loading

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

المذكرة الإيضاحية

المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني  ،

من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 174 لسنة 1998:

تنظيم التحفظ على الأموال بما يتفق وأحكام الدستور:

ذلك بأن المحكمة الدستورية العليا حكمت في الخامس من أكتوبر سنة 1996 بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة (208 مكرراً «أ») من قانون الإجراءات الجنائية وبسقوط فقرتيها الثانية والثالثة وكذلك المادة (208 مكرراً «ب») تأسيساً على أن القيود التي فرضها نص المادة (208 مكرراً «أ») على أموال المخاطبين بأحكامه تمثل إحدى صور الحراسة التي لا يجوز فرضها إلا بحكم قضائي وفقاً للمادة (34) من الدستور لأنها تعتبر تسلط على الأموال المشمولة بها في مجال صونها وإدارتها فلا يكفي لفرضها مجرد أمر يصدر في غيبة الخصوم بل يجب أن يكون توقيعها فصلاً في خصومة قضائية تقام وفقاً لإجراءاتها المعتادة وتباشر علانية في مواجهة الخصوم جميعهم- وعلى ضوء ضماناتها القانونية التي تتكافأ معها مراكزهم وأسلحتهم وبعد توافر الدليل على قيام الخطر العاجل في شأن الأموال المطلوب حراستها ولا يكفي لفرضها مجرد دلائل من التحقيق لا يكون لها قوة اليقين القضائي لما في ذلك من إخلال بأصل البراءة ومن ثم بمبدأ المساواة المنصوص عليه بالمادة (40) من الدستور.

وإمتثالاً لأحكام الدستور واستجابة لقضاء المحكمة الدستورية العليا تضمن المشروع تعديلاً لأحكام المواد (208 مكرراً «أ»، «ب»، «ج») على نحو يكفل التحوط لحقوق الدولة وسائر المجني عليهم في إسترداد الأموال التي ضاعت عليها بسبب الجريمة ويكفل حرية الملكية الخاصة ويقيم التوازن المنشود بين هذه المصالح جميعاً.

فاشترط المشروع لتطبيق المادة (208 «أ») قیام (أدلة كافية) على جدية الاتهام في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات وما إليها من جرائم يحكم فيها برد المبالغ أو قيمة الأشياء محل الجريمة أو تعويض الشخص أو الجهة المجني عليها فإذا قدرت النيابة العامة قيام هذه الأدلة الكافية ورأت أن الأمر يقتضي اتخاذ تدابير تحفظية فيجب أن تعرض أوراق التحقيق على المحكمة الجنائية المختصة طالبة الحكم بمنع المتهم من التصرف في أمواله أو إدارته «أو بغير ذلك من الإجراءات التحفظية كالغلق أو الضبط أو إيداع مبالغ على ذمة الوفاء بما قد يقضي به في الجريمة محل التحقيق» وأجازت المادة للمحكمة بناء على طلب النيابة العامة أن تشمل في حكمها أي مال لزوج المتهم أو أولاده القصر بشرط أن يثبت أن هذا المال متحصل من الجريمة موضوع التحقيق وأنه آل إليهم من المتهم.

وتلبية للضرورة في حالات الخطر العاجل على المال المرجع تحصله من الجريمة يجوز للنائب العام أن يتخذ الإجراءات المناسبة التحفظ على الأموال موضوع الطلب المشار إليه لحين الفصل فيه على أن يعرض الأمر على المحكمة الجنائية المختصة خلال سبعة أيام على الأكثر من تاريخ صدور الأمر باتخاذ تلك الإجراءات بطلب إقرارها وإلا إعتبرت كأن لم تكن وتصدر المحكمة حكمها في الحالات السابقة خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ عرض الأمر عليه ويجب أن يشتمل حكمها بالمنع من الإدارة على أسبابه وعلى تعيين من يدير الأموال المتحفظ عليها بعد أخذ رأي النيابة العامة في ذلك.

ويلتزم من يعين للإدارة بالمحافظة على الأموال المعهود بها إليه وبإدارتها وردها مع غلتها المقبوضة إلى ذويها طبقاً للأحكام المقررة في القانون المدني بشأن النيابة والوديعة والحراسة والوكالة في الإدارة وذلك على النحو الذي يصدر بتنظيمه قرار من وزير العدل.

وأجازت المادة (208 مكرراً «ب») الطعن في أحكام التدابير التحفظية وأوامر التدابير العاجلة وذلك بطريق التظلم إلى المحكمة الجنائية المختصة بتقرير في قلم كتابها - وتفصل فيه خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ التقرير به ويكون لها أثناء نظر الدعوى - من تلقاء نفسها أو بناء على طلب ذوي الشأن أو النيابة العامة - أن تقضي بإنهاء التدبير أو تعديل نطاقه أو تعديل إجراءات تنفيذه ويجب في جميع الأحوال أن يبين الأمر الصادر بالتصرف في الدعوى الجنائية أو الحكم الصادر فيها ما يتبع في شأن الإجراءات أو التدابير التحفظية المشار إليها.

وتحقيقاً للغاية المشروعة من التدابير والإجراءات التحفظية تقضي المادة (208 مكرراً «ب») بأنه لا يحتج عند تنفيذ الحكم الصادر بالغرامة أو الرد أو التعويض بأي عمل أو تصرف قانوني يكون صدر بالمخالفة للأمر أو للحكم الصادر بالمنع من التصرف أو الإدارة من تاريخ قيده في سجل خاص يصدر بتنظيمه قرار من وزير العدل.

وأجازت المادة (208 مكرراً «ج» للمحكمة عند حكمها برد المبالغ أو قيمة الأشياء أو تعويض الجهة المجني عليها أن تأمر بناء على طلب النيابة العامة أو المدعى بالحقوق المدنية حسب الأحوال وبعد سماع أقوال ذوي الشأن - بجواز تنفيذ الحكم في أموال زوج المتهم وأولاده القصر متى ثبت أن المتهم كان مصدر هذه الأموال وأنها إنما آلت إليه من الجريمة المحكوم فيها.

الأحكام

النص في المادة 208 مكرراً (أ) من قانون الإجراءات الجنائية على أن " في الأحوال التي تقوم فيها من التحقيق أدلة كافية على جدية الاتهام في أي من الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات وغيرها من الجرائم التي تقع على الأموال المملوكة للدولة أو الهيئات والمؤسسات العامة والوحدات التابعة لها أو غيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة وكذا في الجرائم التي يوجب القانون فيها على المحكمة أن تقضي - من تلقاء نفسها - برد المبالغ أو قيمة الأشياء محل الجريمة أو تعويض الجهة المجني عليها إذا قدرت النيابة العامة أن الأمر يقتضى اتخاذ تدابير تحفظية على أموال المتهم بما في ذلك منعه من التصرف فيها أو إدارتها وجب عليها أن تعرض الأمر على المحكمة الجنائية المختصة طالبة الحكم بذلك ضماناً لتنفيذ ما عسى أن يقضى به من غرامة أو رد أو تعويض، وللنائب العام عند الضرورة أو في حالة الاستعجال أن يأمر مؤقتاً بمنعه أو زوجه أو أولاده القصر من التصرف في أموالهم أو إدارتها ويجب أن يشتمل أمر المنع من الإدارة على تعيين من يدير الأموال المتحفظ عليها وعلى من يعين للإدارة أن يتسلم الأموال المتحفظ عليها ويبادر إلى جردها بحضور ذوي الشأن ويلتزم من يعين للإدارة بالمحافظة على الأموال ويحسن إدارتها وردها مع غلتها المقبوضة طبقاً للأحكام المقررة في القانون المدني بشأن الوكالة في أعمال الإدارة والوديعة والحراسة وذلك على النحو الذي يصدر بتنظيمه قرار من وزير العدل "، وفى المادة 208 مكرراً (ب) منه على أنه " لكل من صدر ضده حكم بالمنع من التصرف أن يتظلم منه أمام المحكمة الجنائية المختصة بعد انقضاء ثلاثة أشهر من تاريخ الحكم فإذا رفض تظلمه فله أن يتقدم بتظلم جديد كلما انقضت ثلاثة أشهر من تاريخ الحكم برفض التظلم وللمحكمة المختصة أثناء نظر الدعوى أن تحكم بإنهاء المنع من التصرف أو الإدارة المقضي به أو تعديل نطاقه أو إجراءات تنفيذه، ويجب أن يبين الأمر الصادر بالتصرف في الدعوى الجنائية أو الحكم الصادر فيها ما يتبع في شأن التدابير التحفظية المشار إليها في المادة السابقة، وفي جميع الأحوال ينتهي المنع من التصرف أو الإدارة بصدور قرار بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية أو بصدور حكم نهائي فيها بالبراءة أو بتمام تنفيذ العقوبات المالية والتعويضات المقضي بهما "، كما وأن النص في المادة 3 من قرار وزير العدل رقم 2219 لسنة 1999 في شأن قواعد اختيار الوكيل في الإدارة وواجباته على أنه " يلتزم الوكيل بالمحافظة على الأموال المعهود إليه بها ويحسن إدارتها وردها مع غلتها ويكون للوكيل بوجه خاص اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستيفاء الحقوق وأداء الديون وللوكيل التقاضي باسم الممنوع من الإدارة فيما يتعلق بالأعمال المنوطة به "، ومفاد هذه النصوص أن صدور قرار النائب العام أو حكم المحكمة الجنائية المختصة بمنع المتهم من التصرف في أمواله وتعيين وكيلاً لإدارتها يترتب عليه غل يد الصادر ضده القرار أو الحكم عن إدارة أمواله الذي منع من التصرف فيها فلا يكون له تبعاً لذلك حق التقاضي بشأنها وليس في ذلك نقص في أهلية الممنوع من التصرف، وإنما هو بمثابة حجز على أمواله تقيد من سلطته عليها فيباشرها نيابة عنه الوكيل المعين لإدارتها باعتباره نائباً قانونياً عنه في إدارتها لأسباب تفتضيها المصلحة العامة للدولة وغيرها من الجهات التي وقعت الجريمة على أموالها فيلتزم بالمحافظة على الأموال التي يتسلمها وما تتطلبه من أعمال لرعايتها والعناية بها وحتى انتهاء المنع من التصرف أو الإدارة، فإذا ما انتهى المنع برد الأموال إلى صاحبها عاد للأخير تبعاً لذلك حقه في التقاضي بشأنها .

( الطعن رقم 9599 لسنة 93 ق - جلسة 24 / 6 / 2025 )

ملحوظة: حكم المحكمة الدستورية العليا بإسقاط الفقرة الأولى من النص السابق قبل تعديله بالنص القائم.

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 5 أكتوبر سنة 1996الموافق 22 جمادى الأولى سنة 1417 هـ .

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر              رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين : الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال ونهاد عبدالحميد خلاف وفاروق عبدالرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور/ عبد المجيد فياض

وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى               رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ حمدى أنور صابر                                           أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 26 لسنة 12 قضائية "دستورية "

المقامة من

السيد/ سعد محمد أحمد

السيدة / نادية نور الدين عبد السلام مصطفى

ضد

1.  السيد/ رئيس مجلس الوزراء

2.  السيد/ وزير العدل

3.  السيد المستشار/ النائب العام

" الإجراءات "

بتاريخ 29 من إبريل سنة 1990، أودع المدعيان صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبين الحكم بعدم دستورية نص المادة (208) مكرراً (أ) من قانون الإجراءات الجنائية .

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

" المحكمة "

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة
وحيث إن الوقائع - على مايبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن هيئة الرقابة الإدارية ، كانت قد أبلغت النيابة العامة ما ورد إليها من معلومات عن قيام المدعى الأول - إبان شغله لمناصبه السابقة وهى : وزير القوى العاملة ، رئيس الاتحاد العام لعمال نقابات مصر، رئيس النقابة العامة للصناعات الغذائية ، رئيس مجلس إدارة المؤسسة النقابية العمالية -بالتواطؤ مع بعض معاونيه بتلك الجهات، بإسناد مشروعات باهظة التكاليف إلى مكاتب وشركات غير متخصصة ، تربطه بأصحابها والمسئولين عنها صلة القربى أو الصداقة الوطيدة ، وذلك بالأمر المباشر أو فى مناقصة صورية أو بأسعار مغالى فيها، مقابل حصوله منهم على منافع مالية ، مما أضر بالمال العام وإذ أصدر النائب العام- وأثناء تحقيق النيابة العامة مع المدعى الأول فيما هو منسوب إليه من اتهامات - الأمر رقم 4 لسنة 1988 بتاريخ 7 يونيو سنة 1988 - إعمالاً للمادة (208) مكرراً (أ) من قانون الإجراءات الجنائية - بمنع كل من سعد محمد أحمد، ووجدى محمد أحمد من التصرف فى أموالهما العقارية والمنقولة وإدارتها، وسريان هذا المنع على الأموال العقارية والمنقولة التى يمتلكها زوجتاهما وأولادهما القصر - عدا الراتب أو المعاش الحكومى - وتكليف إدارة أمناء الاستثمار بالبنك الأهلى بإدارة هذه الأموال، فقد تظلم المدعيان من هذا الأمر أمام محكمة جنوب القاهرة الإبتدائية - دائرة الجنح المستأنفة من عقدة فى غرفة المشورة - وطلبا الحكم بإلغائه وأثناء نظر تظلمهما، دفعا بعدم دستورية نص المادة (208) مكرراً (أ) من قانون الإجراءات الجنائية وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم الدستورية ، فقد صرحت لهما بإقامة دعواهما الدستورية ، فأقاما الدعوى الماثلة
وحيث إن المدعيين ينعيان على نص الفقرة الأولى من المادة (208) مكرراً من قانون الإجراءات الجنائية، إخلالها بأحكام المواد (2، 34، 67) من الدستور، تأسيساً على أن ما قرره النص المطعون فيه من جواز منع زوجة المتهم من التصرف فى أموالها أو إدارتها، إنما يناقض ماكفلته الشريعة الإسلامية للزوجة من ذمة مالية تستقل بها عن زوجها. كذلك فإن الأصل فى الملكية الخاصة ، هو صونها من العدوان. فإذا منع المتهم من التصرف فى أمواله أو إدارتها بأمر من النائب العام، كان ذلك بمثابة فرض للحراسة عليها بغير حكم قضائى ، وقد أهدر النص المطعون فيه - فوق هذا - أصل البراءة المفترض فى كل متهم، إذ لم يتطلب سوى وجود دلائل كافية على جدية الاتهام، لإعمال مقتضاه.
وحيث إن المادة (208) مكرراً من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أن:
"فقرة أولى : يجوز للنائب العام إذا قامت من التحقيق دلائل كافية على جدية الاتهام فى الجرائم المنصوص عليها فى الباب الرابع من الكتاب الثانى من قانون العقوبات وغيرها من الجرائم التى تقع على الأموال المملوكة للحكومة أو الهيئات والمؤسسات العامة والوحدات التابعة لهما من الأشخاص الاعتبارية العامة ، أن يأمر ضماناً لتنفيذ ما عسى أن يقضى به من الغرامة أو رد المبالغ أو قيمة الأشياء محل الجريمة أو تعويض الجهة المجنى عليها، بمنع المتهم من التصرف فى أمواله أو إدارتها أو غير ذلك من الإجراءات التحفظية .
"فقرة ثانية : كما يجوز له أن يأمر بتلك الإجراءات بالنسبة لأموال زوج المتهم وأولاده القصر ضماناً لما عسى أن يقضى به من رد المبالغ أو قيمة الأشياء محل الجريمة أو تعويض الجهة المجنى عليها مالم يثبت أن هذه الأموال إنما آلت إليهم من غير مال المتهم.
"فقرة ثالثة : ويجب على النائب العام عند الأمر بالمنع من الإدارة ، أن يعين لإدارة الأموال وكيلاً، يصدر ببيان قواعد اختياره، وتحديد واجباته قرار من وزير العدل".
وحيث إن البين مما تقدم، أن القيود التى فرضها النص المطعون فيه على أموال بعض المتهمين، سواء فى مجال إدارتهم لها أو تصرفهم فيها، مخولة للنائب العام وحده، إذ هو الذى يأمر بفرضها ضماناً لتحقيق أغراض بذواتها حددها هذا النص حصراً. ولا يصدر النائب العام هذا الأمر، إلا بناء على تحقيق تقوم بمقتضاه دلائل كافية على جدية الاتهام فى الجرائم التى عينها المشرع دون غيرها. بل أن هذه القيود، يجوز أن تمتد من المتهمين إلى أموال زوجاتهم وأولادهم القصر، مالم يقم الدليل على أيلولتها إليهم من غير مال المتهم.
وحيث إن من المقرر -وعلى ماجرى به قضاء هذه المحكمة - أن الدساتير المصرية جميعها ترد المواطنين جميعاً إلى قاعدة واحدة ، تقيم مساواتهم أمام القانون، باعتبارها مناطاً للعدل، وجوهر الحرية ، ومفترضاً للسلام الاجتماعى ، وعلى تقدير أن الأغراض التى تتوخاها، تتمثل أصلاً فى صون حقوق المواطنين وحرياتهم، فى مواجهة صور التمييز التى تنال منها هدماً لمحتواها أو تقييداً لممارستها. وغدا أمر هذه المساواة متصلاً بضمان الحقوق والحريات جميعها، سواء فى ذلك تلك التى نص عليها الدستور، أو التى كفلتها النظم المعمول بها، ضماناً لمصالح لها اعتبارها.
وحيث إن الدستور وإن نص فى مادته الأربعين، على حظر التمييز بين المواطنين فى أحوال بذواتها، هى تلك التى يكون التمييز فيها قائماً على أساس من الأصل أو الجنس أو اللغة أو الدين أو العقيدة ، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز محظوراً فيها، يبلور شيوعها عملاً، ولايشى البتة بإستناده إليها دون غيرها، وإلا جاز التمييز بين المواطنين فيما عداها مما لا يقل عنها خطراً، كتفضيل بعضهم على بعض بناء على مولدهم، أو على قدر ثرواتهم، أو لعصبيتهم القبلية ، أو مراكزهم الاجتماعية ، أو على أساس من ميولهم وآرائهم، أو لغير ذلك من صور التمييز التى تفتقر فى بنيانها إلى أسس موضوعية تسوغها. ولا يتصور بالتالى أن يكون الدستور قد قصد إلى حمايتها، ولا أن تقرها السلطة التشريعية فى مجال تنظيمها للحقوق والحريات على إختلافها، إذ هى تعارضها، ولا تقيمها على ضوء من الحق والعدل.
وحيث إن مبدأ المساواة ، ليس مبدأً تلقينياً جامداً منافياً للضرورة العملية ، ولا هو بقاعدة صماء iron rule تنبذ صور التمييز جميعها، ولا كافلاً لتلك الدقة الحسابية التى تقتضيها موازين العدل المطلق بين الأشياء. وإذا جاز للدولة أن تتخذ بنفسها ما تراه ملائماً من التدابير، لتنظيم موضوع محدد أو توقياً لشر تقدر ضرورة رده ؛ وكان دفعها الضرر الأكبر بالضرر الأقل لازماً؛ إلا أن تطبيقها مبدأ المساواة لا يجوز أن يكون كاشفاً عن نزواتها، ولا منبئاً عن اعتناقها لأوضاع جائرة تثير ضغائن أو أحقاد تنفلت بها ضوابط سلوكها، ولاهشيماً معبراً عن بأس سلطانها، بل يتعين أن يكون موقفها إعتدالاً فى مجال تعاملها مع المواطنين، فلا تمايز بينهم إملاءً أوعسفاً. ومن الجائز بالتالى ، أن تغاير السلطة التشريعية - ووفقاً لمقاييس منطقية - بين مراكز لا تتحد معطياتها، أو تتباين فيما بينها فى الأسس التى تقوم عليها، على أن تكون الفوارق بينها حقيقية لا اصطناع فيها ولا تخيل real and not feigned differencies، ذلك أن ما يصون مبدأ المساواة ، ولا ينقض محتواه، هو ذلك التنظيم الذى يقيم تقسيماً تشريعياً ترتبط فيه النصوص القانونية التى يضمها، بالأغراض المشروعة التى يتوخاها. فإذا قام الدليل على انفصال هذه النصوص عن أهدافها، كان التمييز إنفلاتاً لا تبصر فيه. كذلك الأمر إذا كان اتصال الوسائل بالمقاصد واهياً، إذ يعتبر التمييز عندئذ مستنداً إلى وقائع يتعذر أن يُحْمَل عليها، فلا يكون مشروعاً دستورياً.
وحيث إن أصل البراءة مفترض فى كل متهم، فقد ولد الإنسان حراً، مطهراً من الخطيئة ودنس المعصية ، لم تنزلق قدماه إلى شر، ولم تتصل يده بجورأو بهتان. ويفترض وقد كان سوياً حين ولد حياً، أنه ظل كذلك متجنباً الآثام على تباينها، نائياً عن الرذائل على اختلافها، ملتزماً طريقاً مستقيماً لا يتبدل إعوجاجاً. وهو افتراض لا يجوز أن يهدم توهماً، بل يتعين أن ينقض بدليل مستنبط من عيون الأوراق وبموازين الحق، وعن بصر وبصيرة . ولا يكون ذلك كذلك إلا إذا أدين بحكم انقطع الطريق إلى الطعن فيه، فصار باتاً.
وحيث إنه متى كان ماتقدم، وكان أصل البراءة يتصل بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها، ولا شأن له بطبيعة أو خطورة الجريمة موضوعها، ولا بنوع أو قدر عقوبتها ؛ وكان هذا الأصل كامناً فى كل فرد، كافلاً حمايته سواء فى المراحل المؤثرة السابقة على محاكمته جنائياً، أو أثناءها، وعلى امتداد حلقاتها ؛ وكان النص المطعون فيه قد أجاز فرض قيود على أموال الأشخاص- الذين توافرت من خلال التحقيق معهم دلائل كافية على تورطهم فى إحدى الجرائم التى عينها - تحول دون إدارتهم لها أو تصرفهم فيها - وهى قيود لا سند لها من النصوص الدستورية ذاتها - ممايزاً بذلك بين هؤلاء وغيرهم من المواطنين، بل بينهم وبين غيرهم من المتهمين المدعى ارتكابهم جرائم أخرى غير التى حددها هذا النص ؛ وكان هؤلاء وهؤلاء يضمهم جميعاً مركز قانونى واحد، هو افتراض كونهم أسوياء، لا ينقض الاتهام - عند وجوده، ولا مجرد التحقيق من باب أولى - أصل براءتهم، ولا يفرق بينهم فى الحقوق التى يتمتعون بها. ذلك أن صور التمييز التى تخل بمساواتهم أمام القانون - وإن تعذر حصرها - إلا أن قوامها كل تفرقة أو تقييد أو استبعاد أو تفضيل، يجاوز الحدود المنطقية لتنظيم الحقوق والحريات التى كفلها الدستور والقانون، سواء بإنكار أصل وجودها أو من خلال تقييد آثارها بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان مناط فرض القيود التى تضمنها النص المطعون فيه، لا يرتبط حتى بصدور إتهام محدد فى شأن شخص بعينه، بل مبناها قيام دلائل كافية من التحقيق على رجحان اتهامه بإحدى الجرائم التى حددها، وكانت هذه الدلائل لاتلتبس بقوة الأمر المقضى ، ولا تأخذ مجراه فى شأن هؤلاء المتهمين، ولا تعتبر بالتالى حكماً لا رجوع فيه يدينهم عنها، فإن التمييز بينهم وبين غيرهم - وعلى غير سند من الدستور - وأصل البراءة يجمعهم - يكون منافياً حكم العقل Unreasonable ظاهر التحكم palpably arbitrary، ومخالفاً بالتالى لحكم المادة (40) من الدستور.
وحيث إن الدستور - إعلاء من جهته لدور الملكية الخاصة ، وتوكيداً لإسهامها فى صون الأمن الاجتماعى -كفل حمايتها لكل فرد- وطنياً كان أم أجنبياً - ولم يجز المساس بها إلا على سبيل الاستثناء، وفى الحدود التى يقتضيها تنظيمها، باعتبارها عائدة - فى الأعم من الأحوال - إلى جهد صاحبها، بذل من أجلها الوقت والعرق والمال، وحرص بالعمل المتواصل على إنمائها، وأحاطها بما قدره ضرورياً لصونها، مُعبداً بها الطريق إلى التقدم، كافلاً للتنمية أهم أدواتها، محققاً من خلالها إرادة الإقدام، هاجعاً إليها لتوفر ظروفاً أفضل لحرية الاختيار والتقرير، مطمئناً فى كنفها إلى يومه وغده، مهيمناً عليها ليختص دون غيره بثمارها ومنتجاتها وملحقاتها، فلا يرده عنها معتد، ولا يناجز سلطته فى شأنها خصيم ليس بيده سند ناقل لها، ليعتصم بها من دون الآخرين، وليلتمس من الدستور وسائل حمايتها التى تُعينها على أداء دورها، وتقيها تعرض الأغيار لها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها. ولم يعد جائزاً بالتالى أن ينال المشرع من عناصرها، ولا أن يُغير من طبيعتها أو يجردها من لوازمها، ولا أن يفصلها عن أجزائها أو يدمر أصلها، أو يقيد من مباشرة الحقوق التى تتفرع عنها فى غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية .ودون ذلك تفقد الملكية ضمانتها الجوهرية ، ويكون العدوان عليها غصباً، وافتئاتاً على كيانها أدخل إلى مصادرتها.
وحيث إنه من المقرر كذلك، أن حق الملكية من الحقوق التى يجوز التعامل فيها، وبقدر اتساع قاعدتها تتعدد روافدها، وتتنوع استخداماتها، لتشكل نهراً يتدفق بمصادر الثروة القومية التى لا يجوز إهدارها أو التفريط فيها أو بعثرتها تبديداً لقيمتها، ولا تنظيمها بما يخل بالتوازن بين نطاق حقوق الملكية المقررة عليها، وضرورة تقييدها نأياً بها عن الانتهاز أو الإضرار بحقوق الآخرين. ذلك أن الملكية فى إطار النظم الوضعية التى تزاوج بين الفردية وتدخل الدولة لم تعد حقاً مطلقاً، ولا هى عصية على التنظيم التشريعى ، وليس لها من الحماية ما يجاوز الانتفاع المشروع بعناصرها. ومن ثم ساغ تحميلها بالقيود التى تتطلبها وظيفتها الاجتماعية ، وهى وظيفة لا يتحدد نطاقها من فراغ، ولا تفرض نفسها تحكماً، بل تمليها طبيعة الأموال محل الملكية، والأغراض التى ينبغى رصدها عليها، محددة على ضوء واقع اجتماعى معين، فى بيئه بذاتها، لها مقوماتها وتوجهاتها. وفى إطار هذه الدائرة، وتقيداً بتخومها، يفاضل المشرع بين البدائل، ويرجح على ضوء الموازنة التى يجريها، ما يراه من المصالح أجدر بالحماية وأولى بالرعاية وفقاً لأحكام الدستور، مستهدياً فى ذلك بوجه خاص بالقيم التى تنحاز إليها الجماعة فى مرحلة بذاتها من مراحل تطورها، وبمراعاة أن القيود التى يفرضها الدستور على حق الملكية للحد من إطلاقها لا تعتبر مقصودة لذاتها، بل غايتها خير الفرد والجماعة .
وينبغى من ثم، أن يكون لحق الملكية إطار محدد، تتوازن فيه المصالح ولا تتنافر، ذلك أن الملكية خلافة ، وهى باعتبارها كذلك تضبطها وظيفتها الاجتماعية التى تعكس بالقيود التى تفرضها على الملكية ، الحدود المشروعة لممارسة سلطاتها، وهى حدود يجب إلتزامها، لأن العدوان عليها، يخرج الملكية عن دائرة الحماية التى كفلها الدستور لها.
وحيث إن القيود التى فرضها النص المطعون فيه على أموال المخاطبين بأحكامه، ليس مدخلها الاتفاق، بل مصدرها نص القانون. وهى بعد لا تقتصر على حرمانهم من إدارة أموالهم بل تتعداها إلى منعهم من التعامل فيها، وتمتد منهم إلى أولادهم القصر وزوجاتهم بالشروط التى بينها وفى كل ذلك تنال هذه القيود من ملكيتهم، وتقوض أهم خصائصها لتكون - فى مضمونها وأثرها - صورة من صور الحراسة يفرضها المشرع عليها - بعيداً عن صدور حكم قضائى بها - بالمخالفة لنص المادة (34) من الدستور التى تقضى بأن الملكية الخاصة مصونة ، ولا يجوز فرض الحراسة عليها إلا بحكم قضائى . ذلك أن ما توخاه الدستور بنص المادة (34)، هو أن تكون الملكية لأصحابها يباشرون عليها كل الحقوق المتفرعة عنها، لتظل أيديهم متصلة بها، لا تغل عنها، ولاتُرَد عن حفظها وإدارتها، بل يحيط أصحابها بها، وبأشكال من التعامل يقدورن ملاءمة الدخول فيها. وإذا جاز استثناء أن تفرض قيود على الأموال موضوعها، فلايكون ذلك إلا بنص خاص، وعند الضرورة ، وفى أحوال بذواتها، من بينها أن يكون فرض هذه القيود فى شأن بعض الأموال، متصلاً بوظيفتها الاجتماعية ، أو لقيام مخاطر فى شأنها تختلف فيما بينها فى درجتها وحدتها. ومن ثم كان تقييمها عملاً قضائياً، وكان دفعها كذلك لازماً. وعلى الأخص من خلال تعيين محكمة الموضوع لأمين عليها يتولى حفظها وإدارتها صوناً وإنماء لها.
ويتعين بالتالى أن تتناول الحراسة - ومن خلال الخصومة القضائية وإجراءاتها - أشياء يتهددها خطر عاجل توقياً لضياعها أو تلفها أو تبديد ريعها، لتكون وديعة عند الأمين عليها يبذل فى شأن رعايتها العناية التى يبذلها الشخص المعتاد، ثم يردها - مع غلتها المقبوضة - إلى ذويها بعد استيفاء الحراسة لأغراضها. بما مؤداه: أن الحراسة - بالنظر إلى طبيعتها ومداها - لا تعدو أن تكون إجراء تحفظياً لا تنفيذياً، وأن الخطر العاجل الذى يقتضيها يعتبر شرطاً موضوعياً متطلباً لفرضها، وأن صفتها الوقتية تحول دون استمرارها بعد زوال مبرراتها، وأن الحكم بها لا يمس أصل الحقوق المتنازع عليها، ولا يعتبر قضاء بإثباتها أو نفيها، وأن توقيعها يخول الحارس انتزاع الأموال محلها من حائزها وتسليمها مع توابعها - ولو لم ينص الحكم عليها - ليباشر فى شأنها - لا مجرد الأعمال التحفظية بل كل الأعمال التى تلائم طبيعتها وظروفها، وتقتضيها المحافظة عليها وإدارتها بما فى ذلك رد المخاطر عنها وتوقيها قبل وقوعها.
وحيث إن الحراسة - على ضوء مقاصد الدستور، وبمراعاة ماتقدم - تعتبر تسلطاً على الأموال المشمولة بها فى مجال صونها وإدارتها فلا يكفى لفرضها مجرد أمر على عريضة يصدر فى غيبة الخصوم، بل يكون توقيعها فصلاً فى خصومة قضائية تقام وفقاً لإجراءاتها المعتادة ، وتباشر علانية فى مواجهة الخصوم جميعهم، وعلى ضوء ضماناتها القانونية التى تتكافأ معها مراكزهم وأسلحتهم، لتكون خاتمها - إذا توافر الدليل على قيام الخطر العاجل فى شأن أموال بذاتها - تعيين حارس قضائى عليها، يكون نائباً عن أصحابها، يباشر سلطته عليها فى الحدود التى يبينها الحكم الصادر بفرضها، فلا يجاوزها أياً كان نطاقها، وهو مايعنى أن تدخل القاضى لايكون إلالضرورة ، وبقدرها، وأن فرض قيود على بعض الأموال عن طريق حراستها، لايكون إلا من خلال الخصومة القضائية فصلاً فى جوانبها، وإلا كان تحميل المال بها- فى غيبتها - عملاً مخالفاً لنص المادة (34) من الدستور.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكانت الأوامر التى يصدرها النائب العام فى شأن أموال المخاطبين بالنص المطعون فيه، وإن جاز التظلم منها إلى جهة قضائية عملاً بنص المادة (208) مكرراً (ب) من قانون الإجراءات الجنائية ، إلا الآثار التى ترتبها تظل نافذة ، ما بقيت قائمة ، لتمثل عدواناً على الملكية مستنداً إلى نص القانون، وإلى مجرد دلائل من التحقيق يرجح معها الاتهام، وهى بعد دلائل يستقل النائب العام بتقييمها، وليس لها قوة اليقين القضائى .
وحيث إنه متى كان ماتقدم، فإن النص المطعون عليه يكون مخالفاً للمواد (32، 34، 40) من الدستور.
وحيث إن الفقرتين الثانية والثالثة من المادة (208) مكرراً (أ) من قانون الإجراءات الجنائية وكذلك المادة (208) مكرراً (ب) من هذا القانون ترتبط جميعها بالنص المطعون فيه ارتباطاً لا يقبل التجزئة ، ولا يتصور إعمالها إلا بوجوده، فإنها تسقط تبعاً للحكم بعدم دستوريته.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة (208) مكرراً (أ‌) من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950، وبسقوط فقرتيها الثانية والثالثة وكذلك المادة (208) مكرراً (ب‌) من هذا القانون، وألزمت الحكومة المصروفات ومائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة .
( حكم المحكمة الدستورية العليا رقم 26 لسنة 12 ق دستورية - جلسة 5 / 10 / 1996 )
شرح خبراء القانون

التدابير التحفظية على أموال المتهم

سلطة إصدار الأمر بالتدابير التحفظية :

كانت المادة محل التعليق تنيط بالنائب العام سلطة إصدار هذا الأمر، ولكن بعد أن قضي بعدم دستورية هذه المادة. وبموجب الصياغة الجديدة الحالية اقتصرت سلطة النيابة العامة على عرض الأمر على المحكمة الجنائية المختصة طالبة الحكم باتخاذ تدابير تحفظية على أموال المتهم بما في ذلك منعه من التصرف فيها أو إدارتها، ضماناً لتنفيذ ما عسي أن يقضي به من غرامه أو رد أو تعويض، وواضح أن الأمر باتخاذ هذه التدابير إجراء من إجراءات التحقيق فعبارة النص تجري في الأحوال التي تقوم فيها من التحقيق أدلة كافية ........... ولكن لا يشترط أن يكون التحقيق الابتدائي قد قطع شوطاً معيناً وسواء كان المتهم محبوساً أو مفرجاً عنه حاضراً أو غائباً، ولكن - في أقل القليل - لا يجوز أن يكون أمر المنع من التصرف أول إجراءات التحقيق، حتى يمكن أن يكون هناك أدلة كافية على جدية الاتهام تبرر إصدار هذا الأمر، ولكن في حالة الاستعجال أو عند الضرورة أجاز المشرع للنائب العام أن يأمر بمنع المتهم أو زوجته أو أولاده القصر من التصرف في أموالهم أو إدارتها، على أن يعرض أمر المنع على المحكمة المختصة خلال سبعة أيام على الأكثر من تاريخ صدوره، بطلب الحكم بالمنع من التصرف أو الإدارة وإلا اعتبر الأمر كأن لم يكن.

النطاق الذي يسري عليه الأمر بالتدابير التحفظية :

أجاز المشرع اتخاذ التدابير التحفظية المشار إليها في جرائم معينة، هي الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، وغيرها من الجرائم التي تقع على الأموال المملوكة للدولة أو الهيئات أو المؤسسات العامة والوحدات التابعة لهما أو غيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة، وكذا في الجرائم التي يوجب القانون فيها على المحكمة أن تقضي - من تلقاء نفسها - برد المبالغ أو قيمة الأشياء محل الجريمة أو الجهة المجني عليها، ومن ثم لا يجوز اتخاذ هذه التدابير التحفظية في غير الجرائم المنصوص عليها.

والأصل أن يكون محل هذه التدابير التحفظية أموال المتهم إذا كانت كافية فيجوز اتخاذ هذه التدابير على جميع أموال المتهم سواء كانت الجريمة مصدرها أم لم تكن، أي حتى لو اثبت المتهم المصدر لحصوله على هذه الأموال ومع ذلك فقد أجاز المشرع للمحكمة بناء على طلب النيابة العامة - أن تشمل حكمها بالتحفظ أي مال لزوج المتهم أو أولاده القصر إذا توافرت أدلة كافية على أنه متحصل من الجريمة موضوع التحقيق وآل إليهم من المتهم وذلك بعد إدخالهم في الطلب، وهذا الوضع مخالف للدستور لأنه لا يجوز التحفظ على أموال أي شخص غير مرتكب الجريمة طالما أن هذا التحفظ المقصود به سداد ما عسى أن يحكم على المتهم من غرامات لأن العقوبة شخصية.

فإذا ما رفع الأمر للمحكمة الجنائية المختصة عليها أن تسمع أقوال ذوي الشأن خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يوماً من تاريخ عرض الأمر عليها قبل أن تصدر حكمها. وتفصل المحكمة في مدى استمرار العمل بالأمر الوقتي المشار إليه في الفقرة السابقة كلما رأت وجها لتأجيل نظر الطلب.

الشروط الشكلية لإصدار الأمر :

يتعين أن يصدر حكم المنع من التصرف أو الإدارة كسائر الأحكام كتابة مسبباً وموقعاً من رئيس المحكمة التي أصدرته وقد ورد نص المادة محل التعليق موجباً على المحكمة تسبيب الأمر، وهذا تطبيق للقواعد العامة في إصدار الأحكام. ويجب أن يشتمل على اسم المحكوم عليه وبياناته والواقعة المسند إليه، والأدلة القائمة ضده والمال محل المنع، ونوع المنع هل هو من التصرف أو هو من الإدارة، وتاريخ صدور الحكم، فإذا تجاوز حكم المنع شخص المتهم كالزوجة أو الأولاد القصر، يجب ذكر من صدر ضدهم حكم المنع، ويجب أن يشمل المنع من الإدارة تعيين من يدير الأموال المتحفظ عليها بعد أخذ رأي النيابة العامة.

وعلي من يعين للإدارة أن يتسلم الأموال المتحفظ عليها ويبادر إلى جردها بحضور ذوي الشأن وممثل النيابة العامة أو خبير تندبه المحكمة، وتتبع في شأن الجرد أحكام المادتين 965، 989 من قانون المرافعات المدنية والتجارية. ويلتزم من يعين بالإدارة بالمحافظة على الأموال وبحسن إدارتها وردها مع غلتها المقبوضة طبقاً للأحكام المقررة في القانون المدني بشأن الوكالة في أعمال الإدارة والوديعة والحراسة، وذلك على النحو الذي يصدر بتنظيمه قرار من وزير العدل. (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثاني ، الصفحة : 176)

الجهة المختصة بإصدار الأمر بالمنع من التصرف أو الإدارة :

كانت المادة (208 مكرراً «أ») قبل تعديلها بالقانون رقم 174 لسنة 1998 تحصر الإختصاص بإصدار المنع من التصرف أو الإدارة في النائب العام وحده ومن ثم كان هذا الأمر بمثابة إجراء من إجراءات التحقيق ولكن بعد التعديل الذي تم بموجب القانون رقم 174 لسنة 1998 وذلك تمشياً مع حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 26 لسنة قضائية (دستورية) والصادر في 5 أكتوبر سنة 1996 أصبح المنع من التصرف أو الإدارة لا يكون إلا بحكم من المحكمة الجنائية المختصة. وذلك بناء على طلب من النيابة العامة إذا قدرت أن الأمر يقتضي اتخاذ تدابير تحفظية على أموال المتهم بما في ذلك منعه من التصرف فيها أو إدارتها.

وتتمثل التدابير التحفظية المشار إليها سلفاً في المنع من التصرف في الأموال أو المنع من إدارتها أو غير ذلك من الإجراءات التحفظية المتعلقة بالأموال وذلك لضمان تنفيذ ما عسى أن تقضي به من غرامة أو رد أو تعويض مثل الغلق أو ضبط الأشياء أو إيداع مبالغ على ذمة الوفاء بما يقضي به في الجريمة محل التحقيق .

التدابير التحفظية:

إذا قدرت النيابة العامة أن الأمر يقتضي اتخاذ تدابير تحفظية على أموال المتهم أو زوجه أو أولاده القصر فيجب عليها أن تعرض ذلك الأمر على المحكمة الجنائية المختصة بالجريمة محل التحقيق وذلك بطلب الحكم بالتدابير التحفظية المطلوبة على أن يراعى أن اتخاذ هذه التدابير محاط أيضاً بالضمانات الآتية:

1) أن تكون الجريمة موضوع التحقيق من الجرائم المنصوص عليها بالمادة (208 مكرر «أ»).

2) أن تكون إجراءات التحقيق قد بوشر في الواقعة فلا يكفي لذلك مجرد الاستدلالات أو التحريات ولكن لا يشترط أن يكون التحقيق بلغ مرحلة معينة أو أن يكون طلب التدابير مسبوقاً بضبط المتهم أو استجوابه أو حبسه إحتياطياً.

3) أن تتوافر من خلال التحقيق الأدلة الكافية على جدية الاتهام المنسوب إلى المتهم.

حالة الضرورة أو الإستعجال :

عملاً بنص الفقرة الثانية من (208 مكرراً «أ» ) فإن للنائب العام أو المحامي العام الأول لنيابة الاستئناف كما جاء بالكتاب الدوري رقم 5 لسنة 1999 أن يصدر أمراً وقتياً بمنع المتهم أو زوجه أو أولاده القصر من التصرف في أموالهم أو إدارتها ويجب أن يشتمل أمر المنع من الإدارة على تعيين من يدير الأموال المتحفظ عليها على أن يعرض هذا الأمر الوقتي على المحكمة المختصة خلال سبعة أيام على الأكثر من تاريخ صدوره لإقراره وإلا إعتبر الأمر كأن لم يكن.

وتصدر المحكمة الجنائية المختصة حكمها بعد سماع أقوال ذوي الشأن خلال مدة لا تجاوز خمسة عشر يوماً من تاريخ عرض الأمر عليها. ويكون حكمها إما بالتأييد أو بالإلغاء فقط. أما التعديل فنرى أن المحكمة ليس لها أن تعدل في الأمر إذا أن الأمر بداءة يكون بناء على طلب النيابة العامة بناء على تقديرها للأمور عملاً بنص الفقرة الأولى من المادة (208 مكرراً «أ » ) فليس للمحكمة سوى أن تؤيد الأمر إذا رأت تأييد النيابة فيما إرتأته أو إلغائه إذا رأت أن ظروف الدعوى لا تستدعي اتخاذ هذا الإجرام .

الجرائم التي يجوز فيها اتخاذ تدابير تحفظية:

الجرائم التي يجوز فيها اتخاذ تدابير تحفظية عملا بنص الفقرة الأولى من المادة (208 مكرراً «أ» هي:

1) الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات (اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر).

2) الجرائم التي تقع على الأموال المملوكة للدولة أو الهيئات والمؤسسات العامة والوحدات التابعة لها أو غيرها من الأشخاص الإعتبارية العامة (مثل جرائم تخریب وسائل الإنتاج أو وضع النار فيها عمداً - تخريب أو هدم أو إتلاف الأملاك العامة - إتلاف خطوط الكهرباء - تعطيل المواصلات حريق المال العام عمداً - سرقة الأدوات والمهمات المستعملة في المرافق العامة- التعدي على أملاك الدولة بأية صورة- وهي الجرائم المنصوص عليها في المواد (89 مكرر، 90، 162، 162 مكرراً، 192 مكرر «أ»، 163، 164، 165، 252، 252 مكرراً، 253، 316 مكرراً ثانياً، 372 مكرراً من قانون العقوبات) (ج) الجرائم التي يوجب القانون فيها على المحكمة أن تقضي - من تقاء نفسها- برد المبالغ أو قيمة الأشياء محل الجريمة أو تعويض الجهة المجني عليها (مثل جرائم التهرب من الضرائب بأنواعها - التهريب الجمركي جلب الجواهر المخدرة وهي الجرائم المنصوص عليها في قوانين الضرائب والجمارك والمخدرات. (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني  ،400)

نصت المادة 208 مكرراً (أ) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه في الأحوال التي تقوم فيها من التحقيق أدلة كافية على جدية الاتهام في جرائم معينة يجوز للنيابة العامة أن تطلب من المحكمة اتخاذ تدابير تحفظية على أموال المتهم، بما في ذلك منعه من التصرف فيها أو إدارتها. وللنائب العام عند الضرورة أو في حالة الاستعجال أن يأمر مؤقتاً بمنع المتهم أو زوجه أو أولاده القصر من التصرف في أموالهم أو إدارتها، على أن يعرض هذا الأمر على المحكمة الجنائية المختصة خلال مدة معينة بطلب الحكم بذلك وإلا اعتبر الأمر كأن لم يكن. وتصدر المحكمة الجنائية المختصة حكمها خلال مدة معينة من تاريخ عرض الأمر الوقتي عليها وتفصل في مدى استمراره.

شروط اتخاذ التدابير التحفظية:

تتمثل هذه الشروط فيما يأتي:

1- الجرائم التي يجوز اتخاذ هذه التدابير عند التحقيق بشأنها:

طبقاً للمادة 208 مكرراً (أ) إجراءات تتمثل هذه الجرائم فيما يأتي:

- الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، وعنوانه اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر (يتضمن المواد من 112 إلى 119 عقوبات).

- الجرائم التي تقع على الأموال المملوكة للدولة أو الهيئات أو المؤسسات العامة والوحدات التابعة لها أو غيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة. ويستوي أن ينص قانون العقوبات على هذه الجرائم أو تنص عليها قوانين خاصة.

- الجرائم التي يوجب القانون فيها على المحكمة أن تقضي من تلقاء نفسها برد المبالغ أو قيمة الأشياء محل الجريمة أو تعويض الجهة المجني عليها. والواضح أنه يشترط أن يكون رد الأشياء عينها محل الجريمة أو رد قيمتها أو تعويض الجهة المجني عليها أمراً وجوبياً على المحكمة أن تقضي به في الدعوى الجنائية عند معاقبة المتهم. فلا يكون برد وجوب الحكم بالغرامة أو المصادرة، بل يجب أن يكون الوجوب منصباً على الرد أو التعويض وذلك عند الفصل في الدعوى.

- أجاز قانون المخدرات رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقرار بقانون رقم 122 لسنة 1989 سريان المادة 208 (أ) و(ب) و(جـ) و(د) قانون المخدرات على جرائم المخدرات.

2- أن تكون هذه الجرائم محل تحقيق ابتدائي أجرته النيابة العامة :

يعد اتخاذ التدابير التحفظية على الأموال إجراء من إجراءات التحقيق، فلا يجوز أن يكون طلب اتخاذ التدابير التحفظية على الأموال قبل البدء في التحقيق أو بناء على مجرد استدلالات، فقد اشترط القانون طلب اتخاذ هذه التدابير في الأحوال التي تقوم فيها من التحقيق أدلة كافية. ولا يجوز أن يبدأ التحقيق الابتدائي بطلب اتخاذ هذه التدابير أو أن يصدر النائب العام أمرا مؤقتا بمنعها؛ استناداً إلى أن المادة 208 مكرراً (أ) لم تسمح بهذه التدابير إلا في الأحوال التي تقوم فيها من التحقيق أدلة كافية على جدية الاتهام في أي من الجرائم السالف الإشارة إليها، وهو ما لا يتسنى إلا في أثناء التحقيق، مما مقتضاه عدم جواز افتتاح التحقيق باتخاذ هذه التدابير أو طلبها.

ونظراً إلى أن اتخاذ هذه التدابير قد ورد في الباب الرابع من الكتاب الأول من قانون الإجراءات الجنائية، وهو باب يتعلق بالتحقيق بمعرفة النيابة العامة - فيشترط أن تكون النيابة العامة هي التي تجري التحقيق الابتدائي وليس قاضي التحقيق. ومما يدعم ذلك أن النائب العام عند الضرورة أو في حالة الاستعجال له أن يأمر مؤقتاً باتخاذ هذه التدابير، كما أن طلب اتخاذها يكون من النيابة العامة. وفي حالة صدور أمر وقتي منع التصرف أو الإدارة من النائب العام فإنه يختص بعرض أمر المنع على المحكمة الجنائية المختصة. وقد خلا الباب الثالث الخاص بالتحقيق بمعرفة قاضي التحقيق مما يجيز له اتخاذ هذه التدابير التحفظية أو طلبها. هذا إلى أن سلطة قاضي التحقيق في تكليف أحد أعضاء النيابة العامة بعمل معين أو أكثر من أعمال التحقيق طبقاً للمادة 70/ 1 إجراءات تقتصر على ما يدخل في صلاحيات قاضي التحقيق. ومع ذلك، فلا يوجد ما يمنع قانوناً - بعد أن تباشر النيابة العامة التحقيق وتتخذ هذه التدابير التحفظية - أن يندب قاض للتحقيق طبقاً للمادتين 64 و65 إجراءات المباشرة هذا التحقيق.

توافر أدلة كافية على جدية الاتهام في أي من الجرائم المشار إليها:

فلا يكفي لاتخاذ هذه التدابير أو طلبها توافر دلائل كافية كالتي يكون مصدرها تحريات مأمور الضبط القضائي. وكان نص المادة 208 مكرراً (أ) قبل تعديله بالقانون رقم 174 لسنة 1998 يكتفي بمجرد الدلائل الكافية، إلى أن صدر الحكم بعدم دستورية الفقرة الأولى من هذه المادة وسقوط فقرتيها الثانية والثالثة، فعدلت الفقرة الأولى من هذا النص تعديلاً تضمن اشتراط توافر أدلة كافية على جدية الاتهام بدلاً من مجرد توافر دلائل کافية على ذلك. ويخضع تقدير هذه الأدلة الكافية لتقدير المحكمة عند عرض الأمر عليها.

الأموال التي تشملها التدابير:

الأصل أن اتخاذ التدابير التحفظية يكون بالنسبة إلى أموال المتهم، وللنائب العام أن يشمل بأمره الوقتي بالمنع من التصرف في الأموال أو إدارتها كلاً من المتهم وزوجته وأولاده القصر (المادة 208 مكرراً «أ» إجراءات). كما يجوز للمحكمة - بناء على طلب النيابة العامة - أن تشمل في حكمها أي مال لزوج المتهم أو أولاده القصر إذا توافرت أدلة كافية على أنه متحصل من الجريمة موضوع التحقيق وال إليهم من المتهم، وذلك بعد إدخالهم في الطلب، فلا يكفي لذلك أن يثبت أن المتهم كان مصدراً لهذه الأموال، بل يجب أن يثبت أن الجريمة هي مصدرها. ولا يجوز أن يشتمل الأمر بالمنع من التصرف أو الإدارة أولاد المتهم البالغين ما لم يكونوا متهمين بإحدى الجرائم المشار إليها والتي يجوز فيها اتخاذ التدابير التحفظية على الأموال. كما لا يجوز أن يشمل الورثة أو الموصى لهم أو كل من أفاد فائدة جدية من الجريمة مادام لم يشمله الاتهام، دون إخلال بسلطة المحكمة في أن تأمر بالرد في مواجهتهم ليكون الحكم بالرد نافذاً في أموال كل منهم بقدر ما استفاد (المادة 208 مكرراً «د»/2).

وإذا كان المتهم أو زوجه أو أولاده القصر شركاء في عقار أو مساهمين في شركة لها شخصية معنوية مستقلة، فإن الأمر بمنع التصرف أو الإدارة لا يجوز أن يرد إلا على أنصبتهم في العقار أو في الشركة. ولا يجوز أن يرد على العقار بأسره وإلا ورد على مال لا يملكونه، كما لا يجوز أن يرد على أموال الشركة لأن شخصيتها القانونية مستقلة عن أشخاص الشركاء أو المساهمين فيها.

سلطة المحكمة في شأن اتخاذ التدابير التحفظية على الأموال:

(1) تباشر المحكمة سلطتها للتحقق من سلامة وجدوى طلب منع التصرف في المال أو منع إدارته، أو الأمر الوقي الصادر بذلك، كما تفصل بعد ذلك في تظلم من صدر الحكم ضده من الأمر الذي أصدرته النيابة. ويشترط لكي تباشر المحكمة الجنائية المختصة بالدعوى الجنائية سلطتها بصدد الأمر الوقت الذي يصدره النائب العام أن يصدر هذا الأمر عند الضرورة أو في حالة الاستعجال، وأن يعرض هذا الأمر على المحكمة خلال سبعة أيام على الأكثر من تاريخ صدوره، بطلب الحكم بالمنع من التصرف أو الإدارة وإلا اعتبر الأمر كأن لم يكن ويتعين في جميع الأحوال سواء اقتصرت النيابة العامة على مجرد طلب الأمر بمنع التصرف أو الإدارة أو كان هذا الطلب مقروناً بالأمر الوقتي الصادر من النائب العام أن يعرض الموضوع على المحكمة الجنائية المختصة. ويقتصر موعد السبعة الأيام على حالة صدور الأمر الوقت من النائب العام بمنع التصرف أو الإدارة، دون اشتراط موعد معين عند مجرد الطلب من النيابة العامة إذا لم يكن هذا الطلب مشفوعاً بالأمر المؤقت من النائب العام. ولا يشترط لصحة العرض على المحكمة إعلان المتهم أو زوجه أو أولاده القصر، فهذا الإعلان شرط لاتصال المحكمة بالدعوى لكي تصدر حكمها بشأنهم. كما أوجب القانون ألا تصدر المحكمة حكمها إلا بعد سماع أقوال ذوي الشأن.

(2) ويشترط أن تصدر المحكمة حكمها خلال مدة لا تجاوز خمسة عشر يوماً منذ تاريخ عرض الموضوع عليها. وطبقاً للقواعد العامة فللمحكمة أن تجري ما تشاء من تحقيق الإصدار هذا الحكم، وهو ما قد يتطلب وقتاً يزيد على الخمسة عشر يوماً المذكورة، ولهذا نص القانون على أن تفصل المحكمة في مدى استمرار العمل بالأمر الوقتي الصادر من النائب العام كلما رأت وجها لتأجيل نظر الطلب. ولم ينص القانون على موعد أقصى يتعين خلاله صدور هذا الحكم (المادة 208 مكرراً «أ»/ 3 إجراءات).

(3) وتنظر المحكمة الطلب وفقاً لإجراءات المحاكمة التي نص عليها القانون، وتخضع لضمانات المحاكمة المنصفة كما سنبينها فيما بعد.

(4) ويجوز للمحكمة بناء على طلب النيابة العامة أن تشمل في حكمها أي مال لزوج المتهم أو أولاده القصر، ويستوي أن يكون الأمر الوقتي الصادر من النائب العام شاملاً هذا المال أو أن يقدم طلب إلى النيابة العامة في أثناء نظر الطلب الأصلى للحكم بإدخال الزوج أو أولاده القصر في المنع من التصرف أو الإدارة. ويشترط أن تتوافر أدلة كافية على أن هذا المال متحصل من الجريمة موضوع التحقيق وآل إليهم من المتهم، وذلك بعد إدخالهم في الطلب. وليس للمحكمة أن تتجاوز حدود الطلب المقدم إليها من النيابة العامة سواء بالنسبة إلى الأشخاص أو الأموال المطلوب منع التصرف فيها أو منع إدارتها، وليس لها أن تنسب إلى المتهم جريمة غير التي بين الطلب على أساس جدية الاتهام بجريمة أخرى غير التي انصب طلب النيابة عليها.

(5) وتفصل المحكمة في الطلب من جميع الوجوه، سواء من حيث المشروعية أو من حيث الموضوع. فلها أن بحث مدى مشروعية الطلب أو الأمر الوقي الصادر من النائب العام، ولها أن تقدر مدى كفاية الأدلة للحكم بالتدبير المطلوب اتخاذه على المال، سواء من حيث وقوع الجريمة أو من حيث إسنادها إلى المتهم، أو من حيث مصدر الأموال المطلوب منع التصرف فيها أو منع إدارتها. ويكون حكمها إما بإلغاء المنع من التصرف أو الإدارة أو بتأييده أو بتعديل نطاقه.

(6) ويجب أن يشتمل الحكم الذي تصدره المحكمة على الأسباب التي بني عليها. (الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 1066)

استهدفت تعديل قانون الإجراءات الجنائية تنظيم التحفظ على الأموال بما يتفق وأحكام الدستور ذلك بأن المحكمة الدستورية العليا حكمت في الخامس من أكتوبر سنة 1996 بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 208 مكرراً (أ) من قانون الإجراءات الجنائية وبسقوط فقرتيها الثانية والثالثة وكذلك المادة 208 مكرراً (ب) تأسيساً على أن القيود التي فرضها نص مادة 208 مكرراً (أ) على أموال المخاطبين بأحكامه تمثل إحدى صور الحراسة التي لا يجوز فرضها إلا بحكم قضائيين وذلك وفقاً للمادة 34 من الدستور لأنها تعتبر تسلطاً على الأموال المشمولة بها في مجال صونها وإدارته، فلا يكفي لفرضها مجرد أمر يصدر في غيبة الخصوم، بل يجب أن يكون توقيعها اصلاً في خصومة قضائية - تقام وفقاً لإجراءاتها المعتادة وتباشر علانية في مواجهة الخصوم وجميعهم وعلى ضوء ضماناتها القانونية التي تتكافأ معها مراكزهم وأسلحتهم، وبعد توافر النيل على قيام الخطر العاجل في شأن الأموال المطلوب حراستها، ولا يكفي لفرضها مجرد دلائل من التحقيق لا يكون لها قوة اليقين القضائي لما في ذلك من إخلال بأصل البراءة، ومن ثم بمبدأ المساواة المنصوص عليه بالمادة 40 من الدستور.

وامتثالاً لأحكام الدستور واستجابة لقضاء المحكمة الدستورية العليا تضمن المشروع تعديلاً لأحكام المادة 208 مكرراً (أ)، (ب) ، (ج) على نحو يكفل التحوط لحقوق الدولة وسائر المجني عليهم في استرداد الأموال التي ضاعت عليها بسبب الجريمة، ويكفل حرمة الملكية الخاصة ويقيم التوازن المنشود بين هذه المصالح جميعاً.

فاشترط المشروع لتطبيق المادة 208 مكرراً (أ) قیام (أدلة كافية) على جدية الاتهام في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات، وما إليها من جرائم فهيا برد المبالغ أو قيمة الأشياء محل الجريمة أو تعويض الشخص أو الجهة المجني عليها، فإذا قدرت النيابة قيام هذه الأدلة الكافية ورأت أن الأمر يقتضي اتخاذ تدابير تحفظية فيجب أن تعرض أوراق التحقيق على المحكمة الجنائية المختصة طالبة الحكم بمنع المتهم من التصرف في أمواله أو إدارتها" أو بغير ذلك من الإجراءات التحفظية كالغلق أو الضبط أو إيداع مبالغ على ذمة الوفاء بما قد يقضي به في الجريمة محل التحقيق" - و أجازت المادة المحكمة - بناء على طلب النيابة العامة أن تشمل في حكها أي مال لزوج المتهم أو أولاده القصر بشرط أن يثبت أن هذا المال متحصل من الجريمة موضوع التحقيق وأنه آل إليهم من المتهم.

وتلبية للضرورة في حالات الخطر العاجل على المال المرجح تحصله من الجريمة - يجوز للنائب العام أن يتخذ الإجراءات المناسبة للتحفظ على الأموال موضوع الطلب المشار إليه لحين الفصل فيه، على أن يعرض الأمر على المحكمة الجنائية المختصة خلال سبعة أيام على الأكثر من تاريخ صدور الأمر باتخاذ تلك الإجراءات بطلب إقرارها، وإلا اعتبرت كأن لم تكن. وتصدر المحكمة في الحالات السابقة خلال خمسة عشرة يوماً من تاريخ عرض الأمر عليها - ويجب أن يشتمل حكمها بالمنع من الإدارة على أسبابه وعلى تعيين من يدير الأموال المتحفظ عليها، بعد أخذ رأى النيابة العامة في ذلك.

ويلتزم من يعين للإدارة بالمحافظة على الأموال المعهود بها إليه وبإدارتها وردها مع غلتها المقبوضة إلى ذويها - طبقاً للأحكام المقررة في القانون المدني - بشأن النيابة العامة والوديعة الحراسة والوكالة في الإدارة، وذلك على النحو الذي يصدر بتنظيمه قرار من وزير العدل.

ولقد قضت المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 5/ 1/ 1996 في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 26 لسنة 12 قضائية دستورية بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 208 مكرراً (أ) من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 50 لسنة 1950 وبسقوط فقرتيها الثانية والثالثة وكذلك المادة 208 مكرراً (ب) من هذا القانون.

وقد صدر قرار وزير العدل رقم  994 في 28/ 6/ 1976 بشأن قواعد اختيار الوكيل في الإدارة وواجباته وتنظيم سجل قيد الأوامر تنفيذاً للمادتين 208 مكرراً (أ)، 208 مكرراً (ب) من قانون الإجراءات الجنائية . وتشير بعض نصوصه ( مادة 12 - 14) إلى إمكان الأمر بالإجراء التحفظي من غير النائب العام- رغم أن نص المادة يقصر الاختصاص على النائب العام. (الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الثاني ، الصفحة : 142)

الفقه الإسلامي

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 65

مُتَّهَمٌ

التَّعْرِيفُ :

الْمُتَّهَمُ لُغَةً:

مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ وَالتُّهْمَةُ هِيَ: الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَاتَّهَمْتُهُ: ظَنَنْتُ بِهِ سُوءًا فَهُوَ تَهِيمٌ، وَاتُّهِمَ الرَّجُلُ اتِّهَامًا: أَتَى بِمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ :

- الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ دَعْوَى دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ وَالْمُدَّعِي: هُوَ مَنْ يَلْتَمِسُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ قِبَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُتَّهَمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ مِنْ أَحْكَامٍ :

تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا:

الْمُتَّهَمُ فِي الْجَرَائِمِ

لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ عَلَى الْمُتَّهَمِ بِالتُّهْمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَلَمْ يَكْتَمِلْ نِصَابُ الْحُجَّةِ، أَوِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعِيثُ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَقَالُوا: إِنَّ الْمُتَّهَمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بَلْ يُعَزَّرُ مُتَّهَمُهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ فَيُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ بِالْحَبْسِ، وَقَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَسَعُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.

(ر: تُهْمَةٌ ف 14).

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ وَلَهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ حَالُ اسْتِبْرَاءٍ تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ وَلَهَا عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا حَالُ اسْتِيفَاءٍ تُوجِبُهُ الأْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ.

فَأَمَّا حَالُهَا بَعْدَ التُّهْمَةِ وَقَبْلَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ النَّظَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ حَاكِمًا رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَدِ اتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَكُنْ لِتُهْمَةٍ بِهَا تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهُ لِكَشْفٍ وَلاَ اسْتِبْرَاءٍ وَلاَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَسْبَابِ الإْقْرَارِ إِجْبَارًا وَلَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إِلاَّ مِنْ خَصْمٍ مُسْتَحِقٍّ لِمَا قَرَفَ وَرَاعَى مَا يَبْدُو مِنْ إِقْرَارِ الْمَتْهُومِ أَوْ إِنْكَارِهِ إِنِ اتُّهِمَ بِالزِّنَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا وَيَصِفَ مَا فَعَلَهُ بِهَا بِمَا يَكُونُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَإِنْ أَقَرَّ حَدَّهُ بِمُوجِبِ إِقْرَارِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ وَكَانَتْ بَيِّنَةً سَمِعَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْلَفَهُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طَلَبَ الْخَصْمُ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَتْهُومُ أَمِيرًا كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَذَلِكَ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا : أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الإْمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِلدَّعْوَى الْمُقَرَّرَةِ وَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي الإْخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لاَ؟ فَإِنْ بَرَّءُوهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ خَفَّتِ التُّهَمَةُ وَوُضِعَتْ وَعَجَّلَ إِطْلاَقَهُ وَلَمْ يَغْلُظْ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرَّفُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَعَرَّفُوهُ بِأَشْبَاهِهِ غَلُظَتِ التُّهَمَةُ وَقَوِيَتْ وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا يُنَاسِبُهُ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ.

الثَّانِي : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ زِنًا وَكَانَ الْمَتْهُومُ مُطِيعًا لِلنِّسَاءِ ذَا فُكَاهَةٍ وَخَلاَبَةٍ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ، وَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارٌ لِضَرْبٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مُنَقِّبٌ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ أَيْضًا.

الثَّالِثُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُعَجِّلَ حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ لِذَلِكَ فَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَبْسَهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَجَاوَزُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَحْبِسُوا أَحَدًا إِلاَّ بِحَقٍّ وَجَبَ.

الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ أَنْ يَضْرِبَ الْمَتْهُومَ ضَرْبَ التَّعْزِيرِ لاَ ضَرْبَ الْحَدِّ لِيَأْخُذَ بِالصِّدْقِ عَنْ حَالِهِ فِيمَا قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يَكُنْ لإِقْرَارِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ حُكْمٌ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ وَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالإْقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الأْوَّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِالإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ.

الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إِذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكِسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.

السَّادِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ إِحْلاَفُ الْمَتْهُومِ اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إِحْلاَفُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلاَ أَنْ يُجَاوِزُوا الأَْيْمَانَ بِاللَّهِ إِلَى الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ.

السَّابِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إِجْبَارًا، وَيُظْهِرَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إِلَيْهَا طَوْعًا، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ، لأِنَّهُ وَعِيدُ إِرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إِلَى حَيِّزِ التَّعْزِيرِ وَالأْدَبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْقَتْلِ فَيَقْتُلَ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ.

الثَّامِنُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ.

التَّاسِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِدْ غُرْمًا وَلاَ حَدًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الأْثَرُ وَلاَ يُرَاعَى السَّبْقُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا:  بِحِسَابِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الاِقْتِرَافِ وَالتَّعَدِّي، وَالثَّانِي: بِحَسَبِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ.

وَإِذَا رَأَى مِنَ الصَّلاَحِ فِي رَدْعِ السَّفِلَةِ أَنْ يُشَهِّرَهُمْ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الأْمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الاِسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لاِخْتِصَاصِ الأْمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالأْحْكَامِ.

- وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ حَالَهُ.

فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.

وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهِمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الأْبْرِيَاءِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإْسْلاَمِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ «حَبَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ،» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ».

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إِنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الأْئِمَّةِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلاَ حَبْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ مَذْهَبًا لأِحَدٍ مِنَ الأْئِمَّةِ الأْرْبَعَةِ وَلاَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأْئِمَّةِ. وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.

الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لاَ يُضْرَبُ، ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.

الْمُتَّهَمُ فِي الْقَسَامَةِ

- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الأْيْمَانَ تُوَجَّهُ إِلَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وُجِّهَتِ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُوَجَّهُ تِلْكَ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ الدِّيَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسَامَةٌ ف 17).

تَحْلِيفُ الْمُتَّهَمِ فِي الأْمَانَاتِ

- يَحْلِفُ الْمُودَعُ وَالْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ وَكُلُّ مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تُهْمَةٌ ف 15).

وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ دَعْوَى الرَّدِّ وَدَعْوَى الضَّيَاعِ، إِذْ إِنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ فِي دَعْوَى الرَّدِّ يَدَّعِي يَقِينًا أَنَّ الْمُودَعَ كَاذِبٌ، فَيَحْلِفُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَّهَمًا أَمْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ لاَ عِلْمَ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ بِحَقِيقَةِ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ فَلاَ يَحْلِفُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الأْظْهَرُ أَنْ تُلْحَقَ الْيَمِينُ إِذَا قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَتَسْقُطَ إِذَا ضَعُفَتْ.

وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْمُودَعُ مَحَلَّ تُهْمَةٍ فَوُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ وَنَكَلَ عَنْهَا ضَمِنَ وَلاَ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا. وَصِفَةُ يَمِينِ الْمُتَّهَمِ أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْتُ، وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطْتُ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ.

الشَّكُّ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَّهَمُ

ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالأْصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ».

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (شَكٌّ ف 38).

رُجُوعُ الْمُتَّهَمِ فِي إِقْرَارِهِ

إِذَا أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بِحَقِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ الإْقْرَارُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزَّكَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 59 - 60).

صِحَّةُ إِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ

يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ عَامَّةً شُرُوطٌ مِنْهَا:

عَدَمُ التُّهْمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي إِقْرَارِهِ؛ لأِنَّ التُّهْمَةَ تُخِلُّ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الإْقْرَارِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).