loading

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

المذكرة الإيضاحية

 إقفال التحقيق والأوامر التي تصدر من قاضي التحقيق

وتبين المواد 173 - 182 ( أصبحت المواد 153 - 160 ) الأحكام الخاصة باقفال التحقيق بالأوامر التي تصدر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى والاحالة فتوجب المادتان 173و 179- ( حذفت المادة 173 اکتفاء بالمادة 174 التي اصبحت المادة 153 ) علی قاضی التحقيق إخطار الخصوم بما فيهم النيابة العمومية قبل إقفال التحقيق باربع وعشرين ساعة ليبدوا ما قد يكون لديهم من الملاحظات وما قد يطلبونه من إجراء تحقيقات تكميلية فإذا اقفل التحقيق أرسلت الأوراق من القاضي إلى النيابة العمومية لتبدي طلباتها بالكتابة في ميعاد لا يتجاوز خمسة عشر يوما من ارسال الاوراق اليها ما لم يكن المتهم محبوسا فيجب أن تبدي طلباتها خلال ثلاثة ایام حتى لا يطول حبس المتهم قبل التصرف فيما هو منسوب اليه ويجب ان تكون طلبات النيابة مسببة وأن تكون مشتملة على بيان مفصل للواقعة والوصف القانوني لها.

ولما كان عدم تنفيذ أمر القبض على المتهم لسبب عدم الاهتداء اليه لا يصح أن يكون سببا مانعاً من اقفال التحقيق فقد نص على انه اذا ما قبض على المتهم بعد إقفال التحقيق وجب على القاضي في جميع الأحوال أن يستجوبه ويتخذ في حقه ما يرى لزوما له من الإجراءات التحفظية ويستوفي إجراءات التحقيق التي تتطلبها الحالو سواء من تلقاء نفسه أو بناء على طلب الخصوم غير انه لا يجوز له الافراج عن المتهم إذا كان قد صدر أمر بالإحالة إلى المحكمة او إلى غرفة المشورة ففي هذه الحالة تكون الجهة المحال اليها هي المختصة بالإفراج دون غيرها – المادة ۱۷۹ - ( أدمجت في المادة ۱۷۳ التي أصبحت المادة 151 ).

 أما عن سلطة التصرف في التحقيق فقد خول قاضي التحقيق التقرير بان لا وجه لاقامة الدعوى في جميع الأحوال اذا كانت الواقعة لا يعاقب عليها القانون او كانت الأدلة على المتهم غير كافية ويدخل في مدلول ذلك الصور التي يمتنع فيها رفع الدعوى العمومية لأي سبب كمضي المدة او لقيام مانع من موانع العقاب او لاي سبب آخر - المادة 175- ( أصبحت المادة 154 ).

 وأما عن سلطة احالة الدعوى الى المحكمة فيفرق المشروع بين ما اذا كانت الواقعة الثابتة من التحقيق تكون مخالفة او جنحة او جناية كان هو المختص بإحلتها الى المحكمة المختصة أما في الجنايات فليس لقاضي التحقيق احالتها إلى محكمة الجنايات مباشرة وانما عليه ان يرسل الاوراق الى غرفة المشورة مع تقرير منه وهي التي تقرر بالاحالة الى محكمة الجنايات ان رات وجها لذلك وقد روعي في ذلك أهمية الجنايات وخطورة الاتهام فيها المواد 176 و177 و 178  ( أصبحت المواد 155 و 156 و 157 و 158 ) وقد خول قاضي التحقيق فيما يتعلق بالجنايات السلطة المخولة لقاضي الاحالة في النظام المقرر الان بالمرسوم بقانون الصادر في 19 اکتوبر سنة 1925 - المادة 178 - أصبحت المادة 158 من القانون.

  والمادة 180 ( حذفت لا حكمها يتعارض مع المادة 306 ) خاصة بما يتبعه القاضي عند الحكم النهائي بعدم الاختصاص من محكمة الجنح والمخالفات لأن الواقعة جناية وهي تقضي بان على قاضي التحقيق احالة القضية إلى غرفة المشورة حتى ولو كان هو الذي سبق أن أحالها إلى محكمة الجنح والمخالفات وذلك اذا راى ان هناك وجها للسير في الدعوى ومن المفهوم أن غير مقيد باحالتها الى غرفة المشورة إذا لم يجد وجهاً للسير فيها بناء على ما يجر به التحقيق إذا لم يكن قد حققها من قبل .

 وتنص المادة 181 ( اصبحت م 159 من القانون ) على أنه في كل حالات الإحالة على محكمة الجنح و على غرفة المشورة يفصل قاضي التحقيق في نفس الأمر الصادر بالإحالة في استمرار حبس المتهم احتياطياً او الإفراج عنه او في القبض عليه وحبسه احتياطيا اذا لم يكن قد قبض عليه او كان قد افرج عنه .

الأحكام

1 ـ لما كان البيِّن مما أورده الطاعنون بأسباب الطعن أن النيابة العامة كانت قد قيدت الدعوى ضد مجهول وأصدرت فيها أمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم معرفة الفاعل ، فأمر النائب العام بإعادة تحقيقها ، وبوشر التحقيق ورفعت الدعوى بعدئذ على المتهمين - ومنهم الطاعنين - ففي ذلك ما يدل على أنهم لم يكونوا فى مبدأ الأمر متهمين ، ومن ثم فلا يحق لهم التمسك بأمر بألَّا وجه لم يصدر فى شأنهم ، وإذ انتهى الحكم إلى رفض الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق صدور أمر بألَّا وجه لإقامة الدعوى الجنائية فيها لعدم معرفة الفاعل - أياً كان وجهه فيما أورده من أسباب - فإنه يكون قد وافق صحيح القانون ، ويكون منعى الطاعنين فى هذا الشأن غير سديد .

(الطعن رقم 4551 لسنة 80 ق - جلسة 2018/06/26)

2 ـ من المقرر أنه إذا صدر بعد الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى ورغم قيامه حكم فى موضوعه، فإن هذا الحكم يكون باطلا حتى ولو كانت المحكمة التي أصدرت الحكم لم يصل إلى علمها صدور الأمر، بل إنه يتعين بصدور الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبل المتهم الإفراج عنه إذا كان محبوسا عملاً بالمادة 154 من قانون الإجراءات الجنائية ما لم يكن حبسه لسبب آخر، ومفاد ذلك ولازمه أنه بصدور الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبل المتهم سقط الأمر السابق بالقبض عليه والذي لم يتم تنفيذه، فإن نفذ مأمورو الضبط القضائي أمر القبض رغم سقوطه، كان القبض باطلا، وبطل الدليل المستمد منه وشهادة من أجراه، ولا يصحح هذا البطلان أن يكون مأمور الضبط حسن النية فى اعتقاده بأن الأمر بالقبض السابق صدوره لا زال قائما، ذلك أن المادة 63 من قانون العقوبات وإن نفت عن الموظف العام المسئولية إذا حسنت نيته وارتكب فعلا تنفيذا لما أمرت به القوانين أو اعتقد أن إجرائه من اختصاصه بعد تثبته وتحريه، إلا أن ذلك لا يصحح الإجراء الباطل ولا يسبغ الشرعية عليه بعد أن انحسرت عنه، لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه بعد أن حصل دفاع الطاعن ببطلان القبض والتفتيش لانتفاء حالة التلبس وبطلان الأمر بضبط الطاعن وإحضاره فى الجناية رقم ............ لسنة 1997 بعد أن تم استبعاد الطاعن من الاتهام فيها، رد ذلك بقوله ........( بان فعل المرؤوس تنفيذ لأمر الرئيس يكون مشروعا طالما كان عيب الأمر خفيا على المرؤوس ومن ثم فهو ملزم بتنفيذه ....... وأن النيابة العامة لم تقم بإخطار الشاهدين (الضابطين) بالعدول عن قرارها أو الاستغناء عن المطلوب ومن ثم يظل مسلكهما دائرا فى إطار المشروعية ويضحي الضبط وما ينتجه من تفتيش أسفر عن ضبط المخدر إجراء صحيح غير مشوب بالبطلان مما يتعين معه رفض الدفع .....) فان هذا الذي ذهب إليه الحكم يخالف صحيح القانون لأن تنفيذ الأمر بالقبض الذي سبق سقوطه يكون باطلا ويبطل التفتيش الذي جاء بمناسبته والذي أسفر عن ضبط المخدر كما تبطل شهادة من أجراه، وإذ يلتزم الحكم المطعون فيه هذا النظر وعول فى الإدانة على دليل غير مشروع، وأفصحت مدونات الحكم عن خلو الأوراق من أي دليل غيره يمكن التعويل عليه فى الإدانة، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وبراءة الطاعن عملاً بالمادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 ومصادرة المخدر المضبوط عملاً بنص المادة 42 من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل.

(الطعن رقم 23607 لسنة 67 ق - جلسة 1999/06/01 س 50 ص 348 ق 82)

3 ـ قرار قاضى التحقيق بإحالة الدعوى إلى غرفة الاتهام مفروض فيه أنه صدر بعد تمحيص الواقعة والتصدى لأدلتها ، وأنها فى نظر القاضى لا تقتضى إصدار أمر بألا وجه لإقامة الدعوى طبقا للحق المقرر له بالمادة 154 من قانون الإجراءات الجنائية .

(الطعن رقم 1294 لسنة 29 ق - جلسة 1959/12/22 س 10 ع 3 ص 1055 ق 218)

ـ لما كان البين من المفردات المضمومة أن الطاعن قدم أمام محكمة ثاني درجة مذكرة بدفاعه دفع فيها بعدم جواز نظر الدعوى لسبق صدور أمر من النيابة العامة فى الشكوى رقم ....... لسنة 1982 إداري الشرابية وأن هذا الأمر مازال قائماً. لما كان ذلك، وكان الأمر الصادر من سلطة التحقيق بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية له حجيته التي تمنع من العودة إلى الدعوى الجنائية مادام قائماً لم يلغ، فلا يجوز مع بقائه قائماً إقامة الدعوى عن ذات الواقعة التي صدر الأمر فيها لأن له فى نطاق حجيته المؤقتة ما للأحكام من قوة الأمر المقضي. لما كان ذلك، وكان الدفع المبدى من الطاعن جوهرياً ومن شأنه - إن صح - أن يتغير به وجه الرأي فى الدعوى وكان الحكم المطعون فيه - على ما يبين من مدوناته - قد قضى بإدانة الطاعن دون أن يعرض البته للدفع المبدى منه إيراداً له ورداً عليه يكون قد تعيب بالقصور الذي يبطله مما يتعين معه نقضه والإعادة.

(الطعن رقم 6495 لسنة 58 ق - جلسة 1990/03/29 س 41 ع 1 ص 551 ق 93)

ـ من المقرر أن الأمر الصادر من سلطة التحقيق بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية له حجيته التي تمنع من العودة إلى الدعوى ما دام قائماً لم يلغ قانوناً - كما هو الحال فى الدعوى - فلا يجوز مع بقائه قائماً إقامة الدعوى عن ذات الواقعة التي صدر الأمر فيها لأن له فى نطاق حجيته المؤقتة للأحكام من قوة الأمر المقضي.

(الطعن رقم 69 لسنة 48 ق - جلسة 1978/05/15 س 29 ع 1 ص 520 ق 96)

ـ الأصل أن الأمر بعدم وجود وجه المبني على أسباب عينية مثل أن الجريمة لم تقع أصلاً أو على أنها فى ذاتها ليست من الأفعال التي يعاقب عليها القانون يكتسب - كأحكام البراءة - حجية بالنسبة إلى جميع المساهمين فيها، ولا كذلك إذا كان مبنياً على أحوال خاصة بأحد المساهمين دون الآخرين فإنه لا يحوز حجية إلا فى حق من صدر لصالحه - لما كان ذلك - وكان يبين من مدونات الحكم المطعون فيه ومن أمر الإحالة ومن الأمر الصادر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم كفاية الأدلة قبل ......... الموظف بمحكمة دمنهور الابتدائية أن النيابة العامة أجرت تحقيقاً أسفر عن اختلاس السند وتزوير سند آخر بدلاً منه واستعماله مع العلم بتزويره ولم تكشف التحقيقات قبل إقامة الدعوى على الطاعن عن الفاعل الأصل من بين موظفي محكمة دمنهور الابتدائية كما تبين من الأمر الصادر من النيابة العامة أثناء نظر المحكمة الدعوى أن الدليل لم يكن كافياً لتقديم .......... للمحاكمة فإنه ليس فى تصرف النيابة فى الحالين ما ينفي وقوع الجرائم موضوع الدعوى الماثلة أو أن هذه الوقائع غير معاقب عليها - وكان مبنى تصرفها أحوالاً خاصة بالمساهمين فى الجريمة من بين موظفي محكمة دمنهور فإن كلا التصرفين لا يحوزان حجية فى حق الطاعن، وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون قد أصاب صحيح القانون.

(الطعن رقم 693 لسنة 45 ق - جلسة 1975/05/18 س 26 ص 431ق 100)

7 ـ لما كان الأمر الصادر من النيابة العامة بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية تثبت له حجية تمنع من العودة إلى الدعوى الجنائية ما دام قائماً لم يلغ - كما هو الحال فى الدعوى المطروحة - فما كان يجوز مع بقائه إقامة الدعوى عن ذات الواقعة التى صدر فيها لأن له فى نطاق حجيته المؤقتة ما للأحكام من قوة الأمر المقضى و لو لم يعلن الخصوم ، وكل ما للمدعى بالحقوق المدنية فى هذه الحالة أن يطعن فى الأمرين أمام الجهة المختصة فى أى وقت إلى أن يعلن به و تنقضى عشرة أيام على هذا الإعلان على ما تقضى به المادة 210 من قانون الإجراءات الجنائية و تؤكد الفقرة الثالثة من المادة 232 من القانون ذاته .

(الطعن رقم 927 لسنة 50 ق - جلسة 1980/11/05 س 31 ع 1 ص 960 ق 186)

8 ـ متى صدر الأمر بعدم وجود وجه بناء على أسباب عينية مثل أن الجريمة لم تقع أصلا ، أو على أنها فى ذاتها ليست من الأفعال التى يعاقب عليها القانون , فإنه يكتسب - كأحكام البراءة - حجية بالنسبة إلى جميع المساهمين فيها , ويتعدى نطاقه إليهم بطريق اللزوم وذلك بالنظر إلى وحدة الواقعة والأثر العينى للأمر وكذلك قوة الأثر القانونى للارتباط بين المتهمين فى الجريمة , فضلاً عن أن شعور العدالة فى الجماعة يتأذى حتما من المغايرة بين مصائر المساهمين فى جريمة واحدة ومن التناقض الذى يتصور أن يقع فى الأمر الواحد , إذا صدر بأن لا وجه بالنسبة لأحد المتهمين وبالإحالة بالنسبة لغيره مع اتحاد العلة , ولا كذلك إذا كان الأمر مبنيا على أحوال خاصة بأحد المساهمين دون الآخرين , فإنه لا يحوز حجية إلا فى حق من صدر لصالحه .

(الطعن رقم 1275 لسنة 39 ق - جلسة 1969/10/13 س 20 ع 3 ص 1056 ق 208)

ـ قوام الدليل الجديد هو أن يلتقى به المحقق لأول مرة بعد التقرير فى الدعوى بأن لا وجه لإقامتها ، أو أن يكون تحقيق الدليل بمعرفته غير ميسر له من قبل - إما لخفاء الدليل نفسه أو فقدانه أحد العناصر التى تعجز المحقق عن إستيفائه .

(الطعن رقم 1563 لسنة 29 ق - جلسة 1960/05/10 س 11 ع 2 ص 424 ق 84)

10 ـ الأمر الصادر من النيابة بحفظ الشكوى إدارياً الذى لم يسبقه تحقيق قضائى لا يكون ملزما لها ، بل لها حق الرجوع فيه بلا قيد ولا شرط بالنظر إلى طبيعته الإدارية فإذا كان الثابت أن الضابط الذى أفتتح المحضر الأول لم يباشر تحقيقا فيه ، وأن المحضر الآخر الذى حرره " ملازم أول " لم يباشره بناء على انتداب من النيابة العامة ، بل سار فيه بناء على بلاغ شفوى من زوجة المجنى عليه وهو بلاغ مستقل بذاته منفصل عن البلاغ الكتابى الذى قدمه المجنى عليه للنيابة والتى ندبت أحد الضباط لتحقيقه ثم أعيدت الأوراق جميعها إلى النيابة فأمر وكيل النيابة بحفظ الشكوى إداريا فإن هذا الأمر لا يكون حجة على المجنى عليه المضرور من الجريمة ، ويكون من حقه الالتجاء إلى رفع الدعوى بالطريق المباشر .

(الطعن رقم 777 لسنة 29 ق - جلسة 1959/06/22 س 10 ع 2 ص 651 ق 145)

11 ـ الأصل أن الأمر بعدم وجود وجه يجب أن يكون صريحاً و مدوناً بالكتابة ، إلا أنه قد يستفاد إستنتاجاً من تصرف أو إجراء آخر إذا كان هذا التصرف أو الإجراء يترتب عليه حتماً - و بطريق اللزوم العقلى - ذلك الأمر . و لما كان الثابت من التحقيقات أن الجريمة موضوع الدعوى قد إرتكبها شخص واحد قاد السيارة وقت وقوع الحادث و دار التحقيق الذى أجرته النيابة العامة حول متهم آخر غير الطاعن و تناول التحقيق إستجواب الطاعن و توجيه التهمة إليه ثم أقامت النيابة العامة الدعوى الجنائية على ذلك المتهم الآخر وحده ، فإن هذا التصرف ينطوى حتماً على أمر ضمنى بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبل الطاعن يحول دون إدخاله بعد ذلك متهماً فى الدعوى . لما كان ما تقدم ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى برفض الدفع بعدم قبول الدعوى الجنائية قبل الطاعن و بإدانته يكون قد خالف القانون و أخطأ فى تطبيقه ويتعين نقضه و القضاء بعدم جواز نظر الدعوى الجنائية قبل الطاعن .

(الطعن رقم 873 لسنة 42 ق - جلسة 1972/11/19 س 23 ع 3 ص 1207 ق 272)

12 ـ إن الحكم المطعون فيه قد بنى قضاءه بالبراءة على صدور أمر من النيابة العامة بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم كفاية الأدلة فى شأن البلاغ المقدم من المطعون ضده قبل المدعين بالحقوق المدنية حال أن هذا الأمر لا يشكل رأيا فاصلا للمحكمة التي نظرت دعوى الواقعة موضوع البلاغ فى شأن صحة هذه الواقعة أو كذبها وبالتالي فما كان يصح لمحكمة دعوى البلاغ الكاذب أن تلتزم به من حيث صحة الواقعة على نحو ما التزمت بل كان من المتعين عليها ألا تعترف له بحجية ما وأن تتصدي لواقعة البلاغ وتقدر بنفسها مدى صحة التبليغ عنها أو كذبه أما وهي لم تفعل فإن قضاءها يكون معيباً .

(الطعن رقم 4544 لسنة 60 ق - جلسة 1999/01/14 س 50 ص 48 ق 8)

شرح خبراء القانون

الأمر بأن لا وجهه لإقامة الدعوى

تعريف الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى :

الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى هو قرار المحقق إنهاء التحقيق الابتدائي وتوقف الدعوى عند هذه المرحلة، فهو " قرار بعدم إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة".

وهذا الأمر ذو طبيعة قضائية، باعتباره تصرفاً في التحقيق. ومن ثم يفترض بالضرورة أنه قد سبقه تحقيق. ولهذا الأمر حجيته وقوته في إنهاء الدعوى، وأن يكون ذلك معلقا على شرط فاسخ.

الشروط الشكلية للأمر بان لا وجه لإقامة الدعوى :

يتعين أن يكون الأمر بان لا وجه لإقامة الدعوى ثابتا كتابة، فذلك هو الشأن في الأحكام القضائية بالإضافة أنه تترتب عليه أثار قانونية هامة، فيجب أن يكون في الاستطاعة إثباته كي يمكن الاحتجاج به، و يتعين أن يتضمن البيانات التي نصت عليها المادة و يتعين أن تتضمن البيانات التي نصت عليها المادة (160) من قانون الإجراءات الجنائية. ويتعين أن يكون هذا الأمر صريحا، وإن جاز مع ذلك أن يستفاد استنتاجها من تصرف أو إجراء أخر إذا كان هذا التصرف أو الإجراء يترتب عليه حتما - وبطريق اللزوم العقلي - ذلك الأمر، ولكن لا يصح أن يفترض أو يؤخذ فيه بطريقة الظن.

وقد تطلب المشرع تسبيب الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، وذلك ضماناً  لجديته وحرصاً على ألا يصدر إلا بعد تحقيق جدي استخلص منه المحقق أسباباً تحول في تقديره دون محاكمة المتهم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الأمر يقبل الطعن فيه كقاعدة عامة، ومن ثم كان تسبيبه الوسيلة إلى مناقشته وتحديد قيمته من حيث قبول الطعن فيه أو رفضه.

وقد تطلب المشرع إعلان الأمر إلى المدعي المدني كي يعلم به، فيتاح له الطعن فيه خلال الميعاد الذي يحدده القانون.

أسباب الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى:

الأسباب التي يستند إليها الأمر بأن لا وجهه لإقامة الدعوى نوعان : أسباب قانونية وأسباب واقعية.

فالأسباب القانونية عبر عنها المشرع بقوله أن الواقعة لا يعاقب عليها القانون والأسباب الواقعية عبر عنها بقوله أن الأدلة على المتهم غير كافية" (المادة محل التعليق). والأسباب القانونية تتسع لجميع الفروض التي لا يمكن فيها توقيع العقوبة على المتهم، وقد تكون أسبابا موضوعية وقد تكون أسبابا إجرائية : فالأسباب الموضوعية تشمل حالة ما إذا كانت الواقعة لا تخضع لنص تجريم إذا كان يسري عليها سبب إباحة أو كان المتهم يستفيد من مانع مسئولية أو مانع عقاب.

وتشمل الأسباب الإجرائية حالات انتقاء أحد شروط قبول الدعوى، إذ يعني ذلك انغلاق الطريق الذي رسمه القانون لتوقيع العقوبة على المتهم. وقد عبر المشرع عن الأسباب الواقعية التي قد يستند إليها الأمر بأنه لا وجه لإقامة الدعوى بأن "الأدلة علي المتهم غير كافية " وتتسع هذه الأسباب لفرضين أولهما: إذا لم تتوافر الأدلة الكافية على حصول الواقعة، وثانيهما: إذا لم تتوافر الأدلة الكافية علي نسبتها إلى المتهم. وفي هذين النوعين من الأسباب تنحصر سلطة قاضي التحقيق في إصدار الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى.

أما النيابة العامة، فلها - بالإضافة إلى ذلك أن تصدر الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى استنادا إلى عدم ملاءمة إقامتها، كما لو أستندت إلى تفاهة ضرر الجريمة أو حصول صلح بين المتهم والمجني عليه أو تعويض المتهم ضرر الجريمة أو خشية أن يفسد التنفيذ العقابي المتهم. وتفعل النيابة العامة ذلك باعتبارها سلطة اتهام خولها المشرع سلطة تقديرية فلها أن تقدر ملاعمة إقامة الدعوى، أما قاضي التحقيق فليس له ذلك باعتباره ليس سلطة اتهام، وإنما وظيفته قضائية خالصة.

آثار الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى :

أهم آثار الأمر بان لا وجه لإقامة الدعوى هو إيقاف سيرها عند المرحلة التي بلغتها وقت صدور الأمر، ويعني ذلك عدم اتخاذ أمر لاحق من إجراءات التحقيق، وعدم إحالة المتهم إلى المحاكم ويترتب على هذا الأمر الإفراج عن المتهم المحبوس احتياطيا، فقد زال السند القانوني الاستمرار حبسه.

ولكن أهم آثار الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى هو قوته التي تجعل من شأنه الحيلولة دون اتخاذ أي إجراء لاحق من إجراءات الدعوى. وهذه القوة غير مستقرة، وإنما هي عرضه للزوال إذا عرض السبب لإلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثاني ، الصفحة : 69)

الفرق بين أمر الحفظ والأمير الصادر بالأوجه لإقامة الدعوى الجنائية:

الأمر الصادر من النيابة العامة بالحفظ هو إجراء إداري يصدر عنها بوصفها السلطة الإدارية التي تهيمن على جمع الإستدلالات وهو على هذه الصورة لا يقيدها ويجوز العدول عنه في أي وقت بالنظر إلى طبيعتها الإدارية البحتة ولا يقبل تظلما أمام القضاء أو إستئنافا من جانب المدعي بالحق المدني والمجني عليه ولهما الإلتجاء إلى طريق الإدعاء المباشر في مواد الجنح والمخالفات إذا توافرت شروطه أو التظلم الإداري للجهة الرئاسية والعدول عن أمر الحفظ يجب أن يكون بإشارة مكتوبة من المحامي العام أو رئيس النيابة الكلية فإذا كان أمر الحفظ صادرة من المحامي العام أو رئيس النيابة الكلية فيجب أن يكون العدول عنه بتأشيرة مكتوبة من المحامي العام لدى محكمة الإستئناف ، والمقصود به الأن المحامي العام الأول لدى محكمة الإستئناف والأمر بحفظ الأوراق لا يقطع التقادم ولا تنقضي به الدعوى ولا يحول دون تحريك الدعوى الجنائية بالطريق المباشر .

كما وأنه لا يجوز للنيابة أن تصدر قراراً بحفظ الأوراق إذا كانت قد قامت بإجراء من إجراءات التحقيق أو نديت أحد مأموري الضبط القضائي لمباشرته أيا كان سبب ذلك ويكون الأمر الصادر منها في هذه الحالة أمرا بالأوجه لإقامة الدعوى الجنائية.

وقيل في ذلك أن الأمر بالأوجه للإقامة الدعوى الجنائية يتميز عن أمر الحفظ من عدة وجوه هي:  

(1)يعتبر الأمر بألا وجه تصرفا في التحقيق من السلطة التي تباشره ولذلك فهو يصدر بعد إجراء التحقيق من السلطة المختصة به. أما الأمر بحفظ الأوراق فيعتبر تصرفا في الإستدلالات ولذلك فهو يصدر عن النيابة العامة بإعتبارها سلطة جمع إستدلالات دون أن يسبقه أي من إجراءات التحقيق.

(2) الأمر بالأوجه يصدر من سلطة التحقيق سواءا كانت النيابة العامة أو قاضي التحقيق بينما أمر الحفظ لا يصدر إلا من النيابة العامة.

(3) الأمر بالأوجه قرار قضائي له حجية مؤقتة تظل لها قوتها إلى أن يلغي بناء على أحد الأسباب التي سبق ذكرها أما أمر الحفظ فهو قرار إداري ليس له أي حجة فيجوز للنيابة العامة الرجوع فيه في أي وقت طالما أن الدعوى الجنائية لم تسقط وذلك دون قيد أو شرط ولو لم تظهر دلائل جديدة ولذلك لا يجوز الطعن فيه بأي طريق.

تعريف الأمر بالأوجه لإقامة الدعوى الجنائية:

يمكن تعريف الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى بأنه أمر قضائي من أوامر التصرف في التحقيق تصدره بحسب الأصل إحدى سلطات التحقيق الإبتدائي بمعناه الضيق لتصرف به النظر عن إقامة الدعوى أمام محكمة الموضوع لأحد الأسباب التي بينها القانون ويحوز حجية من نوع خاص ويلزم فيه أن يكون صريحاً ومدونا بالكتابة وهو لا يستفاد إستنتاجا من أي تصرف أو إجراء آخر إلا إذا كان هذا التصرف أو الإجراء يترتب عليه حتما وبطريق اللزوم الفعلي صرف النظر عن الدعوى فمثلا متى كانت النيابة العمومية لم تصدر أمرا مكتوبا صریحا به بالنسبة إلى متهم معین - رغم التحقيق معه - بل كل ما صدر عنها هو إتهام غيره بإرتكاب الجريمة فإن ذلك على وجه القطع واللزوم يتضمن قرار صرف النظر عن الدعوى بالنسبة له بالمعنى المفهوم في القانون.

أسباب الأمر بالأوجه :

الأمر بألا وجه بديل عن الإحالة إلى القضاء ولذلك فهو يصدر كلما قدر المحقق ألا جدوى من تقديم المتهم للمحاكمة لوجود سبب يحول دون الحكم بإدانته وقد عرض القانون لبيان هذه الأسباب في المادة (154) إجراءات فنص على أنه إذا رأى قاضي التحقيق أن الواقعة لا يعاقب عليها القانون أو أن الأدلة على المتهم غير كافية يصدر أمرا بألا وجه لإقامة الدعوى ويفرج عن المتهم إن لم يكن محبوسا لسبب آخر ويجب أن يشتمل الأمر على الأسباب التي بني عليها كذلك فقد نصت المادة (209) من قانون الإجراءات على أنه إذا رأت النيابة العامة بعد التحقيق أنه لا وجه لإقامة الدعوى تصدر أمرا بذلك وتأمر بالإفراج عن المتهم المحبوس ما لم يكن محبوساً لسبب آخر ولا يكون صدور الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى في الجنايات إلا من المحامي العام أو من يقوم مقامه ، ويجب أن يشتمل الأمر على الأسباب التي بني عليها.

ويمكن القول بوجه عام بأن الأسباب التي بني عليها الأمر بألا وجه هذه ذات الأسباب التي تمنع من الحكم بالإدانة وهي إما أن تكون أسباباً قانونية أو موضوعية وهناك سبب آخر لم ينص القانون عليه لكن العمل يجري على بناء هذا الأمر عليه وهو عدم الأهمية.

الأسباب القانونية :

يتوافر السبب القانوني إذا رأى المحقق أن الواقعة لا يعاقب عليها القانون تحدد أي وصف قانوني أو توافر فيها مانع من موانع المسئولية أو العقاب أو إنقضت بشأنها الدعوى الجنائية لأي سبب كان كالوفاة والعفو الشامل وقوة الأمر المقضي والتقادم والتنازل عن الشكوى والطلب، وعلى ذلك فالأسباب تكون قانونية إذا كانت قائمة على عدم الجناية أو إمتناع أو إنقضاء الدعوى الجنائية أو عدم جواز رفعها.

الأسباب الواقعية :

يتوافر هذا السبب إذا رأى المحقق أن الأدلة التي أسفرت عنها التحقيات غير كافية لترجيح الإدانة أو أنها تشير إلى عدم صحة وقوع الجريمة المدعى بإرتكابها وفي الحالة الأولى يصدر الأمر لعدم كفاية الأدلة وفي الحالة الثانية يصدر الأمر لعدم الصحة و الفرق بين الإثنين أن الأول ينصب على نسبة الواقعة إلى المتهم أما الثاني فإنه ينصب على عدم حصول الواقعة أصلا. وقد يسفر التحقيق عن عدم معرفة الفاعل فيأمر المحقق بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى لهذا السبب وإذا صدر هذا الأمر بعد التحقيق مع متهم معين فإنه ينطوي على أمر ضمني بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى على هذا المتهم لعدم كفاية الأدلة ضده. لأن هذا المعنى أمر ضروري لسلامة القول بعدم معرفة الفاعل.

عدم الأهمية:

طبقا لمبدأ حرية النيابة العامة في تقدير ملائمة رفع الدعوى الجنائية يجوز للنيابة العامة رغم كفاية الأدلة أن تصدر أمرا بأن لا وجه لإقامة الدعوى لعدم الأهمية أو إكتفاء بالجزاء الإداري ولكن لا يملك إصدار هذا الأمر قاضي التحقيق ومن في حكمه إذ ليس له تقدير ملائمة رفع الدعوى الجنائية المادة (154) ويتضح هذا الفارق من مقارنة نص المادة (451) بنص المادة (209) فالنص الأول أجاز لقاضي التحقيق أن يصدر أمرا بأن لا وجه لإقامة الدعوى إذا رأى أن الواقعة لا يعاقب عليها القانون أو أن الأدلة على المتهم غير كافية أما النص الثاني فقد أجاز للنيابة العامة أن تصدر أمرا بان لا وجه لإقامة الدعوى دون أدنى قيد بأسباب معينة.

ولهذا يجري العمل في النيابة العامة على إصدار الأمر بألا وجه بناء على عدم الأهمية ولو كانت الجريمة جناية ومن الحالات التي تمارس النيابة العامة فيها هذه السلطة تفاهة الضرر الناشئ عن الجريمة ورد المال المختلس إلى المجني عليه والصلح في جرائم الإيذاء وتعويض المجني عليه ومبادرة الجاني إلى إسعاف المجني عليه وعلاجه ودفع قيمة الشيك والإكتفاء بالجزاء الإداري ورعاية الروابط الأسرية والمحافظة على الأمن العام ومراعاة ظروف المتهم کسنه أو جنسه أو مركزه الإجتماعي.

الجهات المختصة بإصداره :

يصدر الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية من السلطة التي تتولى تحقيق الدعوى ولذلك فإن الأمر يمكن أن يصدر من النيابة العامة (م 209 إجراءات) أو من قاضي التحقيق (م 154 إجراءات) أو من المستشار الذي تندبه محكمة الجنايات أو محكمة النقض وذلك في الأحوال المنصوص عليها بالمواد (11 ،12 ، 13) من قانون الإجراءات الجنائية.

حجية الأمر بألا وجه :

إذا صدر الأمر بألا وجه فإنه يكتسب حجية مؤقتة تظل له مادام قائما لم يلغ قانوناً. وله في نطاق هذه الحجية ما للأحكام من قوة الأمر المقضي. فلا يجوز العودة إلى التحقيق مرة أخرى. ولا رفع الدعوى إلى المحكمة فإذا رفعت إليها وجب الحكم بعدم القبول ويعتبر الدفع بعدم القبول من النظام العام فيجوز إبداؤه لأول مرة أمام محكمة النقض وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها. ويشترط لقبول هذا الدفاع وحده الواقعة ووحدة الخصوم فيجب أن يكون رفع الدعوى عن ذات الواقعة التي صدر القرار بألا وجه بشأنها فإذا رفعت الدعوى عن واقعة أحرى منسوبة إلى نفس المتهم لا يجوز له الدفع بالقرار بألا وجه الصادر في واقعة أخرى. كذلك يجب أن ترفع الدعوى على ذات المتهم الذي صدر القرار بشأنه فلا يجوز الإستناد في الدفع إلى سبق صدور قرار بألا وجه مستند إلى عدم معرفة الفاعل ردا يعني ذلك أن من يتمسك بالدفع لم يكن في أول الأمر متهما فلا حق له في التمسك بأمر لم يصدر في شأنه.

كما لا يجوز لأحد المتهمين أن يستند إلى قرار بألا وجه صدر لمصلحة متهم آخر مساهم معه في نفس الجريمة وكان مبنياً على أسباب شخصية مثل إمتناع مسئولية المتهم أو إمتناع عقابه أما إذا كان مستندا إلى أسباب موضوعية مثل إنقضاء الدعوى الجنائية أو توافر سبب من أسباب الإباحة فإنه يستفيد منه باقي المساهمين. وعلى ذلك فإنه متى صدر الأمر بناء على أسباب عينية أي متعلقة بالجريمة أو بالدعوى فإنه يكتسب حجية بالنسبة إلى جميع المساهمين في الجريمة بالنظر إلى وحدة الواقعة والأثر العيني للأمر وقوة الأثر القانوني للإرتباط بين المتهمين في الجريمة أما إذا بنى الأمر على أموال خاصة بأحد:۔ المتهمين دون الأخرين فلا يجوز حجية إلا في حق من صدر لصالحه.

آثار الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى هو إيقاف، سيرها عند المرحلة التي بلغتها وقت صدور الأمر ويعني ذلك عدم إتخاذ إجراء الأحق من إجراءات التحقيق وعدم إحالة المتهم إلي المحاكمة ويترتب على هذا الأمر الإفراج عن المتهم المحبوس احتياطيا فقد زال السند القانوني لإستمرار حبسه ويتعين أن يفصل هذا الأمر في كيفية التصرف في الأشياء المضبوطة.

من التعليمات العامة الجديدة للنيابات :

أوردت التعليمات العامة الجديدة للنيابات الكتاب الأول التعليمات القضائية القسم الأول في المسائل الجنائية الطبعة الرابعة عام 2002 مسألة تنظيم الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية في المواد من (859) إلى (877) ونورد نصوص هذه المواد كما هي مرئية في التعليمات سالفة الذكر وذلك لأهميتها.

مادة (859) :

إذا رأت النيابة بعد التحقيق ألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية تصدر أمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية لا أمرا بالحفظ وتأمر بالإفراج عن المتهم فورا ما لم يكن محبوسا لسبب آخر. على أن يكون صدور الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية في مواد الجنايات من المحامي العام للنيابة الكلية أو من يقوم مقامه.

مادة (860):

لا يجوز التقرير بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبل

استجلاء جميع وقائع الدعوى وتحقيق كل دلیل ورد فيها وإذا رأى المحقق أن الدليل يحوطه الشك فليس من سداد الرأي أن يقف عند هذا الحد ويأمر بعدم وجود وجه لعدم كفاية الأدلة بل يجب عليه أن يواصل التحقيق في الحدود المعقولة ليصل إلى ما يؤكد هذا الدليل أو يدحضه لأن من حق المتهم على النيابة أن تواصل التحقيق حتى تبدو الحقيقة كاملة ولا تبقى التهمة عالقة به بغير مبرر.

مادة (861):

الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية يعتبر بمثابة حكم قضائي ولذلك فإنه يجب أن يكون مكتوباً وصريحاً كما يجب على عضو النيابة أن يعني بنسبته وأن يضمنه بيانا كافيا لوقائع الدعوى في أسلوب واضح وأن يتناول الأدلة القائمة فيها ويرد عليها في منطق سائغ وأن يتصدى للبحث القانوني بالقدر اللازم في الدعوى.

مادة (862):

يجب أن يكون الأمر بعدم وجود وجه واضحا في مدلوله فلا يغني عنه أن يوجد ضمن أوراق الدعوى مذكرة محررة برأي وكيل النيابة المحقق يقترح فيها على رئيس النيابة العامة إصدار الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى.

مادة (863):

يجوز أن يستفاد الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى ضمنا من تصرف المحقق في التحقيق على نحو يقطع بحكم اللزوم العقلي بصدور هذا الأمر ومثال ذلك أن ينتهي المحقق بعد التحقيق في واقعة السرقة إلى إتهام المجني عليه بالبلاغ الكاذب مما يقطع بأنه قد قرر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى عن جريمة السرقة. مادة (864):

إذا قررت النيابة طلب منهم ثم أنهت تحقيقا دون سؤاله فإن ذلك لا ينطوي على أمر ضمني بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قبله.

مادة (865):

الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى المبني على أسباب عينيه مثل أن الجريمة لم تقع أصلا أو على أنها في ذاتها ليست من الأفعال التي يعاقب عليها القانون يكتسب كأحكام البراءة حجية بالنسبة لجميع المساهمين فيها ولا يكون كذلك إذا كان مبنيا على أحوال خاصة بأحد المساهمين دون الآخرين فإنه لا يجوز حجية إلا في حق من صدر لصالحه.

مادة (866):
العبرة في تحديد طبيعة الأمر الصادر من النيابة هي بحقيقة الواقع لا بما تذكره النيابة عنه أو تصفه به. فإذا كانت النيابة قد قامت بإجراء من إجراءات التحقيق، أيا ما كان سبب إجراءه فالأمر الصادر منها يكون قرار بألا وجه لإقامة الدعوى.

مادة (867):
يجب أن يكون الأمر بألا وجه مدونة بالكتابة وصريحة بذات ألفاظه في أن من أصدره لم يجد في أوراق الدعوى وجهاً للسير فيها. فالتأشير على تحقيق بإرفاقه بأوراق شكوى أخرى محفوظة ما دام لا يوجد فيه ما يفيد على وجه القطع معنى إستقرار الرأي على عدم رفع الدعوى لا يصح إعتباره أمر بألا وجه عن الجريمة التي تناولها.

مادة (868) :

الأمر الصادر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية يصدر لذات الأسباب التي يصدر من أجلها أمر الحفظ والمبينة بالمادة (806) من هذه التعليمات.

مادة (869):
الأمر الصادر من النيابة بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى بعد تحقيق قضائي لا يمنع من العودة إلى التحقيق ورفع الدعوى الجنائية إذا ظهرت أدلة جديدة قبل إنتهاء المدة المقررة لإنقضاء الدعوى الجنائية أو إذا كان صادرة من أحد أعضاء النيابة وألغاه النائب العام أو المحامي العام المختص في خلال ثلاثة شهور من تاريخ صدوره أو إذا ألغى من محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة (في الجنح). أو من محكمة الجنايات منعقدة في غرفة المشورة في الجنايات بناء على الطعن فيه من المدعي المدني.

مادة (870) :
الدليل الجديد الذي ينهي الحجية المؤقتة للأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى هو الذي يلتقي به المحقق لأول مرة بعد التقرير في الدعوى بألا وجه لإقامتها فلا يصلح لذلك الدليل الذي سبق عرضه قبل . صدور الأمر ويجب أن يكون من شأنه تقوية الأدلة التي كانت متوافرة من قبل. وألا يسعى إليه المحقق في الدعوى ذاتها عودة إلى التحقيق.

مادة (871) :
للنائب العام أو المحامي العام لدى محكمة الإستئناف المختص إلغاء الأمر بعدم وجود وجه في مدى الثلاثة أشهر التالية لصدوره وقراره في ذلك قرار قضائي لا يتوقف على إتباع إجراءات معينة بل يجوز له إصداره من تلقاء نفسه أو بناء على تظلم من صاحب الشأن ويشترط الإصدار قرار الإلغاء ألا يكون الأمر قد طعن فيه بالإستئناف أمام مستشار الإحالة (قبل أن يبلغ) أو محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة وقضى برفض الطعن المرفوع عنه.

مادة (872) :
إذا صدر بعدم وجود وجه من النائب العام فلا يجوز له العدول عنه. وكذلك لا يجوز له إلغاء الأمر الصادر من المحامي العام الأول أما إذا صدر الأمر من المحامي العام لدى محكمة الإستئناف فيجوز النائب العام إلغاؤه.

مادة (873):
إذا صدر قرار من النائب العام أو المحامي العام لدى محكمة الإستئناف بإلغاء أمر صادر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى فيجب أن يقوم بتحقيق الأوجه التي أوردها ذلك القرار عضو آخر من أعضاء النيابة الكلية يندبه المحامي العام لهذه النيابة أو رئيسها لذلك. كما يجب أن يتصرف المحامي العام أو رئيس النيابة الكلية بنفسه في القضية بعد ذلك ما لم يكن قرار الإلغاء قد نبه إلى إرسالها إلى مكتب النائب العام أو المحامي العام لدى محكمة الإستئناف التصرف فيها.

مادة (873 مكرراً):
يجب إعلان الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية للمدعى بالحقوق المدنية وإذا كان قد توفى يكون الإعلان لورثته جملة في محل إقامته - ويكون الإعلان على يد محضر أو بواسطة أحد رجال السلطة العامة وتسلم صورة الإعلان لصاحب الشأن ويودع الأصل بعد التوقيع عليه بالإستلام ملف الدعوى.

مادة (874):
للمدعي بالحقوق المدنية الطعن فى الأمر الصادر من النيابة العامة بأن لا وجه لإقامة الدعوى إلا إذا كان صادرا فى تهمة موجهة ضد موظف أو مستخدم عام أو أحد رجال الضبط لجريمة وقعت منه أثناء تأدية وظيفة أو بسببها ما لم تكن من الجرائم المشار إليها في المادة (123) من قانون العقوبات.

مادة (875):
يعد الأمر الذي تصدره الندبة العامة بعد تحقيق أجرته بنفسها في شكوى يحفظها إدارياً أيا ما كان سببه أمراً بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية صدر منها بوصفها سلطة تحقيق، و إن ما جاء في صيغة الأمر بالحفظ الإداري وهو أمر له حجيته التي تمنع من العودة إلى الدعوى الجنائية مادام الأمر قائما ولا يعتبر من ذلك أن تكون النيابة العامة قد إستندت في الأمر الصادر منها إلى عدم أهمية الواقعة المطروحة أو الإكتفاء بالجزاء الإداري مادام الأمر قد صدر بعد تحقيق قضائي باشرته بمقتضی سلطتها المخولة لها في القانون بما يجعله حائزا لقوة الشيء المحكوم فيه ويحول دون الرجوع إلى الدعوى الجنائية بعد صدوره إلا إذا ظهرت أدلة جديدة أو ألغاه النائب العام في مدة الثلاثة أشهر التالية لصدوره ويجوز للمدعي بالحقوق المدنية الطعن في مثل هذا الأمر وفقا لأحكام القانون.(المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني  ، الصفحة : 299)

لقاضي التحقيق إصدار الأمر بألا وجه في جميع التحقيقات التي تجريها وبناء توافر سبب قانوني أو سبب موضوعي لعدم السير في الدعوى فيما عدا السبب الخاص بعدم الأهمية. فقد حدد المشرع في المادة 154 الأسباب التي من اجلها يمكن لقاضي التحقيق إصدار الأمر بالا وجه وهي أن الواقعة لا يعاقب عليها القانون أو أن الأدلة غير كافية. وغني عن البيان انه يندرج تحت عدم العقاب على الواقعة جميع الأسباب التي تحول دون اقتضاه حق الدولة في العقاب ولو تعلقت بالإجراءات كما في حالة عدم توافر شروط السير في الدعوى لأسباب موضوعية أو إجرائية.(الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الأول،  الصفحة 610)

للمدعي المدني أن يحضر جميع إجراءات التحقيق ما لم ير المحقق ضرورة التحقيق في غيبته (المادة 77/ 1 إجراءات).

وله بناء على ذلك تقديم كافة الدفوع والطلبات التي يرى تقديمها في أثناء التحقيق (المادة 18 إجراءات)، وله أن يطلب على نفقته في أثناء التحقيق صورا ، من الأوراق أيا كان نوعها، إلا إذا كان التحقيق حاصلا بغير حضوره بناء على قرار صادر بذلك (المادة 48 إجراءات). وله أن يطلب سماع بعض الشهود وأن يبدي ملاحظاته على أقوال ما يسميه المحقق من شهود (المادتان 110 و 115 إجراءات).

إذا صدر قرار بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية، فيعلن هذا القرار للمدعي المدني، وإذا كان قد توفى يكون الإعلان لورثته جملة في محل إقامته (المادتان 154/ 2  و 209/ 3 إجراءات).

للمدعي المدني استئناف الأمر إلا إذا كان صادرا فى تهمة موجهة إلى موظف عام وقعت منه الجريمة في أثناء تأدية وظيفته أو بسببها (المادتان 162 و 210/ 1 إجراءات)، وله أن يستأنف الأوامر المتعلقة بمسائل الاختصاص (المادة 163 إجراءات).

أسباب الأمر بألا وجه :
قد يبني هذا الأمر إما على سبب قانوني أو على سبب موضوعي. وقد عبرت عنها المادة 154/ 1 إجراءات في قولها بأنه إذا رأى قضي التحقيق أن الواقعة لا يعاقب عليها القانون أو أن الأدلة على المتهم غير كافية يصدر أمرا بألا وجه لإقامة الدعوى.

1- السبب القانوني: يتوافر هذا السبب إذا رأى المحقق أن الواقعة لا يعاقب عليها القانون تحت أي وصف قانوني، أو توافر فيها مانع من موانع المسئولية أو العقاب، أو انقضت بشأنا الدعوى الجنائية لأي سبب كان، کالوفاة والعفو الشامل، وقوة الأمر المقضي والتقادم، والتنازل عن الشكوى والطلب .

2- السبب الموضوعي: يتوافر هذا السبب إذا رأى المحقق أن الأدلة التي أسفر عنها التحقيق غير كافية لترجيح الإدانة أو أنها تشير إلى عدم وقوع الجريمة أو نسبتها للمتهم أو مسئوليته عنها مما يتعين معه استبعاده من الاتهام.

3- الملاءمة: تماشياً مع مبدأ الملاءمة في تحريك الدعوى الجنائية استقر العمل في النيابة العامة على أنه إذا رأت بعد التحقيق عدم إحالة الدعوى الجنائية إلى المحكمة إصدار أمر بألا وجه لإقامة الدعوى لعدم الأهمية » أو «اكتفاء بالجزاء الإداري» أو قيد الأوراق بدفتر الشكاوى وحفظها إدارياً. وكلها صيغ مختلفة تصب في معنى واحد هو عدم إحالة الدعوى إلى المحكمة من قبيل الملاءمة وليس السبب قانوني أو موضوعي. وهو تصرف لا يملكه قاضي التحقيق و تتمتع به النيابة العامة وحدها حسبا بينا فيما تقدم، وهو ما يؤيده غالبية الفقه الجنائي. ومما يدعم ذلك صياغة المادة 209 إجراءات التي لا تقيا سلطة النيابة العامة في إصدار الأمر بألا وجه بسبب معين، مما يكشف عن رغبة المشرع في التوسع في سلطة النيابة العامة في هذا الشأن بعدم التقيد بالشروط الواردة في المادة 154 إجراءات بشأن قاضي التحقيق. وهذا هو ما أيدته محكمة النقض .

الأمر بألا وجه لعدم الأهمية :
ثار الخلاف حول تكييف الأمر الصادر بألا وجه لإقامة الدعوى لعدم الأهمية، فذهب البعض إلى أن هذا الأمر شأنه شأن سائر الأوامر بألا وجه لإقامة الدعوى التي تصدر لسبب قانوني أو موضوعي ينال حجيته. وقلنا إن هذا الأمر في حقيقته ليس إلا إيقافا للتحقيق عند مرحلة معينة، مما مفاده أنه لا ينال الحجية التي تتمتع بها سائر الأوامر بألا وجه لسبب قانوني أو موضوعي. ولكن المحكمة : الدستورية العليا أجازت إصدار هذا الأمر عندما قضت بعدم دستورية حرمان المتهم من الطعن عليه دون أن تشكك المحكمة في صحة هذا الأمر.

وقد أثار هذا الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في 2 ديسمبر سنة 2007 في القضية رقم 163 لسنة 26 قضائية «دستورية» بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 210 من قانون الإجراءات الجنائية فيما تضمنته من قصر الحق في الطعن على الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى على المدعي المدني وحده دون المتهم، - مشكلة التكييف القانوني للأمر بألا وجه لعدم الأهمية. فقد قضت هذه المحكمة بجواز الطعن في الأمر بألا وجه لعدم الأهمية لتوافر مصلحة لدى المتهم هي الرغبة في تبرئه ساحته من خلال محاكمة منصفة أمام قاضيه الطبيعي، وهو ما لا يحققه الأمر بألا وجه لعدم الأهمية لأنه قابل للإلغاء، وأن قصر الطعن في الأمر بألا وجه على المدعي المدني دون المتهم يخل بشرط المساواة.

قوة الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى وحجيته :

يترتب على صدور الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية خروجها من حوزة سلطة التحقيق، فلا يجوز لها العدول عن هذا الأمر ما لم يتوافر أحد الأسباب القانونية الثلاثة التي نص عليها القانون لإلغائه (المادتان 211 و213 إجراءات) والتي سنبينها حالاً.

ومادام الأمر بألا وجه قائما فإنه ينال حجيته في إنماء الدعوى الجنائية عن الواقعة بجميع أوصافها لأنه ينصب على الواقعة لا على وصفها القانوني، فإذا رفعت الدعوى رغم صدور هذا الأمر كانت غير مقبولة قانوناً.

ولا حجية للأمر بألا وجه أمام القضاء المدني، فطبقا للمادة 456 إجراءات لا حجية أمام المحاكم المدنية إلا للحكم الجنائي الصادر من المحكمة الجنائية في موضوع الدعوى الجنائية بالبراءة أو بالإدانة.

ويشترط للدفع بعدم قبول الدعوى الجنائية - بسبب هذه الحجية - وحدة الخصوم ووحدة الواقعة.

(1) وحدة الخصوم: إذا استند الأمر بألا وجه إلى عدم معرفة الفاعل فإنه لا ينال أية حجية، لأنه لم يصدر في مواجهة أحد المتهمين، ما لم ينطو ضمنا على أمر بألا وجه لإقامة الدعوى قبل أحد المتهمين بناء على الأسباب الواردة في هذا الأمر.

وإذا بني الأمر بألا وجه على سبب عيني يتصل بالواقعة ذاتها (مثل عدم حدوث الواقعة، أو انتفاء شبهة الجناية لمشروعية الواقعة، أو توافر أحد أسباب الإباحة، أو بسبب التقادم، أو العفو الشامل، أو لسبب قانوني يتصل بصحة تحريك الدعوى الجنائية بسبب عدم تقديم الشكوى أو الطلب في الجرائم التي يعلق فيها القانون حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية على أحد هذين القيدين) فإن هذا الأمر يكتسب حجية بالنسبة إلى جميع المتهمين سواء من تناولهم التحقيق أو غيرهم. أما إذا تعلق الأمر بأحوال خاصة بأحد المتهمين بالمساهمة في الجريمة دون الآخرين، فإنه لا يجوز الحجية إلا بالنسبة إلى من صدر لصالحه هذا الأمر.

(2) وحدة الواقعية: يستبعد هذا الشرط العودة إلى التحقيق بناء على الواقعة ذاتها محل الأمر بألا وجه، ولو كان ذلك بناء على وصف قانوني مختلف عن الوصف الذي كان مسبغا على الواقعية ذاتها التي صدر بشأنها الأمر . ومن ناحية أخرى، إذا كان الأمر صادرا بناء على سبب قانوني، فإنه يحول بطبيعة الحال دون إلغاء هذا  الأمر تحت أي وصف قانوني آخر.

وحجية هذا الأمر مسألة تتصل بالنظام العام، ويتعين على المحكمة إعمال أثرها من تلقاء نفسها، ويجوز التمسك بما لأول مرة أمام محكمة النقض.

ويترتب على هذه الحجية أنه لا يجوز للمحكمة ممارسة حق التصدي المنصوص عليه في المادتين 11 و 12 إجراءات بالنسبة إلى الأشخاص أو بالنسبة إلى الوقائع التي تناولها الأمر وتتمتع بالحجية. فإذا استخدمت المحكمة حق التصدي وأحالت الدعوى إلى النيابة العامة لتحقيقها وجب على النيابة العامة احترام حجية الأمر والتقرير بعدم جواز تحقيق الدعوى من جديد، ما لم يكن في الأمر قد سبق إلغاؤه بموجب أحد الأسباب التي نص عليها القانون.(الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة  465)

الأمر بأن لا وجه الإقامة الدعوى هو قرار المحقق إنهاء التحقيق الابتدائي وتوقف الدعوى عند  هذه المرحلة، فهو «قرار بعدم إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة». وهذا الأمر ذو طبيعة قضائية، باعتباره تصرفاً في التحقيق. ومن ثم يفترض بالضرورة أنه قد سبقه تحقیق، سواء أجراه قاضي التحقيق أو أجرته النيابة العامة أو أجراه مأمور الضبط القضائي بناء على ندبه لذلك ولهذا الأمر حجيته وقوته في إنهاء الدعوى، وإن يكن ذلك معلقا على شرط فاسخ.

الشروط الشكلية للأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوي: يتعين أن يكون الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى ثابتة كتابة، فذلك هو الشأن في الأعمال القضائية، بالإضافة إلى أنه تترتب عليه آثار قانونية هامة، فيجب أن يكون في الاستطاعة إثباته کی يمكن الاحتجاج به. ويتعين أن يتضمن البيانات التي نصت عليها المادة 160 من قانون الإجراءات الجنائية ويتعين أن يكون هذا الأمر صريحا، وإن جاز مع ذلك أن «يستفاد استنتاجا من تصرف أو إجراء آخر إذا كان هذا التصرف أو الإجراء يترتب عليه حتما - وبطريق اللزوم العقلي – ذلك الأمر»، ولكن «لا يصح أن يفترض أو يؤخذ فيه بطريق الظن».

وقد تطلب الشارع تسبيب الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى"، وذلك ضمانا لجديته وحرصا على ألا يصدر إلا بعد تحقيق جدي استخلص منه المحقق أسبابا تحول في تقديره دون محاكمة المتهم وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الأمر يقبل الطعن كقاعدة عامة، ومن ثم كان تسبيبه الوسيلة إلى مناقشته وتحديد قيمته من حيث قبول الطعن فيه أو رفضه.

وقد تطلب الشارع إعلان الأمر إلى المدعي المدني كي يعلم به، فيتاح له  الطعن فيه خلال الميعاد الذي يحدده القانون. .

وإذا صدر هذا الأمر عن النيابة العامة في جناية تعين أن يصدر عن المحامي العام أو من يقوم مقامه (المادة 209 من قانون الإجراءات الجنائية)، ويعني ذلك أن من دون المحامي العام لا يجوز له أن يصدر هذا الأمر.

أسباب الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى: الأسباب التي يستند إليها الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى نوعان: أسباب قانونية وأسباب واقعية. فالأسباب القانونية عبر عنها الشارع بقوله إن «الواقعة لا يعاقب عليها القانون»، والأسباب الواقعية عبر عنها بقوله إن «الأدلة على المتهم غير كافية» (المادة 154 من قانون الإجراءات الجنائية). والأسباب القانونية تتسع الجميع الفروض التي لا يمكن فيها توقيع العقوبة على المتهم، وقد تكون أسباب موضوعية وقد تكون أسبابة إجرائية: فالأسباب الموضوعية تشمل حالات ما إذا كانت الواقعة لا تخضع لنص تجريم أو كان يسري عليها سبب إباحة أو كان المتهم يستفيد من مانع مسئولية أو مانع عقاب. وتشمل الأسباب الإجرائية حالات انتفاء أحد شروط قبول الدعوى، إذ يعني ذلك انغلاق الطريق الذي رسمه القانون لتوقيع العقوبة على المتهم. وقد عبر الشارع عن الأسباب الواقعية التي قد يستند إليها الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى بأن «الأدلة على المتهم غير كافية»، وتتسع هذه الأسباب لفرضين: إذا لم تتوافر الأدلة الكافية على حصول الواقعة، وإذا لم تتوافر الأدلة الكافية على نسبتها إلى المتهم. وفي هذين النوعين من الأسباب تنحصر سلطة قاضي التحقيق في إصدار بأن لا وجه لإقامة الدعوى.

أما النيابة العامة، فلها – بالإضافة إلى ذلك - أن تصدر الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى استنادا إلى عدم ملاعمة إقامتها، كما لو استندت إلى تفاهة ضرر الجريمة أو حصول صلح بين المتهم والمجني عليه أو تعويض المتهم ضرر الجريمة أو خشية أن يفسد التنفيذ العقابي المتهم. وتفعل النيابة العامة ذلك باعتبارها سلطة اتهام خولها الشارع سلطة تقديرية، فلها أن تقدر ملاءمة إقامة الدعوى، أما قاضي التحقيق فليس له ذلك باعتباره ليس سلطة اتهام، وإنما وظيفته قضائية خالصة.

آثار الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى:
 أهم آثار الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى هو إيقاف سيرها عند المرحلة التي بلغتها وقت صدور الأمر، ويعني ذلك عدم اتخاذ إجراء لاحق من إجراءات التحقيق، وعدم إحالة المتهم إلى المحاكمة. ويترتب على هذا الأمر الإفراج عن المتهم المحبوس احتياطيا، فقد زال السند القانوني لإستمرار حبسه. ويتعين أن يفصل هذا الأمر في كيفية التصرف في الأشياء المضبوطة.

ولكن أهم آثار الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى هو قوته التي تجعل من شأنه الحيلولة دون اتخاذ أي إجراء لاحق من إجراءات الدعوى. وهذه القوة غير مستقرة، وإنما هي عرضة للزوال إذا عرض سبب لإلغاء الأمر بأن الا وجه لإقامة الدعوى.

قوة الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى

ماهية قوة الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى للأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى حجيته إزاء سلطة التحقيق التي أصدرته، فلا يجوز لها الرجوع فيه ما لم يطرأ سبب لإلغائه، ويعني ذلك أن أي إجراء تحقيق تتخذه بعد إصدارها هذا الأمر يكون باطلا، وإذا أصدرت أمر إحالة بعد أمرها بأن لا وجه لإقامة الدعوى كان أمر الإحالة باطلا. وللأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى قوته إزاء القضاء الذي تقام أمامة الدعوى بعد سبق صدور الأمر بأن لا وجه لإقامتها، إذ تعد الدعوى غير مقبولة.
نطاق قوة الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى وخصائصها: يكتسب الحجية والقوة كل أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، سواء صدر عن قاضي التحقيق أو عن النيابة العامة، وسواء استند إلى أسباب قانونية أو إلى أسباب واقعية. بل يحوزها كذلك القرار الذي تصدره النيابة العامة استنادا إلى اعتبارات الملاءمة). وهذه القوة ذات نطاق عام، فتلتزم بها النيابة العامة والمدعي المدني (المادة 232 من قانون الإجراءات الجنائية، الفقرة الرابعة) ويلتزم بها المجني عليه من باب أولى، إذ ليست له ابتداء ص فة الخصم في الدعوى). وإذا استند الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى إلى سبب عيني كعدم حصول الواقعة أو عدم خضوعها لنص تجريم أو خضوعها السبب إباحة، فإنه يستفيد منه بالضرورة جميع المساهمين في الجريمة، ولو كان منهم من لم يذكره الأمر صراحة ويكتسب الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى هذه القوة، ولو لم يعلن للخصوم.

وقوة الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى تتصل بالنظام العام، إذ تعني انتفاء شرط لقبول الدعوى، وبالإضافة إلى ذلك فهي من جنس قسوة الحكم الجنائي التي تتصل - على ما قدمنا - بالنظام العام ويترتب على اتصال قوة الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى بالنظام العام وجوب أن تقضي المحكمة بعدم قبول الدعوى لسبق صدور هذا الأمر، وذلك من تلقاء نفسها، وجواز الدفع بهذه القوة أمام محكمة النقض لأول مرة .

شروط قوة الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى: اندفع بقوة الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى كسبب لعدم قبول هذه الدعوى إذا أقيمت علی الرغم من سبق صدور هذا الأمر يتطلب وحدة الدعويين: الدعوى الذي صدر فيها الأمر والدعوى التي يثور فيها الدفع بقوة هذا الأمر وهذا الشرط هو ذات ما يتطلبه القانون للدفع بقوة الحكم البات كسبب لانقضاء الدعوى الجنائية فيتعين وحدة أطراف الدعويين، ووحدة موضوعيهما، ووحدة سببيهما. ويقتضي اشتراط وحدة الأطراف أن يكون المتهم الذي صدر لمصلحته الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى هو نفسه الذي أقيمت ضده الدعوى التي يحتج بعدم قبولها، ويعني ذلك أنه لا يجوز لمتهم أن يدفع بقوة الأمر الذي صدر لمصلحة متهم آخر، ولو كان مساهمة معه في ذات الجريمة ويترتب على ذلك أنه إذا أستند الأمر بأن لا وجه إلى «عدم معرفة الفاعلين»، فلا يجوز لمن ترفع عليه الدعوى بعد ذلك أن يحتج به، ذلك أنه لم يكن متهمة حينما صدر ذلك الأمر، فلا يمكن أن يقال إن الأمر صدر في شأنه.

وتقتضي وحدة سببي الدعويين أن تكون الواقعة المطلوب محاكمة المتهم من أجلها هي بعينها الواقعة التي صدر في شأنها الأمر بأن لا وجه الإقامة الدعوى، أما إذا كان لكل واقعة ذاتية خاصة وظروف خاصة تتحقق بها المغايرة التي يمتنع معها القول بوحدة السبب في كل منهما فلا يكون لهذا الدفع محل» وتطبيقا لذلك، فإنه إذا صدر الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى في شأن جريمة رشوة فليست له قوة في شأن الدعوى الناشئة عن جريمة نصب أسندت إلى المتهم نفسه، وإذا صدر في شأن سرقة فلا يجوز الدفع به في شأن الدعوى الناشئة عن ضرب أفضى إلى عاهة مستديمة نسب إلى المتهم نفسه وغني عن البيان أن قوة الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى تمتد إلى الواقعة التي صدر في شأنها بجميع أوصافها، فهي تحول دون إقامة الدعوى في شأن هذه الواقعة، ولو وصفت بوصف قانوني مختلف.(لدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول ،  الصفحة:  695)

عن تسبيب الأمر بألا وجه :

وهذا الأمر إذا صدر من النيابة لم يقيد المشرع أسبابه بأي قيد فجاء مقررا أنه (إذا رأت النيابة العامة من التحقيق أنه لا وجه لإقامة الدعوى تصدر أمرا بعدم وجود وجع لإقامتها) (م 209 معدلة بالمرسوم بقانون 353 لسنة 1962) . ومن ثم يكون لها أن تأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى لأسباب قانونية هي نفس أسباب أمر الحفظ القانونية المعروفة (مثل الإباحة أو امتناع المسئولية ...) أو لنفس الأسباب الموضوعية (مثل عدم صحة الواقعة، أو عدم معرفة الفاعل، أو عدم كفاية الأدلة ، أو عدم الأهمية ».

أما عند صدوره من غير النيابة العامة فيصبح ابناؤه على نفس الأسباب القانونية أو الموضوعية عدا صرف النظر عن الدعوى لعدم الأهمية فأنه لا يجوز صدوره إلا من النيابة العامة وحدها . (راجع المادة 154 بخصوص التحقيقي و 176 معدلة بالقانون 107 لسنة 1962 بالنسبة المستشار الإحالة) .

وإذا صدر من أحد أعضاء النيابة أمر بألا وجه لإقامة الدعوى يجوز التظلم منه للنائب العام أو للمحامي العام (في دائرة اختصاصه الإقليمي) ويجوز لأيهما إلغاء هذا الأمر في مدة الثلاثة الأشهر التالية لصدوره، ولو لم تجد أدلة جديدة ولمجرد الخلاف في وجهة النظر بين أيهما وبين العضو الذي يكون قد أصدر الأمر. وذلك ما لم يكن قد صدر قرار من مستشار : الإحالة ، أو من محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة حسب الأحوال برفض الاستئناف المرفوع عن هذا الأمر (م 211 معدلة بالقانون 107 لسنة 1962) . وهذا الإلغاء من الاختصاصات الاستثنائية التي يملكها النائب العام في جميع أنحاء الجمهورية ويمتلكها المحامي العام في دائرة اختصاصه الإقليمي.

والأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الصادر من النيابة يمكن أيضا للمدعي بالحق المدني أن يستأنفه، ويرفع الاستئناف إلى مستشار الإحالة في مواد الجنايات وإلى محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة فى مواد الجنح والمخالفات، ثم يجوز الطعن فيه بالنقض . والطعن بالنقض أيضا من الاختصاصات الاستثنائية التي يباشرها النائب العام في جميع أنحاء الجمهورية، ويباشرها المحامي في دائرة اختصاصه الإقليمي. 

وبذلك يكون هذا الأمر عند صدوره من النيابة العامة أو من قاضي التحقيق واجب التسبيب ما دام يجوز فيه - في الحالين - الطعن بالاستئناف ثم بالنقض ويجري العمل على تسبيبه بعناية.(الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الثاني ،  الصفحة : 823)

الفقه الإسلامي

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 65

مُتَّهَمٌ

التَّعْرِيفُ :

الْمُتَّهَمُ لُغَةً:

مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ وَالتُّهْمَةُ هِيَ: الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَاتَّهَمْتُهُ: ظَنَنْتُ بِهِ سُوءًا فَهُوَ تَهِيمٌ، وَاتُّهِمَ الرَّجُلُ اتِّهَامًا: أَتَى بِمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ :

- الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ دَعْوَى دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ وَالْمُدَّعِي: هُوَ مَنْ يَلْتَمِسُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ قِبَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُتَّهَمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ مِنْ أَحْكَامٍ :

تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا:

الْمُتَّهَمُ فِي الْجَرَائِمِ

لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ عَلَى الْمُتَّهَمِ بِالتُّهْمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَلَمْ يَكْتَمِلْ نِصَابُ الْحُجَّةِ، أَوِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعِيثُ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَقَالُوا: إِنَّ الْمُتَّهَمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بَلْ يُعَزَّرُ مُتَّهَمُهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ فَيُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ بِالْحَبْسِ، وَقَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَسَعُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.

(ر: تُهْمَةٌ ف 14).

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ وَلَهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ حَالُ اسْتِبْرَاءٍ تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ وَلَهَا عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا حَالُ اسْتِيفَاءٍ تُوجِبُهُ الأْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ.

فَأَمَّا حَالُهَا بَعْدَ التُّهْمَةِ وَقَبْلَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ النَّظَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ حَاكِمًا رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَدِ اتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَكُنْ لِتُهْمَةٍ بِهَا تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهُ لِكَشْفٍ وَلاَ اسْتِبْرَاءٍ وَلاَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَسْبَابِ الإْقْرَارِ إِجْبَارًا وَلَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إِلاَّ مِنْ خَصْمٍ مُسْتَحِقٍّ لِمَا قَرَفَ وَرَاعَى مَا يَبْدُو مِنْ إِقْرَارِ الْمَتْهُومِ أَوْ إِنْكَارِهِ إِنِ اتُّهِمَ بِالزِّنَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا وَيَصِفَ مَا فَعَلَهُ بِهَا بِمَا يَكُونُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَإِنْ أَقَرَّ حَدَّهُ بِمُوجِبِ إِقْرَارِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ وَكَانَتْ بَيِّنَةً سَمِعَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْلَفَهُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طَلَبَ الْخَصْمُ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَتْهُومُ أَمِيرًا كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَذَلِكَ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا : أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الإْمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِلدَّعْوَى الْمُقَرَّرَةِ وَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي الإْخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لاَ؟ فَإِنْ بَرَّءُوهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ خَفَّتِ التُّهَمَةُ وَوُضِعَتْ وَعَجَّلَ إِطْلاَقَهُ وَلَمْ يَغْلُظْ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرَّفُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَعَرَّفُوهُ بِأَشْبَاهِهِ غَلُظَتِ التُّهَمَةُ وَقَوِيَتْ وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا يُنَاسِبُهُ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ.

الثَّانِي : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ زِنًا وَكَانَ الْمَتْهُومُ مُطِيعًا لِلنِّسَاءِ ذَا فُكَاهَةٍ وَخَلاَبَةٍ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ، وَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارٌ لِضَرْبٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مُنَقِّبٌ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ أَيْضًا.

الثَّالِثُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُعَجِّلَ حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ لِذَلِكَ فَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَبْسَهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَجَاوَزُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَحْبِسُوا أَحَدًا إِلاَّ بِحَقٍّ وَجَبَ.

الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ أَنْ يَضْرِبَ الْمَتْهُومَ ضَرْبَ التَّعْزِيرِ لاَ ضَرْبَ الْحَدِّ لِيَأْخُذَ بِالصِّدْقِ عَنْ حَالِهِ فِيمَا قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يَكُنْ لإِقْرَارِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ حُكْمٌ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ وَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالإْقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الأْوَّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِالإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ.

الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إِذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكِسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.

السَّادِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ إِحْلاَفُ الْمَتْهُومِ اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إِحْلاَفُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلاَ أَنْ يُجَاوِزُوا الأَْيْمَانَ بِاللَّهِ إِلَى الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ.

السَّابِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إِجْبَارًا، وَيُظْهِرَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إِلَيْهَا طَوْعًا، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ، لأِنَّهُ وَعِيدُ إِرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إِلَى حَيِّزِ التَّعْزِيرِ وَالأْدَبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْقَتْلِ فَيَقْتُلَ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ.

الثَّامِنُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ.

التَّاسِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِدْ غُرْمًا وَلاَ حَدًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الأْثَرُ وَلاَ يُرَاعَى السَّبْقُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا:  بِحِسَابِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الاِقْتِرَافِ وَالتَّعَدِّي، وَالثَّانِي: بِحَسَبِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ.

وَإِذَا رَأَى مِنَ الصَّلاَحِ فِي رَدْعِ السَّفِلَةِ أَنْ يُشَهِّرَهُمْ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الأْمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الاِسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لاِخْتِصَاصِ الأْمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالأْحْكَامِ.

- وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ حَالَهُ.

فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.

وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهِمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الأْبْرِيَاءِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإْسْلاَمِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ «حَبَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ،» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ».

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إِنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الأْئِمَّةِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلاَ حَبْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ مَذْهَبًا لأِحَدٍ مِنَ الأْئِمَّةِ الأْرْبَعَةِ وَلاَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأْئِمَّةِ. وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.

الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لاَ يُضْرَبُ، ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.

الْمُتَّهَمُ فِي الْقَسَامَةِ

- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الأْيْمَانَ تُوَجَّهُ إِلَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وُجِّهَتِ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُوَجَّهُ تِلْكَ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ الدِّيَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسَامَةٌ ف 17).

تَحْلِيفُ الْمُتَّهَمِ فِي الأْمَانَاتِ

- يَحْلِفُ الْمُودَعُ وَالْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ وَكُلُّ مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تُهْمَةٌ ف 15).

وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ دَعْوَى الرَّدِّ وَدَعْوَى الضَّيَاعِ، إِذْ إِنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ فِي دَعْوَى الرَّدِّ يَدَّعِي يَقِينًا أَنَّ الْمُودَعَ كَاذِبٌ، فَيَحْلِفُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَّهَمًا أَمْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ لاَ عِلْمَ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ بِحَقِيقَةِ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ فَلاَ يَحْلِفُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الأْظْهَرُ أَنْ تُلْحَقَ الْيَمِينُ إِذَا قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَتَسْقُطَ إِذَا ضَعُفَتْ.

وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْمُودَعُ مَحَلَّ تُهْمَةٍ فَوُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ وَنَكَلَ عَنْهَا ضَمِنَ وَلاَ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا. وَصِفَةُ يَمِينِ الْمُتَّهَمِ أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْتُ، وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطْتُ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ.

الشَّكُّ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَّهَمُ

ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالأْصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ».

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (شَكٌّ ف 38).

رُجُوعُ الْمُتَّهَمِ فِي إِقْرَارِهِ

إِذَا أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بِحَقِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ الإْقْرَارُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزَّكَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 59 - 60).

صِحَّةُ إِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ

يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ عَامَّةً شُرُوطٌ مِنْهَا:

عَدَمُ التُّهْمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي إِقْرَارِهِ؛ لأِنَّ التُّهْمَةَ تُخِلُّ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الإْقْرَارِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).