وقد بينت من المواد 143 - 145 ( أصبحت المواد 123 - 120 من القانون وحذفت المادة 145 من المشروع لأن حكمها وارد في المادة 144 من القانون ) أحكام الإستجواب والمواجهة والأمر الجدير بالملاحظة فيه هو انه يجب على القاضي اذا رأى إستجواب المتهم أو مواجهته أن يكون ذلك بحضور المحامي عنه إذا كانت الواقعة جناية فإذا لم يكن له مدافع يعين له مدافع من بين المحامين المقررين في الجدول إذا طلب ذلك ويكون هذا التعيين بمعرفة رئيس المحكمة على أنه في حالة الإستعجال يجوز إستجواب المتهم أو إجراء المواجهات بدون حضور محام كما لوكان الشاهد المراد مواجهة المتهم به مشرفاً على الموت او اذا كانت الآثار على وشك الزوال أو كانت الجريمة مشهودة أو كان القاضي بعيد عن مقر المحكمة - المادة 144 - ( أصبحت المادة 121 من القانون ) أما المادة 145 ( حذفت وأدمج حكمها في المادة 144 من القانون ) فتنص على حق المتهم الطبيعي في الإتصال بالمدافع عنه بدون حضور أحد.
تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016 أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونايتد للإصدارات القانونية
مادة 222 – يجب السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الإستجواب أو المواجهة ما لم يقرر المحقق غير ذلك وفي جميع الأحوال لا يجوز الفصل بين المتهم ومحاميه الحاضر معه أثناء التحقيق .
دفع محامى المتهم ببطلان التحقيق و ما تلاه من إجراءات إستناداً إلى عدم تمكين النيابة له قبيل التصرف فى التحقيق من الإطلاع على ملف الدعوى و عدم السماح له بالإتصال بالمتهم . هذا الدفع لا محل له إذ أن القانون لا يرتب البطلان إلا على عدم السماح بغير مقتض لمحامى المتهم بالإطلاع على التحقيق فى اليوم السابق على إستجواب المتهم أو مواجهته بغيره أو بالإطلاع على التحقيق أو الإجراءات التى أجريت فى غيبته .
(الطعن رقم 36 لسنة 26 ق - جلسة 1956/03/15 س 7 ع 1 ص 361 ق 107)
تتوقف فاعلية حضور المحامي مع المتهم أثناء إستجوابه على إطلاعه على محضر التحقيق قبل هذا الاستجواب، لذلك نصت المادة محل التعليق على أنه يجب السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الإستجواب أو المواجهة ما لم يقرر المحقق غير ذلك. ولا يوجد تلازم بين السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق ودعوته لحضور الإستجواب قبل إجرائه، لأن هذه الدعوة غير واجبة إلا في الجنايات وحدها دون باقي الجرائم وفي غير حالتي التلبس والإستعجال، وقد أجاز القانون للمحقق ألا يسمح للمحامي بالإطلاع على التحقيق. ويتعين على المحقق أن يسمح بإطلاع المحامي على ملف التحقيق برمته غير منقوص، متضمناً كافة الإجراءات التي بوشرت، ولو كانت قد تمت في غيبة المتهم. والإطلاع يعني تمكين المحامي من معرفة كل ما في ملف الدعوى، ولذلك فانه ينطوي حتما على الترخيص له بالنسخ أو التصوير. فلا يجوز مطلقاً أن يحال بين المحامي وبين ملف الدعوى، وإلا كان للنيابة كخصم في الدعوى وضع متميز على المتهم، وهو ما لا يجوز، وإذا كانت النيابة العامة تباشر وظيفة قضاء التحقيق، فان تصريحها بالإطلاع يصدر منها في حدود هذه الوظيفة، لا بوصفها سلطة اتهام، مما يجب معه أن يكون متسماً بالحياد والموضوعية وإحترام حقوق الدفاع، وإذا باشر المحقق بعض الإجراءات بعد الإطلاع على المحضر المثبت قبل الإستجواب فيجب السماح له بذلك ما لم تكن هناك مبررات قوية تحول دون ذلك.
ويجب على المحقق مراعاة ما يلي : (1) إتباع الطرق التي يقتضيها حيال وظيفته. فلا يجوز له في سبيل الوصول إلى الحقيقة أن يعمد إلى خداع المتهم بالكذب أو استعمال الطرق الاحتيالية، لما يترتب على ذلك من تضليل المتهم على نحو يمس حريته في إبداء أقواله. (2) أن يحيط علماً بشخصية المتهم لأن فهم هذه الشخصية بكافة مقوماتها، فضلاً عن الإحاطة بماضيه الإجرامي، وهل هو مجرم مبتدأ أم مجرم عائد أو معتاد كل هذه المعرفة تفيد المحقق في كيفية إدارة الإستجواب. (3) يجب على المحقق أن يستحوذ على ثقة المتهم، مما يقتضي معاملته بأدب وإحترام حقوق الإنسانية وقد لوحظ أن المتهم المذنب عادة ما يتولد عنه شعور بعدم الثقة بالمحقق بخلاف المتهم البريء فإنه لا يظهر في بدء التحقيق عدم ثقته بالمحقق حتى إذا ما أحيط بالأدلة الموجه ضده فانه يتولاه الشعور بعدم الثقة به. (4) يجب على المحقق أن يسيطر على الموقف أثناء إستجواب المتهم فيقود ببراعة أسئلته ويسلك الطريق الذي يراه مؤدياً إلى الوصول إلى الحقيقة، فلا يترك نفسه أسيراً لمحاولة المتهم تشتيت اتجاه التحقيق في مسالك متشعبة لا علاقة لها بالتهمة الأصلية. (5) يجب ألا يبدأ المحقق في تناول موضوع التهمة مباشرة وإنما يمكن أن يتحدث معه أولاً في أشياء لا علاقة لها مباشرة بالتهمة، ولكنها تتناول موضوعات أو مسائل تفيد التحقيق، وحتى إذا ما بدأ في سؤال المتهم عما نسب إليه وجب أن تنحصر أسئلته حول الواقعة ونسبتها إليه وحول مدى توافر أركانها القانونية وظروف إرتكابها ويجب أن تكون الأسئلة بسيطة وواضحة ودقيقة، وألا يوجهها باللغة الفصحى إذا كان المتهم لا يعرفها بل يختار العبارات المألوفة له. (6) لا يجوز للمحقق أن يعد جميع الأسئلة قبل استجواب المتهم، فالأسئلة المجدية المفيدة للتحقيق هي التي تظهر من إجابات المتهم والمناسبات التي يدلي فيها المستجوب بأقواله، كما لا يجوز للمحقق أن يوجه أسئلة إيقاعية أو إيحائية للمتهم . (7) إذا لاحظ المحقق أن المتهم قد عمد إلى الكذب في البيانات التي يدلي بها فيجب ألا يشعره بذلك، بل من المستحسن أن يسايره رغم إقتناعه بكذبه، لأنه كلما ازداد إمعاناً في الكذب كان ذلك أقرب إلى إظهار الحقيقة. (8) يجب أن يتناول الاستجواب الأدلة القائمة قبل المتهم دليلاً فيناقشه في أي منها على حدة. (9) يجب أن يراعي المحقق عند توجيه الأسئلة فحص العناصر القانونية التهمة والأدلة القائمة ضد المتهم بشأنها بطريقة منظمة، فلا يتناول نقطة معينة إلا إذ انتهى من سابقها، فيجب أن يتجنب التداخل بي النقاط التي يتناولها الإستجواب، بأن يعود إلى النقطة التي انتهى منها دون مبرر طارئ. (10) وإذ ما جمع المحقق الأدلة الكافية واللازمة ضد المتهم يجب عليه توجيه التهمة التي تتحدد من هذا الإستجواب مفصلة واضحة وذلك حتى يستطيع المتهم أن يحدد مركزه وتكون له الفرصة في إبداء دفاعه. على أنه يجب أن يتحاشى بقدر الإمكان ذكر الاصطلاحات القانونية مثل " هل قتلت المجني عليه ؟" أو "هل سرقت هذا الشيء من فلان؟"، إكتفاء بذكر عبارات أخرى تعبر عن ماديات الجريمة مثل "هل طعنت المجني عليه عمداً بالسكين" أو "هل أخذت هذا الشيء من فلان بنية تملكه". وكل ذلك من أجل الحفاظ على شعور المتهم وحتى لا يفقد ثقته بالمحقق فيعمد إلى الإنكار التام. (11) يجب على المحقق أن يخلو مع المتهم عند إستجوابه، لأن هذه الخلوة تشجعه على الثقة به والإعتراف له، أما إستجواب المتهم أمام الغير فانه ينتج أثراً سيئاً في نفسيته ويشعره بأن الأسئلة الموجه إليه هي من أجل اتهامه لا من أجل تمكينه من الدفاع عن نفسه.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد : الثاني ، الصفحة : 21)
ضمانات الاستجواب: أولاً : دعوة محامي المتهم للحضور : حق الدفاع من الحقوق الأساسية التي كفل الدستور حمايتها بما نص عليه في المادة (67) من أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه وكان استجواب المتهم بجناية أو بجنحة معاقب عليها بالحبس الوجوبي، بالتحقيق الإبتدائي إجراء بالغ الأهمية إذ من خلاله يتم مناقشة المتهم مناقشة تفصيلية في التهمة المنسوبة إليه وأحوالها وظروفها ومجابهته بما قام عليه من الأدلة ومناقشته في أجوبته مناقشة يراد بها استخلاص الحقيقة ومواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود وقد يترتب على ذلك اعترافه بإرتكاب الجريمة وكان حضور المحامي مع المتهم عند اتخاذ هذه الإجراءات فيه تطمين للمتهم وصون لحرية الدفاع عن نفسه مما ينبغي معه أن تكفل له فيه كافة الضمانات المتعلقة بحق الدفاع عن نفسه.
ولذلك فقد أصدر السيد المستشار النائب العام الكتاب الدوري رقم 11 لسنة 2006 بشأن تقرير حق الدفاع تمشياً مع التعديل الذي أجري على نص المادة (124) من قانون الإجراءات الجنائية بالقانون رقم 145 لسنة 2006 وقد نص فيه على أن المشرع وسع من مجال إلتزام عضو النيابة المحقق بدعوة محامي المتهم للحضور قبل إستجواب المتهم أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود فجعل هذا الإلتزام شاملاً للجنح المعاقب عليها بالحبس وجوباً بعد أن كان مقصوراً على الجنايات فقط. ويشترط لإعمال إلتزام عضو النيابة المحقق بدعوة محامي المتهم للحضور قبل الاستجواب أو المواجهة أن يعلن المتهم أسمع محاميه بتقرير في قلم كتاب النيابة أو إلى مأمور السجن أو أن يخطر به المحقق أو أن يقوم محاميه بهذا الإعلان أو الإخطار. و أضاف المشرع إلتزاماً جديداً على عضو النيابة المحقق بأن يقوم من تلقاء نفسه بندب، محام الحضور مع المتهم عند الإستجواب والمواجهة إذا لم يكن للمتهم محام أو لم يحضر محاميه بعد دعوته. ويتعين على عضو النيابة المحقق أن يثبت في محضر التحقيق وقبل أستجواب المتهم أو مواجهته بغيره من المتهمين حضور محامي المتهم أو دعوته إياه للحضور إن وجد أو إثبات عدم وجود محام للمتهم بعد سؤال المتهم عنه ونذب محام الحضور معه. يكفي مجرد دعوة محامي المتهم للحضور ولا يلزم حضوره بالفعل بشرط أن تكون الدعوة في وقت مناسب يمكنه من الحضور، ولا يقوم عضو النيابة المحقق بندب محامي المتهم لحضور الاستجواب أو المواجهة إلا بعد مضي هذا الوقت. ولا يلزم عضو النيابة المحقق بتأجيل التحقيق إلى الموعد الذي يقترحه المحامي إذا رأى أن هذا التأجيل قد يضر بسير التحقيق وإنما يلزم بندب محام له. على عضو النيابة المحقق أن يبادر بإخطار نقابة المحامين الفرعية أو لجانها الفرعية - بكتاب موقع منه - بقراره بندب محام للحضور مع المتهم عند الإستجواب أو المواجهة والتأكد من تسليم الإخطار إلى المختص بالنقابة أو اللجنة الفرعية و إثبات ذلك بمحضر التحقيق. ويجوز لعضو النيابة أن يستجوب المتهم دون دعوة محاميه للحضور وقبل حضور المحامي المنتدب حتى لا يتأخر الاستجواب أو المواجهة عن الوقت الملائم الذي تقتضيه مصلحة التحقيق في حالتين : (1) في حالة التلبس. (2) في حالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة وتقدير السرعة والخوف متروك لعضو النيابة المحقق يباشره تحت رقابة الموضوع ومن العوامل المبره لاستجواب المتهم دون حضور محام إعتراف المتهم عند سؤاله عن التهمة عند حضوره لأول مرة في التحقيق. وللمحامي أن يثبت ما يعن له من دفوع أو طلبات أو ملاحظات ولا يسمح للمحامي بمقاطعة الشائد أثناء سؤاله و إنما يجوز له بعد الإنتهاء من سماع أقوال الشاهد أن يبدي ملاحظاته عليها وأن يوجه له ما يشاء من أسئلة، على أن يكون توجيهي للشاهد عن طريق عضو النيابة المحقق. ولعضو النيابة المحقق رفض توجيه أي سؤال ليس له علاقة بالدعوى أو يكون في صيغته مساساً بالغير فإذا أصر المحامي على توجيهه للشاهد فيثبت السؤال بالمحضر دون توجيهه إليه.
ثانياً : إطلاع المحامي على التحقيق قبل الإستجواب أو المواجهة: عملاً بنص المادة (125) من قانون الإجراءات الجنائية فإنه يجب السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الإستجواب أو المواجهة ما لم يقرر القاضي غير ذلك والسماح للمحامي بمقتضاه السماع له شخصياً أو لكاتبه المرخص له بالإطلاع ويجوز بداهة تمكين المحامي من الإطلاع إلا إذا إعترض المتهم أو أن يتنازل عن مدة اليوم التي حددتها المادة إنما يتبقى أن يثبت كل ذلك في المحضر ليكون حجة على الكافة ووجوب السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق قبل الإستجواب أو المواجهة كدعوته لحضورهما وجوبي في الجنايات دون الجنح. وقيل في ذلك أن لمحكمة الموضوع أن تراقب تقدير المحقق في ذلك، فإذا لم تقره عليه بطل الإستجواب وقد أراد الشارع ذلك بتقريره أنه في جميع الأحوال لا يجوز الفصل بين المتهم ومحامية الحاضر معه أثناء التحقيق أي أنه إذا قرر المحقق عدم إطلاع المحامى على التحقيق فإنه يتعين عليه مع ذلك دعوته إلى الحضور أثناء إجراء الإستجواب.
ثالثاً : قصر الاستجواب على السلطة التحقيق : لم يجز المشرع إجراء الإستجواب إلا لسلطة التحقيق وذلك خلافاً لإجراءات التحقيق الأخرى التي يجوز نائب مأمور الضبط القضائي لإجرائها، فيجوز لقاضي التحقيق أن يكلف أحد أعضاء النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي القيام بعمل معين أو أكثر من أعمال التحقيق عدا استجواب المتهم (م 70 / 1) كذلك إذا كانت النيابة هي التي تتولى التحقيق يجوز لها ندب أحد مأموري الضبط القضائي القيام بعمل من أعمال التحقيق عدا استجواب المتهم (م 199 ، 70 / 1) ويضعف من قوة هذا الضمان أن المشرع أجاز الخروج عليه حيث قرر المندوب التحقيق أن يستجوب المتهم في الأحوال التي يخشى فيها فوات الوقت متى كان متصلاً بالعمل المندوب له ولازماً فى كشف الحقيقة (م 70/ 2).
بطلان الإستجواب : يخضع للاستجواب من حيث صحته أو بطلانه للقواعد العامة في البطلان فيبطل الإستجواب إذا خولفت في إجرائه قاعدة جوهرية ويكون البطلان مطلقاً إذا كانت القاعدة الجوهرية التي خولفت تحمي مصلحة هامة، وفيما عدا ذلك يكون البطلان نسبياً وتطبيقاً لهذا المعيار فإنه إذا خولفت القواعد التي تحدد ولاية السلطة التي تجري الإستجواب كما لو ندب لإجرائه مأمور الضبط القضائي أو أجراه تلقائياً كان باطلاً مطلقاً . وإذا خضع المتهم أثناء استجوابه لعامل أثر على حرية إرادته كإكراه مادي أو معنوي أو خداع بطل الإستجواب كذلك بطلاناً مطلقاً ولكن إذا لم يدع محامي المتهم للحضور أو ثم يمكن من الإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الإستجواب أو لم يحط المتهم علماً بالتهمة المنسوبة إليه كان بطلان الإستجواب نسبياً . ويترتب على بطلان الاستجواب بطلان كل ما يترتب عليه من آثار وعلى ذلك يكون الأمر بالحبس الاحتياطي بناء عليه باطلاً بإعتبار أن الحبس الإحتياطي لا يجوز إلا بعد إستجواب صحيح من قبل سلطة التحقيق كذلك يبطل الإعتراف المترتب على الاستجواب. ويرى البعض أن بطلان الإستجواب أو إنعدامه يترتب عليه بطلان أمر الإحالة ولكن الدكتور مأمون سلامة يرى وبحق خلاف ذلك فأمر الإحالة غير مترتب على الإستجواب وإنما هو من أوامر التصرف في التحقيق، وما الاستجواب إلا إجراء من إجراءاته هذا فضلاً عن أن قواعد البطلان تقتضي بأنه لا يلحق البطلان إلا الإجراء الباطل وما ترتب عليه من إجراءات فلا يلحق البطلان الإجراءات السابقة التي تمت صحيحة.
التنازل الصريح أو الضمني : من المقرر أن القانون وإن كان قد حظر إستجواب المتهم إلا إذا قبل ذلك فإن هذه القاعدة قد وضعت لمصلحته فله أن يتنازل عنها إما بطلبه صراحة من المحكمة أن تستجوبه أو بعدم إعتراضه على إستجوابه وإجابته على الأسئلة التي توجهها المحكمة إليه فإذا ما أجاب المتهم بمحض إختياره على ما توجهه إليه المحكمة من الأسئلة دون أن يعترض المدافع فإن ذلك منه يدل على أن مصلحته لم تضار بالإستجواب وبالتالي فلا يجوز له أن يدعي البطلان في الإجراءات. وقيل في ذلك بأن للمتهم أن يتنازل عن الضمانات المقررة لمصلحته في الإستجواب ويطلب سؤاله فوراً دون إنتظار لدعوة محاميه ووضع ملف الدعوى تحت تصرفه للإطلاع عليه مادام يرى أن هناك فائدة تعود عليه من وراء ذلك بأن يكون على ثقة من استطاعته إثبات براءته فوراً بمجرد سماعه بالإتهام القائم ضده حتى يطلق سراحه في الحال خاصة وأنه قد يترتب أحياناً على التمسك بالشكليات إطالة الإجراءات ومد حبسه الإحتياطي مما يسبب له أضراراً كان يمكنه أن يتجنبها ببساطة ويلاحظ أنه ليس لغير المقر لمصلحته البطلان أن يتنازل عنه ويجب أن تتوافر لديه الإرادة المتعلقة بهذا الشأن على وجه لا يحتمل أي شك وهي لا تعتبر قائمة إلا بعد أن يعلم بوجود العيب ويظهر من الدلالة ما يؤكد رغبته في ذلك المسلك. وإذا كان هناك أكثر من شخص ممن له حق التمسك بذات البطن فإن التنازل يجب أن يصدر منهم جميعاً حتى يزول كل أثر يتعلق به بالنسبة للإجراء وفي حالة صدوره من بعضهم فإنه لا يسري في هذه الحالة إلا في حقهم وحدهم. وقد إختلاف الرأي حول حق المحامي في التنازل نيابة عن موكله فذهب إتجاه إلى أن الوكالة العامة تعطيه ذلك ولكن هناك من يرى أنه لا يجوز إلا بتوكيل خاص، ونحن مع أنصار الإتجاه الأول إذ أن المحامي أدرى بالنواحي القانونية وهو يعلم ما فيه صالح موكله.
إطلاع المحامي على التحقيق قبل الإستجواب : عملاً بنص المادة (125) من قانون الإجراءات الجنائية فإنه يجب السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الإستجواب أو المواجهة ما لم يقرر القاضي غير ذلك. وفي جميع الأحوال لا يجوز الفصل بين المتهم ومحاميه الحاضر معه أثناء التحقيق وعلى ذلك فإن قرار القاضي (أو المحقق) في شأن إطلاع المحامي على التحقيق في اليوم السابق على الاستجواب يقتضي أمرين تتطلبهما جدية الضمان المنصوص عليه في مطلع المادة. (أ) أن يعلم المتهم بموعد إجراء الإستجواب قبل حصوله بوقت مناسب للإتصال بمحاميه. (ب) ألا يصدر قرار منع المحامي من الإطلاع إلا في إطار قرار صادر بإجراء التحقيق في غيبة المتهم ضرورة ذلك لإظهاره الحقيقة طبقاً للمادة ( 77/ 2) وليس لمجرد الإستعجال (م 77/ 3) . ويلاحظ أنه يترتب البطلان على عدم السماح بغير مقتضى لمحامي المتهم بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على إستجواب المتهم أو مواجهته بغيره أو بالإطلاع على التحقيق أو الإجراءات التي أجريت في غيبته.(المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد : الثاني ، الصفحة: 90)
إذا كان المشرع قد أوجب دعوة المحامي عند الإستجواب، فمن الطبيعي أن يسمح له بالإطلاع على الأوراق قبل إجراء الإستجواب حتى يمكنه إبداء بعض ملاحظاته للمحقق، والمشرع ينص على وجوب السماح للمحام بالإطلاع على الأوراق في هذه الحالة ، في اليوم السابق على الإستجواب أو المواجهة، ولا يكفي في هذه الصدد أن يكون المتهم قد أطلع على الأوراق حتى يحرم المحامي من هذا الحق، فحق الإطلاع هنا مقرر للمحامى ترتيباً على حقه في حضور الإستجواب ووجوب دعوته لذلك، ويلاحظ هنا أيضاً عدم التقيد بهذه الضمانة بالنسبة لتحقيق جنايات أمن الدولة. يجب أن يكون الاستجواب قد بوشر في ظروف لا تأثير لها على إرادة المتهم وحريته في إبداء أقواله ودفاعه، فإذا توافر ظرف من الظروف التي تعدم إرادة المتهم أو تعيبها بحيث تكون أقواله لم تصدر عن إرادته الكاملة كان الإستجواب باطلاً ولا يمكن الإستناد إلى ما جاء فيه.(الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء : الأول، الصفحة 489)
حق المحامي في حضور التحقيق :
يتفرع عن مبدأ حضور الخصوم للتحقيق الإبتدائي السماح لوكلائهم مصاحبتهم في أثناء التحقيق، فحيث يسمح للموكل بحضور التحقيق يجب حتماً السماح له بالإستعانة بمحاميه. وهذا هو ما عبرت عنه الفقرة الثانية من المادة 125 إجراءات المضافة بالقانون رقم 37 لسنة 1972 ، والتي نصت على أنه في جميع الأحوال لا يجوز الفصل بين المتهم ومحاميه الحاضر معه أثناء التحقيق.
الإطلاع على التحقيق : ضماناً لفاعلية حضور الخصوم للتحقيق، يتعين تخويلهم حق الإطلاع عليه، ولا تبدو هذا الحق فائدة إلا قبل إستجواب المتهم أو عند إجراء التحقيق في غيبة الخصوم كما بينا من قبل. قبل استجواب المتهم : طبقاً للمادة 125 إجراءات يجب السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الإستجواب أو المواجهة ما لم يقرر المحقق غير ذلك. التحقيق في غيبة الخصوم: نصت المادة 77/ 1 و 2 إجراءات علىأنه عند مباشرة التحقيق في غيبة الخصوم، يبيح لهم المحقق بمجرد إنتهاء الضرورة الإطلاع على التحقيق، كما أن لهم في حالة الإستعجال الحق في الإطلاع على الأوراق المثبتة لإجراء التحقيق، وحرمانهم من هذا الحق ينطوي - كما بينا - علی إخلال بحق الدفاع، لأنه يحول التحقيق إلى مجرد وثيقة لصالح الإتهام ويحرم الدفاع من ترتیب خطته في الدفاع على ضوء نتائج التحقيق. وإذا كان قاضي التحقيق هو من يباشر التحقيق، فللنيابة العامة الاطلاع في أي وقت على الأوراق أنف على ما يجري في التحقيق، على ألا يترتب على ذلك تأخير السير فيه. وتأكيداً لحق الخصوم في الاطلاع على التحقيق، نصت المادة 84 إجراءات على أنه للمتهم وللمجنى عليه وللمدعي بالحقوق المدنية وللمسئول عنها أن يطلبوا على نفقتهم أثناء التحقيق صوراً من الأوراق أياً كان نوعها، إلا إذا كان التحقيق حاصلاً بغير حضورهم بناء على قرار صادر بذلك. ويلاحظ أنه وفقاً للمادة 77 / 1 إجراءات، فللمتهم ذاته بغير وساطة محاميه الاطلاع على أوراق التحقيق الذي تم في غيبته، وهو ما يعبر عن قاعدة عامة في هذا الخصوص أكدها تقرير لجنة حقوق الإنسان حول المبادئ المتعلقة بالحق في عدم الخضوع للقبض أو الحبس التعسفي، وقد تضمن حق الاطلاع للمتهم ومحاميه سواء بسواء، فحرمان المتهم أو محاميه في مباشرة حق الإطلاع يؤثر في حيدة المحقق ويلقي ظلالاً من الريبة على التحقيق، أما ما ورد في المادة 125 إجراءات بشأن السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق قبل يوم الإستجواب ، فذلك بمناسبة دعوة هذا المحامي وحده دون المتهم. ويدق الأمر إذا كان المتهم لا يعرف بصورة كافية اللغة التي تتم بها الإجراءات و التي حررت بها مدونات الملف الخاص بالتحقيق، ولا شك في أن إحترام حق الدفاع يتطلب ما ترجمة كافة المحاضر والأوراق بلغة يفهمها المتهم أو تمكينه من فهم ما جاء بما بواسطة مترجم، وقد قضت محكمة النقض المصرية أنه إذا كان المتهم قد تمسك بأنه لا تصح مساءلته على أساس تقارير في الدعوى مكتوبة باللغة الإنجليزية، ومع ذلك أدانته المحكمة إستناداً إلى هذه التقارير دون ترجمتها، فهذا عيب في الإجراءات يقتضي نقض حكمها.
السماح بالإطلاع على التحقيق : تتوقف فعالية حضور المحامي مع المتهم في أثناء استجوابه على اطلاعه على محضر التحقيق قبل هذا الإستجواب، ما لم يكن المحامي على علم بملف التحقيق بحكم اتصاله بالتحقيق من قبل. لذلك نصت المادة 125 إجراءات على أنه يجب السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الإستجواب أو المواجهة ما لم يقرر القاضي غير ذلك، ولا يجوز الإسراف في الحيلولة دون الاطلاع ضماناً لحقوق الدفاع وحياد المحقق، وحتى لا يتحول التحقيق إلى وسيلة لجمع أدلة الإثبات فقط، ويجب ألا يسيء المحقق إستعمال حقه في عدم إطلاع المحامي على التحقيق في اليوم السابق على الإستجواب للحيلولة دون تمكين المتهم من إبداء دفاعه على الوجه السليم وإلا فقد حيدته وبالتالي الثقة في إجراءاته، وبمجرد زوال المبرر لعدم إطلاع المحامي على التحقيق يجب السماح له بالاطلاع ولهذا الأخير أن يطلب إعادة إستجواب المتهم بعد هذا الإطلاع. فإذا كان القانون قد أباح أن يباشر المحقق بعض إجراءات التحقيق في غيبة الخصوم فقد سمح لهؤلاء بالإطلاع على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات، تعويضاً عن إجراء التحقيق في غيبتهم، إحتراماً لحقوق الدفاع. ويتعين على المحقق أن يسمح بإطلاع المحامي على ملف التحقيق كاملاً غیر منقوص متضمناً كافة الإجراءات التي بوشرت، سواء في مرحلة الإستدلالات أو التحقيق الإبتدائي، ولو كانت قد بوشرت في غيبة المتهم. والأصل أن يعرض الملف كاملاً على المحامي ما لم يثبت الأخير العكس، والإطلاع يعني تمكين المحامي من معرفة كل ما في ملف الدعوى، ولذلك فإنه ينطوي على الترخيص له بالنسخ أو التصوير لأنه من وسائل الإطلاع، ما لم ير المحقق غير ذلك لمصلحة التحقيق. ولا يجوز مطلقاً أن يحال بين المحامي وملف الدعوى. وإذا كانت النيابة العامة تباشر وظيفة قضاء التحقيق، فإن تصريحها بالإطلاع يصدر منها في حدود هذه الوظيفة لا بوصفها سلطة إتهام، مما يجب معه أن يكون متسماً بالحياد والموضوعية واحترام حقوق الدفاع، وإذا باشر المحقق بعض الإجراءات بعد إطلاع المحامي على ملف التحقيق وقبل إستجواب المتهم، فيجب تمكين المحامي من الاطلاع على الأوراق التي ضمت إلى ملف الدعوى ولو ترتب على ذلك تأخير موعد الإستجواب، ما لم تكن هناك مبررات قوية تحول دون ذلك. ويحق للمتهم نفسه أن يطلع على التحقيق ولو كان له محام، وذلك تطبيقاً لحق المتهم في الاطلاع طبقاً للمادة 77 / 2 إجراءات.(الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب : الأول، الصفحة : 838)
وعلة هذا النص - كما قدمنا - هي تمكين المحامي من العلم بإجراءات التحقيق التي اتخذت والأدلة التي استخلصت منها كي يستطيع أداء دوره الذي أناطه القانون به، ويقتصر إلتزام المحقق على مجرد تمكين المحامي من الإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الإستجواب أو المواجهة، أي وضع ملف التحقيق تحت تصرفه في ذلك الموعد، ويستوي بعد ذلك أن يطلع المحامي فعلاً على الملف أو ألا يطلع عليه، ويلتزم المحقق بتمكين المحامي من الإطلاع على التحقيق، ولو كان قد جرى في غيبة المتهم، ولكن الشارع احتاط للحالات التي يرى فيها المحقق ملاءمة عدم إطلاع المحامي على التحقيق، فأجاز له أن يقرر عدم اطلاعه عليه، ونرى أن لمحكمة الموضوع أن تراقب تقدير المحقق في ذلك، فإذا لم تقره عليه بطل الاستجواب. وقد أردف الشارع ذلك بتقريره أنه «في جميع الأحوال لا يجوز الفصل بين المتهم ومحاميه الحاضر معه أثناء التحقيق»، أي أنه إذا قرر المحقق عدم اطلاع المحامي على التحقيق، فإنه يتعين عليه مع ذلك دعوته إلى الحضور أثناء إجراء الاستجواب.(الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد : الأول ، الصفحة : 639)
أوجبت المادة 125 السماح للمحامي بالإطلاع على التحقق في اليوم السابق على الإستجواب أو المواجهة، والسماح للمحامي مقتضاه السماح له به شخصية أو لمن ينيبه عنه . ويجوز بداهة تمكين المحامي من الإطلاع قبل الإستجواب أو المواجهة بأكثر من يوم . وللمحامي أن يتنازل عنه إلا إذا إعترض المتهم، أو أن يتنازل عن مدة اليوم التي حددتها المادة إنما ينبغي أن يثبت كل ذلك في المحضر ليكون حجة على الكافة، ووجوب السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق قبل الإستجواب أو المواجهة كدعوته، لحضورهما ليس وجوبياً إلا في الجنايات، أما في الجنح فهو جوازي ويخضع للقاعدة العامة في حق الخصوم في الإطلاع على الأوراق إذا لم يتعارض في مرحلة التحقيق مع حسن سيره. وقد أجازت المادة 125 في عجزها للمحقق إلا يقرر إطلاع المحامي على الأوراق قبل الإستجواب أو المواجهة، ولو كان أيهما في جناية ويبدو من مناقشة هذه المادة في مجلس الشيوخ أن المنع لا يكون إلا عند الضرورة، وأن الضرورة لا تكون إلا عند تقرير سرية التحقيق فقط، مع أن السرية لا تحول دون وجوب تمكين محامي المتهم من حضور الإستجواب أو المواجهة كما ذكرنا . ذلك أن الحرمان من الإطلاع على التحقيق أمر شاذ قوبل عند تقريره بمعارضة شديدة لأنه يجعل الحضور أمراً صورياً .
آثار انتفاء الدعوى : ويترتب على عدم دعوة محامي المتهم في جناية إلى حضور الإستجواب أو المواجهة بطلانهما وما قد يبني عليهما من أدلة ويرى البعض أن البطلان هنا من النظام العام فيجوز التمسك به في أية حال كانت عليها الدعوى ، وللمحكمة أن تقضي به ولو من تلقاء نفسها ، ويستند هذا الرأي إلى المادة 13 من قانون فرنسي صادر في 18 ديسمبر سنة 1897، وكذلك إلى ما ورد بالمذكرة التفسيرية لقانوننا عن المادة 133 إجراءات وما بعدها من أن الأحكام المتعلقة بحرية الدفاع بصفة عامة ، وحضور محام من المتهم . في مواد الجنايات بصفة خاصة، مما يتعلق بالنظام العام . ولا نرى محلاً للأخذ به لأن هذين الضمانين مقرران لصالح المتهم وحده، ولأن قانوننا الإجرائي قد وضع أحكاماً للبطلان تخالف في الكثير منها تلك التي يعرفها القانون الفرنسي . وقد رتب على مخالفة جميع قواعد الإستدلالات والتحقيق الإبتدائي بطلاناً نسبياً بدلالة سقوط الحق في إبدائه إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون إعتراض منه (م 333)، لذا فإن المذكرة الإيضاحية للمادة 333 هذه ذكرت صراحة بين أحوال البطلان النسبي لا المطلق تلك الخاصة بمخالفة أحكام الإستجواب. أم ما ورد بالمذكرة التفسيرية للمادة 331 فهو مقصور على مرحلة المحاكمة لا التحقيق الإبتدائي الذي يصح أن يجري بدون حضور محام إذا لم يكن للمتهم محام ولو كانت الواقعة جنائية . ويقطع في ذلك أن للمتهم أن يتنازل عن دعوة محاميه، كما أن للمحامي أن يمتنع عن حضور الإستجواب أو المواجهة، أو عن الإطلاع على الأوراق قبل إجراء أيهما ، دون أن يؤثر هذا الإمتناع في صحة الإجراء . أما أمام محكمة الجنايات فليس للمتهم أن يتنازل عن حضور محام معه، وليس للمحامي أن يمتنع عن الحضور أو من المرافعة، وإلا بطلت المحاكمة ، وتعرض المحامي للمسئولية إذا لم يكن للإمتناع ما يبرره (م 375 إجراءات). لكل هذا نرى أن البطلان المترتب على عدم إتباع أحكام الإستجواب أو المواجهة نسبي ، ينبغي الدفع به أمام محكمة الموضوع حتى، يقضي به ولا تملك هذه أن تحكم به من تلقاء نفسها ، وإن كان لها بطبيعة الحال أن تستبعد الدليل المستمد من الإستجواب أو المواجهة الباطلين بما لها من سلطة الإقتناع بما يطمئن إليه وجدانها من دليل دون آخر.
هذا ويرى بعض الشراح أن إستجواب المتهم في حضور محاميه أمر وجوبي في كل تحقيق إبتدائي في جناية، وأن التحقيق الخالي منه يكون باطلاً ، ومثله التحقيق الذي يكون الإستجواب فيه باطلاً لأي سبب من الأسباب، كما إذا وقع تحت تأثير إكراه أو إذا صدر من المتهم بعد تحليفه اليمين . وهذا الرأي محل نظر ومتعارض مع نصوص التشريع في أكثر من موضع. فالقانون لا يوجب الإستجواب إلا عند القبض على المتهم (م 131) وكذلك عند حبسه إحتياطياً (م 134)، أما فيما عدا ذلك فهو يعده أمراً جوازياً شأن كل إجراءات التحقيق الأخرى. والاستجواب لا يعد على أية حال ضماناً للمتهم بقدر ما يعد خطراً يتهدده بالانزلاق إلى الإعتراف، ولذا فإن القانون قد أحاطه بضمان دعوة المحامي في الجنايات لحضوره حتى يكون رقيباً على صحته وبعده عن إكراه المتهم إكراهاً مادياً أو أدبياً ، وعن التغرير به وحتى يكون الإعتراف الذي قد يتمخض عنه بعيداً عن أية مظنة أو مطعن . فليس الاستجواب في ذاته هو الضمان . حتى يقال بوجوبه حرصاً على صالح المتهم - بل الإستجواب هو الخطر الذي يتهدد المتهم بالإعتراف إن صدقة أو كذبة ، ولذا أحاط الشارع إجراءه بأكثر من ضمان بعد إذ قامت العدالة من إساءة استعمالها في العصور الأولى والوسطى، وتمحص عن ماس جمة أطاحت برئوس بريئة ظلماً وعدواناً مما جعل بعض الفلاسفة والمفكرين يحمل على الإستجواب في ذاته حملة شعواء ويطالب بإلغائه أصلاً. أما القول بأن بطلانه يؤدي إلى بطلان التحقيق برمته فهو متعارض مع نص المادة 336 التي تقرر أنه إذا تقرر بطلان أي إجراء فإنه يتناول جميع الآثار التي تترتب عليه مباشرة وذلك دون باقي إجراءات التحقيق التي لم تترتب عليه مباشرة بمفهوم المخالفة وقد أكدت هذا المعنى أيضاً المذكرة الإيضاحية لمشروع الحكومة عن هذه المادة و وهي مأخوذة عن المادة 1/189 من القانون الإيطالي فلا علاقة لها بأحكام القانون الفرنسي .
حق المحامي في الإطلاع على الأوراق بوجه عام :
الأصل في كل تحقيق إبتدائي أنه علني للخصوم غير علني لمن عداهم والخصوم هم المتهم والمجني عليه والمدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها وتعتبر النيابة من الخصوم فيما يتعلق بالتحقيق الذي يجريه قاضي التحقيق ومن في حكمه لذا يحق لهم جميعاً حضوره .
الإطلاع حق بديهي :
وسبق أن قلنا أن الموكل ومحاميه يعتبران في إجراءات التحقيق والمحاكمة شخصاً واحداً . فإذا كان من حق الخصم حضور التحقيق ، فمن حق محاميه حضوره أيضاً وحضور الخصم إجراءات التحقيق بنفسه أو بوساطة محاميه يستتبع بالضرورة حقه في الإطلاع على ما يتم من إجراءات في غيبته، ويؤدي إلى تقرير هذا الحق الإعتبارات الآتية : أولاً : أن من حق أي من الخصوم أن يتقدم ببطلاً تحقيق معينة مثل . سماع شاهد أو إعادة سماعه، أو ندب خبير أو استبداله أو مناقشته ، أو إجراء معاينة .. فلا يمكن لصاحب الشأن أن يقدر الإعتبارات التي قد تدعوه إلى التقدم بمثل هذا الطلب إلا إذا سمح له أولاً بالإطلاع على الأوراق بنفسه أو بواسطة محاميه. ثانياً : أن من حق أي من الخصوم أن يدفع ببطلان أي إجرام أمام نفس المحقق الذي أجراه، فإذا كان الدفع صحيحا لزم إعادة الإجراء متى أمكن ذلك (م 336) ومثل هذا الدفع غير متيسر إلا بعد الإطلاع على الأوراق وكأنه بالإطلاع يمكن للخصم أن يساعد العدالة لا على إظهار وجه الحق فحسب، بل أيضاً على تصحيح ما قد يقع من بطلان في إجراءاتها في الوقت المناسب، وقبل فوات الأوان . ثالثاً : أن القانون قد أجاز للخصوم الطعن في بعض أوامر المحقق، فهو قد أباح مثلاً للمدعى بالحق المدني أن يطعن في أمر المحقق بعدم قبول، إدعاءه المدني (م 199 إجراءات مكررة) . كماله أن يطعن في الأمر الصادر في الدعوى بأن لا وجه لإقامتها بالإستئناف وبالنقض (راجع المواد 161، 193، 196، 210 إجراءات). ومثل هذا الطعن غير ممكن عملاً إلا بعد الإطلاع على التحقيق لمعرفة ملابسات صدور الأمر المطعون فيه ، والمآخذ التي يصح أن توجه إليه لهذه الأسباب مجتمعة أجاز القانون للخصوم الإطلاع على أوراق التحقيق، حتى قبل إحالة الدعوى إلى سلطة الإحالة أو إلى محكمة الموضوع، ولم يمنع هذا الإطلاع إلا إذا تقررت أولأ سرية التحقيق، وبشرط أن تكون السرية أمراً ضرورياً . كما أوجب على المحقق " بمجرد انتهاء تلك الضرورة أن يبيح لهم الإطلاع على التحقيق" (م 1/77).
كما أباح القانون للمحقق في حالة الاستعجال أن يباشر بعض إجراءات التحقيق في غيبة الخصوم ولكن بشرط " السماح لهؤلاء بالإطلاع على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات ( 2/77).
فحرمان الخصوم أو محاميهم . من الإطلاع على الأوراق لا يكون إلا عند سرية التحقيق، وبشرط أن يكون للسرية ما يبررها، وأن تنتهي حتماً بمجرد زوال سببها ، وإلا كانت بإطلة كما يجوز أن تكون السرية مقصورة على بعض الإجراءات أو بعض الخصوم فقط، طبقاً لما قد يقدره المحقق من توافر الضرورة اللازمة لإظهار الحقيقة.
جزاء المنع من الإطلاع : لم يرتب القانون جزاء صريحة على منع المحامي من الإطلاع على الأوراق في التحقيق الإبتدائي، رغم أهميته لكفالة حق الدفاع . وقد عرض على محكمة النقض هذا الأمر عند النعي على إجراءات التحقيق الإبتدائي القيام بها في سرية، فلم يسعها إلا أن تقرر إمكان منع الخصم أو محاميه من الإطلاع على الأوراق في حالة تقرير سرية التحقيق. أما في غير هذه الحالة الأخيرة فقد عرض عليها الأمر فذهبت إلى أنه إذا دفع محامي المتهم ببطلان التحقيق وما تلاه من إجراءات إستناداً إلى عدم تمكين النيابة له قبيل التصرف في التحقيق من الإطلاع على ملف الدعوى وعدم السماح له بالإتصال بالمتهم ، فإن هذا الدفع لا محل له إذ أن القانون لا يرتب البطلان إلا على عدم السماح بغير مقتضى المحامي المتهم بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على إستجواب المتهم أو مواجهته بغيره، أو بالإطلاع على التحقيق أو الإجراءات التي أجريت في غيبته.
وفضلاً عن ذلك . تقول المحكمة . فإن البطلان طبقاً للمادة 336 إجراءات لا يلحق إلا بالإجراء المحكوم ببطلانه والآثار المترتبة عليه مباشرة وهو على ما انتهت إليه المحكمة في هذه الدعوى . لا يلحق بما سبقه من إجراءات و كما أنه لا يؤثر في قرار النيابة بإحالة الواقعة إلى غرفة الإتهام أو قرار غرفة الإتهام بإحالة الدعوى إلى محكمة الجنايات، ولا يمكن أن يترتب على مثل هذا البطلان إن صح إعادة القضية إلى النيابة ، بل يكون - للمحكمة أن تصحح الإجراء الباطل طبقاً للمادة 335 .
وهذا القضاء يبدو مترددة ، فحين ينفي في صدره ترتيب أي بطلان على منع محامي المتهم من الإطلاع على أوراق الدعوى في مرحلة التحقيق الإبتدائي، رغم عدم سرية التحقيق، إذ به يذهب في عجزه إلى القول بأنه لا يترتب على مثل هذا البطلان إن صح إعادة القضية إلى النيابة، بل يكون للمحكمة أن تصحح الإجراء الباطل طبقاً للمادة 335.
وهذه العبارة الأخيرة ما كان يكون لها محل أصلاً، لو أن المحكمة كانت مقتنعة تماماً بأن لا بطلان في هذه الحالة ولعل هذا التردد يعلل بأن التشريع في وضعه القائم قد لا يسمح بالبطلان فيها، بل أنه لا يعرف : للأسف نصاً عن الإخلال بحق الدفاع في مرحلة التحقيق الإبتدائي حتى يومنا هذا ، ولكن كيف التصرف إذا منع الخصم أو محاميه من الإطلاع على الأوراق .
إن هذا الإطلاع حق للخصوم وواجب على المحقق أن يمكنهم منه على ما بيناه فيما سبق ، وبينا أسانيده، فيما خلا حالة تقرير سرية التحقيق .والإخلال به إخلال بحق الدفاع بغير شبهة ، ولكن ما هي آثاره ؟. هذه هي في الواقع المشكلة فإنه من الصعب القول ببطلان جميع إجراءات التحقيق لعدم الإطلاع عليها قبل التصرف فيه ثم أن المادة 336 تتعارض مع مثل .. هذا القول على ما لاحظته محكمة النقض.
لذا فإننا كنا نفضل لو عالج الشارع هذه المشكلة علاج صريحاً ويكون هذا العلاج مثلاً بأن يوجب على المحقق الذي يمنع الخصوم من الإطلاع على الأوراق في غير حالة السرية أن يصدر قراراً مسبباً ، وأن يفتح للخصوم بابة للطعن في هذا القرار أو بأن يجيز للخصوم دائماً الإطلاع على التحقيق قبل التصرف فيه بمهلة يحددها وإلا كان قرار التصرف وحده باطلاً ، دون باقي إجراءات التحقيق . وهذا الحل الأخير يبدو أقرب إلى الاحتياجات العملية وأكثر إلتئاماً مع رغبة عدم عرقلة سير التحقيق.
ذلك أن من حق الخصوم أن يتوجهوا إلى المحقق . قبل أن يتصرف في تحقيقه . بما يرونه من طلبات أو من دفوع والشرائع التي تعرف نظام قاض للتحقيق توجب عليه إخطار الخصوم ليبدو ما قد يكون لديهم من طلبات ختامية، على أن يكون الإخطار قبل إقفال التحقيق، فلا أقل من أن نتيح، للخصوم أمام النيابة ضماناً كهذا لا غنى عنه لكفالة حق الدفاع في مرحلة هامة للدعوى الجنائية كثيراً ما تؤثر أبلغ التأثير باقي مراحلها ، بل قد تنتهي بصدور أمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى بما يحول دون المحاكمة .
ومفاد ذلك بداهة أن للخصوم حق مقرر في الإطلاع على أوراق التحقيق أثناء إجرائه بالفعل، وذلك لتحديد موقفهم منه، وللتعرف على ما يلزمهم من تقارير ومستندات وأدلة لدحض الأدلة التي يكون التحقيق الإبتدائي قد وصل إليها وسواء أجرى هذا التحقيق في حضورهم، أم في غيبتهم إذا قررت السلطة المختصة به ضرورة ذلك لإظهار الحقيقة، أو في حالة الإستعجال الشديد.
فهذا الإطلاع حق جوهري قد يرتب آثار هامة ، وقد يوجه صاحب الشأن توجيها معيناً في موقفه من الدعوى، ومن الطلبات، ومن الدفوع وليس من السائغ أن يقال كما قالت محكمة النقض " أن القانون لا يرتب البطلان إلا على عدم السماح بغير مقتض المحامي المتهم بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على إستجواب المتهم أو مواجهته بغيره . ومن المتعذر في هذا الشأن أن يقال أن الإطلاع اللاحق على أوراق التحقيق بعد إذ يكون قد تم التصرف فيه وصدر فعلاً قرار سلطة التحقيق بإحالة الدعوى إلى محكمة الموضوع يؤدي ولو على وجه ضعيف الغاية المنشودة من الإطلاع السابق، ولا يمكن أن يصلح بديلاً له، لأنه إطلاع بعد فوات الأوان ثم أن إحتمال صرف النظر عن الدعوى في صورة أمر حفظ أو في صورة أمر بألا وجه لإقامتها إحتمال قائم ، ومن حق كل منهم أن يستفيد منه، وأن يعمل على الوصول إليه، وذلك لتجنيبه متاعب المحاكمة الجنائية ، ونفقاتها ، وقيودها ، ومخاوفها ، ما دام هو واثق من براءته وبمقدوره إقناع سلطة التحقيق أو سلطة الإتهام بصرف النظر عن الدعوى لسبب أو لآخر.
فللمتهم بوجه خاص به حق مسلم به في الإطلاع على أوراق التحقيق قبل التصرف فيه بفترة كافية وله مصلحة واضحة في هذا الإطلاع لا يمكن لأحد أن ينكرها عليه وهي مصلحة لا تقل عن مصلحة النيابة في الإطلاع على هذه الأوراق عندما يجري التحقيق بمعرفة جهة أخرى غير النيابة ، وهذا ما نصت عليه صراحة المادة 80 من التقنين الإجرائي عندما قررت أن للنيابة العامة على الإطلاع في أي وقت على الأوراق لتقف على ما جرى في التحقيق على ألا يترتب على ذلك تأخير السير فيه.
ولذا أردفت المادة التالية مباشرة . وهي المادة 81 مقررة أن "للنيابة العامة وباقي الخصوم أن يقدموا إلى قاضي التحقيق الدفوع والطلبات التي يرون تقديمها أثناء التحقيق كما أوجبت المادة 82 أن " يفصل قاضي التحقيق في ظرف أربع وعشرين ساعة فى الدفوع والطلبات المقدمة إليه ويبين الأسباب التي يستند إليها "، ثم أوجبت المادة 83 أنه " إذا لم تكن أوامر قاضي التحقيق صدرت في مواجهة الخصوم تبلغ إلى النيابة العامة، وعليها أن تعلنها لهم في ظرف أربع وعشرين ساعة من تاريخ صدورها ".
ولا يقل عن ذلك وضوحاً في هذا الشأن ما نصت عليه المادة 153 عند الكلام في إنتهاء التحقيق والتصرف في الدعوى من أنه " متى انتهى التحقيق يرسل قاضي التحقيق الأوراق إلى النيابة العامة ، وعليها أن تقدم له طلباتها كتابة خلال ثلاثة أيام إذا كان المتهم محبوساً وعشرة أيام إذا كان مفرجاً عن وعليه أن يخطر باقي الخصوم ليبدوا ما قد يكون لديهم من أقوال ".
مفاد هذه النصوص :
ومفاد هذه النصوص كلها أن تشريعنا الإجرائي يسلم في وضوح كاف بأن للخصوم حق مكتسباً في الإطلاع على أوراق الدعوى قبل التصرف فيها ، حتى يتاح لهم استيفاء تحقيق وجهة نظرهم ، وعرض ما يرون عرضه على سلطة التحقيق من دفوع مختلفة ومن طلبات تحقيق معينة.
وذلك مع مراعات أن هذه النصوص وإن كانت قد وردت في الباب الثالث من التقنين الإجرائي الذي عنوانه " في التحقيق بمعرفة قاضي التحقيق " إلا أنه عند إلغاء نظام قاضي التحقيق بصفة أصلية ، وإحلال النيابة العامة محله كسلطة تحقيق أصلية في الجنح والجنايات معا بالمرسوم بقانون رقم 353 لسنة 1952 أضيفت إلى التقنين الإجرائي المادة 199 التي تقرر أنه " فيما عدا الجرائم التي يختص قاضي التحقيق بتحقيقها وفقاً لأحكام المادة 64 تباشر النيابة العامة التحقيق في مواد الجنح والجنايات طبقا للأحكام المقررة لقاضي التحقيق.
فكيف يقال بعدئذ أن التشريع الإجرائي لا يرتب البطلان إلا على عدم السماح بغير مقتض لمحامي المتهم بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على استجواب المتهم أو مواجهته بغيره ، أو بالإطلاع على التحقيق أو بالإجراءات التي أجريت في غيبته؟.
في الواقع أن القانون المصري لم يحدد حالات معينة للبطلان عند مخالفة إجراءات التحقيق الإبتدائي ، بل كل ما نص عليه هو أن البطلان : عند هذه المخالفة متى تقرر كمبدأ صحيح يكون نسبية وبالتالي حسب المادة 333 يسقط الحق في الدفع ببطلان الإجراءات الخاصة بجمع الاستدلالات أو التحقيق الإبتدائي .. إذا كان للمتهم محام وحصل الإجراء بحضوره بدون اعتراض منه وكذلك يسقط حق الدفع بالبطلان بالنسبة للنيابة العامة إذا لم تتمسك به في حينه".
وفي هذا الشأن بالذات أعتق تشريعنا الإجرائي . ومن بعده الفقه والقضاء السائدان نظرية البطلان الجوهري ، أي سمح للمحاكم أن ترتب من تلقاء نفسها البطلان كجزاء حتمي لمخالفة أي نص تعتقد أنه يرتب للخصوم حقأً جوهرياً ، وأن هذا النص نص آمر لا تستقيم بدونه إجراءات التحقيق الإبتدائي ، فلم يوضع هذا النص التالي لمجرد التوجيه أو الإرشاد .
على أنه إذا استظهرت محكمة النقض من الحكم المطعون فيه أو من محضر الجلسة أن ضاله الدفاع بلغت الحد الذي أعدم أثره فإنه يتعين القول ببطلان المحاكمة فحضور محام مع المتهم بجناية مقدمة إلى محكمة الجنايات ضمان رئيسي كما قولنا وليس مجرد شكلي . فإذا فرض أن المحامي - موكلاً كان أم منتدباً لم يقم بواجبه على النحو الذي تريده هي من أن يكون مرضياً اجتهاده وتقاليد مهنته، فما ذنب المتهم حينئذ ؟ وكيف يسوغ القول أنه قد استوفي دفاعه، وتحقق من التشريع حكمه وحكمته ؟. والخصم في الدعوى هو الأصيل فيها، أم المحامي فمجرد نائب عنه وحضور محام مع الخصم لا ينفي حق هذا الأخير في أن يتقدم بما يعن له من دفاع أو طلبات، وعلى المحكمة أن تستمع إليه ولو تعارض ما يبديه الخصم مع وجهة نظر محاميه . وعليها أن ترد على هذا الدفاع متى تمسك به صاحبه طالما كان جوهرياً منصباً على واقعة الدعوى ومؤثراً في مصيرها وحتى ولو تنازل عنه صراحة أو ضمناً .
لذا قضى بأنه إذا تمسك المتهم بسماع شهوده ، وطلب محاميه سماع أقوال شاهدين، ثم عاد فقال أنه متنازل عن طلبه .. فإن المحكمة إذا حكمت بإدانة المتهم دون أن تسمع شهوده تكون قد أخطأت وبنت قضاءها على إجراءات باطلة .. ولا يهم ما جاء على لسان المحامي من التنازل عن الشهود ، إذ أن المتهم هو صاحب الشأن الأول في الدعوى المقامة متى أبدى لسانه طلباً من الطلبات المتعلقة بالدعوى فيجب الفصل فيه بغض النظر عن مسك المدافع عنه بشأن هذا الطلب . نقض 4/6/1945 القواعد العامة ج 6 رقم 585 صف 722
ومما لا ريب فيه أن من حق المحامي أن ينقد تحقيق النيابة أو تصرفاتها إزاء الدعوى في الحدود اللائقة التي إذا صح أن تمس عمل النيابة في الصميم كسلطة تحقيق أو اتهام من كافة جوانبه الفنية، فإنها لا يصح أن تمس شخص القائم بعمل النيابة، أو إحترامه في أعين الكافة ، أو الإحترام المتبادل الذي ينبغي أن يسيطر دائما على جو الجلسة.
وعلى حد تعبير محكمة إستئناف القاهرة (مجلس تأديب المحامين)، أن الدفاع يجب أن يكون حراً غير مقيد ، فلا يؤخذ المدافع بكلام يتفوه به دون قصد أو في معرض الاندفاع أو الحماسة في أثناء المرافعة، دون أن تكون لديه نية الطعن في هيئة النيابة العامة أو في شخص ممثلها.
وبالتالي فإن قيام الدفاع بنقد تصرفات النيابة أو مهاجمة تحقيقها، وإبراز ما عساه أن يكون منطوياً عليه من نقص فات المحقق أن يستكمله، كل هذا من صميم عمل المحامي المدافع عن المتهمين، ولا يجوز أن يكون محل مساءلة ، ولو كانت هذه المساءلة تأديبية .
ولو قيل بغير هذا لأصبح حق الدفاع يدور في محيط ضيق لا يتفق مع الحرية الواجب كفالتها له، فمن حق المحامي أن ينعي على النيابة عدم قيامها بإجراءات المعاينة ، أو عدم مواجهتها المتهمين بالشهود ، أو إغفالها مناقشة شاهد في مسألة جوهرية قد تفيد المتهم دون أن يعد ذلك طعناً في هيئة النيابة أو في شخص ممثلها.
وفي هذه القضية تفوه المحامي الحاضر مع المتهم ببعض عبارات تفيد معنى العبث والتلفيق في التحقيق، مع علم النيابة به وسكوتها عليه، وعبارات أخرى قاسية أسئ فهمها ، واستنكر المحامي هذا الفهم بأسلوب عنيف في عبارته ، ولكن رأي مجلس التأديب أن هذا الأسلوب جاء مجردة عن قصد إهانة النيابة أو ممثلها وبالتالي لا يقتضي مساءلة تأديبية ما .(الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء : الأول، الصفحة : 716)
