مؤدى نص المادتين 226 و 227 من قانون الإجراءات الجنائية أن طلب تعيين المحكمة المختصة يقدم إلى الجهة التي يرفع إليها الطعن في أحكام وأوامر الجهتين المتنازعتين أو إحداهما، وبالتالي فإن محكمة النقض هي صاحبة الولاية في تعيين الجهة المختصة بالفصل في الدعاوى عند قيام التنازع بين محكمة الجنح المستأنفة وبين مستشار الإحالة باعتبارها الجهة التي يطعن أمامها في أحكام المحكمة المذكورة وأوامر مستشار الإحالة، ومن ثم فإن الفصل في التنازع موضوع الطلب المقدم من النيابة العامة ينعقد لمحكمة النقض. لما كان ما تقدم، فإنه يتعين قبول الطلب وتعيين محكمة جنايات القاهرة للفصل في الدعوى - عن التهمة الثانية التي انصب عليها - ولو أن المتهم وحده هو الذي استأنف حكم محكمة الجنح بعدم الاختصاص، ذلك بأن المقام في الطلب المقدم لمحكمة النقض هو مقام تحديد المحكمة ذات الاختصاص وليس طعناً من المحكوم عليه وحده يمنع القانون من أن يسوء مركزه بهذا الطعن، ولا سبيل للفصل في الطلب المقدم من النيابة إلا تطبيق نص المادة 180 من قانون الإجراءات الجنائية التي توجب الإحالة إلى محكمة الجنايات في جميع الأحوال .
( الطعن رقم 1635 لسنة 42 ق - جلسة 26 / 2 / 1973 )
حكم الدعاوى التي تحال بطريق الخبرة
من الدعاوى ما يحال الى محاكم الجنايات بطريق الخبرة بين الجناية والجنحة عند الشك في وصف التهمة أن كانت جنحة أو جناية ، كما قد يحدث ذلك إذا قضت محكمة الجنح بعدم الإختصاص لأن الواقعة جناية لأجنحة أو مخالفة وأصبح حكمها نهائيا ، فإذا رأت سلطة الإحالة أن هذا الحكم في غير محله لا تملك أن تعيد الدعوى من جديد إلى محكمة الجنح احتراما لحجية الحكم بعدم الاختصاص، وإنما عليها أن
تحيلها إلى محكمة الجنايات بطريق الخبرة بين الجناية والجنحة ، أو بينها . وبين المخالفة ، أي تحيلها إلى محكمة الجنايات بالوصفين لتحكم بما تراه م 178، 180 إجراءات بعد تعديلها بالقانون رقم 107 لسنة 1962 و 148 من قانون تحقيق الجنايات.
ولا ينبغي أن يختلف الحل عن ذلك شيئا تحت سلطان المادة 180 من قانون الإجراءات الحالي ، هذا وقد أصبحت هذه المادة الأخيرة بعد تعديلها بالقانون رقم 107 لسنة 1962 تنص على أنه إذا كانت الواقعة قد سبق الحكم فيها نهائيا من المحكمة الجزئية بعدم الاختصاص لأنها جناية سواء كانت الدعوى أحيلت إليها من النيابة العامة أو من قاضي التحقيق أو من مستشار الإحالة فيجب على مستشار الإحالة إذا رأي أن الأدلة على المتهم كافية أن يحيل الدعوى إلى محكمة الجنايات، ومع ذلك رأى أن الواقعة جنحة أو مخالفة جاز له إحالتها إلى محكمة الجنايات بالوصفين لتحكم بما يراه . .
وهذا التعديل جاء بمناسبة إحلال نظام مستشار الإحالة محل غرفة الاتهام كسلطة إحالة إلى محكمة الجنايات بحسب الأصل، وكذلك بمناسبة إحلال نظام المستشار الفرد بالنسبة لبعض الجنايات قليلة الأهمية محل نظام تجنيح الجنايات، أما قاعدة عدم جواز إعادة الجناية إلى المحكمة الجزئية بوصفها جنحة بعد الحكم بعدم الاختصاص بنظرها لأنها جناية فهي قاعدة مستقرة كما قلنا منذ أيام قانون تحقيق الجنايات فكل ما كانت تملكه سلطة الإحالة الجديدة ، وهي الآن مستشار الإحالة) هو أما أن تحيل الدعوى إلى محكمة الجنايات أو إلى المستشار الفرد ، بحسب الأحوال بوصفها جناية ، وأما أن تحيلها إلى أيهما بوصفي الجناية والجنحة معا بطريق الخيرة فيما بينهما، وذلك إذا كان وصفها محل شك في نظرها، أو حتى إذا كان الصوف الوحيد الظاهر لها هو أنها جنحة ، ولكن سبق أن حكم فيها من محكمة الجنح بعدم الإختصاص بنظرها لأنها جناية وأصبح هذا الحكم نهائية بما يحول دون إمكان إعادتها إليها .
أما إذا كان الوصف الوحيد الظاهر لها هو أنها جناية فلا صعوبة في الأمر، لأن الإحالة تكون عندئذ إلى محكمة الجنايات، بوصفها جناية فحسب وهذا الحل ينطبق سواء على حالة الخلاف بين قضاء الحكم وجهة الإحالة إلى محكمة الجنايات حول التكييف القانوني للواقعة ، أم على حالة عدم وجود مبرر من ظروف الدعوى لتخفيض العقوبة إلى حدود الجنح عندما كان نظام التجنيح قائما .
فإذا أعيد طرح الدعوى على سلطة الإحالة بعد الحكم فيها نهائيا بعدم الاختصاص من المحكمة الاستئنافية تعين على سلطة الإحالة أن تحيلها . إذا رأت محلا للسير فيها إلى محكمة الجنايات وليس لها عندئذ أن تحكم بعدم جواز نظر الدعوى السابقة الفصل فيها .
وكذلك الشأن أيضا إذا قضت محكمة الجنح العسكرية بعدم اختصاصها لأن الواقعة جناية وصدق الحاكم العسكري على هذا الحكم فإنه يتعين على سلطة الإحالة أن تحيل الواقعة إلى محكمة الجنايات تطبيقا لحكم المادة 180 إجراءات.
وليس المحكمة الجنايات أن تقضي بعدئذ بعدم الإختصاص لأن۔الواقعة جنحة لا جناية فكما أن حكم محكمة الجنح النهائي بعدم الإختصاص لأن الواقعة جناية لا جنحة يقيد جهة الإحالة فلا تملك إعتبار ولا يحول دون ذلك. من باب أولى . إذا كان قد بنى على مجرد توافر شبهة الجناية ، فكان نطاق الحجية هنا مقصور على تقييد جهة الإحالة بألا تعتبر الواقعة فيما بعد جنحة أو مخالفة من جديد، أي بألا تصر على الوصف الذي أضفته عليها فيما سبق، بل أن كل ما لها هو أن تحيل الدعوى إلى محكمة الجنايات أما بوصفها جناية صريحة ، وإما بطريق الخيرة بين الوصفين ، وصف الجناية ووصف الجنحة أو المخالفة بحسب الأحوال لتحكم محكمة الجنايات بما تراه .
إذا كانت محكمة النقض قد انتهت في ظل قانون تحقيق الجنايات بعد طول تردد إلى تطبيق قواعد تنازع الاختصاص عند صدور حكم من محكمة الجنح بعدم اختصاصها بنظر الدعوى إذا اقترن بقرار نهائي من سلطة الإحالة بإحالة نفس الدعوى إلى محكمة الجنح لإختصاصها بها ، فإنه لم يكن ثمة مبرر للعدول عن هذا الإتجاه بعد صدور قانون الإجراءات رقم 150 لسنة 1950، خصوصا بعد إذ أولت المادة 180 منه على الصورة التي بيناها ، والتي من مقتضاها عدم إمكان إعادة الدعوى إلى محكمة الجنح بعد الحكم فيها نهائيا بعدم الاختصاص بنظرها لجناية الواقعة ، بأية صورة من الصور، ولو بمقتضى نظام التجنيح عندما كان قائما.
وقد تعرضت للموضوع من زواياه المختلفة في حكم لها أصرت فيه على هذا الرأي ، وكان في دعوى أقيمت على المتهمين بتهمة ضرب منطبقة - على المادة 242/ 1 ، وأثناء سير الدعوى تخلفت بالمجني عليه عاهة مستديمة فقضت محكمة الجنح بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وإحالتها إلى قاضي التحقيق لتحققها والتصرف فيها ، وبعد تحقيقها أحالها إلى محكمة الجنح للفصل فيها على أساس عقوبة الجنحة ولم تطعن النيابة في هذا القرار، ثم أصدرت محكمة الجنح حكما يقضي بمعاقبة المتهم بالحبس ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ، فاستأنفت النيابة هذا الحكم طالبة إلغاؤه وإحالة الدعوى إلى محكمة الجنايات تطبيقا للمادة 180 من قانون الإجراءات ، فقضت المحكمة الاستئنافية بإلغاء الحكم المستأنف وعدم جواز نظر الدعوى، فطعنت النيابة في هذا الحكم بطريق النقض.
إلا أن محكمة النقض اعتبرت الطعن على غير أساس ورفضته بانية رأيها على إعتبار هذه الحالة من ضمن صور التنازع السلبي بين المحاكم في الإختصاص الذي يسوغ رفع طلب إليها بغير ميعاد لتعيين المحكمة المختصة، ونظرا لفرط إتصال هذا الحكم بما نعالج من بحث ، لأنه في الواقع حكم هام تعرض المباديء متعددة ، كما قرر في جزء منه مبدأ جديدة في أساسه، يحسب أن نورد أسبابه كاملة هنا .
وحيث أن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه إذ قضى بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها قد أخطأ في تطبيق القانون، ذلك بأن المحكمة الإستئنافية وقد عرضت عليها الدعوى بعد الحكم نهائي بعدم إختصاص محكمة الجنح بنظرها كان يتعين عليها وقد حلت محل غرفة الاتهام طبقا للمادتين 414، 415 من قانون الإجراءات الجنائية أن تأمر . إذا وجدت وجها للسير في الدعوى . بإحالة الأوراق إلى محكمة الجنايات عملا بنص المادة 180 بدلا من أن تقضى بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها ، وإلا ترتب على ذلك إفلات المتهم من العقاب .
وحيث أنه يبين من الحكم المطعون فيه أن الدعوى الجنائية رفعت أولا على المطعون ضدهم بتهمة الضرب المنطبقة على المادة 1/242 ع، ، اثناء . سير الدعوى تخلفت بالمجني عليه عاهة مستديمة فقضت محكمة الجنح في 13 يناير سنة 1952 بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وإحالتها إلى قاضي التحقيق لتحقيقها والتصرف فيها ، وبعد تحقيقها أحالها إلى محكمة الجنح للفصل فيها على أساس عقوبة الجنحة ، ولم تطعن النيابة في هذا القرار، وبجلسة 18 من أكتوبر سنة 1953 أصدرت محكمة الجنح الجزئية حكما يقضي بمعاقبة المتهم بالحبس ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ ، فاستأنفت النيابة هذا الحكم طالبة الغاءه وإحالة الدعوى إلى محكمة الجنايات تطبيق للمادة 180 إجراءات ، فقضت المحكمة الاستئنافية بتاريخ 30 يونيو سنة 1954 بإلغاء الحكم المستأنف وعدم جواز نظر الدعوى وأسست حكمها على أنه (قبل البحث فيما خول للمحكمة من حقوق وفي هذه المواد 158، 180، 414 إجراءات) يتعين أولا وضع الحكم الصادر بعدم الاختصاص في الاعتبار.
وانه بالرجوع إلى هذا الحكم تبين أنه أصبح نهائيا لم تستأنفه . النيابة ، وبالتالي كان يتعين على القاضي الإبتدائي الحكم بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها ، ولا يرد على ذلك بما كان يثار قبل قانون الإجراءات من أن قرار قاضي الإحالة بالتجنيح قد أسبغ ولاية جديدة وغير من طبيعية المقدم عنها المقدم للمحاكمة، إذ أن الأمر هنا مختلف، فإن من حق القاضي الذي أصدر الحكم بعدم الاختصاص وفق قانون الإجراءات أن يجنح الدعوى شأنه في ذلك شأنه قاضي التحقيق ويفصل فيها ، وسلطانه هذا غير محدود إذ له أن يقدر الأعذار والظروف المخففة التي أحاطت بالجريمة .
يؤكد ذلك ما نص عليه في نفس القانون من حقه في حالة تجنيح الدعوى من قاضي التحقيق في الحكم بعدم الإختصاص غير مقتنع في ذلك بقرار قاضي التحقيق ولا متقيد به، كذلك فإن قرار قاضي التحقيق التالي للحكم بعدم الإختصاص لم يضف على القاضي الجزئي ولاية جديدة لم . تكن له ، ولا ظروفا ماكانت معروضة أمامه ......... وبأنه متى كان الأمر كذلك فإنه لا يصح طرح النزاع على نفس القاضي مرة أخرى بدعوى أن قاضي التحقيق قد جنح الواقعة .
وهذا الذي أسس عليه الحكم قضاءه صحيح في القانون ، وذلك بأن المادة 180 إجراءات تنص على .. (يراجع نص المادة قبل تعديلها كما ورد آنفا) ،،،، ومؤدى ذلك أنه يتعين على سلة الإحالة سواء أكان قاضي التحقيق أم غرفة الاتهام أن تحيل الواقعة إلى محكمة الجنايات مادام أنه سبق لمحكمة الجنح أن قضت بعدم اختصاصها بنظرها ، ولا يرد على ذلك بأنه كان للمحكمة الإستئنافية بوصفها غرفة اتهام أن تحيل الدعوى إلى محكمة الجنايات وفقا للمادة 414 إجراءات ،،، ذلك أن هذه المادة إنما تنطبق في الحالة التي يعرض فيها الواقعة على المحكمة الاستئنافية لأول مرة، لا بعد أن يكون قد صدر حكم نهائي بعدم إختصاص محكمة الجنح بنظرها، لأن من شأن هذا الحكم منع هذه المحكمة من نظر الدعوى .
ويؤيد ذلك أن المادة 306 إجراءات (الغيت الان) خولت للمحكمة إذا رأت أن الفعل جناية . وأنه من الجنايات التي يجوز للقاضي التحقيق إحالتها إليها طبقا للمادة 158 . خولتها بدل الحكم بعدم الإختصاص أن تصدر قرارا بنظرها والحكم فيها، ومؤدى ذلك أنها إذا حكمت بعدم الإختصاص فإنها لم تر محلا للحكم في الواقعة على أساس عقوبة الجنحة ، ويؤيده أن المادة 158 إجراءات أجازت لها أن تحكم بعدم الإختصاص حتى في الحالة التي يحيل قاضي التحقيق فيها الواقعة إليها الحكم فيها على أساس عقوبة الجنحة . ولا محل لما تخشاه الطاعنة من افلات، المطعون ضدهم من العقاب لها، إذا تعارض قرار غرفة الاتهام مع الحكم المطعون فيه فإن لها طبقا للمادة 227 إجراءات أن ترفع طلبا بتعيين الجهة المختصة إلى محكمة النقض . لما كان ذلك، فإن الطعن يكون على غير أساس و يتعين رفضه .
تعليق
يمكن أن نستخلص من هذا الحكم خمسة مبادئ أساسية كالآتي :
أولا : أنه كان لا يجوز تجنيح الواقعة بعد صدور الحكم فيها انتهائيا من محكمة الجنح بعدم الإختصاص لأنها جناية وقد بينا فيما سبق كيف أن هذا المبدأ كان قد استقر نهائية في ظل قانون الإجراءات ومنذ صدوره ، بغير تردد ولا إضطراب في أحكام القضاء ، جين كان الأمر قد استقر في ظل قانون تحقيق الجنايات على عكسه بعد تردد واضطراب .
ثانيا : أنه إذا أعيدت الدعوى إلى محكمة الجنح بعد الحكم فيها نهائيا بعدم الإختصاص . بأية صفة كانت . كان للمحكمة أن تقضي بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها ، بل كان عليها ذلك ولو من تلقاء نفسها ، لأن هذه قاعدة من النظام العام ، وقد كان حكم محكمة الجنح المستأنفة الصادر في 18 أكتوبر سنة 1953، والذي كان موضوع طعن النيابة في هذه الدعوى مؤسسا على أسانيد قانونية سليمة .
ثالثا : أنه متى صدر حكم نهائي من محكمة الجنح بعدم اختصاصها بنظر الدعوى الجناية الواقعة فإنه، كما يتعذر عليها أن الفصل في موضوعها ، كان يتعذر عليها أيضا أن تأمر بإحالة الدعوى إلى غرفة الاتهام لإحالتها إلى محكمة الجنايات ، وإذا كانت معروضة على محكمة الجنح المستأنفة تعذر على هذه أن تحيل الدعوى إلى محكمة الجنايات وفقا للمادة 414 إجراءات قبل تعديلها .
ذلك أن هذه المادة إنما تطبق في الحالة التي تعرض فيها الواقعة على المحكمة الإستئنافية لأول مرة، لا بعد أن يكون قد صدر حكم نهائي بعدم إختصاص محكمة الجنح بنظرها ، لأن من شأن هذا الحكم أن يمنع هذة المحكمة من نظر الدعوى .
ولعل هذه هي أول مرة قررت فيها محكمة النقض هذه القاعدة الهامة.
وقياس على ذلك ينبغي القول :
بأن محكمة الجنح المستأنفة كانت ممنوعة في هذه الحالة أيضا من أن تحيل إلى محكمة الجنايات الدعوى إذا كانت عن جنحة من الجنح التي تقع بواسطة الصحف أو غيرها من طرق النشر على غير الأفراد وأنها إذا رأت أن الواقعة جناية والأدلة غير كافية كانت لا تملك أن تصدر أمرا بأن لا وجه لإقامة الدعوى طبق للمادة 414 قبل تعديلها .
وأنها إذا رأت أن الفعل المحكوم فيه بإعتباره جنحة يعد من الجنايات التي أجاز القانون تجنيحها كانت لا تملك أن تصدر قرارا بنظرها وتحكم فقيها بدلا من الحكم بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها . (م 145/ 1) ذلك أنه في هذه الأحوال جميعها تكون محكمة الجنح المستأنفة ولايتها بالحكم النهائي بعدم الإختصاص لأن الواقعة جناية ، أو التوافرشبهة الجناية فيها، وتكون حجية هذا الحكم مانعة من عودة الدعوى إليها بأية صورة .
وكما كان يصح ذلك على المحكمة الاستئنافية ، كان يصح لنفس الأساليب على المحكمة الجزئية التي كانت لا تملك إلا الحكم بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها .
رابعا : أنه لا محل لخشية إفلات المتهم من العقاب ، لأنه عند تعارض قرار الإحالة . متى أصبح نهائيا . مع حكم عدم الاختصاص . متى أصبح نهائيا . تعتبر الحالة حالة تنازع سلبي للاختصاص .
وقد عرفنا أن محكمة النقض أقرت ذلك في حكم يرجع إلى سنة 1947 (في ظل قانون تحقيق الجنايات الملغى) وهاهي تقره من جديد أن ظل قانون الإجراءات .
. ويستوي في رأينا أن يجيء الخطأ في تطبيق القانون أو في تأويله من ناحية محكمة الجنح، أم أن يجيء من ناحية سلطة الإحالة أو من قاضي التحقيق، ومن ذلك أن يصدر من أيهما قرار بالتجنيح ، عندما كان جائزا . بعد سبق الحكم نهائي من محكمة الجنح بعدم الاختصاص لأن الواقعة جناية ، وقد سبق أن بينا كيف أن مثل هذا القرار أصبح غير جائز، أو أن يصدر قرار من أيهما بإحالة الدعوى إلى محكمة الجنح بوصفها جنحة أو مخالفة بعد الحكم فيها نهائيا من هذه الأخيرة بعدم الإختصاص لأن الواقعة جناية ، وقد سبق أن بينا كيف أن مثل هذا القرار غير صحيح منذ القانون القديم ، ومن باب أولى تحت سلطان قانون الإجراءات ، ولكنه على أية حال متى أصبح نهائيا يحول دون عودة الدعوى من جديد إلى سلطة . الإحالة وإلا وجب الحكم بعدم جواز نظرها .
وعلى هذا النحو يصبح إفلات المتهم من المسئولية أمرا غير مقصود المجرد حصول خطأ في الإجراءات مبني على تكييف الواقعة، أو على تأويل غير صحيح قواعد الإحالة .
خامسا : أن المحكمة المختصة بالفصل في تنازع الاختصاص وتعيين الجهة التي لها ولاية الفصل في الدعوى في مثل هذه الحالة هي محكمة النقض، وهذه القاعدة الأخيرة مستفادة من إشارة الحكم في هذا الشأن إلى المادة 227 إجراءات دون المادة 226 .
وتنص المادة 226 على أنه (إذا قدمت دعوى عن جريمة واحدة أو عدة جرائم مرتبطة إلى جهتين من جهات التحقيق أو الحكم تابعتين لمحكمة إبتدائية واحدة. وقررت كل منهما نهائيا اختصاصها أو عدم إختصاصها، وكان الاختصاص منحصرا فيهما يرفع طلب تعيين الجهة التي تفصل فيها إلى دائرة الجنح المستأنفة بالمحكمة الإبتدائية .
حين تنص المادة 228 على أنه (إذا صدر حكمان بالاختصاص أو بعدم الإختصاص من جهتين تابعتين لمحكمتين ابتدائيتين، أو من .. محكمتين من محاكم الجنايات أو من محكمة عادية ومحكمة - و إستئنافية يرفع طلب تعيين المحكمة المختصة إلى محكمة النقض .
وهاتان المادتان مستمدتان من المادة 241 من قانون تحقيق الجنايات الملغى التي كانت تنص على أنه (إذا رفعت دعوى لقاضيي أو أكثر من فضاء الأمور الجزئية التابعين لمحكمة ابتدائية واحدة يلزم أن يرفع طلب تعيين القاضي المختص بالحكم في تلك الدعوى إلى المحكمة الابتدائية المذكورة ،،، وإن رفعت تلك الدعوى لقاضيين أو أكثر من قضاة الأمور : الجزئية التابعين لمحاكم إبتدائية مختلفة ، أو إلى قاضي تحقيق أو أكثر أو إلى محكمتين إبتدائيتين أو أكثر وجب تقديم الطلب المذكور إلى محكمة الإستئناف التي تدخل في دائرة اختصاصها تلك المحاكم، وإذا رفعت الدعوى القضاة أو المحاكم ابتدائية تابعة لمحاكم إستئناف مختلفة وجب تقديم هذا الطلب إلى محكمة الإستئناف، وهذه المادة تتضمن بدورها ترديدا لأحكام المادتين 526، 540 من قانون تحقيق الجنايات الفرنسي.
وقد أشارت مذكرة للنيابة العامة في طلب خاص بتعيين جهة - الإختصاص إلى أن حكم المادة 241، هذه كان مقصورة على التنازع الإيجابي دون السلبي ، وعلى ما كان يقع بين قضاة التحقيق وحده أو بين قضاة الحكم في الجنح والمخالفات وحده، أما ما عدا ذلك فقد كان من رأيها أن تختص به محكمة النقض وحدها باعتبارها صاحبة الولاية العامة الفص التنازع في الإختصاص في المسائل الجنائية ، وقد بينا في ذلك تفصيلا فيما مضى، وكيف أن محكمة النقض أقرت هذا النظر، وكان ذلك في أول حكم لها طبقت فيه قواعد تنازع الاختصاص على التضارب الذي قد ينشأ بين قرار تجنيح الدعوى والحكم النهائي بعدم الإختصاص محكمة الجنح بها، بما قد يقتضيه من الحكم بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها.
وعادت محكمة النقض من جديد لتأخذ بنفس القاعدة في قضية متهم قدم إلى قاضي الإحالة بتهمة هتك عرض فتاة لم تبلغ ستة عشرة سنة بالإكراه حالة كونه خادما بالأجرة عند والدتها ، فقرر إحالة الدعوى إلى محكمة الجنح للفصل فيها على أساس عقوبة الجنحة ، وأصبح هذا القرار نهائيا، ثم نظرت محكمة الجنح هذه القضية وحكمت على المتهم بالحبس مع الشغل، فاستأنفت النيابة وقضت محكمة الجنح المستأنفة بعدم الإختصاص بنظر الدعوى .
وقد عرفنا كيف أن الرأي كان قد استقر في ظل القانون القديم على أن مثل هذا الحكم بعد مخطئا ، ولكنه كان قد أصبح نهائيا ، ولذا . اعتبرت محكمة النقض أن قد وقع تنازع سلبي على الإختصاص، وأنه لم يكن ليزول بتقديم القضية إلى قاضي الإحالة مرة أخرى إذ هو بمقتضى القانون يجب أن يقضي فيها بعدم جواز نظرها لسبق الفصل فيها بالأمر السابق صدوره منه ، ويكون للنيابة وقد فات ميعاد الطعن على الحكم بطريق النقض أن تتقدم بطلب تعيين المحكمة المختصة بالفصل في الدعوى وحيث أنه متى هذا وكانت محكمة الجنح المستأنفة قد أخطأت على : النحو المتقدم في الحكم بعدم الاختصاص فإنه يكون من المتعين قبول الطلب وإحالة القضية إليها للفصل فيها ، وحيث أنه لما تقدم يتعين قبول الطلب وإلغاء الحكم.
والمادة 241 من قانون تحقيق الجنايات الملغى لا تختلف كما بينا من حيث إغفال النص على تنازع الاختصاص بين محاكم الجنايات ومحاكم الجنح في صورتيه السلبية والإيجابية عن نص المادتين 226، 227 من القانون الحالي، لذا لا يجب أن يختلف الحكم الآن مما سبق إذ فصل فيه بالفعل تحت سلطان القانون القديم . (الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة 366)
