loading

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

المذكرة الإيضاحية

 والمواد 122 - 129 ( أصبح المواد 90 و 91 و 94 و 95 و 96 و 97 و 99 من القانون ) أما المواد 93 و 98 و 100 فهي مواد جديدة لم ترد في مشروع الحكومة كما حذفت المادة 124 من المشروع لادماجها في المادة 95 من القانون خاصة بسلطة القاضي التحقيق في التفتيش وضبط الأشياء المتعلقة بالجريمة فأجيز لقاضي التحقيق أن يفتش في أي مكان محتمل أن يوجد فيه اشياء تفيد في كشف الحقيقة ويکفی تفتيش منزل المتهم أن يكون هناك اتهام قائم أما بالنسبة لمنزل غير المتهم فلا يجوز التفتيش إلا إذا اتضح من أمارات قوية أنه قد أخفيت فيه أشياء تفيد في كشف الحقيقة ويحصل التفتيش بحضور صاحب المنزل سواء أكان المتهم أم كان غير المتهم أم من ينيبه في ذلك وإلا فيجب أن يكون بحضور شاهد من اقاربه أو من القاطنين معه بالمنزل أو أحد الجيران - المادتان 122 و 87 -( أصبحت المادتان 92 و 51 من القانون واندمجت المادة 122 في المادة 92 من القانون وهي مادة جديدة لم تكن واردة في مشروع الحكومة ) وأجيز لقاضي التحقيق أن يفتش المتهم كما اجيز له أن يفتش غير المتهم اذا اتضحت له من أمارات قوية أنه يخفي أشياء تفيد في کشف الحقيقة وفي جميع الأحوال إذا كان المطلوب تفتيشه أنثى فلا يجوز مباشرة تفتيشها إلا بمعرفة أنثى يندبها قاضي التحقيق - المادتان 123 و 83 ( أصبحت المادتان 94 و 64 من القانون) .

ولقاضي التحقيق أن يضبط كل ما يفيد في كشف الحقيقة في أي مكان يوجد بما في ذلك الخطابات ونحوها في مكاتب البريد والرسائل التليفونية والتلغرافية مكاتب التلغراف والتليفونات والأوراق والنقود في والمؤسسات العمومية و الخصوصية - المواد 124 و 125 و 126 حذفت المادتان 124 و 126 لادماجها في المادة 25 من القانون أما المادة 135 فقد أصبحت م 95 من القانون ). وقد استثنى من ذلك الاوراق والمستندات التي يكون المتهم سلمها للمدافع عنه أو للخبير الاستشاري لإجراء المهمة التي عهد بها إليه فلا يجوز للقاضي ضبطهما وذلك تمكينا المتهم للمحامي او الخبير إلا إذا كان داخلاً في تكوين الجريمة ولهذا الاستثناء الأخير ما يبرره اذ آن مثل هذه الاشياء لا يصح أن يكون لها حرمة لأن السرية التي يجب احترامها لا يمكن أن تصل إلى حد حسم الجريمة - المادة 127 - ( أصبحت المادة 96 من القانون ) أما عن الحق في الاطلاع على الأوراق و المستندات التي أمر القاضي بضبطها فقد نصت المادة 128 ( أصبحت المادة 47 من القانون ) على أن للقاضي وحده الاطلاع عليها بحضور الحائز لها او المرسلة اليه كلما أمكن ذلك وذلك احتراماً للسرية وتيسيراً للتحقيق ولاحتمال أن تكون الأوراق المضبوطة كثيرة مما يستدعي فرزها شغل وقت القاضي فقد اجيز له عند الضرورة أن يكلف أحد الأعضاء النيابة العمومية يفرزها وبعد فحص هذه الأوراق فللقاضى أن يأمر بضمها إلى ملف القضية او ردها إلى صاحبها حسما ما يظهر من نتيجة الفحص ولاحتمال أن يكون في الأوراق المضبوطة ما يستدعي تبليغه لصاحب الشأن فيه لتحقيق مصلحة خاصة به فقد اوجب على القاضي اذا وجد في الأوراق المضبوطة عبارة أو عبارات لا فائدة للتحقيق من بقائها سرية تبليغ صورة منها لصاحبها في الوقت المناسب إذا كان له مصلحة في ذلك - المادة 128- ( أصبحت م 97 من القانون ) ولما كان من الأشياء التي يرى القاضي ضبطها أو الاطلاع عليها ما لا يمكن الحصول عليه إلا إذا قدمه من كان هذا الشئ في حيازته فقد أجازت المادة 129 ( أصبحت م 19 من القانون ) لقاضي التحقيق ان يأمر هذا الحائز بتقديمه كان مقتنعاً بوجود هذا الشئ لديه فإذا امتنع يعاقب بعقاب الشاهد الذي يمتنع عن أداء اليمين أو عن الاجابة إلا إذا كان في حالة من الأحوال التي يخوله القانون فيها الامتناع عن اداء الشهادة - المادة 129 - ( أصبحت م 99 من القانون ).

الأحكام

1- إختصاص مأمورى الضبطية القضائية مقصور على الجهات التى يؤدون فيها وظائفهم ، فإذا خرج المأمور عن دائرة إختصاصه لا تكون له سلطة ما و إنما يعتبر فرداً عادياً ، و هى القاعدة العامة لأداء كل وظيفة رسمية . و لا يغير من ذلك صدور إنتداب من النيابة المختصة إليه فى إجراء ذلك التفتيش إذ شرط صحة التفتيش الحاصل بناء على هذا الأذن أن يكون من إجراه من مأمورى الضبطية القضائية و هو لا يعتبر كذلك إذا ما خرج عن دائرة إختصاصه . إلا أنه متى إستوجبت ظروف التفتيش و مقتضياته متابعة الإجراءات و إمتدادها خارج تلك الدائرة أو كانت هناك ظروف إضطرارية مفاجئة أو حالة ضرورة دعت مأمور الضبط القضائي إلى مجاوزة حدود إختصاصه المكانى للقيام بواجبه المكلف به فإن هذا الإجراء منه أو من يندبه له تكون صحيحة .

(الطعن رقم 1874 لسنة 52 ق - جلسة 1982/06/15 س 33 ص 716 ق 148)

2- الفصل فيما إذا كان من قام بإجراء التفتيش قد التزم حده أو جاوز غرضه متعسفاً فى التنفيذ من الموضوع لا من القانون .

(الطعن رقم 3200 لسنة 57 ق - جلسة 1987/12/24 س 38 ع 2 ص 1139 ق 207)

 

شرح خبراء القانون

لقد فرق القانون بين ما إذا كان الشخص المراد تفتيشه هو المتهم أو غير - المتهم، فإن كان المتهم يكفي أن يكون هناك اتهام موجه إليه في جناية أو جنحة سواء بوصفه فاعلاً أصلياً أو شريكاً، فصدر المادة محل التعليق مطلق ويجري بأن لقاضي التحقيق أن يفتش المتهم". وإذا كان غير المتهم فيجب أن يصدر الإذن بالتفتيش من القاضي الجزئي بعد سماع أقوال من يراد تفتيشه إن رأى لزوماً لذلك. ويشترط أن تتوافر أمارات قوية على أنه حائز لأشياء تفيد في كشف الحقيقة يقدرها القاضي الجزئي تحت رقابة محكمة الموضوع، ويتعين أن تكون جدية وعلى شيء من الخطورة، فلا ينبغي أن تهدر حرية شخص غير متهم بتفتيشه لمجرد شبهات تقوم ضده.

وإذا كان التفتيش يجري ضد أنثى فيتعين أن يكون تفتيشها بمعرفة أنثى. وكما أن الرضاء بتفتيش المساكن يزيل البطلان، فالحال كذلك بالنسبة إلى الشخص، ويحدث كثيراً في العمل تفتیش عمال الشركات لدى مبارحتهم محل العمل.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الأول ، الصفحة : 729)

لقاضي التحقيق تفتيش شخص المتهم متى توافرت الشروط المنصوص عليها في القانون.

كما يجوز لقاضي التحقيق تفتیش شخص غير المتهم أو منزله متى اتضح توافر دلائل قوية على أنه يخفي أشياء تفيد في كشف الجريمة. ويلاحظ أيضاً أنه يجوز للنيابة أيضاً تفتیش شخص غير المتهم أو منزله بالشروط المنصوص عليها بالفقرة السابقة وذلك عند مباشرتها تحقيق جناية مما تختص بنظرة محكمة أمن الدولة العليا.

وقد نصت المادة (94) في نهايتها على أنه يراعي في التفتيش حكم الفقرة الثانية من المادة (46). وهي التي تنص على أنه إذا كان المتهم أنثى وجب أن يكون التفتيش بمعرفة أنثي يندبها لذلك مأمور الضبط القضائي.(المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الأول ، الصفحة:  943)

تفتيش الأشخاص هو إجراء من إجراءات التحقيق يقصد به ضبط ما يحوزه الشخص من أشياء تفيد في كشف الحقيقة .

وقد أجاز القانون السلطة التحقيق تفتيش المتهم كما أباح أيضاً تفتيش غير المتهم وتفتيش الشخص يشمل أيضاً تفتيش الأمتعة وذلك على التفصيل الآتي :

أولا - تفتيش شخص المتهم:

يجوز لسلطة التحقيق أياً كانت أي سواء أكانت النيابة العامة أم قاضی التحقيق تفتیش شخص المتهم أو ندب مأمور الضبط القضائي لذلك وكل ما يشترط بصدد ضبط أشياء تفيد في كشف الحقيقة .

ويلاحظ هنا أنه يجوز لسلطة التحقيق تفتيش شخص المتهم دون التقيد بأحوال القبض التي يجوز فيها لمأمور الضبط القضائى تفتيش المتهم بناء على جواز القبض عليه . فيكفي هنا أن يكون هناك اتهام موجه للشخص في جناية أو جنحة ترجحت نسبتها إلى المأذون بتفتيشه كما يجوز التفتيش حتى ولو كانت الجنحة معاقباً عليها بالغرامة فقط.

ويراعي في التفتيش هنا فقط القاعدة الخاصة بتفتيش الإناث فلا يجوز تفتيش الإناث إلا بمعرفة أنثى كما تراعي أيضاً القواعد الخاصة بضرورة المحافظة على آدمية الفرد وإنسانيته بعد التفتيش في الأماكن التي تمس تلك القيم .

ثانيا : تفتيش شخص غير المتهم.

أجاز المشرع تفتیش شخص غير المتهم وذلك إذا كان قاضي التحقيق هو الذي يباشر التحقيق ، فالمادة ، فالمادة 94 تنص على أن لقاضي التحقيق أن يفتش المتهم وله أن يفتش غير المتهم، والمقصود بذلك حالات تفتيش غير المتهم استقلالاً وبالتالي يخرج من نطاقها تفتيش من يتواجد مع المتهم

وإذا كانت النيابة العامة التي تباشر التحقيق فلا يجوز لها تفتیش شخص غير المتهم إلا بعد استئذان القاضي الجزئي (206)

وفي كلتا الحالتين لا يجوز التفتيش إلا بشرط قيام أمارات قوية على أن الشخص المراد تفتيشه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة .

ويلاحظ أن النيابة العامة تملك اختصاصات قاضي التحقيق في تحقيقها للجرائم الداخلة في اختصاص محاكم أمن الدولة العادية وكذلك الجرائم المنصوص عليها بالأوامر الصادرة بناء على قانون الطوارئ .

ثالثا : تفتيش الأشخاص أثناء تفتيش المنازل أو المتهمين :

في حالة القيام بتفتيش المنازل يجوز للمحقق أو مأمور الضبط المنتدب أن يفتش المتهم أو غير المتهم الذي يتواجد معه وذلك إذا ما قامت قرائن قوية على إخفائه أشياء تفيد في كشف الحقيقة وبالنسبة لغير المتهم لا يلزم هنا استئذان القاضي الجزئي إذا كانت النيابة العامة أو مأمور الضبط القضائي المنتدب من قبلها هو الذي يباشر التفتيش، باعتبار أن هذا الحق مخول لهما بمقتضى القانون وقاصر في الوقت ذاته على حالات التواجد مع المتهم.

يجوز التفتيش أيضاً لمن يتواجد مع المتهم إذا كان هناك إذن صادر بتفتيش شخص المتهم أياً كان مكان الضبط .

رابعا : تفتيش الأمتعة :

تأخذ الأمتعة حكم الشخص مادامت في حيازته . فلا يجوز تفتيش الأمتعة إلا إذا كان تفتیش شخص جائزاً، بشرط أن تكون هذه الأمتعة في حيازة الشخص المادية . فإذا كان قد تخلى عنها طواعية واختياراً جاز تفتيشها، وإذا كشف التفتيش عن جريمة متلبس بها كان صحيحاً منتجاً لآثاره. أما إذا كان التخلي قد وقع كرها عنه أو تحت تأثير التهديد والقبض أو التفتيش فإن حالة التلبس التي يكشف عنها شخص لا تتوافر قانوناً، إذ من الشروط التلبس أن يكون قد كشف عنه إجراء مشروع .

وإذا كانت الأمتعة تأخذ حكم لشخص فلا يجوز لسلطة التحقيق تفتيش المتعة إلا حيث يجوز تفتيش الشخص، وهو لا يكون إلا في حالتين: أولاً : هي الاتهام بجناية أو جنحة أياً كانت . ثانياً : هي وجود قرائن قوية على أن الشخص يخفي بها أشياء تفيد في كشف الحقيقة . وإذا كان التفتيش يباشر من مأمور الضبط بدون انتداب أو إذن من سلطة التحقيق فيلزم مراعاة الأحكام السابق بيانها بالنسبة الاختصاصات مأمور الضبط بتفتيش الأشخاص ويراعى أيضاً أنه إذا كان المتاع يتعلق بشخص غير المتهم فلا يجوز للنيابة العامة أن تباشر التفتيش أو تأمر به إلا بعد استئذان القاضي الجزئي أما قاضي التحقيق فله أن يباشره بشرط توافر القرائن القوية على إخفاء أشياء تتعلق بكشف الحقيقة .(الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الأول،  الصفحة 441)

ويقتضي البحث في تفتيش الأشخاص تحديد تكييفه القانوني وبيان شروطه، وتحديد السلطة المختصة بإجرائه، وبيان حالاته، ونطاقه.

تكييف تفتيش الأشخاص: تفتيش الشخص هو التنقيب عن دليل الجريمة في جسمه أو ملابسه أو ما يحمله وكل ما يتصل بشخصه، على نحو يستمد به حرمته من هذا الاتصال.

وتفتيش الأشخاص هو «عمل تحقيق»، شأنه في ذلك شأن تفتيش المساكن. وقد نصت المادة 41 من الدستور على أنه «لا يجوز تفتیش شخص» إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة .

ويترتب على وصف تفتيش الأشخاص بأنه عمل تحقيق النتائج التي ترتبت على وصف تفتيش المساكن بهذا الوصف: فلا يجوز أن تأمر به إلا سلطة التحقيق، ولا يجوز الأمر به إلا من أجل جريمة ارتكبت، ويؤمر به في نطاق التحقيق، ويجوز أن يكون الإجراء الذي يفتتح به التحقيق.

شروط تفتيش الأشخاص: يتعين أن تكون الجريمة التي يجري التفتيش من أجلها جناية أو جنحة. فلا يجوز إجراء التفتيش من أجل مخالفة. وهذا الشرط لم يرد النص عليه في المادة 94 من قانون الإجراءات الجنائية، ولكنه يستفاد من خطورة التفتيش ومساسه بحرمة الشخص، ومن ثم لا تبرره جريمة قليلة الجسامة، وبالإضافة إلى ذلك، فإنه لا يجوز تطلب هذا الشرط في تفتيش المساكن وإغفاله في تفتيش الأشخاص، ذلك أن حرمة الشخص أهم من حرمة المسكن.

ويشترط أن تكون الجريمة التي يجري تفتيش الشخص من أجلها قد ارتكبت، فلا يجوز التفتيش من أجل جريمة مستقبلة، ولو كان ارتكابها راجحة أو مؤكدة خلال وقت قصير.

ويشترط أن تتوافر «أمارات قوية» على أن الشخص الذي يؤمر بتفتيشه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة. وهذا الشرط متطلب، سواء أكان الشخص الذي يجري تفتيشه هو المتهم، أم شخص آخر تتوافر هذه الأمارات بالنسبة له. ويقدر المحقق هذه الأمارات ومدى كفايتها، وتراقب محكمة الموضوع تقديره، فإذا لم ترها كافية بطل التفتيش وما نتج عنه من دليل .

ويجب أن يعين الشخص الذي يؤمر بتفتيشه التعيين النافي للجهالة. وهذا الشرط تفرضه طبيعة إجراءات التحقيق، كما يفرضه الحرص على الحريات بضمان ألا يفتش شخص لا شأن له بالتنقيب عن أدلة الجريمة. وقد أجازت محكمة النقض أن يصدر الأمر بتفتيش المتهم ومن يتصادف وجودهم معه من أشخاص، على أساس احتمال غالب بأنهم شركاء له في جريمة وبذلك يكون أساس هذا التفتيش افتراض أن من تصادف وجوده مع المتهم هو بدوره متهم بالاشتراك معه .

ويتقيد التفتيش بالقاعدة التي نصت عليها المادة 50 من قانون الإجراءات الجنائية من حيث «عدم جواز التفتيش إلا للبحث عن الأشياء الخاصة بالجريمة الجاري جمع الاستدلالات أو حصول التحقيق بشأنها».

وإذا كان الشخص المطلوب تفتيشه أنثى، سواء أكان المتهم أم غيره، تعين أن يجري التفتيش أنثى يندبها لذلك المحقق. ويخضع هذا الندب للقواعد التي سلف تفصيلها بالنسبة لندب مأمور الضبط القضائي أنثى لتفتيش الأنثى التي يرى تفتيشها.

ولم يتطلب القانون تسبيب الأمر بتفتيش الشخص، على مثال ما تطلبه بالنسبة لتفتيش المسكن، وبناء على ذلك لم يكن من الشروط الشكلية لصحة الأمر بتفتيش الشخص تضمنه أسباب ذلك. ولكن تسبيب هذا الأمر مفترض ضمناً، إذ تطلب القانون - على ما تقدم - وجود أمارات قوية على أن الشخص الذي يؤمر بتفتيشه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة. وهذا الاشتراط تراقبه محكمة الموضوع، ويبطل التفتيش والضبط الذي ترتب عليه إذا لم تر المحكمة توافر هذه الأمارات.

السلطة المختصة بالأمر بتفتيش الشخص: هذه السلطة هي السلطة المختصة بالتحقيق، أي النيابة العامة وقاضي التحقيق. وبناء على ذلك، فلا يجوز أن يجريه مأمور الضبط القضائي من تلقاء نفسه، ولكن يجوز ندبه لذلك. وإذا ندب لذلك، كان عليه أن يباشره بنفسه، أو أن يباشره مرؤسوه تحت إشرافه المباشر.

وثمة فرق بين اختصاص قاضي التحقيق بتفتيش الشخص واختصاص النيابة العامة بذلك : فإذا كان قاضي التحقيق هو الذي يباشر التحقيق، فله أن يفتش المتهم، وله أن يفتش غيره «إذا اتضح من الأمارات القوية أنه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة».

أما إذا باشر التحقيق عضو النيابة العامة، فله استقلالاً أن يأمر بتفتيش المتهم، ولكن لا يجوز له أن يأمر بتفتيش غير المتهم «إلا بعد الحصول مقدماً على أمر مسبب بذلك من القاضي الجزئي بعد اطلاعه على الأوراق» المادة 206 من قانون الإجراءات الجنائية ويقتصر اختصاص القاضي الجزئي على مجرد إعطاء ذلك الأمر: فلا يجوز له أن يجري التفتيش بنفسه، ولا يجوز له أن يندب مأمور الضبط القضائي لإجرائه. ولا يجوز له أن يصدر هذا الأمر بناء على طلب مأمور الضبط القضائي، وإنما يتعين أن يكون ذلك بناء على طلب النيابة العامة.

حالات التفتيش: الحالة العادية للتفتيش هي حالة صدور الأمر به من المحقق، إذا اتضحت لديه أمارات قوية أن الشخص الذي يرى تفتيشه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة.

وثمة حالة ثانية للتفتيش إذا قبض على الشخص، فثمة ارتباط - على ما تقدم - بين القبض والتفتيش، فإذا جاز القبض على شخص جاز كذلك تفتيشه، وقد نصت المادة 46 من قانون الإجراءات الجنائية (في فقرتها الأولى) على أنه «في الأحوال التي يجوز فيها القبض قانوناً على المتهم يجوز لمأمور الضبط القضائي أن يفتشه».

ويجوز تفتيش الشخص في حالة ثالثة، استناداً إلى الارتباط بين تفتيش المسكن وتفتيش الشخص، فقد نصت المادة 49 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه «إذا قامت أثناء تفتيش منزل المتهم قرائن قوية ضد المتهم أو شخص موجود فيه على أنه يخفى معه شيئاً يفيد في كشف الحقيقة، جاز لمأمور الضبط القضائي أن يفتشه». وعلى الرغم من أن هذا النص ورد في شأن مأمور الضبط القضائي، إلا أنه يسري في شأن سلطة التحقيق، قياساً من باب أولى.

وفي النهاية، فإنه يجوز تفتيش الشخص استناداً إلى رضائه، بشرط أن تكون الإرادة التي يكشف الرضاء عنها إرادة مميزة وحرة. ويجوز أن يكون الرضاء ضمنياً، ولكن لا يجوز افتراضه، إذ لا يقين بوجود الرضاء المفترض .

نطاق تفتيش الشخص: أول ما ينصب عليه تفتيش الشخص هو ملابسه الخارجية والداخلية. وأعضاء جسمه الظاهر، كيده إذا كان يطبقها على شئ، وأعضاءه الباطنة، فيجوز استخراج محتوى معدته لتحليله ضبط المادة مخدرة يكون قد ابتلعها، ويجوز استخراج الشيء الذي يفيد في كشف الحقيقة من الموضع الحساس من جسمه الذي أخفى فيه ذلك الشئ، وقد يقتضي ذلك الاستعانة بخبرة طبية.

ويشمل التفتيش ما يحمله الشخص من أمتعة أو حقائب أو صناديق ويشمل كذلك الدابة التي يعتليها، وما تحمله على ظهرها من أمتعة، ويشمل كذلك السيارة الخاصة، إذ حرمتها مستمدة من حرمة حائزها، سواء أكان مالكها أو غيره الذي يحرزها  ويشمل التفتيش كذلك الأماكن الخاصة التي لا يصدق عليها تعريف «المسكن» كالمتجر و المكتب و العيادة.(الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة:  607 )

 

الفقه الإسلامي

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 65

مُتَّهَمٌ

التَّعْرِيفُ :

الْمُتَّهَمُ لُغَةً:

مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ وَالتُّهْمَةُ هِيَ: الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَاتَّهَمْتُهُ: ظَنَنْتُ بِهِ سُوءًا فَهُوَ تَهِيمٌ، وَاتُّهِمَ الرَّجُلُ اتِّهَامًا: أَتَى بِمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ :

- الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ دَعْوَى دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ وَالْمُدَّعِي: هُوَ مَنْ يَلْتَمِسُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ قِبَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُتَّهَمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ مِنْ أَحْكَامٍ :

تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا:

الْمُتَّهَمُ فِي الْجَرَائِمِ

لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ عَلَى الْمُتَّهَمِ بِالتُّهْمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَلَمْ يَكْتَمِلْ نِصَابُ الْحُجَّةِ، أَوِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعِيثُ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَقَالُوا: إِنَّ الْمُتَّهَمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بَلْ يُعَزَّرُ مُتَّهَمُهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ فَيُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ بِالْحَبْسِ، وَقَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَسَعُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.

(ر: تُهْمَةٌ ف 14).

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ وَلَهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ حَالُ اسْتِبْرَاءٍ تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ وَلَهَا عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا حَالُ اسْتِيفَاءٍ تُوجِبُهُ الأْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ.

فَأَمَّا حَالُهَا بَعْدَ التُّهْمَةِ وَقَبْلَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ النَّظَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ حَاكِمًا رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَدِ اتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَكُنْ لِتُهْمَةٍ بِهَا تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهُ لِكَشْفٍ وَلاَ اسْتِبْرَاءٍ وَلاَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَسْبَابِ الإْقْرَارِ إِجْبَارًا وَلَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إِلاَّ مِنْ خَصْمٍ مُسْتَحِقٍّ لِمَا قَرَفَ وَرَاعَى مَا يَبْدُو مِنْ إِقْرَارِ الْمَتْهُومِ أَوْ إِنْكَارِهِ إِنِ اتُّهِمَ بِالزِّنَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا وَيَصِفَ مَا فَعَلَهُ بِهَا بِمَا يَكُونُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَإِنْ أَقَرَّ حَدَّهُ بِمُوجِبِ إِقْرَارِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ وَكَانَتْ بَيِّنَةً سَمِعَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْلَفَهُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طَلَبَ الْخَصْمُ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَتْهُومُ أَمِيرًا كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَذَلِكَ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا : أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الإْمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِلدَّعْوَى الْمُقَرَّرَةِ وَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي الإْخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لاَ؟ فَإِنْ بَرَّءُوهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ خَفَّتِ التُّهَمَةُ وَوُضِعَتْ وَعَجَّلَ إِطْلاَقَهُ وَلَمْ يَغْلُظْ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرَّفُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَعَرَّفُوهُ بِأَشْبَاهِهِ غَلُظَتِ التُّهَمَةُ وَقَوِيَتْ وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا يُنَاسِبُهُ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ.

الثَّانِي : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ زِنًا وَكَانَ الْمَتْهُومُ مُطِيعًا لِلنِّسَاءِ ذَا فُكَاهَةٍ وَخَلاَبَةٍ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ، وَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارٌ لِضَرْبٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مُنَقِّبٌ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ أَيْضًا.

الثَّالِثُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُعَجِّلَ حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ لِذَلِكَ فَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَبْسَهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَجَاوَزُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَحْبِسُوا أَحَدًا إِلاَّ بِحَقٍّ وَجَبَ.

الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ أَنْ يَضْرِبَ الْمَتْهُومَ ضَرْبَ التَّعْزِيرِ لاَ ضَرْبَ الْحَدِّ لِيَأْخُذَ بِالصِّدْقِ عَنْ حَالِهِ فِيمَا قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يَكُنْ لإِقْرَارِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ حُكْمٌ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ وَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالإْقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الأْوَّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِالإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ.

الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إِذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكِسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.

السَّادِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ إِحْلاَفُ الْمَتْهُومِ اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إِحْلاَفُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلاَ أَنْ يُجَاوِزُوا الأَْيْمَانَ بِاللَّهِ إِلَى الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ.

السَّابِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إِجْبَارًا، وَيُظْهِرَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إِلَيْهَا طَوْعًا، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ، لأِنَّهُ وَعِيدُ إِرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إِلَى حَيِّزِ التَّعْزِيرِ وَالأْدَبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْقَتْلِ فَيَقْتُلَ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ.

الثَّامِنُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ.

التَّاسِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِدْ غُرْمًا وَلاَ حَدًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الأْثَرُ وَلاَ يُرَاعَى السَّبْقُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا:  بِحِسَابِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الاِقْتِرَافِ وَالتَّعَدِّي، وَالثَّانِي: بِحَسَبِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ.

وَإِذَا رَأَى مِنَ الصَّلاَحِ فِي رَدْعِ السَّفِلَةِ أَنْ يُشَهِّرَهُمْ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الأْمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الاِسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لاِخْتِصَاصِ الأْمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالأْحْكَامِ.

- وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ حَالَهُ.

فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.

وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهِمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الأْبْرِيَاءِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإْسْلاَمِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ «حَبَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ،» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ».

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إِنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الأْئِمَّةِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلاَ حَبْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ مَذْهَبًا لأِحَدٍ مِنَ الأْئِمَّةِ الأْرْبَعَةِ وَلاَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأْئِمَّةِ. وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.

الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لاَ يُضْرَبُ، ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.

الْمُتَّهَمُ فِي الْقَسَامَةِ

- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الأْيْمَانَ تُوَجَّهُ إِلَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وُجِّهَتِ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُوَجَّهُ تِلْكَ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ الدِّيَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسَامَةٌ ف 17).

تَحْلِيفُ الْمُتَّهَمِ فِي الأْمَانَاتِ

- يَحْلِفُ الْمُودَعُ وَالْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ وَكُلُّ مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تُهْمَةٌ ف 15).

وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ دَعْوَى الرَّدِّ وَدَعْوَى الضَّيَاعِ، إِذْ إِنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ فِي دَعْوَى الرَّدِّ يَدَّعِي يَقِينًا أَنَّ الْمُودَعَ كَاذِبٌ، فَيَحْلِفُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَّهَمًا أَمْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ لاَ عِلْمَ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ بِحَقِيقَةِ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ فَلاَ يَحْلِفُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الأْظْهَرُ أَنْ تُلْحَقَ الْيَمِينُ إِذَا قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَتَسْقُطَ إِذَا ضَعُفَتْ.

وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْمُودَعُ مَحَلَّ تُهْمَةٍ فَوُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ وَنَكَلَ عَنْهَا ضَمِنَ وَلاَ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا. وَصِفَةُ يَمِينِ الْمُتَّهَمِ أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْتُ، وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطْتُ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ.

الشَّكُّ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَّهَمُ

ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالأْصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ».

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (شَكٌّ ف 38).

رُجُوعُ الْمُتَّهَمِ فِي إِقْرَارِهِ

إِذَا أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بِحَقِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ الإْقْرَارُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزَّكَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 59 - 60).

صِحَّةُ إِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ

يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ عَامَّةً شُرُوطٌ مِنْهَا:

عَدَمُ التُّهْمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي إِقْرَارِهِ؛ لأِنَّ التُّهْمَةَ تُخِلُّ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الإْقْرَارِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).