loading

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

شرح خبراء القانون

وقد تطلب الشارع شرطين لإلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى استنادا إلى هذا السبب: ظهور الدلائل الجديدة، وسبق ذلك على اكتمال تقادم الدعوى الجنائية مدته. ويضاف إلى هذين الشرطين شرط ثالث إذا كان الأمر صادرا عن قاضي التحقيق، هو أن تطلب النيابة العامة العودة إلى التحقيق.

- الدلائل الجديدة:

ذكر الشارع أمثلة للدلائل الجديدة، فأشار إلى شهادة الشهود والمحاضر والأوراق الأخرى، وهذه الأمثلة لم ترد على سبيل الحصر، فتأخذ حكمها جميع الدلائل الأخرى. ويتعين أن يتوافر في هذه الدلائل شرطان: أن تكون جديدة، «وأن يكون من شأنها تقوية الدلائل التي وجدت غير كافية أو زيادة الإيضاح المؤدي إلى ظهور الحقيقة».

ويريد الشارع دلائل اتهام، أي دلائل على وقوع الجريمة، وعلى نسبتها إلى المتهم. ولا يتطلب أن تكون أدلة جازمة بالإدانة، وإنما يكفي أن تكون دلائل مرجحة لها. ومن أمثلة الدلائل - بالإضافة إلى ما ذكره الشارع - عبارات صدرت عن المتهم وإن لم تتضمن اعترافا كاملا، وارتكاب المتهم جريمة تالية مماثلة لجريمته التي صدر في شأنها الأمر، وثبوت أن المتهم الذي كان المحقق قد رجح جنونه هو مكتمل العقل، وثبوت أن المتهم يحوز خارج البلاد الأشياء التي اتهم باختلاسها .

- الضابط في اعتبار الدلائل الجديدة: حددت محكمة النقض الضابط في اعتبار الدلائل جديدة بأنه «التقاء المحقق بها لأول مرة بعد التقرير في الدعوى بأن لا وجه لإقامتها». ويعني ذلك أن الدليل يعتبر جديدة في أحد فرضين: الأول، أن يكون قد وجد أو اكتشف بعد صدور الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى. والثاني، أن يكون موجودة ومعلوما قبل صدور الأمر، ولكن لم يعرض على المحقق، أي لم يلتق به. أما إذا كان الدليل قد  عرض على المحقق، فأعرض عنه، أو تفحصه فلم يعطه القيمة التي كان يتعين إعطاؤها له، فلا يجوز إلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، استنادا إلى أنه تبينت له قيمته بعد أن فحصه أو أعاد فحصه.

- يتعين أن يكون من شأن الدلائل الجديدة تقوية الدلائل التي وجدت غير كافية أو زيادة الإيضاح المؤدي إلى ظهور الحقيقة»: يتصل هذا الشرط بعلة إلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، فقد صدر لأن المحقق قدر عدم كفاية الأدلة، فإذا كان من شأن الدلائل الجديدة أن صارت الأدلة كافية لإقامة الدعوى، فقد زال سند الأمر، وجاز إلغاؤه. ويعني هذا الشرط أن الدلائل الجديدة قوامها عناصر إثبات يستمد منها الاقتناع بحصول الجريمة ونسبتها إلى المتهم على نحو أقوى مما كانت تفيده الدلائل الأولى. وسلطة التحقيق هي التي تقدر أن للدلائل الجديدة هذا الشأن، وأنها تجيز إلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، وتراقب محكمة الموضوع هذا التقدير. ولا تراقب محكمة النقض هذا التقدير، ولكن لها أن تتحقق من ظهور دلائل جديدة عقب الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، إذ بغير ذلك يكون إلغاء الأمر باطلا، وتكون الدعوى غير مقبولة.

وإذا أقيمت الدعوى بعد إلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، فإن للمحكمة أن تستند إلى الأدلة القديمة والجديدة معا، إذ تندمج الفئتان، وتصيران كلا غير متجزئ .

ولا يجوز أن تتخذ إجراءات التحقيق من أجل تحري الدلائل الجديدة، ذلك أن الدلائل يجب أن تظهر أولا، ثم تتخذ بعد ذلك إجراءات التحقيق. ومؤدى ذلك أن الدلائل الجديدة يجب أن تظهر تلقائيا . ومع ذلك فإنه يجوز  للضبطية القضائية أن تقوم بأعمال استدلال تستهدف تحري الدلائل الجديدة ، ويجوز ذلك لعضو النيابة العامة باعتباره مأمور ضبط قضائي.

ويجوز أن يظهر الدليل الجديد أثناء التحقيق في دعوى أخرى أو أمام  محكمة الموضوع وهي تنظر في دعوى أخرى.

وإذا استند الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى إلى أسباب واقعية فإن الدلائل الجديدة تفترض وقائع من شأنها أن تضعف من حجية الوقائع التي استند إليها الأمر. أما إذا استند إلى أسباب قانونية فإن الدلائل الجديدة تقترض وقائع تنفي السبب القانوني الذي استند إليه، كما لو كان قد استند إلى انتفاء القصد الجنائي ثم ظهرت وقائع يستخلص منها توافره. وغني عن البيان أنه لا يجوز إلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى استنادا إلى دلائل من شأنها نسبة تكييف جديد إلى الوقائع التي صدر في شأنها الأمر، ولو كان هذا التكييف أشد.

- ظهور الدلال الجديدة قبل انتهاء المدة المقررة لسقوط الدعوى الجنائية: تطلب الشارع أن تظهر الدلائل الجديدة قبل أن تنقضي الدعوى الجنائية بالتقادم، ذلك أنه إذا انقضت الدعوى لم يعد متصورا أن تتحرك مهما ظهر بعد ذلك من دليل. ويقاس على التقادم كل سبب آخر لانقضاء الدعوى، كوفاة المتهم. ولكن إذا كانت الواقعة التي صدر في شأنها الأمر بأن لا وجه الإقامة الدعوى قد اعتبرت جنحة، وانقضت المدة المقررة لتقادم الدعوى الجنائية الناشئة عن الجنحة، ثم ظهرت دلائل جديدة تجعل منها جناية، وكان ذلك قبل أن يستكمل تقادم الدعوى الجنائية الناشئة عن الجناية مدته، فإن إلغاء الأمر بأن لا وجه يكون جائزا.

- طلب النيابة العامة: إذا كان الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى صادرة عن قاضي التحقيق فلا يجوز له إلغاؤه إلا بناء على طلب النيابة العامة، أي لا يجوز له إلغاؤه من تلقاء نفسه. وتعليل ذلك أن العودة هي تحريك الدعوى من جديد واستعمال لها، وهو ما تختص به النيابة العامة. ولا يجوز للمدعي المدني طلب ذلك، فالقانون لم يخوله إلا التحريك الأول للدعوى، ولم يخوله استعمالها . أما إذا كانت النيابة العامة هي التي أصدرت الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، فلها - عند ظهور الدلائل الجديدة - أن تقرر من تلقاء نفسها العودة إلى التحقيق .  (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول ،  الصفحة:  703)