الطبيعة القانونية لكل منهما فبينما السهم حصة في رأس مال الشركة ويعتبر حامله شريكا في الشركة إذ بالسند دين على الشركة ويعتبر حامله دائنة للشركة. وهذا الاعتبار يترتب عليه النتائج الآتية: -

 أن الأسهم تصدرها الشركات فقط أما السندات فيجوز أن تصدرها الشركات أو الحكومات أو المجالس المحلية . 

أن السندات تعطى لحاملها فائدة ثابتة تقدر وقت إصدارها. في حين أن الأسهم تعطى لحاملها أرباحا متغيرة تختلف من سنة لأخرى تبعا لما تحققه الشركة من الأرباح. 

تعهد حامل السند بدفع قيمته يعد تعهدا مدنيا أما تعهد حامل السهم بدفع باقي قيمة السهم يعد تعهدا تجاريا .

 أن استهلاك الأسهم ليس ضرورية ولازمة. أما استهلاك السندات فهو ضروري لأن السندات تمثل قرض لابد من الوفاء به. 

 أن الأسهم تخول لأصحابها الاشتراك في إدارة الشركة وحق الحضور والتصويت في الجمعيات العامة في حين لا تخول السندات لأصحابها حق التدخل في الإدارة، ولهم حق تكوين جمعية خاصة بهم لحماية مصالحهم جمعية حملة السندات .

 إذا استولى حامل السند على قيمة سنده انقطعت صلته بالشركة أما المساهم الذي يستهلك أسهمه يظل على علاقة بالشركة إذ يعطى له بدلا من السهم المستهلك سهما آخر تحت مسمى سهم التمتع له بمقتضاه حق في الأرباح التي تحققها الشركة. (الشركات التجارية ، الأستاذ/ حسن عبد الحليم عناية، دار محمود للنشر والتوزيع، طبعة 2018-2019 ، المجلد: الأول ، الصفحة : 170 )

الفقه الإسلامي

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء /  الرابع عشر ، الصفحة / 134

تَوْثِيقٌ

التَّعْرِيفُ:

التَّوْثِيقُ لُغَةً: مَصْدَرُ وَثَّقَ الشَّيْءَ إِذَا أَحْكَمَهُ وَثَبَّتَهُ، وَثُلاَثِيُّهُ وَثُقَ. يُقَالُ وَثُقَ الشَّيْءُ وَثَاقَةً: قَوِيَ وَثَبَتَ وَصَارَ مُحْكَمًا.

وَالْوَثِيقَةُ مَا يُحْكَمُ بِهِ الأَْمْرُ، وَالْوَثِيقَةُ: الصَّكُّ بِالدَّيْنِ أَوِ الْبَرَاءَةُ مِنْهُ، وَالْمُسْتَنَدُ، وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى وَالْجَمْعُ وَثَائِقُ. وَالْمُوَثِّقُ مَنْ يُوَثِّقُ الْعُقُودَ، وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

التَّزْكِيَةُ وَالتَّعْدِيلُ:

التَّزْكِيَةُ:

التَّزْكِيَةُ: الْمَدْحُ وَالثَّنَاءُ، يُقَالُ: زَكَّى فُلاَنٌ بَيِّنَتَهُ أَيْ مَدَحَهَا، وَتَزْكِيَةُ الرَّجُلِ نِسْبَتُهُ إِلَى الزَّكَاءِ وَهُوَ الصَّلاَحُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الإِْخْبَارُ بِعَدَالَةِ الشَّاهِدِ.

وَالتَّعْدِيلُ مِثْلُهُ وَهُوَ نِسْبَةُ الشَّاهِدِ إِلَى الْعَدَالَةِ .

فَالتَّزْكِيَةُ وَالتَّعْدِيلُ تَوْثِيقٌ لِلأَْشْخَاصِ لِيُؤْخَذَ بِأَقْوَالِهِمْ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّوْثِيقُ أَعَمُّ لأَِنَّهُ يَشْمَلُ التَّزْكِيَةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ وَغَيْرِهِمَا.

الْبَيِّنَةُ:

الْبَيِّنَةُ مِنْ بَانَ الشَّيْءُ إِذَا ظَهَرَ، وَأَبَنْتُهُ: أَظْهَرْتُهُ، وَالْبَيِّنَةُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ، وَسَمَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الشُّهُودَ بَيِّنَةً لِوُقُوعِ الْبَيَانِ بِقَوْلِهِمْ وَارْتِفَاعِ الإِْشْكَالِ بِشَهَادَتِهِمْ وَعَلَى ذَلِكَ فَالتَّوْثِيقُ أَعَمُّ مِنَ الْبَيِّنَةِ لأَِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْبَيِّنَةَ وَالرَّهْنَ وَالْكَفَالَةَ.

التَّسْجِيلُ:

هُوَ الإِْثْبَاتُ فِي السِّجِلِّ وَهُوَ كِتَابُ الْقَاضِي وَنَحْوِهِ.

وَفِي الدُّرَرِ: الْمَحْضَرُ: مَا كُتِبَ فِيهِ مَا جَرَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ وَالْحُكْمِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ نُكُولٍ عَلَى وَجْهٍ يَرْفَعُ الاِشْتِبَاهَ، وَالصَّكُّ: مَا كُتِبَ فِيهِ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ وَالإِْقْرَارُ وَغَيْرُهَا. وَالْحُجَّةُ وَالْوَثِيقَةُ يَتَنَاوَلاَنِ الثَّلاَثَةَ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمَحَاضِرُ: مَا يُكْتَبُ فِيهَا قِصَّةُ الْمُتَحَاكِمَيْنِ عِنْدَ حُضُورِهِمَا مَجْلِسَ الْحُكْمِ وَمَا جَرَى بَيْنَهُمَا وَمَا أَظْهَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ حُجَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَنْفِيذٍ وَلاَ حُكْمٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَالسِّجِلاَّتُ: الْكُتُبُ الَّتِي تَجْمَعُ الْمَحَاضِرَ وَتَزِيدُ عَلَيْهَا بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ وَإِمْضَائِهِ.

وَعَلَى ذَلِكَ فَالتَّسْجِيلُ هُوَ إِثْبَاتُ الأَْحْكَامِ الَّتِي يَص ْدُرُهَا الْقَاضِي وَتَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ. فَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوْثِيقِ.

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّوْثِيقِ:

فِي التَّوْثِيقِ مَنْفَعَةٌ مِنْ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: صِيَانَةُ الأَْمْوَالِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِصِيَانَتِهَا وَنُهِينَا عَنْ إِضَاعَتِهَا.

وَالثَّانِي: قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ فَإِنَّ الْوَثِيقَةَ تَصِيرُ حُكْمًا بَيْنَ الْمُتَعَامِلَيْنِ وَيَرْجِعَانِ إِلَيْهَا عِنْدَ الْمُنَازَعَةِ فَتَكُونُ سَبَبًا لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ وَلاَ يَجْحَدُ أَحَدُهُمَا حَقَّ صَاحِبِهِ مَخَافَةَ أَنْ تَخْرُجَ الْوَثِيقَةُ وَتَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَيَنْفَضِحَ أَمْرُهُ بَيْنَ النَّاسِ.

وَالثَّالِثُ: التَّحَرُّزُ عَنِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ لأَِنَّ الْمُتَعَامِلَيْنِ رُبَّمَا لاَ يَهْتَدِيَانِ إِلَى الأَْسْبَابِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعَقْدِ لِيَتَحَرَّزَا عَنْهَا فَيَحْمِلُهُمَا الْكَاتِبُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا رَجَعَا إِلَيْهِ لِيَكْتُبَ.

وَالرَّابِعُ: رَفْعُ الاِرْتِيَابِ فَقَدْ يُشْتَبَهُ عَلَى الْمُتَعَامِلَيْنِ إِذَا تَطَاوَلَ الزَّمَانُ مِقْدَارُ الْبَدَلِ وَمِقْدَارُ الأَْجَلِ فَإِذَا رَجَعَا إِلَى الْوَثِيقَةِ لاَ يَبْقَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا رِيبَةٌ.

وَهَذِهِ فَوَائِدُ التَّوْثِيقِ بِالتَّسْجِيلِ، وَهُنَاكَ تَوْثِيقٌ بِالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ لِحِفْظِ الْحَقِّ.

حُكْمُ التَّوْثِيقِ:

تَوْثِيقُ التَّصَرُّفَاتِ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ لاِحْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَيْهِ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ خَشْيَةَ جَحْدِ الْحُقُوقِ أَوْ ضَيَاعِهَا.

وَالأَْصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّوْثِيقِ مَا وَرَدَ مِنْ نُصُوصٍ، فَفِي مَسَائِلِ الدَّيْنِ

جَاءَ قوله تعالى : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَإِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهَ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).

وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ).

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الأَْمْرِ بِالْكِتَابَةِ وَالإِْشْهَادِ عَلَى وَجْهَيْنِ:

الأَْوَّلِ: أَنَّ الأَْمْرَ لِلنَّدْبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الأَْمْرَ بِالْكِتَابَةِ وَالإِْشْهَادِ فِي الْمُبَايَعَاتِ وَالْمُدَايَنَاتِ لَمْ يَرِدْ إِلاَّ مَقْرُونًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ).

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الأَْمْنَ لاَ يَقَعُ إِلاَّ بِحَسَبِ الظَّنِّ وَالتَّوَهُّمِ لاَ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا أُمِرَ بِهَا لِطُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ لاَ لِحَقِّ الشَّرْعِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِحَقِّ الشَّرْعِ مَا قَالَ: ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)، وَلاَ ثِقَةَ بِأَمْنِ الْعِبَادِ، إِنَّمَا الاِعْتِمَادُ عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّرْعُ مَصْلَحَةً، فَالشَّهَادَةُ مَتَى شُرِعَتْ فِي النِّكَاحِ لَمْ تَسْقُطْ بِتَرَاضِيهِمَا وَأَمْنِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الأَْمْرَ بِالْكِتَابَةِ وَالإِْشْهَادِ مَنْدُوبٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ شُرِعَ لِلطُّمَأْنِينَةِ.

كَذَلِكَ جَاءَ قوله تعالى : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) عَقِبَ قَوْلِهِ: ( وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَتْرُكَ الرَّهْنَ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الشَّهَادَةِ جَازَ تَرْكُ الإِْشْهَادِ.

وَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ». «وَاشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سَرَاوِيلَ وَمِنْ أَعْرَابِيٍّ فَرَسًا فَجَحَدَهُ الأَْعْرَابِيُّ حَتَّى شَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَشْهَدَ فِي ذَلِكَ، «وَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِْشْهَادِ، وَأَخْبَرَهُ عُرْوَةُ أَنَّهُ اشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ تَرْكَ الإِْشْهَادِ»، «وَكَانَ الصَّحَابَةُ رضوان الله عليهم يَتَبَايَعُونَ فِي عَصْرِهِ فِي الأَْسْوَاقِ، فَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالإِْشْهَادِ، وَلاَ نُقِلَ عَنْهُمْ فِعْلُهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم».

وَقَدْ نَقَلَتِ الأُْمَّةُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ عُقُودَ الْمُدَايَنَاتِ وَالأَْشْرِبَةِ وَالْبِيَاعَاتِ فِي أَمْصَارِهِمْ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ مَعَ عِلْمِ فُقَهَائِهِمْ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ الإِْشْهَادُ وَاجِبًا لَمَا تَرَكُوا النَّكِيرَ عَلَى تَارِكِهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ رَأَوْهُ نَدْبًا.

ثُمَّ إِنَّ الْمُبَايَعَةَ تَكْثُرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَغَيْرِهَا، فَلَوْ وَجَبَ الإِْشْهَادُ فِي كُلِّ مَا يَتَبَايَعُونَهُ أَمْضَى إِلَى الْحَرَجِ الْمَحْطُوطِ عَنَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).

فَآيَةُ الْمُدَايَنَاتِ الأَْمْرُ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ لِلإِْرْشَادِ إِلَى حِفْظِ الأَْمْوَالِ وَالتَّعْلِيمِ، كَمَا أَمَرَ بِالرَّهْنِ وَالْكِتَابَةِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ صَرَّحَ بِذَلِكَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَأَبُو أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَإِسْحَاقُ، وَجُمْهُورُ الأُْمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.

الثَّانِي: أَنَّ الأَْمْرَ لِلْوُجُوبِ فَالإِْشْهَادُ فَرْضٌ لاَزِمٌ يَعْصِي بِتَرْكِهِ لِظَاهِرِ الأَْمْرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ آيَةَ الدَّيْنِ مُحْكَمَةٌ وَمَا فِيهَا نَسْخٌ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضى الله تعالى عنهما إِذَا بَاعَ بِنَقْدٍ أَشْهَدَ وَلَمْ يَكْتُبْ، وَإِذَا بَاعَ بِنَسِيئَةٍ كَتَبَ وَأَشْهَدَ.

قَالَ بِذَلِكَ الضَّحَّاكُ، وَعَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

وَقَدْ يَكُونُ التَّوْثِيقُ وَاجِبًا بِالاِتِّفَاقِ كَتَوْثِيقِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الإِْشْهَادَ فِيهِ وَاجِبٌ سَوَاءٌ أَكَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ كَمَا يَقُولُ الْجُمْهُورُ أَمْ عِنْدَ الدُّخُولِ كَمَا يَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ - وَالأَْصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ». فَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةً إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْوَطْءِ.

وَقَدْ يَكُونُ التَّوْثِيقُ مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا، وَذَلِكَ كَالإِْشْهَادِ عَلَى الْعَطِيَّةِ لِلأَْوْلاَدِ إِنْ حَصَلَ فِيهَا تَفَاوُتٌ. إِذِ اعْتَبَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مَكْرُوهًا وَاعْتَبَرَهُ بَعْضُهُمُ الآْخَرُ حَرَامًا وَذَلِكَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضى الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلاَدِكُمْ، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ: فَلاَ تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ»، وَفِي لَفْظٍ «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي».

وَمَعَ الاِخْتِلاَفِ فِي حُكْمِ تَوْثِيقِ الْمُعَامَلاَتِ فَإِنَّهُ حَقٌّ لِكُلِّ مَنْ طَلَبَهُ. يَقُولُ ابْنُ فَرْحُونَ: إِذَا قُلْنَا إِنَّ الإِْشْهَادَ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الدَّيْنِ وَالْبَيْعِ فَإِنَّهُ حَقٌّ لِكُلِّ مَنْ دَعَى إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوِ الْمُتَدَايِنَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ يُقْضَى لَهُ بِهِ عَلَيْهِ إِنْ أَبَاهُ؛ لأَِنَّ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لاَ يَأْتَمِنَهُ؛ وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى مَنْ بَاعَ سِلْعَةً لِغَيْرِهِ الإِْشْهَادُ عَلَى الْبَيْعِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ؛ لأَِنَّ رَبَّ السِّلْعَةِ لَمْ يَرْضَ بِائْتِمَانِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فِيهِ حَقٌّ لِغَائِبٍ الإِْشْهَادُ فِيهِ وَاجِبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الزَّانِيَيْنِ: ( وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) فَأَمَرَ بِالإِْشْهَادِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ اللِّعَانُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لاِنْقِطَاعِ نَسَبِ الْوَلَدِ.

طُرُقُ التَّوْثِيقِ:

لِلتَّوْثِيقِ طُرُقٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَهِيَ قَدْ تَكُونُ بِعَقْدٍ - وَهُوَ مَا يُسَمَّى عُقُودُ التَّوْثِيقَاتِ - كَالرَّهْنِ وَالْكَفَالَةِ، وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ عَقْدٍ كَالْكِتَابَةِ وَالإِْشْهَادِ وَحَقِّ الْحَبْسِ وَالاِحْتِبَاسِ.

وَمِنَ التَّوْثِيقَاتِ مَا هُوَ وَثِيقَةٌ بِمَالٍ كَالرَّهْنِ وَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ وَثِيقَةٌ بِذِمَّةٍ كَالْكَفَالَةِ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

الْكِتَابَةُ:

كِتَابَةُ الْمُعَامَلاَتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ وَسِيلَةٌ لِتَوْثِيقِهَا، أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِهَا فِي قَوْلِهِ: ( إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) وَقَدْ وَثَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْكِتَابَةِ فِي مُعَامَلاَتِهِ، فَبَاعَ وَكَتَبَ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَثِيقَةُ التَّالِيَةُ:

«هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَاءُ بْنُ خَالِدٍ بْنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، لاَ دَاءَ، وَلاَ غَائِلَةَ، وَلاَ خِبْثَةَ، بَيْعُ الْمُسْلِمِ مِنَ الْمُسْلِمِ».

كَذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْكِتَابِ فِيمَا قَلَّدَ فِيهِ عُمَّالَهُ مِنَ الأَْمَانَةِ وَأَمَرَ بِالْكِتَابِ فِي الصُّلْحِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ. وَالنَّاسُ تَعَامَلُوهُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.

وَالْمَقْصُودُ بِكِتَابَةِ التَّصَرُّفَاتِ هُوَ إِحْكَامُهَا بِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهَا، وَالْفِقْهُ هُوَ الَّذِي رَسَمَ هَذِهِ الشُّرُوطَ، وَعَنْ طَرِيقِهِ يُعْرَفُ مَا يَصِحُّ مِنَ الْوَثَائِقِ وَمَا يَبْطُلُ؛ إِذْ لَيْسَ لِلتَّوْثِيقِ أَرْكَانٌ وَشُرُوطٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْفِقْهِ، وَمَا يُكْتَبُ يُسَمَّى وَثِيقَةً.

لَكِنْ لَيْسَتْ كُلُّ وَثِيقَةٍ تُكْتَبُ بِتَصَرُّفٍ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ رَهْنٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ تُسَمَّى وَثِيقَةً شَرْعًا، إِنَّمَا تُسَمَّى كَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْكِتَابَةُ حَسَبَ الشُّرُوطِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ - فِيمَا يُسَمَّى بِعِلْمِ الشُّرُوطِ - وَمَا لِذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ انْعِقَادٍ، وَصِحَّةٍ وَنَفَاذٍ، وَلُزُومٍ؛ لأَِنَّ الأَْحْكَامَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْعِبَارَاتِ فِي الدَّعَاوَى وَالإِْقْرَارَاتِ وَالشَّهَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَاتِّبَاعُ الشُّرُوطِ الَّتِي وَضَعَهَا الْفُقَهَاءُ هُوَ الَّذِي يَتَضَمَّنُ حُقُوقَ الْمَحْكُومِ لَهُ وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. وَالشَّهَادَةُ لاَ تُسْمَعُ إِلاَّ بِمَا فِيهِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ( ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا).

الإِْشْهَادُ:

إِشْهَادُ الشُّهُودِ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ وَسِيلَةٌ لِتَوْثِيقِهَا، وَاحْتِيَاطٌ لِلْمُتَعَامِلِينَ عِنْدَ التَّجَاحُدِ؛ إِذْ هِيَ إِخْبَارٌ لإِِثْبَاتِ حَقٍّ - وَالْقِيَاسُ يَأْبَى كَوْنَ الشَّهَادَةِ حُجَّةً فِي الأَْحْكَامِ لأَِنَّهُ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَالْمُحْتَمَلُ لاَ يَكُونُ حُجَّةً مُلْزِمَةً؛ وَلأَِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لاَ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْقَضَاءُ مُلْزِمٌ، فَيَسْتَدْعِي سَبَبًا مُوجِبًا لِلْعِلْمِ وَهُوَ الْمُعَايَنَةُ، فَالْقَضَاءُ أَوْلَى. لَكِنْ تُرِكَ ذَلِكَ بِالنُّصُوصِ الَّتِي فِيهَا أَمْرٌ لِلأَْحْكَامِ بِالْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ. مِنْ ذَلِكَ قوله تعالى : (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ).

وَلَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الشُّهُودَ بَيِّنَةً لِوُقُوعِ الْبَيَانِ بِقَوْلِهِمْ وَارْتِفَاعِ الإِْشْكَالِ بِشَهَادَتِهِمْ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» قَالَ السَّرَخْسِيُّ: فِي ذَلِكَ مَعْنَيَانِ:

أَحَدُهُمَا: حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمُنَازَعَاتِ وَالْخُصُومَاتِ تَكْثُرُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ فِي كُلِّ خُصُومَةٍ وَالتَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ.

وَالثَّانِي: مَعْنَى إِلْزَامِ الشُّهُودِ حَيْثُ جَعَلَ الشَّرْعُ شَهَادَتَهُمْ حُجَّةً لإِِيجَابِ الْقَضَاءِ مَعَ احْتِمَالِ الْكَذِبِ إِذَا ظَهَرَ رُجْحَانُ جَانِبِ الصِّدْقِ.

وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى الشَّهَادَةِ لِحُصُولِ التَّجَاحُدِ بَيْنَ النَّاسِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا.

وَالْبَيِّنَاتُ مُرَتَّبَةٌ بِحَسَبِ الْحُقُوقِ الْمَشْهُودِ فِيهَا، وَلاَ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ؛ إِذْ لاَ يَجُوزُ الشَّهَادَةُ إِلاَّ بِمَا عَلِمَ وَقَطَعَ بِمَعْرِفَتِهِ لاَ بِمَا يَشُكُّ فِيهِ، وَلاَ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَعْرِفَتُهُ.

وَلِبَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّهَادَةِ يُنْظَرُ فِي (إِشْهَادٌ - شَهَادَةٌ).

الرَّهْنُ:

الرَّهْنُ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ التَّوْثِيقِ، إِذْ هُوَ الْمَالُ الَّذِي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِيَسْتَوْفِيَ الدَّائِنُ مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَالأَْصْلُ فِيهِ قوله تعالى : (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ).

قَالَ الْجَصَّاصُ: «يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إِذَا عَدِمْتُمِ التَّوَثُّقَ بِالْكِتَابِ وَالإِْشْهَادِ، فَالْوَثِيقَةُ بِرِهَانٍ مَقْبُوضَةٍ، فَأَقَامَ الرَّهْنَ فِي بَابِ التَّوَثُّقِ فِي الْحَالِ الَّتِي لاَ يَصِلُ (الدَّائِنُ) فِيهَا إِلَى التَّوَثُّقِ بِالْكِتَابِ وَالإِْشْهَادِ مَقَامَهَا».

وَلأَِنَّ الرَّهْنَ شُرِعَ لِلْحَاجَةِ إِلَى تَوْثِيقِ الدَّيْنِ عَنْ تَوَاءِ الْحَقِّ (أَيْ هَلاَكِهِ) بِالْجُحُودِ وَالإِْنْكَارِ فَكَانَ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ حَبْسُ الْعَيْنِ الَّتِي وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا رَهْنًا. إِذِ التَّوْثِيقُ إِنَّمَا يَحْصُلُ إِذَا كَانَ يَمْلِكُ حَبْسَ الْعَيْنِ، فَيَحْمِلُ ذَلِكَ الْمَدِينَ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ فِي أَسْرَعِ الأَْوْقَاتِ. وَبِالرَّهْنِ يُؤْمَنُ الْجُحُودُ وَالإِْنْكَارُ. وَلِذَلِكَ إِذَا حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ كَانَ لِلدَّائِنِ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى الْقَاضِي، فَيَبِيعَ عَلَيْهِ الرَّهْنَ وَيُنْصِفَهُ مِنْهُ إِنْ لَمْ يُجِبْهُ الرَّاهِنُ إِلَى ذَلِكَ. وَمِنْ ثَمَّ يَخْتَصُّ الرَّهْنُ بِأَنْ يَكُونَ مَحَلًّا قَابِلاً لِلْبَيْعِ، فَلاَ يَجُوزُ التَّوْثِيقُ بِرَهْنِ مَا لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الْجُمْلَةِ.

وَلأَِنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَةِ الْحَقِّ الْمَرْهُونِ فِيهِ وَبِبَعْضِهِ، فَإِذَا أَدَّى بَعْضَ الدَّيْنِ بَقِيَ الرَّهْنُ جَمِيعُهُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ؛ لأَِنَّهُ مَحْبُوسٌ بِحَقٍّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ.

وَقِيلَ: يَبْقَى مِنَ الرَّهْنِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ بِقَدْرِ مَا يَبْقَى مِنَ الْحَقِّ؛ لأَِنَّ جَمِيعَهُ مَحْبُوسٌ بِجَمِيعِهِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَبْعَاضُهُ مَحْبُوسَةً بِأَبْعَاضِهِ.

هَذَا وَلِلرَّهْنِ شُرُوطٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَقْبُوضًا وَكَوْنُهُ بِدَيْنٍ لاَزِمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي (رَهْنٌ).

 الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ:

الضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ قَدْ يُسْتَعْمَلاَنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الضَّمَانُ لِلدَّيْنِ وَالْكَفَالَةُ لِلنَّفْسِ، وَهُمَا مَشْرُوعَانِ لِلتَّوْثِيقِ. إِذْ فِيهِ ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الأَْصِيلِ عَلَى وَجْهِ التَّوْثِيقِ، وَالأَْصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ( وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ).

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْكْوَعِ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ دِينَارَانِ، قَالَ: هَلْ تَرَكَ لَهُمَا وَفَاءً؟ قَالُوا: لاَ، فَتَأَخَّرَ فَقِيلَ: لِمَ لاَ تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: مَا تَنْفَعُهُ صَلاَتِي وَذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ إِلاَّ إِنْ قَامَ أَحَدُكُمْ فَضَمِنَهُ. فَقَامَ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم .

وَلأَِنَّ الْكَفَالَةَ تُؤَمِّنُ الدَّائِنَ عَنِ التَّوَى بِإِفْلاَسِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَعْدَمَ الْمَضْمُونُ أَوْ غَابَ أَنَّ الضَّامِنَ يَغْرَمُ الْمَالَ. وَإِذَا حَضَرَ الضَّامِنُ وَالْمَضْمُونُ وَهُمَا مُوسِرَانِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: لِلطَّالِبِ أَنْ يُطَالِبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الضَّامِنِ فَمَلَكَ مُطَالَبَتَهُ كَالأَْصِيلِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِمَالِكٍ.

وَفِي قَوْلِهِ الآْخَرِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْكَفِيلَ مَعَ وُجُودِ الأَْصِيلِ إِلاَّ إِذَا تَعَذَّرَتْ مُطَالَبَةُ الأَْصِيلِ؛ لأَِنَّ الْكَفَالَةَ لِلتَّوَثُّقِ فَلاَ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ مِنَ الْكَفِيلِ إِلاَّ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنَ الأَْصِيلِ كَالرَّهْنِ.

هَذَا وَشُرُوطُ الضَّمَانِ وَمَنْ يَصِحُّ مِنْهُ وَمَا يَصِحُّ بِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (كَفَالَةٌ وَضَمَانٌ).

حَقُّ الْحَبْسِ وَالاِحْتِبَاسِ:

لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّوْثِيقِ صِيَانَةَ الْحُقُوقِ وَالاِحْتِيَاطَ؛ لِذَلِكَ كَانَ مِنْ حَقِّ الدَّائِنِ أَنْ يَتَوَثَّقَ لِحَقِّهِ بِحَبْسِ مَا تَحْتَ يَدِهِ لاِسْتِيفَاءِ حَقِّهِ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ وَلِذَلِكَ صُوَرٌ مُخْتَلِفَةٌ:

مِنْهَا: حَقُّ احْتِبَاسِ الْمَبِيعِ إِلَى قَبْضِ الثَّمَنِ - يَقُولُ ابْنُ عَابِدِينَ: لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ إِلَى قَبْضِ الثَّمَنِ، وَلَوْ بَقِيَ مِنْهُ دِرْهَمٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئَيْنِ بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَمَّى لِكُلٍّ ثَمَنًا فَلَهُ حَبْسُهُمَا إِلَى اسْتِيفَاءِ الْكُلِّ، وَلاَ يَسْقُطُ حَقُّ الْحَبْسِ بِالرَّهْنِ، وَلاَ بِالْكَفِيلِ، وَلاَ بِإِبْرَائِهِ عَنْ بَعْضِ الثَّمَنِ حَتَّى يَسْتَوفِيَ الْبَاقِي.

وَيَنْظُرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (بَيْعٌ وَحَبْسٌ).

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ لَهُ حَقُّ حَبْسِ الْمَنَافِعِ إِلَى أَنْ يَتَسَلَّمَ الأُْجْرَةَ الْمُعَجَّلَةَ، وَكَذَلِكَ لِلصَّانِعِ حَقُّ حَبْسِ الْعَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَلِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ إِذَا كَانَ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ فِي الْعَيْنِ كَالْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (إِجَارَةٌ وَاسْتِصْنَاعٌ).

وَمِنْ ذَلِكَ حَبْسُ الْمَدِينِ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ، وَمَاطَلَ فِي الأَْدَاءِ، وَطَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنَ الْقَاضِي حَبْسَهُ؛ وَلِلدَّائِنِ كَذَلِكَ مَنْعُهُ مِنَ السَّفَرِ؛ لأَِنَّ لَهُ وِلاَيَةَ حَبْسِهِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي: (دَيْنٌ، أَدَاءٌ، وَفَاءٌ).

هَذِهِ هِيَ أَشْهَرُ أَنْوَاعِ التَّوْثِيقِ، وَهُنَاكَ أُمُورٌ أُخْرَى يَكُونُ الْقِيَامُ بِهَا تَوْثِيقًا لِلْحَقِّ وَصِيَانَةً لَهُ. فَكِتَابَةُ الأَْحْكَامِ فِي السِّجِلاَّتِ تُعْتَبَرُ تَوْثِيقًا لِهَذِهِ الأَْحْكَامِ، وَالْحَجْرُ عَلَى الْمُفْلِسِ تَوْثِيقٌ لِحُقُوقِ الدَّائِنِينَ. وَهَكَذَا، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي: (إِفْلاَسٌ، حَجْرٌ، كِتَابَةٌ).

مَا يَدْخُلُهُ التَّوْثِيقُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ:

كُلُّ تَصَرُّفٍ صَحِيحٍ مُسْتَوْفٍ لِشُرُوطِهِ يَدْخُلُهُ التَّوْثِيقُ إِذْ التَّوْثِيقُ يُؤَكِّدُ الْحُقُوقَ لأَِصْحَابِهَا وَيُسَهِّلُ لَهُمُ الْوُصُولُ إِلَيْهَا عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَالتَّجَاحُدِ يَقُولُ الْجَصَّاصُ فِي قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوه ). فِي الآْيَةِ الأَْمْرُ بِالإِْشْهَادِ إِذَا صَحَّتِ الْمُدَايَنَةُ.

وقوله تعالى : ( وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ): فِيهِ أَمْرٌ لِمَنْ تَوَلَّى كِتَابَةَ الْوَثَائِقِ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَكْتُبَهَا بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ.

وقوله تعالى : ( وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) قَالَ الْجَصَّاصُ: يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا بَيَّنَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ وَالْمُدَايَنَاتِ الثَّابِتَةِ الْجَائِزَةِ لِكَيْ يَحْصُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَدَايِنَيْنِ مَا قَصَدَ مِنْ تَصْحِيحِ عَقْدِ الْمُدَايَنَةِ.

أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الْبَاطِلَةُ فَالأَْصْلُ فِيهَا أَنَّ الإِْقْدَامَ عَلَيْهَا حَرَامٌ، وَيَأْثَمُ فَاعِلُهَا لاِرْتِكَابِهِ الْمَعْصِيَةَ بِمُخَالَفَتِهِ الْمَشْرُوعَ، وَبِالتَّالِي يَكُونُ تَوْثِيقُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ حَرَامًا؛ إِذْ وَسِيلَةُ الشَّيْءِ تَأْخُذُ حُكْمَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ لاَ فَائِدَةَ مِنْ تَوْثِيقِ التَّصَرُّفَاتِ الْبَاطِلَةِ لأَِنَّهَا مَفْسُوخَةٌ شَرْعًا، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا آثَارُهَا كَمَا تَتَرَتَّبُ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الصَّحِيحَةِ.

كَذَلِكَ «أَبَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَشْهَدَ عَلَى - تَصَرُّفٍ جَائِرٍ فَامْتَنَعَ مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى هِبَةِ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ ابْنَهُ النُّعْمَانَ لأَِنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَ أَوْلاَدِهِ فِي الْعَطِيَّةِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ بَشِيرًا رَدَّ عَطِيَّتَهُ».

وَيَقُولُ الدُّسُوقِيُّ: الْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَالْقَرْضُ الْفَاسِدُ إِذَا شُرِطَ فِيهِ رَهْنٌ فَدَفَعَهُ الْمُشْتَرِي أَوِ الْمُقْتَرِضُ فَإِنَّ الرَّهْنَ يَكُونُ فَاسِدًا، وَيَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرُدَّهُ لِلرَّاهِنِ؛ لأَِنَّ الرَّهْنَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ.

وَإِذَا كَانَ التَّوْثِيقُ لاَ يَرِدُ إِلاَّ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنَّ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ مَا يَجُوزُ أَنْ تَجْمَعَ أَكْثَرُ مِنْ تَوْثِيقٍ، وَمِنْهَا مَا يُوَثَّقُ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.

يَقُولُ الزَّرْكَشِيُّ: مِنَ الْعُقُودِ مَا يَدْخُلُهُ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ وَالشَّهَادَةُ، كَالْبَيْعِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ.

وَمِنْهُ مَا يَسْتَوْثِقُ مِنْهُ بِالشَّهَادَةِ لاَ بِالرَّهْنِ وَهُوَ الْمُسَاقَاةُ، جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِهَا، قَالَ: لأَِنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ - وَكَذَلِكَ الْجَعَالَةُ، وَمِنْهُ الْمُسَابَقَةُ إِذَا اسْتَحَقَّ رَهْنَهَا جَازَ الرَّهْنُ وَالضَّمِينُ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ أَوْ لاَزِمٌ.

 وَمِنْهُ مَا يَدْخُلُهُ الضَّمِينُ دُونَ الرَّهْنِ وَهُوَ ضَمَانُ الدَّرْكِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ.

بُطْلاَنُ التَّوْثِيقِ:

يَبْطُلُ التَّوْثِيقُ بِعِدَّةِ أُمُورٍ مِنْهَا:

إِذَا كَانَ التَّوْثِيقُ ضِمْنَ تَصَرُّفٍ فَاسِدٍ، إِذْ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا فَسَدَ الْمُتَضَمِّنُ فَسَدَ الْمُتَضَمَّنُ.

وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ بَطَلَ الرَّهْنُ لِفَسَادِ الْبَيْعِ حَتَّى لاَ يَثْبُتَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ الْحَبْسِ وَلِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ.

إِذَا فُقِدَتْ شُرُوطُ الْوَثَائِقِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. فَفِي الشَّهَادَةِ مَثَلاً تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ وَشَهَادَةُ مَنْ يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ أَوْ يَدْفَعُ عَنْهَا مَضَرَّةً، وَمِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ الْمِدْيَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّ الدَّيْنِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (شَهَادَةٌ).

وَفِي الرَّهْنِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ مَحَلًّا قَابِلاً لِلْبَيْعِ وَهُوَ - كَمَا يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ - أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ، وَأَنْ يَكُونَ مَالاً مُطْلَقًا مُتَقَوِّمًا مَعْلُومًا مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ، فَلاَ يَجُوزُ رَهْنُ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَلاَ مَا يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ، وَلاَ رَهْنُ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَلاَ رَهْنُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَالإِْحْرَامِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (رَهْنٌ).

وَفِي الْكَفَالَةِ يُشْتَرَطُ فِي الْكَفِيلِ أَوِ الضَّامِنِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ، فَيَبْطُلُ ضَمَانُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ - وَأَنْ يَكُونَ الْمَكْفُولُ لَهُ مَعْلُومًا لأَِنَّ الْمَكْفُولَ لَهُ إِذَا كَانَ مَجْهُولاً لاَ يَحْصُلُ مَا شُرِعَتْ لَهُ الْكَفَالَةُ وَهُوَ التَّوَثُّقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي: (كَفَالَةٌ - ضَمَانٌ).

إِذَا كَانَ التَّوْثِيقُ مُخَالِفًا لأَِمْرِ الشَّرْعِ فَإِذَا كَانَ الْمَدِينُ مُعْسِرًا غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ لاَ يَجُوزُ حَبْسُهُ لقوله تعالى : ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ).

كَذَلِكَ لاَ يُحْبَسُ الْوَالِدُ بِدَيْنِ الْوَلَدِ لقوله تعالى : ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) وَقَوْلُهُ: ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) وَيَقُولُ الدُّسُوقِيُّ: يَبْطُلُ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ الْمُتَحَمَّلُ بِهِ فَاسِدًا كَمَا لَوْ كَانَ رِبًا كَمَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لآِخَرَ: ادْفَعْ لِهَذَا دِينَارًا فِي دِينَارَيْنِ لِشَهْرٍ، أَوِ ادْفَعْ لَهُ دَرَاهِمَ فِي دَنَانِيرَ إِلَى شَهْرٍ، وَأَنَا حَمِيلٌ بِذَلِكَ (أَيْ كَفِيلٌ) فَالْحَمَالَةُ بَاطِلَةٌ وَلاَ يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ مُطْلَقًا.

وَكَبَيْعِ السِّلْعَةِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لأَِجَلٍ مَجْهُولٍ أَوْ مَعْلُومٍ، أَوْ كَانَ الْبَيْعُ وَقْتَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ - عِنْدَ مَنْ يَرَى بُطْلاَنَهُ - فَإِذَا ضَمِنَ ذَلِكَ الثَّمَنَ إِنْسَانٌ فَالضَّمَانُ بَاطِلٌ، وَلاَ يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ.

وَكَمَا إِذَا كَانَتْ الْحَمَالَةُ بِجُعْلٍ فَهِيَ فَاسِدَةٌ. لأَِنَّ شَرْطَ الْحَمَالَةِ أَنْ تَكُونَ لِلَّهِ، فَإِذَا كَانَتْ بِمُقَابِلٍ لاَ يُعْتَدُّ بِهَا.

إِذَا ضَاعَتْ وَثِيقَةُ الْحَقِّ فَصَالَحَ صَاحِبُهَا ثُمَّ وَجَدَ الْوَثِيقَةَ بَعْدَ الصُّلْحِ فَلاَ قِيَامَ (مُطَالَبَةَ) لَهُ بِهَا جَاءَ فِي الدُّسُوقِيِّ: مَنِ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ بِحَقٍّ فَقَالَ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقُّك ثَابِتٌ إِنْ أَتَيْت بِالْوَثِيقَةِ الَّتِي فِيهَا الْحَقُّ، فَقَالَ الْمُدَّعِي: ضَاعَتْ مِنِّي فَصَالَحَهُ ثُمَّ وَجَدَ الْوَثِيقَةَ بَعْدُ فَلاَ قِيَامَ لَهُ بِهَا، وَلاَ يُنْقَضُ الصُّلْحُ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا صَالَحَ عَلَى إِسْقَاطِ حَقِّهِ.

انْتِهَاءُ التَّوْثِيقِ:

يَنْتَهِي التَّوْثِيقُ بِانْتِهَاءِ مَا كَانَ سَبَبًا لَهُ وَمِنْ ذَلِكَ:

أ - احْتِبَاسُ الْمَبِيعِ لأَِجْلِ قَبْضِ الثَّمَنِ يَنْتَهِي بِأَدَاءِ الثَّمَنِ وَيَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ.

وَاحْتِبَاسُ الْمَرْهُونِ يَنْقَضِي بِأَدَاءِ الدَّيْنِ وَيَجِبُ فِكَاكُ الرَّهْنِ وَتَسْلِيمُهُ لِلرَّاهِنِ.

وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ حَقُّ الاِحْتِبَاسِ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي بِأَدَاءِ مَا كَانَ الاِحْتِبَاسُ لأَِجْلِهِ.

كَذَلِكَ يَنْتَهِي التَّوْثِيقُ بِإِبْرَاءِ الدَّائِنِ لِلْمَدِينِ وَبِحَوَالَةِ الْمَدِينِ لِلدَّائِنِ فِي الْجُمْلَةِ.

بِالْفَسْخِ أَوْ بِالْعَزْلِ كَمَا فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كَالْوَكَالَةِ وَالْقِرَاضِ الْوَدِيعَةِ إِذْ لاَ فَائِدَةَ فِي التَّوْثِيقِ.

بِبَيْعِ الْوَثِيقَةِ كَالْمَرْهُونِ يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ.

بِالْمُقَاصَّةِ فِي الدُّيُونِ.

بِهَلاَكِ الْمَعْقُود عَلَيْهِ كَالْمَبِيعِ إِذَا هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ.

مَوْتُ الْمَكْفُولِ بِهِ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ كُلِّ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ.

 أَثَرُ التَّوْثِيقِ:

أَهَمُّ أَثَرٍ لِلتَّوْثِيقِ صِيَانَةُ الْحُقُوقِ لأَِرْبَابِهَا وَإِثْبَاتُهَا عِنْدَ التَّجَاحُدِ. وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْضُ الآْثَارِ التَّبَعِيَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ:

مَنْعُ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ فِي الْمَرْهُونِ بِبَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ هِبَةٍ، وَيُعْتَبَرُ تَصَرُّفًا بَاطِلاً؛ لأَِنَّهُ - كَمَا يَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ - تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنَ الْوَثِيقَةِ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُرْتَهِنِ.

ثُبُوتُ وِلاَيَةِ مُطَالَبَةِ الْكَفِيلِ بِمَا عَلَى الأَْصِيلِ، فَيُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِالدَّيْنِ بِدَيْنٍ وَاجِبٍ عَلَى الأَْصِيلِ، وَيُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ بِإِحْضَارِ الْمَكْفُولِ بِنَفْسِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَائِبًا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا يُؤَخِّرُ الْكَفِيلُ إِلَى مُدَّةٍ يُمْكِنُهُ إِحْضَارُهُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فِي الْمُدَّةِ وَلَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُ لِلْقَاضِي حَبَسَهُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ عَجْزُهُ لَهُ.

ثُبُوتُ وِلاَيَةِ مُطَالَبَةِ الْكَفِيلِ الأَْصِيلَ إِذَا كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ وَأَدَّى الْكَفِيلُ مَا عَلَى الأَْصِيلِ.

بَيْعُ الْمَرْهُونِ فِي الرَّهْنِ إِذَا عَجَزَ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَنْ وَفَائِهِ.

التَّوْثِيقُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ:

يَقُولُ الْغَزَالِيُّ: الْمَقْبُولُ رِوَايَتُهُ: كُلُّ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ مُسْلِمٍ ضَابِطٍ فَلاَ تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِمَا يُخَالِفُ هَذِهِ الشُّرُوطَ.

وَيَثْبُتُ ذَلِكَ إِمَّا بِالاِخْتِبَارِ أَوْ بِالتَّزْكِيَةِ.

وَالتَّزْكِيَةُ هِيَ إِخْبَارُ الْعَدْلِ بِالْعَدَالَةِ. وَالأَْصْلُ فِي مَرَاتِبِهَا اصْطِلاَحُ الْمُزَكِّي فِي أَلْفَاظِ التَّزْكِيَةِ، وَالأَْشْهَرُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ أَرْفَعَهَا فِي التَّعْدِيلِ: حُجَّةٌ وَثِقَةٌ، وَحَافِظٌ وَضَابِطٌ، وَهِيَ تَوْثِيقٌ لِلْعَدْلِ، ثُمَّ بَعْدَهَا ثَلاَثَةُ أَلْفَاظٍ. مَأْمُونٌ، صَدُوقٌ، لاَ بَأْسَ بِهِ، ثُمَّ بَعْدَهَا.. إِلَخْ.

وَمِمَّا يُعْتَبَرُ تَوْثِيقًا: حُكْمُ الْحَاكِمِ وَعَمَلُ الْمُجْتَهِدِ بِرِوَايَتِهِ.

وَيُرْجَعُ إِلَى هَذَا فِي عِلْمِ مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ، وَالْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.