loading

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

المذكرة الإيضاحية

التحقيق بمعرفة النيابة العامة

نصت المادة 98 ( حذفت لادماجها في المادة 66 من القانون ) على أنه يجب على النيابة في مواد الجنح والجنايات إذا رات ان هناك وجهاً للتحقيق أن يحل الدعوى إلى قاضي التحقيق ومع ذلك فإن لها أن تتولى هي التحقيق في الحالات التي خولت التحقيق فيها بمقتضى القانون .

وقد وضع هذا الفصل لتلك الحالات فنصت المادة 220 ( أصبحت م 199 من القانون ) على تخويل النيابة تحقيق الجنح المشهودة والجنح التي يجوز لرجال الضبط القضائي القبض فيها - المواد 80 و81 و82- ( أصبحت م 24 و 25 من القانون وعدلتا ) وذلك أن الأعضاء النيابة باعتبارهم من رجال الضبط سلطة واسعة في إجراءات جمع الاستدلالات في الجرائم المشهودة كما لهم الحق القبض في الجنح المبينة بالمادة 82 ( أدمجت في م 34 من القانون ) فتخويلهم حق التحقيق في تلك الجرائم لا يحتاج عادة إلى اجراءات مطولة لأن الدليل يكون فيها واضحا ملموسا على أنه فی عدم تخويله النيابة حق التحقيق في جرائم التفالس والجرائم التي تقع بواسطة الصحف وغيرها من طريق النشر وذلك لان هذه الجرائم تحتاج بطبيعتها إلى تحقيقات مطولة أو دقيقة يحسن أن يضطلع بها قاضي التحقيق وحده وغنى عن البيان أن حق التحقيق المخول للنيابة ان هو جوازی فلها دائماً الحق في احالة الدعوى الى قاضى التحقيق كما أن سلطتها في التحقيق ليست كاملة فقد نصت المادة 222 ( أصبحت 201 من القانون و عدالت ) على أن أمر الحبس الصادر منها لا يكون نافذ المفعول إلا لمدة أربعة أيام التالية القبض على المتهم أو تسليمه اليها إذا كان مقبوضاً عليه من قبل كما نصت المادة 222 ( أصبحت المادة 202 من القانون ) على أنه إذا رأت مد الحبس الاحتياطى وجب عليها أن تعرض الأمر على قاضی التحقيق ليصدر أمراً بما يلي وللقاضي مد الحبس لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً أو لمدد متعاقبة لا يزيد مجموعها على الثلاثين يوماً فاذا لم ينته التحقيق في هذه المدة وجب أرسال الأوراق للقاضي ليتولى هو بنفسه التحقيق وله في هذه الحالة مد الحبس خمسة عشر يوماً اخرى فإذا لم ينته التحقيق بعد ذلك وجب عرض الأوراق على غرفة المشورة للنظر في مد الحبس طبقاً لما هو مقرر في المادة 161 ( أصبحت المادة 143 من القانون كما نصت المادة 226 ( أصبحت المادة 206 من القانون وعدلت ) على أنه لا يجوز للنيابة تفتيش غير المتهمين أو منازل غير المتهمين أو ضبط الرسائل إلا بناء على اذن من قاضي التحقيق ونصت المادة 228 ( أصبحت المادة 207 من القانون ) على أن القاضي التحقيق كلما عرضت عليه الأوراق لاستصدار إذنه بالحبس أو البتفتيش أو ضبط الرسائل أن يتولى بنفسه التحقيق في الدعوى إذا وجد ما يدعو إلى ذلك. أما في مواد الجنح الآخر غير المتقدمة الذكر فقد رؤى تحويل النيابة حق التحقيق فيها ما لم تر القبض على المتهم أو حبسه فيتعين عليها عندئذ أن ترسل الأوراق للقاضي ليتولى هو بنفسه التحقيق وليس لها على كل حال حق التفتيش او ضبط الخطابات والرسائل بل يجب عليها أن تحصل عليها ان تحصل على إذن بذلك من القاضي - المادة 227 ( أصبحت المادة 206 من القانون ). وقد لوحظ في تخويل أعضاء النيابة تحقيق الجنح المذكورة الافادة من التحقيقات التي يجرونها أن يكون لها صفة التحقيق القضائي الذي ينتج جميع آثاره القانونية بخلاف جمع الاستدلالات التي يجرونها بصفتهم من مأموري الضبط القضائي كما لوحظ عدم إرهاق قضاة التحقيق بتكليفهم بتحقيق قضايا قليلة الأهمية ما دام هذا التحقيق لا يحتاج الأمر فيه إلى التعرض الى حرية من الحريات المكفولة .

وبدهي أنه ليس للنيابة في التحقيقات التي تجريها حق الحكم على الشهود الذين يتخلفون عن الحضور أمامها أو يحضرون ويمتنعون عن الاجابة بأية عقوبة وإنما يكون الحكم عليها من قاضي التحقيق أو من القاضي الجزئي عند غياب قاضي التحقيق أو وجود مانع لديه – المادة 229 ( أصبحت م 208 من القانون ). وتبعاً لحق التحقيق المخول للنيابة نصت المادة 230 ( أصبحت م 209 من القانون ) على تحويلها إصدار الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى إذا لم يكن هناك محل لرفع الدعوى العمومية . ونصت المادة 331 ( أصبحت م 210 من القانون ) على تحويل المدعي بالحقوق المدنية المعارضة في الأمر المذكور أمام غرفة المشورة طبقاً لما هو مقرر للطعن في قرارات قاضي التحقيق . ونصت المادة 232 ( أصبحت م 211 من القانون ) على تخويل النائب العمومي حق الغاء الامر المذكور في مدة الثلاثة اشهر التالية لصدوره على أنه لا يجوز له ذلك إذا كانت هناك معارضة من المدعي بالحقوق المدنية لأن الأمر في هذه الحالة يجب أن يترك لجهة القضاء تفادياً من وقوع تعارض وغنى عن البيان أن المعارضة في هذا الصدد يجب أن تكون قد رفعت بصفة قانونية بحيث يستلزم من جهة القضاء إصدار الحكم في موضوعها.

الأحكام

1 ـ لما كان الحكم المطعون فيه قد عرض للدفع ببطلان القبض والتفتيش واطرحه بقوله فإن الثابت من الأوراق أن هناك أمر صادر من نيابة ... بضبط وإحضار المتهم وآخرين فى القضية رقم ... لسنة . جنح ... ومن ثم يكون من حق ضابط الواقعة وباعتباره من مأمورى الضبط القضائي المختصين بتنفيذ هذا الأمر بإلقاء القبض على المتهم نفاذاً لذلك الأمر ولا يغير من ذلك ما يثيره الدفاع من أن ذلك الأمر صادر بتاريخ ...... ومضى عليه أكثر من أربعة أشهر قبل تنفيذه بالقبض على المتهم ومن ثم لا يجوز تنفيذه طبقا لحكم الفقرة الأخيرة من المادة 201 من قانون الإجراءات الجنائية ، إذ الثابت من كتاب نيابة ... أن هذا الأمر قد تم تجديده فى الميعاد ، ومن ثم يكون أمر الضبط والإحضار قائما منتجاً لأثره ، ويكون القبض على المتهم قد تم صحيحاً . لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن انقضاء الأجل المحدد فى الأمر الصادر بالضبط والإحضار لا يترتب عليه بطلانه وإنما لا يصح التنفيذ بمقتضاه بعد ذلك إلى أن يجدد مفعوله والإحالة عليه بصدد تجديد مفعوله جائزة ما دامت منصبة على ما لم يؤثر فيه انقضاء الأجل المذكور وإصدار النيابة أمر بالضبط والإحضار لم ينفذ خلال الأجل القانونى ثم تم تجديده مدة أخرى ، فالتفتيش الحاصل فى هذه المدة الجديدة يكون صحيحاً . وكان الطاعن لا يمارى فى سابقة أمر ضبطه وإحضاره وقد اطمأنت محكمة الموضوع أن هذا الأمر لا زال سارياً منتجاً لأثره ، فإن ما أورده الحكم فى هذا الشأن يكون قد صادف صحيح القانون ، ويضحى منعى الطاعن فى هذا الخصوص غير سديد .

(الطعن رقم 9898 لسنة 67 ق - جلسة 2005/11/16 س 56 ص 568 ق 89)

شرح خبراء القانون

سلطة النيابة في الحبس الاحتياطي:

مدة الحبس الاحتياطي التي تملكها النيابة العامة هي أربعة أيام تبدأ من اليوم التالي للقبض على المتهم إذا كان أمر القبض قد صدر من النيابة العامة أما إذا كان القبض قد تم بمعرفة مأمور الضبط وسلم المتهم إلى النيابة العامة في خلال الأربع وعشرين ساعة المقررة لمأمور الضبط فإن مدة الأربعة أيام يبدأ حسابها من اليوم التالي لتسليم المقبوض عليه إلى النيابة العامة.

تنفيذ أمر الحبس الاحتياطي :

تعتبر الأوامر التي تصدرها النيابة العامة واجبة التنفيذ في جميع أنحاء الجمهورية ومدة صلاحية أوامر النيابة لا تزيد على ستة أشهر، فلا يجوز تنفيذ أوامر الضبط والإحضار وأوامر الحبس الاحتياطي التي تصدرها النيابة العامة بعد مضي ستة أشهر من تاريخ صدورها ما لم تعتمدها النيابة لمدة أخرى. ويعني هذا أنه لا يجوز تجديد هذه الأوامر إلا مرة واحدة، وقد قرر المشرع أنه في خلال الستة أشهر قد تتغير ظروف التحقيق، ويتضح من هذا التغيير أنه لم تعد ثمة حاجة لحبس المتهم.

وقد أجازت الفقرة الأولى من المادة محل التعليق للسلطة المختصة بالحبس الاحتياطي أن تصدر بدلاً من أمر الحبس أمراً بأحد التدابير التي أوردتها على سبيل الحصر وهي إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه، أو إلزامه بأن يقدم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محددة، أو حظر ارتياد المتهم أماكن محددة، وفي حالة مخالفة المتهم الإلتزامات التى يفرضها التدبير يجوز حبسه احتياطياً.

وقد أشارت المادة محل التعليق إلى أنه يسري في شأن مدة التدبير أو مدها والحد الأقصى لها واستئنافها ذات القواعد المقررة بالنسبة إلى الحبس الاحتياطي. (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثاني ، الصفحة : 154 )

مدة الحبس الاحتياطي الصادر من النيابة العامة

مدة الحبس :

الأمر بالحبس الصادر من النيابة العامة لا يكون نافذ المفعول إلا لمدة الأربعة أيام التالية للقبض على المتهم أو تسليمه للنيابة العامة إذا كان مقبوض عليه من قبل (المادة 201) ومدة الأربعة أيام في الحد الأقصى ولكن يجوز للنيابة أن تأمر بالحبس لأقل من هذه المدة وعندئذ يجوز لها مد المدة أربعة أيام مع وجوب سماع أقوال المتهم عند المد.

إلا أنه في واقع العمل نادراً ما يحدث ذلك بل أن الجاري عليه العمل هو أن يصدر عضو النيابة المحقق التأشيرة التالية: «و أقفل المحضر عقب إثبات ما تقدم وقررنا الآتي:

أولاً: يحبس ...... أربعة أيام احتياطياً على ذمة التحقيق ويراعى التجديد له في الميعاد القانوني ويحرر له فيش وتشبيه وتطلب صحيفة سوابقه.

كيفية حساب مدة الحبس :

تحسب الأيام الأربعة منسوبة إلى تاريخ القبض على المتهم إذا كان عضو النيابة هو الذي أمر بالقبض عليه كرئيس للضبط القضائي (م 35 أو 36) وتحسب تلك الأيام الأربعة منسوبة إلى تاريخ تسليمه للنيابة إذا كان مقبوضاً عليه بقرار من مأمور الضبط في حالة تلبس (م 24) أو بأمر صادر من سلطة التحقيق بضبطه وإحضاره (م 126، 127) أو القبض عليه (م 130).

وقيل بأن التفرقة الواردة في النص بين هذين الوضعين أساسها أن مثول المتهم أمام النيابة لا يتراخى عن القبض في الحالة الأولى أما إذا كان مقبوضاً عليه من قبل في الحالتين الأخيرتين) فإن للسلطة التي قامت بالقبض أن تعرضه على سلطة التحقيق في خلال 24 ساعة. ولسلطة التحقيق أن تستجوبه في خلال 24 ساعة أخرى (م 131) ولهذا لزم تحديد موعد ينسب إليه بدء مدة الحبس الاحتياطي ومن المنطقي في هذا الصدد أن ينسب بدء المدة إلى وقت تسليم المتهم إلى النيابة وليس إلى وقت استجوابه حتى لا يتحمل عبء تأخير استجوابه بلا موجب.

بدائل الحبس الاحتياطي :

عملاً بنص الفقرة الأولى من المادة 202 من قانون الإجراءات الجنائية والمستبدلة بالقانون رقم 145 لسنة 2006 فإنه يجوز للسلطة المختصة بالحبس الاحتياطي أن تصدر بدلاً منه أمراً بأحد التدابير الآتية:

1)إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه.

2) إلزام المتهم بأن يقدم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محددة.

3) حظر ارتياد المتهم أماكن محددة.

فإذا خالف المتهم الإلتزامات التى يفرضها التدبير جاز حبسه احتياطياً.

ويكون ذلك بالطبع بأمر مسبب.

ولا يجوز الأمر بأحد التدابير سالفة البيان بعد الإفراج المؤقت عن المتهم المحبوس إحتياطياً إلا إذا توافرت شروط ومبررات إصدار أمر جديد بحبس المتهم احتياطياً كما لا يجوز الجمع بين الأمر بحبس المتهم الهارب احتياطياً وأحد هذه التدابير ويسري في شأن مدة التدبير ومدها والحد الأقصى لها واستئناف الأمر الصادر بالتدبير أو بمده ذات القواعد المقررة بالنسبة إلى الحبس الاحتياطي. ومن ثم يجب على عضو النيابة المختص إذا ما رأي عدم حبس المتهم احتياطياً وأقر بإلزامه بأحد التدابير سالفة البيان أن يضمن قراره مدة التدبير وإتخاذ إجراءات مد هذه المدة وفقاً لذات القواعد المقررة بالنسبة إلى الحبس الاحتياطي (الكتاب الدوري رقم 10 لسنة 2006 السابق الإشارة إليه. (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني  ، الصفحة : 363)

سقوط الأمر بالقبض والإحضار :

تقضي المادتان 139، 201 إجراءات على أنه لا يجوز تنفيذ أوامر الضبط والإحضار وأوامر الحبس بعد مضي ستة أشهر من تاريخ صدورها ما لم يعتمدها قاضي التحقيق أو النيابة العامة لمدة أخرى إذا كانت هي التي تباشر التحقيق .

ومعنى ذلك أن الأمر بالقبض والإحضار إذا لم يتم تنفيذه خلال ستة أشهر من تاريخ صدوره فإنه يسقط ويتعين تجديده بأمر جديد يصدر من سلطة التحقيق سواء كانت النيابة العامة أو قاضي التحقيق إذ قد يظهر من ظروف التحقيق ما يستدعى العدول عن الأمر.

سلطة النيابة في الحبس الاحتياطي. الجهات المختصة بمد الحبس الاحتياطي:

مدة الحبس الاحتياطى التي تملكها النيابة العامة هي أربعة أيام تبدأ من اليوم التالي للقبض على المتهم إذا كان أمر القبض قد صدر من النيابة العامة . أما إذا كان القبض قد تم بمعرفة مأمور الضبط وسلم المتهم إلى النيابة العامة في خلال الأربع وعشرين ساعة المقررة لمأمور الضبط فإن مدة الأربعة أيام يبدأ حسابها من اليوم التالى لتسليم المقبوض عليه إلى النيابة العامة (م 201).

ولا تملك النيابة العامة إصدار أمر جديد بمد الحبس الاحتياطي وإنما عليها إذا رأت أن هناك ضرورة لكى يظل المتهم محبوساً احتياطياً أن تطب المدمن القاضي الجزئي المختص. وهو يصدر أمره بما يراه بعد سماع أقوال النيابة والمتهم. والقاضي الجزئي يملك مد الحبس الاحتياطي لمدة خمس عشرة يوماً قابلة للتجديد مدة أو مدد أخرى لا تزيد في مجموعها عن خمسة وأربعين يوماً، مع مراعاة القيد الوارد بالمادة 142 الخاص بالمتهمين غير العائدين والذين لم يسبق الحكم عليهم بالحبس أكثر من سنة متى كان لهم محل إقامة معروف وكانت الجريمة المنسوبة إليهم جنحة لا يزيد حدها الأقصى في الحبس عن سنة. (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الأول،  الصفحة 499)

استحدث القانون رقم 145 لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية نظام بدائل الحبس الاحتياطي في الفقرة الثانية من المادة 201 إجراءات. ولا شك في أنها خطوة تشريعية تقدمية نحو التضييق من الحبس الاحتياطي التزاما بأن الأصل في المتهم البراءة، وتجنباً للآثار السيئة التي يحدثها الحبس الاحتياطي في حياة الإنسان. ونأمل أن تتلوها خطوة أخرى أكثر تقدما كما فعل المشرع الفرنسي الذي جعل بدائل الحبس الاحتياطي هي الأصل والحبس الاحتياطي بديلاً، وتجلى ذلك في المادة 37 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسي والتي نصت على أن كل شخص متهم تفترض براءته ويظل طليق السراح.

ويلاحظ أن الفقرة الثانية من المادة 201 إجراءات أجازت للسلطة المختصة بالحبس الاحتياطي أن تصدر أمراً بأحد بدائل الحبس الاحتياطي، ولم تقصر ذلك على النيابة العامة وحدها دون غيرها، مما يعني أن قاضي التحقيق - وکذا القاضي الجزئي - وغرفة المشورة، والمحكمة المختصة. وفي الحالات التي يخول فيها القانون المحكمة سلطة الحبس الاحتياطي يكون لها أن تصدر أحد بدائله. كما تسري عليه أحكام الإفراج الوجوبي والإفراج المؤقت لأنها تضع حدوداً لمدة الحبس الاحتياطي التي تتقيد بما بدائله.

المنع من السفر:

جرى العمل على أن تأمر سلطات التحقيق وغيرها من الجهات بالمنع من السفر، وتمتثل وزارة الداخلية لهذا الأمر فتصدر بدورها أمرا تنفيذيا له. وقد خلا قانون الإجراءات الجنائية من نص يسمح باتخاذ هذا الإجراء، فلم يرد ضمن بدائل الحبس الاحتياطي، لكن البديلين الأول والثاني يتضمنان حتماً المنع من السفر، وهما بديلان عن الحبس الاحتياطي يخضعان لشروطه وضماناته وأحوال استئنافه وحالات إلغائه. لكن هذا المنع من السفر هو مجرد أثر من آثارهما ولا يجوز اتخاذه استقلالاً بوصفه بديلاً للحبس الاحتياطي طبقاً للمادة 201 إجراءات.

وقد مورس المنع من السفر بعيداً عن نطاق الحبس الاحتياطي وبدائله دون أي سند دستوري أو قانوني. فمن المبادئ الدستورية العامة أن الحريات العامة لا يجوز تنظيم ممارستها إلا بقانون. وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا على أن حرية الانتقال تنخرط في مصاف الحريات العامة، وأن تقييدها دون مقتض مشروع إنما يجرد الحرية الشخصية من بعض خصائصها، ويكون صحیح بنیاها، وأن الدستور عهد إلى السلطة التشريعية دون غيرها بتقدير هذا المقتضى. ولذلك قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قرار وزير الداخلية الذي تم الاستناد إليه لمنع السفر.

وقد نص قرار وزير الداخلية رقم 2214 لسنة 1994 الصادر بناء على المادة 11 من القرار بقانون رقم 97 لسنة 1959 في شأن جوازات السفر على أنه يجوز بقرار من وزير الداخلية لأسباب مهمة يقدرها رفض منح جواز السفر أو تحديده، كما يجوز له سحب الجواز بعد إعطائه. فقد نص قرار وزير الداخلية سالف الذكر في مادته الأولى على تحديد الجهات التي يحق لها طلب الإدراج على قوائم الممنوعين من السفر بالنسبة إلى الأشخاص الطبيعيين، وهي المحاكم و«المدعي العام الاشتراكي» والنائب العام ومساعد وزير العدل للكسب غير المشروع ورئيس المخابرات العامة ورئيس هيئة الرقابة الإدارية ومدير إدارة المخابرات الحربية ومدير إدارة الشئون المعنوية والخدمة الاجتماعية بالقوات المسلحة ومساعد أول وزير الداخلية لمباحث أمن الدولة (الأمن الوطني حالياً) ومدير مصلحة الأمن العام.

لكن هذا القرار الوزاري خالف الدستور إذ يسمح بتقييد الحرية الشخصية منع السفر من خلال تحديد الجهات التي يحق لها طلب الإدراج على قوائم الممنوعين من السفر بالنسبة إلى الأشخاص الطبيعيين، وهو ما لا يجوز إلا بقانون. وأساس ذلك أن المشرع وحده هو الذي ينفرد بتنظيم أي قيد يمكن أن يرد على الحريات العامة. كما أن الجهات القضائية الواردة في هذا القرار لا تتلقى اختصاصها إلا من القانون نفسه إعمالاً للشرعية الإجرائية التي تتطلب أن يكون القانون هو مصدر الإجراءات الجنائية. وقد أكدت محكمة النقض أن تنظیم حق من الحقوق موکول إلى السلطة التشريعية، فلا يجوز لها أن تتنصل من اختصاصها وتحيل الأمر برمته إلى السلطة التنفيذية دون أن تقيدها في ذلك بضوابط عامة وأسس تلتزم بالعمل في إطارها. فإذا ما خرج المشرع على ذلك وناط بالسلطة التنفيذية تنظيم الحق من أساسه كان متخليا عن اختصاصه الأصيل المقرر بالمادة 86 من الدستور (دستور 1971) ساقطاً بالتالي في هوة مخالفة القانون. ورأت محكمة النقض أن المادة 41 من دستور سنة 1971 نصت على أنه لا يجوز تقييد الحرية بأي قيد أو المنع من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع يكون قد أناط بالقاضى المختص والنيابة العامة سلطة منع السفر بمناسبة تحقيقات تجريها. ومن ثم فإن المنازعة الموضوعية في قرار منع السفر تكون خارجة عن نطاق رقابة المشروعية التي يختص القضاء الإداري مباشرتها على القرارات الإدارية وداخلة في اختصاص جهة القضاء العادي تتولاه محاكمها طبقاً للقواعد المنظمة لاختصاصها.

وقد أكد الدستور المعدل لسنة 2014 على أن المنع من السفر لا يكون إلا بأمر قضائي مسبب فيما نص عليه في الفقرة الثالثة من المادة 62 من أنه لا يكون منع أي مواطن من مغادرة إقليم الدولة، أو فرض الإقامة الجبرية عليه، أو حظر الإقامة في جهة معينة إلا بأمر قضائي مسبب ولمدة محددة، وفى الأحوال المبينة في القانون. وهو نص صالح للتطبيق مباشرة يلغي كل النصوص الأدنى منه مرتبة بقوة الدستور. وبناء على هذا النص يمتنع على جميع الجهات غير القضائية أن تصدر أوامر بمنع السفر، كما يجب أن يكون الأمر القضائي بمنع السفر مسبباً ولمدة محددة وفي الأحوال المبينة في القانون، فإن خالف أياً من تلك الشروط كان باطلاً ولا ينتج أثراً.

الإفراج الجوازي المصحوب بتدبير معين:

يجوز لسلطة التحقيق إذا رأت أن حالة المتهم لا تسمح بتقديم كفالة أن تفرض تدبيراً معيناً للحيلولة دون هروبه، وهو إلزام المتهم بأن يقدم نفسه لمكتب البوليس في الأوقات التي يحددها له في أمر الإفراج مع مراعاة ظروفه الخاصة. وله أن يطلب منه اختيار مكان للإقامة فيه غير المكان الذي وقعت فيه الجريمة، كما له أن يحظر عليه ارتياد مكان معين (المادة 149 إجراءات).

وهذا التدبير يختلف عن نظام المراقبة القضائية الذي عرفه القانون الفرنسي بديلاً للحبس الاحتياطي، لأن المراقبة تفرض على المتهم التزامات معينة تتصل بسلوکه وقت الإفراج لمنعه من ارتكاب الجريمة وملاحظته.

كما يجوز للسلطة المختصة بالحبس الاحتياطي أن تستعيض عنه بأحد بدائله المنصوص عليها في المادة 201 من قانون الإجراءات الجنائية في حدود مدة الحبس الاحتياطي المسموح بها قانوناً.

أوامر الحبس الاحتياطي التي يجوز استئنافها :

بادئ ذي بدء فإن هذه الأوامر لابد أن تكون من أوامر التحقيق الابتدائي، فهذا الاستئناف لا يتعلق بأوامر الحبس الاحتياطي التي تصدرها المحكمة في أثناء نظر الموضوع. وبعبارة أخرى فإن الأوامر التي يجوز استئنافها هي من إجراءات التحقيق الابتدائي وليست من إجراءات المحاكمة.

ويستوي في هذه الأوامر أن تصدر بالحبس الاحتياطي لأول مرة أو بمد الحبس الاحتياطي.

كما أن الأوامر الصادرة ببدائل الحبس الاحتياطي تأخذ حكم أوامر الحبس الاحتياطي ذاتها تطبيقاً للفقرة الرابعة من المادة 201 إجراءات التي نصت على أن يسري في شأن مدة التدبير أو مدها والحد الأقصى لهما واستئنافها القواعد المقررة ذاتها بالنسبة إلى الحبس الاحتياطي.

ويستوي في هذه الأوامر أن تصدر من قاضي التحقيق طبقاً للمادتين 134 و142 إجراءات، أو من النيابة العامة طبقاً للمادتين 201 و 202 إجراءات، أو من محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة عندما تنظر طلب مد الحبس الاحتياطي طبقاً للمادة 143/ 1 إجراءات، وعندما تأمر بحبس المتهم بمناسبة نظر استئناف النيابة العامة الأمر الإفراج المؤقت في جناية طبقاً للمادة 168/ 2 إجراءات، أو من محكمة الجنايات المختصة عند نظر طلب مد الحبس الاحتياطي طبقاً للمادة 143/ 3 إجراءات (بعد مضي خمسة أشهر على حبس المتهم في جناية).

ميعاد الاستئناف :

يكون استئناف المتهم للأوامر الصادرة في شأن الحبس الاحتياطي في أي وقت، فهو ليس مقيدا بميعاد معين مادام الحبس الاحتياطي قائماً، طبقاً للمادة 166 إجراءات. وقد نصت هذه المادة على أنه إذا صدر قرار برفض استئنافه جاز أن يتقدم باستئناف جدید کلما انقضت مدة ثلاثين يوماً من تاريخ صدور قرار الرفض. ولا صعوبة بالنسبة إلى الحبس الاحتياطي الذي تأمر بمده محكمة الجنح المستأنفة أو المحكمة المختصة مدة تزيد على ثلاثين يوماً طبقاً للمادة 143/ 1 و 3 إجراءات، حيث يجوز لأي من هاتين الجهتين مد الحبس الاحتياطي مدة أو أكثر لا تزيد كل منها على خمسة وأربعين يوما. أما الجهات الأخرى التي تأمر بالحبس الاحتياطي فإن سلطتها في المد لا تتجاوز خمسة عشر يوماً طبقاً للقانون (المواد 172/ 1 بالنسبة لقاضي التحقيق، و 202 بالنسبة للقاضي الجزئي، و206 مكرراً بالنسبة لأعضاء النيابة العامة من درجة رئيس نيابة على الأقل). فإذا ما صدر أمر من إحدى هذه الجهات بمد الحبس الاحتياطي لمدة خمسة عشر يوما وجب اعتباره أمراً جديداً يجوز استئنافه رغم رفض استئناف الأمر السابق الصادر من هذه الجهة بالحبس الاحتياطي أو بحده دون تقيد بأي موعد ودون أن يسري حظر الاستئناف إلا بعد مضي ثلاثين يوماً منذ تاريخ صدور قرار الرفض، لأن هذا الحظر لا يسري إلا بالنسبة إلى الأمر المستأنف لأول مرة، فإذا صدر أمر جديد محدد بالحبس الاحتياطي فإن هذا الأمر لا يسري عليه الحظر المذكور لأن نطاقه محدد بالأمر الذي سبق رفض استئنافه، وهو ما لا ينطبق على الأمر الجديد بمد الحبس الاحتياطي. (الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 1024)

الحد الأقصى للحبس الاحتياطي الذي تأمر به النيابة العامة هو أربعة أيام تبدأ من تاريخ القبض على المتهم، أو من تاريخ تسليمه إلى النيابة العامة إذا كان مقبوضاً عليه من قبل .

البدائل التي حددها المشرع للحبس الاحتياطي: ذهب المشرع في سبيل الحد من أوامر الحبس الاحتياطي إلى أن أجاز للسلطة المختصة بالأمر بالحبس الاحتياطي أن تصدر بدلاً منه أمراً بأحد تدابير ثلاثة : الأول - إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه. الثاني- إلزام المتهم بأن يقدم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محددة. الثالث - حظر ارتياد المتهم أماكن محددة .

فإذا خالف المتهم الإلتزامات التى يفرضها التدبير جاز حبسه احتياطياً ويسري في شأن مدة التدبير أو مدها والحد الأقصى لها واستئناف الأمر بها، ذات القواعد المقررة بالنسبة إلى الحبس الاحتياطي (المادة 201 المعدلة بالقانون رقم 145 لسنة 2006). (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول ،  الصفحة:  662)

الفقه الإسلامي

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / السادس عشر ، الصفحة /  320

ح - الْحَبْسُ بِالإْقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ فِي الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ :

يَجُوزُ الْحَبْسُ بِالإْقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ فِي الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ مَنْ ضَرَبَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ عُزِّرَ، وَصَحَّ حَبْسُهُ وَلَوْ فِي بَيْتِهِ بِأَنْ يُمْنَعَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهُ. وَلِلإْمَامِ حَبْسُ الْعَائِنِ فِي مَنْزِلِ نَفْسِهِ سِيَاسَةً وَيُمْنَعُ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ.

 

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 65

مُتَّهَمٌ

التَّعْرِيفُ :

الْمُتَّهَمُ لُغَةً:

مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ وَالتُّهْمَةُ هِيَ: الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَاتَّهَمْتُهُ: ظَنَنْتُ بِهِ سُوءًا فَهُوَ تَهِيمٌ، وَاتُّهِمَ الرَّجُلُ اتِّهَامًا: أَتَى بِمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ :

- الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ دَعْوَى دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ وَالْمُدَّعِي: هُوَ مَنْ يَلْتَمِسُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ قِبَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُتَّهَمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ مِنْ أَحْكَامٍ :

تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا:

الْمُتَّهَمُ فِي الْجَرَائِمِ

لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ عَلَى الْمُتَّهَمِ بِالتُّهْمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَلَمْ يَكْتَمِلْ نِصَابُ الْحُجَّةِ، أَوِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعِيثُ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَقَالُوا: إِنَّ الْمُتَّهَمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بَلْ يُعَزَّرُ مُتَّهَمُهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ فَيُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ بِالْحَبْسِ، وَقَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَسَعُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.

(ر: تُهْمَةٌ ف 14).

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ وَلَهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ حَالُ اسْتِبْرَاءٍ تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ وَلَهَا عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا حَالُ اسْتِيفَاءٍ تُوجِبُهُ الأْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ.

فَأَمَّا حَالُهَا بَعْدَ التُّهْمَةِ وَقَبْلَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ النَّظَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ حَاكِمًا رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَدِ اتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَكُنْ لِتُهْمَةٍ بِهَا تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهُ لِكَشْفٍ وَلاَ اسْتِبْرَاءٍ وَلاَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَسْبَابِ الإْقْرَارِ إِجْبَارًا وَلَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إِلاَّ مِنْ خَصْمٍ مُسْتَحِقٍّ لِمَا قَرَفَ وَرَاعَى مَا يَبْدُو مِنْ إِقْرَارِ الْمَتْهُومِ أَوْ إِنْكَارِهِ إِنِ اتُّهِمَ بِالزِّنَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا وَيَصِفَ مَا فَعَلَهُ بِهَا بِمَا يَكُونُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَإِنْ أَقَرَّ حَدَّهُ بِمُوجِبِ إِقْرَارِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ وَكَانَتْ بَيِّنَةً سَمِعَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْلَفَهُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طَلَبَ الْخَصْمُ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَتْهُومُ أَمِيرًا كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَذَلِكَ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا : أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الإْمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِلدَّعْوَى الْمُقَرَّرَةِ وَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي الإْخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لاَ؟ فَإِنْ بَرَّءُوهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ خَفَّتِ التُّهَمَةُ وَوُضِعَتْ وَعَجَّلَ إِطْلاَقَهُ وَلَمْ يَغْلُظْ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرَّفُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَعَرَّفُوهُ بِأَشْبَاهِهِ غَلُظَتِ التُّهَمَةُ وَقَوِيَتْ وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا يُنَاسِبُهُ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ.

الثَّانِي : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ زِنًا وَكَانَ الْمَتْهُومُ مُطِيعًا لِلنِّسَاءِ ذَا فُكَاهَةٍ وَخَلاَبَةٍ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ، وَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارٌ لِضَرْبٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مُنَقِّبٌ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ أَيْضًا.

الثَّالِثُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُعَجِّلَ حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ لِذَلِكَ فَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَبْسَهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَجَاوَزُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَحْبِسُوا أَحَدًا إِلاَّ بِحَقٍّ وَجَبَ.

الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ أَنْ يَضْرِبَ الْمَتْهُومَ ضَرْبَ التَّعْزِيرِ لاَ ضَرْبَ الْحَدِّ لِيَأْخُذَ بِالصِّدْقِ عَنْ حَالِهِ فِيمَا قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يَكُنْ لإِقْرَارِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ حُكْمٌ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ وَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالإْقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الأْوَّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِالإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ.

الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إِذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكِسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.

السَّادِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ إِحْلاَفُ الْمَتْهُومِ اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إِحْلاَفُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلاَ أَنْ يُجَاوِزُوا الأَْيْمَانَ بِاللَّهِ إِلَى الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ.

السَّابِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إِجْبَارًا، وَيُظْهِرَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إِلَيْهَا طَوْعًا، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ، لأِنَّهُ وَعِيدُ إِرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إِلَى حَيِّزِ التَّعْزِيرِ وَالأْدَبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْقَتْلِ فَيَقْتُلَ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ.

الثَّامِنُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ.

التَّاسِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِدْ غُرْمًا وَلاَ حَدًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الأْثَرُ وَلاَ يُرَاعَى السَّبْقُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا:  بِحِسَابِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الاِقْتِرَافِ وَالتَّعَدِّي، وَالثَّانِي: بِحَسَبِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ.

وَإِذَا رَأَى مِنَ الصَّلاَحِ فِي رَدْعِ السَّفِلَةِ أَنْ يُشَهِّرَهُمْ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الأْمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الاِسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لاِخْتِصَاصِ الأْمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالأْحْكَامِ.

- وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ حَالَهُ.

فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.

وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهِمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الأْبْرِيَاءِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإْسْلاَمِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ «حَبَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ،» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ».

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إِنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الأْئِمَّةِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلاَ حَبْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ مَذْهَبًا لأِحَدٍ مِنَ الأْئِمَّةِ الأْرْبَعَةِ وَلاَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأْئِمَّةِ. وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.

الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لاَ يُضْرَبُ، ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.

الْمُتَّهَمُ فِي الْقَسَامَةِ

- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الأْيْمَانَ تُوَجَّهُ إِلَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وُجِّهَتِ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُوَجَّهُ تِلْكَ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ الدِّيَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسَامَةٌ ف 17).

تَحْلِيفُ الْمُتَّهَمِ فِي الأْمَانَاتِ

- يَحْلِفُ الْمُودَعُ وَالْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ وَكُلُّ مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تُهْمَةٌ ف 15).

وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ دَعْوَى الرَّدِّ وَدَعْوَى الضَّيَاعِ، إِذْ إِنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ فِي دَعْوَى الرَّدِّ يَدَّعِي يَقِينًا أَنَّ الْمُودَعَ كَاذِبٌ، فَيَحْلِفُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَّهَمًا أَمْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ لاَ عِلْمَ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ بِحَقِيقَةِ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ فَلاَ يَحْلِفُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الأْظْهَرُ أَنْ تُلْحَقَ الْيَمِينُ إِذَا قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَتَسْقُطَ إِذَا ضَعُفَتْ.

وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْمُودَعُ مَحَلَّ تُهْمَةٍ فَوُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ وَنَكَلَ عَنْهَا ضَمِنَ وَلاَ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا. وَصِفَةُ يَمِينِ الْمُتَّهَمِ أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْتُ، وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطْتُ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ.

الشَّكُّ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَّهَمُ

ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالأْصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ».

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (شَكٌّ ف 38).

رُجُوعُ الْمُتَّهَمِ فِي إِقْرَارِهِ

إِذَا أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بِحَقِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ الإْقْرَارُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزَّكَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 59 - 60).

صِحَّةُ إِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ

يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ عَامَّةً شُرُوطٌ مِنْهَا:

عَدَمُ التُّهْمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي إِقْرَارِهِ؛ لأِنَّ التُّهْمَةَ تُخِلُّ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الإْقْرَارِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / الرابع والأربعون ، الصفحة / 201

وَطَن

التَّعْرِيفُ:

الْوَطَنُ- بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالطَّاءِ- فِي اللُّغَةِ: مَنْزِلُ الإْقَامَةِ، أَوْ مَكَانُ الإْنْسَانِ وَمَقَرُّهُ، وَيُقَالُ لِمَرْبِضِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالإِْبِلِ: وَطَنٌ، وَهُوَ مُفْرَدٌ، جَمْعُهُ أَوْطَانٌ، وَمِثْلُ الْوَطَنِ الْمَوْطِنُ، وَجَمْعُهُ مَوَاطِنُ، وَأَوْطَنَ: أَقَامَ، وَأَوْطَنَهُ وَوَطَّنَهُ وَاسْتَوْطَنَهُ: اتَّخَذَهُ وَطَنًا، وَمَوَاطِنُ مَكَّةَ: مَوَاقِفُهَا.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْوَطَنُ: هُوَ مَنْزِلُ إِقَامَةِ الإِْنْسَانِ وَمَقَرُّهُ، وُلِدَ بِهِ أَوْ لَمْ يُولَدْ.

الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْمَحَلَّةُ:

الْمَحَلَّةُ فِي اللُّغَةِ: مَنْزِلُ الْقَوْمِ، وَالْجَمْعُ مَحَالُّ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ مَنْزِلُ قَوْمِ إِنْسَانٍ وَلَوْ تَفَرَّقَتْ بُيُوتُهُمْ حَيْثُ جَمَعَهُمُ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَحَلَّةِ وَالْوَطَنِ أَنَّ الْوَطَنَ أَعَمُّ مِنَ الْمَحَلَّةِ.

أَنْوَاعُ الْوَطَنِ:

يُقَسِّمُ الْفُقَهَاءُ الْوَطَنَ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الأْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: وَطَنٌ أَصْلِيٌّ، وَوَطَنُ إِقَامَةٍ، وَوَطَنُ سُكْنَى، كَمَا يَلِي:

أ- الْوَطَنُ الأْصْلِيُّ:

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ هُوَ: مَوْطِنُ وِلاَدَةِ الإْنْسَانِ أَوْ تَأَهُّلِهِ أَوْ تَوَطُّنِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: الْوَطَنُ الأْصْلِيُّ، وَيُسَمَّى بِالأْهْلِيِّ، وَوَطَنُ الْفِطْرَةِ، وَالْقَرَارِ، وَمَعْنَى تَأَهُّلِهِ أَيْ تَزَوُّجِهِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِبَلْدَتَيْنِ فَأَيُّهُمَا دَخَلَهَا صَارَ مُقِيمًا، فَإِنْ مَاتَتْ زَوْجَتُهُ فِي إِحْدَاهُمَا وَبَقِيَ لَهُ فِيهَا دُورٌ وَعَقَارٌ، قِيلَ: لاَ يَبْقَى وَطَنًا، إِذِ الْمُعْتَبَرُ الأْهْلُ دُونَ الدَّارِ، وَقِيلَ: تَبْقَى، وَمَعْنَى تَوَطُّنِهِ أَيْ عَزْمِهِ عَلَى الْقَرَارِ فِيهِ وَعَدَمِ الاِرْتِحَالِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَتَأَهَّلْ فِيهِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْوَطَنُ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ الشَّخْصُ لاَ يَرْحَلُ عَنْهُ صَيْفًا وَلاَ شِتَاءً إِلاَّ لِحَاجَةٍ كَتِجَارَةٍ وَزِيَارَةٍ.

وَيَلْحَقُ بِهِ الْقَرْيَةُ الْخَرِبَةُ الَّتِي انْهَدَمَتْ دُورُهَا وَعَزَمَ أَهْلُهَا عَلَى إِصْلاَحِهَا وَالإْقَامَةِ بِهَا صَيْفًا وَشِتَاءً.

كَمَا يَلْحَقُ بِهِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الْبَلَدُ الَّذِي فِيهِ امْرَأَةٌ لَهُ أَوْ تَزَوَّجَ فِيهِ، لِحَدِيثِ عُثْمَانَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلاَةَ الْمُقِيمِ».

قَالَ الرُّحَيْبَانِيُّ: وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ فِرَاقِ الزَّوْجَةِ.

وَيُؤْخَذُ مِمَّا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالْوَطَنِ الْبَلَدُ الَّذِي لِلشَّخْصِ فِيهِ أَهْلٌ أَوْ مَاشِيَةٌ، وَقِيلَ: أَوْ مَالٌ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الْوَطَنُ هُوَ مَحَلُّ سُكْنَى الشَّخْصِ بِنِيَّةِ التَّأْبِيدِ، وَمَوْضِعُ الزَّوْجَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ سُكْنَاهُ عِنْدَهَا، فَمَنْ كَانَ لَهُ بِقَرْيَةٍ وَلَدٌ فَقَطْ أَوْ مَالٌ فَإِنَّهَا لاَ تَكُونُ وَطَنًا أَصْلِيًّا لَهُ.

ب- وَطَنُ الإْقَامَةِ:

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: وَطَنُ الإْقَامَةِ هُوَ مَا خَرَجَ إِلَيْهِ الإْنْسَانُ بِنِيَّةِ إِقَامَةِ مُدَّةٍ قَاطِعَةٍ لِحُكْمِ السَّفَرِ، وَيُسَمَّى بِالْوَطَنِ الْمُسْتَعَارِ أَوْ بِالْوَطَنِ الْحَادِثِ.

وَبَقِيَّةُ الْفُقَهَاءِ يَتَّفِقُونَ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي الْمُدَّةِ الْقَاطِعَةِ لِحُكْمِ السَّفَرِ.

ج- وَطَنُ السُّكْنَى:

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: وَطَنُ السُّكْنَى هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَقْصِدُ الإْنْسَانُ الْمُقَامَ بِهِ أَقَلَّ مِنَ الْمُدَّةِ الْقَاطِعَةِ لِلسَّفَرِ.

(ر: صَلاَةِ الْمُسَافِرِ ف3 – 8)

شُرُوطُ الْوَطَنِ:

لاَ يُسَمَّى الْمَكَانُ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ الإْنْسَانُ وَطَنًا لَهُ تُنَاطُ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطَنِ إِلاَّ إِذَا تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطٌ.

وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ كَوْنِهِ وَطَنًا أَصْلِيًّا، أَوْ وَطَنَ إِقَامَةٍ، أَوْ وَطَنَ سُكْنَى.

ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الشُّرُوطِ مِمَّا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ وَبَعْضَهَا مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

شُرُوطُ الْوَطَنِ الأَْصْلِيِّ:

أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا بِنَاءً مُسْتَقِرًّا بِمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْبِنَاءِ بِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ حَيْثُ عَرَّفُوا الْوَطَنَ فِي مَعْرِضِ الْكَلاَمِ عَنْ شُرُوطِ إِقَامَةِ صَلاَةِ الْجُمْعَةِ بِأَنَّهَا الْقَرْيَةُ الْمَبْنِيَّةُ بِمَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِبِنَائِهَا بِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ طِينٍ أَوْ لَبِنٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ شَجَرٍ وَنَحْوِهِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ أَنْ تَكُونَ مُجْتَمِعَةَ الْبِنَاءِ بِمَا جَرَتِ الْعَادَةُ فِي الْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ.

وَالْحَنَفِيَّةُ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ يَعْتَبِرُونَ الْمَكَانَ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ الشَّخْصُ أَوْ تَأَهَّلَ فِيهِ أَوْ تَوَطَّنَ فِيهِ وَطَنًا أَصْلِيًّا لَهُ.

شُرُوطُ وَطَنِ الإْقَامَةِ:

تُشْتَرَطُ لاِتِّخَاذِ مَكَانٍ وَطَنًا لِلإْقَامَةِ شُرُوطٌ، مِنْهَا: نِيَّةُ الإْقَامَةِ، وَمُدَّةُ الإْقَامَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَاتِّخَاذُ مَكَانِ الإْقَامَةِ، وَصَلاَحِيَّةُ الْمَكَانِ لِلإْقَامَةِ، وَأَلاَّ يَكُونَ الْمَكَانُ وَطَنًا أَصْلِيًّا لِلْمُقِيمِ.

وَلِلتَّفْصِيلِ فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ وَمَعْرِفَةِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِيهَا (ر: صَلاَة الْمُسَافِرِ ف26 - 29)

شُرُوطُ وَطَنِ السُّكْنَى:

لَيْسَ لِوَطَنِ السُّكْنَى إِلاَّ شَرْطَانِ، وَهُمَا: عَدَمُ نِيَّةِ الإْقَامَةِ فِيهِ، وَعَدَمُ الإْقَامَةِ فِيهِ فِعْلاً الْمُدَّةَ الْقَاطِعَةَ لِلسَّفَرِ- بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ- وَأَنْ لاَ يَكُونَ وَطَنًا أَصْلِيًّا لِلْمُقِيمِ فِيهِ.

(ر: صَلاَة الْمُسَافِرِ ف8)

مَا يَنْتَقِضُ بِهِ الْوَطَنُ:

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْوَطَنُ الأْصْلِيُّ لاَ يَنْتَقِضُ إِلاَّ بِالاِنْتِقَالِ مِنْهُ إِلَى مِثْلِهِ، بِشَرْطِ نَقْلِ الأْهْلِ مِنْهُ، وَتَرْكِ السُّكْنَى فِيهِ، فَإِذَا هَجَرَ الإْنْسَانُ وَطَنَهُ الأْصْلِيَّ، وَانْتَقَلَ عَنْهُ بِأَهْلِهِ إِلَى وَطَنٍ أَصْلِيٍّ آخَرَ، بِشُرُوطِهِ لَمْ يَبْقَ الْمَكَانُ الأْوَّلُ وَطَنًا أَصْلِيًّا لَهُ، فَإِذَا دَخَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسَافِرًا، بَقِيَ مُسَافِرًا عَلَى حَالِهِ، مَا لَمْ يَنْوِ فِيهِ الإْقَامَةَ، أَوْ مَا لَمْ يُقِمْ فِيهِ فِعْلاً الْمُدَّةَ الْقَاطِعَةَ لِلسَّفَرِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقِيمًا، وَيَكُونُ الْمَكَانُ لَهُ وَطَنَ إِقَامَةٍ بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمَ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْوَطَنَ الأْصْلِيَّ لاَ يَنْتَقِضُ بِاتِّخَاذِ وَطَنٍ أَصْلِيٍّ آخَرَ. قَالَ الرُّحَيْبَانِيُّ: لاَ يَقْصُرُ مَنْ مَرَّ بِوَطَنِهِ سَوَاءٌ كَانَ وَطَنَهُ فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَاضِي، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بِهِ حَاجَةٌ غَيْرَ أَنَّهُ طَرِيقُهُ إِلَى بَلَدٍ يَطْلُبُهُ.

وَمَنِ اسْتَوْطَنَ وَطَنًا آخَرَ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ وَطَنِهِ الأْوَّلِ، كَأَنْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ مَثَلاً: الأْولَى فِي وَطَنِهِ الأْوَّلِ، وَالثَّانِيَةُ فِي وَطَنٍ آخَرَ جَدِيدٍ، كَانَ الْمَكَانُ الآْخَرُ وَطَنًا لَهُ بِشُرُوطِهِ، وَلَمْ يَنْتَقِضِ الْوَطَنُ الأْوَّلُ بِذَلِكَ، لِعَدَمِ التَّحَوُّلِ عَنْهُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ لِلإْنْسَانِ زَوْجَتَانِ فِي بَلَدَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يُعَدَّانِ وَطَنَيْنِ أَصْلِيَّيْنِ لَهُ، فَأَيُّهُمَا دَخَلَهَا عُدَّ مُقِيمًا فِيهَا مُنْذُ دُخُولِهِ مُطْلَقًا، وَبِهَذَا يَقُولُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

وَلاَ يَنْتَقِضُ الْوَطَنُ الأْصْلِيُّ بِوَطَنِ الإْقَامَةِ، وَلاَ بِوَطَنِ السُّكْنَى؛ لأِنَّهُ أَعْلَى مِنْهُمَا، فَلاَ يَنْتَقِضُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعَلَيْهِ فَلَوْ خَرَجَ مِنْ وَطَنِهِ الأْصْلِيِّ مُسَافِرًا إِلَى بَلَدٍ، وَأَقَامَ فِيهَا الْمُدَّةَ الْقَاطِعَةَ لِلسَّفَرِ، أَوْ نَوَى ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَمْ يَنْتَقِضْ بِذَلِكَ وَطَنُهُ الأْصْلِيُّ، فَلَوْ عَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ عُدَّ مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ إِلَيْهِ مُطْلَقًا.

أَمَّا وَطَنُ الإْقَامَةِ، فَيَنْتَقِضُ بِالْوَطَنِ الأْصْلِيِّ؛ لأِنَّهُ فَوْقَهُ، وَبِوَطَنِ الإْقَامَةِ أَيْضًا؛ لأِنَّهُ مِثْلُهُ، كَمَا يَنْتَقِضُ بِالسَّفَرِ، وَلاَ يَنْتَقِضُ وَطَنُ الإْقَامَةِ بِوَطَنِ السُّكْنَى؛ لأِنَّهُ دُونَهُ.

أَمَّا وَطَنُ السُّكْنَى، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْوَطَنِ الأْصْلِيِّ، وَبِوَطَنِ الإْقَامَةِ، وَبِوَطَنِ السُّكْنَى أَيْضًا، أَمَّا الأْوَّلاَنِ فَلأِنَّهُمَا فَوْقَهُ، وَأَمَّا الآْخِرُ فَلأِنَّهُ مِثْلُهُ، وَالشَّيْءُ يَنْتَقِضُ بِمِثْلِهِ وَبِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ.