ونظراً إلى أن السرعة في إجراء التحقيق الجنائي من أوجب الواجبات لمساسه بأمن الدولة وحرية الأفراد رؤى ایجاد سلطة قضائية عليا لمراقبة سير التحقيقات ونيط ذلك برئيس المحكمة وخول الحق في اتخاذ ما يراه لازماً لانجازها وملاحظة قيام قضاة التحقيق وغرفة المشورة بأعمالها بالسرعة اللازمة ومراعاتها للمواعيد المقررة في القانون ولضمان تحقيق هذه الرقابة كلف قضاة التحقيق بإرسال بيان عن القضايا التي لديهم لرئيس المحكمة في كل شهر – المادة 109- ( أصبحت م 74 من القانون ولهذا النظام نظير في القوانين الأجنبية).
ولضمان سير التحقيق في مجراه الطبيعي وعدم المساس بمصالح الأفراد بغير مقتضى اعتبرت إجراءات التحقيق التحقيق ذاتها والنتائج التي تسفر عنها بالنسبة إلى قضاة التحقيق وأعضاء النيابة العمومية ومساعديهم من كتاب وخبراء وغيرهم ممن يتصلون بالتحقيق أو يحضرونه بسبب وظيفتهم أو مهنتهم كالمحامين من الأسرار التي يجب عليهم عدم إفشائها وينبني على ذلك أنه إذا أفشى أحد من هؤلاء شيئاً مما يتعلق بالتحقيق وقع تحت طائلة العقاب وفقاً للمادة 310 من قانون العقوبات - المادة 110 - ( أصبحت م 75 من القانون ).
وقد أجيز بصفة أصلية للنيابة العمومية وباقي الخصوم الحضور في جميع إجراءات التحقيق ولكن هذا لا يمنع قاضي التحقيق من أن يجرى التحقيق في غيبتهم عند الاستعجال أو متى رأى ضرورة ذلك لمصلحة التحقيق فإذا زال المانع يبيح القاضي للخصوم الاطلاع على ما جرى في غيبتهم وقد أجيز للنيابة العمومية بصفة خاصة باعتبارها صاحبة الدعوى العمومية الاطلاع في أي وقت على التحقيقات لتقف على ما جرى فيها على إلا يترتب على ذلك تأخير السير فيها ومراعاة لواجب السرعة في التحقيق إلزام المدعى بالحقوق المدنية والمسئول عن الحقوق المدنية أن يعين لهما محلاً مختاراً في البلدة الكائن بها مركز المحكمة التي يجري التحقيق فيها إذا لم يكونا مقيمين به ليعلن فيه فإذا لم يفعلا اعتبر إعلانهما في قلم الكتاب صحيحاً - المواد 111 و 113 و 114 - ( أصبحت المواد 77 و 79 و 80 من القانون ).
الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول
عللت المذكرة الإيضاحية هذه السرية بأنها «ضمان لسير التحقيق في مجراه الطبيعي، وعدم المساس بمصالح الأفراد بغير مقتض».
1- مقتضى نص المادة 75 من قانون الإجراءات الجنائية أن إجراءات التحقيق من الأسرار التى لا يجوز لمن أشار إليهم النص إفشاءها .
(الطعن رقم 966 لسنة 29 ق - جلسة 1959/11/09 س 10 ع 3 ص 857 ق 183)
إذا كانت العلانية في مباشرة الإجراء هي من الضمانات التي تكفل حيدة مباشرة الإجراء وتطبيقه السليم للقانون، وتضفي في الوقت ذاته الاطمئنان في نفوس المخاطبين بأحكام القانون وترضي شعورهم بالعدالة، فإن هذه العلانية في مجال التحقيق الابتدائي وأن حققت هذه المنافع إلا أنه قد تنتج عنها أضرار تفوق منافعها. وهذه الأضرار قد تتعلق بشخص المتهم ذاته وما يلقاه من تشهير على حين قد ينتهي التحقيق باظهار عدم صحة التهمة المنسوبة إليه، كما تتعلق بالمصلحة العامة في تحقيق العدالة والكشف عن الحقيقة، وذلك بتمكين الجناة الذين لم يتناولهم التحقيق بعد من معرفة ما سيتخذ من إجراءات فيعمدوا إلى إضاعة الآثار التي تفيد في كشف التحقيق، كما أن هذه العلانية قد تؤثر أيضاً على أقوال الشهود الذين لم يسمعوا بعد في التحقيقات، مع ما في كل ذلك من مضار تؤثر على الغاية من التحقيق الابتدائي وهي الوصول إلى الحقيقة المتعلقة بوقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها.
ومن أجل ذلك درجت التشريعات على الأخذ بمبدأ سرية التحقيق الابتدائي سواء أكان يباشر من النيابة العامة كسلطة تحقيق أم كان يباشر بمعرفة قاضي أو مستشار التحقيق.
غير أن هذه السرية ليست مطلقة ويجب لمعرفة حدود هذه السرية التفرقة بين السرية الداخلية للتحقيق أو المتعلقة بالخصوم وبين السرية الخارجية.
1- السرية الخارجية :
وهي الخاصة بالجمهور وهنا نجد مبدأ السرية يجب أن يراعى مراعاة تامة فالتحقيق الابتدائي لا يجوز أن يكون علنياً بالنسبة للجمهور كما هو الشأن بالنسبة للمحاكمة . ذلك أن عدم مراعاة هذه السرية العامة تترتب عليه إضرار جسام سواء بالنسبة للمتهم أم بالنسبة للمصلحة العامة التي بهدف التحقيق إلى تحقيقها وهي كشف الحقيقة .
ومن أجل هذه الاعتبارات نص المشرع على حظر إنشاء إجراءات التحقيق وما تسفر عنه من نتائج. فالمادة 57 من قانون الإجراءات الجنائية اعتبرت إجراءات التحقيق ذاتها وكذلك النتائج التي تسفر عنها من الأسرار وأوجبت على المحقق وأعضاء النيابة العامة ومساعديهم من كتاب وخبراء وغيرهم ممن يتصلون بالتحقيق أو يحضرونه بسبب وظيفتهم أو مهنتهم عدم إفشائها ويترتب على الإفشاء تطبيق المادة 310 من قانون العقوبات الخاص بإفشاء الأسرار ويظل هذا الحظر قائماً والسرية العامة قائمة إلى أن ينتهي التحقيق الابتدائي بتصرف سلطة التحقيق في الدعوى . وإذا حدث وأعيدت إجراءات التحقيق مرة أخرى بناء على ظهور أدلة جديدة في حالة الأمر بأن لا وجه، عادت السرية العامة من جديد.
غير أن مباشرة إجراء التحقيق في حضور رجال الضبط القضائي لا يعيب هذه الإجراءات، إذ أن مأموري الضبط القضائي يعتبرون من مساعدي أعضاء النيابة العامة ولا يمنع من مباشرة الإجراء في حضورهم مع التزامهم في الوقت ذاته بعدم إفشاء أسرار إجراءات التحقيق حتى ولو كان هذا الإجراء هو الاستجواب طالما أن حرية الدفاع قد كفلت بكافة الضمانات المقررة للتحقيق .
ويلاحظ أن السرية الخارجية للتحقيق الابتدائي أي عدم علانيته بالنسبة للجمهور هي من خصائص التحقيق الابتدائي وليست شكلاً جوهرياً لإجراءاته. ويترتب على ذلك أن مخالفتها لا تؤدى إلى بطلان الإجراء. غير أن عدم بطلان الإجراء لا يمنع من إمكان تقييم النتائج التي يسفر عنها من قبل محكمة الموضوع إذا كانت العلانية قد أثرت على ذات الإجراء ومثال ذلك سماع شهادة إذا ما استبان لها أن العلانية قد أثرت في الشهادة .
2-سرية التحقيق الداخلية :
إذا كانت القاعدة في التحقيق الابتدائي في السرية الخارجية بمعنى أنه لا يجوز للجمهور أن يحضر إجراءات التحقيق، فإن الأمر يختلف بالنسبة للسرية الداخلية أي سرية التحقيق بالنسبة للخصوم.
وإذا كانت هناك بعض التشريعات تأخذ بمبدأ سرية التحقيق الداخلية أي حتى بالنسبة للخصوم فإن القانون المصري قد أخذ بعكس ذلك وأوجب علانية التحقيق بالنسبة لهم ومن أجل ذلك نص بالمادة 78 من قانون الإجراءات على أنه يجب إخطار الخصوم باليوم الذي يباشر فيه قاضي التحقيق أو النيابة العامة إجراءات التحقيق وبمكانها حتى يتسنى للخصوم حضور مباشرة هذه الإجراءات .
وقد حدد المشرع الخصوم الذين يحق لهم الحضور في التحقيق في المادة 77 إجراءات، وهم النيابة العامة إذا كان قاضي التحقيق أو مستشار التحقيق هو الذي يباشر التحقيق، وكذلك المجني عليه والمدعى بالحقوق المدنية فضلاً عن المتهم والمسئول عن الحقوق المدنية كما أباح أيضاً للوكلاء الحق في حضور جميع إجراءات التحقيق. (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الأول، الصفحة 400)
الالتزام بالمحافظة على سرية إجراءات التحقيق، ونتائجه:
عنى القانون المصري بالسماح للخصوم بحضور إجراءات التحقيق الابتدائي لكنه حرص على المحافظة على أسرار التحقيق حماية له من التدخل فيه أو إفساد سيرد الطبيعي، وحماية الشخص المتهم الذي تفترض فيه البراءة حتى تثبت إدانته. وقد قرر قانون الإجراءات الجنائية هذا الواجب في المادة 75 منه، إذ نص على أن إجراءات التحقيق والنتائج التي تسفر عنها من الأسرار، وأوجب على قضاة التحقيق وأعضاء النيابة العامة ومساعديهم من كتاب وخبراء وغيرهم ممن يتصلون بالتحقيق أو يحضرونه بسبب وظيفتهم أو مهنتهم عدم إفشائها ومن يخالف ذلك منهم يعاقب طبقا للمادة 310 من قانون العقوبات.
وتقتضي سرية إجراءات التحقيق عدم جواز السماح بحضور التحقيق إلا لمن يرى المحقق - لمصلحة التحقيق - ضرورة حضورهم. وبناء على ذلك، فإن حضور الصحفيين والزوار في أثناء التحقيق يعد خروجاً على مقتضيات هذه السرية.
ويعد الالتزام بالمحافظة على أسرار التحقيق من أسرار المهنة، ويكفي لتحقيق الإخلال به مجرد نقل السر إلى الغير ولو لم ينشر في الصحف، كما يكفي أن يرد الإفتاء على مجرد خبر أو إجراء واحد من إجراءات التحقيق، ولو لم ينشأ عنه ضرر معين. ولا يرتفع هذا الالتزام برضاء المتهم، لأنه لم يتقرر لمصلحته وحده، وإنما يتعلق بأمانة الوظيفة ذاتها. ويستمر هذا الالتزام حتى لو انتهى التحقيق وخرجت الدعوى من حوزة المحقق كل هذا دون إخلال بحقوق الدفاع التي تقتضي من المحامي أن يبوح لموكله ببعض أسرار التحقيق في الحدود التي يستلزمها الدفاع.
ويلاحظ أن المادة 75 إجراءات حين أشارت إلى قضاة التحقيق وأعضاء النيابة، ومساعديهم من كتاب وخبراء وغيرهم - إنما كان ذلك على سبيل المثال، إذ نصت على سريان الحكم نفسه على غيرهم ممن يتصلون بالتحقيق أو يحضرونه بسبب وظيفتهم أو مهنتهم، ولهذا فإنه هذه المادة تسري على المحامين بحسبهم ممن يحضرون التحقيق بسبب مهنتهم، وهو ما أوضحته المذكرة الإيضاحية لقانون الإجراءات الجنائية الحالي.
وإذا كان الاتصال بالتحقيق أو حضوره لا يرجع إلى الوظيفة أو المهنة، كما هي الحال بالنسبة إلى المتهم والمدعي المدني والمسئول عن الحقوق المدنية والشهود، فإنه لا يقع عليهم واجب المحافظة على السر وفقاً للمادة 75 إجراءات .
ويتحدد معين «التحقيق الجنائي» بالإجراءات التي يباشرها المحقق سواء بنفسه أو بواسطة من ينيبه لذلك، مشتملاً على كافة التقارير المقدمة من الخبراء، كما يتسع لإجراءات الاستدلال التي تباشرها سلطة الضبط القضائي أثناء التحقيق.
حظر نشر أخبار التحقيق
إذا فرضت السرية على التحقيق بسبب الضرورة أو الاستعجال - يتعين عدم إنشاء هذه السرية، وإلا ترتب عليه المساس بحياد التحقيق و إفساد الهدف من فرضها. هذا رغم مباشرة التحقيق في حضور الخصوم، فقد يرى المحقق أن النظام العام أن النظام العام أو الآداب العامة أو مصلحة التحقيق نفسه تقتضي الحيلولة دون نشر أخباره. لذلك نصت المادة 193 عقوبات على أن يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة شهور وبغرامة لا تجاوز خمسمائة جنيه أو بإحدى العقوبتين - كل من نشر بإحدى طرق العلانية أخباراً بشأن تحقيق جنائي قائم إذا كانت سلطة التحقيق، قد قررت إجراءه في غيبة الخصوم أو كانت قد حظرت إذاعة شيء منه مراعاة للنظام العام أو للآداب أو لظهور الحقيقة.
وهنا يجدر التنبيه إلى أنه في هاتين الحالتين يسري الالتزام بالمحافظة على أسرار التحقيق على جميع الأشخاص، فهو التزام يخضع له الناس كافة، فيشمل الغير ممن لا يتصلون بالتحقيق بسبب مهنتهم، فيسري على الصحفي والمتهم والمدعي المدني والمسئول عن الحقوق المدنية والشهود وغيرهم. على أن الالتزام ليس مطلقاً كما هي الحال بالنسبة لالتزام أصحاب الوظيفة أو المهنة، بل ينتهي إما بانتهاء التحقيق والتصرف فيه سواء بالإحالة أو بالتقرير بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى، أو برفع الحظر الذي يفرضه المحقق على نشر أخبار التحقيق .
ومن هذا يتضح أن سرية إجراءات التحقيق تختلف باختلاف الأشخاص الملتزمين بالمحافظة على أسرار التحقيق، فهو نطاق مطلق بالنسبة إلى من تقتضي مهمتهم الاتصال بالتحقيق، ولذلك فإن إجراءات التحقيق تعد من أسرار مهنتهم. بينما هو نطاق نسبي بالنسبة إلى غير هؤلاء، لأنه مشروط بصدور قرار من المحقق بسرية التحقيق (بسبب الضرورة أو الاستعجال). فبينما تكون المهنة هي أساس السرية بالنسبة إلى المتصلين بالتحقيق بسبب مهنتهم، فإن قرار السرية يكون هو الأساس بالنسبة إلى غيرهم من الأشخاص. (الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 845)
واجب المحافظة على أسرار التحقيق :
عني القانون المصري بالسماح للخصوم في حضور إجراءات التحقيق الابتدائي. إلا أنه حرص على المحافظة على أسرار التحقيق حماية لهم من التدخل فيه، أو إفساد سيره الطبيعي، وحماية الشخص المتهم الذي تفترض فيه البراءة حتى تثبت إدانته . وقد قرر قانون الإجراءات الجنائية هذا الواجب في المادة محل التعليق.
وتقتضي سرية إجراءات التحقيق عدم جواز السماح بحضور التحقيق إلا لمن يرى المحقق لمصلحة التحقيق ضرورة حضورهم. وبناء على ذلك فإن حضور الصحفيين والزوار أثناء التحقيق يعتبر خروجاً على مقتضيات هذه السرية.
ويعتبر الالتزام بالمحافظة على أسرار التحقيق من أسرار المهنة. ويكفي لتحقيق الإخلال به مجرد نقل السر إلى الغير ولو لم ينشر في الصحف، كما يكفي أن يرد الإنشاء على مجرد خبر أو إجراء واحد من إجراءات التحقيق، ولو لم ينشأ عنه ضرر معين. ولا يرتفع هذا الالتزام برضاء المتهم لأنه لم يتقرر لمصلحته وحده بل هو يتعلق بأمانة الوظيفة ذاتها ويستمر هذا الالتزام حتى ولو انتهى التحقيق وخرجت الدعوى من حوزة المحقق، كل هذا دون إخلال بحقوق الدفاع التي تقتضي من المحامي أن يبوح لموكله ببعض أسرار التحقيق في الحدود التي يستلزمها الدفاع.
ويلاحظ أن المادة محل التعليق قد أشارت إلى قضاة التحقيق وأعضاء النيابة ومساعديهم من كتاب وخبراء وغيرهم على سبيل المثال، إذ نصت على سريانها : على غيرهم ممن يتصلون بالتحقيق أو يحضرونه بسبب وظيفتهم أو مهنتهم ولهذا فإنها تسري على المحامين باعتبارهم ممن يحضرون التحقيق بسبب مهنتهم، وهو ما أوضحته المذكرة الإيضاحية لقانون الإجراءات الحالي .
ويتحقق معنى التحقيق الجنائي بالإجراءات التي يباشرها المحقق سواء بنفسه أو بواسطة من ينوبه لذلك، مشتملاً على كافة التقارير المقدمة من الخبراء، كما يتسع لإجراءات الاستدلال التي تباشرها سلطة الضبط القضائي أثناء التحقيق. (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الأول ، الصفحة : 604)
لضمان سير التحقيق في مجراه الطبيعي وعدم المساس بمصالح الأفراد بغير مقتضى اعتبرت إجراءات التحقيق ذاتها والنتائج التي تسفر عنها من الأسرار.
والعقوبة طبقاً للمادة (310) من قانون العقوبات هي الحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه مصري . (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الأول ، الصفحة : 818)
لضمان سير التحقيق في مجراه الطبيعي وعدم المساس بمصالح الأفراد بغي مقتضى اعتبرت إجراءات التحقيق ذاتها والنتائج التي تسفر عنها من الأسرار، إذ أن مقتضى نص المادة 75 إجراءات جنائية أن إجراءات التحقيق من الأسرار التي لا يجوز لمن أشار إليهم النص إفشاءها.(الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الأول ، الصفحة : 654)
ويعني مبدأ سرية التحقيق الابتدائي أن جمهور الناس لا يصرح لهم بالدخول في المكان الذي يجري التحقيق فيه، ولا تعرض محاضر التحقيق الاطلاع الناس، ولا يجوز للصحف وغيرها من وسائل الإعلام إذاعتها.
وليست سرية التحقيق الابتدائي مبدأ مطلقاً، وإنما هي نسبية، فالأصل أنه السرية إزاء أطراف الدعوى، ووكلائهم، ولكن إزالة السرية بالنسبة للأطراف ليست بدورها قاعدة عامة، فثمة قيود واستثناءات ترد عليها.
- علة مبدأ سرية التحقيق الابتدائي: سرية التحقيق الابتدائي يعللها أن إجراءات هذا التحقيق تستهدف التنقيب عن أدلة قد يحاول المتهم - أو غيره ممن قد تكون لهم المصلحة في ذلك - إخفاءها أو تشويهها، ولذلك كان التحقيق مقتضية خطة بارعة و تدبيراً محكماً لالتقاط هذه الأدلة واستظهارها وتجميعها. ويتعين أن يجري ذلك في سرية، تفادياً لمحاولات الإفساد أو التشويه. ويعلل السرية كذلك الحرص على صيانة استقلال المحقق وحياده من التأثير المفسد لوسائل الإعلام التي قد تتخذ اتجاها متحيزة ضد المتهم أو لمصلحته وبالإضافة إلى ذلك، يريد الشارع أن يصون الرأي العام والأخلاق العامة من التأثير السئ لنشر تفاصيل ارتكاب الجريمة، وما تذرع به المتهم من أساليب إجرامية اتسمت بالوحشية أو استهانة بالقيم الاجتماعية أو سلطة الدولة. ويريد الشارع أن يحمي اعتبار المتهم، فقد يثبت فيما بعد أنه برئ، فلا يكون محل لأن تنشر شبهات ثارت ضده وتبين بعد ذلك فسادها. ويعلل السرية في النهاية أن العلة التي اقتضت علانية المحاكمة لا تتوافر لها، فقد أراد الشارع بهذه العلانية أن يكون الرأي العام رقيباً على إجراءات تحدد مركز المتهم من حيث الإدانة أو البراءة، ولما كانت إجراءات التحقيق الابتدائي ليس من شأنها ذلك، فإنه لا مبرر لتنصيب الرأي العام رقيباً عليها.
- أجل سرية التحقيق الابتدائي: السرية مبدأ يلازم التحقيق الابتدائي، ومن ثم كان أجلها انتهاء التحقيق بالتصرف فيه: فإذا انتهى الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى بقيت السرية، أما إذا انتهى بإحالة الدعوى إلى القضاء زالت السرية بالضرورة، إذ المحاكمة علنية، وذلك ما لم تقرر المحكمة سريتها «مراعاة للنظام العام أو محافظة على الآداب». (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول : الصفحة: 569)
ما نصت عليه المادة 75 من أنه تعتبر إجراءات و التحقيق ذاتها والنتائج التي تسفر عنها من الأسرار، ويجب على قضاة التحقيق وأعضاء النيابة العامة ومساعديهم من كتاب وخبراء وغيرهم ممن يتصلون بالتحقيق أو يحضرونه بسبب وظيفتهم أو مهنتهم عدم إفشائها ومن يخالف ذلك منهم يعاقب طبقاً للمادة 310 من قانون العقوبات، وهي تلك التي تعاقب على جريمة إفشاء الأسرار.
وهذه المادة تعتبر تطبيقاً لقاعدة سرية التحقيق الابتدائي عن الجمهور التي أخذ بها تشريعنا المصري أسوة بالقانون الفرنسي (م38) والإيطالي (م 230، 307) وكان المستفاد من نص المادة 78 من قانون تحقيق الجنايات الملغى أن الأصل في التحقيق الابتدائي هو العلانية : إذ كانت تنص فيما يتعلق بالتحقيق بمعرفة قاضي التحقيق على أن يكون سماع الشهود على العموم في جلسة علنية وكان بعض الشراح يرى تطبيق هذه القاعدة على تحقيق النيابة أيضاً بإعتبار أن مركز المتهم أمامها أقل ضماناً منه أمام قاضي التحقيق .
فلما وضع النص الحالي عللته المذكرة الإيضاحية بأنه " لضمان سير التحقيق في مجراه الطبيعي وعدم المساس بمصالح الأفراد بغير مقتض". وطبقاً للوضع الحالي لا ينبغي السماح للجمهور بارتياد مكان التحقيق ولا بالإطلاع عليه. وقد حكم في فرنسا بأن هذه السرية تحول دون ضم التحقيق قبل التصرف فيه إلى قضية منظورة وتزول السرية بإحالة الدعوى إلى المحكمة، لكن لا تزول بالنسبة لغير الخصوم بالتقرير فيها بأن لا وجه لإقامتها.
والتشريع المصري في هذا الشأن يعد في موضع وسط بين بعض الشرائع التي توجب علانية التحقيق الإبتدائي كضمان لمنع التلفيق أو تشويه الحقائق فيه، وبين تلك التي تجيز اتخاذ إجراءات التحقيق في سرية حتى عن خصوم الدعوى، كما كان يفعل نظام التنقيب والتحري الذي كان معروفة في أوروبا القرون الوسطى، والذي كان مثار اعتراضات مستمرة لما كان يسمح به تعذيب، ولما أدى إليه من تضليل العدالة في ظروف كثيرة . (الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة 703)
