للتذكير (صدر حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 37 لسنة 11 قضائية دستورية بجلسة 6/2/1993 بعدم دستورية ما تضمنته المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية من إلزام المتهم - المكلف بالحضور إلى المحكمة مباشرة وبدون تحقيق سابق - بأن يقدم خلال خمسة الأيام التالية لإعلان تكليفه بالحضور بيان الأدلة على صحة كل فعل أسنده إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المشار إليه في الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات).
(كما صدر حكم المحكمة الدستورية العليا في الطعن رقم 42 لسنة 16 قضائية دستورية بجلسة 20/5/1995 بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية من إلزام المتهم بإرتكاب جريمة القذف بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم للمحقق عند أول إستجواب له وعلى الأكثر في الخمسة الأيام التالية بيان الأدلة على كل فعل أسند إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المشار إليه في الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات)
1 ـ لما كان من المقرر أن الفقرة الأولى من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه "عند حضور المتهم لأول مرة فى التحقيق يجب على المحقق أن يتثبت من شخصيته ثم يحيطه علماً بالتهمة المنسوبة إليه ويثبت أقواله فى المحضر " ، ومفاد ذلك أن المحقق هو الذي يتثبت من شخصية المتهم ولم يرتب القانون واجباً على المحقق أن ينبئ المتهم عن شخصيته ، كما لم يرتب بطلاناً لإغفاله ذلك طالما أن الذي أجرى التحقيق هو وكيل النيابة المختص وهو ما لا يماري فيه الطاعن الثالث ، ومن ثم فإن منعاه فى هذا الشأن يكون على غير أساس .
(الطعن رقم 26746 لسنة 86 ق - جلسة 2017/10/04)
2 ـ حيث إن المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت فى فقرتها الأخيرة أن يكون النطق بالحكم مشفوعاً بأسبابه وذلك فى جريمة القذف بطريق النشر فى حق موظف عام أو شخص ذى صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة ، وهو نص خاص يغاير الأصل العام المقرر بالمادة 312 من القانون ذاته من بطلان الأحكام الجنائية الصادرة بالإدانة إذا لم توضع موقعاً عليها فى مدة ثلاثين يوماً من النطق بها ، وكان من المقرر أن الخاص يقيد العام فإن نص الفقرة الأخيرة من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية سالف الإشارة إليه يكون فى مجال تطبيقه واجب الإعمال ، ومؤداه أن الشارع قد رتب البطلان على مخالفة ما أوجبه من أن يكون النطق بالحكم مشفوعاً بأسبابه وذلك فى جريمة القذف بطريق النشر فى حق موظف عام أو شخص ذى صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة بوصفه إجراء جوهرى يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة به طبقاً لنص المادة 331 من قانون الإجراءات الجنائية . لما كان ذلك ، وكان البين من أوراق الطعن ومن الشهادتين المرفقتين بأسبابه أن الحكم المطعون فيه صدر فى ........ بإدانة الطاعن بجريمة القذف بطريق النشر فى حق موظفاً عام ، غير أن أسبابه لم تودع إلا فى ....... ، فإنه يكون قد ثبت أن النطق بالحكم المطعون فيه لم يكن مشفوعاً بأسبابه الأمر الذى يبطله ويوجب نقضه والإعادة .
(الطعن رقم 12771 لسنة 69 ق - جلسة 2003/10/22 س 54 ص 1016 ق 138)
3 ـ نص الفقرة الأولى من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية قد جرى على أنه " عند حضور المتهم لأول مرة فى التحقيق ، يجب على المحقق أن يتثبت من شخصيته ، ثم يحيطه علما بالتهمة المسندة إليه ويثبت أقواله فى المحضر " ، مما مفاده أن القانون لم يرتب واجباً على المحقق بأن ينبئ المتهم عن شخصيته .
(الطعن رقم 30639 لسنة 72 جلسة 2003/04/23 س 54 ص 583 ق 74)
4 ـ لما كان ما تقدم ، وكان البين من تحقيق النيابة العامة أنه جرى استجواب المتهم الأول بطريقة غير مألوفة ، إذ استهل المحقق محضره بسؤال عضو الرقابة الإدارية ولم يقم باستدعاء المتهمين الثلاثة الأول إلى داخل حجرة التحقيق وأحاطتهم علما بالتهمة المسندة إليهم على ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية سالفة الإشارة ، ثم استدعى المتهم الثانى وقام باستجوابه تاركاً المتهم الأول خارج حجرة التحقيق رغم أنه هو المتهم الرئيسى فى الدعوى ، وهو الذى انصبت عليه التحريات فى البدء ، وصدر الإذن بتفتيش مسكنه وجرى تفتيشه وضبط الواقعة ، مما كان يؤذن للمحقق بالبدء فى استجواب هذا المتهم إلا أنه لم يتم ذلك إلا فى صباح اليوم الثالث لضبطه وبعد تركه ساعات طويلة بداخل مقر هيئة الرقابة الإدارية ، وإرهاقه إلى حد أن المحقق ذاته قد سجل على نفسه هو شعوره بالإرهاق ، مما تستخلص منه المحكمة أن إرادة المتهم الأول لدى استجوابه لم تكن إرادة حرة بريئة من كل تأثير ، ومما ينبئ عن أن إجراءات التحقيق بمقر هيئة الرقابة الإدارية قد شابها الخروج على مبدأ حياد النيابة العامة والثقة فى إجراءاتها ،مما يبطل استجواب المتهم الأول وكل ما ترتب عليه ، يؤكد هذا النظر أنه وإن ولم يوجب القانون أن يحيط المحقق المتهم علما بأن النيابة العامة هى التى تباشر التحقيق، إلا أنه فى خصوص الدعوى الراهنة ونظراً لما أحاط بها من ظروف وملابسات كان من المتعين على المحقق فى مستهل التحقيق فى مقر هيئة الرقابة الإدارية وبعد فترة طويلة من ضبط المتهم الأول وبقائه بمقر الهيئة بعيداً عن حجرة التحقيق أن يفصح للمتهم عن شخصيته ترسيخاً لمبدأ حياد النيابة العامة وبثاً للطمأنينة فى نفسه حتى يشعر بأنه قد أضحى بعيداً عن كل ما قد يؤثر فى إرادته ، كما كان يتعين على المحقق أن يستمع إلى الأقوال التى يريد المتهم إبدائها بصرف النظر عن صدق هذه الأقوال أو مخالفتها للحقيقة فالأمر أولاً وأخيراً يخضع لتقدير النيابة العامة ومحكمة الموضوع من بعدها لهذه الأقوال ، إذ أن فى ذلك تأكيد على أن النيابة العامة لا تبغى سوى حماية الحقوق والحريات سواء كانت للمتهم أو للمجتمع .
(الطعن رقم 30639 لسنة 72 ق - جلسة 2003/04/23 س 54 ص 583 ق 74)
5 ـ لما كانت الفقرة الأولى من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أن عند حضور المتهم لأول مرة فى التحقيق يجب على المحقق أن يتثبت من شخصيته ثم يحيطه علماً بالتهمة المنسوبة اليه ويثبت أقواله فى المحضر ومفاد ذلك أن المحقق هو الذى يتثبت من شخصية المتهم ولم يرتب القانون واجباً على المحقق أن ينبئ المتهم عن شخصيته كما لم يرتب بطلاناً لاغفاله ذلك.
(الطعن رقم 1752 لسنة 63 ق - جلسة 1995/01/11 س 46 ص 134 ق 16)
6 ـ إن الفقرة الثانية من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية قد نصت على أنه "يجب على المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر فى إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم المحقق عند أول استجواب له وعلى الأكثر فى الخمسة أيام التالية بيان الأدلة على كل فعل أسند إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه فى إقامة الدليل المشار إليه فى الفقرة الثانية من المادة 302 من قانون العقوبات فإذا كلف المتهم بالحضور أمام المحكمة مباشرة وبدون تحقيق سابق وجب عليه أن يعلن النيابة العامة والمدعي بالحق المدني بيان الأدلة فى الخمسة أيام التالية لإعلان التكليف بالحضور وإلا سقط حقه فى إقامة الدليل. لما كان ذلك وكانت الفقرة الثالثة من المادة 302 من قانون العقوبات أجازت للقاذف إقامة الدليل لإثبات ما قذف به فى الحالة المبينة فى الفقرة الثانية منها وهي الطعن فى أعمال موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية أو مكلف بخدمة عامة إذا ما حصل القذف بحسن نية وكان لا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة وذلك فى الميعاد المنصوص عليه فى المادة 123/2 من قانون الإجراءات الجنائية على نحو ما سلف بسطه، وكان انقضاء هذا الميعاد يترتب عليه سقوط الحق فى إقامة الدليل لإثبات وقائع القذف بحسبانه جزاءً إجرائياً على عدم ممارسة الحق فى مباشرة العمل الإجرائي خلال المدة التي حددها القانون.
(الطعن رقم 1046 لسنة 59 ق - جلسة 1991/04/22 س 42 ع 1 ص 677 ق 97)
7 ـ لما كان الشارع بما نص عليه فى الفقرة الأولى من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية إنما أوجب على المحقق أن يتثبت من شخصية المتهم عند حضوره لأول مرة فى التحقيق ، و لم يلزم المحقق بأن يثبت هو شخصيته للمتهم أو يرتب البطلان على أغفاله ذلك طالما أن الذى أجرى التحقيق هو وكيل النيابة المختص و هو ما لا يمارى فيه الطاعن ، و بالتالى فإن النعى على الحكم فى هذا الوجه لا يكون له محل .
(الطعن رقم 8260 لسنة 58 ق - جلسة 1989/03/23 س 40 ص 439 ق 75)
8 ـ من المقرر أن الفقرة الأولى من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه " عند حضور المتهم لأول مرة فى التحقيق يجب على المحقق أن يتثبت من شخصيته ثم يحيطه علماً بالتهمة المنسوبة إليه و يثبت أقواله فى المحضر " و مفاد ذلك أن المحقق هو الذي يتثبت من شخصية المتهم و لم يرتب القانون واجباً على المحقق أن ينبئ المتهم عن شخصيته كما لم يرتب بطلاناً لإغفاله ذلك ، طالما أن الذي أجرى التحقيق هو وكيل النيابة المختص و هو ما لا يماري فيه الطاعن ، كما أن الأخير لم يزعم أنه عين محامياً عنه وقت استجوابه أو أن محامياً تقدم للتحقيق مقرراً الحضور معه وقت الاستجواب .
(الطعن رقم 225 لسنة 57 ق - جلسة 1987/04/21 س 38 ع 1 ص 626 ق 106)
9 ـ لما كان النعي بخطأ الحكم فى الإسناد حين رد على الدفاع ببطلان الاعتراف لصدوره قبل أن يكشف وكيل النيابة المحقق عن شخصيته بما يناقض هذا الثابت بالأوراق, مردوداً بأن الفقرة الأولى من المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه "عند حضور المتهم لأول مرة فى التحقيق يجب على المحقق أن يثبت شخصيته ثم يحيطه علماً بالتهمة المنسوبة إليه ويثبت أقواله فى المحضر" ومفاد ذلك أن المحقق هو الذي يتثبت من شخصية المتهم ولم يرتب القانون واجباً على المحقق أن ينبئ المتهم عن شخصيته كما لم يرتب بطلاناً لإغفاله ذلك, طالما أن الذي أجرى التحقيق هو وكيل النيابة المختص وهو ما لا يماري فيه الطاعن, ومن ثم فلا يجديه رمي الحكم بالخطأ فى الإسناد فى هذا المقام إذ أن من المقرر أنه لا يعيب الحكم الخطأ فى الإسناد - بفرض صحته - طالما أنه لا أثر له فى منطقه ولا فى النتيجة التي انتهى إليها.
(الطعن رقم 311 لسنة 48 ق - جلسة 1978/06/12 س 29 ع 1 ص 619 ق 120)
10 ـ مفاد نص المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية أن المحقق هو الذى يتثبت من شخصية المتهم ، و لم يرتب القانون واجباً على المحقق أن ينبئ المتهم عن شخصيته ، كما لم يرتب بطلاناً لإغفاله ذلك ، طالما أن الذى أجرى التحقيق هو وكيل النيابة المختص ، و هو ما لا يمارى فيه الطاعن .
(الطعن رقم 122 لسنة 41 ق - جلسة 1971/04/25 س 22 ع 2 ص 371 ق 91)
11 ـ توجب المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية على المحقق أن يثبت ما يكشف عن صحية المتهم ثم يحيطه علماً بالتهمة المنسوبة إليه ، و ليس عليه أن يكشف عن شخصيته للمتهم .
(الطعن رقم 2009 لسنة 34 ق - جلسة 1965/05/04 س 16 ع 2 ص 430 ق 87)
12 ـ لا يوجب القانون سماع أقوال المتهم أو إستجوابه فى مرحلة التحقيق الإبتدائى إلا إذا كان مقبوضاً عليه نفاذاً لأمر من مأمور الضبط القضائي أو عند حضوره لأول مرة فى التحقيق ، أو قبل إصدار أمر بحبسه إحتياطياً ، أو قبل النظر فى مد هذا الحبس .
(الطعن رقم 283 لسنة 36 ق - جلسة 1966/05/31 س 17 ع 2 ص 726 ق 134)
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 20 مايو سنة 1995 الموافق 20 ذو الحجة سنة 1415 ه.
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين ومحمد عبد القادر عبدالله
وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفى على جبالى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / حمدى أنور صابر أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 42 لسنة 16 قضائية "دستورية "
المقامة من
الدكتور / أحمد مصطفى بسيونى
ضد
1- السيد / رئيس الجمهورية
2- السيد / رئيس الوزراء
3- السيد / رئيس مجلس الشعب
4- السيد / رئيس مجلس الشورى
5- السيد / وزير العدل
6- السيد / النائب العام
7- الدكتور / خيرى أحمد سمرة
8- الدكتور / حسام الدين أحمد موافى
9-السيد / مدحت أحمد حلمى شاهين
" الإجراءات "
بتاريخ 25 ديسمبر سنة 1994 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة (123) من قانون الإجراءات الجنائية من إلزام المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر فى إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له، وعلى الأكثر فى الخمسة الأيام التالية ، بيان الأدلة على كل فعل أسند إلى الموظف العام أو شخص ذى صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة ، وإلا سقط حقه فى إقامة الدليل المشار إليه فى الفقرة الثانية من المادة (302) من قانون العقوبات.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم، أصلياً: بعدم قبول الدعوى واحتياطياً: برفضها.
وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
وقد نُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
" المحكمة "
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .
فلهذه الأسباب
( حكم - المحكمة الدستورية العليا - الدعوى رقم 42 لسنة 16 ق - بجلسة 20 / 5 / 1995 )
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت 6 فبراير سنة 1993الموافق 14 شعبان سنة 1413 هــ .
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين : الدكتور محمد ابراهيم أبو العينين ومحمد ولى الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامى فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين اعضاء
وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا رقم 37 لسنة 11 قضائية "دستورية
المقامة من
الاستاذ / احمد كمال خالد المحامى
ضد
1 - السيد / رئيس الجمهورية
2 - السيد / رئيس الوزراء
3 - السيد / وزير العدل
4 - السيد الدكتور / مصطفى ابو زيد فهمى
" الإجراءات "
بتاريخ 8 أغسطس سنة 1989 أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفى الموضوع بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (123) من قانون الإجراءات الجنائية .
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى .
وقدم المدعى عليه الرابع عدة مذكرات بدفاعه آخرها بتاريخ 14 أكتوبر سنة 1992.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
" المحكمة "
بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة .
حيث إن الوقائع - على مايبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق - تتحصل فى أن المدعى عليه الرابع كان قد أقام -بطريق الإدعاء المباشر - الدعوى رقم 508 لسنة 1988 جنح سيدى جابر المقيدة برقم 20 لسنة 1988 كلى الإسكندرية - ضد المدعى متهماً إياه بأنه أسند إليه فى مؤلفه (رجال عبد الناصر والسادات) وقائع تتضمن قذفاً فى حقه وتستوجب عقابه بالمواد (302، 303، 307) من قانون العقوبات، وهى وقائع نسبها إليه باعتبارها متعلقة بالفترة التى كان يشغل فيها منصب المدعى العام الاشتراكى ، ويتعين بسبب زيفها إلزامه بأن يؤدى إليه تعويضاً مقداره خمسمائة ألف جنيه لجبر الأضرار الناشئة عنها. وإذ دفع المدعى بالحقوق المدنية - إعمالاً لنص الفقرة الثانية من المادة (123) من قانون الإجراءات الجنائية - بسقوط حق المتهم فى التدليل على صحة الوقائع التى أسندها إليه، وطعن المتهم بعدم دستورية هذه الفقرة ذاتها، وقدرت محكمة الموضوع جدية دفعه مصرحة له برفع الدعوى الدستورية ، فقد أقام الدعوى الماثلة .
وحيث إن المادة (302) من قانون العقوبات تنص فى فقرتها الأولى على أن "يعد قاذفاً كل من أسند لغيره بواسطة إحدى الطرق المبينة بالمادة (171) من هذا القانون أموراً لو كانت صادقة، لأوجبت عقاب من أسندت إليه بالعقوبات المقررة لذلك قانوناً، أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه" كما تنص فقرتها الثانية على أنه "ومع ذلك، فالطعن فى أعمال موظف عام أو شخص ذى صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة لا يدخل تحت حكم هذه المادة إذا حصل بسلامة نية ، وكان لا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة بشرط إثبات حقيقة كل فعل أسند إليه".
أما فقرتها الثالثة فنصها" ولا يقبل من القاذف إقامة الدليل لإثبات ما قذف به إلا فى الحالة المبينة فى الفقرة السابقة "، وتوجب الفقرة الثانية من المادة (123) من قانون الإجراءات الجنائية على المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر فى إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له، وعلى الأكثر فى الخمسة الأيام التالية ، بيان الأدلة على كل فعل أسند إلى موظف عام أو شخص ذى صفة نيبابية عامة أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه فى إقامة الدليل المشار إليه فى الفقرة الثانية من المادة (302) من قانون العقوبات، فإذا كلف المتهم بالحضور أمام المحكمة مباشرة أو بدون تحقيق سابق، وجب أن يعلن النيابة والمدعى بالحق المدنى ببيان الأدلة فى الخمسة أيام التالية لإعلان التكليف بالحضور، وإلا سقط حقه كذلك فى تقديم الدليل. وجاء فى المذكرة الإيضاحية لنص المادة (123) من القرار بقانون رقم 113 لسنة 1957 ما يلى : من المفهوم أن نص قانون العقوبات على عدم العقاب على القذف فى حق الموظف العام أو ذى الصفة النيابية العامة أو المكلف بخدمة عامة معناه أن المشرع قد افترض فى القاذف التأكد بالدليل من صحة ما يرمى به وأن أدلته جاهزة لديه قبل النشر وإلا كان القذف مجازفة يعتمد مرتكبها على ما يتصيده من أدلة . لذلك يجب التدخل بإلزامه بتقديم هذه الأدلة دون مطل أو تأخير وحتى لاتبقى أقدار الناس معلقة مدة قد تطول فيتأذون بهذا التعليق أبلغ الأذى، وإنه وإن كانت المصلحة العامة قد أباحت الطعن على الموظفين وغيرهم من ذوى الصفات العامة، فإن هذه المصلحة بعينها تقضى بحمايتهم من المفتريات التى توجه إليهم نكالاً بأشخاصهم فتصيب الصالح العام من ورائهم بأفدح الأضرار. فرؤى لذلك إضافة حكم جديد إلى المادة (123) من قانون الإجراءات الجنائية يوجب على المتهم بارتكاب جريمة قذف بطريق النشر فى إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم عند أول استجواب له وعلى الأكثر فى الخمسة الأيام التالية بيان الأدلة على وقائع القذف وإلا سقط حقه فى إثباتها بعد ذلك، على أن هذا الإيجاب لا يتجاوز مطالبته بتقديم صور الأوراق التى يستند إليها وأسماء الشهود الذين يعتمد على شهادتهم وما يستشهدهم عليه. وغنى عن البيان أن إيراد هذا الحكم فى المادة (123) بباب التحقيق بمعرفة قاضى التحقيق، ينصرف أيضاً بطريق اللزوم إلى التحقيق بمعرفة النيابة العامة إعمالاً للمادة (199) التى تسحب الأحكام المقررة لقاضى التحقيق على إجراءات التحقيق بمعرفة النيابة العامة فيما لم يرد فيه نص خاص بها. أما حيث ترفع الدعوى دون استجواب المتهم أو يرفعها المدعى بالحق المدنى مباشرة وفى الأحوال التى يجوز فيها ذلك، فيكون على المتهم إعلان البيانات المتقدمة فى مدة الخمسة أيام التالية لإعلان التكليف بالحضور.
وحيث إن البين من الأوراق أن المضرور من الوقائع التى نسبها إليه المدعى فى أحد مؤلفاته- والتى اعتبرها قذفاً علنياً فى حقه- هو الذى أقام الإدعاء المباشر وبه ترفع الدعوى الجنائية - وكان من المقرر قانوناً أن المصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية - مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية ، وذلك بأن يكون الحكم الصادر فى المسألة الدستورية مؤثراً فى الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع، وكان انعقاد الخصومة الجنائية من خلال الإدعاء المباشر يتحقق بإعلان صحيفة التكليف بالحضور إلى المتهم بناء على طلب المدعى بالحق المدنى، وكان المدعى فى الدعوى الماثلة قد كلف بالحضور أمام المحكمة الجنائية مباشرة وبدون تحقيق سابق، فإن مصلحته الشخصية المباشرة التى يتحدد بها نطاق الطعن فى الدعوى الماثلة - تنحصر فيما تضمنته الفقرة الثانية من المادة (123) من قانون الإجراءات الجنائية من إلزامه إعلان النيابة والمدعى بالحق المدنى ببيان الأدلة على صحة كل واقعة أسندها علانية إلى المدعى بالحق المدنى ، وذلك خلال الميعاد المحدد فيها، وهو خمسة الأيام التالية لإعلان التكليف بالحضور، وإلا سقط حقه فى إقامة الدليل.
وحيث إن المدعى ينعى على الفقرة الثانية من المادة (123) من قانون الإجراءات الجنائية مخالفتها للدستور بمقولة أن القرار بقانون رقم 113 لسنة 1957 أدخلها كتعديل على هذا القانون وأنه لا يجوز تنظيم الحريات العامة أو تقييدها إلا بقانون.
وحيث إن هذا النعى مردود بأن القرارات بقوانين التى تصدر عن رئيس الجمهورية إعمالاً لسلطاته الدستورية المنصوص عليها فى المادتين (108، 147) من الدستور، لها بصريح نصها قوة القانون، ومن ثم فإنها تتناول بالتنظيم كل ما يتناوله القانون بما فى ذلك المسائل التى نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون أو وفقاً لأحكام القانون. فإذا تضمن القرار بقانون قيداً على حق أو حرية عامة يعطل الانتفاع بها أو يضيق من نطاقها، وقع هذا القرار فى حومة المخالفة الدستورية لخروجه على الحدود التى رسمها الدستور فى مجال تنظيمها.
وحيث إن المدعى ينعى على النص التشريعى المطعون عليه إهداره أصل البراءة الذى كفلته المادة (67) من الدستور، وذلك بإلزامه المتهم بارتكاب الجريمة المنصوص عليها فى الفقرة الثانية من المادة (302) من قانون العقوبات إثبات صحة الوقائع المعتبرة قذفاً فى حق القائم بالعمل العام خلال ميعاد قصير للغاية، وهو ما يعتبر نفياً للجريمة التى كان يتعين على النيابة العامة إثباتها فى كل ركن من أركانها باعتبار أن اصل البراءة يمتد إلى كل فرد سواء كان مشتبهاً فيه أو متهماً، وهو ما أكدته الفقرة الثانية من المادة (275) من قانون الإجراءات الجنائية بإيجابها أن يكون المتهم -فى كل الأحوال - آخر من يتكلم.
وحيث إن هذا النعى مردود بأن ما يعد قذفاً وفقاً للقانون إنما يندرج تحت الجرائم التى تخل باعتبار الشخص وقدره. وقد دل المشرع بالنصوص التى حدد بها أركان هذه الجريمة على أن قوامها إسناد واقعة محددة قصداً وعلانية إلى شخص معين إذا كان من شأن هذه الواقعة - لو قام الدليل على صحتها - عقابه أو احتقاره.
والأصل فى هذه الجريمة أن مرتكبها - وكلما توافرت أركانها - مؤاخذ بالعقوبة المقررة لها ولو كان يعتقد صحة الواقعة التى نسبها إلى غيره، أو كان لهذه الواقعة معينها من الأوراق وسواء كان تقديره لثبوتها مشوهاً أو مندفعاً أو متزناً، حملته على إسنادها ضغائن شخصية أم كان مستلهماً فى ذلك قوة الحقيقة ونقاء الضمير. ومن ثم لا إعتداد فى قيام هذه الجريمة بصحة الواقعة أو بهتانها، استوائها على الحق أم ولوغها فى الباطل، اقتران إسنادها بنية الأضرار أم تجرده من سوء القصد. وإذ كان ما تقدم هو الأصل فى كل واقعة تعد قذفاً وفقاً للقانون، إلا أن المشرع أباح الإسناد العلنى لما يعد قذفاً، وذلك فى أحوال بذاتها هى تلك التى يقتضيها الطعن فى أعمال الموظفين العموميين أو المكلفين بالخدمة العامة أو ذوى الصفة النيابية العامة باعتبار أن هذه الأعمال من الشئون العامة التى لا يجوز أن يكون الاهتمام بالاستقامة فى أدائها والإلتزام بضوابطها ومتطالبتها وفقاً للقانون مقصوراً على فئة من المواطنين دون أخرى ، بما مؤداه: أن يكون انتقاد جوانبها السلبية وتعرية نواحى التقصير فيها وبيان أوجه مخالفة القانون فى مجال ممارستها، حقاً لكل مواطن وفاء بالمصلحة العامة التى يقتضيها النهوض بالمرافق العامة وأداء المسئولية العامة على الوجه الأكمل، ولأن الوظيفة العامة وما يتصل بها من الشئون العامة لا تعدو أن تكون تكليفاً للقائمين عليها. والتزامهم الأصلى فى شأنها مقصور على النهوض بتبعاتها بما لا مخالفة فيه للقانون. فإذا كان انتقاد القائم من هؤلاء بالعمل العام منطوياً على إسناد واقعة أو وقائع بذاتها علانية إليه من شأنها- لو صحت- عقابه أو احتقاره، وكان هذا الإسناد بحسن نية ، واقعاً فى مجال الوظيفة العامة أو النيابة أو الخدمة العامة ملتزماً إطارها، وأقام من قذفها فى حقه الدليل على حقيقتها، اعتبر ذلك قذفاً مباحاً قانوناً عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة (302) من قانون العقوبات. متى كان ذلك وكانت الإباحة - بالشروط المتقدمة - مستندة إلى نص القانون، فإن الفقرة الثانية من المادة (302) المشار إليها، تعتبر مصدراً مباشراً لها، وهى فى كل حال لا تعدو أن تكون تطبيقاً لقاعدة عامة فى مجال استعمال الحق، إذ يعتبر هذا الاستعمال دوماً سبباً للإباحة كلما كان الغرض منه تحقيق المصلحة الاجتماعية التى شرع الحق من أجلها.
متى كان ماتقدم، وكان المشرع - بالإباحة التى قدرها فى مجال انتقاد القائمين بالعمل العام تبياناً لحقيقة الأمر فى شأن الكيفية التى يصرفون بها الشئون العامة - قد وازن بين مصلحة هؤلاء فى طمس انحرافاتهم وإخفاء أدلتها توقياً لخدش شرفهم أو التعريض بسمعتهم من ناحية، وبين مصلحة أولى بالرعاية وأحق بالحماية هى تلك النابعة من ضرورة أن يكون العمل العام واقعاً فى إطار القانون وبمراعاة حدوده، وكان المشرع- على ضوء مقتضيات هذه الموازنة وفى حدود ضوابطها - قد حسر عن القائم بالعمل العام الرعاية التى يتطلبها صون اعتباره كلما كان الإسناد العلنى - الم تضمن قذفاً فى حقه - واقعاً فى حدود النقد المباح الذى بين قانون العقوبات شروطه فى الفقرة الثانية من المادة (302) منه، وكان من المقرر أن توافر الشروط التى يتطلبها القانون فى النقد المباح إنما يزيل عن الفعل صفته الإجرامية ، ويرده إلى دائرة المشروعية بعد أن كان خارجاً عن محيطها لخضوعه ابتداء لنص بالتجريم، وكان البين من الدعوى الموضوعية أن المدعى - فى الدعوى الماثلة - قد ركن فى مجال إثباته انتفاء الركن الشرعى للجريمة، إلى أن ما تضمنه المطبوع الصادر منه من وقائع نسبها إلى أحد القائمين بالعمل العام - والمدعى بأنها تعتبر قذفاً فى حقه - لا يعدو أن يكون استعمالاً من جانبه للحق فى النقد المباح، وهو حق كفل المشرع أصله محدداً شرائطه ومقرراً بموجبه شرعية استثنائية لفعل أضحى بها مباحاً بعد أن كان معاقباً عليه قانوناً، فقد تعين على المدعى - إذ يتذرع باستعمال حق مقرر قانوناً - أن يقيم الدليل على ثبوته وإنه توخى - فى مجال مباشرته - المصلحة الاجتماعية التى قصد المشرع إلى بلوغها من وراء تقريره، فإن هو أخفق فى برهانه، دل ذلك على أن الشروط التى لا يقوم الحق فى النقد المباح إلا باكتما لها، مختلفة بتمامها أو فى بعض جوانبها، ليرتد الفعل بالتالى إلى صورته الأصلية وهى الجريمة التى لا تجوز إدانته بارتكابها إلا بعد قيام النيابة العامة بإثباتها فى كل ركن من أركانها، وبالنسبة إلى كل واقعة ضرورية لقيامها، بما فى ذلك القصد الجنائى الذى تطلبه المشرع فيها، ولا مخالفة فى ذلك كله لإفتراض البراءة الذى كفله الدستور فى المادة (67) منه ليعكس بمقتضاه قاعدة مبدئية تعتبر فى ذاتها مستعصية على الجدل، وتقتضيها الشرعية الإجرائية .
وحيث إن المدعى ينعى كذلك على النص التشريعى المطعون عليه إلزامه المتهم بأن يقدم خلال أجل قصير للغاية بياناً بالأدلة على صحة الوقائع التى نسبها إلى القائم بالعمل العام، وإلا سقط حقه فى إبداء دفاعه وإثبات صحة نقده، وهو ما يؤول قطعاً إلى إدانته، ويخل بالتالى بضمانتين كفلهما الدستور لسلامة العمل الوطنى هما حق كل مواطن فى النقد الذاتى والنقد البناء على ما تقضى به المادة (47) منه، وكذلك بما قررته هذه المادة ذاتها من كفالة حق كل إنسان فى التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير، وينطوى من ناحية أخرى على إهدار لنص المادة (49) من الدستور التى تكفل للمواطنين حرية البحث العلمى والإبداع الأدبى والفنى والثقافى ، ويندرج تحتها علم التاريخ والعلوم السياسية ، وهو فى كل حال يعطل حق الدفاع المنصوص عليه فى المادة (69) من الدستور، ويناقض مبدأى تكافؤ الفرص والمساواة أمام القانون المقررين بالمادتين (8، 40) منه، وذلك بإلزامه من ينشر مطبوعا وتقام الدعوى الجنائية ضده - دون غيره من المتهمين- بأن يطرح أدلته المؤيدة لصحة الوقائع التى نسبها إلى القائم بالعمل العام خلال ميعاد لا تنفسح فيه إمكانية تقديمها، وإلا سقط حقه فى إقامة الدليل بصفة نهائية . وتتعارض الفقرة المطعون عليها كذلك وروح الدستور وأهدافه ذلك أن القيود التى فرضتها على الحق فى تقديم الدليل، غايتها إسباغ الحماية الباطلة على رجال الحكم ووأد الآراء المعارضة لهم فى مهدها، ومحو كل تأثير لها حتى لا يجرؤ أحد على مواجهتهم. وبالإضافة إلى ما تقدم، فإن الإطار الذى كفله الدستور لكل محاكمة جنائية - وعلى ما تنص عليه المادة (67) منه - هو أن تكون من صفة ، وأن تتقرر الإدانة خلالها- إن كان لها وجه - على ضوء العقيدة التى يطمئن إليها القاضى . ولا كذلك النص التشريعى المطعون فيه، إذ هو يكرس الفاشية ، ويخل فوق هذا بمبادئ الشريعة الإسلامية التى تكفل حرية الرأى وتؤكد حق الرعية فى محاسبة ولاتها، ومن تنعقد لهم ناصية الأمر فيها دون وجل من سطوتهم، ويتعارض بالتالى ونص المادة (2) من الدستور.
وحيث إن هذا النعى سديد فى جوهره، ذلك أن الدستور حرص على أن يفرض على السلطتين التشريعية والتنفيذية من القيود ما ارتآه كفيلاً بصون الحقوق والحريات العامة على اختلافها كى لا تقتحم إحداها المنطقة التى يحميها الحق أو الحرية أو تتداخل معها بما يحول دون ممارستها بطريقة فعالة ، ولقد كان تطوير هذه الحقوق والحريات وإنمائها من خلال الجهود المتواصلة الساعية لإرساء مفاهيمها الدولية بين الأمم المتحضرة ، مطلباً أساسياً توكيداً لقيمتها الاجتماعية ، وتقديراً لدورها فى مجال إشباع المصالح الحيوية المرتبطة بها، ولردع كل محاولة للعدوان عليها. وفى هذا الإطار تزايد الاهتمام بالشئون العامة فى مجالاتها المختلفة، وغدا عرض الآراء المتصلة بأوضاعها، وانتقاد أعمال القائمين عليها مشمولاً بالحماية الدستورية تغليباً لحقيقة أن الشئون العامة، وقواعد تنظيمها وطريقة إدارتها، ووسائل النهوض بها، وثيقة الصلة بالمصالح المباشرة للجماعة، وهى تؤثر بالضرورة فى تقدمها، وقد تنتكس بأهدافها القومية متراجعة بطموحاتها إلى الوراء.
وتعين بالتالى أن يكون انتقاد العمل العام من خلال الصحافة أو غيرها من وسائل التعبير وأدواته حقاً مكفولاً لكل مواطن، وأن يتم التمكين لحرية عرض الآراء وتداولها بما يحول- كأصل عام- دون إعاقتها أو فرض قيود مسبقة على نشرها. وهى حرية يقتضيها النظام الديموقراطى ، وليس مقصوداً بها مجرد أن يعبر الناقد عن ذاته، ولكن غايتها النهائية الوصول إلى الحقيقة من خلال ضمان تدفق المعلومات من مصادرها المتنوعة ، وعبر الحدود المختلفة ، وعرضها فى آفاق مفتوحة تتوافق فيها الآراء فى بعض جوانبها أو تتصادم فى جوهرها ليظهر ضوء الحقيقة جلياً من خلال مقابلتها ببعض، وقوفاً على ما يكون منها زائفا أو صائباً، منطوياً على مخاطر واضحة أو محققا لمصلحة مبتغاه، ومن غير المحتمل أن يكون انتفاد الأوضاع المتصلة بالعمل العام تبصيراً بنواحى التقصير فيه، مؤدياً إلى الإضرار باية مصلحة مشروعة . وليس جائزاً بالتالى أن يكون القانون أداة تعوق حرية التعبير عن مظاهر الإخلال بأمانة الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة أو مواطن الخلل فى أداء واجباتها، ذلك أن ما يميز الوثيقة الدستورية ويحدد ملامحها الرئيسية هو أن الحكومة خاضعة لمواطنيها، ولا يفرضها إلا الناخبون . وكلما نكل القائمون بالعمل العام- تخاذلاً أو إنحرافاً - عن حقيقة واجباتهم مهدرين الثقة العامة المودعة فيهم، كان تقويم إعوجاجهم حقاً وواجباً مرتبطاً ارتباطاً عميقاً بالمباشرة الفعالة للحقوق التى ترتكز فى أساسها على المفهوم الديموقراطى لنظام الحكم، ويندرج تحتها محاسبة الحكومة ومساءلتها وإلزامها مراعاة الحدود والخضوع للضوابط التى فرضها الدستور عليها.
ولا يعدو إجراء الحوار المفتوح حول المسائل العامة ، أن يكون ضماناً لتبادل الآراء على اختلافها كى ينقل المواطنون علانية تلك الأفكار التى تجول فى عقولهم- ولو كانت السلطة العامة تعارضها- إحداثاً من جانبهم- وبالوسائل السلمية - لتغيير قد يكون مطلوباً. ولئن صح القول بأن النتائج الصائبة هى حصيلة الموازنة بين آراء متعددة جرى التعبير عنها فى حرية كاملة ، وإنها فى كل حال لا تمثل انتقاء من السلطة العامة لحلول بذاتها تستقل بتقديرها وتفرضها عنوة ، فإن من الصحيح كذلك أن الطبيعة الزاجرة للعقوبة التى توقعها الدولة على من يخلون بنظامها، لا تقدم ضماناً كافياً لصونه، وإن من الخطر فرض قيود ترهق حرية التعبير بما يصد المواطنين من ممارستها، وأن الطريق إلى السلامة القومية إنما يكمن فى ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح لمواجهة أشكال من المعاناة - متباينة فى أبعادها- وتقرير ما يناسبها من الحلول النابعة من الإرادة العامة . ومن ثم كان منطقياً، بل وأمراً محتوماً أن ينحاز الدستور إلى حرية النقاش والحوار فى كل أمر يتصل بالشئون العامة ، ولو تضمن انتقاداً حاداً للقائمين بالعمل العام، إذ لا يجوز لأحد أن يفرض على غيره صمتاً ولو كان معززاً بالقانون، ولأن حوار القوة إهدار لسلطان العقل، ولحرية الإبداع والأمل والخيال، وهو فى كل حال يولد رهبة تحول بين المواطن والتعبير عن آرائه، بما يعزز الرغبة فى قمعها، ويكرس عدوان السلطة العامة المناوئة لها، مما يهدد فى النهاية أمن الوطن واستقراره.
وحيث إنه على ضوء ماتقدم، فإن انتقاد القائمين بالعمل العام -وإن كان مريراً- يظل متمتعاً بالحماية التى كفلها الدستور لحرية التعبير عن الآراء بما لا يخل بالمضمون الحق لهذه الحرية ، أو يجاوز الأغراض المقصودة من إرسائها. وليس جائزاً بالتالى أن تفترض فى كل واقعة جرى إسنادها إلى أحد القائمين بالعمل العام، أنها واقعة زائفة أو أن سوء القصد قد خالطها. كذلك فإن الآراء التى تم نشرها فى حق أحد ممن يباشرون جانباً من اختصاص الدولة ، لا يجوز تقييمها من فصلة عما توجبه المصلحة العامة فى أعلى درجاتها من عرض إنحرافهم، وأن يكون المواطنون على بينة من دخائلها. ويتعين دوماً أن تتاح لكل مواطن فرصة مناقشتها واستظهار وجه الحق فيها. وإذ كان الدستور القائم قد نص فى المادة (47) منه على أن حرية الرأى مكفولة ، وأن لكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون، وكان الدستور قد كفل بهذا النص حرية التعبير عن الرأى بمدلول جاء عاماً ليشمل حرية التعبير عن الآراء فى مجالاتها المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن الدستور - مع ذلك- عنى بإبراز الحق فى النقد الذاتى والنقد البناء باعتباره ما ضمانان لسلامة البناء الوطنى، مستهدفاً بذلك توكيد أن النقد - وإن كان فرعاً من حرية التعبير- وهى الحرية الأصل التى يرتد النقد إليها ويندرج تحتها، إلا أن أكثر ما يميز حرية النقد- إذا كان بناءً- أنه فى تقدير واضعى الدستور ضرورة لازمة لا يقوم بدونها العمل الوطنى سوياً على قدميه، وما ذلك إلا لأن الحق فى النقد – وخاصة فى جوانبه السياسية – يعتبر إسهاماً مباشراً فى صون نظام الرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وضرورة لازمة للسلوك المن ضبط فى الدول الديموقراطية، وعائقاً دون الإخلال بحرية المواطن فى أن يعلم، وأن يكون فى ظل التنظيم البالغ التعقيد للعمل الحكومى قادراً على النفاذ إلى الحقائق الكاملة المتعلقة بكيفية تصريفه، على أن يكون مفهوماً أن الطبيعة البناءة للنقد - التى حرص الدستور على توكيدها- لايراد بها أن ترصد السلطة التنفيذية الآراء التى تعارضها لتحديد ما يكون منها فى تقديرها موضوعياً، إذ لو صح ذلك لكان بيد هذه السلطة أن تصادر الحق فى الحوار العام، وهو حق يتعين أن يكون مكفولاً لكل مواطن وعلى قدم من المساواة الكاملة . ومارمى إليه الدستور فى هذا المجال هو ألا يكون النقد منطوياً على آراء تنعدم قيمها الاجتماعية كتلك التى تكون غايتها الوحيدة شفاء الأحقاد والضغائن الشخصية أو التى تكون منطوية على الفحش أو محض التعريض بالسمعة . كما لا تمتد الحماية الدستورية إلى آراء تكون لها بعض القيمة الاجتماعية، ولكن جرى التعبير عنها على نحو يصادر حرية النقاش أو الحوار كتلك التى تتضمن الحض على أعمال غير مشروعة تلابسها مخاطر واضحة تتعرض لها مصلحة حيوية . إذ كان ذلك فإن الطبيعية البناءة للنقد لا تفيد لزوماً رصد كل عبارة احتواها مطبوع، وتقييمها- من فصلة عن سياقها- بمقاييس صارمة، ذلك أن ما قد يراه إنسان صواباً فى جزئية بذاتها، قد يكون هو الخطأ بعينه عند آخرين، ولا شبهة فى أن المدافعين عن آرائهم ومعتقداتهم كثيراً ما يلجأون إلى المغالاة، وأنه إذا أريد لحرية التعبير أن تتنفس فى المجال الذى لا يمكن أن تحيا بدونه، فإن قدراً من التجاوز يتعين التسامح فيه.
ولا يسوغ بحال أن يكون الشطط فى بعض الآراء مستوجباً إعاقة تداولها. وتقتضى الحماية الدستورية لحرية التعبير، بل وغايتها النهائية فى مجال انتقاد القائمين بالعمل العام، أن يكون نفاذ الكافة إلى الحقائق المتصلة بالشئون العامة، وإلى المعلومات الضرورية الكاشفة عنها متاحاً، وألا يحال بينهم وبينها اتقاء لشبهة التعريض بالسمعة ، ذلك أن ما نضفيه إلى دائرة التعريض بالسمعة - فى غير مجالاتها الحقيقة - لتزول عنه الحماية الدستورية، لا بد أن يقتطع من دائرة الحوار المفتوح المكفول بهذه الحماية ، مما يخل فى النهاية بالحق فى تدفق المعلومات، وانتقاد الشخصيات العامة بمراجعة سلوكها وتقييمه، وهو حق متفرع من الرقابة الشعبية النابعة من يقظة المواطنين المعنيين بالشئون العامة الحريصين على متابعة جوانبها السلبية وتقرير موقفهم منها. ومؤدى إنكاره أن حرية النقد لن يزاولها أو يلتمس طرقها ألا أكثر الناس إندفاعاً أو أقواهم عزماً. وليس أدعى إلى إعاقة الحوار الحر المفتوح من أن يفرض قانون جنائى قيوداً باهظة على الأدلة النافية لتهمة التعريض بالسمعة - فى أقوال تضمنها مطبوع- إلى حد يصل إلى إهدار الحق فى تقديمها، وهو ما سلكه النص التشريعى المطعون فيه، ذلك أن الأصل وفقاً لنص الفقرة الثانية من المادة (302) من قانون العقوبات، هو أن انتقاد القائم بالعمل العام أو من كان مضطلعاً بأعبائه، يعتبر أمراً مباحاً بشروط من بينها إثبات الناقد لحقيقة كل فعل أسنده إليه. وقد نظم قانون الإجراءات الجنائية فى الفقرة الثانية من المادة (123) منه، الكيفية التى يتم بها هذا الإثبات، وذلك بإلزامه المتهم - المكلف بالحضور إلى المحكمة مباشرة وبدون تحقيق سابق- بأن يقدم خلال خمسة الأيام التالية لإعلان تكليفه بالحضور، بياناً بالأدلة على صحة كل فعل أسنده إلى القائم بالعمل العام، وإلا سقط حقه فى تقديم الدليل. وإسقاط الحق فى تقديم الدليل على هذا النحو لا بد أن يعقد ألسنة المعنيين بالعمل العام خوفاً، إذا هم أخفقوا فى بيانه خلال ذلك الميعاد الذى ضربه المشرع، وهو ميعاد بالغ القصر. وعبئاً على هذا النحو من الثقل لابد أن يكون مثبطاً لعزائم هؤلاء الحريصين على إظهار نواحى القصور فى الأداء العام، لأنهم سيتحرجون من إعلان انتقاداتهم هذه، ولو كانوا يعتقدون بصحتها، بل ولو كانت صحيحة فى واقعها، وذلك خوفاً من سقوط الحق فى تقديم الدليل عليها. يؤيد ذلك أن السقوط المقرر بالنص التشريعى المطعون فيه هو مما لا تترخص محكمة الموضوع فى تقديره، بل يعتبر مترتباً بحكم القانون تبعاً لقيام موجبه، بما مؤداه: أنه إذا ما حكم بهذا السقوط، عومل الناقد باعتباره قاذفاً فى القائم باعباء الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة ولو كان نقده واقعاً فى إطارها، متوخياً المصلحة العامة ، كاشفاً عن الحقيقة دائما، مؤكداً لها فى كل جوانبها وجزئياتها، مقروناً بحسن النية ، مجرداً من غرض التجريح أو التهوين من مركز القائم بالعمل العام. وهو ما ينحدر بالحق فى النقد العام إلى منزلة الحقوق المحددة الأهمية ، ويخل بتعدد الآراء التى يتعين أن يشتمل عليها امتياز الحوار العام، كما ينال من ضمانة الدفاع التى لا تقتصر قيمتها العملية على مرحلة المحاكمة ، بل تمتد مظلتها كذلك وما يتصل بها من أوجه الحماية إلى المرحلة السابقة عليها، وهى بعد ضمانة كفلها الدستور من خلال إلزامه الدولة بأن تعمل على تقرير الوسائل الملائمة التى تعين بها المعوزين على صون حقوقهم وحرياتهم، وهى أكثر ما تكون لزوماً فى مواجهة القيود التى تقوض الحرية الشخصية أو تحد منها، كذلك كلما ترتب على فواتها سقوط الحق فى تقديم الدليل عند الفصل فى اتهام جنائى بما يصادم المفهوم الصحيح لإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة ، ويناقض بالتالى القواعد المبدئية التى لا تقوم المحاكمة المنصفة بدونها والتى تعكس فى جوهرها نظاماً متكامل الملامح يتوخى صون الحق فى الحياة ، والحرية ، والشخصية المتكاملة ، ومن ثم يكون النص المطعون فيه مخالفاً لأحكام المواد (41، 47، 67، 69) من الدستور.
فلهذه الأسباب
( حكم - المحكمة الدستورية العليا - الدعوى رقم 37 لسنة 11 ق - بجلسة 6 / 2 / 1993 )
لقد أوجبت المادة محل التعليق عند حضور المتهم لأول مرة في التحقيق، أن يتثبت المحقق من شخصيته، ثم يحيطه علماً بالتهمة المنسوبة إليه ويثبت أقواله في المحضر.
وهذا الإجراء ليس هو الاستجواب لأنه لا يتضمن مناقشته تفصيلياً في التهمة، وإنما يفيد المتهم في إحاطته بالتهمة ويضمن دفاعه، إلا أنه إذا تم في وقت مبكر من التحقيق وقبل استجواب المتهم بوقت طويل فإنه قد يعطيه فرصة لمواجهة أدلة الاتهام بمختلف الوسائل. ولا يشترط عند التثبت من شخصية المتهم وإحاطته علماً بالتهمة المنسوبة إليه، أن يفصح المحقق عن شخصيته. وإنما يجب أن يحاط المتهم بسلطة المحقق وهل هو من مأموري الضبط القضائي أم عضو من أعضاء النيابة العامة أم من قضاة التحقيق. ولا يترتب على إغفال هذه الإحاطة بطلان الاستجواب. ولكنه قد يؤثر في اقتناع المحكمة بحالة المتهم عند إبداء أقواله وما هدوء روعه وثقته في حياد المحقق. وكانت لهذه المادة فقرة ثانية تنص على أنه " ويجب على المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له وعلى الأكثر فى الخمسة الأيام التالية بيان الأدلة على كل فعل اسند إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة، وإلا سقط حقه في الدليل المشار إليه في الفقرة الثانية من المادة (302) من قانون العقوبات. فإذا كلف المتهم بالحضور أمام المحكمة مباشرة وبدون تحقيق سابق وجب عليه أن يعلن النيابة العامة والمدعي بالحقوق المدنية بالحضور وإلا سقط حقه في إقامة الدليل. ولا يجوز تأجيل نظر الدعوى في هذه الأحوال أكثر من مرة واحدة لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً. وينطق بالحكم مشفوعاً بأسبابه. وقد صدر حكم المحكمة الدستورية العليا في 1993/2/6 بعدم دستورية هذه الفقرة في القضية رقم 317 لسنة 11 دستورية لمخالفته لنص المواد 47 ، 67 ، 69 من الدستور.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد : الثاني ، الصفحة : 5)
الاستجواب في جريمة القذف بطريق النشر: أوجبت المادة (123) إجراءات معدلة بالقانون رقم 113 لسنة 1975 على المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له وعلى الأكثر فى الخمسة أيام التالية الأدلة على كل فعل أسند إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المشار إليه في الفقرة من المادة (302) من قانون العقوبات وإذا كلف المتهم بالحضور أمام المحكمة مباشرة وبدون تحقيق سابق وجب عليه أن يعلن إلى النيابة والمدعي بالحق المدني بیان الأدلة في الخمسة أيام التالية لإعلان التكليف بالحضور، وإلا سقط حقه كذلك في إقامة هذا الدليل وذلك طبعاً إذا كان القذف قد حصل بسلامة نية وكان لا يتعدى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة فحينئذً يجوز للقاذف أن يثبت حقيقة كل الأفعال التي أسندها إلى المقذوف حتى يستفيد من إباحة الفعل طبقاً للمادة (302) عقوبات الآنفة الذكر وقد رسم القانون الإجرائي هذه القيود حماية للمجني عليه حتى لا ينشر القاذف قذفه إلا بعد التحقيق من صحة ما قد يسنده من اتهامات ربما تظل عالقة مدة من الزمن المجني عليه ولو كانت باطلة.
هذا ويلاحظ أن المحكمة الدستورية العليا قد قضت في الدعوى رقم 42 لسنة 16 قضائية بجلسة 1995/5/20 بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الثانية من المادة (123) من قانون الإجراءات الجنائية من إلزام المتهم بارتكاب جريمة القذف بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم للمحقق عند أول إستجواب له وعلى الأكثر الخمسة الأيام التالية بيان بالأدلة على كل فعل أسند إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المشار إليه في الفقرة الثانية من المادة (302) من قانون العقوبات.(المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد : الثاني ، الصفحة : 97)
الاستجواب : هو إجراء من إجراءات التحقيق بمقتضاه يتثبت المحقق من شخصية المتهم ويناقشه في التهمة المنسوبة إليه على وجه مفصل في الأدلة القائمة في الدعوى إثباتاً ونفياً . والاستجواب بهذا يحقق وظيفتين : الأولى : هي إثبات شخصية المتهم ومناقشته تفصيلاً في الاتهام الموجه إليه . والثانية : هي تحقيق دفاع المتهم. وهو من أجل ذلك لا يعتبر من إجراءات جمع الأدلة بالمعنى الدقيق ذلك أن الغاية منه ليست هي تجميع أدلة الثبوت أو النفي وإنما يهدف أولا قبل كل شيء إلى التثبت من شخصية المتهم وضمان تحقيق دفاعه بالنسبة للاتهام الموجه إليه. ومع ذلك فهو يمكن أن يكون مصدراً من مصادر الأدلة في التحقيق باعتبار أن السلطة التحقيق أن تستقي منه العناصر الكافية لإثبات أو نفي التهمة قبل المتهم. ومن أجل ذلك يختلف الاستجواب عن سؤال المتهم في محضر جمع الاستدلالات بمعرفة مأمور الضبط، فالإجراء الذي يقوم به مأمور الضبط هو مجرد سماع أقوال المتهم بالنسبة للتهمة المنسوبة إليه دون تفصيل ودون تحقيق الدفاعه ولذلك فإن المشرع لم يحط سماع الأقوال بمحضر جمع الاستدلالات بذات الضمانات التي أحاط بها الاستجواب كإجراء تحقيق تقوم به سلطة التحقيق، كما أنه لم يرتب عليه الآثار القانونية التي رتبها بالنسبة للاستجواب فالحبس الاحتياطي مثلاً لا يجوز الأمر به إلا بعد استجواب المتهم بمعرفة سلطة التحقيق ولا يجوز الأمر به بناء على سماع الأقوال بمحضر الاستدلالات . كما أن وصف التهمة وتحديد عناصرها يتوقف على ما توجهه سلطة التحقيق للمتهم وتحقيق دفاعه بالنسبة لها على عكس الحال بالنسبة لمحضر الاستدلالات الذي يسمع فيه مأمور الضبط أقوال المتهم، فوصف التهمة إنما تتولاه النيابة العامة بناء على تكييفها الوقائع الواردة بالمحضر وليس بناء على ما ووجه به المتهم من قبل مأمور الضبط.
مضمون الاستجواب : يجب أن يتضمن الاستجواب بوصفه إجراء من إجراءات التحقيق العناصر الآتية : 1- التثبت من شخصية المتهم وإثبات البيانات الخاصة به من حيث الاسم والسن وصناعته ومحل إقامته وأوصافه ، وذلك عند استجوابه لأول مرة في التحقيق. 2- تحديد الوقائع المنسوبة إلى المتهم تحديداً صريحاً وتحديد وصفها القانوني كلما أمكن ذلك. 3- مجابهة المتهم بالأدلة المثبتة ومناقشته تفصيلياً فيها. ويجوز للمحقق مجابهته بمصادر أدلة الثبوت إذا لم يكن في ذلك أضرار بمصلحة التحقيق. 4- دعوة المتهم إلى إبداء دفاعه والإتيان بالأدلة المثبتة لبراءته . وقد نصت المادة 123 إجراءات على حكم خاص بالنسبة لجريمة القذف بطريقة النشر في إحدى الصحف أو المطبوعات بأن أوجبت على المتهم أن يقدم المحقق عند أول استجواب له وعلى الأكثر فى الخمسة أيام التالية بيان الأدلة عن كل فعل أسند إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابة عامة أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المشار إليه في الفقرة الثانية من المادة 302 عقوبات.
ميعاد الاستجواب : لم يقيد المشرع سلطة التحقيق بإجراء الاستجواب في وقت معين. وذلك كقاعدة عامة . فيجوز لسلطة التحقيق الإلتجاء إليه في أية لحظة من مرحلة التحقيق . ولذلك فإن الاستجواب قد يكون هو أول إجراء من إجراءات التحقيق وبه تحرك الدعوى ، كما قد يكون في لحظة تالية لسماع الشهود أو إجراء المعاينة أو التفتيش، على أنه في حالة اعتراف المتهم بالتهمة المنسوبة إليه عند سؤاله شفوياً عنها فإنه يستحسن استجوابه فوراً وقبل أي إجراء آخر، وفي حالة الإنكار يفضل استجوابه بعد جمع أدلة الثبوت الأخرى لمواجهته بما أسفرت عنه . ويجوز إعادة استجواب المتهم أكثر من مرة أثناء التحقيق. وإذا كانت القاعدة العامة هي أن الاستجواب غير مقيد بميعاد معين إلا أن المشرع أوجب إجراءه خلال مدة أربع وعشرين ساعة إذا كان المتهم مقبوضاً عليه. فالمادة 131 إجراءات أوجبت على قاضي التحقيق أو النيابة العامة أن تستجوب فوراً المتهم المقبوض عليه ، وإذا تعذر ذلك يودع في السجن إلى حين استجوابه ويجب ألا تزيد مدة إيداعه على أربع وعشرين ساعة . فإذا مضت هذه المدة وجب على مأمور السجن تسليمه إلى النيابة العامة وعليها أن تستجوبه فوراً إذا كانت هي التي تباشر التحقيق . وإذا كان التحقيق يباشر بمعرفة قاضي التحقيق فعليها أن تطلب منه استجوابه في الحال، ولها عند الاقتضاء أن تطلب ذلك من القاضي الجزئي أو رئيس المحكمة أو أى قاض آخر يعينه رئيس المحكمة ، والأمر بإخلاء سبيله.
الاستجواب والمواجهة : يقصد بالمواجهة ذلك الإجراء الذي يقوم به المحقق وبمقتضاه يواجه المتهم بشخص متهم آخر أو شاهد فيما يتعلق بما أدلى به كل منهما من أقوال . ويثبت المحقق هذه المواجهة وما أدلى به كل منهما أثر المواجهة، وهذه المواجهة الشخصية تختلف في التحقيق عن المواجهة القولية التي فيها يواجه المحقق المتهم بما أدلى به شاهد أو متهم آخر في التحقيق . وهذه المواجهة الأخيرة ليست إجراء مستقلاً من إجراءات التحقيق وإنما تعتبر جزءاً مكملاً للاستجواب باعتبار أن الاستجواب يتضمن مواجهة المتهم بأدلة الثبوت ضده. ويلاحظ أن المواجهة الشخصية هي إجراء من إجراءات التحقيق لا تقتصر فقط على المتهم وإنما يمكن القيام بها في حالة التعارض بين أقوال شهود الإثبات أو النفي بالنسبة لواقعة واحدة. وقد تكون المواجهة الشخصية إجراء مستقلاً يقوم به المحقق في لحظة مستقلة عن الإجراءات الأخرى ، وقد يقوم به بمناسبة قيامه بإجراءات التحقيق الخاصة بالاستجواب أو المعاينة أو سماع الشهود. ونظراً لأن مواجهة المتهم بغيره من المتهمين أو الشهود في مواجهة بأدلة الثبوت فهي بذلك تأخذ حكم الاستجواب ويتعين أن يراعى في إجرائها كافة الضمانات المنصوص عليها بالنسبة للاستجواب.
الضمانات المقررة للاستجواب : نظراً لأهمية الاستجواب سواء بالنسبة لسلطة التحقيق أو بالنسبة للمتهم فقد روعي في إجرائه وجوب توافر ضمانات معينة . فالاستجواب هو إجراء من إجراءات التحقيق الضرورية للكشف عن الحقيقة لسلطة التحقيق باعتبار أنه يسمح لها بالمناقشة التفصيلية للمتهم ومواجهته بأدلة الثبوت المختلفة وتحقيق دفاعه بالنسبة لها . كما أن الاستجواب بوصفه هذا ينطوي على خطورة بالنسبة للمتهم باعتبار أن المناقشة التفصيلية قد تؤدي بالمتهم إلى الإدلاء بأقوال في غير صالحة وتؤخذ دليلاً عليه. كما أنه قد يؤدي أيضاً إلى اعترافه بالتهمة المنسوبة إليه . ومن أجل ذلك نجد أن المشرع سمح فقط بالاستجواب في مرحلة التحقيق الإبتدائي ولم يسمح به في مرحلة المحاكمة . فالمادة 247 إجراءات تنص على أنه لا يجوز استجواب المتهم من المحكمة إلا إذا قبل ذلك . وإذا أظهر أثناء المرافعة والمناقشة بعض وقائع يرى القاضى لزوم تقديم إيضاحات عنها من المتهم لظهور الحقيقة ، يلفته القاضي إليها ويرخص له بتقديم تلك الإيضاحات.
ومن أجل هذه الاعتبارات جميعها فقد نص المشرع على ضمانات معينة للاستجواب . وهذه الضمانات هي :
أولاً : يجب أن يباشر الاستجواب المحقق ذاته سواء أكان قاضي التحقيق أم النيابة العامة . فلا يجوز انتداب غير المحقق لإجراء الاستجواب، على عكس الحال بالنسبة لإجراءات التحقيق الأخرى وإذا كان قاضي التحقيق هو الذي يباشر التحقيق فلا يجوز له انتداب عضو النيابة أو مأمور الضبط الإجراء الاستجواب، وإذا كانت النيابة العامة هي التي تباشره فلا يجوز لها انتداب أحد مأموري الضبط القضائي لذلك (م 70).
ثانياً : إذا كانت الجريمة المنسوبة إلى المتهم جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس وجوباً ، فلا يجوز للمحقق استجواب المتهم أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود إلا بعد دعوة محاميه للحضور ، وعلى المتهم أن يعلن اسم محاميه بتقرير لدى قلم كتاب المحكمة أو إلى مأمور السجن أو يخطر به المحقق، كما يجوز لمحاميه أن يتولى هذا الإعلان أو الإخطار . ويستثنى من ذلك الأحوال التي يكون فيها الاستجواب بشأن جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس الوجوبي في حالة تلبس أو أحوال السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة . ففي هذين الفرضين يجوز للمحقق أن يباشر الاستجواب بدون دعوة محامي المتهم للحضور . ولا تتقيد النيابة العامة بالقيد السابق في تحقيقها للجنايات المنصوص عليها في الأبواب الأول والثانى مكرراً من الكتاب الثاني من قانون العقوبات .
ثالثاً : إذا كان المشرع قد أوجب دعوة المحامي عند الاستجواب، فمن الطبيعي أن يسمح له بالإطلاع على الأوراق قبل إجراء الاستجواب حتى يمكنه إبداء بعض ملاحظاته للمحقق . والمشرع ينص على وجوب السماح للمحامي بالإطلاع على الأوراق في هذه الحالة ، في اليوم السابق على الاستجواب أو المواجهة . ولا يكفي في هذه الصدد أن يكون المتهم قد أطلع على الأوراق حتى يحرم المحامي من هذا الحق . فحق الاطلاع هنا مقرر للمحامى ترتيباً على حقه في حضور الاستجواب ووجوب دعوته لذلك . ويلاحظ هنا أيضاً عدم التقيد بهذه الضمانة بالنسبة لتحقيق جنايات أمن الدولة .
رابعاً : يجب أن يكون الاستجواب قد بوشر في ظروف لا تأثير لها على إرادة المتهم و حريته في إبداء أقواله ودفاعه . فإذا توافر ظرف من الظروف التي تعدم إرادة المتهم أو تعيبها بحيث تكون أقواله لم تصدر عن إرادته الكاملة كان الاستجواب باطلاً ولا يمكن الاستناد إلى ما جاء فيه ويترتب على ذلك أنه لا يجوز استجواب المتهم تحت تأثير إكراه أو تهديد سواء من قبل المحقق أم من قبل غيره من رجال الضبط القضائي، كما لا يجوز الاستجواب تحت تأثير التنويم المغناطيسي أو تحت تأثير عقار من عقارات الحقيقة أو تحت تأثیر استعمال جهاز كشف الكذب رغماً عن إرادة المتهم . كما أن إرهاق المتهم في الاستجواب بإطالة مدته وعمداً بقصد وضع المتهم في ظروف نفسية قد تؤدي به في النهاية إلى الإنهيار والاعتراف أو الإدلاء بأقوال في غير صالحه يعتبر نوعاً من الإكراه المعنوي الذي يعدم الدليل المستمد من الاستجواب . ويعتبر أيضاً من قبيل الإكراه المعنوي تحليف المتهم اليمين قبل الاستجواب . ولذلك إذا سأل المحقق الشخص على أنه شاهد وحلفه اليمين القانونية ثم بدا له بعض أدلة الإتهام قبله فلا يجوز توجيه التهمة إليه في نهاية سماع شهادته وإنما يتعين عليه استجوابه بعد ذلك بإجراء مستقل عن إجراء سماع الشهادة دون تحليفه اليمين.
خامساً : يجب على المحقق ألا يلجأ في توجيه أسئلته ومواجهته للمتهم بأدلة الاتهام إلى الأسئلة الإيحائية أو إلى خداع المتهم . وإنما عليه أن يلتزم اتباع الحيدة المطلقة للوصول إلى الحقيقة وتحقيق دفاع المتهم تحقيقاً كاملاً . وإذا امتنع المتهم عن الإجابة الكلية أو الجزئية فعليه إثبات ذلك في المحضر ، ولا يجوز له أن يأخذ من ذلك دليلاً قاطعاً على الإدانة. يترتب على عدم مراعاة الضمانات الخاصة بالاستجواب بطلانه وكذلك بطلان ما ترتب عليه من إجراءات، ويكون البطلان متعلقاً بالنظام العام في حالة إنعدام الولاية بإجراء الاستجواب كما لو كان باشر الاستجواب هو مأمور الضبط القضائي بناء على انتداب من قاضي التحقيق أو النيابة العامة. كما يكون البطلان متعلقاً بالنظام العام إذا كان هناك تأثير على إرادة المتهم ويكون ذلك في حالتين.
الحالة الأولى : إذا كان الاستجواب قد بوشر تحت تأثیر إكراه أو تهديد أو إرهاق متعمد للمتهم أو كانت إرادته معدومة أو معيبة بسبب اعطائه جواهر تؤثر على حرية إرادته ووعيه الكامل بما يدلى به.
الحالة الثانية : إذا كان المحقق قد عمد إلى خداع المتهم أو كانت الأسئلة التي وجهها إليه من النوع الإيحائي .
أما مخالفة الضمانات الخاصة بمصلحة المتهم في الدفاع كدعوة المحامي للحضور أو تمكينه من الإطلاع فيترتب عليها بطلاناً متعلقاً بمصلحة الخصوم وليس متعلقاً بالنظام العام ، ولذلك يتعين التمسك به أمام محكمة الموضوع ولا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض.
ويترتب على بطلان الاستجواب بطلان كل ما يترتب عليه من آثار وعلى ذلك يكون الأمر بالحبس الاحتياطي بناء عليه باطلاً باعتبار أن الحبس الإحتياطي لا يجوز إلا بعد استجواب صحيح من قبل سلطة التحقيق . كذلك يبطل الاعتراف المترتب على الاستجواب.
ويرى البعض أن بطلان الاستجواب أو انعدامه يترتب عليه بطلان أمر الإحالة، غير أننا نرى خلاف ذلك، فأمر الإحالة غير مترتب على الاستجواب وإنما هو من أوامر التصرف في التحقيق، وما الاستجواب إلا إجراء من إجراءاته هذا فضلاً عن أن قواعد البطلان تقضي بأنه لا يلحق إلا بالإجراء الباطل وما ترتب عليه من إجراءات فلا يلحق البطلان الإجراءات السابقة التي تمت صحيحة أو اللاحقة والتي لا تترتب عليه مباشرة . ولم يقل أحد بأن بطلان الاستجواب يترتب عليه بطلان التحقيق بأكمله حتى يمكن الإنتهاء إلى ما انتهى إليه الرأي السابق من القول ببطلان أمر الإحالة . هذا بالإضافة إلى أن المشرع خول غرفة الإتهام السلطة المخولة لقاضي التحقيق وله أن يجري تحقيقاً تكميلياً كماله أن يندب قاضي التحقيق أو النيابة العامة حسب الأحوال إجراء تحقيقات تكميلية . ولذلك فإن البطلان الذي يلحق الإستجواب أو انعدام الاستجواب بالكلية لا يمنع غرفة الاتهام من تصحيح ذلك بما له من سلطة تحقيق.(الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء : الأول، الصفحة : 484)
ضمانات الدفاع :
يجب أن يحاط استجواب المتهم بضمانات تؤكد طبيعته كوسيلة من وسائل الدفاع، ونبين هذه الضمانات فيما يأتي.
الإحاطة بالتهمة
يجب إخطار الشخص بالتهمة المسندة إليه حتى يمكنه الدفاع عن نفسه وإثبات براءته، وفي هذا الصدد فإن طبيعة المعلومات التي يخطر بها عن الجريمة المنسوبة إليه وتوقيت هذا الإخطار - يعدان عنصرين مهمين لإعداد دفاعه.
ولما كان القبض على المتهم ينطوي على إسناد تهمة معينة إليه، وجب إخطار المقبوض عليه بهذه التهمة. وفي هذا المعنى نص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية سنة 1966 على وجوب إخطار كل شخص مقبوض عليه لحظة القبض عليه بأسباب هذا القبض، وإخطاره في أقصر فترة بالتهمة المنسوبة إليه (المادة 9/ 2).
كما نص على حق كل متهم بجريمة في أن يخطر في أقصر فترة باللغة التي يفهمها بطريقة تفصيلية - بطبيعة التهمة المسندة إليه وأسبابها (المادة 14/ 3 - أ).
وقد راعت معظم التشريعات هذا الضمان في حدود مختلفة، فبالنسبة إلى المتهم المقبوض عليه تذهب التشريعات عادة إلى وجوب أن يتضمن أمر القبض التهمة التي من أجلها تقرر القبض على المتهم. فإذا كان القبض بدون أمر سابق كما في حالة التلبس فإن بعض التشريعات تحتم إخطار المتهم المقبوض عليه بالتهمة في مهلة محددة.
ولذا يتعين إبلاغ كل من يقبض عليه أو يعتقل بأسباب القبض عليه أو اعتقاله فوراً، ووجوب إعلانه على وجه السرعة بالتهم الموجهة إليه. وقد أكدت هذا المعين المادة 139 من قانون الإجراءات الجنائية حين نصت على أن يبلغ فوراً كل من يقبض عليه أو يحبس احتياطياً بأسباب القبض عليه أو حبسه وأوجبت إعلانه على وجه السرعة بالتهم الموجهة إليه. وفي جميع الأحوال أوجب القانون على المحقق عند حضور المتهم لأول مرة في التحقيق أن يحيطه علماً بالتهمة المنسوبة إليه (المادة 123 إجراءات). وحظى هذا الضمان بالقيمة الدستورية في مصر، إذ نصت المادة 54 من الدستور المعدل لسنة 2014 في فقرتها الثانية على أنه يجب أن يبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك.
وقد أبدى البعض تخوفه من مراعاة هذا الضمان في وقت مبكر من التحقيق أو قبل استجواب المتهم بوقت طويل، لأنه قد يعطيه فرصة للكذب وتضليل العدالة . وهذا النظر مردود بأنه تطبيقاً لأصل البراءة، فإنه ليس من واجب المتهم إثبات براءته، وكل ما له هو مناقشة أدلة الإتهام المتوافرة ضده بكافة الوسائل الممكنة لديه.(الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب : الأول، الصفحة : 974)
وهذا الإجراء خاص بالإستجواب الأول، أو في تعبير خاص «بحضور المتهم لأول مرة في التحقيق»، ومن ثم لا يلتزم به المحقق في الاستجواب التالي. وهذا الإجراء ضمان هام للمتهم، إذ يتيح له أن يعرف التهمة الموجهة إليه على وجه التحديد، فينظم دفاعه إزاءها، ويثبت فساد هذا الإتهام. وهذا الإجراء له أهميته بالنسبة للمحقق نفسه، إذ يتيح له أن يضع خطة سليمة للإستجواب. وفي ضوء علة هذا الضمان، فإنه لا يكفي أن يخطر المحقق المتهم بالتهمة المسندة إليه إجمالاً، وإنما يتعين عليه كذلك أن يخطره تفصيلاً بالشبهات القائمة ضده كي يتاح له تفنيدها : فالإستجواب يفترض - كما قدمنا - مناقشة تفصيلية، ومن ثم تعين على المحقق أن يحدد للمتهم - مقدماً - الأساس التفصيلي للمناقشة التي يجريها معه.
ويشير الشارع بهذا النص إلى سبب الإباحة الذي يقرره لمرتكب القذف ضد الموظف العام (أو ذي الصفة النيابية العامة أو المكلف بخدمة عامة) ويجعل من شروطه إقامة الدليل على صحة ما أسنده إلى المجنى عليه وقد تطلب الشارع أن يقدم المتهم هذا الدليل عند أول استجواب له، وعلى الأكثر في خلال الخمسة الأيام التالية لهذا الاستجواب. فإن لم يفعل سقط حقه في إقامة الدليل. وعلة هذا النص حمل كل شخص على ألا يوجه قذفه إلى موظف عام (أو من في حكمه) إلا إذا كان في يده الدليل على صحة ما أسنده إليه، وذلك حماية لشرف الموظف العام من أن يعتدى عليه عن خفة وتسرع .
ولكن المحكمة الدستورية العليا قضت بعدم دستورية هذا النص، ووصفت هذا القيد بأنه «ينحدر بالحق في النقد العام إلى منزلة الحقوق المحدودة الأهمية، ويخل بتعدد الآراء التي يتعين أن يشتمل عليها امتياز الحوار العام، كما ينال من ضمانة الدفاع التي لا تقتصر قيمتها العملية على مرحلة المحاكمة، بل تمتد مظلتها كذلك وما يتصل بها من أوجه الحماية إلى المرحلة السابقة عليها».
(2) المحكمة الدستورية العليا في 6 فبراير سنة 1993، مجموعة أحكام المحكمة الدستورية
العليا، الجزء الخامس، المجلد الثاني، القاعدة رقم (15) ص 183 . وقد أضافت المحكمة إلى ذلك أن «هذه الضمانة كفلها الدستور من خلال إلزامه الدولة بأن تعمل على تقرير الوسائل الملائمة التي تعين بها المعوزين على صون حقوقهم وحرياتهم، وهي أكثر ما تكون لزوماً في مواجهة القيود التي تفرض على الحرية الشخصية أو تحد منها، كذلك كلما ترتب على فواتها سقوط الحق في تقديم الدليل عند الفصل في اتهام جنائي بما يصادم المفهوم الصحيح الإدارة العدالة الجنائية إدارة فعالة، ويناقض بالتالي القواعد المبدئية التي لا تقوم المحاكم المنصفة بدونها والتي تعكس في جوهرها نظاماً متكاملاً لملامح بتوخي صون الحق في الحياة، والحرية، والشخصية المتكاملة». وقد خلصت المحكمة إلى أن نص المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية يخالف أحكام المواد 41، 47، 67، 69 من الدستور، وبناء على ذلك قضت بعدم دستوريته.(الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد : الأول ، الصفحة : 640)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 226
مُتَّهَمٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمُتَّهَمُ لُغَةً:
مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ وَالتُّهْمَةُ هِيَ: الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَاتَّهَمْتُهُ: ظَنَنْتُ بِهِ سُوءًا فَهُوَ تَهِيمٌ، وَاتُّهِمَ الرَّجُلُ اتِّهَامًا: أَتَى بِمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
الْمُدَّعَى عَلَيْهِ :
- الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ دَعْوَى دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ وَالْمُدَّعِي: هُوَ مَنْ يَلْتَمِسُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ قِبَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُتَّهَمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ مِنْ أَحْكَامٍ :
تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا:
الْمُتَّهَمُ فِي الْجَرَائِمِ
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ عَلَى الْمُتَّهَمِ بِالتُّهْمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَلَمْ يَكْتَمِلْ نِصَابُ الْحُجَّةِ، أَوِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعِيثُ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَقَالُوا: إِنَّ الْمُتَّهَمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بَلْ يُعَزَّرُ مُتَّهَمُهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ فَيُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ بِالْحَبْسِ، وَقَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَسَعُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
(ر: تُهْمَةٌ ف 14).
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ وَلَهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ حَالُ اسْتِبْرَاءٍ تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ وَلَهَا عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا حَالُ اسْتِيفَاءٍ تُوجِبُهُ الأْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ.
فَأَمَّا حَالُهَا بَعْدَ التُّهْمَةِ وَقَبْلَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ النَّظَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ حَاكِمًا رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَدِ اتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَكُنْ لِتُهْمَةٍ بِهَا تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهُ لِكَشْفٍ وَلاَ اسْتِبْرَاءٍ وَلاَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَسْبَابِ الإْقْرَارِ إِجْبَارًا وَلَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إِلاَّ مِنْ خَصْمٍ مُسْتَحِقٍّ لِمَا قَرَفَ وَرَاعَى مَا يَبْدُو مِنْ إِقْرَارِ الْمَتْهُومِ أَوْ إِنْكَارِهِ إِنِ اتُّهِمَ بِالزِّنَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا وَيَصِفَ مَا فَعَلَهُ بِهَا بِمَا يَكُونُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَإِنْ أَقَرَّ حَدَّهُ بِمُوجِبِ إِقْرَارِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ وَكَانَتْ بَيِّنَةً سَمِعَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْلَفَهُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طَلَبَ الْخَصْمُ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَتْهُومُ أَمِيرًا كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَذَلِكَ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا : أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الإْمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِلدَّعْوَى الْمُقَرَّرَةِ وَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي الإْخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لاَ؟ فَإِنْ بَرَّءُوهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ خَفَّتِ التُّهَمَةُ وَوُضِعَتْ وَعَجَّلَ إِطْلاَقَهُ وَلَمْ يَغْلُظْ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرَّفُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَعَرَّفُوهُ بِأَشْبَاهِهِ غَلُظَتِ التُّهَمَةُ وَقَوِيَتْ وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا يُنَاسِبُهُ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ.
الثَّانِي : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ زِنًا وَكَانَ الْمَتْهُومُ مُطِيعًا لِلنِّسَاءِ ذَا فُكَاهَةٍ وَخَلاَبَةٍ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ، وَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارٌ لِضَرْبٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مُنَقِّبٌ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ أَيْضًا.
الثَّالِثُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُعَجِّلَ حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ لِذَلِكَ فَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَبْسَهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَجَاوَزُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَحْبِسُوا أَحَدًا إِلاَّ بِحَقٍّ وَجَبَ.
الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ أَنْ يَضْرِبَ الْمَتْهُومَ ضَرْبَ التَّعْزِيرِ لاَ ضَرْبَ الْحَدِّ لِيَأْخُذَ بِالصِّدْقِ عَنْ حَالِهِ فِيمَا قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يَكُنْ لإِقْرَارِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ حُكْمٌ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ وَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالإْقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الأْوَّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِالإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ.
الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إِذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكِسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.
السَّادِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ إِحْلاَفُ الْمَتْهُومِ اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إِحْلاَفُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلاَ أَنْ يُجَاوِزُوا الأَْيْمَانَ بِاللَّهِ إِلَى الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ.
السَّابِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إِجْبَارًا، وَيُظْهِرَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إِلَيْهَا طَوْعًا، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ، لأِنَّهُ وَعِيدُ إِرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إِلَى حَيِّزِ التَّعْزِيرِ وَالأْدَبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْقَتْلِ فَيَقْتُلَ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ.
الثَّامِنُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ.
التَّاسِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِدْ غُرْمًا وَلاَ حَدًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الأْثَرُ وَلاَ يُرَاعَى السَّبْقُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: بِحِسَابِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الاِقْتِرَافِ وَالتَّعَدِّي، وَالثَّانِي: بِحَسَبِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ.
وَإِذَا رَأَى مِنَ الصَّلاَحِ فِي رَدْعِ السَّفِلَةِ أَنْ يُشَهِّرَهُمْ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الأْمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الاِسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لاِخْتِصَاصِ الأْمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالأْحْكَامِ.
- وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ حَالَهُ.
فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهِمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الأْبْرِيَاءِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإْسْلاَمِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ «حَبَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ،» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ».
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إِنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الأْئِمَّةِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلاَ حَبْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ مَذْهَبًا لأِحَدٍ مِنَ الأْئِمَّةِ الأْرْبَعَةِ وَلاَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأْئِمَّةِ. وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لاَ يُضْرَبُ، ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.
الْمُتَّهَمُ فِي الْقَسَامَةِ
- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الأْيْمَانَ تُوَجَّهُ إِلَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وُجِّهَتِ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُوَجَّهُ تِلْكَ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ الدِّيَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسَامَةٌ ف 17).
تَحْلِيفُ الْمُتَّهَمِ فِي الأْمَانَاتِ
- يَحْلِفُ الْمُودَعُ وَالْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ وَكُلُّ مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تُهْمَةٌ ف 15).
وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ دَعْوَى الرَّدِّ وَدَعْوَى الضَّيَاعِ، إِذْ إِنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ فِي دَعْوَى الرَّدِّ يَدَّعِي يَقِينًا أَنَّ الْمُودَعَ كَاذِبٌ، فَيَحْلِفُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَّهَمًا أَمْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ لاَ عِلْمَ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ بِحَقِيقَةِ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ فَلاَ يَحْلِفُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الأْظْهَرُ أَنْ تُلْحَقَ الْيَمِينُ إِذَا قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَتَسْقُطَ إِذَا ضَعُفَتْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْمُودَعُ مَحَلَّ تُهْمَةٍ فَوُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ وَنَكَلَ عَنْهَا ضَمِنَ وَلاَ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا. وَصِفَةُ يَمِينِ الْمُتَّهَمِ أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْتُ، وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطْتُ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ.
الشَّكُّ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَّهَمُ
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالأْصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ».
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (شَكٌّ ف 38).
رُجُوعُ الْمُتَّهَمِ فِي إِقْرَارِهِ
إِذَا أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بِحَقِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ الإْقْرَارُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزَّكَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 59 - 60).
صِحَّةُ إِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ
يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ عَامَّةً شُرُوطٌ مِنْهَا:
عَدَمُ التُّهْمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي إِقْرَارِهِ؛ لأِنَّ التُّهْمَةَ تُخِلُّ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الإْقْرَارِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).
مَحْضَرٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمَحْضَرُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ: بِمَعْنَى الْحُضُورِ وَالشُّهُودِ.
يُقَالُ: كَلَّمْتُهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ فُلاَنٍ، وَبِحَضْرَتِهِ: أَيْ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الَّذِي كَتَبَ الْقَاضِي فِيهِ دَعْوَى الْخَصْمَيْنِ مُفَصَّلاً، وَلَمْ يَحْكُمْ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بَلْ كَتَبَهُ لِلتَّذَكُّرِ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
السِّجِلُّ :
- السِّجِلُّ لُغَةً: الْكِتَابُ يُدَوَّنُ فِيهِ مَا يُرَادُ حِفْظُهُ يُقَالُ: سَجَّلَ الْقَاضِي: قَضَى وَحَكَمَ وَأَثْبَتَ حُكْمَهُ فِي السِّجِلِّ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: السِّجِلُّ: كِتَابُ الْحُكْمِ وَقَدْ سَجَّلَ عَلَيْهِ الْقَاضِي.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحْضَرِ وَالسِّجِلِّ: أَنَّ الْمَحْضَرَ لاَ يَتَضَمَّنُ النَّصَّ عَلَى الْحُكْمِ وَإِنْفَاذِهِ، أَمَا السِّجِلُّ فَفِيهِ حُكْمُ الْقَاضِي.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ :
قَالَ الْفُقَهَاءُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي كِتَابَةُ مَحْضَرٍ فِي الدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتِ الَّتِي تُرْفَعُ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ لأِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَلاَ يُمْكِنُ حِفْظُهَا إِلاَّ بِالْكِتَابَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا، تُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطٌ تَفْصِيلُهَا فِي (قَضَاءٌ ف 43).
وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ كِتَابَةِ الْمَحْضَرِ: إِذَا لَمْ يَطْلُبْ مَنْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ مِنَ الْخَصْمَيْنِ كِتَابَتَهُ، فَإِنْ سَأَلَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ الْقَاضِيَ كِتَابَةَ مَا جَرَى أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَكَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ، كَأَنْ يَتَرَافَعَ خَصْمَانِ إِلَى الْقَاضِي فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِالْمُدَّعَى بِهِ أَوْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ، وَرَدَّ عَلَى الْمُدَّعِي وَحَلَفَ، وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَا جَرَى أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، فَالأْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجِبُ إِجَابَتُهُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأِنَّهُ وَثِيقَةٌ لَهُ كَالإْشْهَادِ، لأِنَّ الشَّاهِدَيْنِ رُبَّمَا نَسِيَا الشَّهَادَةَ، أَوْ نَسِيَا الْخَصْمَيْنِ فَلاَ يَذْكُرْهُمَا إِلاَّ ذَوِي خَطَّيْهِمَا وَالأْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي إِجَابَتُهُ، لأِنَّ الْكِتَابَةَ لاَ تُثْبِتُ حَقًّا.
وَيُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ، وَالأْخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ.
ثَمَنُ الْوَرَقِ الَّذِي تُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ :
- ثَمَنُ الْوَرَقِ الَّذِي تُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ وَالسِّجِلاَّتُ وَغَيْرُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لأِنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَالٌ، أَوِ احْتِيجَ إِلَيْهِ إِلَى مَا هُوَ أَهَمُّ فَعَلَى مَنْ لَهُ الْعَمَلُ مِنْ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ كِتَابَةَ مَا جَرَى فِي خُصُومَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ فَلاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ.
صِيغَةُ الْمَحْضَرِ
- إِنِ اخْتَارَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ مَحْضَرًا، أَوْ سَأَلَهُ مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ مِنَ الْخَصْمَيْنِ كِتَابَتَهُ: ذَكَرَ فِيهِ مَا يَأْتِي: أ - اسْمُ الْقَاضِي الَّذِي جَرَتِ الْخُصُومَةُ أَمَامَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَنَسَبَهُ، وَمَكَانَ وِلاَيَتِهِ، وَتَارِيخَ إِقَامَةِ الدَّعْوَى، وَأَنَّهَا أَقِيمَتْ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَحُكْمِهِ.
ب - اسْمُ الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ كَانَ يَعْرِفُهُمَا بِاسْمَيْهِمَا وَنَسَبَيْهِمَا وَيَرْفَعُ نَسَبَيْهِمَا حَتَّى يَتَمَيَّزَا. وَإِنْ كَانَ لاَ يَعْرِفُهُمَا: كَتَبَ: حَضَرَ عِنْدِي فِي مَجْلِسِ حُكْمِي: مُدَّعٍ ذَكَرَ: أَنَّهُ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ الْفُلاَنِيُّ وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ذَكَرَ: أَنَّهُ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ الْفُلاَنِيُّ وَيَرْفَعُ نَسَبَيْهِمَا، وَيَذْكُرُ أَهَمَّ صِفَاتِهِمَا كَالْغَمَمِ، وَالنَّزْعِ، وَلَوْنِ الْعَيْنِ، وَصِفَةِ الأْنْفِ، وَالْفَمِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَاللَّوْنِ، وَالطُّولِ، وَالْقِصَرِ.
ج - الْمُدَّعَى بِهِ، وَنَوْعُهُ وَصِفَتُهُ.
د - أَقْوَالُ الْمُدَّعِي.
هـ - أَقْوَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ، فَإِنْ أَقَرَّ كَتَبَ: أَقَرَّ لِلْمُدَّعِي بِالْمُدَّعَى بِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ كَتَبَ إِنْكَارَهُ، وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ذَكَرَهَا، وَإِنْ كَتَبَ الْمَحْضَرَ بِطَلَبٍ مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي كِتَابَتِهِ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ أَنَّهُ كَتَبَهُ اسْتِجَابَةً لِرَغْبَتِهِ وَذَكَرَ: أَنَّ الْبَيِّنَةَ أُقِيمَتْ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ؛ لأِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ.
و - أَسَمَاءُ الشُّهُودِ وَأَنْسَابُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ.
ز - فَإِنِ اسْتَحْلَفَ الْمُنْكِرَ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ.
ح - فَإِنْ حَلَفَ وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا لِئَلاَّ يَحْلِفَ ثَانِيًا أَجَابَهُ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَأَلَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَجَابَ طَلَبَهُ.
ط - وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ كَتَبَ: فَعُرِضَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ فَنَكَلَ مِنْهَا، هَذِهِ صُورَةُ الْمَحْضَرِ.
وَإِنِ اشْتَمَلَ الْمَحْضَرُ أَسِبَابَ الْحُكْمِ، وَقَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى ثُبُوتِهَا أَمَامَ الْقَاضِي، وَسَأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْقَاضِيَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْمَحْضَرِ، لَزِمَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِهِ وَيُنْفِذَهُ، فَيَقُولُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسِبَابِ الْحُكْمِ بِالْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمَحْضَرِ: حَكَمْتُ لَهُ بِهِ، وَأَلْزَمْتُهُ الْحَقَّ.
لأِنَّ الْحُكْمَ مِنْ لَوَازِمِ الثُّبُوتِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / التاسع والثلاثون ، الصفحة / 210
مُهْلَةٌ
التَّعْرِيفُ:
1 - الْمُهْلَةُ فِي اللُّغَةِ: السَّكِينَةُ وَالرِّفْقُ يُقَالُ: مَهَلَ فِي فِعْلِهِ مَهْلاً: تَنَاوَلَهُ بِرِفْقٍ وَلَمْ يَعْجَلْ وَأَمْهَلَهُ: لَمْ يُعَجِّلْهُ وَأَنْظَرَهُ وَرَفَقَ بِهِ وَمَهَّلَهُ تَمْهِيلاً: أَجَّلَهُ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأْجَلُ:
2 - الأْجَلُ لُغَةً: مَصْدَرُ أَجِلَ الشَّيْءُ أَجَلاً مِنْ بَابِ تَعِبَ وَأَجَلُ الشَّيْءِ: مُدَّتُهُ وَوَقْتُهُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ.
وَاصْطِلاَحًا: قَالَ الْبَرَكَتِيُّ: هُوَ الْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ الْمَحْدُودُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمُهْلَةِ وَالأْجَلِ هِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ فَكُلُّ مُهْلَةٍ أَجَلٌ وَلَيْسَ كُلُّ أَجَلٍ مُهْلَةً فَقَدْ يُحَدِّدُ الشَّرْعُ أَوْقَاتًا لِلْحُكْمِ كَمُدَّةِ الْحَمْلِ وَالْعِدَّةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ دُونَ تَأْخِيرٍ فِي تَنْفِيذِهِ دَائِمًا كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي الْمُهْلَةِ.
ب - الْمُدَّةُ:
3 - الْمُدَّةُ لُغَةً: الْبُرْهَةُ مِنَ الزَّمَانِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْجَمْعُ مُدَدٌ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرَفٌ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمُهْلَةِ وَالْمُدَّةِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ فَكُلُّ مُهْلَةٍ مُدَّةٌ وَلَيْسَتْ كُلُّ مُدَّةٍ مُهْلَةً.
