وقد أجيز بصفة أصلية للنيابة العمومية وباقي الخصوم الحضور في جميع إجراءات التحقيق ولكن هذا لا يمنع قاضي التحقيق من أن يجرى التحقيق في غيبتهم عند الاستعجال أو متى رأى ضرورة ذلك لمصلحة التحقيق فإذا زال المانع يبيح القاضي للخصوم الاطلاع على ما جرى في غيبتهم وقد أجيز للنيابة العمومية بصفة خاصة باعتبارها صاحبة الدعوى العمومية الاطلاع في أي وقت على التحقيقات لتقف على ما جرى فيها على إلا يترتب على ذلك تأخير السير فيها ومراعاة لواجب السرعة في التحقيق إلزام المدعى بالحقوق المدنية والمسئول عن الحقوق المدنية أن يعين لهما محلاً مختاراً في البلدة الكائن بها مركز المحكمة التي يجري التحقيق فيها إذا لم يكونا مقيمين به ليعلن فيه فإذا لم يفعلا اعتبر إعلانهما في قلم الكتاب صحيحاً - المواد 111 و 113 و 114 - ( أصبحت المواد 77 و 79 و 80 من القانون ).
تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016 أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونيتد للإصدارات القانونية
مادة 224 – للمحقق أن يجري التحقيق في غيبة الخصوم متى رأى ضرورة لإظهار الحقيقة بالنظر إلى نوع القضية أو خشية التأثير على الشهود وكذلك في حالة الاستعجال وبمجرد انتهاء تلك الضرورة يبيح لهم الإطلاع على التحقيق وله أن يباشر بعض إجراءات التحقيق في غيبة الخصوم مع السماح لهم بالإطلاع على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات .
ويجب على أعضاء النيابة القصد في استعمال حقهم في إجراء التحقيق في غيبة الخصوم أو وكلائهم ولا يلزم حتى في الأحوال التي يتقرر فيها ذلك استمرار منعهم من حضور جلسات التحقيق حتى آخر أدواره وللمتهم الحق دائماً في اصطحاب محاميه كلما دعي للتحقيق حتى في الأحوال التي يقرر فيها عضو النيابة إجراء التحقيق في غيبة الخصوم .
1- لما كان القانون قد أباح للمحقق أن يباشر بعض إجراءات التحقيق فى غيبة الخصوم مع السماح لهؤلاء بالإطلاع على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات، وكانت الطاعنة لم تدع أمام محكمة الموضوع بأنها منعت من الإطلاع على أقوال الضابط التي تقول أنه أدلى بها فى غيبتها فى تحقيقات النيابة، فإن ما أثارته فى هذا الصدد أمامها لا يعدو أن يكون دفاعاً قانونياً ظاهر البطلان، ولا على المحكمة إن هي التفتت عنه ولم ترد عليه.
(الطعن رقم 1471 لسنة 45 ق - جلسة 1976/01/04 س 27 ع 1 ص 9 ق 1)
2- لم يشترط القانون بالنسبة إلى تفتيش الأشخاص حضور شهود تيسيرا لإجرائه ، إلا أن حضورهم وقت التفتيش لا يترتب عليه البطلان ، إذ أن حصول التفتيش أمام شهود هو ضمان لسلامة الإجراءات التى يباشرها مأمور الضبط القضائي ، ولا محل لاستناد المتهم إلى المادة 77 من قانون الإجراءات الجنائية ، لأن المادة المذكورة لم تتحدث إلا عن حق خصوم الدعوى فى حضور إجراءات التحقيق عندما يباشرها قاضى التحقيق .
(الطعن رقم 966 لسنة 29 ق - جلسة 1959/11/09 س 10 ع 3 ص 857 ق 183)
3- المعاينة ليست إلا إجراء من إجراءات التحقيق يجوز للنيابة أن تقوم به فى غيبة المتهم إذا لم يتيسر حضوره - وكل ما يكون للمتهم هو أن يتمسك لدى المحكمة بما قد يكون فى المعاينة من نقص أو عيب ، فيقع تقدير ذلك فى سلطة المحكمة بوصف المعاينة دليلا من أدلة الدعوى التى تستقل المحكمة بتقديره ، ومجرد غياب المتهم عند إجراء المعاينة ليس من شأنه أن يبطلها .
(الطعن رقم 615 لسنة 29 ق - جلسة 1959/12/07 س 10 ع 3 ص 977 ق 200)
4- دفع محامى المتهم ببطلان التحقيق و ما تلاه من إجراءات إستناداً إلى عدم تمكين النيابة له قبيل التصرف فى التحقيق من الإطلاع على ملف الدعوى و عدم السماح له بالإتصال بالمتهم . هذا الدفع لا محل له إذ أن القانون لا يرتب البطلان إلا على عدم السماح بغير مقتض لمحامى المتهم بالإطلاع على التحقيق فى اليوم السابق على إستجواب المتهم أو مواجهته بغيره أو بالإطلاع على التحقيق أو الإجراءات التى أجريت فى غيبته .
(الطعن رقم 36 لسنة 26 ق - جلسة 1956/03/15 س 7 ع 1 ص 361 ق 107)
5- ليس فى حضور ضابط الشرطة التحقيق ما يعيب إجراءاته ، إذ أن سلطان الوظيفة فى ذاته بما يسبغه على صاحبه من إختصاصات و إمكانيات لا يعد إكراها ما دام هذا السلطان لم يستطل على المتهم بالأذى مادياً كان أو معنوياً . كما أن مجرد الخشية لا يعد قرين الإكراه المبطل للإعتراف لا معنى و لا حكماً .
(الطعن رقم 777 لسنة 40 ق - جلسة 1970/06/22 س 21 ع 2 ص 918 ق 217)
6- أن مجرد تخوف الشاهد و خشيته من رجال الشرطة لوجودهم أثناء سؤاله بالتحقيق لا يصح إتخاذه ذريعة لإزالة الأثر القانونى المترتب على تلك الأقوال متى إطمأنت المحكمة إلى صدقها و مطابقتها للواقع .
(الطعن رقم 1478 لسنة 40 ق - جلسة 1970/12/21 س 21 ع 3 ص 1239 ق 300)
لقد حرص المشرع المصري على الأخذ بمبدأ إجراء التحقيق في وجود الخصوم. إلا أنه لا يجوز للجمهور حضور التحقيق، لأن العلانية المطلقة تتنافى مع ما يجب أن تتسم به أعمال التحقيق ونتائجه من السرعة.
هذه هي القاعدة إلا أن المشرع خرج عنها في أحوال معينة قرر فيها سرية التحقيق وهي حالتي الضرورة، والاستعجال.
أولا : حالة الضرورة :
الأصل هو حق الخصوم في حضور التحقيق، إلا أنه لا يجوز أن يترتب عليه إضرار بسير التحقيق أو تعطيل مجراه. وتحقيقاً للتوازن بين سلطة الدولة في العقاب وحق المتهم في الحرية سمح القانون بالخروج عن مبدأ حضور الخصوم للتحقيق إذ ترتب على ذلك تحقيق مصلحة أولى بالرعاية وهي الحفاظ على حيدة التحقيق وفاعليته فتكون الضرورة حين يترتب على اشتراط حضور المتهم إجراءات التحقيق الإضرار بسيره أو تعطيل مجراه. مثال ذلك: أن يكون مركز المتهم أو المدعي المدني أو شخصيته سبباً في التأثير على أقوال الشهود مما يتعين معه المصلحة التحقيق أن تسمع أقولهم في غيبته. وقد تقضي الضرورة بإجراء المعاينة في غيبة المتهم، إذا كان المحقق في حاجة إلى إرشاد المجني عليه عن كيفية وقوع الجريمة في مكان الحادث، ويخشى أن يؤدي حضور المتهم إلى التأثير في المجني عليه لما يتمتع به من سطوة ونفوذ.
ثانيا : حالة الاستعجال:
قد يرى المحقق أن إخطار الخصوم لحضور التحقيق ثم انتظارهم من شأنه أن يؤدي إلى ضياع الأدلة، فيعمد إلى مباشرة التحقيق في غيبتهم. مثال ذلك: أن يكون الشاهد الذي يزمع سؤاله مشرفاً على الموت أو مسافراً إلى الخارج، أو أن يصل إلى علم المحقق أن أسرة المتهم في سبيل إخفاء أدلة الجريمة من مسكنه فیری تفتیشه قبل حضوره لأن في انتظاره ما قد يسمح للغير بإخفاء أدلة الجريمة.
إذا تمكن أحد الخصوم من حضور التحقيق رغم عدم دعوته للحضور بسبب الاستعجال، فلا يجوز للمحقق أن يمنعه من ذلك ما لم تتوافر حالة الضرورة أيضاً.
جزاء السرية في غير هاتين الحالتين:
يتضح مما تقدم أن الأصل هو حضور الخصوم للتحقيق. وهذا الأصل هو شكل جوهري لصحة إجراءات التحقيق، لأنه ينظم كيفية تدخل المتهم في هذه المرحلة. ومن ثم فإن فرض السرية في غير هاتين الحالتين يترتب عليه بطلان متعلق بالنظام العام. وتقدير الضرورة والاستعجال أمر موضوعي تقدره سلطة التحقيق تحت رقابة محكمة الموضوع. (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الأول ، الصفحة : 607)
أزال الشارع سرية التحقيق الإبتدائي بالنسبة لأطراف الدعوى ووكلائهم وعلة ذلك هي توفير الضمانات لهم بتمكينهم من رقابة إجراءاته والإطمئنان إلى سلامتها وإثارة أسباب بطلانها في الوقت الملائم وهي من ناحية ثانية تمكين كل خصم من العلم بالأدلة التي تقدم ضده فيتاح له إبداء رأيه فيها ودحضها فيكون من شأن ذلك أن تعطى قيمتها الحقيقية ويرتبط بإزالة سرية التحقيق الابتدائي إزاء أطراف الدعوى إزالتها كذلك بالنسبة لوكلائهم ولكن زوال السرية بالنسبة للخصوم ووكلائهم ليس قاعدة مطلقة فقد أورد الشارع عليه إستثنائين عاد فيهما إلى أصل السرية بالنسبة للخصوم أنفسهم وهذان الإستثناءان هما الضرورة والاستعجال.
وتجمل الضرورة التي تبرر فرض السرية في إحتمال أن يفسد حضور المتهم - أو غيره من الخصوم - جهود المحقق للتنقيب عن الدليل أي خشية أن يؤدي هذا الحضور إلى إحباط تلك الجهود مثال ذلك أن يخشى المحقق أن يكون حضور المتهم أثناء سماع الشهادة منطوية على إرهاب للشاهد على نحو لا يقول معه كل ما يريد. والمحقق هو الذي يقرر الضرورة التي تقتضي السرية والمراد بها ضرورة السرية لإظهار الحقيقة وتقدير المحقق ليس مطلقاً وإنما تراقبه محكمة الموضوع فإن لم ترى ضرورة كانت الإجراءات التي أجريت في غيبة الخصوم باطلة بطلاناً متعلقاً بالنظام العام.
ويتعين على المحقق أن يزيل السرية بمجرد إنتهاء الضرورة لذلك فإن أبقاها على الرغم من زوال الضرورة كانت الإجراءات التي باشرها سرية باطلة كذلك بطلاناً متعلقاً بالنظام العام. وقد أخرج الشارع من سلطة المحقق في فرض السرية تفتيش المنازل عملاً بنص المادة 92 إجراءات والتي صيغت بعبارة عامة توحي بأنه لا وجه لتقرير إستثناء عليه استناداً إلى الضرورة. (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الأول ، الصفحة : 820)
أباح المشرع لسلطة التحقيق الحق في إجراء التحقيق في غيبتهم في حالتين :
الحالة الأولى :
وهي حيث يرى المحقق ضرورة إجراء التحقيق في غيبتهم حتى يتسنى له الوصول إلى الحقيقة فقد يرى المحقق أن في حضور الخصوم إضراراً بسير التحقيق وعرقلة الوصول إلى كشف الحقيقة . ولذلك قرر المشرع أنه لا يجب أن يكون مبدأ علانية التحقيق وحضور الخصوم جميع إجراءاته من العوامل المعوقة للغاية من التحقيق ذاته وهي کشف الحقيقة ومن أجل ذلك ترك المحقق تقدير الظروف الخاصة بالتحقيق ، فإن رأى أن أجراءه في غيبة الخصوم هو إجراء ضروري للوصول إلى الحقيقة كان يمنعهم من الحضور .
وبطبيعة الحال تحدد حالة الضرورة هذا الإجراء وكذلك الخصم الذي يمتنع عليه الحضور فيجب ألا يتجاوز المحقق الحكمة من منع الخصوم وهي حالة الضرورة ويقوم بإجراء لا يتوافر فيه تلك الصفة . كما أن المنع يجب أن يقتصر أيضاً على الخصم الذي في عدم حضوره تتحقق الغاية من المنع وهي إظهار الحقيقة ويستوي بعد ذلك أن يكون الخصم هو المتهم أو المسئول عن الحقوق المدنية أو المجني عليه أو المدعي المدني . ولذلك يباشر الإجراء في غيبة الخصوم الذين يرى المحقق ضرورة مباشرة الإجراء في غيابهم ولا يجب أن يتعداهم إلى أخرين لا تتوافر بالنسبة لهم حالة الضرورة هذه .
ومن أمثلة ذلك سماع الشهود في غيبة المتهم مثلاً إذا كان الأخير من ذوي التأثير عليهم كأن يكون رئيسهم المباشر مثلاً.
وجدير بالذكر أن تقدير ضرورة إجراء التحقيق في غيبة الخصوم هو أمر يستقل بتقديره المحقق تحت رقابة محكمة الموضوع التي يمكنها إذا رأت أنه لم يكن هناك مقتض لإجراء التحقيق في غيبة الخصم أن تقضى ببطلان الإجراء الذي اتخذ وتستبعد الدليل المستفاد منه غير أن ذلك لا يمنع المحكمة من الاستناد إلى الدليل الذي قامت هي بتحقيقه، إذ الأصل هو أن العبرة أمام المحاكم الجنائية بالتحقيق الذي تجريه المحكمة بنفسها ولا يرجع إلى التحقيقات الابتدائية إلا إذا تعذر على المحكمة تحقيق الدليل بنفسها، وفي هذه الحالة فقط يجب لصحة الحكم ألا يكون الدليل مخالفاً للقانون.
غير أن المشرع أوجب على سلطة التحقيق بمجرد انتهاء الضرورة التي من أجلها باشرت الإجراء في غيبة الخصوم، أن تبيح لهم الاطلاع على التحقيق فلا يجوز منعهم من حضور إجراءات التحقيق وحرمانهم في الوقت ذاته من الاطلاع على ما تم من إجراءات في غيبتهم .
وغني عن البيان أن التحقيق في غيبة الخصوم مرهون بقيام الضرورة فيباح طالما أنها قائمة وينتهي بانتهائها مع إباحة اطلاع الخصوم على ما تم من إجراءات (م77).
الحالة الثانية : وهي حالة الاستعجال :
فقد نصت المادة 77 على أنه لقاضي التحقيق أن يباشر في حالة الاستعجال بعض إجراءات التحقيق في غيبة الخصوم والحكم ينصرف إلى سلطة التحقيق عموماً سواء كانت النيابة العامة أو مستشار التحقيق.
فقد تدعو ظروف التحقيق إلى وجوب مباشرة إجراء من إجراءاته في وقت لا يتسع لإخطار الخصوم حتى يتمكنوا من حضوره وقد يرى المحقق أن تأخير مباشرة الإجراء إلى حين إخطار الخصوم يترتب عليه ضرر بالتحقيق، نظراً لأن عدم مباشرة الإجراء في حينه قد يقلل أو يعدم من قيمة النتائج المستفادة منه . لذلك سمح المشرع للمحقق في حالة الاستعجال هذه أن يباشر الإجراء فى غيبة الخصوم. ومن أمثلة ذلك إجراء معاينة لمكان الحادث قبل أن يتمكن المتهم من إزالة آثار الجريمة وفي هذا الحالة أيضاً يجوز القيام بهذا الإجراء فى غيبة المتهم ذاته، أو أن يسمع المحقق شهادة شاهد قبل وفاته .
وتقدير الاستعجال هو أمر يستقل به المحقق أيضاً تحت رقابة محكمة الموضوع ويتحدد الإجراء الذي يباشر في غيبة الخصوم بحالة الاستعجال .
وما دام إجراء التحقيق في غيبة الخصوم منوطاً بالاستعجال فقط فلا يجوز للمحقق أن يحول بين حضور الخصم إذا تمكن هذا الأخير من الحضور رغم عدم إخطاره رسمياً بمباشرة الإجراء، اللهم إلا إذا توافرت في حقه ضرورة التحقيق في غيبته.
وإذا كان الاستعجال هو الذي أدى إلى مباشرة الإجراء في غيبة الخصوم، فطبيعة الحال يحق لهؤلاء الاطلاع بعد ذلك على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات.
استثناء بعض الإجراءات من جواز التحقيق في غيبة الخصوم بسبب الضرورة:
إذا كان الشرع قد سمح للمحقق في غيبة الخصوم إذا ما توافرت حالة الضرورة أو توافرت حالة الاستعجال وذلك دون تحديد لهذه الإجراءات فقد يستفاد من ذلك أن السلطة التحقيق أن تباشر أي إجراء من إجراءات التحقيق متى توافرت إحدى الحالتين السابقتين.
ومع ذلك فقد ذهب الفقه إلى أن هناك من الإجراءات مالا يمكن أن تثور بصدده حالة الضرورة ويتعين إجراؤها دائماً في حضور الخصوم نظراً لأن مصلحة التحقيق ذاتها تتطلب إجراؤها في حضورها في حضورهم وليس في غيبتهم وقصد بذلك إجراءات التفتيش والمعاينة. وذلك تأسيساً على أن هذه الإجراءات لا يمكن إعادتها في مرحلة المحاكمة بالنسبة للتفتيش، وفيما يتعلق بالمعاينة فإن إعادتها في مرحلة المحاكمة لن تأتي بالفائدة المرجوة منها إذ غالباً ما تكون آثار الجريمة قد زالت.
وقد ذهب فريق من الفقه إلى التفرقة بين التفتيش وبين المعاينة ومنع إجراء الأول في غبية الخصوم بينما أباح ذلك بالنسبة للمعاينة.
والرأي عندنا هو أن الحق في جانب الاتجاه الأول تأسيسا على الآتي :
1- أن التفتيش هو إجراء يستحيل إعادته من قبل المحكمة، أن الدليل المستفاد منه يتحقق في اللحظة التي يؤشر فيها الإجراء. ولذلك من صالح التحقيق أن يكون ذلك في حضور الخصوم حتى يواجهوا بما انتهى إليه الإجراء وحتى لا يشككوا بعد ذلك في صدق النتيجة المستفادة منه.
2-أن المشرع استلزم حضور المتهم أثناء التفتيش كلما أمكن ذلك من حيث زمان إجراء التفتيش. ولذلك فيكون من التناقض أن يستلزم حضور المنهم للتفتيش ومع ذلك يبيح للمحقق أن يجري التفتيش في غيبته بسبب حالة الضرورة ويمنعه من حضوره.
3- أن حالة الضرورة لا تتوافر بحسب طبيعة إجراء المعاينة الذي يتطلب أن تكون قد تمت بحضور الخصوم حتى يتأكد المحقق من أن ما ورد بالتحقيقات يتطابق والواقع وحتى يمكن مواجهة الخصوم بما أسفر عنه الإجراء. وهذا بطبيعة الحال لا يتأتى ألا حيث يكون الخصوم حاضرين مباشرة الإجراء وإلا أمكنهم المنازعة في الدليل المستفاد من المعاينة التي تمت في غيبتهم.
ومن أجل ذلك كله نخلص إلى أنه إذا كان القانون قد أباح مباشرة بعض إجراءات التحقيق في غيبة الخصوم بسبب الضرورة فإن ذلك يقتصر فقط على إجراءات التحقيق الأخرى خلاف المعاينة والتفتيش حيث لا يجوز حرمان الخصوم من حضورهما بحجة الضرورة.
جزاء مخالفة علانية التحقيق بالنسبة للخصوم :
في غير حالة الاستعجال وحالة الضرورة لا يجوز مباشرة التحقيق في غيبة الخصوم ، ويرى البعض أن هذه القاعدة تتعلق بالنظام العام. غير أننا نرى أنها قاعدة تتعلق بمصالح الخصوم في حضورهم التحقيق. وقد قرر المشرع هذه القاعدة ضماناً لهذه المصالح ومن ثم فيجوز لهم التنازل عنها. ولذلك فإن الأثر المترتب على مخالفة هذه القاعدة هو البطلان، إلا أنه بطلان متعلق بمصالح الخصوم يتعين الدفع به أمام محكمة الموضوع، ويصحح بإجراءات تصحيح البطلان غير المتعلق بالنظام العام ويترتب على ذلك أنه لا يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها وإنما يتعين الدفع به، كما لا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض .
- الحماية الجنائية لأسرار التحقيق :
لقد حمى المشرع أسرار التحقيق جنائياً بنصين :
الأول : هو أنه اعتبر إجراءات التحقيق ذاتها والنتائج التي تسفر عنها من الأسرار وأوجب على المحققين وأعضاء النيابة العامة ومساعديهم من كتاب وخبراء وغيرهم ممن يتصلون بالتحقيق أو يحضرونه بسبب وظيفتهم أو مهنتهم عدم إفشائها والا طبق عليهم نص المادة 310 عقوبات. وغني عن البيان أن هذا النص لا ينصرف إلى المتهم أو المدعي المدني أو المجني عليه أو المسئول عن الحقوق المدنية ، وان كان ينصرف إلى المحامين الذين يحضرون التحقيق باعتبارهم وكلاء عن الخصوم.
والثاني : هو نص المادة 189 عقوبات والتي تعاقب على إذاعة معلومات تتعلق بإجراء جنائي. سری وهو نص ينصرف إلى الكافة وبالتالي ينصرف أيضاً إلى الخصوم الذين يحضرون التحقيق. ذلك أن المادة 189 تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة تتراوح بين عشرين والمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أذاع بطريق الصحافة أو بأي طريق آخر من طريق العلانية بيانا عن قضية جنائية نظرت سراً أو ذاع محتويات وثائق أو أوراق تتعلق بالتحقيق في قضية يجب أن تبقى سرية قانوناً.
ولا يطبق هذا الحكم على الوثائق وحيثيات التحقيق التي أدلى بها فيما بعد في مناقشة علنية، وبوجه عام لا يطبق على سائر أوراق الإجراءات الجنائية والقضائية المتعلقة بقضية تم الفصل فيها.
ومع ذلك ففي الدعوى التي لا يجوز فيها إقامة الدليل على الأمور المدعى بها يعاقب على إعلان الشكوى أو على نشر الحكم بالعقوبات المنصوص عليها بالمادة 189/1 ما لم يكن النشر قد حصل بإذن الشاکی.
كما نصت المادة 190ع على أنه في غير الدعاوى التي ينطبق عليها حكم المادة السابقة يجوز للمحاكم نظراً لنوع وقائع الدعوى أن تحظر في سبيل المحافظة على النظام العام أو الآداب ، نشر المرافعات القضائية أو الأحكام . (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الأول، الصفحة 402)
يجوز له حضور جميع إجراءات التحقيق سواء بوشرت بمعرفة النيابة العامة أو قاضي التحقيق، ولذلك يجب على النيابة العامة وأيضاً علی قاضی التحقيق إخطاره بيوم التحقيق ومكانه، اللهم إلا إذا قرر المحقق سرية التحقيق. وفي هذه الحالة يكون له الحق في الإطلاع على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات. (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الثاني ، الصفحة : 903)
يجوز الادعاء المدني أمام النيابة العامة وقاضي التحقيق عند توليهما التحقيق. وإذا تم الادعاء أمام النيابة العامة أثناء التحقيق، فإنها تفصل في قبوله خلال ثلاثة أيام من تقديم هذا الادعاء، ولمن رفض طلبه الطعن في قرار الرفض أمام محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة خلال ثلاثة أيام من وقت إعلانه بالقرار المادة 199 مكرراً). ولا يشترط أن يكون قبول الادعاء بقرار صريح، فيعد قبولا للدعوى المدنية إعطاء المدعي المدني كافة الحقوق المترتبة على ادعائه، مثل السماح له بحضور إجراءات التحقيق (المادة 77 إجراءات).
ولا يشترط أن يعلن المدعي المدني طلبه هذا إلى المتهم، فعلمه به متحقق من كون التحقيق يجري في مواجهته ومن حقه الاطلاع عليه.
ويلاحظ أن قبول الادعاء المدني في أثناء التحقيق الابتدائي ينصرف إلى صفة المدعي المديني بوصفه المضرور من الجريمة، ولكنه لا يفصل في مدى توافر ضرر فعلی، اكتفاء بمجرد ادعاء حصول هذا الضرر، فذلك أمر يدخل في الاختصاص الموضوعي للمحكمة.
للمدعي المدني أن يحضر جميع إجراءات التحقيق ما لم ير المحقق ضرورة التحقيق في غيبته (المادة 77/ 1 إجراءات).
وله بناء على ذلك تقديم كافة الدفوع والطلبات التي يرى تقديمها في أثناء التحقيق (المادة 18 إجراءات)، وله أن يطلب على نفقته في أثناء التحقيق صوراً ، من الأوراق أيا كان نوعها، إلا إذا كان التحقيق حاصلا بغير حضوره بناء على قرار صادر بذلك (المادة 48 إجراءات). وله أن يطلب سماع بعض الشهود وأن يبدي ملاحظاته على أقوال ما يسميه المحقق من شهود (المادتان 110 و 115 إجراءات).
إذا صدر قرار بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية، فيعلن هذا القرار للمدعي المدني، وإذا كان قد توفى يكون الإعلان لورثته جملة في محل إقامته (المادتان 154/ 2 و 209/ 3 إجراءات).
للمدعي المدني استئناف الأمر إلا إذا كان صادراً فى تهمة موجهة إلى موظف عام وقعت منه الجريمة في أثناء تأدية وظيفته أو بسببها (المادتان 162 و 210/ 1 إجراءات)، وله أن يستأنف الأوامر المتعلقة بمسائل الاختصاص (المادة 163 إجراءات).
ويبدو الأساس التشريعي لمرحلة جمع مصادر الدليل في تطبيق مبدأ حرية الإثبات الجنائي في سائر النصوص التي تنظم إجراءات جمع الاستدلالات إضافة إلى إجراءات التحقيق الابتدائي و إجراءات المحاكمة. فبالنسبة إلى إجراءات جمع الاستدلالات نصت المادة 21 إجراءات على أن يجمع مأمورو الضبط القضائي الاستدلالات التي تلزم للتحقيق في الدعوى. وبالنسبة إلى الأساس التشريعي في هذه المرحلة بالنسبة إلى إجراءات التحقيق الابتدائي، فإنه فضلاً عما نص عليه القانون بشأن اختصاص قاضي التحقيق (المادة 169 إجراءات أو النيابة العامة (المادة 199 إجراءات بالتحقيق - فللنيابة العامة وباقي الخصوم أن يقدموا إلى قاضي التحقيق الدفوع والطلبات التي يرون تقديمها أثناء التحقيق (المادة 81 إجراءات). وبالنسبة إلى الأساس التشريعي لهذه المرحلة بالنسبة إلى إجراءات المحاكمة، فقد نص القانون على أن للمحكمة أن تأمر، ولو من تلقاء نفسها، في أثناء نظر الدعوى بتقديم أي دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة (المادة 291 إجراءات)
ويتجلى الأساس التشريعي لمرحلة مناقشة أدلة الإثبات في تطبيق مبدأ حرية الإثبات الجنائي في النصوص التي تكفل مبدأ شفوية المرافعة بما يمكن الخصوم من مناقشة الأدلة المعروضة على المحكمة، وفي مبدأ المواجهة بين الخصوم الذي يكفل حضور الخصوم في أثناء إجراءات التحقيق، ما لم تتطلب الضرورة غير ذلك (المادة 77/ 1 إجراءات)، أو تتطلب حالة الاستعجال مباشرة بعض إجراءات التحقيق في غيبتهم (المادة 77/ 1 إجراءات)، وسائر النصوص التي تؤكد حق الدفاع.
أما الأساس التشريعي لمرحلة تقدير قيمة أدلة الإثبات بواسطة المحكمة، في تطبيق مبدأ حرية الإثبات الجنائي، فيبدو فيما نصت عليه المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية من أن يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته، ومع ذلك لا يجوز للقاضي أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه في الجلسة. وفيما نصت عليه المادة 300 إجراءات من أنه لا تتقيد المحكمة بما هو مدون في التحقيق الابتدائي أو في محاضر جمع الاستدلالات، إلا إذا وجد في القانون نص على خلاف ذلك.
ومفاد حرية الإثبات أنه لا يتقيد بمصدر معين، فهناك حرية كاملة في تكوين عقيدة القاضي من أي مصدر مشروع للإثبات، يصلح لذلك. ولا يجوز الخلط بين مبدأ حرية جمع الأدلة وعرضها ومبدأ احترام الالتزام بحدود القانون. فالحرية التي يكفلها القانون ليست حرية هوجاء وإنما هي حرية تلتزم الإطار الذي يرسمه القانون دون خروج على محارمه أو حدوده.
مباشرة التحقيق في حضور الخصوم :
إن حضور الخصوم إجراءات التحقيق الابتدائي ضمان مهم لاحترام حق الدفاع حتى يكون الخصوم على بينة مما يجري حولهم أو ضدهم، فلا تحاك الأدلة ضد المتهم في غيبته بل يكون عالماً مدركاً لكل مجريات التحقيق، فيجري بنزاهة وشرف أمام طرفي الخصومة، لأن الحقيقة المنشودة هي التي تتحقق على مسمع ومرأى من أطراف الخصومة.
وقد اعتنق القانون المصري مبدأ حضور الخصوم التحقيق الابتدائي، وتأكد ذلك في المواد 77 و 78 و 79 إجراءات، فنصت المادة 77 بشأن التحقيق الذي يجريه قاضي التحقيق على أن للنيابة العامة وللمتهم وللمجني عليه وللمدعي بالحقوق المدنية وللمسئول عنها ولوكلائهم أن يحضروا جميع إجراءات التحقيق. ولتمكين الخصوم من حضور إجراءات التحقيق نصت المادة 87 إجراءات علی أن يخطر الخصوم باليوم الذي يباشر فيه المحقق إجراءات التحقيق ومكانها. ونصت المادة 79 على أنه يجب على من المجني عليه والمدعي بالحقوق المدنية والمسئول عنها أن يعين له محلاً فى البلدة الكائن فيها مركز المحكمة التي يجري فيها التحقيق إذا لم يكن مقيماً فيها وإذا لم يفعل ذلك يكون إعلانه في قلم الكتاب - بكل ما يلزم إعلانه به - صحيحاً.
هذه هي القاعدة، لكن المشرع خرج عنها في أحوال معينة قرر فيها سرية التحقيق، فما هذه الأحوال
سرية التحقيق على الخصوم:
قررت المادة 77 إجراءات سرية التحقيق الابتدائي في حالتين، هما الضرورة والاستعجال. فنصت على أن لقاضي التحقيق أن يجري التحقيق في غيبة الخصوم متى رأى ضرورة ذلك لإظهار الحقيقة، وبمجرد انتهاء تلك الضرورة يبيح لهم الإطلاع على التحقيق. ومع ذلك، فلقاضي التحقيق أن يباشر في حالة الاستعجال بعض إجراءات التحقيق في غيبة الخصوم، ولهؤلاء الحق في الاطلاع على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات.
والحق في الاطلاع المقرر لصالح الخصوم لا يرد عليه استثناء، فلا يجوز للمحقق أن يرفض هذا الحق. فبعد انتهاء موجبات السرية يجب احترام حقوق الدفاع، وإلا كانت الإجراءات المترتبة على هذا الحرمان باطلة. فنتائج التحقيق يجب أن تكون معروفة للدفاع حتى لا يضل طريقه. وتقدير موجبات السرية (الضرورة والاستعجال) متروك للمحقق تحت رقابة محكمة الموضوع.
أولا: حالة الضرورة :
الأصل هو حق الخصوم في حضور التحقيق، لكنه لا يجوز أن يترتب عليه إضرار بسير التحقيق أو تعطیل مجراه. وتحقيقاً للتوازن بين حق الدولة في العقاب وحق المتهم في الحرية - سمح القانون بالخروج عن مبدأ حضور الخصوم للتحقيق إذا ترتب على ذلك تحقيق مصلحة أولي بالرعاية، وهي الحفاظ على حيلة التحقيق وفعاليته، فتكون الضرورة حين يترتب على اشتراط حضور المتهم إجراءات التحقيق الإضرار بسيره أو تعطیل مجراه. مثال ذلك أن يكون مركز المتهم أو المدعي المدني أو شخصيته سبباً في التأثير على أقوال الشهود، مما يتعين معه لمصلحة التحقيق أن تسمع أقوالهم في غيبته. وقد تقتضي الضرورة إجراء المعاينة في غيبة المتهم، إذا كان المحقق في حاجة إلى إرشاد المجني عليه عن كيفية وقوع الجريمة في مكان الحادث، يخشى أن يؤدي حضور المتهم إلى التأثير على المجني عليه لما يتمتع به من سطوة ونفوذ.
جزاء السرية في غير حالتي الضرورة والاستعجال :
يتضح مما تقدم أن الأصل هو حضور الخصوم للتحقيق، وهذا الأصل هو شكل جوهري لصحة إجراءات التحقيق، لأنه ينظم كيفية تدخل المتهم في هذه المرحلة. ومن ثم، فإن فرض السرية في غير هاتين الحالتين يترتب عليه بطلان متعلق بالنظام العام. وتقدير الضرورة والاستعجال أمر موضوعي تقدره سلطة التحقيق تحت رقابة محكمة الموضوع.
ومع ذلك، فقد ذهبت محكمة النقض في قضاء لها إلى أنه إذا أجرت النيابة تحقيقاً ما في غيبة المتهم فيكون ذلك من حقها ولا بطلان فيه. وكل ما للمتهم هو التمسك لدى محكمة الموضوع بما قد يكون في التحقيقات من نقص أو عيب به حتى تقدرها وهي على بينة من أمرها.(نقض 14 يونية سنة 1979، مجموعة الأحكام، س 30، رقم 146، ص 685).
وهو قضاء محل نظر، فإن أهم أوجه و العيب في التحقيق هو الإخلال بحق الدفاع بحرمان المتهم من الحضور، فإذا رأت المحكمة أنه لا مجال لفرض السرية على التحقيق سواء من حيث الضرورة أو الاستعجال، كان ذلك دليلاً على أن المحقق فرط في ضمان مهم من ضمانات والدفاع التي تؤثر في صحة إجراءات التحقيق.
الاطلاع على التحقيق :
ضماناً لفاعلية حضور الخصوم للتحقيق، يتعين تخويلهم حق الاطلاع عليه. ولا تبدو هذا الحق فائدة إلا قبل استجواب المتهم أو عند إجراء التحقيق في غيبة الخصوم كما بينا من قبل.
قبل استجواب المتهم : طبقاً للمادة 125 إجراءات يجب السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الاستجواب أو المواجهة ما لم يقرر المحقق غير ذلك.
التحقيق في غيبة الخصوم: نصت المادة 77/ 1 و 2 إجراءات على أنه عند مباشرة التحقيق في غيبة الخصوم، يبيح لهم المحقق بمجرد انتهاء الضرورة الاطلاع على التحقيق، كما أن لهم في حالة الاستعجال الحق في الاطلاع على الأوراق المثبتة لإجراء التحقيق. وحرمانهم من هذا الحق ينطوي - كما بينا - علی إخلال بحق الدفاع، لأنه يحول التحقيق إلى مجرد وثيقة لصالح الاتهام ويحرم الدفاع من ترتیب خطته في الدفاع على ضوء نتائج التحقيق.
وإذا كان قاضي التحقيق هو من يباشر التحقيق، فللنيابة العامة الاطلاع في أي وقت على الأوراق لتقف على ما يجري في التحقيق، على ألا يترتب على ذلك تأخير السير فيه.
وتأكيداً لحق الخصوم في الاطلاع على التحقيق، نصت المادة 84 إجراءات على أنه للمتهم وللمجنى عليه وللمدعي بالحقوق المدنية وللمسئول عنها أن يطلبوا على نفقتهم أثناء التحقيق صوراً من الأوراق أياً كان نوعها، إلا إذا كان التحقيق حاصلاً بغير حضورهم بناء على قرار صادر بذلك.
ويلاحظ أنه وفقاً للمادة 77/ 1 إجراءات، فللمتهم ذاته بغير وساطة محاميه الاطلاع على أوراق التحقيق الذي تم في غيبته، وهو ما يعبر عن قاعدة عامة في هذا الخصوص أكدها تقرير لجنة حقوق الإنسان حول المبادئ المتعلقة بالحق في عدم الخضوع للقبض أو الحبس التعسفي، وقد تضمن حق الاطلاع للمتهم ومحاميه سواء بسواء. فحرمان المتهم أو محاميه من مباشرة حق الاطلاع يؤثر في حيدة المحقق ويلقي ظلالاً من الريبة على التحقيق. أما ما ورد في المادة 125 إجراءات بشأن السماح للمحامي بالإطلاع على التحقيق قبل يوم الاستجواب، فذلك بمناسبة دعوة هذا المحامي وحده دون المتهم.
ويدق الأمر إذا كان المتهم لا يعرف بصورة كافية اللغة التي تتم بها الإجراءات و التي حررت بها مدونات الملف الخاص بالتحقيق. ولا شك في أن احترام حق الدفاع يتطلب ما ترجمة كافة المحاضر والأوراق بلغة يفهمها المتهم أو تمكينه من فهم ما جاء بها بواسطة مترجم. وقد قضت محكمة النقض المصرية أنه إذا كان المتهم قد تمسك بأنه لا تصح مساءلته على أساس تقارير في الدعوى مكتوبة باللغة الإنجليزية، ومع ذلك أدانته المحكمة استناداً إلى هذه التقارير دون ترجمتها، فهذا عيب في الإجراءات يقتضي نقض حكمها.
جزاء السرية في غير حالتي الضرورة والاستعجال :
يتضح مما تقدم أن الأصل هو حضور الخصوم للتحقيق، وهذا الأصل هو شكل جوهري لصحة إجراءات التحقيق، لأنه ينظم كيفية تدخل المتهم في هذه المرحلة. ومن ثم، فإن فرض السرية في غير هاتين الحالتين يترتب عليه بطلان متعلق بالنظام العام. وتقدير الضرورة والاستعجال أمر موضوعي تقدره سلطة التحقيق تحت رقابة محكمة الموضوع.
ومع ذلك، فقد ذهبت محكمة النقض في قضاء لها إلى أنه إذا أجرت النيابة تحقيقاً ما في غيبة المتهم فيكون ذلك من حقها ولا بطلان فيه. وكل ما للمتهم هو التمسك لدى محكمة الموضوع بما قد يكون في التحقيقات من نقص أو عيب فيه حتى تقدرها وهي على بينة من أمرها.
نقض 14 يونية سنة 1979، مجموعة الأحكام، س 30، رقم 146، ص 685.
وهو قضاء محل نظر، فإن أهم أوجه والعيب في التحقيق هو الإخلال بحق الدفاع بحرمان المتهم من الحضور، فإذا رأت المحكمة أنه لا مجال لفرض السرية على التحقيق سواء من حيث الضرورة أو الاستعجال، كان ذلك دليلاً على أن المحقق فرط في ضمان مهم من ضمانات والدفاع التي تؤثر في صحة إجراءات التحقيق. (الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 458)
ويبدو الأساس التشريعي لمرحلة جمع مصادر الدليل في تطبيق مبدأ حرية الإثبات الجنائي في سائر النصوص التي تنظم إجراءات جمع الاستدلالات إضافة إلى إجراءات التحقيق الإبتدائي و إجراءات المحاكمة. فبالنسبة إلى إجراءات جمع الاستدلالات نصت المادة 21 إجراءات على أن يجمع مأمورو الضبط القضائي الاستدلالات التي تلزم للتحقيق في الدعوى. وبالنسبة إلى الأساس التشريعي في هذه المرحلة بالنسبة إلى إجراءات التحقيق الابتدائي، فإنه فضلاً عما نص عليه القانون بشأن اختصاص قاضي التحقيق ( المادة 169 صحتها المادة 69 إجراءات أو النيابة العامة (المادة 199 إجراءات بالتحقيق - فللنيابة العامة وباقي الخصوم أن يقدموا إلى قاضي التحقيق الدفوع والطلبات التي يرون تقديمها أثناء التحقيق ( المادة 81 إجراءات ). وبالنسبة إلى الأساس التشريعي لهذه المرحلة بالنسبة إلى إجراءات المحاكمة، فقد نص القانون على أن للمحكمة أن تأمر، ولو من تلقاء نفسها، في أثناء نظر الدعوى بتقديم أي دليل تراه لازماً لظهور الحقيقة (المادة 291 إجراءات) .
ويتجلى الأساس التشريعي لمرحلة مناقشة أدلة الإثبات في تطبيق مبدأ حرية الإثبات الجنائي في النصوص التي تكفل مبدأ شفوية المرافعة بما يمكن الخصوم من مناقشة الأدلة المعروضة على المحكمة، وفي مبدأ المواجهة بين الخصوم الذي يكفل حضور الخصوم في أثناء إجراءات التحقيق، ما لم تتطلب الضرورة غير ذلك (المادة 77/ 1 إجراءات)، أو تتطلب حالة الاستعجال مباشرة بعض إجراءات التحقيق في غيبتهم (المادة 77/ 2 إجراءات)، وسائر النصوص التي تؤكد حق الدفاع .
أما الأساس التشريعي لمرحلة تقدير قيمة أدلة الإثبات بواسطة المحكمة، في تطبيق مبدأ حرية الإثبات الجنائي، فيبدو فيما نصت عليه المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية من أن يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته، ومع ذلك لا يجوز للقاضي أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرح أمامه في الجلسة. وفيما نصت عليه المادة 300 إجراءات من أنه لا تتقيد المحكمة بما هو مدون في التحقيق الإبتدائي أو في محاضر جمع الاستدلالات، إلا إذا وجد في القانون نص على خلاف ذلك .
ومفاد حرية الإثبات أنه لا يتقيد بمصدر معين، فهناك حرية كاملة في تكوين عقيدة القاضي من أي مصدر مشروع للإثبات، يصلح لذلك. ولا يجوز الخلط بين مبدأ حرية جمع الأدلة وعرضها ومبدأ احترام الالتزام بحدود القانون. فالحرية التي يكفلها القانون ليست حرية هوجاء وإنما هي حرية تلتزم الإطار الذي يرسمه القانون دون خروج على محارمه أو حدوده . ( الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة : 547 )
عدم اشتراط حضور المدافع في مرحلة الاستدلال: لم يتطلب القانون أن يحضر إلى جانب المتهم - في مرحلة الاستدلال - المدافع عنه، فالمادة 77 من قانون الإجراءات الجنائية التي نصت في فقرتها الأخيرة على أن للخصوم الحق دائماً في استصحاب وكلائهم في التحقيق يقتصر نطاقها على التحقيق الابتدائي، ومن ثم لا سريان لها على مرحلة الاستدلال وتطبيقاً لذلك، فإنه إذا منع مأمور الضبط القضائي محامي المتهم من الحضور معه أثناء إدلائه بأقواله، فلا يترتب على ذلك بطلان المحضر الذي أثبت فيه هذه الأقوال وغني عن البيان أنه إذا سمح مأمور الضبط القضائي للمحامي بالحضور مع المتهم، فلا يترتب على ذلك بطلان. ويعني ذلك أنه يترك لتقدير مأمور الضبط القضائي تقرير ما إذا كان المحامي يحضر إلى جانب المتهم في مرحلة الاستدلال، ويقرر المأمور ذلك وفق ما يراه من التأثير المحتمل لهذا الحضور على أعمال الاستدلال. ويعلل عدم اشتراط حضور المحامي بأنه لا يتولد في هذه المرحلة دليل، ومن ثم لا حاجة إلى توفير الضمانات التي يقتضيها نشوء الدليل.
انتفاء السرية بالنسبة للخصوم: أزال الشارع سرية التحقيق الابتدائي بالنسبة لأطراف الدعوى ووكلائهم، فنصت المادة 77 من قانون الإجراءات الجنائية على أن «للنيابة العامة وللمتهم وللمجني عليه وللمدعي بالحقوق المدنية وللمسئول عنها ولوكلائهم أن يحضروا جميع إجراءات التحقيق..». وتحقيقا لهذه العلانية نصت المادة 78 على أنه «يخطر الخصوم باليوم الذي يباشر فيه القاضي إجراءات التحقيق وبمكانها» وعلة إزالة سرية التحقيق إزاء أطراف الدعوى هي توفير الضمانات لهم بتمكينهم من رقابة إجراءاته والاطمئنان إلى سلامتها، وإثارة أسباب بطلانها في الوقت الملائم، وهي من ناحية ثانية تمكين كل خصم من العلم بالأدلة التي تقدم ضده، فيتاح له إبداء رأيه فيها ودحضها، فيكون من شأن ذلك أن تعطی قيمتها الحقيقية.
انتفاء السرية إزاء وكلاء الخصوم: يرتبط بإزالة سرية التحقيق الابتدائي إزاء أطراف الدعوى إزالتها كذلك بالنسبة لوكلائهم، فقد نصت المادة 77 من قانون الإجراءات الجنائية في فقرتها الأخيرة على أن للخصوم الحق في استصحاب وكلائهم في التحقيق». ويعلل ذلك بالدور الرئيسي الذي صار المدافع وخاصة مدافع المتهم، يحتله في الإجراءات الجنائية، وهذا الدور لا يتاح له أداؤه إلا إذا علم بإجراءات التحقيق، ويعلل كذلك بأن حضور المحامي إجراءات التحقيق يمثل نوعاً من الرقابة على المحقق بما يحول بينه وبين التورط في مخالفة القانون، وبالإضافة إلى ذلك فهو يمد المتهم بشعور بالطمأنينة يتيح له أن يحسن عرض وجهة نظره، وفي ذلك مصلحة التحقيق والقاعدة التي قررها القانون مضمونها أنه كلما كان للمتهم حق في حضور أحد إجراءات التحقيق، فللمدافع عنه حق الحضور كذلك، وقد عبر الشارع عن ذلك بقوله «في جميع الأحوال لا يجوز الفصل بين المتهم ومحاميه الحاضر معه أثناء التحقيق» (المادة 125 من قانون الإجراءات الجنائية، الفقرة الثانية ويرتبط بذلك تقرير الشارع عدم جواز ضبط الأوراق والمستندات التي سلمها المتهم للمدافع عنه ولا المراسلات المتبادلة بينهما (المادة 96 من قانون الإجراءات الجنائية)، وتقريره للمتهم الحق في أن يتصل بالمدافع عنه بدون حضور أحد، ولو قرر المحقق حظر اتصاله بغيره من المسجونين وحظر زيارته المادة 141 من قانون ، الإجراءات الجنائية).
والحق الذي قرره الشارع للمتهم والمدافع عنه في حضور التحقيق الابتدائي لا يعني أن يتحول التحقيق إلى إجراءات مواجهة»، بحيث يتناظران مع الاتهام ويواجه كل طرف الآخر، على مثال ما يجري في المحاكمة. ذلك أن الشارع لم يعط المتهم والمدافع عنه مركزاً مناظراً لما أعطاه للاتهام، فإذا طلب المتهم أو المدافع اتخاذ إجراء، فللمحقق السلطة التقديرية في أن يجيبه إلى طلبه أو ألا يجيبه، ولا يجوز للمدافع أن يتكلم إلا إذا أذن له المحقق، ويعني ذلك أن علة حق المتهم والمدافع في الحضور هي مجرد رقابة سير التحقيق درءاً لاحتمال التعسف، وتجميعة للمعلومات التي تتيح رسم خطة الدفاع.
ولكن زوال السرية بالنسبة للخصوم ووكلائهم ليس قاعدة مطلقة، فقد أورد الشارع عليه استثنائين عاد فيهما إلى أصل السرية بالنسبة للخصوم أنفسهم، وهذان الاستثناءان هما: الضرورة والاستعجال.
- سرية التحقيق الابتدائي إزاء الخصوم للضرورة: نصت على هذا الاستثناء المادة 77 من قانون الإجراءات الجنائية (في فقرتها الأولى) فقررت أن «لقاضي التحقيق أن يجري التحقيق في غيبتهم (أي غيبة الخصوم) متى رأى ضرورة ذلك لإظهار الحقيقة، وبمجرد انتهاء تلك الضرورة يبيح لهم الإطلاع على التحقيق». وتجمل الضرورة التي تبرر فرض السرية في «احتمال أن يفسد حضور المتهم – أو غيره من الخصوم - جهود المحقق للتنقيب عن الدليل»، أي خشية أن يؤدي هذا الحضور إلى إحباط تلك الجهود، مثال ذلك أن يخشى المحقق أن يكون حضور المتهم أثناء سماع الشهادة منطوياً على إرهاب للشاهد على نحو لا يقول معه كل ما يريد. والمحقق هو الذي يقدر الضرورة التي تقتضي السرية، والمراد بها ضرورية السرية لإظهار الحقيقة، وتقدير المحقق ليس مطلقاً، وإنما تراقبه محكمة الموضوع: فإن لم تر ضرورة كانت الإجراءات التي أجريت في غيبة الخصوم باطلة بطلاناً متعلقاً بالنظام العام.
ويتعين على المحقق أن يزيل السرية بمجرد انتهاء الضرورة لذلك، فإن أبقاها على الرغم من زوال الضرورة كانت الإجراءات التي باشرها في سرية باطلة كذلك بطلاناً متعلقاً بالنظام العام.
والسرية إذا ما توافرت دواعيها إنما تكون أثناء مباشرة الإجراء، فإذا اتخذ حققت السرية غايتها، فليس لاستمرارها مبرر، ومن ثم لم يكن من شأنها أن تحول دون اطلاع الخصوم على المحضر الذي أثبت فيه الإجراء، وذلك كي يرتبوا دفاعهم على مقتضى النتيجة التي أسفر عنها.
وقد أخرج الشارع من سلطة المحقق في فرض السرية تفتيش المنازل، فنص المادة 92 من قانون الإجراءات الجنائية الذي قرر حصول التفتيش بحضور المتهم أو من ينيبه عنه إن أمكن ذلك، وإذا حصل التفتيش في منزل غير المتهم يدعى صاحبه للحضور بنفسه أو بواسطة من ينيبه عنه إن أمكن ذلك، واعتبر ذلك ضمانا لكل منهما، قد صيغ في عبارة عامة توحي بأنه لا وجه لتقرير استثناء عليه استناداً إلى الضرورة .
- سرية التحقيق الابتدائي إزاء الخصوم للاستعجال: نصت المادة 77 من قانون الإجراءات الجنائية (في فقرتها الثانية على أن «لقاضي التحقيق أن يباشر في حالة الاستعجال بعض إجراءات التحقيق في غيبة الخصوم، ولهؤلاء الحق في الاطلاع على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات». وعلة هذه السرية أن مصلحة التحقيق قد تقتضي اتخاذ إجراء معين في وقت محدد، فإذا أرجئ حتى يخطر الخصوم ويحضروا، فقد لا يستطاع اتخاذ هذا الإجراء على الإطلاق، أو لا يستطاع اتخاذه في الوقت الملائم لذلك، أو على النحو الذي تتحقق به مصلحة التحقيق. مثال ذلك أن تقتضي مصلحة التحقيق سماع شاهد مهدد بالموت أو مضطر لسفر إلى غير عودة قريبة، فإذا أرجئ سماع الشهادة إلى حين حضور الخصوم فقد لا تسمع قط، ومع ذلك فإن أهميتها في الدعوى قد تكون حاسمة، ومثال ذلك أيضاً أن تقتضي مصلحة التحقيق إجراء معاينة المكان الواقعة على الفور قبل أن تمتد يد التشويه إلى أدلة الجريمة. والمختص بتقدير الاستعجال ومدى اقتضائه أتخاذ إجراء في غيبة الخصوم هو المحقق، وتراقب محكمة الموضوع تقديره. فإذا لم تقره عليه كان الإجراء الذي اتخذه في غيبة الخصوم باطلاً..
وهذه السرية ليست مفروضة بقرار المحقق، وإنما دعت إليها ظروف واقعية، ومن ثم جاز لمن استطاع الحضور من الخصوم أن يحضر ونلاحظ أن ما أجاز القانون للمحقق اتخاذه في غيبة الخصوم هو بعض إجراءات التحقيق، ومن ثم لا يجوز اتخاذ جميع إجراءاته - أو أغلبها - في غيبة الخصوم استناداً إلى الاستعجال. (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة: 432)
ولضمان حق الدفاع في مرحلة التحقيق الابتدائي أوجب التشريع من المصري أن يكون التحقيق علنياً لخصوم الدعويين الجنائية والمدنية. ولهذا نصت المادة 77 على أنه للنيابة العامة وللمتهم وللمجني عليه وللمدعى بالحقوق المدنية، وللمسئولية عنها، ولوكلائهم أن يحضروا جميع إجراءات التحقيق . وللمحقق أن يجري التحقيق في غيبتهم متى رأى ضرورة ذلك لإظهار الحقيقة، وبمجرد انتهاء تلك الضرورة يبيح لهم الإطلاع على التحقيق . (الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة 705)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 65
مُتَّهَمٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمُتَّهَمُ لُغَةً:
مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ وَالتُّهْمَةُ هِيَ: الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَاتَّهَمْتُهُ: ظَنَنْتُ بِهِ سُوءًا فَهُوَ تَهِيمٌ، وَاتُّهِمَ الرَّجُلُ اتِّهَامًا: أَتَى بِمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
الْمُدَّعَى عَلَيْهِ :
- الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ دَعْوَى دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ وَالْمُدَّعِي: هُوَ مَنْ يَلْتَمِسُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ قِبَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُتَّهَمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ مِنْ أَحْكَامٍ :
تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا:
الْمُتَّهَمُ فِي الْجَرَائِمِ
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ عَلَى الْمُتَّهَمِ بِالتُّهْمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَلَمْ يَكْتَمِلْ نِصَابُ الْحُجَّةِ، أَوِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعِيثُ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَقَالُوا: إِنَّ الْمُتَّهَمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بَلْ يُعَزَّرُ مُتَّهَمُهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ فَيُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ بِالْحَبْسِ، وَقَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَسَعُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
(ر: تُهْمَةٌ ف 14).
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ وَلَهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ حَالُ اسْتِبْرَاءٍ تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ وَلَهَا عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا حَالُ اسْتِيفَاءٍ تُوجِبُهُ الأْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ.
فَأَمَّا حَالُهَا بَعْدَ التُّهْمَةِ وَقَبْلَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ النَّظَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ حَاكِمًا رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَدِ اتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَكُنْ لِتُهْمَةٍ بِهَا تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهُ لِكَشْفٍ وَلاَ اسْتِبْرَاءٍ وَلاَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَسْبَابِ الإْقْرَارِ إِجْبَارًا وَلَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إِلاَّ مِنْ خَصْمٍ مُسْتَحِقٍّ لِمَا قَرَفَ وَرَاعَى مَا يَبْدُو مِنْ إِقْرَارِ الْمَتْهُومِ أَوْ إِنْكَارِهِ إِنِ اتُّهِمَ بِالزِّنَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا وَيَصِفَ مَا فَعَلَهُ بِهَا بِمَا يَكُونُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَإِنْ أَقَرَّ حَدَّهُ بِمُوجِبِ إِقْرَارِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ وَكَانَتْ بَيِّنَةً سَمِعَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْلَفَهُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طَلَبَ الْخَصْمُ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَتْهُومُ أَمِيرًا كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَذَلِكَ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا : أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الإْمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِلدَّعْوَى الْمُقَرَّرَةِ وَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي الإْخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لاَ؟ فَإِنْ بَرَّءُوهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ خَفَّتِ التُّهَمَةُ وَوُضِعَتْ وَعَجَّلَ إِطْلاَقَهُ وَلَمْ يَغْلُظْ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرَّفُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَعَرَّفُوهُ بِأَشْبَاهِهِ غَلُظَتِ التُّهَمَةُ وَقَوِيَتْ وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا يُنَاسِبُهُ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ.
الثَّانِي : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ زِنًا وَكَانَ الْمَتْهُومُ مُطِيعًا لِلنِّسَاءِ ذَا فُكَاهَةٍ وَخَلاَبَةٍ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ، وَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارٌ لِضَرْبٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مُنَقِّبٌ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ أَيْضًا.
الثَّالِثُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُعَجِّلَ حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ لِذَلِكَ فَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَبْسَهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَجَاوَزُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَحْبِسُوا أَحَدًا إِلاَّ بِحَقٍّ وَجَبَ.
الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ أَنْ يَضْرِبَ الْمَتْهُومَ ضَرْبَ التَّعْزِيرِ لاَ ضَرْبَ الْحَدِّ لِيَأْخُذَ بِالصِّدْقِ عَنْ حَالِهِ فِيمَا قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يَكُنْ لإِقْرَارِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ حُكْمٌ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ وَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالإْقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الأْوَّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِالإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ.
الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إِذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكِسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.
السَّادِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ إِحْلاَفُ الْمَتْهُومِ اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إِحْلاَفُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلاَ أَنْ يُجَاوِزُوا الأَْيْمَانَ بِاللَّهِ إِلَى الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ.
السَّابِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إِجْبَارًا، وَيُظْهِرَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إِلَيْهَا طَوْعًا، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ، لأِنَّهُ وَعِيدُ إِرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إِلَى حَيِّزِ التَّعْزِيرِ وَالأْدَبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْقَتْلِ فَيَقْتُلَ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ.
الثَّامِنُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ.
التَّاسِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِدْ غُرْمًا وَلاَ حَدًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الأْثَرُ وَلاَ يُرَاعَى السَّبْقُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: بِحِسَابِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الاِقْتِرَافِ وَالتَّعَدِّي، وَالثَّانِي: بِحَسَبِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ.
وَإِذَا رَأَى مِنَ الصَّلاَحِ فِي رَدْعِ السَّفِلَةِ أَنْ يُشَهِّرَهُمْ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الأْمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الاِسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لاِخْتِصَاصِ الأْمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالأْحْكَامِ.
- وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ حَالَهُ.
فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهِمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الأْبْرِيَاءِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإْسْلاَمِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ «حَبَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ،» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ».
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إِنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الأْئِمَّةِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلاَ حَبْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ مَذْهَبًا لأِحَدٍ مِنَ الأْئِمَّةِ الأْرْبَعَةِ وَلاَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأْئِمَّةِ. وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لاَ يُضْرَبُ، ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.
الْمُتَّهَمُ فِي الْقَسَامَةِ
- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الأْيْمَانَ تُوَجَّهُ إِلَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وُجِّهَتِ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُوَجَّهُ تِلْكَ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ الدِّيَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسَامَةٌ ف 17).
تَحْلِيفُ الْمُتَّهَمِ فِي الأْمَانَاتِ
- يَحْلِفُ الْمُودَعُ وَالْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ وَكُلُّ مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تُهْمَةٌ ف 15).
وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ دَعْوَى الرَّدِّ وَدَعْوَى الضَّيَاعِ، إِذْ إِنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ فِي دَعْوَى الرَّدِّ يَدَّعِي يَقِينًا أَنَّ الْمُودَعَ كَاذِبٌ، فَيَحْلِفُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَّهَمًا أَمْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ لاَ عِلْمَ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ بِحَقِيقَةِ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ فَلاَ يَحْلِفُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الأْظْهَرُ أَنْ تُلْحَقَ الْيَمِينُ إِذَا قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَتَسْقُطَ إِذَا ضَعُفَتْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْمُودَعُ مَحَلَّ تُهْمَةٍ فَوُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ وَنَكَلَ عَنْهَا ضَمِنَ وَلاَ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا. وَصِفَةُ يَمِينِ الْمُتَّهَمِ أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْتُ، وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطْتُ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ.
الشَّكُّ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَّهَمُ
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالأْصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ».
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (شَكٌّ ف 38).
رُجُوعُ الْمُتَّهَمِ فِي إِقْرَارِهِ
إِذَا أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بِحَقِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ الإْقْرَارُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزَّكَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 59 - 60).
صِحَّةُ إِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ
يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ عَامَّةً شُرُوطٌ مِنْهَا:
عَدَمُ التُّهْمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي إِقْرَارِهِ؛ لأِنَّ التُّهْمَةَ تُخِلُّ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الإْقْرَارِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).
