فيما يتعلق بمراقبي الحسابات (المواد من 103 إلي 109 ) .
فقد نظم المشروع مسئولية المراقبين والواجبات الملقاة عليهم والقيود التي يلتزمون بها ضمانا لحسن أدائهم لعملهم ولحماية المساهمين والجمهور .
اللائحة التنفيذية لقانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة وشركات الشخص الواحد
مراقبو الحسابات
مادة 264: تعيين مراقبي الحسابات :
يعين مراقبو الحسابات ، ويباشرون مهامهم طبقاً للمواد من (103 إلى 109) من
القانون ، ومع مراعاة الأحكام التالية :
مادة 265 : تعدد مراقبي الحسابات :
في حالة تعدد مراقبي الحسابات ، يجوز لكل منهم إن يقوم بالاطلاع على دفاتر الشركة وطلب البيانات والايضاحات وتحقيق الموجودات والالتزامات على انفراد ومع ذلك يجب إن يقدم جميع مراقبي الحسابات تقريراً موحداً وفي حالة الاختلاف فيما بينهم ، يوضح التقرير أوجه الخلاف ووجهة نظر كل منهم .
مادة 266 : القرارات الصادرة دون الرجوع لمراقب الحسابات :
في حالة ما إذا تطلب القانون أو اللائحة أو النظام إن يصدر قرار من الجهة المختصة بالشركة بناءً على تقرير مراقب الحسابات أو إن يحضر المراقب الجلسة التي اتخذ فيها القرار فإذا تم اتخاذ القرار دون مراعاة ذلك ، كان القرار مخالفاً للقانون ، ما لم تقره الجهة مصدرة القرار بعد تقديم التقرير من المراقب أو حضوره بحسب الاحوال .
مادة 267 : القواعد التي تتم المراجعة طبقاً لها :
يجب على مراقب الحسابات إن يقوم بمراجعة حسابات الشركة اثناء السنة المالية طبقاً للاصول المرعية ، وعليه بصفة خاصة مراعاة المبادئ المبينة بالملحق رقم (3) بهذه اللائحة .
مادة 268 : الإخطارات التي يلتزم بها مراقب الحسابات :
يجب علي مراقب الحسابات إن يخطر مجلس الإدارة أو الشريك أو الشركاء المديرين أو مجلس المراقبة - حسب الأحوال - بما يتضح له أثناء السنة المالية مما يأتي :
1- ما قام به من فحوص للمستندات وتحقيق الموجودات الشركة والتزاماتها أو اختبارات للنظام المحاسبي للشركة أو غيره .
2- بيان أوجه التعديل في الميزانية أو حساب الارباح والخسائر أو قائمة الجرد التي يرى المراقب الأخذ بها والاسباب التي تدعوه إلى اقتراح هذا التعديل .
3- أوجه المخالفة او عدم الصحة التي اكتشفها المراقب في نظم الشركة أو ادارتها .
4- النتائج التي تترتب على الملاحظات أو التعديلات المبينة فيما سبق علي ميزانية السنة المالية موضوع المراقبة وحساباتها ، مع مقارنة ذلك بميزانية السنة التي تسبقها وحساباتها .
مادة 269 : كيفية دعوة مراقب الحسابات لحضور الجمعية العامة :
يدعي مراقب الحسابات لحضور الجمعيات العامة للشركة في ذات المواعيد التي تدعي بها المساهمون ، وذلك بكتاب موصي عليه مصحوب بعلم الوصول .
مادة 270 : حضور المراقب جلسات مجلس الإدارة :
يدعي مراقب الحسابات العضور جلسات مجلس الإدارة أو الجلسة التي يعقدها مدير شركة التوصية بالأسهم التي تنظر فيها حسابات الشركة ، أو أية جلسة أخري يقرر المجلس دعوته إلي حضورها لاستطلاع رأيه فيما يدخل في اختصاصاته من أمور .
وتتم دعوة مراقب الحسابات بذات الأوضاع والمواعيد التي يتم بها دعوة أعضاء مجلس الإدارة.
مسئولية مراقب الحسابات :
يخضع مراقب الحسابات من حيث المسئولية المدنية للقواعد العامة التي تقضي بالالتزام بتعويض الضرر الناشئ عن الخطأ وقد يكون أساس هذه المسئولية عقد فيطلق عليها عند الإخلال بالتزام ناشئ عن هذا العقد «المسئولية العقدية» وقد يكون أساسها الإخلال بالتزام قانوني فيطلق عليها «المسئولية التقصيرية».
وكما سبق القول بالنسبة للمسئولية المدنية لأعضاء مجلس إدارة شركة المساهمة لا يرى الفقه الفرنسي أهمية البيان الأساس القانوني لمسئولية مراقب الحسابات وما إذا كانت عقدية أو تقصيرية، حيث من الضروري في جميع الحالات إثبات خطأ صادر من المراقب حتى تنعقد مسئوليته .
على أنه بالنسبة لقانون الشركات المصرى فإننا نجد المشرع قد أفصح عن طبيعة أساس مسئولية مراقب الحسابات حيث جاء بالفقرة الرابعة من المادة (106) من القانون 159 لسنة 1981 أن مراقب الحسابات يسأل عن صحة البيانات الواردة في تقريره بوصفه وكيلاً عن مجموع المساهمين ولكل مساهم أثناء عقد الجمعية العامة أن يناقش تقرير المراقب وأن يستوضحه عما ورد فيه».
وأياً ما كانت طبيعة وأساس مسئولية مراقب الحسابات فإنه يجب الانعقاد هذه المسئولية وقوع خطأ يلزم بإثباته من يدعيه من جانب المراقب وضرر وعلاقة سببية بينهما وذلك طبقاً للقواعد العامة .
ونشير في هذا المجال إلى بعض أمثلة فقط لخطأ مراقب الحسابات الموجب لمسئوليته المدنية وكذلك مسئولية الجنائية ومدة سقوط دعوی المسئولية قبله تاركين باقي أحكام المسئولية للقواعد العامة.
إن التزامات مراقب الحسابات متعددة ولعل أهمها دون نزاع هو التزامه بعمل دفاتر شركة المساهمة والتحقق من صحة القيود بها، ومراجعة ميزانيات الشركة وحساباتها وإبداء الملاحظات على ما يراه من قيود غير صحيحة أو غير مطابقة للأصول المحاسبية ومن المتفق عليه أن التزام مراقب الحسابات هو التزام ببذل عناية تتناسب وطبيعة عمله المهني المحاسبي وليس التزاماً بتحقيق نتيجة بمعنى أنه يلزم فقط بمراجعة حسابات وميزانيات الشركة والتأكد من مطابقتها للأصول المهنية المحاسبية دون التزام عليه بالتحقق من صحة تعبير الميزانيات عن المراكز المالية والاقتصادية الحقيقية للشركة اعتماداً على أن عناصر الميزانيات عادة ذات طبيعة احتمالية دون إمكان القطع بصحتها والقول بغير ذلك يجعل مراقب الحسابات ضامنا لنتائج عمله المؤسس على قيود لم يقم هو بها ، فالمراقب غير مسئول عن أخطاء ومخالفات أعضاء مجلس الإدارة أو قرارات هذا المجلس المخالفة للقانون أو نظام الشركة ، ما لم يكن عالما بها ولم يؤشر بها في تقريره للجمعية العامة ، وهذه المسئولية عن أفعال الغير تعد استثنائية ولا يجوز التوسع فيها بل إن المراقب لا يعد مسئولاً عن أخطاء المديرين أو موظفي الشركة ولو كان عالماً بها ولم يقدمها في تقريره لأنها تخرج عن اختصاصه ولا شك أن على المراقب إتباع قواعد المهنى المتخصص الحريص والرجل الفني دون الرجل العادي باعتباره متخصصاً ومحترفاً لمهنة مراقبة الحسابات وفقاً للأصول المحاسبية المسلم بها في مجال هذه المهنة، على أن هذا لا يمنع عند تقرير مسئولية المراقب النظر الظروف كل حالة على حدة.
دعوى المسئولية ضد مراقب الحسابات :
قرر قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 مسئولية مراقب حسابات شركة المساهمة قبل هذه الأخيرة عن تعويض الضرر الذي يلحقها بسبب الأخطاء التي تقع منه في تنفيذ عمله وإذا كان للشركة أكثر من مراقب واشتركوا في الخطأ كانوا مسئولین قبل الشركة بالتضامن (المادة 1 / 109 من القانون).
وتحمي حقوق الشركة والمساهمين والغير دعوى المسئولية ضد مراقب الحسابات ولا ترفع هذه الدعوى إلا ممن أصابه ضرر نتيجة أخطاء المراقب سواء كان هذا المضرور هو الشركة كشخص معنوي أو أحد المساهمين شخصياً أو الغير وذلك طبقاً للقواعد العامة في المسئولية كما ترفع هذه الدعوى ضد المراقب سواء كانت دعوى المسئولية مرفوعة من الشركة كشخص معنوي أو أحد المساهمين أو الغير وعند تعدد مراقبي الحسابات فإنها ترفع عليهم جميعا طبقاً لأحكام التضامن.
وطبقاً للمادة (109) من قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 يحق للشركة كشخص معنوي رفع دعوى المسئولية ضد مراقب الحسابات ونظم هذا النص أحكام هذه الدعوى وبصفة خاصة مدة سقوطها قبل المراقب كما تنظم هذه المادة حق المساهم والغير في الرجوع على المراقب عما أصابهم من أضرار حيث تنص الفقرة الثالثة من المادة (109) على أنه «كما يسأل المراقب عن تعويض الضرر الذي يلحق المساهم أو الغير حسن النية بسبب خطئه».
وبناءً على ذلك تملك الشركة كشخص معنوي حق رفع دعوى المسئولية ضد مراقب الحسابات لتعويض الضرر الذي لحقها مستقلة عن باقى المساهمين فيها نتيجة إخلال المراقب بواجباته وترفع دعوى المسئولية ضد المراقب ممن تفوضه الجمعية العامة في هذا الشأن سواء كان مجلس الإدارة أو أحد الأشخاص على وجه التحديد.
ويثار التساؤل عما إذا كان يجوز للمساهم رفع دعوى الشركة نيابة عنها قبل مراقب الحسابات من عدمه قياسا على حق المساهم هذا في مخاصمة أعضاء مجلس إدارة الشركة مجتمعين أو منفردين طبقاً لحكم المادة (102) من ذات القانون 159 لسنة 1981 والسابق الإشارة إليها.
والواقع أنه طبقاً للنصوص الحالية لا يجوز للمساهم منفرداً استخدام دعوى الشركة ضد مراقب الحسابات لعدم النص عليها صراحة ولا يمكن القياس على حكم المادة (102) المشار إليها والخاصة بمسئولية أعضاء مجلس الإدارة لأنه حكم استثنائي لا يجوز التوسع في تفسيره أو القياس عليه على أن هذا لا يمنع رجوع المساهم بصفته الشخصية وكذلك الغير على مراقب الحسابات بالمسئولية عما ارتكبه من أخطاء سببت لهم أضرار طبقاً للقواعد العامة .
وغني عن البيان أنه يجوز أيضاً لدائني الشركة المطالبة بالتعويض قبل مراقب الحسابات عن الأضرار التي أصابتهم نتيجة خطأ المراقب، فيحق الأمين التفليسة مقاضاة مراقب الحسابات عما أصاب جماعة الدائنين من أضرار نتيجة خطئه المهني في مراجعة قيود حسابات الشركة في حالة إفلاس هذه الأخيرة.
سقوط دعوى المسئولية ضد مراقب الحسابات :
حدد المشرع في تشريع الشركات رقم 159 لسنة 1981 مدة سقوط استثنائية بالنسبة لدعوى الشركة كشخص معنوي ضد مراقب الحسابات عن الضرر الذي يلحق الشركة بسبب أخطاء مراقب الحسابات التي تقع منه في تنفيذ عمله والمشار إليها بالمادة (109) من هذا القانون ، وهذه المدة هي سنة وتبدأ هذه السنة من تاريخ انعقاد الجمعية العامة التي تلي فيها تقرير المراقب على أنه إذا كان الفعل المنسوب إلى مراقب الحسابات يكون جريمة جنائية فلا تسقط دعوى المسئولية إلا بسقوط الدعوى العمومية المادة 2 / 109 من القانون).
وبالنسبة لتشريع الشركات الفرنسي فإن دعوى الشركة ضد مراقب الحسابات تسقط بمضي ثلاث سنوات تحسب من ارتكاب الفعل المسبب للمسئولية أو من يوم اكتشافه إذا كان خفيا (المادتين 235 و247 من قانون 1966) وترتفع المدة إلى عشر سنوات إذا كان الفعل مكوناً لجريمة ويلاحظ أن براءة الذمة لأعضاء مجلس الإدارة لا شأن لها بمسئولية مراقب الحسابات، وذلك على خلاف براءة ذمة المراقب التي تمنحها إياه الشركة من تلقاء نفسها حيث لا تلزم قانونا بذلك حيث يترتب عليها عدم مسئوليته قبلها .
أما في خصوص دعوى المسئولية ضد مراقب الحسابات قبل المساهم بصفته الشخصية أو قبل الغير وكذلك مسئوليته طبقاً للمادة (108) من القانون 159 لسنة 1981 إذا أذاع على المساهمين في مقر الجمعية العامة أو غيره أو إلى غيرهم ما وقف عليه من أسرار الشركة بسبب قيامه بعمله، والتي يجب عزله ومطالبته بالتعويض فيها، فإن هذه الدعوى تخضع للتقادم العادي وفقا للقواعد العامة بمعنى أن دعوى المسئولية في هذه الحالات لا تخضع لمدة السقوط السنوي المشار إليه في الفقرة الثانية من المادة (109) سالفة الذكر ذلك أن نص الفقرة الثانية من المادة (109) من القانون - والخاص بالتقادم السنوي للمسئولية المدنية عن الأخطاء التي تقع من مراقب الحسابات في تنفيذ عمله - هو نص استثنائی خاص فقط بالمسئولية المدنية في الحالات المنصوص عليها بالفقرة الأولى من ذات المادة وقبل الشركة دون غيرها ويترتب على ذلك خضوع دعوى المسئولية المدنية عن أخطاء مراقب الحسابات المنصوص عليها في المادة (108) من القانون إلى القاعدة العامة لتقادم الدعاوی.
ونصت المادة ( 3 / 109) من القانون على أنه «كما يسأل المراقب عن تعويض الضرر الذي يلحق المساهم أو الغير حسن النية بسبب خطئه» ولم ينص المشرع على تقادم خاص لدعوى المسئولية عن هذه الأضرار التي تصيب المساهم أو الغير.
وترتيباً على ما تقدم يخضع فقط للتقادم السنوي المنصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة (109) من القانون، دعاوى المسئولية عن تعويض الضرر الذي يلحق الشركة بسبب أخطاء مراقب الحسابات التي تقع منه في تنفيذ عمله، دون باقي دعاوي المسئولية التي ترفع من الشركة تطبيقاً للمادة (108) من القانون أو الدعاوي التي ترفع من المساهم أو الغير حسن النية ضد مراقب الحسابات بمطالبته بالتعويض تطبيقاً للمادة ( 3 / 109). فهذه الدعاوى الأخيرة تخضع للتقادم العادي وفقاً للأحكام العامة.
وقصد المشرع من تقرير تقادم قصير، والذي استحدثه بقانون 159 لسنة 1981 بدعاوي المسئولية المشار إليها في الفقرة الأولى من المادة (109) من القانون، سرعة قيام الشركة وحثها على رفع دعوى المسئولية ضد مراقب الحسابات عن أخطائه أثناء تنفيذ عمله، ومن جانب آخر استقرار الأمور بالنسبة لمراقب الحسابات. (الشركات التجارية للدكتورة / سميحة القليوبي، الطبعة السابعة، 2016، دار النهضة العربية ، الصفحة : 1104)
مسئولية المراقب:
يكون مراقب الحسابات مسئولا مسئولية تعاقدية أمام الشركة إذا أهمل في القيام بواجبه أو ارتكب خطأ أو بالأحرى إذ أخل بأحكام العقد الذي يربطه باللشركة وتكون هذه المسئولية تضامنية في حالة تعدد المراقبين (مادة 1/109 من القانون 159 لسنة 1981 ).
وذلك ما لم يحدد لكل واحد منهم أختصاص معين كذلك يكون المراقب مسئولاً مسئولية تقصيرية قبل كل والحد من المساهمين عن الأضرار التي تصيبه بصفة فردية بسبب خطأ المراقب أو إهماله في القيام بواجبه على النحو المرسوم بالعقد الذي يربطه بالشركة، ويصدر قرار من الجمعية العامة برفع الدعوى المسئولية المكتبية على مراقب الحسابات ويكون قرارها صحيحاً حتی وافق عليه الشركاء الحائرون لصف رأس المال بعد أن يستبعد منه نصيب من ينظر في رفع الدعوى المسئولة عليه. ويباشر مجلس الإدارة نيابة عن الشركة دعوى المسئولية المدنية ضد المراقب . وتسقط دعوى المسؤولية المدنية التي ترفع ضد المراقب من الشركة بمضي سنة من تاريخ انعقاد الجمعية العامة التي تلي فيها تقريره إلا أن يكون ما أتاه المراقب يكون جريمة فلا تسقط دعوى المسئولية المدنية إلا بسقوط الدعوى العمومية ( مادة 2/109 من القانون 159 لسنة 1981) .
أما عن المسئولية الجنائية فقد ورد النص عليها بالفقرات 5 ، 6 ، 8 من المادة 162 من القانون رقم 159 لسنة 1981 فيعاقب مراقب الحسابات، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين وبغرامة لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبيتين إذا صادق على توزيع أرباح أو فوائد على خلاف أحكام القانون أو إذا أخفي عمداً وقائع جوهرية أو أخفي عمداً هذه الوقائع في التقرير الذي يقدم الجمعية العامة وفقاً لأحكام هذا القانون وإذا زور في سجلات الشركة أو اثبت فيها عمداً وقائع غير صحيحة أو أعد أو عرض تقارير على الجمعية العامة تضمنت بيانات كاذبة أو غير صحيحة كان من شأنها التأثير على قرارات الجمعية. وفي حالة العود أو الامتناع عن إزالة المخالفة التي صدر فيها حكم نهائي بالإدانة تضاعف الغرامة في حديها الأدنى والأقصى (مادة 164 من القانون 159 لسنة 1981 ) .(الشركات التجارية ، الأستاذ/ حسن عبد الحليم عناية، دار محمود للنشر والتوزيع، طبعة 2018-2019 ، المجلد: الأول ، الصفحة : 297)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثالث عشر ، الصفحة / 35
تَعْوِيضٌ
التَّعْرِيفُ:
أَصْلُ التَّعْوِيضِ لُغَةً: الْعِوَضُ، وَهُوَ الْبَدَلُ تَقُولُ: عَوَّضْتُهُ تَعْوِيضًا إِذَا أَعْطَيْتُهُ بَدَلَ مَا ذَهَبَ مِنْهُ. وَتَعَوَّضَ مِنْهُ وَاعْتَاضَ: أَخَذَ الْعِوَضَ وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّعْوِيضَ اصْطِلاَحًا هُوَ: دَفْعُ مَا وَجَبَ مِنْ بَدَلٍ مَالِيٍّ بِسَبَبِ إِلْحَاقِ ضَرَرٍ بِالْغَيْرِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّثْمِينُ:
التَّثْمِينُ لُغَةً: هُوَ أَنْ تَجْعَلَ لِلشَّيْءِ ثَمَنًا بِالْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ .
وَعَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ لاَ يَكُونُ التَّثْمِينُ إِلاَّ فِي الْمُعَاوَضَاتِ (الْمُبَادَلاَتِ بِعِوَضٍ) أَمَّا التَّعْوِيضَاتُ (التَّصَرُّفَاتُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلضَّمَانِ، كَالإِْتْلاَفِ وَالْغَصْبِ) فَلاَ يَدْخُلُ فِيهَا التَّثْمِينُ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهَا التَّقْوِيمُ كَمَا سَيَأْتِي.
التَّقْوِيمُ
التَّقْوِيمُ لُغَةً: مَصْدَرُ قَوَّمَ، تَقُولُ: قَوَّمْتُ الْمَتَاعَ: إِذَا جَعَلْتُ لَهُ قِيمَةً مَعْلُومَةً، وَفِي الْحَدِيثِ: «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَوَّمْتَ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُقَوِّمُ» وَأَهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: اسْتَقَمْتُهُ بِمَعْنَى قَوَّمْتُهُ
وَالتَّقْوِيمُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ وَالتَّعْوِيضَاتِ
الأَْرْشُ:
أَرْشُ الْجِرَاحَةِ لُغَةً: دِيَتُهَا. وَالْجَمْعُ أُرُوشٌ، مِثْلُ: فَلْسٍ وَفُلُوسٍ. وَأَصْلُهُ: الْفَسَادُ. يُقَالُ: أَرَّشْتُ بَيْنَ الْقَوْمِ تَأْرِيشًا: إِذَا أَفْسَدْتُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي نُقْصَانِ الأَْعْيَانِ لأَِنَّهُ فَسَادٌ فِيهَا. وَيُقَالُ: أَصْلُهُ هَرْشٌ وَاصْطِلاَحًا: هُوَ الْمَالُ الْوَاجِبُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى بَدَلِ النَّفْسِ وَهُوَ الدِّيَةُ
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّعْوِيضُ أَعَمَّ مِنَ الأَْرْشِ.
الضَّمَانُ:
الضَّمَانُ لُغَةً: الاِلْتِزَامُ. يُقَالُ: ضَمَّنْتُهُ الْمَالَ: أَلْزَمَهُ إِيَّاهُ .
وَشَرْعًا: الْتِزَامُ حَقٍّ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ، أَوْ إِحْضَارُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، أَوِ الْتِزَامُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، وَيُقَالُ لِلْعَقْدِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ .
فَالضَّمَانُ عَلَى هَذَا أَعَمُّ مِنَ التَّعْوِيضِ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ فِي الأَْمْوَالِ، وَيَكُونُ فِي غَيْرِ الأَْمْوَالِ كَمَا فِي كَفَالَةِ الشَّخْصِ.
حُكْمُ التَّعْوِيضِ:
التَّعْوِيضُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُقَابِلَ ضَرَرٍ، وَمِنْ ثَمَّ فَهُوَ وَاجِبُ الأَْدَاءِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يُعَوَّضُ عَنْهُ وَمَا لاَ يُعَوَّضُ عَنْهُ.
وَالضَّرَرُ الْمُعَوَّضُ عَنْهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ يَشْمَلُ الضَّرَرَ الْوَاقِعَ عَلَى الْمَالِ بِمَا فِيهِ الْمَنْفَعَةُ، سَوَاءٌ كَانَ عَنْ طَرِيقِ الْغَصْبِ، أَمِ الإِْتْلاَفِ، أَمِ الاِعْتِدَاءِ عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَهِيَ الدِّيَةُ وَالأَْرْشُ وَتَفْصِيلُهُ فِي (الْجِنَايَاتِ) أَمْ عَنْ طَرِيقِ التَّفْرِيطِ فِي الأَْمَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيَكُونُ التَّعْوِيضُ بِدَفْعِ مَالٍ مُقَدَّرٍ أَوْ مُصَالَحٍ عَلَيْهِ يُدْفَعُ لِمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الضَّرَرُ، أَوْ لِمَنْ تَنْتَقِلُ إِلَيْهِ التَّرِكَةُ بَدَلاً لِمَا فُقِدَ وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ بَيْنَ النَّاسِ. ثُمَّ إِنَّ التَّعْوِيضَ أَثَرٌ شَرْعِيٌّ لأَِنَّهُ مُوجِبُ خِطَابِ الْوَضْعِ، فَيَشْمَلُ الْمُكَلَّفَ وَغَيْرَهُ. وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ يَجِبُ التَّعْوِيضُ فِي مَالِهِ، يَدْفَعُهُ وَلِيُّهُ عَنْهُ.
التَّعْوِيضُ عَنِ الضَّرَرِ:
- يَتَحَقَّقُ الضَّرَرُ بِإِتْلاَفِ الْعَيْنِ أَوِ الْمَنْفَعَةِ أَوِ النَّفْسِ أَوْ مَا دُونَهَا.
وَالتَّعْوِيضُ لَيْسَ مُلاَزِمًا لِلإْتْلاَفِ، بِحَيْثُ كُلَّمَا وُجِدَ الإْتْلاَفُ وُجِدَ التَّعْوِيضُ. وَذَلِكَ لأِنَّ الإْتْلاَفَ يَنْقَسِمُ إِلَى: إِتْلاَفٍ مَشْرُوعٍ، وَإِلَى إِتْلاَفٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ. أَمَّا الإْتْلاَفُ غَيْرُ الْمَشْرُوعِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّعْوِيضُ بِلاَ خِلاَفٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ حَقًّا لِلَّهِ، كَالصَّيْدِ حَالَةَ الإْحْرَامِ أَوْ فِي الْحَرَمِ، أَمْ حَقًّا لِلْعَبْدِ كَإِتْلاَفِ أَمْوَالِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَأَمَّا الإْتْلاَفُ الْمَشْرُوعُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّعْوِيضُ، إِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَإِلاَّ فَلاَ. عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ (إِتْلاَفٌ)
التَّعْوِيضُ بِتَفْوِيتِ الْعَيْنِ:
- تَقَدَّمَ فِي مُصْطَلَحِ (إِتْلاَفٌ) أَنَّ الْعَيْنَ الْمُتْلَفَةَ إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً يَضْمَنُ الْمُتْلِفُ مِثْلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ قِيَمِيَّةً يَضْمَنُ قِيمَتَهَا، وَيُرَاعَى فِي تَقْدِيرِ الْقِيمَةِ مَكَانُ الإْتْلاَفِ.
التَّعْوِيضُ عَنْ تَفْوِيتِ الْمَنْفَعَةِ:
- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنَافِعَ الأْمْوَالِ مَضْمُونَةٌ بِالتَّفْوِيتِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ مُدَّةَ مَقَامِهَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لأِنَّ كُلَّ مَا ضُمِنَ بِالإْتْلاَفِ جَازَ أَنْ يُضْمَنَ بِمُجَرَّدِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ كَالأْعْيَانِ ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مُصْطَلَحِ (غَصْبٌ، وَضَمَانٌ). وَمِنَ الْمَنَافِعِ الَّتِي نَصُّوا عَلَى ضَمَانِهَا تَفْوِيتُ مَنْفَعَةِ الْحُرِّ، فَإِنَّ مَنْ قَهَرَ حُرًّا وَسَخَّرَهُ فِي عَمَلٍ ضَمِنَ أُجْرَتَهُ. وَأَمَّا لَوْ حَبَسَهُ وَعَطَّلَ مَنَافِعَهُ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَغَيْرُ ضَامِنٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأْصَحِّ عِنْدَهُمْ .
وَأَمَّا مَنَافِعُ الْمَغْصُوبِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَمَانِهَا:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى ضَمَانِ مَنَافِعِ الْمَغْصُوبِ، وَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ - تَعْوِيضًا - عَمَّا فَاتَهُ، سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْغَاصِبُ الْمَنَافِعَ أَمْ لاَ. لأِنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ -: يَضْمَنُ الْغَاصِبُ غَلَّةَ مَغْصُوبٍ مُسْتَعْمَلٍ دُونَ غَيْرِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَيَضْمَنُ غَلَّةَ مَا عَطَّلَ مِنْ دَارٍ أَغْلَقَهَا، وَأَرْضٍ بَوَّرَهَا، وَدَابَّةٍ حَبَسَهَا. وَلِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ (غَصْبٌ، وَضَمَانٌ).
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ؛ لأِنَّ هَا لَيْسَتْ مَالاً عِنْدَهُمْ، عَدَا ثَلاَثَةَ مَوَاضِعَ يَجِبُ فِيهَا أَجْرُ الْمِثْلِ عَلَى اخْتِيَارِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهِيَ:
- الْوَقْفُ:
- إِذَا كَانَ الْوَقْفُ لِلسُّكْنَى أَوْ لِلاِسْتِغْلاَلِ أَوْ كَانَ مَسْجِدًا، فَإِنَّ مَنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ - أَيْ كَمَنْ جَعَلَ الْمَسْجِدَ بَيْتًا - يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مُدَّةَ شُغْلِهِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْخَيْرِيَّةِ وَالْحَامِدِيَّةِ.
ب - مَالُ الْيَتِيمِ:
- قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَكَذَا الْيَتِيمُ نَفْسُهُ - لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ - يَتِيمٌ لاَ أَبَ لَهُ وَلاَ أُمَّ، اسْتَعْمَلَهُ أَقْرِبَاؤُهُ مُدَّةً فِي أَعْمَالٍ شَتَّى بِلاَ إِذْنِ الْحَاكِمِ وَبِلاَ إِجَارَةٍ، لَهُ طَلَبُ أَجْرِ الْمِثْلِ بَعْدَ الْبُلُوغِ إِنْ كَانَ مَا يُعْطُونَهُ مِنَ الْكِسْوَةِ وَالْكِفَايَةِ لاَ يُسَاوِي أَجْرَ الْمِثْلِ.
وَأَمَّا مَالُ الْيَتِيمِ، فَإِنَّ تَفْوِيتَ مَنْفَعَتِهِ يُوجِبُ التَّعْوِيضَ أَيْضًا، وَذَلِكَ كَمَا إِذَا سَكَنَتْ أُمُّ الْيَتِيمِ مَعَ زَوْجِهَا فِي بَيْتٍ لَهُ، فَتَجِبُ الأْجْرَةُ عَلَى الزَّوْجِ. وَكَذَا إِذَا سَكَنَ الدَّارَ شَرِيكُ الْيَتِيمِ، فَتَجِبُ الأْجْرَةُ عَلَى الشَّرِيكِ أَيْضًا، عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الصُّورَتَيْنِ. وَكَذَا سَاكِنُ الدَّارِ إِذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى التَّفْصِيلِ.
ج - الْمُعَدُّ لِلاِسْتِغْلاَلِ:
- مَنْ بَنَى بَيْتًا أَوِ اشْتَرَاهُ لأِجْلِ الاِسْتِغْلاَلِ، فَإِنَّ عَلَى مَنْ يَسْتَغِلُّهُ - مِنْ غَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ - أَجْرُ الْمِثْلِ بِشَرْطِ عِلْمِ الْمُسْتَعْمِلِ بِكَوْنِهِ مُعَدًّا لِذَلِكَ، وَبِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُسْتَعْمِلُ مَشْهُورًا بِالْغَصْبِ.
وَأَمَّا لَوْ سَكَنَ فِي الْمُعَدِّ لِلاِسْتِغْلاَلِ بِتَأْوِيلِ مِلْكٍ أَوْ عَقْدٍ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ .
التَّعْوِيضُ بِسَبَبِ التَّعَدِّي وَالتَّفْرِيطِ فِي الْعُقُودِ:
أ - التَّعْوِيضُ فِي عُقُودِ الأْمَانَاتِ:
- عُقُودُ الأْمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْوَكَالَةِ، الأْصْلُ فِيهَا: أَنَّ مَحَلَّ الْعَقْدِ لاَ يَضْمَنُهُ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ إِلاَّ بِالتَّفْرِيطِ أَوْ بِالتَّعَدِّي. وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحَاتِهَا، وَانْظُرْ (تَعَدِّي، وَضَمَانٌ).
ب - التَّعْوِيضُ عَنِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ:
- إِذَا ظَهَرَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ كَانَ قَبْلَ الْبَيْعِ فَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ رَدِّهِ لِلْبَائِعِ أَوْ أَخْذِ أَرْشِ النَّقْصِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعٌ) وَفِي (خِيَارُ الْعَيْبِ).
ج - التَّعْوِيضُ فِي الإْجَارَةِ:
- الأْجِيرُ نَوْعَانِ. إِمَّا خَاصٌّ وَإِمَّا مُشْتَرَكٌ. أَمَّا الْخَاصُّ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَكُونُ ضَامِنًا إِلاَّ بِالتَّعَدِّي. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُشْتَرَكِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِجَارَةٌ، إِتْلاَفٌ).
التَّعْوِيضُ بِسَبَبِ التَّحْرِيضِ:
- ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَغْرَى ظَالِمًا عَلَى مَالٍ، فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُغْرِي (الظَّالِمِ). لِقَاعِدَةِ: (يُضَافُ الْفِعْلُ إِلَى الْفَاعِلِ - لاَ الآْمِرِ - مَا لَمْ يَكُنْ مُجْبِرًا) وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُتْبَعُ الْمُغْرِي إِلاَّ بَعْدَ تَعَذُّرِ الرُّجُوعِ عَلَى الْمُغْرِي، وَذَلِكَ لأِنَّ الْمُبَاشِرَ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَوْ فَتَحَ بَابَ الْحِرْزِ فَسَرَقَ غَيْرُهُ، أَوْ دَلَّ سَارِقًا فَسَرَقَ، أَوْ أَمَرَ غَاصِبًا فَغَصَبَ، أَوْ بَنَى دَارًا فَأَلْقَتِ الرِّيحُ فِيهَا ثَوْبًا وَضَاعَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَغْرَى ظَالِمًا بِأَخْذِ مَالِ إِنْسَانٍ أَوْ دَلَّهُ عَلَيْهِ، فَلِصَاحِبِ الْمَالِ تَضْمِينُ الْمُغْرِي لِتَسَبُّبِهِ أَوِ الظَّالِمِ لِظُلْمِهِ .
التَّعْوِيضُ بِسَبَبِ الإْكْرَاهِ:
- تَقَدَّمَ فِي مُصْطَلَحَيْ (إِكْرَاهٌ وَإِتْلاَفٌ) اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِي التَّعْوِيضِ بِسَبَبِ الإْكْرَاهِ، هَلْ يَكُونُ عَلَى الْمُكْرِهِ (بِكَسْرِ الرَّاءِ) فَقَطْ، أَوْ يَكُونُ عَلَى الْمُكْرَهِ (بِفَتْحِ الرَّاءِ) أَيْضًا لِمُبَاشَرَتِهِ لِلإْتْلاَفِ؟ انْظُرْ (إِكْرَاهٌ، إِتْلاَفٌ)
التَّعْوِيضُ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ بِالتَّسَبُّبِ:
- إِذَا أَتْلَفَ شَخْصٌ لآِخَرَ شَيْئًا أَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ فَهَلَكَ أَوْ فُقِدَ، وَكَذَا إِذَا أَلْحَقَ بِغَيْرِهِ ضَرَرًا بِجِنَايَةٍ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، أَوْ تَسَبَّبَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ بِمُبَاشَرَتِهِ أَوْ تَسَبُّبِهِ. وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِتْلاَفٌ) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (جِنَايَةٌ، ضَمَانٌ، غَصْبٌ).
تَعْوِيضُ مَا تُتْلِفُهُ الدَّوَابُّ:
تَقَدَّمَ اخْتِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِي ضَمَانِ مَا تُتْلِفُهُ الدَّوَابُّ مِنَ الزُّرُوعِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ضَمَانِ مَا تُتْلِفُهُ الدَّوَابُّ مِنْ غَيْرِ الزَّرْعِ إِذَا كَانَ مَعَهَا مَنْ لَهُ يَدٌ عَلَيْهَا وَلَمْ يَمْنَعْهَا، أَوْ رَاعٍ فِيهِ كِفَايَةُ الْحِفْظِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا رَاعٍ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِتْلاَفٌ) .
مَا يُشْتَرَطُ لِتَعْوِيضِ الْمُتْلَفَاتِ:
- اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ أَنْ يَكُونَ الْمُتْلَفُ مَالاً مُتَقَوِّمًا، وَأَنْ يَكُونَ الْمُتْلِفُ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِتْلاَفٌ) .
مَا يَكُونُ بِهِ التَّعْوِيضُ:
- إِذَا كَانَ الإْتْلاَفُ فِي الأْعْيَانِ كُلِّيًّا فَتَعْوِيضُهُ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِتْلاَفٌ ف 36)
أَمَّا إِذَا كَانَ الإْتْلاَفُ جُزْئِيًّا، فَفِيهِ أَرْشُ النَّقْصِ، وَيُرْجَعُ فِي تَقْدِيرِهِ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ. انْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَرْشٌ).
أَمَّا إِتْلاَفُ النَّفْسِ فَقَدْ أَوْجَبَ الشَّارِعُ فِيهِ الدِّيَةَ فِي الْحَالاَتِ الَّتِي لاَ يُطْلَبُ فِيهَا الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ تَكُونُ مِنَ الإْبِلِ، أَوِ الْبَقَرِ، أَوِ الْغَنَمِ، أَوِ الذَّهَبِ، أَوِ الْحُلَلِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِهَا.
وَفِي إِتْلاَفِ الْعُضْوِ أَوْ مَنْفَعَتِهِ الدِّيَةُ إِنْ كَانَتْ لَهُ دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ، وَإِلاَّ فَحُكُومَةُ عَدْلٍ كَمَا تَجِبُ كُلَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَفِي الْجِنَايَةِ خَطَأً عَلَى النَّفْسِ أَوْ مَا دُونَهَا. وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مُصْطَلَحَاتِ (أَرْشٌ، دِيَةٌ، حُكُومَةُ عَدْلٍ).
التَّعْوِيضُ عَنِ الأْضْرَارِ الْمَعْنَوِيَّةِ:
لَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ عَبَّرَ بِهَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْبِيرٌ حَادِثٌ. وَلَمْ نَجِدْ فِي الْكُتُبِ الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ تَكَلَّمَ عَنِ التَّعْوِيضِ الْمَالِيِّ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَْضْرَارِ الْمَعْنَوِيَّةِ.
تَقَادُمٌ
التَّعْرِيفُ:
التَّقَادُمُ لُغَةً: مَصْدَرُ تَقَادَمَ يُقَالُ: تَقَادَمَ الشَّيْءُ أَيْ: صَارَ قَدِيمًا. وَقَدْ عَبَّرَتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةُ عَنِ التَّقَادُمِ بِمُرُورِ الزَّمَانِ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ فِي الْجُمْلَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. التَّقَادُمُ الْمَانِعُ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى:
لِوَلِيِّ الأَْمْرِ مَنْعُ الْقُضَاةِ مِنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى فِي أَحْوَالٍ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْعُ سَمَاعِ الدَّعْوَى فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ بَعْدَ مُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَمَعَ أَنَّ الْحَقَّ لاَ يَسْقُطُ بِتَقَادُمِ الزَّمَانِ، إِلاَّ أَنَّ وَجْهَ هَذَا الْمَنْعِ هُوَ تَلاَفِي التَّزْوِيرِ وَالتَّحَايُلِ؛ لأَِنَّ تَرْكَ الدَّعْوَى زَمَانًا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ إِقَامَتِهَا، يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحَقِّ ظَاهِرًا.
وَعَدَمُ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى سُقُوطِ الْحَقِّ فِي ذَاتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ مَنْعِ الْقُضَاةِ عَنْ سَمَاعِ الدَّعْوَى مَعَ بَقَاءِ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ يَلْزَمُهُ، وَلَوْ كَانَ التَّقَادُمُ مُسْقِطًا لِلْحَقِّ لَمْ يَلْزَمْهُ
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / العشرون، الصفحة / 270
دَعْوَى
التَّعْرِيفُ:
الدَّعْوَى فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنَ الاِدِّعَاءِ، مَصْدَرُ ادَّعَى، وَتُجْمَعُ عَلَى دَعَاوَى بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا.
وَلَهَا فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: الطَّلَبُ وَالتَّمَنِّي، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ). وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ، كَمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وَمِنْهَا: الزَّعْمُ. وَلاَ تُطْلَقُ الدَّعْوَى عَلَى الْقَوْلِ الْمُؤَيَّدِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ حَقًّا، وَصَاحِبُهُ مُحِقًّا لاَ مُدَّعِيًا، فَلاَ تُطْلَقُ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لأَِنَّ مَا صَدَرَ عَنْهُ مَقْرُونٌ بِالْحُجَّةِ السَّاطِعَةِ، وَهِيَ الْمُعْجِزَةُ. وَكَانُوا يُسَمُّونَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ مُدَّعِيًا لِلنُّبُوَّةِ.
وَالدَّعْوَى فِي الاِصْطِلاَحِ: قَوْلٌ يَطْلُبُ بِهِ الإِْنْسَانُ إِثْبَاتَ حَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي أَوِ الْمُحَكَّمِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْقَضَاءُ:
الْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ: الْحُكْمُ. وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: تَبْيِينُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالإِْلْزَامُ بِهِ، وَفَصْلُ الْخُصُومَةِ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ الدَّعْوَى وَالْقَضَاءِ أَنَّ الدَّعْوَى طَلَبُ حَقٍّ، وَالْقَضَاءُ نَهْوِ الْحُكْمِ فِي هَذَا الطَّلَبِ وَالإِْلْزَامِ بِهِ.
التَّحْكِيمُ:
التَّحْكِيمُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ حَكَّمَ، يُقَالُ: حَكَّمُوهُ بَيْنَهُمْ: أَيْ فَوَّضُوهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ،
وَيُقَالُ: حَكَّمْنَا فُلاَنًا فِيمَا بَيْنَنَا أَيْ أَجَزْنَا حُكْمَهُ بَيْنَنَا.
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: تَوْلِيَةُ الْخَصْمَيْنِ حَاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا.
وَعَلَى هَذَا يَشْتَرِكُ التَّحْكِيمُ وَالدَّعْوَى فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَضَمَّنُ طَلَبَ الْفَصْلِ فِي الْخُصُومَةِ، وَيَخْتَلِفَانِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ، وَالأَْثَرُ، وَالْمَحَلُّ:
فَالتَّحْكِيمُ فِي حَقِيقَتِهِ عَقْدٌ مَبْنَاهُ عَلَى اتِّفَاقِ إِرَادَتَيْنِ، حَيْثُ يَكُونُ بِتَرَاضِي الْخُصُومِ عَلَى اخْتِيَارِ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا، وَلاَ يَصِحُّ بِإِرَادَةِ أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ. أَمَّا الدَّعْوَى فَهِيَ تَصَرُّفٌ قَوْلِيٌّ يَقُومُ بِهِ الْمُدَّعِي بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ.
وَلِلتَّحْكِيمِ أَثَرٌ إِنْشَائِيٌّ، حَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِنْشَاءُ وِلاَيَةٍ خَاصَّةٍ لِلْمُحَكَّمِ لَمْ تَكُنْ لَهُ قَبْلَ التَّحْكِيمِ، أَمَّا الدَّعْوَى فَلَيْسَ لَهَا مِثْلُ هَذَا الأَْثَرِ، إِذْ تُرْفَعُ إِلَى الْقَاضِي الَّذِي يَسْتَمِدُّ وِلاَيَتَهُ مِنْ عَقْدِ التَّوْلِيَةِ.
وَالتَّحْكِيمُ يَجُوزُ فِي الأَْمْوَالِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.
أَمَّا الدَّعْوَى فَتَصِحُّ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ بِلاَ خِلاَفٍ.
الاِسْتِفْتَاءُ:
الاِسْتِفْتَاءُ طَلَبُ الإِْفْتَاءِ، وَالإِْفْتَاءُ هُوَ:
الإِْخْبَارُ عَنْ حُكْمِ الشَّارِعِ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ بِنَاءً عَلَى اسْتِقْرَاءِ الأَْدِلَّةِ وَاتِّبَاعِ مُقْتَضَيَاتِهَا. وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الاِسْتِفْتَاءَ هُوَ طَلَبُ بَيَانِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ.
وَتَخْتَلِفُ الدَّعْوَى عَنْهُ أَنَّ فِيهَا طَلَبَ إِلْزَامِ الْخَصْمِ بِحَقٍّ، فَتَقْتَضِي وُجُودَ خَصْمٍ يُطْلَبُ إِلْزَامُهُ بِالْحَقِّ، وَلَيْسَ فِي الاِسْتِفْتَاءِ طَلَبُ إِلْزَامٍ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ وُجُودُ خَصْمٍ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
لَمَّا كَانَتِ الدَّعْوَى فِي حَقِيقَتِهَا إِخْبَارًا يُقْصَدُ بِهِ طَلَبُ حَقٍّ أَمَامَ الْقَضَاءِ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، فَمِنَ الْبَدَهِيِّ أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً إِذَا كَانَتْ دَعْوَى كَاذِبَةً، وَكَانَ الْمُدَّعِي يَعْلَمُ ذَلِكَ، أَوْ يَغْلِبُ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي دَعْوَاهُ، فَهِيَ عِنْدَئِذٍ تَصَرُّفٌ مُبَاحٌ، فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ يَقْصِدُ بِهَا الضِّرَارَ، فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً، كَمَا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ غَرِيمَهُ لاَ يُنْكِرُ حَقَّهُ، وَأَنَّهُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِتَوْفِيَتِهِ إِيَّاهُ، فَيَرْفَعُ الدَّعْوَى لِلتَّشْهِيرِ بِهِ، فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً.
أَرْكَانُ الدَّعْوَى:
أَرْكَانُ الدَّعْوَى عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ هِيَ: الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمُدَّعَى، وَالْقَوْلُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الْمُدَّعِي يَقْصِدُ بِهِ طَلَبَ حَقٍّ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ يُمَثِّلُهُ. وَلِكُلِّ رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ الأَْرْكَانِ شُرُوطٌ خَاصَّةٌ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِيمَا بَعْدُ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ رُكْنُ الدَّعْوَى هُوَ التَّعْبِيرُ الْمَقْبُولُ الَّذِي يَصْدُرُ عَنْ إِنْسَانٍ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ يَقْصِدُ بِهِ طَلَبَ حَقٍّ لَهُ أَوْ لِمَنْ يُمَثِّلُهُ، مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ: لِي عَلَى فُلاَنٍ أَوْ قِبَلَ فُلاَنٍ كَذَا، أَوْ قَضَيْتُ حَقَّ فُلاَنٍ، أَوْ أَبْرَأَنِي عَنْ حَقِّهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الرُّكْنَ هَلْ هُوَ مُجَرَّدُ التَّعْبِيرِ الطَّلَبِيِّ مِنْ قَوْلٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ، أَوْ أَنَّهُ هُوَ مَدْلُولُ ذَلِكَ التَّعْبِيرِ، أَوْ أَنَّهُ كِلاَ الأَْمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى هَلْ رُكْنُ الدَّعْوَى هُوَ الدَّالُّ أَوِ الْمَدْلُولُ أَوْ كِلاَهُمَا؟ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْقْوَالِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ.
