loading

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

المذكرة الإيضاحية

تنص المادة 29 ( أصبحت م 14 من القانون ) على انقضاء الدعوى بوفاة المتهم على أن ذلك لا يمنع من الحكم بالمصادرة فى الحالة المنصوص عليها بالفقرة الثانية من المادة 30 عقوبات إذا حصلت الوفاة بعد رفع الدعوى لأن الأشياء التي تناولتها هذه الفقرة يعد صنعها أو استعمالها أو حيازتها أو بيعها أو عرضها للبيع جريمة في ذاته .

ولا تؤثر بطبيعة الحال وفاة المتهم بعد رفع الدعوى على سير الدعوى المدنية المرفوعة أمام المحاكم الجنائية وتحل ورثة المتوفی محله مادة 30 ( حذفت اكتفاء بالمادة 262 من القانون ).

وتنقضي الدعوى الجنائية أيضاً بمضي المدة وهي عشر سنين في مواد الجنايات وثلاث سنين في المخالفات وتبدأ هذه المدة من يوم وقوع الجريمة.

وتتناول المادة 32 ( أصبحت المادة 16 من القانون ) بيان أسباب إيقاف سريان المدة التي تنقضي بها الدعوى الجنائية فنصت على إيقاف سير المدة في الفترة التي لا يمكن فيها بمقتضى القانون اتخاذ إجراءات في الدعوى أخذ بالرأي القائل بالإيقاف لسبب قانوني کالعته أو إذا كان الفصل في الدعوى متوقفاً على الفصل في دعوى شرعية واستثنى من ذلك حالة تعلق رفع الدعوى على شكوى أو طلب أن لا يجوز أن يكون إيقاف سريان المدة متوقفاً على مشيئة من له حق الشكوى أو الطلب أما سبب انقطاع المدة المقررة لانقضاء الدعوى فهي إجراءات التحقيق والمحاكمة وقد أضيف إلى ذلك صدور الأمر الجنائى وإجراءات الاستدلال التي تتخذ في مواجهة المتهم أو التي يخطر بها فإذا قطعنا المدة لأحد هذه الأسباب فلا تحتسب المدة لأحد هذه الأسباب فلا تحتسب المدة السابقة على الانقطاع بل تسری المدة المقررة لانقضاء الدعوى الجنائية من جديد ابتداءً من قيام الانقطاع - على أنه قد وضع حد لانقضائها فنص على أنه لا يجوز باية حال أن تطول المدة لأكثر من نصفها في الجنايات ولأكثر من مدة مساوية لها في الجنح والمخالفات وذلك سواء تعددت الإجراءات التي تقطع المدة أو لم تتعدد مادة 33 ( أصبحت م 17 من القانون ).

ونصت المادة 34 ( أصبحت م 18 من القانون ) على سريان أثر الايقاف او الانقطاع بالنسبة إلى كل من ساهم في الجريمة أى كل من له علاقة بها ولو لم تكن أسباب الايقاف أو الانقطاع متعلقة به .

 وتنقضي الدعوى الجنائية أيضاً بالصلح وتناولت المادتان 35 و 36 ( أصبحت المادة 19 و 20 من القانون ) أحكام الصلح والإجراءات التي تتبع في شأنه .

من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 114 لسنة 1998:

أجاز المشروع للمجني عليه في جرائم الجنح المذكورة في النص ومنها جرائم الضرب البسيط والتبديد والإتلاف أن يطلب بنفسه أو بوكيله الخاص إلى النيابة العامة أو المحكمة المنظورة أمامها الدعوى الجنائية ومن شأن هذا الحكم المستحدث أن يقطع كثيراً من إجراءات المحاكمة دون مساس بتوازن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الأفراد ما دام أن إنقضاء الدعوى الجنائية معلق على إقرار المجني عليه بالصلح الذي لا يتم غالباً إلا بنتيجة إزالة أثر الجريمة أو الصفح بين ذوي الصلات الحميمة ولا يخل انقضاء الدعوى الجنائية قبل المتهم في هذه الحالة بحق المضرور من الجريمة في الادعاء بحقوقه مدنياً - إذا شاء - وفقاً للقواعد العامة.

 تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016  أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونايتد للإصدارات القانونية

مادة 805 مكررا (1)–  يترتب علي صلح المجني عليه أو وكيله الخاص مع المتهم في الجنح المنصوص عليها في المواد 241 (فقرتان أولى ثانية) و 242 (فقرات أولي وثانية وثالثة) و 244 (فقرة أولى) و 265، 321 مكرراً و 323 و 323 مكرراً و 323 مكرراً أولاً و 324 مكرراً و 341 و 342 و 354 و 358 و 360 و 361 (فقرتان أولى وثانية) و 369 من قانون العقوبات انقضاء الدعوى الجنائية.

مادة 1539 مكرراً (أ) - تنقضي الدعوى الجنائية بالتصالح في جرائم التهريب الجمركي المنصوص عليها في قانون الجمارك رقم 66 لسنة 1963 المعدل وفي الجرائم الضريبية المنصوص عليها في قانون الضرائب على الدخل رقم 157 لسنة 1981 المعدل وفي جرائم التهرب من ضريبة المبيعات المنصوص عليها في القانون رقم 11 لسنة 1991 وفي جرائم ضريبة الدمغة المنصوص عليها في القانون رقم 111 لسنة 1980 وفي الجرائم المنصوص عليها في المادة 41 من قانون ضمانات وحوافز الاستثمار رقم 8 لسنة 1997م.

ويجب على أعضاء النيابة عند أعمال حكم الفقرة السابقة مراعاة صدور التصالح ممن يملكه قانوناً.

الأحكام

1- لما كان الثابت من الصورة الرسمية لمحضر جلسة الإشكال فى التنفيذ المؤرخة .... أن وكيل المدعى بالحقوق المدنية حضر بتلك الجلسة وأقر بالتصالح مع الطاعن فى الدعوى موضوع الطعن الماثل وأثبت تنازله عن دعواه المدنية ومن ثم تكون الدعوى الجنائية قبل الطاعن عن جريمة التبديد التي قضى الحكم المطعون فيه بإدانته فيها قد انقضت بالصلح عملاً بنص المادة 18 مكرراً " أ " من قانون الإجراءات الجنائية ، مما يتعين معه نقض الحكم المطعون فيه والقضاء بانقضاء الدعوى الجنائية بالصلح وإثبات تنازل المدعى بالحقوق المدنية عن دعواه المدنية وإلزامه بمصاريفها .

( الطعن رقم 12866 لسنة 4 ق - جلسة 2013/07/04 )

2ـ المادة 18 مكرر (أ) إجراءات جنائية المعدل بالقانون الصادر 12 من مارس سنة 2015. ماهيتها ؟ تقييد حق الدولة في العقاب بتقريره انقضاء الدعوى الجنائية بالصلح بدلاً من معاقبة المتهم يتحقق به معنى القانون الأصلح في مفهوم نص المادة الخامسة من قانون العقوبات. لمحكمة النقض أن تنقض الحكم من تلقاء نفسها لمصلحة المتهم. اساس ذلك . نقض الحكم بالنسبة للجريمة الاولى يقتضي نقضه بالنسبة للجريمتين الثانية والثالثة . لوحدة الواقعة ولحسن سير العدالة .

 ( الطعن رقم1623 لسنة 86 ق - جلسة 2017/1/5 )

3- ومن حيث إن المادة 18 مكرراً (أ) من قانون الإجراءات الجنائية قد أجازت للمجنى عليه أو وكيله الخاص فى جرائم نصت عليها حصراً - من بينها جريمة التبديد المنصوص عليها  في المادة 341 من قانون العقوبات التي دينت بها الطاعنة - أن يطلب إلى النيابة العامة أو المحكمة حسب الأحوال إثبات صلحه مع المتهم ، وأنه يترتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية ، وإذ كان الثابت من المفردات - التي أمرت المحكمة بضمها - أن الطاعنة قدمت إنذار عرض يفيد سداد الدين محل الدعوى ، وكان هذا السداد يُّعد صنو التصالح ، ومن ثم يتعين نقض الحكم المطعون فيه والقضاء بانقضاء الدعوى الجنائية بالصلح . لما كان ذلك ، وكانت الطاعنة لم تثر شيئاً بأوجه الطعن بشأن الدعوى المدنية ، ومن ثم فلا محل للتعرض لها .

 ( الطعن رقم9429 لسنة 5 ق - جلسة 2016/9/24 )

شرح خبراء القانون

أوردت المادة محل التعليق النص على بعض الجنح أجاز فيها المشرع التصالح وهي المنصوص عليها في المواد : 

(1) ( 1/238، 2) المتعلقة بمن يتسبب خطأ في موت شخص آخر أو كان ذلك نتيجة إخلال الجاني إخلالاً جسيماً بما تفرضه عليه أصول وظيفته أو مهنته أو حرفته أو كان متعاطياً مسكراً أو مخدراً عند ارتكابه الخطأ الذي نجم عنه الحادث أو نكل وقت الحادث عن مساعدة من وقعت عليه الجريمة. 

(2) (241/ 1، 2) المتعلقة بالضرب الذي تقرر لعلاجه مدة تزيد على عشرين يوماً أو إذا صدر الضرب عن سبق إصرار أو ترصد أو حصل باستعمال أداة.

(3) ( 1/242، 2، 3) المتعلقة بالضرب الذي تقرر لعلاجه مدة تقل عن عشرين يوماً.

(4) (265) المتعلقة بإعطاء جواهر غير قائلة نشأ عنها مرض أو عجز وقتي عن العمل.

(5) (321 مكرراً) المتعلقة بالعثور على شيء أو حيوان فاقد واحتباسه.

(6) (323) المتعلقة باختلاس الأشياء المحجوز عليها قضائياً أو إدارياً.

(7) (323 مكرر) المتعلقة باختلاس الأشياء المنقولة الواقع ممن رهنها ضماناً لدين عليه أو على آخر. (8) (323 مكرراً "أولاً") المتعلقة بالاستيلاء بغير حق على سيارة بدون نية التملك.

(9) (324 مكرراً) المتعلقة بالفرار دون دفع ثمن الطعام أو أجره السيارة أو المبيت في فندق أو نحوه. 

(10) (336) المتعلقة بجرائم النصب.

(11) (340) المتعلقة بخيانة الأمانة.

(12) (341) المتعلقة بتبديد المنقولات.

(13) (242) المتعلقة بتبديد المحجوزات من قبل مالكه الحارس عليها.

(14) (354) المتعلقة بكسر أو إتلاف الآلات الزراعة أو زرائب المواشي.

(15) (358) المتعلقة بإتلاف الحدود وإزالتها.

(16) (360) المتعلقة بجرائم الحريق بإهمال.

(17) (361/ 1، 2) المتعلقة بجنح الإتلاف العمد.

(18) (369) المتعلقة بجرائم دخول عقار بقصد منع حيازته بالقوة.

(19) (370) المتعلقة بجرائم دخول بيت مسكون أو معد للسكني أو أحد ملحقاته أو سفينة مسكونة أو محل معد لحفظ المال في حيازة آخر بقصد منع حيازته بالقوة.

(20) (371) المتعلقة بكل من إختفى في إحدى المحلات المنصوص عليها في المادة السابقة عن أعين من لهم الحق في إخراجه.

(21) (373) المتعلقة بجرائم دخول أرض زراعية أو فضاء أو مباني أو بيتاً مسكوناً أو معد للسكني أو أحد ملحقاته أو سفينة مسكونة أو في محل معد لحفظ المال ولم يخرج منه بناء على تكليفه ممن لهم الحق في ذلك.

(22) ( 9/377) المتعلقة بجرائم التعدي أو الإيذاء الخفيف بدون ضرب أو جرح.

(23) ( 6/378، 7، 9) المتعلقة بجرائم الإتلاف بإهمال والتسبب في موت أو جرح بهائم بإهمال وتعريض أولاد حديثي السن أو مجانين للخطر أو الإصابة.

(24) ( 4/379) المتعلقة بجرائم الدخول أو المرور في أرض مهيأة للزرع أو مبذورة فيها زرع أو محصول أو ترك البهائم أو الدواب تمر فيها أو ترعى فيها بغير حق.

 وأجاز فيها المشرع للمجني عليه (1) – ولوكيله الخاص في الجنح سالفة الذكر أن يطلب من النيابة العامة أو المحكمة بحسب الأحوال إثبات صلحه مع المتهم، وتطلب المشرع التوكيل الخاص يعنى أنه لابد أن يكون منصوص في التوكيل على أن من حق الوكيل إثبات صلحه مع المتهم في الواقعة محل الدعوى بالذات.

وبعد أن عددت المادة محل التعليق الجنح التي أجازت فيها التصالح أوردت عبارة عامة هي (وفي الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون) من ذلك فقد جعلت المادة ( 4/534) من قانون التجارة 17 لسنة 1999 للصلح أثراً حتى أثناء تنفيذ العقوبة (في جرائم الشيك بدون رصيد) فنصت على أن يترتب على الصلح، انقضاء الدعوى الجنائية ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة إذ تم الصلح أثناء تنفيذها ولو بعد صيرورة الحكم باتاً) وبذلك أضاف هذا النص إمكانية وقف تنفيذ العقوبة بعد صيرورة الحكم باتاً.

شروط الصلح الجنائي :

يشترط لكي يكتسب الصلح الجنائي كيانه القانوني وينتج آثاره في انقضاء الدعوى الجنائية الشروط الآتية:

 1- أن يكون في جريمة من الجرائم الجائز الصلح فيها:

بينا أن الصلح ليس سبباً عام لانقضاء الدعوى الجنائية في جميع الجرائم وإنما هو سبب خاص ببعض الجرائم بحسب تقرير المشرع، لذلك فإنه يتعين حتى تنقضي سلطة الدولة في العقاب نتيجة للصلح أن ينص المشرع على إمكانية الصلح كسبب لانقضاء الدعوى الجنائية، من ذلك ما نصت عليه المادة محل التعليق من أنه تنقضي الدعوى الجنائية بدفع مبلغ التصالح ولو كانت مرفوعة بالطريق المباشر، والمادة 124 من القرار بقانون رقم 75 لسنة 1980 على أنه لا يجوز رفع الدعوى العمومية أو اتخاذ أي إجراءات في جرائم التهريب إلا بطلب كتابي من المدير العام الجمارك أو من ينيبه والمثير للجمارك أن يجري التصالح أثناء نظر الدعوى أو بعد الحكم فيها حسب الأحوال مقابل التعويض كاملاً أو ما لم يقل عن نصفه) كما نصت المادة (9) من القانون رقم 38 لسنة 1994 الخاص بالتعامل الأجنبي على إمكانية التصالح في جرائم هذا القانون في حالة عدم تقديم طلب رفع دعوى أو في حاله التنازل عن الدعوى بعد رفعها إلى ما قبل صدور حكم بات فيها وذلك بالشروط التي أوضحها.

ونصت المادة (80) من القانون 66 لسنة 1973 بشأن المرور المعدلة بالقانون رقم 210 لسنة 1980 على إجازة الصلح في الحالات التي حددها قرار وزير الداخلية من بين الحالات المبينة في المادة (74) من القانون ذلك في مقابل أن يدفع المخالف خمسة جنيهات بصوره فوريه.

أن يصدر الصلح من الجهة التي حددها القانون :

يحدد القانون الذي يجيز الصلح في جرائم معينة الجهة المختصة بإبرام هذا الصلح نظراً لما ينطوي عليه من أهمية بالغة إذ يؤدي إلى انقضاء سلطة الدولة في العقاب، وتختلف هذه الجهة بطبيعة الحال بحسب الجريمة التي أجيز فيها الصلح.

أن يتم اتفاق الطرفين على الصلح أو التصالح:

سبق أن بينا أن الصلع نظام اختياري لكل من جهة الإدارة أو المجني عليه من جهة والمتهم بارتكاب الجريمة من جهة أخرى ولذلك، لا بد أن يحصل الاتفاق بين الطرفين على التصالح، بصرف النظر عن الطرف البادئ بالإيجاب مادام قد صادف قبولاً من الطرف الأخر. ذلك أن الصلح ليس حقاً للمتهم يفرضه على الطرف الأخر. وإذا تعدد المجني عليهم وجب أن يتم الصلح بين المتهم وبينهم جميعاً.

ويجب أن يثبت الصلح بالكتابة، ويوضح فيه ما إذا كان قد تم قبل رفع الدعوى أو بعد رفع الدعوى أو بعد صدور حكم فيها، والمبالغ التي قد تم الاتفاق عليها مقابل الصلح ونوع الجريمة التي تم الصلح فيها.

على أن الاعتراف بالجريمة ليس شرطاً للتصالح. كما أنه متى اتفق على أن يدفع المتهم مبلغ الصلح فإنه لا يشترط أن يتم الدفع في موعد معين، فالصلح ينتج أثره بمجرد انعقاده. ولكن إذا اشترط في الصلح أن يدفع المبلغ في موعد معين، فإنه إذا لم يتم الدفع في هذا الموعد يكون الصلح قد فقد شرطاً من الشروط الإدارية التي بني عليها.

آثار الصلح:

1- انقضاء الدعوى الجنائية :

يترتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية، وهذا ما ورد النص عليه صراحة في المادة محل التعليق التي وافق مجلس الشعب على إضافتها لهذا القانون في ديسمبر سنة 1998 ونصت المادة محل التعليق في فقرتها الثانية على أنه "ويترتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر ولا أثر للصلح على حقوق المضرور من الجريمة". كما ورد النص على انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح في القرار رقم 66 لسنة 1963 بإصدار قانون الجمارك. وعلى ذلك إذا وقع الصلح قبل تحريك الدعوى الجنائية، فإنه لا يجوز تحريك هذه الدعوى فإذا أبلغت بها النيابة العامة فيتعين عليها أن تصدر قرار بحفظ الأوراق، وإذا وقع الصلح بعد تحريك الدعوى الجنائية بمعرفة النيابة العامة فيتعين أن تصدر قراراً بألا وجه لإقامة الدعوى. وإذا وقع الصلح بعد رفع الدعوى للمحكمة فيتعين أن تصدر المحكمة حكماً بانقضاء الدعوى الجنائية بالصلح.

وفي قانون الجمارك يترتب على الصلح رد البضائع التي ضبطت للمتصالح إلا إذا كانت من النوع المحظور حيازته إعمالاً لنص المادة (30) من قانون العقوبات المصري. ذلك أن البضائع المضبوطة وغير محظور حيازتها لا تعتبر أنها مصادره إذا تم التصالح قبل الحكم، لأن المصادرة عقوبة يصدر بها حكم القاضي بالإضافة إلى الحبس أو الغرامة والتعويض كذلك، وطالما أن الصلح منع صدور الحكم القضائي، فإن هذه البضائع يجب ردها إلى صاحبها ما لم يكن من شروط الصلح تنازل المخالف عنها.

وإذا وقع الصلح أثناء نظر الطعن في الحكم أمام محكمة النقض، تحكم المحكمة بانقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح.

ومتى قدم المتهم عقد الصلح إلى المحكمة فان هذا الصلح يخضع في تقديره لحكمها على اعتبار أنه من مسائل الواقع، وتخطئ المحكمة أن لم توضح مضمونه في الحكم كما تخطئ أن لم ترتب أثره طالما اقتنعت بمقومات وجوده. وطالما أن الصلح سبب لانقضاء الدعوى الجنائية، فإن الدفع به يعتبر دفعاً متعلقاً بالنظام العام ويترتب على ذلك. أن تلتزم المحكمة بتحقيق هذا الدفع إذا ما أبداه المتهم أثناء نظر الدعوى، وإلا شاب حكمها القصور الموجب لنقضه.

2- وقف العقوبة :

يجوز أن يتم الصلح بين المتهم وجهه الإدارة بعد صدور الحكم في الدعوى، في بعض الجرائم حينئذ يترتب على الصلح وقف العقوبة الجنائية، وهذا ما أوردته صراحة الفقرة الأخيرة من المادة (124) من القرار بقانون رقم 66 لسنة 1963 بإصدار قانون الجمارك حيث نصت على أنه «ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى العمومية أو وقف العقوبة الجنائية وجمع الآثار المترتبة على الحكم حسب الحال» كما ورد نص مماثل في المادة الرابعة من القرار بقانون رقم 92 لسنة 1964 في شأن تهريب التبغ. ويسري اثر الصلح على جميع العقوبات سواء كانت مالية أو غير مالية سالباً الحرية أو غيرها، كما يسرى على عقوبة المصادرة وهذا يقتضي رد الأشياء التي ضبطت إلى المتصالح وكذلك رد الأشياء ووسائل النقل التي استخدمت في الجريمة. ونصت المادة ( 4/534) من القانون رقم 17 لسنة 1999 بإصدار قانون التجارة فيما يتعلق بجريمة إصدار شيك بدون رصيد على أن تأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة إذا تم الصلح أثناء تنفيذها ولو بعد صيرورة الحكم باتاً.

 3- زوال الآثار الجنائية للحكم:

يترتب على الصلح إنهاء كل الآثار الجنائية لحكم الإدانة الذي كان محلاً للتصالح فلا يعد سابقة في العود ولا يقيد في صحيفة السوابق، ولا يؤثر على أهلية المتصالح في أي شيء.

 لا أثر للصلح على الجرائد المرتبطة:

إذا ارتبطت الجريمة التي تم الصلح فيها بجريمة أخرى، فإن الإجراءات تستمر بالنسبة للجريمة المرتبطة دون أن تتأثر بالصلح الذي تم في الجريمة الأولى. مثال ذلك أن يرتكب شخص جريمة جمركية ويتعدي في الوقت نفسه على مأمور الضبط القضائي الذي قام بضبطه ثم يتم الصلح بشأن الجريمة الجمركية، فهنا تنقضي الدعوى الجنائية بالنسبة لهذه الجريمة وتستمر الإجراءات بالنسبة لجريمة التعدي على مأمور الضبط القضائي دون أن تتأثر بالصلح الذي تم بشأن الجريمة الجمركية، وذلك لأن انقضاء الدعوى الجنائية عن إحدى الجريمتين ينهي حالة الإرتباط بينهما إذ لا يبقى أمام القاضي سوى جريمة واحدة مطلوب منه الحكم فيها هي جريمة التعدي التي لم تنقضي الدعوى الجنائية فيها صلحاً.

 أثر الصلح على الدعوى المدنية:

حرص المشرع على أن يقرر أنه لا أثر للصلح على الدعوى المدنية، فقد نصت المادة محل التعليق على أنه لا أثر للصلح على حقوق المضرور من الجريمة. وهو أمر منتقد إذ الأصل في قبول المجتمع التنازل عن حقه في عقاب المجتمع هو تنازل المجني عليه عن حقه بقبوله الصلح والمجني عليه ليس له حق في عقاب المتهم لأنه ليس خصما في الدعوى الجنائية وإنما ينصرف صلحه إلى تنازله عما أصابه من ضرر إذا كان هو المضرور من الجريمة، ولذلك لا يبقى للنص الحالي مبرر إلا في حالات اختلاف المجني عليه عن المضرور من الجريمة وهي حالات نادرة.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الأول، الصفحة: 206)

نصوص قانون العقوبات التي يسري عليها نظام الصلح:

أضاف المشرع بالقانون رقم 174 لسنة 1998 المادة 18 مكرراً «أ» ونص فيها على جرائم أجاز فيها الصلح ثم صدر القانون رقم 145 لسنة 2006 وأضاف جرائم جديدة مؤثمة بنصوص قانون العقوبات (جنح ومخالفات) إلى الجرائم التي يجوز الصلح فيها ومن هذا وذلك فإن نظام الصلح يسري على نصوص قانون العقوبات .

الهدف من نظام الصلح:

هدف المشرع في القانون رقم 145 لسنة 2006 إلى التوسع في نظام الصلح وذلك بقصد علاج مشكلة الزيادة المضطردة فيما يطرح على المحاكم الجنائية من قضايا وفي سبيل تيسير وتبسيط سير الإجراءات الجنائية تخفيفاً عن كاهل القضاء وتقريباً للعدل من مستحقيه وتلبية لأحكام الدستور.

تطبيقات أثر الصلح:

جاء بالكتاب الدوري رقم 12 لسنة 2009 الصادر من السيد المستشار النائب العام أنه يجب إتخاذ ما يلي بشأن الصلح :

التحقق من حصول الصلح بين المتهم والمجني عليه سواء بإقرار المجني عليه أو وكيله الخاص أو ورثته أو وكيلهم الخاص أمام النيابة العامة بحصول الصلح أو بتقديم أوراق أو مستندات موثقة أو مكاتبات رسمية تفيد حصول الصلح أو قيام المتهم أو وكيله بتقديم هذه المستندات.

مع مراعاة أنه لا يعتد في سبيل إثبات الصلح بأقوال المجني عليه في محضر جمع الاستدلالات أو أية أوراق أو محاضر غير موثقة بذلك المحضر أو تقوم من المتهم أو وكيله في شأن إثبات الصلح إلا إذا أقرها المجني عليه أو وكيله الخاص أو ورثته أو وكيلهم الخاص أمام النيابة العامة.

في حالة حصول الصلح من ورثة المجني عليه يجب التأكد من حصول الصلح من جميع الورثة الثابتة أسماءهم في إشهاد الوراثة الصادر من محكمة الأسرة.

إذا تعدد المجني عليهم نتيجة فعل إجرامي واحد فلا يكون للصلح أثره في انقضاء الدعوى الجنائية إلا إذا صدر من جميع المجني عليهم وإذا تعدد المجني عليهم في جرائم متعددة سواء كانت مرتبطة ببعضها ارتباطاً لا يقبل التجزئة أو غير مرتبطة فلا يكون للصلح أثره إلا بالنسبة للدعوى الجنائية التي صدر بشأنها الصلح.

حفظ القضايا التي تم الصلح فيها قطعية أو التقرير فيها بألا وجه الإقامة الدعوى الجنائية - بحسب الأحوال -- لانقضاء الدعوى الجنائية بالصلح. ولا أثر لرجوع المجني عليه أو وكيله الخاص أو ورثته أو وكيلهم الخاص في الصلح الذي حصل وفقا للقواعد المقررة على التصرف بالحفظ أو بالتقرير بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية الذي تم في الدعوى.

إذا كانت النيابة قد أمرت بإحالة القضايا التي تم الصلح فيها إلى محكمة الجنح الجزئية ولم يكن المتهم قد أعلن بورقة التكليف بالحضور فيتم العدول عن الإحالة ويتم حفظها قطعية أو التقرير فيها بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية - بحسب الأحوال - لانقضاء الدعوى الجنائية بالصلح

إذا تم الصلح بعد إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة أو أثناء نظر الدعوى في أية مرحلة بطلب عضو النيابة الماثل بالجلسة من المحكمة الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بالصلح.

إذا تم الصلح بعد الحكم ولو كان باتاً أو أثناء تنفيذ العقوبة يجب على أعضاء النيابة أن يبادروا إلى إرسال ملفات القضايا مرفقاً بها الطلبات والأوراق والمستندات المتعلقة بالصلح إلى النيابة الكلية المختصة

للأمر بوقف تنفيذ العقوبة المقضي بها والإفراج عن المتهمين المحبوسين تنفيذاً لهذه الأحكام وذلك بعد التحقق من تمام الصلح وفقًا للقواعد المقررة قانوناً.(المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الأول، الصفحة : 240)

وقد أخذ المشرع في التعديل السابق بالاتجاهات الحديثة التي تمنح المجني عليه أو ورثته قدراً ملحوظاً في التأثير على الدعوى الجنائية التي لا تهدف فقط إلى اقتضاء حق المجتمع وإنما إلى جبر الأضرار الناشئة عن الجريمة بالنسبة للمجني عليه، وحتى يتحقق ذلك لابد من إعطاء المجني عليه دوراً في إنهاء الدعوى الجنائية بالنسبة لبعض الجرائم التي تقع عليه بمناسبة علاقاتها الاجتماعية بالمتعاملين معه.

ويتضح من النص الجديد أنه أجاز لورثة المجنى عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح مع المتهم في حين أن النص السابق كان يقصر هذا الحق على المجني عليه أو وكيله الخاص فقط. كما أن النص الجديد توسع في الجنح والمخالفات التي يجوز التصالح فيها، حيث أجاز التصالح في الجنح الآتية.

جنح القتل الخطأ البسيط، والقتل الخطأ المقترن بخطأ مهني جسيم، وجنحة الضرب والجرح العمدي الذي ينشأ عنه مرض أو عجز عن الأشغال الشخصية مدة لا تزيد على عشرين يوماً ولو كان هذا الضرب والجرح مصحوباً بسبق الإصرار والترصد أو حصل باستعمال أية أسلحة أو عصي أو آلات أو أدوات وجنية الضرب العمدي باستخدام أية أسلحة أو عصي أو آلات أو أدوات أخرى، وجنحة الجرح والايذاء الخطأ البسيط، وكذلك جنحة الإيذاء الخطأ الذي ينشأ عنه عاهة مستديمة، وجنحة الإيذاء الخطأ المصحوبة بخطأ جسيم، وجنحة إعطاء مواد ضارة التي ينشأ عنه مرض أو عجز وقتی عن العمل ولو كانت مقترنة بسبق إصرار أو ترصد، وجنحة العثور على شئ فاقد تم احتباسه بنية تملكه أو دون نية تملكه، وجنحة اختلاس الأشياء المحجوز عليها قضائياً أو إدارياً، وجنحة اختلاس الأشياء المرهونة ممن رهنها، وجنحة الاستيلاء على سيارة مملوكة للغير بدون نية التملك، وجنحة تناول طعام أو شراب في محل معد لذلك أو شغل غرفة في فندق أو استئجار سيارة معدة للإيجار مع عدمه باستحالة دفع الثمن أو الأجرة أو امتنع بغير مبرر عن دفع ما يستحق أو فر دون الوفاء به، وجنحة النصب، وجنحة خيانة ائتمان على توقيع، وجنحة خيانة الأمانة، وجنحة اختلاس الأشياء المحجوز عليها قضائياً أو إدارياً ممن عين حارساً عليها، وجنحة الإتلاف المنصوص عليها قضائياً أو إدارياً ممن عين حارساً عليها، وجنحة الإتلاف المنصوص عليها في المادة 354 عقوبات، وجنحة العبث بالحدود والعلامات بين الأملاك المنصوص عليها في المادة 360 عقوبات، وجنحة التخريب والإتلاف العمدي إذا لم يزد الضرر عن خمسين جنيهاً المنصوص عليها في المادة 361 عقوبات فقرة أولى وثانية وجنحة دخول عقار في حيازة الغير المنصوص عليها في المادة 369 عقوبات، وجنحة دخول مسكن في حيازة الغير المنصوص عليها في المادة 370 عقوبات بقصد منع الحيازة بالقوة، وجنحة دخول محل والاختفاء عن أعين من لهم الحق في إخراجه منه المنصوص عليها في المادة 371 عقوبات، وجنحة التعدي على العقارات المملوكة للدولة المنصوص عليها في المادة 373 عقوبات، والمخالفة الخاصة بالتعدي أو الإيذاء الخفيف دون حصول ضرب أو جرح، المنصوص عليها، في المادة 377/ 4،و المخالفة الخاصة بالتسبيب بأهمال في اتلاف منقولات الغير المنصوص عليها في المادة ( 378 / 6 ) ومخالفة التسبيب بإهمال في جرح أو موت حيوانات الغير المنصوص عليها في المادة ( 378 /7)، والمخالفة الخاصة بالسب غير العلني المنصوص عليها في المادة 378/ 9، ومخالفة دخول أرض مهيأة للزراعة ولم يقتصر المشرع على هذه الجنح والمخالفات بل أردف ذلك بعبارة وفي الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون، ويقصد بذلك الحالات المنصوص عليها في التشريعات الخاصة والتي أجاز المشرع الصلح بشأنها.

ويتضح من هذا النص أن يشترط للحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بالصلح ما يلى :

أولاً: أن تكون الجريمة من الجرائم الواردة بالمادة 18 مكرراً (أ)، أو الجرائم المنصوص عليها في التشريعات الخاصة التي تجيز الصلح مثل القانون رقم 17 لسنة 1999 بإصدار قانون التجارة.

ثانياً : أن يثبت الصلح من المجني عليه أو وكيله الخاص أو من ورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص أمام النيابة العامة أو في محضر الجلسة أمام المحكمة في أية مرحلة كانت عليها الدعوى الجنائية ولو كانت أمام محكمة النقض، بل أن المشرع في القانون رقم 145 لسنة 2006 أجاز الصلح بعد أن يصير الحكم باتاً، أي بعد استنفاذ جميع طرق الطعن في الأحكام أو بعد انقضاء مواعيد الطعن دون اتخاذ الإجراءات الخاصة به، وإذا قدم الصلح من غير المجني عليه فيجب أن يكون هناك توكيل خاص يبيح ذلك، ولا يشترط تقديم اتفاق الصلح أو صورة منه، كما لا يشترط إثبات بنود الصلح في محضر الجلسة، وإنما يشترط إثبات أن المجني عليه أو ورثته تصالحوا مع المتهم، ويجب أن يكون الصلح ناجزاً، ذلك، الصلح المعلق على شرط لا ينتج أثره في انقضاء الدعوى الجنائية.

ويترتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر، وإذا تم الصلح بعد الحكم البات تأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة وكذلك الأمر إذا حصل الصلح أثناء التنفيذ، ولا يؤثر التقرير بالصلح ولا انقضاء الدعوى الجنائية على حقوق المضرور من الجريمة إلا إذا تنازل عن الدعوى المدنية.(الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الأول،  الصفحة 212)

وقد عرف قانون الإجراءات الجنائية المصري نظام العدالة الرضائية التي تتخذ شكل بدائل الدعوى الجنائية في صورة الصلح الجنائي في المادتين 18 مكرراً و 18 مكرراً «أ» إذا تم قبل رفع الدعوى الجنائية، وفي صورة الأمر الجنائي، وفي صورة التنازل عن الشكوى أو الطلب.

الصلح بين المتهم والمجني عليه :

نصت المادة 18 مكرراً «أ» من قانون الإجراءات الجنائية على ما مؤداه أن للمجني عليه أو وكيله الخاص ولورثته أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح مع المتهم أمام النيابة العامة أو المحكمة بحسب الأحوال، وذلك فى الجنح والمخالفات المنصوص عليها في المواد 238/ 1، 2 و 241/ 1، 2 و 242 / 1، 2، 3 و 244/ 1، 2 و 265 و 321 مكرراً و 323 و 323 مكرراً و 323 مكرراً أولاً و 324 مكرراً و 336 و 340 و 341 و 342 و 345 و 358 و 360 و 361/ 1، 2 و 369 و 370 و 371 و 373 . والمخالفات المنصوص عليها في المواد 377 (البند 9) و 378 (البنود 6، 7، 9) و 379 (البند 4) من قانون العقوبات، وفى الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون. ويجوز للمتهم أو وكيله إثبات الصلح المشار إليه في الفقرة السابقة. ويجوز الصلح فى أية حالة كانت عليها الدعوى، وبعد صيرورة الحكم باتاً. ويترتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر، وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة إذا حصل الصلح أثناء تنفيذها، ولا أثر للصلح على حقوق المضرور من الجريمة.

ومن أمثلة هذا الصلح التي لم ترد في قانون الإجراءات الجنائية، ما نص عليه قانون التجارة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1999 بشأن الصلح في الجرائم المتعلقة بالشيك وذلك في المادة 534 منه. فقد نصت هذه المادة في بندها الرابع على أن للمجني عليه ولوكيله الخاص في الجرائم المنصوص عليها في هذه المادة أن يطلب من النيابة العامة أو المحكمة - بحسب الأحوال - في أية حالة كانت عليها الدعوى إثبات صلحه مع المتهم. ويترتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر. وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة إذا تم الصلح أثناء تنفيذها، ولو بعد صيرورة الحكم باتاً.

ونرى أنه مادام القانون قد نص على انقضاء الدعوى الجنائية بعد الصلح، فإن هذا الأثر القانوني لا يتوقف على طلب المجني عليه أو وكيله الخاص إثبات الصلح. فالعبرة بانعقاد الصلح ولو أثبته المتهم، لا بطلب إثباته من المجني عليه أو من وكيله الخاص .

وواضح من هذا النص ما يأتي:

1- أن نطاق الصلح ينحصر في جنح ومخالفات محددة على سبيل الحصر في مواد بعينها.

2- أن الصلح يكون بين المتهم والمجني عليه أو وكيله الخاص أو ورثته أو وكيلهم الخاص، ويكفي أن يكون الصلح مع وكيل المتهم العام إذ لم يشترط القانون الوكالة الخاصة إلا عن المجني عليه أو ورثته. ويثبت الصلح في المحضر أمام النيابة العامة أو المحكمة أو بناء على طلب المجني عليه أو ورثته أو بناء على طلب المتهم. وقد قضت محكمة النقض أنه إذا كان الثابت من الصورة الرسمية لمحضر جلسة الإشكال في التنفيذ أن وكيل المدعي بالحقوق المدنية قد حضر بتلك الجلسة وأقر بالصلح مع الطاعن في الدعوى الجنائية موضوع الطعن وأثبت تنازله عن دعواه المدنية، ومن ثم تكون الدعوى الجنائية قبل الطاعن قد انقضت بالصلح مع إثبات تنازل المدعي بالحقوق المدنية عن دعواه المدنية.

3- ولا يشترط في الصلح دفع مبلغ معين من الغرامة المنصوص عليها، كما لا يشترط القانون دفع تعويض معين، للمجني عليه أو لورثته.

4- يجوز الصلح فى أية حالة تكون عليها الدعوى، أي سواء أمام محكمة أول درجة أو أمام محكمة الجنح المستأنفة، ما دام القانون قد أجاز الصلح فى أية حالة كانت عليها الدعوى، كما يجوز الصلح عند تنفيذ العقوبة.

5- نصت المادة 18 مكرراً «أ» على إثبات الصلح مع المتهم أمام النيابة العامة أو أمام المحكمة - حسب الأحوال، على أن هذا الإثبات في المحضر ليس شرطاً لانعقاد الصلح، وإن كان أمراً مفترضاً، لأن الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية بالصلح لا يكون إلا بعد إثبات هذا الصلح.

أثر الصلح

أ- في الدعوى الجنائية:

يختلف أثر الصلح باختلاف مرحلة انعقاده، فإذا تم قبل صيرورة الحكم باتاً يترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر. أما إذا تم الصلح في مرحلة التنفيذ تأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة. وقد نصت المادة 534 من قانون التجارة السالف الإشارة إليها على أنه يترتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية، فإن تم التصالح بعد صور حكم باتاً أوقفت النيابة العامة التنفيذ. ولا يتوقف أثر الصلح على تمام تنفيذ بنوده كما هو الحال في التصالح أو في حالات الصلح مع الجهة الإدارية المجني عليها أو مع البنك المجني عليه كما سنبين حالاً.

وعلى هذا النحو، يختلف تكييف الصلح باختلاف المرحلة التي يعقد فيها، فإن عقد الصلح قبل رفع الدعوى الجنائية اعتبر من بدائلها، وإن عقد بعد رفعها وقبل صدور حكم بات فيها اعتبر من أسباب انقضائها، أما إذا انعقد الصلح بعد صدور حكم بات اعتبر من أسباب وقف تنفيذ العقوبة.

ب- في الدعوى المدنية:

لا يؤثر الصلح الجنائي على الدعوى المدنية التبعية، ما لم يتضمن في الوقت ذاته الصلح بشأن حقوق المضرور من الجريمة.

الفرق بين التصالح والصلح:

يختلف التصالح عن الصلح في نطاق كل منهما وأطرافه وتنفيذه ومرحلة انعقاده حسبما بينا، ولا يتفقان سوى في أن كليهما يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجنائية، شريطة أن يكون التصالح قبل صدور حكم في الموضوع، بخلاف الصلح فيستوي فيه أن يتحقق في أية مرحلة كانت عليها الدعوى. ومتى تم التصالح أو الصلح انقضت الدعوى الجنائية بالنسبة إلى جميع المساهمين في الجريمة، فهو تصالح على الجريمة وليس تصالحاً شخصياً، ومن ثم يكون عيني الأثر.

ولا يجوز التصالح عند تنفيذ العقوبة، ولكن الصلح جائز في مرحلة التنفيذ ويؤدي في هذه الحالة إلى وقف تنفيذ العقوبة. وفي حالتي التصالح والصلح لا مساس بالحقوق المدنية ولا بالدعوى المدنية التبعية.

حالات أخرى حددها القانون للتصالح بين المتهم والجهة المجني عليها:

نصت بعض القوانين الخاصة على حالات أخرى للتصالح بين المتهم والجهة المجني عليها والمتهم (أو المحكوم عليه)، ومن أمثلة هذه الحالات ما يأتي:

التصالح في الجرائم الجمركية :

نصت عليه المادتان 117 و 119 من القانون رقم 66 لسنة 1963 بشأن الجمارك المعدل بالقانون رقم 16 لسنة 2000 والقانون رقم 13 لسنة 2001 والقانون رقم 157 لسنة 2002 والقانون رقم 14 لسنة 2004 والقانون رقم 95 لسنة 2005 وطبقاً للفقرة الثانية من المادة 119 من هذا القانون يجوز لرئيس مصلحة الجمارك أو من ينيبه قبول التصالح في الجرائم الجمركية المنصوص عليها في المواد 114 و 115 و 116 و 117 و 118 إلى ما قبل صدور حكم بات في الدعوى مقابل سداد ما لا يقل عن الحد الأدنى للغرامات والتعويضات، ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى الجنائية.

كما نصت المادة 124 من قانون الجمارك المشار إليه على أنه لرئيس مصلحة الجمارك أن يقبل التصالح في جرائم التهريب قبل صدور حكم بات فيها، وذلك مقابل أداء ما لا يقل عن نصف التعويض ويكون التعويض کاملاً في حالة صدور حكم بات في الدعوى. وفي حالة التصالح ترد البضائع المضبوطة بعد دفع الضرائب المستحقة عليها ما لم تكن من الأنواع الممنوعة أو المحظور استيرادها، كما ترد وسائل النقل والأدوات والمواد التي استعملت في التهريب. ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى الجنائية وجميع الآثار المترتبة على الحكم وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة الجنائية إذا تم التصالح أثناء تنفيذها. ويلاحظ أن التصالح أثناء التنفيذ غير جائز في حالة المادة 119 من القانون نفسه.

ونصت المادة 124 من قانون الجمارك (بالنسبة إلى جرائم تهريب البضائع الأجنبية بقصد الإتجار أو الشروع فيه أو حيازتها بقصد الإتجار مع العلم بأنها مهربة) على أنه لوزير المالية أو من ينيبه أن يقبل التصالح في تلك الجرائم قبل صدور حكم بات فيها، ويكون التعويض ثلاثة أمثال الضريبة المستحقة في حالة صدور حكم بات في الدعوى. وفي حالة التصالح ترد البضائع المضبوطة بعد دفع الضرائب المستحقة عليها ما لم تكن من الأنواع الممنوعة أو المحظور استيرادها، كما ترد وسائل النقل والأدوات والمواد التي استعملت في التهريب. ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى الجنائية وجميع الآثار المترتبة على الحكم. وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة الجنائية إذا تم التعالي أثناء تنفيذها.

التصالح في الجرائم المنصوص عليها في قانون الضرائب على الدخل:

نصت المادة 138 من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 91 لسنة 2005 على أنه لوزير المالية أو من ينيبه التصالح في الجرائم المنصوص عليها في هذه المادة في أي حالة تكون عليها الدعوى قبل صدور حكم بات فيها، وذلك مقابل أداء:

أ - المبالغ المستحقة على المخالف في الجرائم المنصوص عليها في المادة 135 من هذا القانون بالإضافة إلى تعويض مقداره ألفا جنيه.

ب- المبالغ المستحقة على المخالف بالإضافة إلى تعويض يعادل نصف مبلغ الغرامة المقررة في المادة 136 من هذا القانون.

ج- المبالغ المستحقة على المخالف في الجرائم المنصوص عليها في المادتين 133و 134 بالإضافة إلى تعويض يعادل مثل هذه المبالغ.

د - تعويض يعادل نصف الحد الأقصى للغرامة المنصوص عليها في المادة 132 من هذا القانون.

ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى الجنائية والآثار المترتبة عليها، وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبة إذا تم التصالح أثناء تنفيذها.

التصالح في الجرائم المنصوص عليها في قانون الضريبة العامة على المبيعات :

میز هذا القانون بين بعض المخالفات الضريبية وبين التهرب الضريبي. بالنسبة إلى المخالفات الضريبية نصت المادة 42 من قانون الضريبة العامة على المبيعات رقم 11 لسنة 1991 المعدل بالقانون رقم 91 لسنة 1996 والقانون رقم 17 لسنة 2001 والقانون رقم 11 لسنة 2002 والقانون رقم 9 لسنة 2005 - على أنه يجوز لوزير المالية أو من ينيبه التصالح في المخالفات المبينة في المادة السابقة مقابل أداء الضريبة والضريبة الإضافية في حالة استحقاقهما، وتعويض في حدود الغرامة المنصوص عليها في المادة السابقة، ويترتب على التصالح انقضاء الدعوى الجنائية ووقف السير في إجراءات التقاضي وإلغاء ما يترتب على ذلك من آثار.

أما بالنسبة إلى جرائم التهرب من الضريبة فقد نصت المادة 45/ 2 من قانون الضريبة العامة على المبيعات على أنه يجوز لوزير المالية أو من ينيبه التصالح في هذه الجرائم وذلك قبل صدور حكم بات في الدعوى مقابل سداد الضريبة والضريبة الإضافية وتعويض يعادل مثل الضريبة. ويترتب مباشرة على التصالح انقضاء الدعوى الجنائية وإلغاء ما يترتب على قيامها من آثار بما في ذلك العقوبة المقضي بها عليه.

التصالح في الجرائم المنصوص عليها في قانون ضمانات وحوافز الاستثمار:

نص المرسوم بقانون رقم 4 لسنة 2012 بتعديل بعض أحكام قانون ضمانات وحوافز الاستثمار الصادر بالقانون رقم 8 لسنة 1997 على إضافة المادة 7 مكرراً إلى هذا القانون، وقد نصت المادة المضافة على أنه يجوز التصالح مع المستثمر في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات التي ترتكب منه بصفته أو بشخصه أو التي اشترك في ارتكابها، وذلك في نطاق مباشرة الأنشطة المنصوص عليها في هذا القانون وفي أية حالة تكون عليها الدعوى الجنائية قبل صدور الحكم البات فيها. ويحرر بالتصالح محضر يوقعه المستثمر أو وكيله بموجب توكيل خاص يبيح له ذلك وممثل عن الجهة. ومقتضى ذلك أن التصالح يتم بين المتهم والجهة المجني عليها.

ويشترط للتصالح أن يرد المستثمر كافة الأموال أو المنقولات أو الأراضي أو العقارات محل الجريمة أو ما يعادل قيمتها السوقية وقت ارتكاب الجريمة إذا استحال ردها العين، على أن تحدد القيمة السوقية بمعرفة لجنة من الخبراء يصدر بتشكيلها قرار من وزير العدل. وفي حالة صدور حكم نهائي غير بات بإدانة المستثمر يشترط للتصالح بالإضافة إلى ما سبق إتمام وفائه بكامل العقوبات المالية المقضي بها، ويترتب على تمام التصالح وفقاً لما سبق انقضاء الدعوى الجنائية بالنسبة للمستثمر ولا يمتد الانقضاء لباقي المتهمين معه في ذات الواقعة ولا يستفيدون منه. ونلاحظ أن الاستثناء الوارد في نهاية هذه المادة بشأن تقييد نطاق آثار الصلح لا يتفق مع الطابع العين للصلح ولا أهدافه في إسدال الستار على الجريمة بالصلح.

التصالح المنصوص عليه في قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي:

نصت المادة 133 من القانون رقم 88 لسنة 2003 بإصدار قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد، المعدل بالقانون رقم 162 لسنة 2004 - على أن للبنوك الخاضعة لأحكام هذا القانون التصالح في الجرائم المشار إليها في المادة 131 منه، ولو كان قد صدر بشأنها الطلب المنصوص عليه في هذه المادة (وهو طلب رفع الدعوى الجنائية، وذلك في أية حالة تكون عليها الدعوى. فإذا تم التصالح قبل صدور حكم بات، يشترط لنفاذه إتمام الوفاء بكامل حقوق البنك وفقاً لشروط التصالح، وفي حالة صيرورة الحكم باتاً لا يكون التصالح نافذاً إلا إذا قام المحكوم عليه بالوفاء مسبقاً بمستحقات البنك. وفي جميع الأحوال يشترط موافقة مجلس إدارة البنك الدائن على التصالح، ويحرر محضر يوقعه أطرافه ويعرض على محافظ البنك المركزي مؤيدا بالمستندات للنظر في اعتماده، ولا يكون التصالح نافذاً إلا بهذا الاعتماد وتوثيقه، ويكون التوثيق بدون رسوم. فإذا لم يوافق مجلس إدارة البنك على التصالح رغم الوفاء بكامل حقوق البنك - يعرض الأمر بناء على طلب ذوي الشأن على مجلس إدارة البنك المركزي لاتخاذ ما يراه مناسباً. ويكون لمحضر التصالح في هذه الحالة قوة السند التنفيذي، ويتولى المحافظ إخطار النائب العام به، ويعد ذلك الإخطار بمثابة تنازل عن الطلب المشار إليه في المادة 131، ويترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية عن الواقعة محل التصالح بجميع أوصافها. وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبات المحكوم بها على المتهمين في الواقعة إذا تم التصالح قبل صيرورة الحكم باتاً. فإذا تم التصالح بعد صيرورة الحكم باتا وكان المحكوم عليه محبوساً نفاذاً لهذا الحكم - جاز له أن يتقدم إلى النائب العام بطلب لوقف التنفيذ مشفوعاً بالمستندات المؤيدة له، ويرفع النائب العام الطلب إلى محكمة النقض مشفوعاً بهذه المستندات ومذكرة برأي النيابة العامة في ذلك خلال عشرة أيام منذ تاريخ تقديمه. ويعرض الطلب على إحدى الدوائر الجنائية بالمحكمة منعقدة في غرفة المشورة لنظره لتأمر بقرار مسبب بوقف تنفيذ العقوبات نهائيا إذا تحققت من إتمام التصالح واستيفائه كافة الشروط والإجراءات المنصوص عليها في هذه المادة. ويكون الفصل في الطلب خلال خمسة عشر يوماً منذ تاريخ عرضه، وبعد سماع أقوال النيابة العامة والمحكوم عليه. وفي جميع الأحوال يمتد أثر التصالح من حيث انقضاء الدعوى الجنائية أو وقف تنفيذ العقوبات إلى جميع المتهمين أو المحكوم عليهم في ذات الواقعة.

ويلاحظ على هذا التصالح أنه ميز بين إتمامه قبل الحكم البات وإتمامه بعده، ففي الحالة الأولى يشترط لنفاذه إتمام الوفاء بحقوق البنك وفقاً لشروط التصالح أما في الحالة الثانية فلا يكون التصالح نافذاً إلا إذا وفي المحكوم عليه مسبقاً مستحقات البنك، وهو ما يعني مستحقات البنك بعيداً عن شروط التصالح. لكن ذلك لا يحول دون أن تكون هذه المستحقات ثمرة لتسوية مسبقة قام بما المحكوم عليه قبل صدور الحكم البات خارج نطاق التصالح المشار إليه في المادة 133 من قانون البنوك. وفي الحالة الأولى بعد إخطار محافظ البنك المركزي بالتصالح بمثابة تنازل عن طلب رفع الدعوى الجنائية المشار إليه في المادة 131 من قانون الجمارك، ويترتب على ذلك أن انقضاء الدعوى الجنائية عن الواقعة محل التصالح يكون بناء على التنازل عن الطلب لا بناء على التصالح. وتأمر النيابة العامة بوقف تنفيذ العقوبات المحكوم بها على المتهمين في الواقعة، إذا تم التصالح قبل صدور . الحكم باتاً. أما في الحالة الثانية، فقد اعتبر المشرع التصالح بعد الحكم البات بمثابة سبب جديد لإعادة النظر في الحكم البات، يجب عند توافره أن يرفع النائب العام الطلب المقدم من المحكوم عليه إلى محكمة النقض لكي تفصل فيه إحدى الدوائر الجنائية منعقدة في غرفة المشورة، لكنه في هذه الحالة الجديدة من حالات إعادة النظر لا يترتب عليها الحكم ببراءة المحكوم عليه كما هو الشأن في حالات إعادة النظر الأخرى، بل تأمر محكمة النقض بقرار مسبب بوقف تنفيذ العقوبات نهائياً إذا تحققت من إتمام التصالح واستيفائه لكافة الشروط والإجراءات المنصوص عليها في المادة 133 من قانون البنوك.(الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 351)

أولا : أشخاص الصلح :

كان نص المادة 18 مكرراً (أ) قبل التعديل يكتفي بأن الذي يقوم بإثبات .

الصلح هو المجني عليه ووكيله الخاص وبعد التعديل أصبح إثبات الصلح لكل من:

1- المجني عليه .

2- الوكيل الخاص للمجني عليه .

3- ورثة المجني عليه .

 4- الوكيل الخاص لورثة المجني عليه .

ولاشك أن هذا المسلك يعد صحيحاً من المشرع وذلك بالتوسيع من عدد الأشخاص الذين لهم الحق في إثبات الصلح، حيث لم يقصر إثبات الصلح على المجني عليه أو وكيله الخاص فقط، بل أضاف إليهما ورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص

 ثانياً : إضافة جرائم جديدة وضمها إلى حظيرة الصلح، والتي سوف نعرضها جميعاً بعد ذلك في الصفحات التالية تفصيلاً .

 ثالثاً : إضافة عبارة " الإقرار بالصلع في الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون " المشار إليها في نهاية الفقرة الأولى من المادة، حيث أن هذا الإقرار لم يكن منصوصاً عليه قبل التعديل و إن كنا نرى أن هذا يعد تزيداً لا مبرر له، حيث أن الأحوال الأخرى المنصوص عليها للصلح ترتب آثارها بقوة القانون .

 رابعاً : التقرير بجواز إثبات الصلح للمتهم أو وكيله الخاص المنصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة، حيث كان لابد من الإقرار بأن إثبات الصلح ليس فقط للمتهم أو وكيله ولكن لورثة المتهم ووكيل الورثة حتى يكون هناك توازناً في النص حيث أن الفقرة مثار البحث تنطبق فقط قبل التعديل ولم تراعي التعديل الوارد في صدر المادة .

 خامساً : التقرير بجواز الصلح بعد صيرورة الحكم باتاً وفي أية حالة كانت عليها الدعوى.

ولاشك أن المشرع قد تردد كثيراً قبل أن يقرر جواز الصلح بعد صيرورة الحكم باتاً ولكنه انتصر لإعمال قواعد الصلح بصفة نهائية وهو أمر مرغوب فيه طالما أن المجني علية قد استرد حقوقه وقبل التصالح .

سادساً : التقرير بأن النيابة العامة لها الحق في أن تأمر بوقف تنفيذ العقوبة. إذا حصل الصلح أثناء تنفيذ العقوبة . وهذا أمر لابد منه بعد تقرير مبدأ الصلح بعد صيرورة الحكم باتاً، ومن ثم للنيابة العامة أن تأمر بوقف تنفيذ العقوبة إذا حصل الصلح أثناء تنفيذها ولو بعد صيرورة الحكم باتاً.

حالات الدفع بالانقضاء بالتصالح الواردة في القوانين الأخرى :

1- قانون الضرائب على الدخل .

2- جرائم التهريب الجمرکی .

3- جرائم التعامل بالنقد الأجنبي .

4- قانون ضريبة الدمغة .

5- قانون ضريبة الاستهلاك .

6- قانون المرور .

7- قانون النظافة العامة .

8- قانون المخدرات

9- قانون المباني .

وارتفعت في الآونة الأخيرة بعض الآراء التي تنادي بالنص على الصلع الجنائي كأحد بدائل الدعوى الجنائية التي ينقضي بها حق الدولة في العقاب واقترحت تلك الأراء 60 قانوناً ينص فيها على الصلح.

وكان من نتاج ذلك إضافة المادتين 18 مكرر، 18 مكرراً (أ) من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقانون رقم 174 لسنة 1998 والمعدل بالقانون رقم 145 لسنة 2006 بجواز التصالح في بعض مواد الجنح و المخالفات . كما أضيف الصلح والتصالح في جرائم الشيك بموجب قانون التجارة الجديد .

أضاف المشرع إلى قانون الإجراءات الجنائية المادتين (18 مكرراً، 18 مکرراً "أ" ) وسع بمقتضاها نطاق التصالح والصلح في بعض الجرائم وجعل من كليهما سبباً لانقضاء الدعوى الجنائية، ولما كان التصالح والصلح ليس لمصلحة المتهم وحده بل هو للمصلحة العامة وهي الاستغناء عن رفع الدعوى الجنائية فإنه يراعى إتباع الآتي :

(1) أجاز المشرع التصالح في مواد المخالفات بإطلاق وأجازه في مواد الجنح المعاقب عليها بالغرامة وحدها، ومن ثم فلا يجوز التصالح في الجنح التي لا يعاقب عليها وجوباً بغير الغرامة و التي يعاقب عليها جوازياً بالحبس الذي لا يزيد حده الأقصى على ستة أشهر .

(2) على محرر المحضر عند تحرير المحضر أن يعرض على المتهم أو وكيله التصالح وأن يثبت ذلك في محضره .

كما يقوم عضو النيابة بعرض التصالح في مواد الجنح ومن باب أولي في المخالفات وذلك عند عرض المحضر عليه أن كان المتهم أو وكيله حاضراً أو حضر بعد ذلك - مع حثه على التصالح بالمبلغ النقدي المشار إليه في البند التالي، والتأشير بذلك على المحضر وإثبات قبوله أو رفضه للتصالح.

(3) يكون التصالح بدفع مبلغ يعادل ثلث الحد الأقصى الغرامة المقررة للجريمة إلى خزانة المحكمة أو النيابة العامة أو إلى من يرخص به في ذلك من وزير العدل وذلك قبل رفع الدعوى الجنائية .

(4) يجب عدم التعجل بالتصرف في القضية التي يقبل المتهم أو وكيله التصالح فيها قبل رفع الدعوى الجنائية، ولا يجوز مطلقاً رفض طلب التصالح المقدم من المتهم قبل رفع الدعوى الجنائية على أنه في هذه الحالة يكون التصالح بدفع مبلغ يعادل ثلثى الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة أو قيمة الحد الأدنى المقرر لها أيهما أكثر وذلك قبل صدور حكم في الموضوع.

وإذا قدم طلب التصالح بعد إحالة الدعوى الجنائية إلى المحكمة تكون المحكمة هي المختصة بالنظر في أمره ونذكر بأن تمام الإحالة يكون بتمام الإعلان.

(5) تنقضي الدعوى الجنائية بالتصالح، ويمتنع على عضو النيابة رفع الدعوى الجنائية في الواقعة التي تم التصالح وفقا لأحكام القانون، ويجب المبادرة إلى حفظ الأوراق قطعياً أو التقرير فيها بالأوجه على حسب الأحوال لانقضاء الدعوى الجنائية لهذا السبب.

(6) إذا حصل التصالح خطأ في جنحة لا يجوز فيها ذلك أو تبين أن مبلغ التصالح المدفوع يقل عما هو مقرر قانوناً فعلى عضو النيابة اعتبار التصالح كأن لم يكن و السير في الدعوى الجنائية على هذا الأساس.

(7) إذا تعددت الجرائم التي ارتكبها المتهم تعدداً يستوجب تطبيق أحكام الارتباط المنصوص عليها في المادة (32) من قانون العقوبات فإن انقضاء الدعوى الجنائية بالتصالح في إحداهما لا تأثير له على الدعاوى الجنائية الناشئة عن الجرائم الأخرى المرتبطة بها بيد أنه يجب النظر إلى أن التصالح في الجريمة ذات العقوبة الأشد قد يكون مبرراً قوياً لحفظ الأوراق بالنسبة للجريمة الأخف المرتبطة بها لعدم الأهمية والأمر وظروف وملابسات كل واقعة على حده.

(8) يجوز للمجني عليه أو وكيله الخاص أو ورثة المجنى عليه أو وكيلهم الخاص أن يطلب أي منهم إلى النيابة العامة أو المحكمة المنظور أمامها الدعوى بحسب الأحوال إثبات صلحه مع المتهم في الجنح المذكورة في نص المادو (18 مكرر (أ) على سبيل الحصر، وكذلك في الأحوال الأخرى التي نص عليها القانون ويترتب على الصلح انقضاء الدعوى الجنائية، ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر.

(9) يجب على عضو النيابة قبل التصرف في قضايا الجنح المشار إليها في البند السابق بالحفظ أو إصدار أمر بالأوجه لإقامة الدعوى الجنائية- بحسب الأحوال - التثبيت من أن طالب إثبات الصلع هو المجني عليه أو وكيله الخاص أو ورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص، والتحقق من أن الصلح قد صدر صريحاً غير مقترن أو معلق على شرط .

ويجب عدم الاعتداد بأقوال المجنى عليه بمحضر جميع الاستدلالات أو أية أوراق أو محاضر غير موثقة ترفق بذلك المحضر أو تقدم من المتهم أو وكيله في شأن إثبات الصلح إذا أقرها المجني عليه أو وكيله الخاص أمام النيابة العامة ولا محل في إثبات الصلح للتوكيل العام الذي يصدر من المجني عليه إلا إذا تضمن حق الإقرار بالصلح .

(10) لا أثر لرجوع المجني عليه في الصلح على التصرف الذي تم في الدعوى.

(11) إذا تعدد المجني عليهم نتيجة فعل إجرامي واحد فلا يكون للصلح أثره في انقضاء الدعوى الجنائية إلا إذا صدر من جميع المجني عليهم، و إذا تعدد المجني عليهم في جرائم متعددة سواء أكانت مرتبطة ببعضها ارتباطاً لا يقبل التجزئة أو غير مرتبطة فلا يكون للصلح أثره إلا بالنسبة لمن صدر منه.

(12) ولا يخل كل ما سبق بما هو مقرر في شأن حفظ الأوراق والأمر بعدم وجه لإقامة الدعوى الجنائية.

قرر المشرع التصالح للمجني عليه شخصياً أو لوكيله الخاص أو ورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص تسهيلاً للإجراءات وإنهاء للخصومات في بعض الجنح على سبيل الحصر، على أن يقوم بإثبات الصلح مع المتهم سواء أمام النيابة أو أمام المحكمة . فإذا تم أمام النيابة فإنها يجب أن تقرر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية، أما إذا كان أمام المحكمة فإنها تقضي بانقضاء الدعوى الجنائية . ولا فرق في ذلك بين حالتي رفع الدعوى عن طريق النيابة العامة أو الادعاء المباشر، كما أنه لا أثر للصلح على حقوق المضرور من الجريمة.

وهذا المسلك يحسب للمشرع حيث نادينا نحن وكثير من الفقه - من قبل - بالتوسع في البدائل للدعوى الجنائية والتوسع في نظام الصلح في المواد الجنائية، وذلك بهدف تصفية القضايا من القاعدة وعدم وصولها إلى محكمة النقض وخاصة القضايا قليلة الأهمية .

والجنح التي يجوز فيها التصالح تشمل الجنح التالية :

1- جريمة القتل الخطأ (م 238) .

2- جرائم الضرب أو الجرح الذي ينشأ عنه مرض أو عجز عن الأشغال الشخصية مدة تزيد على عشرين يوماً، و أيضاً الضرب أو الجسرح إذا صدر عن سبق إصرار أو ترصد أو باستعمال أية أسلحة أو عصى أو آلات أو أدوات أخرى (م 241 فقرتان أولى وثانية) .

3-- جرائم الضرب أو الجرح البسيط، والضرب الصادر عن سبق إصرار وترصد، والضرب أو الجرح باستعمال أية أسلحة أو عصى أو آلات أو أدوات أخرى (م 241 فقرات أولى وثانية وثالثة) .

4- جرائم الإصابة الخطأ (م 244) .

5- جريمة إعطاء المواد الضارة (م 265) .

 6- جريمة العثور على شيء أو حيوان مفقود و عدم رده (321 مكرراً) .

 7- جريمة اختلاس الأشياء المحجوزة قضائياً أو إدارياً (م 323) .

8- جريمة اختلاس الأشياء المرهونة ضماناً ندين (م 323 مكرراً) .

 9- جريمة الاستيلاء على سيارة مملوكة للغير بدون نية التملك (م 232 مکرراً أولاً).

 10- جريمة تناول الطعام أو الشراب في محل أو استئجار سيارة بدون دفع

الأجرة (م 324 مكرراً) .

11- جريمة النصب (م 336) .

 12- جريمة خيانة الائتمان على التوقيع (م 340 ).

 13- جريمة التبديد (م 341 ) .

 14- جريمة اختلاس الأشياء المحجوز عليها قضائياً أو إدارياً (م 342 ) .

15- جريمة تخريب أو كسر آلات الزراعة أو زرائب المواشي أو عشش الخفراء (م 354) .

 16- جرائم الإتلاف و إزالة الحد بقصد الاغتصاب (م 358)

17- جرائم الحريق (م 360 ) .

 18- جرائم الإتلاف والتخريب العمد (361) .

19- جرائم انتهاك حرمة ملك الغير (م 369) .

 20- جريمة دخول بيت مسكون (م 370) .

 21- جريمة التواجد مختبئاً في بيت مسكون (م 371) .

 22- جريمة الدخول في أرض زراعية أو غيرها وعدم خروجه منها (م 373).

 23- جريمة المشاجرة والتعد والإيذاء الخفيف (م  377 البند 9).

24- جرائم الإتلاف غير العمدي لمنقولات الغير (م 378 البند 6)، والقتل أو الجرح غير العمدي للبهائم والدواب (م 378 البند 7)، وابتدار إنسان بسبب غیر علنی (م 378 البند 9)

25- -جريمة الدخول في أرض الغير بنفسه أو بهائمه (م 379 البند 4) .

وكنا قد نادينا من قبل بأن المشرع يجب أن يضيف طائفة أخرى من الجرائم، وخاصة الجرائم العامة التي يجوز فيها التصالح مثل جريمة البلاغ الكاذب وغيرها من الجرائم التي يكون للصلح أثر خطير فيها . واستجاب المشرع لذلك و أضاف حالات الصلح المشار إليها سلفاً .

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع قد قرر الصلح في المخالفات والجنح التي عقوبتها الغرامة فقط، في حين أطلق لفظ التصالح على الجنح الأخرى المنصوص عليها على سبيل الحصر، وهذا هو الفارق الأول بين لفظ الصلح والتصالح فى المادتين 18 مكرراً، 18 مكرراً (أ) في القانون الجديد رقم 174 لسنة 1998 ويلاحظ أن هناك فارقاً ثانياً بين المادتين من ناحية الإجراءات، حيث أجازت التصالح في المخالفات والجنح التي عقوبتها الغرامة بالشروط الآتية:

1- أن يدفع المتهم الذي يقبل التصالح مبلغاً يعادل ثلث الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة .

2- أن يتم هذا الدفع قبل رفع الدعوى الجنائية .

3- أن يكون الدفع إلى خزانة المحكمة أو النيابة العامة أو أي موظف عام يرخص له في ذلك من وزير العدل، وبالتالي لابد من صدور قرار من وزير العدل بالأشخاص المرخص لهم بقبول تلك المبالغ وحتى الآن لم يصدر هذا القرار. 

4- عند إحالة الدعوى الجنائية إلى المحكمة المختصة لا يسقط حق المتهم فى التصالح بشرط أن يدفع مبلغاً يعادل ثلثي الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة أو قيمة الحد الأدنى المقررة لها أيهما أكثر .

ولكن الصلح في الجنح المنصوص عليها على سبيل الحصر في المادة 18 مكرراً (أ) لا يحتاج إلى أية إجراءات ولا يحتاج إلى دفع أية مبالغ، إذ أن كل ما يشترط هو أن يطلب المجنى عليه إثبات الصلح مع المتهم إلى النيابة العامة أو إلى المحكمة حسب الأحوال .

ونرى أن تقديم الدعوى الجنائية إلى النيابة يجيز لها أن تقرر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية . وتجدر الإشارة إلى أن تقديم الصلح قد يكون من المتهم أو من وكيله الخاص، وبالتالي لا يجوز تقديم الصلح من غير المتهم أو من الموكل توكيلاً عاماً.(الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الأول، الصفحة :  292 )

الصلح عقد بين المتهم والمجنى عليه يتنازل بمقتضاه المجنى عليه عن حقه في التعويض القضائي عن الأضرار التي ترتبت على الجريمة، وقد يكون التنازل مقابل حصوله على تعويض نقدي أو عيني من المتهم، وقد يكون بسيطاً بدون مقابل .

واعتبار الصلح بين المتهم والمجنى عليه سبباً لانقضاء الدعوى الجنائية قرره القانون على خلاف الأصل العام من أن تحريك هذه الدعوى واستعمالها هو من شأن النيابة العامة وحدها، وهي لا تتقيد في ذلك بإرادة المجنى عليه أو المضرور من الجريمة. وسند هذا الأصل أن الدعوى الجنائية تحمی حقوق المجتمع، وهي حقوق لا صفة المجني عليه فيها، وليس له التصرف فيها. ومن ثم كانت القاعدة أن الصلح بين المتهم والمجنى عليه لا يحول بين النيابة العامة وبين تحريك الدعوى الجنائية واستعمالها . ويترتب على خروج حكم المادة 18 مكرراً  على الأصل العام السابق وجوب أن تفسر تفسيراً ضيقاً، وخاصة أن تعتبر الجرائم التي نصت عليها وأجازت فيها الصلح واردة على سبيل الحصر، ومن ثم لا يجوز القياس عليها .

علة الصلح :

العلة الحقيقية لاعتبار الصلح سبباً لانقضاء الدعوى الجنائية في الحد من الدعاوى التي تقام أمام القضاء أو تستمر قائمة أمامه . والفرض أن يكون الصلح في جرائم يجمع بينها أنها تنتهك إرادة المجني عليه، ومن ثم يكون افتراض أن عفو المجني عليه ينفي علة تجريمها .

والملاحظ على بيان الجرائم التي أجاز فيها القانون الصلح أنه توسع فيها إلى ما يجاوز العلة التي قام عليها نظام الصلح، فقد أدخل القانون في نطاق الصلح جرائم تتضمن عدواناً واضحاً على حقوق المجتمع وتمس هيبة الدولة . مثال ذلك اختلاس الأشياء المحجوز عليها (المادة 323 من قانون العقوبات) إذ الجريمة مساس بالقوة التنفيذية لحكم قضائي، وخيانة الأمانة المادة 341 عقوبات) هي اعتداء على الثقة المفترضة في المعاملات، ومن شأن زعزعة هذه الثقة إدخال الاضطراب على مصلحة تعني المجتمع في قيام المعاملات على أساس النزاهة .

أثر الصلح :

حدد القانون أثر الصلح بأنه : انقضاء الدعوى الجنائية ولو كانت مرفوعة بطريق الادعاء المباشر .

ويترتب على انقضاء الدعوى الجنائية بالصلح عدم جواز تحريكها، بحيث لو حرکت على الرغم من الصلح، سواء حركتها النيابة العامة أو المدعي بالحقوق المدنية، تعين القضاء بانقضاء الدعوى .(الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد، الأول الصفحة:  293)

الفقه الإسلامي

سقوط القصاص

( المواد من ( 250) إلى ( 256)) 

العفو، والصلح، وفوات محل القصاص

مادة (250): يسقط القصاص بالعفو أو بالصلح أو بفوات محل القصاص. 

مادة (251): 

1- العفو عن القصاص يكون على الدية أو الجزء المقدر منها، ويجوز أن يكون عفواً مطلقاً متى كان صريحاً في الإبراء منها، وفي الحالة الأخيرة لا يقبل العدول عنه. 

2- والعفو يكون للمجني عليه إذا كان كامل الأهلية ، فإذا لم يكن كذلك قام أبوه مقامه في طلب القصاص، وكان للأب أو لغيره ممن ينوب عن المجني عليه المطالبة بالدية أو الصلح على مال لا يقل عنها، وللمجني عليه الذي صار كامل الأهلية قبل تنفيذ الحكم - الحق في طلب القصاص أو غيره مما تقدم .

3- تنوب النيابة العامة عن عديم الأهمية أو ناقصها إذا لم يكن له نائب ، أو كان نائبه مجهولاً أو غائباً ، أو تعذر إعلانه ، أو أعلن ولم يحدد موقفه ، وتكون لها كافة الحقوق المقررة لغير الأب ممن ينوب عن المجني عليه. 

مادة (252):1- يثبت العفو أمام النيابة العامة أو قاضي التحقيق والمحكمة بحسب الأحوال. 

2- ويظل للمجني عليه ولمن قام مقامه في طلب القصاص الحق في العفو إلى ما قبل تنفيذ الحكم. 

مادة (253): إذا حصل العفو عن القصاص قبل تنفيذ الحكم به، فعلى النيابة العامة تقديم القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم في الموضوع حسب الأحوال؛ للنظر في الحكم بالدية أو بالجزء المقدر منها دون الإخلال بالعقوبة التعزيرية المقررة. 

مادة (254): في الاعتداء الموجب للقصاص يجوز أن يتم الصلح على الدية المحددة أو على ما هو أكثر أو أقل منها. 

مادة (255): لا يعتد بالصلح إلا إذا تم إثباته أمام النيابة العامة أو قاضي التحقيق  أو المحكمة في أية حالة كانت عليها الدعوى. 

مادة (256): إذا سقط القصاص بفوات محله قبل تنفيذ الحكم به - اتبعت أحكام المادة (253) من هذا القانون، دون الإخلال بالعقوبة التعزيرية المقررة. 

الإيضاح 

هنا أيضاً أخذ المشروع بأحكام تتفق في أسسها مع الأسس التي سبق الأخذ بها في باب الجناية على النفس، فالقصاص - سواء أكان في النفس أم فيها دون النفس - يسقط بالعفو، والصلح، وفوات محل القصاص، وهذه الأسباب الثلاثة هي التي نصت عليها المادة (250) ، وغني عن البيان أن سقوط القصاص هو حالة من حالات امتناع عقوبة القصاص. 

وقد بينت المادة (251) أحوال العفو، وهو النزول عن الحق في القصاص مقابل الدية الكاملة أو الجزء المقدر منها، واشترطت لكي يكون العفو مطلقاً - أي على غير دية - أن يكون صريحا في الإبراء منها، وفي هذه الحالة لا يقبل العدول عنه؛ لأن العفو يترتب عليه سقوط الحق في القصاص، ومتى سقط هذا الحق فإنه لا يجوز إحياؤه بالعدول عن العفو وطلب القصاص؛ إذ القاعدة أن الساقط لا يعود (المغني جـ (8) ص (336) وما بعدها). ومن ثم فإن مجرد العفو إنما يفيد العفو عن القصاص فقط مع بقاء الحق في الدية المحددة التي لا يتوقف اقتضائها على رضا الجاني، ويكون العفو بطبيعة الحال من المجني عليه إذا كان كامل الأهلية؛ لأن العفو إسقاط ، وقد يقترن بالإبراء من الدية ، فوجب أن يكون المجني عليه من أهل الإسقاط ، فإذا لم يكن كذلك قام أبوه مقامه في طلب القصاص، وكان للأب أو لغيره ممن ينوب عن المجني عليه (کالوصي على الصغير، والقيم على المحجور عليه) - المطالبة بالدية أو الصلح على مال لا يقل عنها؛ لأن الصلح على ما هو أقل من هذه الدية يخل بمصلحة عديم الأهلية أو ناقصها، وللمجني عليه الذي صار کامل الأهلية قبل تنفيذ الحكم - الحق في القصاص أو غيره مما تقدم. وتنوب النيابة العامة عن عديم الأهلية أو ناقصها إذا لم يكن له نائب، أو كان نائبه مجهولاً أو غائباً أو تعذر إعلانه، أو أعلن ولم يحدد موقفه، وتكون لها كافة الحقوق المقررة لغير الأب ممن ينوب عن المجني عليه. وقد وضعت الأحكام الواردة بالمادة (251) على نسق الأحكام التي سبق الأخذ بها في باب الجناية على النفس، واختص المشروع الأب وحده - إذا لم يكن المجني عليه کامل الأهلية - بأن يقوم مقام المجني عليه في طلب استيفاء القصاص؛ أخذا برأي الأحناف، ولأن الأب موفور الشفقة، ولكن المشروع لم يأخذ بها قيل من تجويز القود في الأطراف للوصي استحسانا، بل غلب المشروع الأخذ بالقياس ومقتضاه ألا يملك الوصي الاستيفاء في الطرف کما لا يملكه في النفس (المذهب الحنفي: نتائج الأفكار لقاضي زاده، تکملة فتح القدير مطبعة مصطفى محمد 1356 هـ ، الجزء الثامن ص (262) إلى (364)، حاشية رد المحتار لابن عابدین، مطبعة: مصطفى الحلبي 1386/ 1966 ، الجزء السادس ص (538) و(539))، ولا يخفى أن الأخذ بالقياس هو الأنسب لعديم الأهلية أو ناقصها ؛ لأنه يحفظ حقه في الدية في كافة أحوال العمد مثلما هو محفوظ في حالة الخطأ ، في حين أن القصاص غالباً ما لا يشفي له صدراً وهو على هذه الحال، بينما يحول بينه وبين الدية، ومن المقرر أن القصاص قد شرع للتشفي ودرك الثأر.

 

وقد أوجبت المادة (252) أن يثبت العفو أمام النيابة العامة، أو قاضي التحقيق، أو المحكمة بحسب الأحوال، وهذا حكم تقتضيه المصلحة العامة بالنظر إلى أهمية العفو، سواء في مجال القصاص أم في مجال الدية. كما أبقت المادة للمجني عليه ولمن قام مقامه في طلب القصاص - وهو أبوه إذا لم يكن كامل الأهلية - الحق في العفو إلى ما قبل التنفيذ ، ولا يحول دون العفو أن يكون المجني عليه أو الأب قد سبق له أن طلب القصاص. وغني عن البيان أن عفو الأب لا يكون إلا على الدية ، ما لم يتصالح على مال لا يقل عنها (تبيين الحقائق ج (6) ص (107)). 

هذا وقد تناولت المادة (253) حالة العفو عن القصاص قبل تنفيذ الحكم به - على ضوء ما سبق الأخذ به في باب الجناية على النفس -، فأوجبت على النيابة العامة تقديم القضية إلى المحكمة التي أصدرت الحكم في الموضوع حسب الأحوال ؛ إذ قد تكون هي محكمة النقض، كما لو حكمت في الموضوع لتقديم طعن للمرة الثانية ، وذلك للنظر في الحكم بالدية أو بالجزء المقدر منها دون الإخلال بتوقيع العقوبة التعزيرية المقررة. 

كذلك بينت المادة (254) أحوال سقوط القصاص بالصلح، والفارق الجوهري بين العفو والصلح أن العفو يصدر من جانب المجني عليه دون توقف على رضا الجاني، أما الصلح فهو عقد بين المجني عليه وبين الجاني، ومن ثم فهو لا يتم إلا برضا الطرفين. وقد نصت هذه المادة على أنه يجوز أن يتم الصلح - في الاعتداء الموجب للقصاص - على الدية المحددة أو على ما هو أكثر أو أقل منها. 

ونصت المادة (255) من المشروع على عدم الاعتداد بالصلح إلا إذا تم إثباته أمام النيابة العامة، أو قاضي التحقيق، أو المحكمة في أية حالة كانت عليها الدعوى. وهذا الحكم يتماثل مع إثبات العفو الوارد في المادة (252) من المشروع، وأساس الحكم الاحتياط في مسألة مهمة كإسقاط القصاص بالصلح، ويلاحظ أن هذا الحكم لا يمنع بذاته من أن يتم الصلح بوصفه عقدا من العقود خارج مجلس القضاء، وإنما يتطلب النص في هذه الحالة إثباته فقط، ويستطيع الطرفان إثبات العقد في محضر تحقيق النيابة العامة، أو قاضي التحقيق، أو أمام المحكمة، فيثبت في أوراق الدعوى، ويكون للنيابة، أو قاضي التحقيق، أو المحكمة بحسب الأحوال أن تراقب شروط صحة الصلح، وغير ذلك من الآثار التي تترتب عليه. 

وأخيراً فإن القصاص يسقط كذلك بفوات محله قبل تنفيذ الحكم به، وهو ما تضمنه نص المادة (256) من المشروع، وهذا أمر متفق عليه في مذاهب الفقه الإسلامي، فإذا قطع الجاني يمني رجل، وكان الجاني فاقداً يمناه - فلا قصاص من الأصل لعدم وجود الطرف المماثل، أما إذا فقد يمناه، في أي وقت قبل التنفيذ، فإن القصاص يسقط؛ لأنه لا يجوز أخذ طرف آخر غير الطرف المائل للطرف الذي وقعت عليه الجناية، ومن باب أولى يسقط القصاص بموت الجاني، إذ بموته يفوت محل القصاص (حاشية الدسوقي جـ (4) ص (254))، على أن سقوط القصاص بفوات محله لا يخل بحق المجني عليه في الدية أو الجزء المقدر منها؛ أخذا مذهبي الشافعية والحنابلة على وجه الخصوص - (خلافة للمرجع السابق (254)، ولبدائع الصنائع ج- (7) ص (246))، ولأن القاعدة عندهما أن ما ضمن بسبين على سبيل البدل إذا تعذر أحدهما ثبت الآخر كذوات الأمثال، ولأن القتل المضمون - وكذلك الجناية على ما دون النفس المضمونة - إذا سقط فيها القصاص من غير إبراء، ثبت المال العقوبة ص (604) و (605))، ومن ثم فقد أوجبت المادة (256) - في حالة سقوط القصاص بفوات محله قبل تنفيذ الحكم به - اتباع الأحكام الواردة بالمادة (253) من هذا المشروع دون الإخلال بالعقوبة التعزيرية المقررة بطبيعة الحال. 

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / التاسع والثلاثون ، الصفحة / 277

حَقُّ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوُ عَنْهُ:

لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْقَوَدَ لاَ يَجِبُ إِلاَّ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ بَعْدَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِهِ، وَأَنَّهُ حَقُّ الْوَرَثَةِ (أَوْلِيَاءِ الدَّمِ)، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْحَقِّ هَلْ يَثْبُتُ لَهُمُ ابْتِدَاءً أَمْ بِطَرِيقِ الإْرْثِ عَنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؟ وَمَنْ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْهُمْ؟ وَذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: لِلْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأْصَحِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ أَنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ يَثْبُتُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوَّلاً بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى وَرَثَتِهِ جَمِيعِهِمْ، الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، مِنْ ذَوِي الأْنْسَابِ وَالأْسْبَابِ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَأَمْلاَكِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَالثَّوْرِيِّ.

وَعَلَى ذَلِكَ، فَمَتَى انْتَقَلَ الْحَقُّ لِلْوَرَثَةِ، فَهُمْ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءُوا اقْتَصُّوا، وَإِنْ شَاءُوا  عَفَوْا، وَإِذَا عَفَا أَحَدُهُمْ عَنْ حَقِّهِ فِي الْقِصَاصِ سَقَطَ حَقُّ الْبَاقِينَ فِيهِ، لأِنَّهُ لاَ يَتَجَزَّأُ، وَيَنْقَلِبُ نَصِيبُ الْبَاقِينَ مَالاً، وَلاَ يَكُونُ لِلْعَافِي شَيْءٌ مِنْهُ، وَلأِنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مَجَّانًا بِرِضَاهُ.

وَإِذَا انْقَلَبَ الْقِصَاصُ إِلَى مَالٍ بِعَفْوِ الْوَرَثَةِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَالَ يَكُونُ لِلْمَوْرُوثِ أَوَّلاً، فَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ، وَتَنْفُذُ مِنْهُ وَصَايَاهُ، وَمَا بَقِيَ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ.

وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ اخْتَارَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَهُوَ أَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْعَصَبَاتِ الذُّكُورِ مِنْ وَرَثَتِهِ خَاصَّةً، لأِنَّهُ ثَبَتَ لِدَفْعِ الْعَارِ، فَاخْتَصَّ بِهِ الْعَصَبَاتُ، كَوِلاَيَةِ النِّكَاحِ.

وَالثَّالِثُ: لأِبِي حَنيِفَةَ وَهُوَ أَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ مَوْرُوثًا عَنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ ثَابِتٌ ابْتِدَاءً لِلْوَرَثَةِ، لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ التَّشَفِّي وَدَرْكُ الثَّأْرِ، وَالْمَيِّتُ لاَ يَجِبُ لَهُ إِلاَّ مَا يَصْلُحُ لِحَاجَتِهِ مِنْ تَجْهِيزِهِ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ، وَالْقِصَاصُ لاَ يَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ وَقَعَتْ عَلَى وَرَثَتِهِ مِنْ وَجْهٍ، لاِنْتِفَاعِهِمْ بِحَيَاتِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَأْنِسُونَ بِهِ وَيَنْتَصِرُونَ، وَيَنْتَفِعُونَ بِمَالِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلِذَا وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً، لِحُصُولِ التَّشَفِّي لَهُمْ وَلِوُقُوعِ الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّهِمْ، لاَ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَيِّتِ ثُمَّ يَنْتَقِلَ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ التَّوَارُثُ كَمَا فِي سَائِرِ حُقُوقِهِ، وَلَكِنْ إِذَا انْقَلَبَ ذَلِكَ الْحَقُّ مَالاً، فَإِنَّهُ يَصِيرُ عِنْدَئِذٍ مَوْرُوثًا، لأِنَّ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ حَقًّا لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً إِنَّمَا كَانَ لِضَرُورَةِ عَدَمِ صُلُوحِهِ لِحَاجَةِ الْمَيِّتِ، فَإِذَا انْقَلَبَ مَالاً بِالصُّلْحِ عَلَيْهِ أَوِ الْعَفْوِ إِلَى الدِّيَةِ - وَالْمَالُ يَصْلُحُ لِحَوَائِجِ الْمَيِّتِ مِنَ التَّجْهِيزِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا - ارْتَفَعَتِ الضَّرُورَةُ، وَصَارَ الْوَاجِبُ كَأَنَّهُ هُوَ الْمَالُ، إِذِ الْخُلْفُ إِنَّمَا يَجِبُ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الأْصْلُ، فَيَثْبُتُ الْفَاضِلُ عَنْ حَوَائِجِ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ خِلاَفَةً لاَ أَصَالَة.

أَمَّا حَقُّ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُورَثُ عَنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَلاَ يَسْقُطُ بِوَفَاتِهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ، وَثُبُوتُهُ لِوَرَثَتِهِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ عَنْهُ لاَ ابْتِدَاءً وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ عَنِ الإْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ فِي الأْطْرَافِ لاَ يَنْتَقِلُ إِلَى الْوَرَثَةِ إِلاَّ إِذَا طَالَبَ بِهِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُطَالِبْ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ وَيَنْتَهِي بِوَفَاتِهِ.

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / الخامس والأربعون ، الصفحة / 5

وَكَالَة

التَّعْرِيفُ:

1- الْوَكَالَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي اللُّغَةِ: الْحِفْظُ، وَمِنْهُ الْوَكِيلُ، فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْحَافِظِ، وَمِنْهُ التَّوَكُّلُ، يُقَالُ: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا، أَيْ فَوَّضْنَا أُمُورَنَا.

وَالتَّوْكِيلُ: تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ إِلَى الْغَيْرِ، وَسُمِّيَ الْوَكِيلُ وَكِيلاً؛ لأِنَّ مُوَكِّلَهُ قَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِهِ فَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَيْهِ الأْمْرُ .

وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ، «اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِتَعْرِيفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

فَعَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا: إِقَامَةُ الْغَيْرِ مَقَامَ نَفْسِهِ - تَرَفُّهًا أَوْ عَجْزًا - فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ .

وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهَا: نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ - غَيْرِ ذِي إِمْرَةٍ وَلاَ عِبَادَةٍ - لِغَيْرِهِ فِيهِ، غَيْرَ مَشْرُوطٍ بِمَوْتِهِ .

وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهَا: تَفْوِيضُ شَخْصٍ مَا لَهُ فِعْلُهُ مِمَّا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ إِلَى غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ فِي حَيَاتِهِ .

وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا: اسْتِنَابَةُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ مِثْلَهُ فِيمَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ .

 الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ

أ- النِّيَابَةُ:

3- النِّيَابَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَابَ الشَّيْءُ نَوْبًا: قَرُبَ، وَنَابَ عَنْهُ نِيَابَةً قَامَ مَقَامَهُ .

وَالنِّيَابَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: قِيَامُ الإْنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ بِفِعْلِ أَمْرٍ .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالنِّيَابَةِ أَنَّ النِّيَابَةَ أَعَمُّ مِنَ الْوَكَالَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَفِي قَوْلٍ إِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ .

ب- الْوِلاَيَةُ:

3-الْوِلاَيَةُ فِي اللُّغَةِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: الْقُدْرَةُ، وَالنُّصْرَةُ، وَالتَّدْبِيرُ.

وَوَلِيُّ الْيَتِيمِ: الَّذِي يَلِي أَمْرَهُ وَيَقُومُ بِكِفَايَتِهِ.

وَوَلِيُ الْمَرْأَةِ: الَّذِي يَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا، وَلاَ يَدَعُهَا تَسْتَبِدُّ بِهِ دُونَهُ .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْوِلاَيَةُ تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْوِلاَيَةِ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نِيَابَةٌ، وَلَكِنَّ الْوَكَالَةَ نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، أَمَّا الْوِلاَيَةُ فَنِيَابَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَوْ إِجْبَارِيَّةٌ.

ج-  الإْيصَاءُ:

4-الإْيصَاءُ فِي اللُّغَةِ، مَصْدَرُ أَوْصَى، يُقَالُ: أَوْصَى فُلاَنًا، وَأَوْصَى إِلَيْهِ: جَعَلَهُ وَصِيَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِهِ وَمَالِهِ وَعِيَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: إِقَامَةُ الإْنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالإْيصَاءِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، وَلَكِنَّ الْوَكَالَةَ تَكُونُ أَثْنَاءَ الْحَيَاةِ، أَمَّا الإْيصَاءُ فَبَعْدَ الْوَفَاةِ.

د- الْقِوَامَةُ:

5-الْقِوَامَةُ فِي اللُّغَةِ: الْقِيَامُ عَلَى الأْمْرِ أَوِ الْمَالِ، أَوْ وِلاَيَةُ الأْمْرِ .

وَاسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الْقِوَامَةِ فِي مَعَانٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، مِنْهَا:

وِلاَيَةٌ يُفَوِّضُهَا الْقَاضِي إِلَى شَخْصٍ رَاشِدٍ بِأَنْ يَتَصَرَّفَ لِمَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ فِي تَدْبِيرِ شُئُونِهِ الْمَالِيَّةِ.

وَمِنْهَا: وِلاَيَةٌ يَسْتَحِقُّهَا الزَّوْجُ عَلَى زَوْجَتِهِ .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْقَوَامَةِ، أَنَّ الْوَكَالَةَ نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، أَمَّا الْقِوَامَةُ فَقَدْ تَكُونُ قَضَائِيَّةً وَقَدْ تَكُونُ شَرْعِيَّةً.

مَشْرُوعِيَّةُ الْوَكَالَةِ:

6- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ جَائِزَةٌ وَمَشْرُوعَةٌ . 

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَالإْجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ.

أَمَّا الْقُرْآنُ: فَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) . وَذَاكَ كَانَ تَوْكِيلاً، وَقَدْ قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ بِلاَ نَكِيرٍ .

وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) .. فَهَذِهِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الرَّأْيِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْحَكَمَ وَكِيلٌ عَنِ الزَّوْجَيْنِ .

أَمَّا السُّنَّةُ: فَمِنْهَا مَا وَرَدَ «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم  أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَجَاءَ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» .

فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .

«وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم  بَعَثَهُ لِيَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَأُرْبِحَ فِيهَا دِينَارًا فَاشْتَرَى أُخْرَى مَكَانَهَا، فَجَاءَ بِالأْضْحِيَّةِ  وَالدِّينَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم ، فَقَالَ: ضَحِّ بِالشَّاةِ وَتَصَدَّقْ بِالدِّينَارِ» . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي شِرَاءِ الأْضْحِيَّةِ  وَتَقْسِيمِهَا وَالتَّصَدُّقِ بِالْمَالِ .

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: «أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ: إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ» .

فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، وَأَنَّ لِلإْمَامِ أَنْ يُوكِلَ وَيُقِيمَ عَامِلاً عَلَى الصَّدَقَةِ فِي قَبْضِهَا وَدَفْعِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَإِلَى مَنْ يُرْسِلُهُ إِلَيْهِ بِأَمَارَةٍ .

وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلاَلٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلاَلٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» .

فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي النِّكَاحِ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ .

أَمَّا الإْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ وَمَشْرُوعِيَّتِهَا مُنْذُ عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَلأِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِعْلُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا .

قَالَ قَاضِي زَادَهْ: لأِنَّ الإْنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الأْحْوَالِ، بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا أَوْ رَجُلاً ذَا وَجَاهَةٍ لاَ يَتَوَلَّى الأْمُورَ بِنَفْسِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُوكِلَ غَيْرَهُ، فَلَوْ لَمْ يَجُزِ التَّوْكِيلُ لَزِمَ الْحَرَجُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ بِالنَّصِّ .

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .

أَرْكَانُ الْوَكَالَةِ:

7-ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ الْوَكَالَةِ هِيَ: الصِّيغَةُ، وَالْعَاقِدَانِ (الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ، وَمَحَلُّ الْعَقْدِ) الْمُوَكَّلُ فِيهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُكْنَ الْوَكَالَةِ هُوَ: الإْيجَابُ وَالْقَبُولُ، لأِنَّ وُجُودَ هَذَا الرُّكْنِ يَسْتَلْزِمُ بِالضَّرُورَةِ وُجُودَ الرُّكْنَيْنِ الآْخَرَيْنِ، وَهَذَا طِبْقًا لِلْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي الْعَقْدِ .

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (عَقْد ف 5 وَمَا بَعْدَهَا).

الرُّكْنُ الأْوَّلُ: الصِّيغَةُ:

8 - الصِّيغَةُ هِيَ الإْيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَيُعَبَّرُ بِهِمَا عَنِ التَّرَاضِي الَّذِي هُوَ رُكْنٌ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الأْخْرَى.

وَالْوَكَالَةُ عَقْدٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ فَافْتَقَرَ إِلَى رِضَاهُمَا.

وَلِلتَّفْصِيلِ فِي تَعْرِيفِ الصِّيغَةِ وَحَقِيقَتِهَا وَأَنْوَاعِهَا وَأَحْكَامِهَا يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (صِيغَة ف 5 وَمَا بَعْدَهَا، وَعَقْد ف 6 - 27).

أَوَّلاً: الإْيجَابُ:

تَعْرِيفُهُ:

9- ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الإْيجَابَ هُوَ مَا صَدَرَ مِنَ الْمَالِكِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَالإْيجَابُ هُنَا كُلُّ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْمُوَكِّلِ وَيَدُلُّ عَلَى إِذْنِهِ بِالتَّوْكِيلِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإْيجَابَ هُوَ مَا صَدَرَ أَوَّلاً مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى رَغْبَتِهِ فِي إِنْشَاءِ الْعَقْدِ .

بِمَ يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ:

يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْوَكَالَةِ سَوَاءٌ بِاللَّفْظِ، أَوْ بِالْكِتَابَةِ أَوْ بِالرِّسَالَةِ أَوْ بِالإْشَارَةِ مِنَ الأْخْرَسِ أَوْ بِغَيْرِهَا.

أ- الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ:

10 - يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ الدَّالِّ عَلَى مَعْنَى الْوَكَالَةِ كَوَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ. 

كَمَا يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الإْذْنِ بِالتَّوْكِيلِ، كَأَنْ يَأْمُرَ الْمُوَكِّلُ وَكِيلَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ؛ أَيْ يَقُولَ لَهُ: أَذِنْتُ لَكَ فِي فِعْلِهِ، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ فِعْلَ كَذَا، أَوْ: أَنَبْتُكَ فِيهِ، أَوْ أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِيهِ .

وَذَلِكَ «لأِنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم  وَكَّلَ عُرْوَةَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيَّ فِي شِرَاءِ شَاةٍ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ،» وَلأِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) . وَلأِنَّ أَيَّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الإْذْنِ يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِ الْمُوَكِّلِ: وَكَّلْتُكَ .

وَلأِنَّ الشَّخْصَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ غَيْرِهِ إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَالرِّضَا يَكُونُ بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ عِبَارَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا .

وَالإْيجَابُ بِاللَّفْظِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُضُورِ الْوَكِيلِ مُشَافَهَةً، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي غِيَابِ الْوَكِيلِ مُرَاسَلَةً.

الْمَسْأَلَةُ الأْولَى: الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ عِنْدَ حُضُورِ الْوَكِيلِ مُشَافَهَةً:

 11- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ بِلَفْظِ: وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كَذَا، أَوْ: أَنَبْتُكَ فِيهِ، أَوْ: أَذِنْتُ لَكَ فِيهِ، أَوْ: أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِي كَذَا، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ .

كَمَا يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الإْيجَابَ يَتَحَقَّقُ بِلَفْظِ الأْمْرِ، مِثْلَ: بِعْهُ، أَوْ: أَعْتِقْهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِانْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِمِثْلِ هَذِهِ الأْلْفَاظِ، حَيْثُ قَالُوا: الْوَكَالَةُ لاَ تَخْتَصُّ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إِرْسَالٍ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ .

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: تَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا كَوَكَّلْتُكَ وَأَشْبَاهِهِ، رَوَى بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: أَحْبَبْتُ أَنْ تَبِيعَ دَارِي هَذِهِ، أَوْ: هَوَيْتُ، أَوْ: رَضِيتُ، أَوْ: شِئْتُ، أَوْ: أَرَدْتُ، فَذَاكَ تَوْكِيلٌ وَأَمْرٌ بِالْبَيْعِ .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: سَأُوَكِّلُكَ، لَمْ يَصِحَّ، لأِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أُوَكِّلُكَ، لأِنَّهُ مَوْعِدٌ.

كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: قَدْ عَوَّلْتُ عَلَيْكَ، فَلاَ يَصِحُّ عَقْدُ الْوَكَالَةِ، لاِحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ مُعَوِّلاً عَلَى رَأْيِهِ أَوْ مَعُونَتِهِ أَوْ نِيَابَتِهِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: قَدِ اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، أَوِ اسْتَكْفَيْتُ، أَوْ إِلَى مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنَ الأْلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ، لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهَا إِلاَّ أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهَا أَحَدَ الأْلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ فِي التَّوْكِيلِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ فِي غِيَابِ الْوَكِيلِ مُرَاسَلَةً:

12-صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الإْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَنْعَقِدُ بِالرِّسَالَةِ.

وَصُورَةُ التَّوْكِيلِ بِالرِّسَالَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهَا الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لآِخَرَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ لِفُلاَنٍ وَلْيَبِعْهُ، أَوْ يَقُولَ: اذْهَبْ إِلَى فُلاَنٍ وَأَخْبِرْهُ أَنْ يَبِيعَ مَالِي الْفُلاَنِيَّ الَّذِي عِنْدَهُ، وَبَاعَ الآْخَرُ الْمَالَ بَعْدَ بُلُوغِ هَذَا الْخَبَرِ إِلَيْهِ، كَانَتِ الْوَكَالَةُ وَالْبَيْعُ صَحِيحَيْنِ.

كَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَ أَحَدٌ شَخْصًا غَائِبًا بِأَمْرٍ مَا فَبَلَّغَهُ أَحَدٌ خَبَرَ الْوَكَالَةِ وَقَبِلَ الآْخَرُ، انْعَقَدَتِ الْوَكَالَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْبِرُ عَادِلاً أَمْ مَسْتُورَ الْحَالِ، أَمْ كَانَ غَيْرَ عَادِلٍ، وَسَوَاءٌ أَأَعْطَى الْخَبَرَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَمْ أُخْبِرَ بِهِ رِسَالَةً مِنْ طَرَفِ الآْمِرِ، وَسَوَاءٌ أَصَدَّقَ الْغَائِبُ هَذَا الْخَبَرَ أَمْ كَذَّبَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّخْصُ وَكِيلاً فِي الأْحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ .

ب- الإْيجَابُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ:

مِنْ صُوَرِ إِيجَابِ الْوَكَالَةِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ مَا يَأْتِي:

الصُّورَةُ الأْولَى: الْكِتَابَةُ:

13- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَتَحَقَّقُ بِالْخَطِّ أَوِ الْكِتَابَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، لأِنَّ الْكِتَابَةَ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى.

وَمَثَّلَ الْحَنَفِيَّةُ بِذَلِكَ بِمَا لَوْ أَرْسَلَ أَحَدٌ لآِخَرَ غَائِبٍ كِتَابًا مُعَنْوَنًا وَمَرْسُومًا بِتَوْكِيلِهِ إِيَّاهُ بِأَمْرٍ مَا، وَقَبِلَ الآْخَرُ الْوَكَالَةَ، انْعَقَدَتْ .

انْظُرْ مُصْطَلَحَ (عَقْد ف 13).

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الإْشَارَةُ:

14 -ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ إِشَارَةَ الأْخْرَسِ الْمَفْهُومَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَقَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ فِي تَحَقُّقِ إِيجَابِ الْوَكَالَةِ بِهَا .

وَلِلتَّفْصِيلِ فِي شُرُوطِ الاِعْتِدَادِ بِالإْشَارَةِ. (ر: إِشَارَة ف 5، عَقْد ف 15).

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْفِعْلُ:

15- صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الإْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَتِمُّ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَى الإْذْنِ .

حَيْثُ دَلَّ كَلاَمُ الْقَاضِي عَلَى انْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِفِعْلٍ دَالٍّ كَبَيْعٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الشَّيْخِ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ، كَالْقَبُولِ .

وَبِهَذَا يَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ إِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِانْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِالْفِعْلِ، فَقَدْ قَالَ الْخِرَشِيُّ: الْوَكَالَةُ لاَ تَخْتَصُّ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إِرْسَالٍ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ .

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: مَا يَدُلُّ فِي الْعَادَةِ عَلَى اعْتِبَارِهِ إِيجَابًا:

16- يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الإْيجَابَ فِي الْوَكَالَةِ قَدْ يَتَحَقَّقُ بِمُوجِبِ الْعَادَةِ كَتَصَرُّفِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فِي مَالِهَا وَهِيَ عَالِمَةٌ سَاكِتَةٌ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَكَالَةِ.

وَكَمَا إِذَا كَانَ رَيْعٌ بَيْنَ أَخٍ وَأُخْتٍ وَكَانَ الأْخُ يَتَوَلَّى كِرَاءَهُ وَقَبْضَهُ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ دَفَعَ لأِخْتِهِ مَا يَخُصُّهَا فِي الْكِرَاءِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: لأِنَّهُ وَكِيلٌ بِالْعَادَةِ .

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَكُونُ السُّكُوتُ إِيجَابًا فِي الْوَكَالَةِ، فَلَوْ رَأَى أَجْنَبِيًّا يَبِيعُ مَالَهُ فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَكُنْ وَكِيلاً عَنْهُ بِسُكُوتِهِ، وَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، لأِنَّهُ لاَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ .

ثَانِيًا: الْقَبُولُ:

الْقَبُولُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِاللَّفْظِ أَوْ بِغَيْرِ اللَّفْظِ.

أ- الْقَبُولُ بِاللَّفْظِ:

17- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ يَتَحَقَّقُ بِاللَّفْظِ، كَمَا لَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لآِخَرَ: قَدْ وَكَّلْتُكَ بِهَذَا الأْمْرِ، فَقَالَ لَهُ الْوَكِيلُ: قَبِلْتُ، أَوْ قَالَ كَلاَمًا آخَرَ غَيْرَ لَفْظِ قَبِلْتُ، مُشْعِرًا بِالْقَبُولِ، فَإِنَّ الْقَبُولَ يَصِحُّ وَتَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ .

وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ قَبُولَ الْوَكِيلِ لَفْظًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الرَّدِّ، فَلَوْ رَدَّ الْوَكِيلُ الْوَكَالَةَ بَعْدَ الإْيجَابِ بِأَنْ قَالَ: لاَ أَقْبَلُ أَوْ لاَ أَفْعَلُ، فَلاَ يَبْقَى حُكْمِ الإْيجَابِ، وَلاَ تَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ قَبِلَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُجَدِّدِ الإْيجَابَ وَالْقَبُولَ .

ب- الْقَبُولُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِالْقَبُولِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ، وَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

الصُّورَةُ الأْوْلَى: الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ:

18- لِلْفُقَهَاءِ فِي قَبُولِ الْوَكَالَةِ بِالْفِعْلِ ثَلاَثَةَ آرَاءٍ:

الأْوَّلُ: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي أَصَحِّ الأَْوْجُهِ - وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْقَبُولَ يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَلَ الْوَكِيلُ مَا أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ بِفِعْلِهِ لأِنَّ الَّذِينَ وَكَّلَهُمُ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم  لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ سِوَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَلأِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فَجَازَ الْقَبُولُ فِيهِ بِالْفِعْلِ كَأَكْلِ الطَّعَامِ.

وَجَاءَ فِي شَرْحِ مَجَلَّةِ الأْحْكَامِ  الْعَدْلِيَّةِ: يَكُونُ الإْيجَابُ صَرَاحَةً وَالْقَبُولُ دَلاَلَةً، فَلَوْ لَمْ يَتَكَلَّمِ الْوَكِيلُ شَيْئًا بِنَاءً عَلَى إِيجَابِ الْمُوَكِّلِ، وَحَاوَلَ إِجْرَاءَ ذَلِكَ الأْمْرِ الْمُوكَّلِ بِهِ، فَيَكُونُ قَدْ قَبِلَ الْوَكَالَةَ دَلاَلَةً وَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ صَحِيحًا .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْقَبُولَ لاَ يَتَحَقَّقُ بِالْفِعْلِ وَلاَ بُدَّ لِتَحَقُّقِهِ مِنَ اللَّفْظِ .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ إِلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ إِنْ أَتَى بِصِيغَةِ أَمْرٍ كَقَوْلِهِ: بِعْ وَاشْتَرِ، يَتِمُّ الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ اللَّفْظُ.

أَمَّا إِذَا كَانَ الإْيجَابُ بِصِيغَةِ عَقْدٍ، كَوَكَّلْتُكَ، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ فَلاَ بُدَّ فِي الْقَبُولِ مِنَ اللَّفْظِ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ بِالْفِعْلِ إِلْحَاقًا لِصِيَغِ الْعَقْدِ بِالْعُقُودِ وَالأْمْرِ بِالإْبَاحَةِ  .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَبُولُ بِالْكِتَابَةِ:

19 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَبُولَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَصِحُّ بِالْكِتَابَةِ الْمُسْتَبِينَةِ الْمُعَنْوَنَةِ .

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْقَبُولُ بِالإْشَارَةِ:

20 - يَصِحُّ الْقَبُولُ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ بِإِشَارَةِ الأْخْرَسِ الْمَعْلُومَةِ الْمَفْهُومَةِ .

وَلِلتَّفْصِيلِ فِي شُرُوطِ الْعَمَلِ بِالإْشَارَةِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِشَارَة ف 5، عَقْد ف 15).

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ الْقَبُولُ بِالسُّكُوتِ:

21- صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ سُكُوتَ الْوَكِيلِ قَبُولٌ وَيَرْتَدُّ بِرَدِّهِ .

تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنِ الإْيجَابِ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ:

22- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ قَبُولُ الْوَكِيلِ فَوْرَ صُدُورِ الإْيجَابِ مِنَ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ يَنْعَقِدُ.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإْيجَابِ:

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ قَبُولُ الْوَكَالَةِ عَلَى التَّرَاخِي، لأِنَّ قَبُولَ وُكَلاَئِهِ صلي الله عليه وسلم  كَانَ بِفِعْلِهِمْ وَكَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ تَوْكِيلِهِ إِيَّاهُمْ، وَلأِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، وَالإْذْنُ قَائِمٌ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ الْمُوَكِّلُ، فَأَشْبَهَ الإْبَاحَةَ.

وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ كَوْنَ الْقَبُولِ عَلَى التَّرَاخِي بِمَا إِذَا لَمَّ يَتَعَيَّنْ زَمَانُ الْعَمَلِ الَّذِي وَكَّلَ فِيهِ، فَإِنْ تَعَيَّنَ زَمَانُهُ وَخِيفَ فَوَاتُهُ، كَانَ قَبُولُ الْوَكَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ.

وَكَذَا لَوْ عَرَضَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ عِنْدَ ثُبُوتِهَا عِنْدَهُ صَارَ قَبُولُهَا عَلَى الْفَوْرِ أَيْضًا .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ قَبُولَ الْوَكَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ، فَلاَ يَصِحُّ إِذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإْيجَابِ بِالزَّمَانِ الطَّوِيلِ، لأِنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، فَكَانَ الْقَبُولُ فِيهِ عَلَى الْفَوْرِ كَالْبَيْعِ .

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا يَرْجِعُ إِلَى اعْتِبَارِ الْقَصْدِ وَالْعَوَائِدِ، هَلِ الْمُرَادُ فِي هَذِهِ الأْلْفَاظِ اسْتِدْعَاءُ الْجَوَابِ فَوْرًا فَإِنْ تَأَخَّرَ سَقَطَ حُكْمُ الْخِطَابِ؟ أَوِ الْمُرَادُ اسْتِدْعَاءُ الْجَوَابِ مُعَجَّلاً أَوْ مُؤَجَّلاً؟ .

 

الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ: الْعَاقِدَانِ:

وَهَمَّا الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ:

أَوَّلاً: الْمُوَكِّلُ:

31- الْمُوَكِّلُ: هُوَ مَنْ يُقِيمُ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ، وَتَلْزَمُهُ الأْحْكَامُ  .

وَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنَ الْمَجْنُونِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالنَّائِمِ، وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مُطْلَقًا مَهْمَا كَانَ نَوْعُ التَّصَرُّفِ مَحَلِّ الْوَكَالَةِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَأْتِي:

أ- تَوْكِيلُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ:

32- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي تَصَرُّفَاتٍ نَافِعَةٍ لَهُ نَفْعًا مَحْضًا.

كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَوْكِيلِهِ فِيمَا كَانَ ضَارًّا ضَرَرًا مَحْضًا.

أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ بِحَسَبِ أَصْلِ وَصْفِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيلِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِيهَا.

فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا تَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ.

قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَكَالَةُ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لاَ يُعْتَبَرُ لَهُ الْبُلُوغُ كَتَصَرُّفِ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَوْكِيلَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بَاطِلٌ .

ب- تَوْكِيلُ السَّفِيهِ:

33 - لاَ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فِيمَا لاَ يَسْتَقِلُّ بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، أَمَّا مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ .

انْظُرْ مُصْطَلَحَ (سَفَه ف 30).

ج- تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ:

34- لاَ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لأِنَّهَا لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا فَلاَ تُوَكَّلُ فِيهِ وَإِنَّمَا وَلِيُّهَا الَّذِي يُزَوِّجُهَا.

وَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ .

وَانْظُرِ التَّفْصِيلَ فِي (نِكَاح ف 109).

د- تَوْكِيلُ الْمُرْتَدِّ:

35- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْكِيلِ الْمُرْتَدِّ لِغَيْرِهِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْلُ الأْوَّلُ: الْوَكَالَةُ مِنَ الْمُرْتَدِّ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى عَوْدَتِهِ إِلَى الإْسْلاَمِ  عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ) فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَتْ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا بَطَلَتْ. وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: يَرَى الصَّاحِبَانِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ وَكَالَةَ الْمُرْتَدِّ لِغَيْرِهِ صَحِيحَةٌ وَنَافِذَةٌ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ يَجُوزُ تَوْكِيلُهَا بِالاِتِّفَاقِ لأِنَّ تَصَرُّفَاتِهَا نَافِذَةٌ.

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ تَوْكِيلَ الْمُرْتَدِّ بَاطِلٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ اسْتَوْجَهَهُ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ. وَقَالَ الشَّبْرَامَلْسِيُّ: هُوَ الْمُعْتَمَدُ .

هـ - تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ:

36- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَوْكِيلُ مُسْلُمٍ ذِمِّيًّا فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَشِرَائِهِمَا؛ لأِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَمْلِكَ الْمُوَكِّلُ نَفْسَ التَّصَرُّفِ الَّذِي يُوَكِّلُ فِيهِ الْغَيْرَ. وَالْمُسْلِمُ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْخَمْرِ أَوِ الْخِنْزِيرِ بِالْبَيْعِ أَوِ الشِّرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَفَاقِدُ الشَّيْءِ لاَ يُعْطِيهِ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى صِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؛ إِذْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ أَهْلِيَّةُ أَدَاءٍ تُخَوِّلُ لَهُ حَقَّ تَوْكِيلِ الْغَيْرِ فِيمَا يُوَكِّلُهُ فِيهِ .

و- تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ:

37- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيلِ الْمُحْرِمِ لِحَلاَلٍ فِي النِّكَاحِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ لِحَلاَلٍ فِي النِّكَاحِ يَعْقِدُهُ لَهُ حَالَ إِحْرَامِ الْمُوَكِّلِ، لأِنَّهُ لاَ يُبَاشِرُهُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ فِي الزَّوَاجِ مُطْلَقًا، لأِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ فَجَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ .

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 73).

ز- جَهَالَةُ الْمُوَكِّلِ:

38- نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْوَكِيلُ مُوَكِّلَهُ بِأَنْ قِيلَ لَهُ: وَكَّلَكَ زَيْدٌ وَلَمْ يُنْسَبْ لَهُ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مِنْ وَصْفِهِ أَوْ شُهْرَتِهِ مَا يُمَيِّزُهُ .

ثَانِيًا- الْوَكِيلُ:

39- الْوَكِيلُ هُوَ الْمَعْهُودُ إِلَيْهِ تَنْفِيذُ الْوَكَالَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيلِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُوَكِّلِ مِنَ الْعَقْلِ، فَلاَ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ .

وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الأْمُورِ الآْتِيَةِ فِي الْوَكِيلِ:

أ- الْبُلُوغُ:

40- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ فِي الْوَكِيلِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ .

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ، أَيْ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْعُقُودِ، فَيَعْرِفُ أَنَّ الشِّرَاءَ جَالِبٌ لِلْمَبِيعِ وَسَالِبٌ لِلثَّمَنِ، وَالْبَيْعَ عَلَى عَكْسِهِ، وَيَعْرِفُ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ مِنَ الْيَسِيرِ وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَالرِّبْحِ لاَ الْهَزْلَ.

وَقَالُوا: إِنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إِلَى الْوَكِيلِ إِذَا كَانَ بَالِغًا، أَمَّا إِذَا كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَرْجِعُ إِلَى الْمُوكِّلِ لاَ إِلَى الْوَكِيلِ. كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ .

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيلُ الْمُمَيِّزِ وَتَوَكُّلُهُ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لاَ يُشْتَرَطُ لَهُ الْبُلُوغُ، كَتَصَرُّفِ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ .

وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ . بِمَا وَرَدَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  لَمَّا خَطَبَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ، فَقَالَ صلي الله عليه وسلم : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلاَ غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ ابْنِ أُمِّ سَلَمَةَ: قُمْ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم ، فَزَوَّجَهُ وَكَانَ صَبِيًّا» .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ؛ لأِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَلاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَلاَ يَمْلِكُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ لأِنَّهُ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَمْ يَمْلِكْهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ .

ب - تَعْيِينُ الْوَكِيلِ:

41- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مُعَيَّنًا، فَإِذَا كَانَ مَجْهُولاً بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، فَلَوْ قَالَ شَخْصٌ: وَكَّلْتُ أَحَدَ النَّاسِ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ لِجَهَالَةِ الْوَكِيلِ وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ.

وَقَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: مِنَ التَّوْكِيلِ الْمَجْهُولِ قَوْلُ الدَّائِنِ لِمَدْيُونِهِ: مَنْ جَاءَكَ بِعَلاَمَةِ كَذَا، وَمَنْ أَخَذَ أُصْبُعَكَ، أَوْ قَالَ لَكَ كَذَا، فَادْفَعْ مَا لِي عَلَيْكَ إِلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لأِنَّهُ تَوْكِيلُ مَجْهُولٍ، فَلاَ يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ .

ج- عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ:

42- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ لِصِحَّتِهَا.

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْعِلْمُ بِالتَّوْكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ شَرْطٌ بِلاَ خِلاَفٍ، إِمَّا عِلْمُ الْوَكِيلِ وَإِمَّا عِلْمُ مَنْ يُعَامِلُهُ، حَتَّى لَوْ وَكَّلَ رَجُلاً بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ الْوَكِيلُ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ عِلْمِهِ وَعِلْمِ الرَّجُلِ بِالتَّوْكِيلِ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُجِيزَهُ الْمُوَكِّلُ أَوِ الْوَكِيلُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْوَكَالَةِ.

وَأَمَّا عِلْمُ الْوَكِيلِ عَلَى التَّعْيِينِ بِالتَّوْكِيلِ فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ؟ ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَذُكِرَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.

وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: اذْهَبْ بِثَوْبِي هَذَا إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يَبِيعَهُ، أَوِ اذْهَبْ إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يَبِيعَكَ ثَوْبِي الَّذِي عِنْدَهُ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ إِذْنٌ مِنْهُ لِفُلاَنٍ فِي بَيْعِ ذَلِكَ الثَّوْبِ، إِنْ أَعْلَمَهُ الْمُخَاطَبُ بِمَا قَالَهُ الْمَالِكُ جَازَ بَيْعُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.

وَلَوْ قَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا الثَّوْبِ إِلَى الْقَصَّارِ حَتَّى يَقْصُرَهُ، أَوْ إِلَى الْخَيَّاطِ حَتَّى يَخِيطَهُ قَمِيصًا، فَهُوَ إِذْنٌ مِنْهُ لِلْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ حَتَّى لاَ يَصِيرَ ضَامِنًا بِعَمَلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: انْطَلِقِي إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يُطَلِّقَكِ، فَطَلَّقَهَا فُلاَنٌ وَلَمْ يَعْلَمْ يَقَعُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرْخَسِيِّ فِي بَابِ مَا تَقَعُ بِهِ الْوَكَالَةُ.

وَعِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ شَرْطُ عَمَلِ الْوَكَالَةِ حَتَّى إِنَّ مَنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ أَوْ بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ وَالْوَكِيلُ لاَ يَعْلَمُ فَطَلَّقَ أَوْ بَاعَ، لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلاَ طَلاَقُهُ. هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله تعالي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. فَإِذَا وَكَّلَ إِنْسَانًا لاَ يَصِيرُ وَكِيلاً قَبْلَ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ .

وَقَالُوا: إِذَا كَانَ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالتَّوْكِيلِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ، أَوْ كَتَبَ الْمُوَكِّلُ بِذَلِكَ كِتَابًا إِلَيْهِ فَبَلَغَهُ وَعَلِمَ مَا فِيهِ، أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولاً فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ رَجُلاَنِ، أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ - صَارَ وَكِيلاً بِإِجْمَاعِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ صَارَ وَكِيلاً أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ لاَ يَكُونُ وَكِيلاً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَكُونُ وَكِيلاً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ دَارِهِ وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ بِالتَّوْكِيلِ فَبَاعَهَا نَفَذَ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، لأِنَّ الاِعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الأْمْرِ .

وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الأْظْهَرِ، حَيْثُ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ مَالِ غَيْرِهِ ظَاهِرًا إِنْ بَانَ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ وِلاَيَةً كَوَكِيلٍ أَوْ وَصِيٍّ، اعْتِبَارًا فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الأْمْرِ لِعَدَمِ حَاجَتِهَا إِلَى النِّيَّةِ. وَقَالُوا: يَحْرُمُ عَلَى الْوَكِيلِ تَعَاطِي هَذَا التَّصَرُّفِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِأَنَّ لَهُ وِلاَيَةً عَلَيْهِ .

د- عَدَالَةُ الْوَكِيلِ:

43- لاَ تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْوَكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ اشْتَرَطُوا فِي عُقُودٍ مُعَيَّنَةٍ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ أَوِ الْوَلِيُّ عَدْلاً، وَمِنْهَا عَقْدُ النِّكَاحِ، حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْوَلِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلِلتَّفْصِيلِ (ر: نِكَاح ف 7، وَفِسْق ف 14).

هـ - ذُكُورَةُ الْوَكِيلِ:

44- لَمْ يَشْتَرِطِ الْفُقَهَاءُ ذُكُورَةَ الْوَكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ إِلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمُ اشْتَرَطَ كَوْنَ الْوَكِيلِ رَجُلاً فِي بَعْضِ الْعُقُودِ، وَمِنْهَا النِّكَاحُ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 107).

الرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ: مَحَلُّ الْوَكَالَةِ:

45- مَحَلُّ الْوَكَالَةِ: هُوَ التَّصَرُّفُ الْمَأْذُونُ فِيهِ مِنَ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ بِمَلِكٍ أَوْ وِلاَيَةٍ.

وَقَدْ نَصَّ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ لِمَحَلِّ الْوَكَالَةِ شُرُوطًا ثَلاَثَةً:

أ- أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، لأِنَّهَا لاَ تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ.

ب- أَنْ يَكُونَ قَابِلاً لِلنِّيَابَةِ.

ج- أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُوَكِّلُ حَالَ التَّوْكِيلِ .

أَنْوَاعُ الْوَكَالَةِ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا:

تَتَنَوَّعُ الْوَكَالَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ: إِلَى وَكَالَةٍ خَاصَّةٍ، وَوَكَالَةٍ عَامَّةٍ.

الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ:

46- الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ هِيَ مَا كَانَ إِيجَابُ الْمُوَكِّلِ فِيهَا خَاصًّا بِتَصَرُّفٍ مُعَيَّنٍ، كَأَنْ يُوَكِّلَ إِنْسَانٌ آخَرَ فِي أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلاَّ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ، بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

الْوَكَالَةُ الْعَامَّةُ:

47- الْوَكَالَةُ الْعَامَّةُ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً فِي كُلِّ شَيْءٍ، كَأَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ يَقُولَ لَهُ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ الْعَامَّةِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ الْعَامِّ فِي الْجُمْلَةِ . وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ. فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ قَالَ: أَنْتَ وَكِيلِي بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، يَكُونُ وَكِيلاً بِحِفْظٍ لاَ غَيْرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ جَائِزٌ أَمْرُكَ، يَصِيرُ وَكِيلاً فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي طَلاَقٍ وَعِتَاقٍ وَوَقْفٍ، فَقِيلَ: يَمْلِكُ ذَلِكَ لإِطْلاَقِ تَعْمِيمِ اللَّفْظِ، وَقِيلَ: لاَ يَمْلِكُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا دَلَّ دَلِيلُ سَابِقَةِ الْكَلاَمِ وَنَحْوِهِ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ.

وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ جَائِزٌ أَمْرُكَ، مَلَكَ الْحِفْظَ وَالْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَيَمْلِكُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ حَتَّى إِذَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ جَازَ حَتَّى يُعْلَمَ خِلاَفُهُ مِنْ قَصْدِ الْمُوَكِّلِ، وَعَنِ الإْمَامِ  أَبِي حَنِيفَةَ تَخْصِيصُهُ بِالْمُعَاوَضَاتِ وَلاَ يَلِي الْعِتْقَ وَالتَّبَرُّعَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَكَذَا لَوْ قَالَ طَلَّقْتُ امْرَأَتَكَ وَوَهَبْتُ وَوَقَفْتُ أَرْضَكَ، فِي الأْصَحِّ لاَ يَجُوزُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالْمُعَاوَضَاتِ لاَ بِالإِْعْتَاقِ وَالْهِبَاتِ، وَبِهِ يُفْتَى ا.هـ.

وَفِي الْخُلاَصَةِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَكِيلَ وَكَالَةً عَامَّةً يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ الطَّلاَقَ وَالْعَتَاقَ وَالْوَقْفَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَمْلِكَ الإْبْرَاءَ وَالْحَطَّ عَنِ الْمَدْيُونِ لأِنَّهُمَا مِنْ قَبِيلِ التَّبَرُّعِ وَأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَرَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى، وَهَلْ لَهُ الإْقْرَاضُ وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ. فَإِنَّهُمَا بِالنَّظَرِ إِلَى الاِبْتِدَاءِ تَبَرُّعٌ فَإِنَّ الْقَرْضَ عَارِيَّةٌ ابْتِدَاءً، مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِبَةٌ ابْتِدَاءً مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَمْلِكَهُمَا الْوَكِيلُ بِالتَّوْكِيلِ الْعَامِّ لأِنَّهُ لاَ يَمْلِكُهُمَا مَنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَاتِ، وَلِذَا لاَ يَجُوزُ إِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَالَ الْيَتِيمِ وَلاَ هِبَتُهُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَإِنْ كَانَتْ مُعَاوَضَةً فِي الاِنْتِهَاءِ.

وَظَاهِرُ الْعُمُومِ أَنَّهُ يَمْلِكُ قَبْضَ الدَّيْنِ وَاقْتِضَاءَهُ وَإِيفَاءَهُ وَالدَّعْوَى بِحُقُوقِ الْمُوَكِّلِ وَسَمَاعَ الدَّعْوَى بِحُقُوقٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَالأْقَارِيرِ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِالدُّيُونِ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي، لأِنَّ فِي ذَلِكَ بِالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لاَ فِي الْعَامِّ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُطْلَقَةً عَامَّةً، فَهَلْ يَتَنَاوَلُ الطَّلاَقَ وَالْعَتَاقَ وَالتَّبَرُّعَاتِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُهَا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، لأِنَّ مِنَ الأْلْفَاظِ مَا صَرَّحَ قَاضِيخَانَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ عَامٌّ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا بِعَدَمِهِ .

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: وَكَّلْتُكَ، لأِنَّهُ لاَ يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى شَيْءٍ بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ لِلْوَكِيلِ الأْمْرَ بِأَنْ يَقُولَ: وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً، أَوْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِي، أَوْ: أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِي أُمُورِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِذَا فَوَّضَ لَهُ فَيَمْضِي وَيَجُوزُ النَّظَرُ وَهُوَ الصَّوَابُ، أَيْ مَا فِيهِ تَنْمِيَةُ الْمَالِ لاَ غَيْرُهُ، وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ تَنْمِيَةُ الْمَالِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، إِلاَّ أَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ: وَيَمْضِي مِنْكَ غَيْرُ النَّظَرِ، فَيَمْضِي إِنْ وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ابْتِدَاءً فَلَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ رَدُّهُ، وَلاَ تَضْمِينُ الْوَكِيلِ.

وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ النَّظَرِ مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَلاَ تَبْذِيرٍ. وَقَالُوا: لاَ يَمْضِي عَنِ الْوَكِيلِ طَلاَقُ زَوْجَةِ الْمُوَكِّلِ، وَإِنْكَاحُ بِكْرِهِ، وَبَيْعُ دَارِ سُكْنَاهُ فِي كُلٍّ مِنَ النَّظَرِ وَغَيْرِهِ؛ لأِنَّ هَذِهِ الأْمُورَ لاَ تَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْوَكَالَةِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْوَكِيلُ بِإِذْنٍ خَاصٍّ .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ الْعَامَّ لاَ يَصِحُّ . فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ حَيْثُ يَقِلُّ مَعَهُ الْغَرَرُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لِي، أَوْ فِي كُلِّ أُمُورِي، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كُلَّ شَيْءٍ، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فَتَصَرَّفْ كَيْفَ شِئْتَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَعَظِيمِ الْخَطَرِ، وَإِنْ قَالَ وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ أَمْوَالِي وَقَبْضِ دُيُونِي وَاسْتِيفَائِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، صَحَّ وَإِنْ جَهِلَ الأْمْوَالَ  وَالدُّيُونَ وَمَنْ هِيَ عَلَيْهِ .

إِثْبَاتُ الْقِصَاصِ وَاسْتِيفَاؤُهُ:

أ- إِثْبَاتُ الْقِصَاصِ:

65- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، لأِنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الآْدَمِيِّ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى التَّوْكِيلِ فِيهِ.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِ الْقِصَاصِ وَلاَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فِيهِ إِلاَّ مِنَ الْمُوَكِّلِ، لأِنَّ التَّوْكِيلَ إِنَابَةٌ وَشُبْهَةٌ يُتَحَرَّزُ عَنْهَا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ .

ب- اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ:

66 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِيهِ، لأِنَّ كُلَّ مَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا، وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الاِسْتِيفَاءِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا، لأِنَّهُ قَدْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الاِسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّوْكِيلِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الاِسْتِيفَاءِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا، لأِنَّ احْتِمَالَ الْعَفْوِ قَائِمٌ، لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَعَفَى، فَلاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مَعَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْعَدِمٌ حَالَةَ حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ .

تَاسِعًا إِثْبَاتُ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاؤُهَا:

67- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَائِهَا عَلَى رَأْيَيْنِ:

الرَّأْيُ الأْوَّلُ: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَائِهَا تَفْصِيلٌ، فَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإْثْبَاتِ وَالاِسْتِيفَاءِ.

أَمَّا فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ لِقَوْلِهِ صلي الله عليه وسلم .. «وَاغَدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ»  فَقَدْ وَكَّلَهُ فِي إِثْبَاتِ حَدِّ الزِّنَا وَاسْتِيفَائِهِ.

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْهُمْ: لاَ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي إِثْبَاتِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَعَلَّلُوا عَدَمَ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَدْ أُمِرْنَا فِيهِ بِالدَّرْءِ وَالتَّوَصُّلِ إِلَى إِسْقَاطِهِ، وَبِالتَّوْكِيلِ يُتَوَصَّلُ إِلَى إِيجَابِهِ فَلَمْ يَجُزْ.

وَأَمَّا إِثْبَاتُ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ حَدِّ الْقَذْفِ فَقَدْ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِي إِثْبَاتِهِ كَالْمَالِ .

وَأَمَّا فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ لِحَدِيثِ أُنَيْسٍ، «وَلأِنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم  أَمَرَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ فَرَجَمُوهُ» .

وَوَكَّلَ عُثْمَانُ عَلِيًّا فِي إِقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَوَكَّلَ عَلِيٌّ الْحَسَنَ فِي ذَلِكَ فَأَبَى الْحَسَنُ، فَوَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَأَقَامَهُ وَعَلَيٌّ يَعُدُّ .

وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ كُلِّهَا فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ حَدِّ الْقَذْفِ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ لاِحْتِمَالِ الْعَفْوِ .

الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: بِالإْثْبَاتِ، وَالثَّانِي: بِالاِسْتِيفَاءِ.

أَمَّا التَّوْكِيلُ بِالإْثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ حَدًّا لاَ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْخُصُومَةِ كَحَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِالإْثْبَاتِ، لأِنَّهُ يَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الإْقْرَارِ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ.

وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْخُصُومَةِ كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لأِنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الإْثْبَاتِ وَالاِسْتِيفَاءِ وَهُوَ أَنَّ امْتِنَاعَ التَّوْكِيلِ فِي الاِسْتِيفَاءِ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ فِي التَّوْكِيلِ بِالإْثْبَاتِ.

وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لاَ يَجُوزُ وَلاَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فِيهِمَا إِلاَّ مِنَ الْمُوَكِّلِ؛ لأِنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِالاِسْتِيفَاءِ، فَكَذَا بِالإْثْبَاتِ، لأِنَّ الإْثْبَاتَ وَسِيلَةٌ إِلَى الاِسْتِيفَاءِ.

أَمَّا التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ حَدَّيِ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ أَوِ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ حَاضِرًا وَقْتَ الاِسْتِيفَاءِ جَازَ التَّوْكِيلُ، لأِنَّ وِلاَيَةَ الاِسْتِيفَاءِ إِلَى الإْمَامِ  وَأَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى الاِسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

أَمَّا إِنْ كَانَ غَائِبًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ، لأِنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لاِحْتِمَالِ الْعَفْوِ وَالصُّلْحِ وَأَنَّهُ لاَ يَحْتَمِلُهُمَا.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يَجُوزُ لأِنَّهُ إِنْ كَانَ لاَ يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَالصُّلْحَ، فَيَحْتَمِلُ الإْقْرَارَ وَالتَّصْدِيقَ .

أحكام الوكالة : 

للوكالة أحكام منها ما يتعلق بالوكيل ومنها ما يتعلق بالموكل ومنه ما يتعلق بالغير .

الْقِسْمُ الأْوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ مِنْ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ:

- تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ أَحْكَامٌ، مِنْهَا:

الأْوَّلُ: أَنْ يَقُومَ الْوَكِيلُ بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ الَّتِي أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ بِهَا أَوِ الَّتِي قَيَّدَهُ الشَّرْعُ أَوِ الْعُرْفُ بِالْتِزَامِهَا.

الثَّانِي: مُوَافَاةُ الْمُوَكِّلِ بِالْمَعْلُومَاتِ الضَّرُورِيَّةِ وَتَقْدِيمُ حِسَابٍ عَنِ الْوَكَالَةِ.

الثَّالِثُ: رَدُّ مَا لِلْمُوَكِّلِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ .

تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ فِي الْحَقِّ:

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لاَ يَمْلِكُ الْمُصَالَحَةَ عَنِ الْحَقِّ، وَلاَ الإْبْرَاءَ مِنْهُ، لأِنَّ الإْذْنَ فِي الْخُصُومَةِ لاَ يَقْتَضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ أَنَّ يَبِيعَ وَلاَ أَنْ يَهِبَ، لأِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَيْسَتْ مِنَ الْخُصُومَةِ، بَلْ هِيَ ضِدُّ الْخُصُومَةِ قَاطِعَةٌ لَهَا، وَالأْمْرُ بِالشَّيْءِ لاَ يَتَضَمَّنُ ضِدَّهُ.

كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُؤَجِّلَ الْحَقَّ .

تَكْيِيفُ وَكَالَةِ مَنْ يُوَكِّلُهُ الْوَكِيلُ:

134 - تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنٍ مِنَ الْمُوَكِّلِ صَرَاحَةً، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ صَرِيحٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ أَصْلاً.

135 - فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ بِالإْذْنِ صَرَاحَةً فَإِنَّهُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيلُ بِقَوْلِ الْمُوَكِّلِ: (وَكِّلْ عَنِّي)، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَوْلِهِ: (وَكِّلْ عَنْكَ)، أَوْ بِقَوْلِهِ: (وَكِّلْ).

فَإِنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ: وَكِّلْ عَنِّي، أَوْ وَكِّلْ وَلِيِّ أَوْ فَوِّضْ إِلَيْهِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ، لِوُجُودِ الرِّضَا حِينَئِذٍ بِرَأْيِ غَيْرِهِ أَيْضًا، فَلاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِعَزْلِ الْوَكِيلِ الأْوَّلِ وَلاَ بِمَوْتِهِ لأِنَّ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ لَيْسَ وَكِيلاً لِلْوَكِيلِ، وَيَنْعَزِلاَنِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ الأْوَّلَ لاَ يَمْلِكُ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ يَمْلِكُ الْوَكِيلُ الأْوَّلُ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: يَكُونُ الثَّانِي وَكِيلَ الْوَكِيلِ .

أَمَّا إِنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: «وَكِّلْ عَنْكَ» فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْوَكِيلِ عَمَلاً بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ فَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ الأْوَّلِ وَمَوْتِهِ.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ لِلْوَكِيلِ الأْوَّلِ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي نَظَرًا لِجِهَةِ وَكَالَتِهِ لَهُ. َنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي لأِنَّهُ فَرْعُ فَرْعِهِ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَيْسَ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِ وَكِيلِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ فَيَأْخُذُ حُكْمَ الصُّورَةِ السَّابِقَةِ .

أَمَّا إِنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: «وَكِّلْ» وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي وَلاَ عَنْكَ، أَوْ «فَوِّضْ».

فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَكُونُ الثَّانِي وَكِيلَهُ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ لاَ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ وَلاَ بِمَوْتِهِ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الأْصَحِّ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْوَكِيلِ .

136 - أَمَّا التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ صَرِيحٍ مِنَ الْمُوَكِّلِ فَيُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا وَكَّلَ الْوَكِيلُ فِيمَا لاَ يَتَوَلاَّهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ لاَ يُحْسِنُهُ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْهُ لِكَثْرَتِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْوَكِيلِ .

137 - أَمَّا التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ أَصْلاً فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ لأِنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفَ دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ، وَلأِنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الآْرَاءِ.

وَيَرَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ - وَابْنُ أِبِي لَيْلَى صِحَّةَ التَّوْكِيلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَيَكُونُ الْوَكِيلُ الثَّانِي وَكِيلَ الْوَكِيلِ .

 

 

انْتِهَاءُ الْوَكَالَةِ:

تَنْتَهِي الْوَكَالَةُ بِأُمُورٍ مِنْهَا:

أَوَّلاً: الْعَزْلُ:

170 - لَمَّا كَانَتِ الْوَكَالَةُ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لأِيٍّ مِنَ الطَّرَفَيْن إِنْهَاؤُهَا، فَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ مِنْهَا وَيَنْهَاهُ عَنِ التَّصَرُّفِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، كَمَا أَنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ مِنْهَا أَيْضًا، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ .

غَيْرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ مِنَ الْمُوَكِّلِ الشُّرُوطُ التَّالِيَةُ:

الشَّرْطُ الأْوَّلُ: عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ:

171 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعَزْلَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، فَلاَ يَلْزَمُ حُكْمُهُ إِلاَّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِنَّهُ لَوِ انْعَزَلَ قَبْلَ عِلْمِهِ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، لأِنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَتَقَعُ بَاطِلَةً. وَبِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ مُوَكِّلِهِ، وَلاَ يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ قَبْلَ عِلْمِهِ كَالْفَسْخِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ، فَلَوْ تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بَعْدَ الْعَزْلِ فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ، لأِنَّ الْعَزْلَ رَفْعُ عَقْدٍ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى رِضَا صَاحِبِهِ، فَلاَ يَفْتَقِرُ عَلَى عِلْمِهِ كَالطَّلاَقِ .

172 - وَيَتِمُّ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ- عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ- بِأُمُورٍ مِنْهَا:

أ- أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا الْعَزْلَ.

ب- إِذَا كَانَ الْوَكِيلُ غَائِبًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُوَكِّلُ كِتَابَ الْعَزْلِ، فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ وَعَلِمَ بِمَا فِيهِ. لأِنَّ الْكِتَابَ مِنَ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنَ الْحَاضِرِ.

جـ- لَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُوَكِّلُ رَسُولاً فَبَلَّغَهُ الرِّسَالَةَ، وَقَالَ لَهُ: فُلاَنٌ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وَيَقُولُ: إِنِّي عَزَلْتُكَ عَنِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ، كَائِنًا مَا كَانَ الرَّسُولُ، عَدْلاً كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. لأِنَّ الرَّسُولَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسَلِ مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ عَنْهُ، فَتَصِحُّ سِفَارَتُهُ بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ عِبَارَتُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ.

د- لَوْ أَخْبَرَ الْوَكِيلَ بِالْعَزْلِ رَجُلاَنِ عَدْلاَنِ كَانَا أَوْ غَيْرُ عَدْلَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ يَنْعَزِلُ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ. سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْوَكِيلُ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إِذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ، لأِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلاَتِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلاً فَخَبَرُ الْعَدْلَيْنِ أَوِ الْعَدْلِ أَوْلَى.

وَإِنْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ يَنْعَزِلُ بِاتِّفَاقِهِمْ أَيْضًا.

أَمَّا إِنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ حَتَّى وَإِنْ ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ. لأِنَّ الإِْخْبَارَ عَنِ الْعَزْلِ لَهُ شَبَهُ الشَّهَادَةِ، لأِنَّ فِيهِ الْتِزَامَ حُكْمِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَهُوَ الْعَزْلُ، وَهُوَ لُزُومُ الاِمْتِنَاعِ عَنِ التَّصَرُّفِ وَلُزُومُ الْعُهْدَةِ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بَعْدَ الْعَزْلِ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُ أَحَدِ شُرُوطِهَا وَهُوَ الْعَدَالَةُ أَوِ الْعَدَدُ.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الإِخْبَارَ عَنِ الْعَزْلِ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلاَتِ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ وَلاَ الْعَدَالَةُ كَمَا فِي الإْخْبَارِ فِي سَائِرِ الْمُعَامَلاَتِ .

وَقَالَ النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قُلْنَا لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ حَتَّى يَبْلُغَهُ خَبَرُ عَزْلِهِ فَالْمُعْتَبَرُ خَبَرُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتِهِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْفَاسِقِ . الشَّرْطُ الثَّانِي: عَدَمُ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِالْوَكَالَةِ:

173 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ عَزْلِ الْوَكِيلِ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ.

فَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقُّ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْعَزْلُ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ، لأِنَّ فِي الْعَزْلِ إِبْطَالَ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَلاَ سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَنْ رَهَنَ مَالَهُ عِنْدَ رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ وَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَجَعَلَ الْمُرْتَهِنَ أَوِ الْعَدْلَ مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِهِ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ عِنْدَ حِلِّ الأْجَلِ، فَعَزْلُ الرَّاهِنِ الْمُسَلَّطِ عَلَى الْبَيْعِ لاَ يَصِحُّ بِهِ عَزْلُهُ.

وَكَذَلِكَ إِذَا وَكَّلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَكِيلاً بِالْخُصُومَةِ مَعَ الْمُدَّعِي بِالْتِمَاسِ الْمُدَّعِي فَعَزَلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْمُدَّعِي لاَ يَنْعَزِلُ.

وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيمَنْ وَكَّلَ رَجُلاً بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ إِنْ غَابَ، ثُمَّ عَزَلَهُ الزَّوْجُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ غَابَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يَصِحُّ عَزْلُهُ، لأِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْوَكَالَةِ حَقُّ الْمَرْأَةِ فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ عَزْلُهُ لأِنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الطَّلاَقِ وَلاَ عَلَى التَّوْكِيلِ بِهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَيَمْلِكُ عَزْلَهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْوَكَالاَتِ .

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا قَالَ الْمُوَكِّلُ: عَزَلْتُ الْوَكِيلَ أَوْ رَفَعْتُ الْوَكَالَةَ، أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ أَخْرَجْتُهُ عَنْهَا، فَيَنْعَزِلُ، سَوَاءٌ ابْتَدَأَ تَوْكِيلَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ بِسُؤَالِ الْخَصْمِ، بِأَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا أَنْ يُوَكِّلَ فِي الطَّلاَقِ أَوِ الْخُلْعِ، أَوْ سَأَلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ أَنْ يُوَكِّلَ بِبَيْعِ الرَّهْنِ، أَوْ سَأَلَهُ خَصْمُهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخُصُومَةِ .

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَيْسَ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ إِذَا قَاعَدَ الْوَكِيلُ الْخَصْمَ ثَلاَثًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّوْكِيلُ لِعُذْرٍ أَمْ لاَ .

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَلاَّ تَقَعَ الْوَكَالَةُ عَلَى وَجْهِ الإْجَارَةِ :

174 - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِصِحَّةِ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ أَنْ لاَ تَكُونَ الْوَكَالَةُ قَدْ وَقَعَتْ عَلَى سَبِيلِ الإْجَارَةِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى سَبِيلِ الإْجَارَةِ  فَهِيَ لاَزِمَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. أَمَّا إِذَا وَقَعَتِ الْوَكَالَةُ عَلَى سَبِيلِ الْجَعَالَةِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي لُزُومِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ وَعَدَمِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (فَقْرَةِ 30).

أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْوَكَالَةُ عَلَى سَبِيلِ الإْجَارَةِ  أَوِ الْجَعَالَةِ فَيَرَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا لاَزِمَةٌ مِنْ جَانِبِ الْوَكِيلِ فَقَطْ، خِلاَفًا لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَبَق تَفْصِيلُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ صِفَةِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَلاَّ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْعَزْلِ مَفْسَدَةٌ:

175 - قَالَ الشَّرَوَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ عَلِمَ الْمُوَكِّلُ أَنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَزْلِ مَفْسَدَةٌ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ حَيْثُ جَوَّزْنَاهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ اسْتَوْلَى عَلَى مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ظَالِمٌ، أَوْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ مَاءٍ لِطُهْرِهِ، أَوْ ثَوْبٍ لِلسَّتْرِ بِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، أَوْ شِرَاءِ ثَوْبٍ لِدَفْعِ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ اللَّذَيْنِ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِمَا عِنْدَ عَدَمِ السَّتْرِ مَحْذُورٌ، تَيَمَّمَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ لاَ يَتَيَسَّرُ لَهُ ذَلِكَ، فَيَحْرُمُ الْعَزْلُ وَلاَ يَنْفُذُ .

عِلْمُ الْمُوَكِّلِ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ نَفْسَهُ:

176 - لَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عِلْمَ الْمُوَكِّلِ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ نَفْسَهُ مِنَ الْوَكَالَةِ، لأِنَّ فَسْخَ عَقْدِ الْوَكَالَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَحْتَاجُ لِلرِّضَا فِيهِ، وَمَا لاَ يَحْتَاجُ لِلرِّضَا فِيهِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْعِلْمِ فِيهِ كَذَلِكَ.

وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ أَوْ بِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، حَيْثُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ لِنَفْسِهِ عِلْمُ الْمُوَكِّلِ بِالْعَزْلِ .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ الْوَكِيلُ أَنَّهُ لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ فِي غَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ اسْتَوْلَى عَلَى الْمَالِ جَائِرٌ حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَزْلُ عَلَى الأْوْجَهِ كَالْمُوصِي، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ .

 

ثَانِيًا: الْوَفَاةُ:

177 - تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَذَلِكَ لأِنَّ الْمَوْتَ مُبْطِلٌ لأِهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُوَكِّلُ أَوِ الْوَكِيلُ بَطَلَتْ أَهْلِيَّتُهُ بِالْمَوْتِ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ.

وَلأِنَّ الْوَكِيلَ نَائِبٌ عَنِ الْمُوَكِّلِ فِي مَالِهِ، وَقَدِ انْتَقَلَ هَذَا الْمَالُ بِالْوَفَاةِ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَلاَ يَلْزَمُهُمْ مَا بَاعَ أَوِ اشْتَرَى .

عِلْمُ الْوَكِيلِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ:

178 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ حَتَّى تَبْطُلَ الْوَكَالَةُ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ حَتَّى يَصِحَّ الْعَزْلُ، لأِنَّهُ لَوِ انْعَزَلَ قَبْلَ عِلْمِهِ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، لأِنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَتَقَعُ بَاطِلَةً. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَتَى تَصَرَّفَ قَبْلَ عِلْمِهِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُتَعَاقِدُ مَعَ الْوَكِيلِ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهَا الْمُوَكِّلُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَتَعَاقَدُ مَعَ وَكِيلٍ بِأَنْ أَعْلَمَهُ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ إِلاَّ إِذَا عَلِمَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ، وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ لِصِحَّةِ الْعَزْلِ، وَلَكِنَّ الأْوَّلَ هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ.

أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُتَعَاقِدُ مَوْجُودًا بِالْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْمُوَكِّلُ، أَوْ كَانَ مَوْجُودًا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِالْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ إِلاَّ إِذَا عَلِمَ بِوَفَاةِ مُوَكِّلِهِ .

 

ثَالِثًا: الْجُنُونُ:

179 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ طُرُوءِ الْجُنُونِ عَلَى الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ عَلَى الْوَكَالَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ الْمُطْبَقِ، سَوَاءٌ طَرَأَ عَلَى الْوَكِيلِ أَوِ الْمُوَكِّلِ.

وَإِذَا جُنَّ الْوَكِيلُ أَوِ الْمُوَكِّلُ جُنُونًا مُطْبَقًا ثُمَّ أَفَاقَ لاَ تَعُودُ الْوَكَالَةُ.

وَحَدُّ الْجُنُونِ الْمُطْبَقِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِيهِ:

فَحَدَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِمَا يَسْتَوْعِبُ الشَّهْرَ وَبِهِ يُفْتِي، وَعَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِسُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِهِ، فَقُدِّرَ بِهِ احْتِيَاطًا، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي ذَلِكَ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الشَّهْرَ أَدْنَى مَا يَسْقُطُ بِهِ عِبَادَةُ الصَّوْمِ فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِهِ أَوْلَى، أَمَّا وَجْهُ حَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلِسُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِهِ فَقَدَّرَ بِهِ احْتِيَاطًا كَمَا ذَكَرْنَا.

وَحَدَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِمَا يَسْتَوْعِبُ السَّنَةَ، لأِنَّ الْمُسْتَوْعِبَ لِلسَّنَةِ هُوَ الْمُسْقِطُ لِلْعِبَادَاتِ كُلِّهَا فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِهِ أَوْلَى.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمُمْتَدِّ وَغَيْرِهِ.

قَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِخُرُوجِ الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ وَإِنْ زَالَ عَنْ قُرْبٍ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِجِنُونِهِ أَوْ جِنُونِ مُوَكِّلِهِ إِلاَّ أَنْ يَطُولَ جُنُونُ مُوَكِّلِهِ جِدًّا فَيَنْظُرَ لَهُ الْحَاكِمُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ: لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِجِنُونٍ لاَ يَمْتَدُّ بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ الْمُهِمَّاتُ وَيَخْرُجُ إِلَى نَصْبِ قَوَّامٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَرَدَ بِلَفْظِ قِيلَ: إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ .

رَابِعًا: الإْغْمَاء:

180 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ الإِْغْمَاءِ عَلَى الْوَكَالَةِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الأْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُلُ بِالإْغْمَاءِ، لأِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الإْنْسَانُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ إِلَى بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِإِغْمَاءِ الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ، إِلْحَاقًا لَهُ بِالْجُنُونِ، لأِنَّ الإْغْمَاءَ يَجْعَلُ الإْنْسَانَ غَيْرَ أَهْلٍ لِلْقِيَامِ بِالتَّصَرُّفَاتِ، فَتَبْطُلُ بِهِ الْوَكَالَةُ لِذَلِكَ .

خَامِسًا: الْحَجْرُ:

181 - الْحَجْرُ مِنْ أَسْبَابِ بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ.

وَلِلْفُقَهَاءِ مَنَاهِجُ مُخْتَلِفَةٌ فِي بَيَانِ آثَارِ الْحَجْرِ عَلَى الْوَكَالَةِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ.

وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ وَكَّلَ إِنْسَانًا فَحَجَرَ عَلَيْهِ بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ، لأِنَّ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ بَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ أَمْرِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَيَبْطُلُ الأْمْرُ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ.

وَخَصَّصَ الْحَنَفِيَّةُ بُطْلاَنَ الْوَكَالَةِ بِالْحَجْرِ عَلَى الْمُوَكِّلِ إِذَا كَانَ الْوَكِيلُ وَكِيلاً فِي الْعُقُودِ وَالْخُصُومَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَ وَكِيلاً فِي قَضَاءِ دَيْنٍ وَاقْتِضَائِهِ وَقَبْضِ وَدِيعَتِهِ فَلاَ يَنْعَزِلُ بِالْحَجْرِ.

وَقَالُوا: تَبْطُلُ وَكَالَةُ الوَكِيلِ بِالْحَجْرِ، عَلِمَ الْوَكِيلُ بِالْحَجْرِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ  

وصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْحَجْرِ لِسَفَهٍ، سَوَاءٌ طَرَأَ عَلَى الْوَكِيلِ أَوْ عَلَى الْمُوَكِّلِ، لأِنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى الْعَقْلِ وَعَدَمِ الْحَجْرِ، فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ انْتَفَتْ صِحَّتُهُ لاِنْتِفَاءِ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ.

وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِبُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ حَيْثُ كَانَتْ فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي اعْتُبِرَ لَهَا الرُّشْدُ، بِأَنْ كَانَتْ فِي شَيْءٍ لاَ يَتَصَرَّفُ فِي مِثْلِهِ السَّفِيهُ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ فِي شَيْءٍ يَسِيرٍ يَتَصَرَّفُ فِي مِثْلِهِ السَّفِيهُ بِدُونِ إِذْنٍ، أَوْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ فِي طَلاَقٍ أَوْ رَجْعَةٍ أَوْ فِي تَمَلُّكٍ مُبَاحٍ كَاسْتِقَاءِ مَاءٍ أَوِ احْتِطَابٍ، وَالَّذِي حُجِرَ عَلَيْهِ الْمُوَكِّلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، فَلاَ تَنْفَسِخُ .

وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِفَلَسِ الْمُوَكِّلِ فِيمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ كَالتَّصَرُّفِ فِي عَيْنِ مَالِهِ لاِنْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي تَصَرُّفٍ فِي الذِّمَّةِ .

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ حَجَرَ عَلَى الْوَكِيلِ لِفَلَسٍ فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا، لأِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلاً لِلتَّصَرُّفِ.

وَإِنْ حَجَرَ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَكَانَتِ الْوَكَالَةُ بِأَعْيَانِ مَالِهِ بَطَلَتْ لاِنْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِي أَعْيَانِ مَالِهِ. وَإِنْ كَانَتْ فِي الْخُصُومَةِ أَوِ الشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ أَوِ الطَّلاَقِ أَوِ الْخُلْعِ أَوِ الْقِصَاصِ فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا، لأِنَّ الْمُوَكِّلَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ، فَلاَ تَنْقَطِعُ الاِسْتِدَامَةُ .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْحَجْرِ عَلَى الْوَكِيلِ أَوْ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لاَ يَنْفُذُ مِنْهُمَا. وَاعْتَبَرُوا الْحَجْرَ فِي كِلاَ الْحَالَيْنِ فِي مَعْنَى الْجُنُونِ .

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِفَلَسِ الْمُوَكِّلِ الأْخَصِّ، لاِنْتِقَالِ الْمَالِ لِلْغُرَمَاءِ.  

وَالْمُرَادُ بِالْفَلَسِ الأْخَصِّ: هُوَ حُكْمُ الْحَاكِمُ بِخَلْعِ مَا بِيَدِ الْمُفْلِسِ لِغُرَمَائِهِ بِشُرُوطِهِ، بِأَنْ يَطْلُبَ الْغُرَمَاءُ تَفْلِيسَ الْمَدِينِ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ حَالًّا، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّيْنُ الْحَالُّ يَزِيدُ عَلَى مَا بِيَدِ الْمَدِينِ مِنَ الْمَالِ.

وَالْفَلَسُ الأْخَصُّ يَخْتَلِفُ عَنِ الْفَلَسِ الأْعَمِّ الَّذِي هُوَ مَنْعُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ وَلَوْ مُؤَجَّلاً- بِمَالِهِ مِنْ تَبَرُّعِهِ بِعِتْقٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ حِمَالَةٍ .

وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُلُ بِفَلَسِ الْمُوَكِّلِ الأْعَمِّ .

تَعَدِّي الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِتَعَدِّي الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ عَلَى آرَاءٍ:

الرَّأْيُ الأْوَّلُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِتَعَدِّي الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأِنَّ الْوَكِيلَ إِذَا تَصَرَّفَ فَقَدْ تَصَرَّفَ بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَدَّ.

كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ يَتَضَمَّنُ أَمَانَةً وَتَصَرُّفًا، فَإِذَا تَعَدَّى الْوَكِيلُ فِيهِ بَطَلَتِ الأْمَانَةُ، وَبَقِيَ التَّصَرُّفُ. كَالرَّهْنِ يَتَضَمَّنُ أَمَانَةً وَوَثِيقَةً، فَإِذَا تَعَدَّى فِيهِ بَطَلَتِ الأْمَانَةُ وَبَقِيَتِ الْوَثِيقَةُ.

الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَرَدَ بِلَفْظِ قِيلَ. إِلَى بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِالتَّعَدِّي مِنَ الْوَكِيلِ، لأِنَّهَا عَقْدُ أَمَانَةٍ فَتَبْطُلُ بِالتَّعَدِّي كَالْوَدِيعَةِ .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ هَذَا الْخِلاَفَ يَجْرِي فِيمَا إِذَا كَانَ التَّعَدِّي بِالْفِعْلِ، بِأَنْ كَانَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ أَوْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا.

أَمَّا إِذَا كَانَ التَّعَدِّي بِالْقَوْلِ كَمَا لَوْ بَاعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ- وَلَوْ بِسَلَمٍ - فَلاَ تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ جَزْمًا، لأِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَعَدَّ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ.

وَقَالَ الْمِرْدَاوِيُّ بَعْدَ سَرْدِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ: مُلَخَّصُهُ: إِنْ أَتْلَفَ الْوَكِيلُ بِتَعَدِّيهِ عَيْنَ مَا وُكِّلَ فِيهِ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُ مَا تَعَدَّى فِيهِ بَاقِيَةً لَمْ تَبْطُلْ .

الرَّأْيُ الثَّالِثُ: تَفْسُدُ الْوَكَالَةُ فِي الأْصَحِّ بِتَعَدِّي الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ، وَبِهَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ فِيمَا جَاءَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى.

وَذَلِكَ لأِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ مَعَ اسْتِئْمَانٍ، فَإِذَا زَالَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَزُلِ الآْخَرُ.

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: ظَاهِرُ كَلاَمِ كَثِيرٍ مِنَ الأْصْحَابِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ مِنَ الْوَكِيلِ تَقْتَضِي فَسَادَ الْوَكَالَةِ لاَ بُطْلاَنَهَا، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَيَصِيرُ مُتَصَرِّفًا بِمُجَرَّدِ الإْذْنِ .

إِنْجَازُ التَّصَرُّفِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ:

نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِلاَ عَزْلٍ بِنِهَايَةِ الشَّيْءِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دَيْنٍ فَقَبَضَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ فَزَوَّجَهُ .

الرُّجُوعُ عَنِ الْوَكَالَةِ دَلاَلَةً:

صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِدَلاَلَةِ رُجُوعِ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ.

وَمِنْ صُوَرِ رُجُوعِ الْمُوَكِّلِ دَلاَلَةً عَنِ التَّوْكِيلِ وَطْءُ الْمُوَكِّلِ زَوْجَةً وَكَّلَ فِي طَلاَقِهَا.

وَمِنْ صُوَرِ دَلاَلَةِ رُجُوعِ الْوَكِيلِ مَا إِذَا قَبِلَ الْوَكَالَةَ مِنْ مَالِكِ عَبْدٍ فِي عِتْقِهِ وَكَانَ قَدْ وَكَّلَهُ إِنْسَانٌ فِي شِرَائِهِ، فَإِنَّ قَبُولَ الْوَكَالَةِ فِي عِتْقِهِ يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنِ الْوَكَالَةِ الأْولَى فِي شِرَائِهِ .