في الإجراءات التي يتخذها قاضي التحقيق في حق المتهم وقد بينت المواد 146 - 153 ( أصبحت المواد 126 - 132 من القانون ) الإجراءات التي يتخذها قاضي التحقيق في حق المتهم فتنص على حق القاضي في إصدار أمر بحضور المتهم أو القبض عليه وإحضاره أو حبسه احتياطياً على حسب الأحوال - المادة 141 - ( أصبحت المادة 126 من القانون ) ويصدر القاضى أمره المتهم بالحضور أو أمره بالقبض عليه حسبما يراه من حالته وظروف الدعوى فإذا لم يحضر المتهم بعد تكليفه بالحضور دون عذر مقبول واذا خيف هروبه أو إذا لم يكن له محل إقامة معروف أو كانت الجريمة مشهودة جاز قاضي التحقيق أن يصدر أمراً بالقبض عليه لكي يتمكن من استكمال التحقيق بإستجواب المتهم ولو كانت الجريمة جنحة غير جائز فيها بالحبس الاحتياطي كما لو كان معاقباً عليها بالغرامة فقط أو بالحبس الذي لا يزيد على ثلاثة أشهر ولما كان المقصود من القبض والإحضار استجواب المتهم وجب على قاضي التحقيق أن يستجوبه فوراً أي بمجرد حضوره مقبوضاً عليه فإذا تعذر ذلك يحبس المتهم إلى حين استجوابه ولا يجوز أن تزيد مدة حبسه على أربع وعشرين ساعة فإذا مضت هذه المدة دون أن يستجوب وجب على مأمور السجن تسليمه إلى النيابة العمومية لتعمل على استجوابه في الحال بمعرفة قاضي التحقيق أو عند الإقتضاء بمعرفة القاضي الجزئي أو رئيس المحكمة أو أي قاض آخر يندبه رئيس المحكمة فإذا لم يتيسر الإستجواب بالرغم من ذلك يجب على النيابة أن تخلى سبيل المتهم وذلك حتى لا يسير محبوساً من غير أمر بالحبس وقد رؤى مراعاة لظروف الاستعجال أنه في حالة القبض على المتهم خارج دائرة المحكمة التي يجري التحقيق فيها يرسل إلى وكيل نيابة الجهة التي قبض عليه فيها ليتحقق من شخصيته وليحيطه علماً بالواقعة المنسوبة إليه ويدون أقواله في شأنها ويثبت ذلك كله في محضر يرسل إلى قاضي التحقيق مع المتهم فإذا أبدى المتهم اعتراضاً جدياً على نقله أو كانت حالته لا تسمح بالنقل يخطر قاضي التحقيق في الحال وعلى القاضي أن يصدر أمره فوراً بما يتبع .
يستهدف الأمر بالقبض والإحضار - في الغالب - استجواب المتهم، ويتوقف . تحديد وضع المتهم الإجرائي من حيث الإفراج عنه أو صدور أمر بحبسه احتياطياً على نتيجة استجوابه، ولذلك حرص المشرع على أن يستجوب المتهم في خلال وقت قصير من لحظة القبض عليه كي لا تسلب حريته وقتاً يزيد على ما تقتضيه مصلحة التحقيق. فقرر وجوب استجواب المتهم فور القبض عليه، فإذا تعذر ذلك وجب استجوابه في خلال أربع وعشرين ساعة على الأكثر تحسب من لحظة القبض عليه.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد : الثاني ، الصفحة : 33)
مدة القبض :
عندما يتم القبض بمعرفة إحدى سلطات التحقيق بالمعنى الضيق ينبغي أيضاً استجواب المتهم المقبوض عليه فوراً وإذا تعذر ذلك يودع في السجن إلى حين استجوابه ويجب ألا تزيد مدة إيداعه على أربع وعشرين ساعة فإذا مضت وجب على مأمور السجن تسليمه إلى النيابة العامة (م 131) و عليها أن تستجوبه وبعد ذلك تخلي سبيله أو تأمر بحبسه احتياطياً في الأحوال التي يجوز فيها ذلك. ومن ثم لا يمكن أن تزيد المدة التي قد يظلها المتهم مقبوضاً عليه بغير أمر حبس إحتياطي وقبل استجوابه على أربع وعشرين ساعة إذا كان القبض بمعرفة سلطة التحقيق (م 131) وثماني وأربعين ساعة إذا كان بمعرفة سلطة الاستدلال أربع وعشرين ساعة منها لإرساله إلى النيابة ثم أربع وعشرين ساعة أخرى لاستجوابه بمعرفة سلطة التحقيق المختصة (م 16).
ضمانات المقبوض عليه:
اتساقاً مع نصوص الدستور التي وضعت المبادئ العامة الكفيلة بحفظ حقوق الإنسان وكرامته وضع المشرع في قانون الإجراءات الجنائية بعض النصوص التي تحفظ على المقبوض عليه إنسانيته وكرامته وهذه النصوص هي :
(1) لا يجوز القبض على إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً كما تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان ولا يجوز إيذائه بدنياً أو معنوياً (م 40).
(2) لا يجوز حبس أي إنسان إلا فى السجون المخصصة لذلك ولا يجوز لمأمور أي سجن قبول أي إنسان فيه إلا بمقتضى أمر موقع عليه من السلطة المختصة وألا يبقيه بعد المدة المحددة بهذا الأمر (م41).
(3) لكل من أعضاء النيابة العامة ورؤساء ووكلاء المحاكم الإبتدائية والاستئنافية زيارة السجون العامة والمركزية الموجودة فى دوائر اختصاصهم والتأكد من عدم وجود محبوس بصفة غير قانونية ولهم أن يطلعوا على دفاتر السجن وعلى أوامر القبض والحبس وأن يأخذوا صوراً منها وأن يتصلوا بأي محبوس ويسمعوا منه أي شكوى يريد أن يبديها لهم وعلى مدير وموظفي السجون أن يقدموا لهم كل مساعدة لحصولهم على المعلومات التي يطلبونها (م42).
(4) لكل مسجون الحق في أن يقدم في أي وقت لمأمور السجن شكوى كتابية أو شفهية ويطلب منه تبليغها للنيابة العامة وعلى المأمور قبولها وتبليغها في الحال بعد إثباتها في سجل يعد لذلك في السجن. ولكل ممن علم بوجود محبوس بصفة غير قانونية أو في محل غير مخصص للحبس أن يخطر أحد أعضاء النيابة العامة و عليه بمجرد علمه أن ينتقل فوراً إلى المحل الموجود به المحبوس وأن يقوم بإجراء التحقيق و أن يأمر بالإفراج عن المحبوس بصفة غير قانونية وعليه أن يحرر محضراً بذلك (م 43).
(5) يبلغ فوراً كل من يقبض عليه أو يحبس احتياطياً بأسباب القبض عليه أو حبسه ويكون له حق الإتصال بمن يرى إبلاغه بما وقع والاستعانة بمحام ويجب إعلانه على وجه السرعة بالتهم الموجهة و إليه (م 139 / 1) .(المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد : الثاني ، الصفحة : 142)
الأمر بالقبض والإحضار فيه تقييد وحجر لحريته المتهم ولعل هذا هو ما حدا بالمشرع إلى قصره على الأحوال التي يجوز فيها الحبس الاحتياطي كقاعدة عامة وإستثناء الأحوال الأربع المذكورة فقط في حالة القبض بمعرفة المحقق : ونظراً لطبيعة الأمر وتقييده لحرية المتهم فقد أوجب المشرع على المحقق أن يستوجب فوراً المتهم المقبوض عليه ، وإذا تعذر ذلك يودع في السجن لحين استجوابه ويجب ألا تزيد مدة إيداعه على أربع وعشرين ساعة . فإذا مضت هذه المدة وجب على مأمور السجن تسليمه إلى النيابة العامة . وعليها أن تطلب في الحال إلى قاضي التحقيق استجوابه إذا كان هو الذي يباشر التحقيق وعند الإقتضاء تطلب ذلك إلى القاضي الجزئي أو رئيس المحكمة أو قاضي آخر يعينه رئيس المحكمة وإلا أمرت بإخلاء سبيله (م 131).(الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء : الأول، الصفحة : 498)
إلزام المحقق باستجواب المتهم المقبوض عليه :
طبقاً للمادة 131 من قانون الإجراءات الجنائية فإنه إذا قبض على المتهم يلتزم المحقق باستجوابه فوراً، وإذا تعذر ذلك يودع في السجن لحين استجوابه. ويجب ألا تزيد مدة إيداعه على أربع وعشرين ساعة، فإذا مضت هذه المدة وجب على مأمور السجن تسليمه للنيابة العامة، وعلينا - إذا كان التحقيق يتولاه قاضي التحقيق - أن تطلب منه في الحال استجواب المتهم، وعند الاقتضاء تطلب ذلك من القاضي الجزئي أو رئيس المحكمة أو أي قاض آخر يعينه رئيس المحكمة، وإلا أمرت بإخلاء سبيله (المادة 131 إجراءات). ويسري ذلك على النيابة العامة إذا كانت هي التي تتولى التحقيق. وفي ضوء استجواب المتهم تأمر إما بالإفراج عنه أو بحبسه احتياطياً في الأحوال التي مرت فيها الحبس. فإذا لم يستجوب المحقق المتهم فإنه يتعين إطلاق سراحه فوراً وإلا كان قبضه أو حبسه باطلاً لعدم مراعاة إجراءً جوهري هو الإستجواب.
وقد بينا أنه إذا كان مأمور الضبط القضائي هو الذي قبض على المتهم من تلقاء نفسه طبقاً للمادة 34 إجراءات، فإنه يرسله في مدى أربع وعشرين ساعة إلى النيابة العامة، وعليها أن تستجوبه في ظرف أربع وعشرين ساعة ثم تأمر بالقبض عليه تمهيداً لحبسه إحتياطياً أو بإطلاق سراحه (المادة 36 / 2 إجراءات).
وقد أكد الدستور المعدل لسنة 2014 على هذا الإلزام، إذ نص في الفترة الثانية من المادة 54 منه على وجوب أن يقدم من تقيد حريته إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته. والجزاء على الإخلال بذلك هو بطلان استمرار الإجراء المقيد للحرية لأنه يفقد سنده القانوني.(الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب : الأول، الصفحة : 997)
تعريف الاستجواب :
الاستجواب هو مناقشة المتهم تفصيلاً في الأدلة والشبهات القائمة ضده، ومطالبته بالرد عليها: إما بإنكارها وإثبات فسادها، وإما بالتسليم بها، وما يستتبعه ذلك من اعتراف بالجريمة.
ويفترض الاستجواب على هذا النحو المناقشة التفصيلية والأسئلة الدقيقة، وتكشف ما بين إجابات المتهم من تناقض، وذلك بغية استخلاص الصحيح من هذه الإجابات وطرح الفاسد منها. ويستهدف المحقق بالاستجواب استظهار الحقيقة من وجهة نظر المتهم، أي تفسيره للأدلة والشبهات القائمة ضده : وقد يستهدف المحقق بذلك الحصول على اعترافه بالجريمة، أو إتاحة فرصة الدفاع له كي يدحض هذه الأدلة والشبهات .
ويختلف الاستجواب بذلك عن السؤال، إذ الأخير يعني مجرد استیضاح المتهم أمر جريمته، والاستماع إلى إجابته، ومطالبته بجلاء الغموض في أقواله، ولا يتضمن ذلك مناقشة تفصيلية أو مواجهة بأدلة الاتهام.
تعريف لمواجهة : المواجهة هي الجمع بين متهم وآخر، أو بين المتهم وشاهد لكي يدلي كل منهما بأقواله في مواجهة الآخر: فإن كان بينها تناقض طولب كل منهما بتفسيره. ويستهدف المحقق بالمواجهة أن يستخلص من مجموع الأقوال التي تصدر عمن يواجه بينهم القدر الذي يرجح صحته، ويهدر ما عداه وبين الاستجواب والمواجهة صلة وثيقة، فيغلب أن يعقب الاستجواب المواجهة التي تكون الوسيلة إلى تحري صحة أقوال المتهم. فهو يدلي بأقواله أثناء استجوابه، فيتبين للمحقق الاختلاف أو التناقض بينها وبين أقوال شاهد إثبات أو متهم آخر، فيريد المحقق أن يعرف جانب الصواب في أقوال المتهم مستعيناً بأقوال المتهم الآخر أو الشاهد، فيواجه بينهما : فقد يرجع المتهم عن بعض أقواله، وقد يرجع المتهم الآخر أو الشاهد عن بعض أقواله، فيحتجز المحقق ما يقدر صحته في أقوال من واجه بينهم. والمواجهة إجراء خطير، فقد يترتب عليها ارتباك المتهم واضطرابه. وقد يشعر بالرهبة أو الخجل ممن يواجهة المحقق به، فيتورط في أقوال لم تكن تصدر عنه بغير هذه المواجهة. ولخطورة المواجهة فقد أحاطها الشارع بذات الضمانات التي أحاط الاستجواب بها.
ويربط الشارع في هذا النص بين القبض على المتهم واستجوابه، فيقرر أن غرض القبض هو الاستجواب، ومن ثم يكون استجواب المتهم وجوبياً في حالة القبض عليه: فيلتزم قاضي التحقيق باستجواب المتهم فور القبض عليه، فإذا تعذر ذلك يودع في السجن، ولكن لا يجوز بحال ما أن يبقى في السجن مدة تزيد على أربع وعشرين ساعة. فعلى قاضي التحقيق أن يستجوبه خلال هذه المدة، ويستتبع الاستجواب أحد أمرين : إما إخلاء سبيل المتهم، وإما إصدار الأمر بحبسه احتياطياً. فإذا مضت هذه المدة دون أن يستجوب قاضي التحقيق المتهم، فقد أوجب الشارع على مأمور السجن إخراج المتهم منه وتسليمه إلى النيابة العامة، ويجب عليها أن تطلب في الحال من قاضي التحقيق استجوابه، فإن لم يوجد فالقاضي الجزئي أو رئيس المحكمة أو أي قاض يعينه رئيس المحكمة، فإن لم يوجد وجب عليها إخلاء سبيل المتهم فوراً. ويقرر هذا النص ضماناً هاماً للحريات الفردية، إذ يحظر القبض التعسفي على الأفراد، أي يحظر القبض الذي تطول مدته دون سند من القانون : فالمقبوض عليه يجب أن يتحدد مصيره في خلال أربع وعشرين ساعة، فإما أن يطلق سراحه، وإما أن يصدر ضده الأمر بالحبس الاحتياطي، والاستجواب هو الوسيلة إلى تقرير هذا المصير.
ضمانات الاستجواب: لما كان الاستجواب إجراء خطيرة، فقد أحاطه الشارع بالعديد من الضمانات: فيتعين أن تجريه السلطة المختصة بالتحقيق، ويتعين دعوة محامي المتهم للحضور أثناء إجراء الاستجواب، ويتعين إخطار المتهم بالشبهات القائمة ضده، ويتعين كفالة حرية كاملة للمتهم أثناء استجوابه.
لا يجوز أن يجري الاستجواب غير السلطة المختصة بالتحقيق: لم يجز الشارع إجراء الاستجواب إلا لسلطة مختصة بالتحقيق، أي قاضي التحقيق أو عضو النيابة العامة، فاستبعد أن يكون موضوعاً لندب مأمور الضبط القضائي لإجرائه المادة 70 من قانون الإجراءات الجنائية ويعلل ذلك بأن خطورة الاستجواب واحتمال أن يفضي إلى «اعتراف» قد تكون له أهمية حاسمة في الدعوى يقتضيان ألا تقوم به غير سلطة تتوافر فيها الثقة في أن تهيئ للمتهم أثناء استجوابه الضمانات التي قررها له القانون.
ويرد على هذا الأصل استثناء :
فقد أجاز الشارع لمأمور الضبط القضائي أن يجري الإستجواب إذا كان مندوباً لعمل من أعمال التحقيق، وذلك في الأحوال التي يخشى فيها من فوات الوقت متى كانت متصلاً بالعمل المندوب له ولازماً في كشف الحقيقة» (المادة 71 من قانون الإجراءات الجنائية، الفقرة الثانية).
كفالة الحرية للمتهم أثناء استجوابه : يتعين لصحة الاستجواب أن تكفل للمتهم أثناء إجرائه حرية كاملة، فالفرض أن ما يقوله أثناء استجوابه هو تعبير عن إرادة حرة، وعلة الاستجواب - كما قدمنا - هي معرفة الحقيقة من وجهة نظر المتهم، وإن أبتعدت عن الحقيقة الموضوعية، ذلك أن مصلحة التحقيق تقتضي أن تعرف وجهة نظر المتهم على علاتها، ومن ثم تعين أن يكون للمتهم أن يقول ما يريد قوله، وعلى النحو الذي يريده. ويترتب على ذلك أن أي تأثير على إرادة المتهم أثناء استجوابه يفوت غرض الاستجواب، ويحرم التحقيق من مصدر للمعلومات قد يكون هاماً. وبالإضافة إلى ذلك، فلا ضرر في أن يسئ المتهم استعمال حريته، فيبتعد بأقواله عن الحقيقة الموضوعية، فالفرض أن لدى المحقق الوسائل لرقابة صحة أقواله، وله السلطة - في النهاية - في تقدير قيمتها .
وفي ضوء هذه العلة لكفالة الحرية للمتهم أثناء استجوابه يتعين تقرير عدم مشروعية أية وسيلة من شأنها التأثير على إرادة المتهم»، ولا عبرة بطبيعة الوسيلة التي لها هذا الشأن، أو بدرجة تأثيرها على الإرادة ويترتب على استعمال مثل هذه الوسيلة بطلان الاستجواب. ولا يحول دون ترتيب البطلان رضاء المتهم باستعمال هذه الوسيلة، إذ ليس له أن ينزل عن صفته «كشخص إجرائي»، ويحيل نفسه إلى مجرد «موضوع إجرائي»، وليس له أن ينزل عن الحماية التي تقررها القواعد الأساسية في القانون.
فلا يجوز أن يستعمل الإكراه المادي إزاء المتهم، وأي قدر - ولو يسير جداً منه - يبطل الاستجواب.
ولا يجوز أن يستعمل الإكراه المعنوي إزاء المتهم، ونعني به تهدیده بشر يناله أو ينال شخص عزيز عليه ويعتبر إكراهاً معنوياً تحليف المتهم اليمين قبل استجوابه، إذ ينطوي ذلك على ضغط على إرادته ووضعه في الحرج بين أسلوب الدفاع الذي يرفضه والحنث في يمينه ولكن يتعين ليعيب الإكراه المعنوي الاستجواب أن يكون غير مشروع، ومعيار عدم مشروعيته أن يكون الأذى المهدد به غير مشروع، أما إذا كان تهديداً بنتيجة يقرها القانون وتعد أثراً قانونياً للإتهام، كتهديده بالحبس الإحتياطي أو تفتيش مسكنه إذا توافرت شروطهما فلا يقوم بذلك الإكراه المعنوي. ويأخذ «الوعد» حكم الإكراه المعنوي من حيث إفساده الاستجواب .
ويبطل الاستجواب كذلك خداع المحقق للمتهم، كما لو أطلعه على سند يعلم بتزويره وناقشه في بياناته، أو لفق له شهادة زور وواجهة بشاهدها.
ويبطل الاستجواب كذلك إذا تعمد المحقق إطالة مدته على نحو يرهق المتهم بحيث يصل به الإرهاق إلى الإنقاص من سيطرته على إرادته.
ويبطل الاستجواب إذا أجري أثناء تنويم المتهم مغناطيسياً، فالمتهم النائم يخضع لإيحاء منومه له بإجابات معينة، ومن ثم لا يمكن القول بأن هذه الإجابات هي تعبير عن إرادته الحرة.
ويبطل الاستجواب إذا حقن المتهم قبل استجوابه بعقار مخدر من شأنه إضعاف سيطرته على ما يريد الإفضاء به من معلومات مختزنة في ذاكرته، بحيث يفضي بما لم تكن إرادته الحرة تتجه إلى الإفضاء به لو كان في حالته العادية، ويسمى هذا العقار «بمصل الحقيقة»، وأهم أنواعه «البانتوتال» وعلة البطلان أن تمييز المتهم قد انحرف، فلم تعد إرادته معتبرة قانوناً، ثم إن سيطرتها قد ضعفت، فلم تعد حرة، فصارت من وجهة ثانية غير معتبرة كذلك، وبالإضافة إلى ذلك، فإن أثر هذا العقار هو أن يفضي المتهم بما يدور في دخيلة نفسه، وقد يكون ما يدور فيها هو أوهام تبتعد عن الحقيقة، ومن ثم لا ضمان في أن يكون ما يفضي به معبرة عن الحقيقة من وجهة نظره.
ويبطل الاستجواب كذلك إذا استعمل المحقق أثناء إجرائه «جهاز كشف الكذب» ليعرف عن طريقه ما إذا كانت إجابات المتهم صادقة أم كاذبة : فعلم المتهم أن هذا الجهاز يستعمل لرقابة صدق اجاباته يجعله في حالة من التوتر والاضطراب، فيقول ما لم تكن إرادته تتجه إلى قوله لو كان لا يخشى رقابة هذا الجهاز. وبالإضافة إلى ذلك، فإن النتائج التي يأتي بها استعمال هذا الجهاز قد لا تعني بالضرورة كذب المتهم، وإنما تكشف عن الإضطراب والقلق اللذين يعاني منهما بسبب توجيه الإتهام إليه وإتخاذ الإجراءات ضده، ويعني ذلك أنه لا ضمان لدقة النتائج التي يفضي إليها استعمال هذا الجهاز.(الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة / فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد : الأول ، الصفحة : 628)
وعندما يتم القبض بمعرفة إحدى سلطات التحقيق بالمعنى الضيق ينبغي أيضاً استجواب المتهم المقبوض عليه فوراً ، وإذا تعذر ذلك يودع السجن إلى حين استجوابه ، ويجب ألا تزيد مدة إيداعه على أربع وعشرين ساعة ، فإذا مضت، وجب على مأمور السجن تسليمه إلى النيابة العامة (م 131)، وعليها أن تستجوبه وبعد ذلك تخلى سبيله أو تأمر بيده احتياطياً في الأحوال التي يجوز فيها ذلك .
ومن ثم لا يمكن أن تزيد المدة التي قد يظلها المتهم مقبوضاً عليه بغير أمر حبس احتياطي . وقبل استجوابه . على أربع وعشرين ساعة إذا كان القبض بمعرفة سلطة التحقيق (م 131) وثماني وأربعين ساعة إذا كان بمعرفة سلطة الاستدلال أربع وعشرين ساعة منها لإرسالة إلى النيابة ، ثم أربع وعشرين ساعة أخرى لاستجوابه بمعرفة سلطة التحقيق المختصة (م36).
ويسري على القبض بمعرفة سلطة التحقيق كل ما يسري علي القبض بمعرفة سلطة الضبط القضائي من قواعد وضوابط :
فيلزم هنا أيضاً قيام دلائل كافية تبرر القبض ، وألا يكون إجراءً تعسفياً باطلاً ، كما يلزم أن يكون القبض في إحدى الأحوال المبينة قانوناً ، والتي ذكرناها آنفاً وإلا كان باطلاً .
وأن يستوفي القبض إجراءاته الشكلية كصدوره بالكتابة ، وكونه مؤرخاً ، وموقعاً عليه ، ومبيناً به اسم المتهم المقصود بالإجراء بياناً كافياً.
وغني عن التعريف أنه إذا بطل القبض لعدم مشروعيته أو لعيب في شكله بطل بالتالي كل دليل مترتب مباشرة عليه أياً كان نوعه، ولو كان مستمداً من مثل التلبس، أو الإعتراف أو ضبط الأشياء، وطبقاً لنفس الأوضاع التي بيناها آنفاً بالنسبة للقبض إذا وقع باطلاً بمعرفة أحد مأموري الضبط القضائي أو أحد رجال السلطة العامة دون أية مغايرة .(الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء : الأول، الصفحة : 64)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثالث عشر، الصفحة / 140
تَقْرِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّقْرِيرُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ قَرَّرَ، يُقَالُ قَرَّرَ الشَّيْءَ فِي الْمَكَانِ: ثَبَّتَهُ، وَقَرَّرَ الشَّيْءَ فِي مَحَلِّهِ: تَرَكَهُ قَارًّا، وَقَرَّرَ فُلاَنًا بِالذَّنْبِ: حَمَلَهُ عَلَى الاِعْتِرَافِ بِهِ، وَقَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ أَوِ الرَّأْيَ وَضَّحَهُ وَحَقَّقَهُ.
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ - كَمَا ذُكِرَ فِي أَقْسَامِ السُّنَّةِ: سُكُوتُ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم - عَنْ إنْكَارِ قَوْلٍ قِيلَ بَيْن يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَمِلَ بِهِ، أَوْ سُكُوتُهُ عَنْ إنْكَارِ فِعْلٍ حِينَ فُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْقْرَارُ:
2 - الإِْقْرَارُ لُغَةً: الإِْذْعَانُ لِلْحَقِّ وَالاِعْتِرَافُ بِهِ. يُقَالُ: أَقَرَّ بِالْحَقِّ أَيِ اعْتَرَفَ بِهِ.
وَاصْطِلاَحًا: إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ بِذَلِكَ قَدْ يَكُونُ أَثَرًا لِلتَّقْرِيرِ.
ب - السُّكُوتُ:
3 - السُّكُوتُ: تَرْكُ الْكَلاَمِ وَالسُّكُوتُ عَنِ الأَْمْرِ عَدَمُ الإِْنْكَارِ، وَالصِّلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّقْرِيرِ هِيَ أَنَّ السُّكُوتَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ قَدْ يَكُونُ تَقْرِيرًا وَقَدْ لاَ يَكُونُ.
وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: لاَ يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ، لَكِنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ اسْتُثْنِيَ بِهَا مَسَائِلُ عَدِيدَةٌ اعْتُبِرَ السُّكُوتُ فِيهَا تَقْرِيرًا وَمِنْ ذَلِكَ:
سُكُوتُ الْبِكْرِ عِنْدَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ.
وَقَبُولُ التَّهْنِئَةِ بِالْمَوْلُودِ وَالسُّكُوتُ عَلَى ذَلِكَ يُعْتَبَرُ إِقْرَارًا بِالنَّسَبِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: السُّكُوتُ بِمُجَرَّدِهِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِالنُّطْقِ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ لَهُ الْعِصْمَةُ، وَلِهَذَا كَانَ تَقْرِيرُهُ صلي الله عليه وسلم مِنْ شَرْعِهِ، وَكَانَ الإِْجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ حُجَّةً عِنْدَ كَثِيرِينَ. أَمَّا غَيْرُ الْمَعْصُومِ فَالأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ نُطْقِهِ إِلاَّ إِذَا قَامَتْ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ.
ج - الإِْجَازَةُ:
4 - مِنْ مَعَانِي الإِْجَازَةِ: الإِْنْفَاذُ، يُقَالُ: أَجَازَ الشَّيْءَ إِذَا أَنْفَذَهُ وَجَوَّزَ لَهُ مَا صَنَعَ وَأَجَازَ لَهُ: أَيْ سَوَّغَ لَهُ ذَلِكَ وَأَجَزْتُ الْعَقْدَ: جَعَلْتُهُ جَائِزًا نَافِذًا وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى تَكُونُ كَالتَّقْرِيرِ لِلأَْمْرِ الَّذِي حَدَثَ، وَمِنْ ذَلِكَ إِجَازَةُ الْمَالِكِ لِتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
(الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ ):
أَوَّلاً - التَّقْرِيرُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
5 - ذَكَرَ الأُْصُولِيُّونَ التَّقْرِيرَ بِاعْتِبَارِهِ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ السُّنَّةِ، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَسْكُتَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم عَنْ إِنْكَارِ قَوْلٍ قِيلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ أَوْ سَكَتَ عَنْ إِنْكَارِ فِعْلٍ فُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ فِي عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ. وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا وَأَضَافَهُ إِلَى عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم وَكَانَ مِمَّا لاَ يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَيْهِ.
6 - وَالتَّقْرِيرُ حُجَّةٌ وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ، لَكِنْ ذَلِكَ لاَ بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَعَ قُدْرَةِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم عَلَى الإِْنْكَارِ، وَكَوْنِ الْمُقَرَّرِ مُنْقَادًا لِلشَّرْعِ، وَكَوْنِ الأَْمْرِ الْمُقَرَّرِ ثَابِتًا لَمْ يَسْبِقِ النَّهْيُ عَنْهُ.
لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ التَّقْرِيرَ لاَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ لأَِنَّ السُّكُوتَ وَعَدَمَ الإِْنْكَارِ يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم سَكَتَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ التَّحْرِيمُ فَلاَ يَكُونُ الْفِعْلُ إِذْ ذَاكَ حَرَامًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَكَتَ عَنْهُ لأَِنَّ الإِْنْكَارَ لَمْ يَنْجَحْ فِيهِ وَعَلِمَ أَنَّ إِنْكَارَهُ ثَانِيًا لاَ يُفِيدُ فَلَمْ يُعَاوِدْهُ، وَبِذَلِكَ لاَ يَصْلُحُ التَّقْرِيرُ دَلِيلاً عَلَى الْجَوَازِ وَالنَّسْخِ.
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
ثَانِيًا - التَّقْرِيرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
7 - يَأْتِي التَّقْرِيرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعَانٍ ثَلاَثَةٍ:
الأَْوَّلُ: بِمَعْنَى تَثْبِيتِ حَقِّ الْمُقَرَّرِ فِي شَيْءٍ وَتَأْكِيدِهِ:
أَوْرَدَ الْحَنَفِيَّةُ التَّقْرِيرَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي مَسْأَلَةِ طَلَبِ الشُّفْعَةِ، إِذْ أَنَّهُمْ يَقْسِمُونَ طَلَبَ الشُّفْعَةِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
طَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ، وَطَلَبُ التَّقْرِيرِ، وَطَلَبُ الْخُصُومَةِ وَالْمِلْكِ، فَطَلَبُ الْمُوَاثَبَةِ هُوَ طَلَبُ الشُّفْعَةِ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ بِهَا، لِبَيَانِ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْرِضٍ عَنِ الشُّفْعَةِ وَالإِْشْهَادُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ.
وَطَلَبُ التَّقْرِيرِ وَالإِْشْهَادِ هُوَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى طَلَبِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ إِ نْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ، أَوْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ قَدْ سَلَّمَهُ الْمَبِيعَ أَوْ عِنْدَ الْعَقَارِ.
فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَقَرَّتْ شُفْعَتُهُ. وَهَذَا الطَّلَبُ يُسَمَّى طَلَبَ التَّقْرِيرِ أَوْ طَلَبَ الإِْشْهَادِ؛ لأَِنَّهُ بِذَلِكَ قَرَّرَ حَقَّهُ وَأَكَّدَهُ.
وَالشَّفِيعُ إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ التَّقْرِيرِ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الإِْشْهَادُ عِنْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ. أَمَّا إِذَا اسْتَطَاعَ عِنْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ الإِْشْهَادَ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي أَوِ الْعَقَارِ فَذَلِكَ يَكْفِيهِ وَيَقُومُ مَقَامَ الطَّلَبَيْنِ، وَالإِْشْهَادُ إِنَّمَا هُوَ لإِِثْبَاتِ الْحَقِّ عِنْدَ التَّجَاحُدِ.
هَذَا وَبَقِيَّةُ الْمَذَاهِبِ تَذْكُرُ الإِْشْهَادَ دُونَ لَفْظِ التَّقْرِيرِ، وَفِي اعْتِبَارِ الإِْشْهَادِ شَرْطًا لاِسْتِقْرَارِ الشُّفْعَةِ أَوْ غَيْرَ شَرْطٍ. يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِشْهَادٌ، وَشُفْعَةٌ) .
الثَّانِي: بِمَعْنَى اسْتِمْرَارِ الأَْمْرِ الْمَوْجُودِ وَإِبْقَائِهِ عَلَى حَالِهِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا يَأْتِي:
أ - فِي الشَّرِكَةِ:
8 - إِذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالتَّرِكَةِ دَيْنٌ وَلاَ دِيَةٌ فَلِلْوَارِثِ الرَّشِيدِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَتَقْرِيرِ الشَّرِكَةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ تَقْرِيرُ الشَّرِكَةِ إِلاَّ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ. (ر: شَرِكَةٌ)
ب - فِي الْقِرَاضِ:
9 - إِذَا مَاتَ الْمَالِكُ وَأَرَادَ الْوَارِثُ الاِسْتِمْرَارَ عَلَى الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ نَاضًّا فَلَهُمَا ذَلِكَ بِأَنْ يَسْتَأْنِفَا عَقْدًا بِشَرْطِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّرْكِ وَالتَّقْرِيرِ بِأَنْ يَقُولَ الْوَارِثُ: تَرَكْتُكَ أَوْ قَرَّرْتُكَ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا نَعَمْ لِفَهْمِ الْمَعْنَى.
وَإِذَا مَاتَ عَامِلُ الْمُضَارَبَةِ وَأَرَادَ الْمَالِكُ تَقْرِيرَ وَارِثِ الْعَامِلِ مَكَانَهُ فَتَقْرِيرُهُ مُضَارَبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ عَلَى نَقْدٍ مَضْرُوبٍ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُضَارَبَةٍ (قِرَاضٌ).
ج - فِي الْقَضَاءِ:
10 - الأَْصْلُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمٍ سَابِقٍ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا. بَلْ كَانَ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. لَكِنْ هَلْ تَقْرِيرُ الْقَاضِي مَا رُفِعَ إِلَيْهِ يُعْتَبَرُ حُكْمًا لاَ يَجُوزُ نَقْضُهُ؟
عَقَدَ ابْنُ فَرْحُونَ فِي تَبْصِرَتِهِ فَصْلاً بِعِنْوَانِ تَقْرِيرُ الْحَاكِمِ مَا رُفِعَ إِلَيْهِ. قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ (يَعْنِي الْمَالِكِيَّةَ) هَلْ يَكُونُ تَقْرِيرُ الْحَاكِمِ عَلَى الْوَاقِعَةِ حُكْمًا بِالْوَاقِعِ فِيهَا أَمْ لاَ؟ كَمَا إِذَا زَوَّجَتِ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا وَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى قَاضٍ حَنَفِيٍّ فَأَقَرَّهُ وَأَجَازَهُ ثُمَّ عُزِلَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَسْخُهُ وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ كَالْحُكْمِ فَلاَ يَعْتَرِضُهُ قَاضٍ آخَرُ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلِغَيْرِهِ فَسْخُهُ، وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا لَوْ رُفِعَ لَهُ فَقَالَ: لاَ أُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسْخِهِ فَهَذِهِ فَتْوَى وَلِغَيْرِهِ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ بِمَا يَرَاهُ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي: (قَضَاءٌ).
الثَّالِثُ - التَّقْرِيرُ بِمَعْنَى طَلَبِ الإِْقْرَارِ مِنَ الْمُتَّهَمِ وَحَمْلُهُ عَلَى الاِعْتِرَافِ
11 - لِلْقَاضِي تَقْرِيرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَطْلُبَ الْقَاضِي مِنْهُ الْجَوَابَ إِمَّا بِالإِْقْرَارِ أَوْ بِالإِْنْكَارِ.
وَإِقْرَارُ الْمُكْرَهِ لاَ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ. لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ جَعَلُوا مِنْ بَابِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ مُرَاعَاةَ شَوَاهِدِ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمُتَّهَمِ وَقُوَّةَ التُّهْمَةِ فَأَجَازُوا التَّوَصُّلَ إِلَى الإِْقْرَارِ بِالْحَقِّ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ اسْتِنَادًا إِلَى قوله تعالي : ( وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ) وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله تعالي عنه لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم هُوَ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فِي أَثَرِ الْمَرْأَةِ الَّتِي حَمَلَتْ خِطَابَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَفِي الْكِتَابِ إِخْبَارٌ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم مِنَ الْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ، فَأَدْرَكَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ الْمَرْأَةَ وَاسْتَنْزَلاَهَا وَالْتَمَسَا فِي رَحْلِهَا الْكِتَابَ فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ رضي الله تعالي عنه : أَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم وَلاَ كَذَبْنَا، وَلْتُخْرِجِنَّ لَنَا هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنَّكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ مِنْهُ اسْتَخْرَجَتِ الْكِتَابَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا».
لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِلْقَاضِي أَوْ لِوَالِي الْمَظَالِمِ؟
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي وَلِلْوَالِي ضَرْبُ الْمُتَّهَمِ ضَرْبَ تَقْرِيرٍ لأَِنَّ الْقَاضِيَ نَائِبٌ عَنِ الإِْمَامِ فِي تَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ يَكُونُ ذَلِكَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ وَلاَ يَكُونُ لِلْقَاضِي، وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسْبَابِهَا وَتَحَقُّقِهَا.
12 - قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الدَّعَاوَى قِسْمَانِ: دَعْوَى تُهْمَةٍ وَدَعْوَى غَيْرِ تُهْمَةٍ.
فَدَعْوَى التُّهْمَةِ أَنْ يَدَّعِيَ فِعْلَ مُحَرَّمٍ عَلَى الْمَطْلُوبِ يُوجِبُ عُقُوبَتَهُ مِثْلَ قَتْلٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُدْوَانِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فِي غَالِبِ الأَْحْوَالِ.
وَدَعْوَى غَيْرِ التُّهْمَةِ كَأَنْ يَدَّعِيَ عَقْدًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَكُلٌّ مِنَ الْقِسْمَيْنِ قَدْ يَكُونُ حَدًّا مَحْضًا كَالشُّرْبِ وَالزِّنَى، وَقَدْ يَكُونُ حَقًّا مَحْضًا لآِدَمِيٍّ كَالأَْمْوَالِ، وَقَدْ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِلأَْمْرَيْنِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ. فَهَذَا الْقِسْمُ (أَيْ دَعْوَى غَيْرِ التُّهْمَةِ) إِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي حُجَّةً شَرْعِيَّةً وَإِلاَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ».
13 - أَمَّا الْقِسْمُ الأَْوَّلُ مِنَ الدَّعَاوَى: وَهُوَ دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأَْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ فَهَذَا يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ. فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهَمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الْبُرَآءِ.
قَالَ مَالِكٌ وَأَشْهَبُ رحمها الله: لاَ أَدَبَ عَلَى الْمُدَّعِي إِلاَّ أَنْ يَقْصِدَ أَذِيَّةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَيْبَهُ وَشَتْمَهُ فَيُؤَدَّبُ. وَقَالَ أَصْبَغُ: يُؤَدَّبُ قَصَدَ أَذِيَّتَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ.
14 - (الْقِسْمُ الثَّانِي): أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإِْسْلاَمِ. وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأَْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي. هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ مَنْصُوصُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ وَمُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ وَذَكَرَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ: «قَدْ حَبَسَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ. ثُمَّ الْحَاكِمُ قَدْ يَكُونُ مَشْغُولاً عَنْ تَعْجِيلِ الْفَصْلِ وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ حُكُومَاتٌ سَابِقَةٌ فَيَكُونُ الْمَطْلُوبُ مَحْبُوسًا مُعَوَّقًا مِنْ حِينِ يُطْلَبُ إِلَى أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ وَهَذَا حَبْسٌ بِدُونِ التُّهْمَةِ فَفِي التُّهْمَةِ أَوْلَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي أَدَبِ الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
15 - (الْقِسْمُ الثَّالِثُ): أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا «أَمَرَ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ».
قَالَ شَيْخُنَا: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ؟ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي أَوِ الْقَاضِي هَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَاضِي مِصْرَ فَإِنَّهُ قَالَ:
يُمْتَحَنُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَيُضْرَبُ بِالسَّوْطِ مُجَرَّدًا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ حَكَاهُ الْقَاضِيَانِ (أَبُو يَعْلَى وَالْمَاوَرْدِيُّ) وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ إِثْبَاتِ أَسْبَابِهَا وَتَحَقُّقِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لاَ يُضْرَبُ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ وَكَثِيرٍ مِنَ الطَّوَائِفِ الثَّلاَثَةِ بَلْ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ لَكِنَّ حَبْسَ الْمُتَّهَمِ عِنْدَهُمْ أَبْلَغُ مِنْ حَبْسِ الْمَجْهُولِ.
ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَقَالَ مَالِكٌ: لاَ يُحْبَسُ إِلَى الْمَوْتِ.
وَاَلَّذِينَ جَعَلُوا عُقُوبَتَهُ لِلْوَالِي دُونَ الْقَاضِي قَالُوا: وِلاَيَةُ أَمِيرِ الْحَرْبِ مُعْتَمَدُهَا الْمَنْعُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ وَقَمْعُ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ وَذَلِكَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِالْعُقُوبَةِ لِلْمُتَّهَمِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالإِْجْرَامِ بِخِلاَفِ وِلاَيَةِ الْحُكْمِ فَإِنَّ مَقْصُودَهَا إِيصَالُ الْحُقُوقِ إِلَى أَرْبَابِهَا قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ كُلَّ وَلِيِّ أَمْرٍ يَفْعَلُ مَا فُوِّضَ إِلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ وَلِيَّ الصَّدَقَاتِ يَمْلِكُ مِنَ الْقَبْضِ وَالصَّرْفِ مَا لاَ يَمْلِكُهُ وَالِي الْخَرَاجِ وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ وَالِي الْحَرْبِ وَوَالِي الْحُكْمِ يَفْعَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا اقْتَضَتْهُ وِلاَيَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ مَعَ رِعَايَةِ الْعَدْلِ وَالتَّقَيُّدِ بِالشَّرِيعَةِ.ش
