فيما يتعلق بإدارة الشركة : (المواد من 53 إلي 102)
- حافظ المشروع علي مبدأ مشاركة العاملين في إدارة الشركة، حيث نصت المادة (84) على أن العاملين نصيب في إدارة الشركات المساهمة الخاضعة لأحكام المشروع، وأن تحدد اللائحة التنفيذية طرق وقواعد وشروط اشتراك العاملين في الإدارة ، وأنه يجب أن ينص نظام الشركة على إحدى طرق الاشتراك .
مفاد نص المادة 19 من قانون الرقابة والإشراف على التأمين فى مصر الصادر بالقانون رقم 10 لسنة 1981 أن الذى يمثل الشركة وينوب عنها - أمام القضاء وفى صلاتها بالغير - هو رئيس مجلس إدارتها دون أعضاء هذا المجلس ومفاد نص المادة 100 من القانون رقم 159 لسنة 1981 أن الحظر الوارد فى هذا النعى إنما يسرى عند التعاقد مع شركة أخرى .
(الطعن رقم 1927 لسنة 57 جلسة 1988/05/09 س 39 ع 2 ص 930 ق 151)
كما تختص الجمعية العامة العادية بالترخيص لعضو مجلس الإدارة بإبرام عقود معاوضة مع الشركة على أن يكون الترخيص بالنسبة لكل عقد على حدة وذلك بناء على تعديل المادة 217/ أولاً بند (8) من لائحة قانون سوق رأس المال بقرار وزير الاستثمار رقم 16 لسنة 2010 في 8/ 2/ 2010. وبناء على ذلك لا يجوز للجمعية العامة إصدار قرار بالموافقة على أكثر من عقد معارضة في المرة الواحدة بل يجب الموافقة على - كل عقد على حدة وذلك على خلاف ما كان عليه الحال قبل تعديل المادة 217 /أولاً بند (8)، حيث كان يكفي الترخيص من الجمعية لعضو المجلس بإبرام عقود معارضة مع الشركة.
ويعتبر النقض مستقراً على ضرورة إجازة الجمعية العامة لعضو مجلس الإدارة إبرام عقود المعارضة مع الشركة مقدماً وإلا كان باطلاً.
يحظر على عضو مجلس الإدارة أو أحد المديرين أن يبرم عقداً من عقود المعارضة مع شركة أخرى يشترك أحد أعضاء هذا المجلس أو أحد هؤلاء المديرين في مجلس إدارتها أو في إدارتها أو يكون المساهمي الشركة أغلبية رأس المال فيها إذا كان هذا العقد مما يلحق به البطلان لتجاوز نسبة الغبن فيه خمس القيمة وقت التعاقد، وذلك دون إخلال بحق الشركة وحق كل ذي شأن في مطالبة المخالف بالتعويض . (الشركات التجارية للدكتورة / سميحة القليوبي، الطبعة السابعة، 2016، دار النهضة العربية ، الصفحة : 956)
اللجنة الإدارية:
يتم اختيار أعضاء اللجنة الإدارية المعاونة ومدة العضوية وطريقة التجديد ونظام عملها ومكافآت أعضائها وفقاً للقواعد والشروط التي يضعها مجلس إدارة الشركة وتجتمع هذه اللجنة مرة على الأقل كل شهرين، ولا يكون الاجتماع صحيحاً إلا إذا حضره ثلث عدد الأعضاء على الأقل. وتصدر قرارات اللجنة الإدارية بأغلبية أصوات الحاضرين، فإذا تساوت رجح الجانب الذي منه رئيس اللجنة (مادة 255 من اللائحة التنفيذية).
رئيس اللجنة الإدارية المعاونة ومن له حق حضور جلساتها:
تعين اللجنة من بين أعضائها رئيساً لها، كما تعين أحد أعضائها ليقوم بأعمال الرئاسة في حالة غياب رئيس اللجنة (مادة 1/254 من اللائحة التنفيذية)، ويحضر اجتماعات هذه اللجنة عضو مجلس الإدارة المنتدب أو من يفوضه من أعضاء مجلس الإدارة وعدد من المديرين المسئولين بالشركة يختارهم مجلس إدارة الشركة دون أن يكون لهم صوت معدود في المداولات (مادة 2/254 من اللائحة التنفيذية) تتبعها مع الغير (مادة 2/96 من القانون 159 لسنة 1981). وقد رتب المشرع على مخالفة هذا الحظر بطلان عقد القرض مع حق الشركة في التعويض إن كان له مقتضی.
يلزم عضو مجلس إدارة شركة المساهمة وكل مدير من مديريها تكون له مصلحة تتعارض مع مصلحة الشركة في عملية تعرض على مجلس الإدارة لإقرارها أن يبلغ المجلس ذلك، وأن يثبت إبلاغه في محضر الجلسة، ولا يجوز له الاشتراك في التصويت الخاص بالقرار الصادر في شأن هذه العملية، وعلى مجلس الإدارة إبلاغ أول جمعية عامة بالعمليات المشار إليها قبل التصويت على القرارات (مادة 97 من القانون 159 لسنة 1981).
لا يجوز لعضو مجلس إدارة شركة المساهمة أو لمديرها الاتجار لحسابه أو الحساب غيره في أحد فروع النشاط التي تزاولها الشركة بغير ترخيص خاص من الجمعية العامة. وفي حالة مخالفة هذا الحظر يكون من حق الشركة الرجوع عليه بالتعويض مع اعتبار العمليات التي باشرها لحسابه . الخاص كأنها أجريت لحسابها هي (مادة 98 من القانون 159 لسنة 1981).
لا يجوز لعضو مجلس إدارة شركة المساهمة - وكذا لأي مؤسس فيها - أن يكون طرفاً في أي عقد من عقود المعارضة التي تعرض على هذا المجلس لإقرارها وذلك خلال السنوات الخمس التالية لتأسيس الشركة، ويجوز أن ترخص الجمعية العامة مقدمة بإجراء مثل هذا التصرف. ويعتبر باطلاً كل عقد يبرم بالمخالفة لهذا الحكم (مادة 99 من القانون 159 لسنة 1981).
يحظر على عضو مجلس الإدارة أو أحد المديرين أن يبرم عقداً من عقود المعارضة مع شركة أخرى يشترك أحد أعضاء هذا المجلس أو أحد هؤلاء المديرين في مجلس إدارتها أو في إدارتها أو يكون لمساهمي الشركة أغلبية رأس المال فيها إذا كان هذا العقد مما يلحق به البطلان لتجاوز نسبة القيمة فيه خمس القيمة وقت التعاقد وذلك دون إخلال بحق الشركة وحق كل ذي شأن في مطالبة المخالف بالتعويض .(الشركات التجارية ، الأستاذ/ حسن عبد الحليم عناية، دار محمود للنشر والتوزيع، طبعة 2018-2019 ، المجلد: الأول ، الصفحة : 276)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثلاثون، الصفحة / 198
عَقْد
التَّعْرِيفُ :
الْعَقْدُ فِي اللُّغَةِ: الرَّبْطُ وَالشَّدُّ وَالضَّمَانُ وَالْعَهْدُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: عَقَدَ الْحَبْلَ وَالْبَيْعَ وَالْعَهْدَ: شَدَّهُ.
وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ أَطْرَافِ الشَّيْءِ، يُقَالُ: عَقَدَ الْحَبْلَ: إِذَا جَمَعَ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الآْخَرِ وَرَبَطَ بَيْنَهُمَا.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: قِيلَ: عَقَدْتُ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ، وَعَقَدْتُ الْيَمِينَ وَعَقَّدْتُهَا بِالتَّشْدِيدِ تَوْكِيدٌ، وَعَاقَدْتُهُ عَلَى كَذَا، وَعَقَدْتُهُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى: عَاهَدْتُهُ، وَمَعْقِدُ الشَّيْءِ مِثْلُ مَجْلِسٍ: مَوْضِعُ عَقْدِهِ، وَعُقْدَةُ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ: إِحْكَامُهُ وَإِبْرَامُهُ، وَالْجَمْعُ عُقُودٌ وَمِنْهُ قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود)ِ وقوله تعالى ( وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) أَيْ: أَحْكَامَهُ، وَالْمَعْنَى: لاَ تَعْزِمُوا عَلَى عُقْدَةِ النِّكَاحِ فِي زَمَانِ الْعِدَّةِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ الْعَقْدُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
أ - الْمَعْنَى الْعَامُّ، وَهُوَ كُلُّ مَا يَعْقِدُهُ (يَعْزِمُهُ) الشَّخْصُ أَنْ يَفْعَلَهُ هُوَ، أَوْ يَعْقِدَ عَلَى غَيْرِهِ فِعْلَهُ عَلَى وَجْهِ إِلْزَامِهِ إِيَّاهُ، كَمَا يَقُولُ الْجَصَّاصُ وَعَلَى ذَلِكَ فَيُسَمَّى الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَسَائِرُ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ عُقُودًا؛ لأَِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيِ الْعَقْدِ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْوَفَاءَ بِهِ، وَسُمِّيَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ عَقْدًا؛ لأَِنَّ الْحَالِفَ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْوَفَاءَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، وَكَذَلِكَ الْعَهْدُ وَالأَْمَانُ؛ لأَِنَّ مُعْطِيَهَا قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْوَفَاءَ بِهَا، وَكَذَا كُلُّ مَا شَرَطَ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَهُوَ عَقْدٌ، وَكَذَلِكَ النُّذُورُ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ.
وَمِنْ هَذَا الإِْطْلاَقِ الْعَامِّ قَوْلُ الأَْلُوسِيِّ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) حَيْثُ قَالَ: الْمُرَادُ بِهَا يَعُمُّ جَمِيعَ مَا أَلْزَمَ اللَّهُ عِبَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكَالِيفِ وَالأَْحْكَامِ الدِّينِيَّةِ وَمَا يَعْقِدُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ عُقُودِ الأَْمَانَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ.
ب - الْمَعْنَى الْخَاصُّ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى يُطْلَقُ الْعَقْدُ عَلَى مَا يَنْشَأُ عَنْ إِرَادَتَيْنِ لِظُهُورِ أَثَرِهِ الشَّرْعِيِّ فِي الْمَحَلِّ، قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: الْعَقْدُ رَبْطُ أَجْزَاءِ التَّصَرُّفِ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ.
وَبِهَذَا الْمَعْنَى عَرَّفَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِقَوْلِهِ: ارْتِبَاطُ الإِْيجَابِ بِالْقَبُولِ الاِلْتِزَامِيِّ كَعَقْدِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا.
وَمَوْضُوعُ الْبَحْثِ هُنَا الْعَقْدُ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
أ - الاِلْتِزَامُ :
أَصْلُ الاِلْتِزَامِ فِي اللُّغَةِ: مِنْ لَزِمَ يَلْزَمُ لُزُومًا؛ أَيْ ثَبَتَ وَدَامَ، يُقَالُ: لَزِمَهُ الْمَالُ: وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ الطَّلاَقُ: وَجَبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وَأَلْزَمْتُهُ الْمَالَ وَالْعَمَلَ فَالْتَزَمَ، وَالاِلْتِزَامُ الاِعْتِنَاقُ.
وَالاِلْتِزَامُ فِي الاِصْطِلاَحِ: إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لاَزِمًا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَقَالَ الْحَطَّابُ: إِنَّهُ إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا عَلَى شَيْءٍ... وَقَدْ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْتِزَامُ الْمَعْرُوفِ بِلَفْظِ الاِلْتِزَامِ.
وَالاِلْتِزَامُ أَعَمُّ مِنَ الْعَقْدِ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ.
ب - التَّصَرُّفُ.
التَّصَرُّفُ فِي اللُّغَةِ: التَّقَلُّبُ فِي الأُْمُورِ، وَالسَّعْيُ فِي طَلَبِ الْكَسْبِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّصَرُّفَ عِنْدَهُمْ هُوَ: مَا يَصْدُرُ عَنِ الشَّخْصِ بِإِرَادَتِهِ، وَيُرَتِّبُ الشَّرْعُ عَلَيْهِ أَحْكَامًا مُخْتَلِفَةً، وَيَشْمَلُ التَّصَرُّفَ الأَْفْعَالَ وَالأَْقْوَالَ وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَالتَّصَرُّفُ أَعَمُّ مِنَ الْعَقْدِ.
ج - الْعَهْدُ وَالْوَعْدُ :
الْعَهْدُ فِي اللُّغَةِ: الْوَصِيَّةُ، يُقَالُ: عَهِدَ إِلَيْهِ يَعْهَدُ: إِذَا أَوْصَاهُ، وَالْعَهْدُ: الأَْمَانُ وَالْمَوْثِقُ وَالذِّمَّةُ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَكُلِّ مَا بَيْنَ الْعِبَادِ مِنَ الْمَوَاثِيقِ.
فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْعَقْدِ بِالإِْطْلاَقِ الْعَامِّ وَأَعَمُّ مِنْهُ بِالإِْطْلاَقِ الْخَاصِّ.
وَأَمَّا الْوَعْدُ فَيَدُلُّ عَلَى تَرْجِيَةٍ بِقَوْلٍ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ حَقِيقَةً وَفِي الشَّرِّ مَجَازًا.
وَالْوَعْدُ فِي الاِصْطِلاَحِ: إِخْبَارٌ عَنْ إِنْشَاءِ الْمُخْبِرِ مَعْرُوفًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
أَرْكَانُ الْعَقْدِ :
أَرْكَانُ الشَّيْءِ: أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِهِ، وَجَوَانِبُهُ الَّتِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا وَيَقُومُ بِهَا.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الرُّكْنُ هُوَ الْجُزْءُ الذَّاتِيُّ الَّذِي تَتَرَكَّبُ الْمَاهِيَّةُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ بِحَيْثُ يَتَوَقَّفُ تَقَوُّمُهَا عَلَيْهِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ لاَ يُوجَدُ إِلاَّ إِذَا وُجِدَ عَاقِدٌ وَصِيغَةٌ (الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ) وَمَحَلٌّ يَرِدُ عَلَيْهِ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ (الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ).
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الثَّلاَثَةَ كُلَّهَا أَرْكَانُ الْعَقْدِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُكْنَ الْعَقْدِ هُوَ الصِّيغَةُ فَقَطْ، أَمَّا الْعَاقِدَانِ وَالْمَحَلُّ فَمِمَّا يَسْتَلْزِمُهُ وُجُودُ الصِّيغَةِ، لاَ مِنَ الأَْرْكَانِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَا عَدَا الصِّيغَةَ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ حَقِيقَةِ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَيْهِ.
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصِّيغَةِ وَالْعَاقِدَيْنِ وَالْمَحَلِّ شُرُوطٌ لاَ بُدَّ لِوُجُودِ الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ مِنْ تَوَافُرِهَا، نَبْحَثُهَا فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً - صِيغَةُ الْعَقْدِ :
صِيغَةُ الْعَقْدِ: كَلاَمٌ أَوْ فِعْلٌ يَصْدُرُ مِنَ الْعَاقِدِ وَيَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ، وَيُعَبِّرُ عَنْهَا الْفُقَهَاءُ بِـ (الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ).
وَتَخْتَلِفُ الصِّيغَةُ فِي الْعَقْدِ حَسْبَ اخْتِلاَفِ الْعُقُودِ.
فَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَثَلاً يَصْلُحُ لِلصِّيغَةِ كُلُّ لَفْظٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَالتَّمْلِيكِ بِعِوَضٍ، مِثْلِ قَوْلِ الْبَائِعِ: بِعْتُكَ، أَوْ: أَعْطَيْتُكَ، أَوْ: مَلَّكْتُكَ بِكَذَا، وَقَوْلِ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ، أَوْ تَمَلَّكْتُ، أَوِ ابْتَعْتُ، أَوْ: قَبِلْتُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَفِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ يَكْفِي كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ، مِثْلُ قَوْلِ الْمُحِيلِ: أَحَلْتُكَ وَأَتْبَعْتُكَ، وَقَوْلِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ: رَضِيتُ وَقَبِلْتُ، وَنَحْوَهَا.
وَعَقْدُ الرَّهْنِ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِ الرَّاهِنِ: رَهَنْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ أَعْطَيْتُهَا لَكَ رَهْنًا، وَقَوْلِ الْمُرْتَهِنِ: قَبِلْتُ أَوْ رَضِيتُ.
فَالأَْصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ لُغَةً أَوْ عُرْفًا يَنْعَقِدُ بِهِ الْعَقْدُ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْعَقْدِ فِي الأَْصْلِ لَفْظٌ خَاصٌّ، وَلاَ صِيغَةٌ خَاصَّةٌ.
وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ هَذَا الأَْصْلِ عَقْدَ النِّكَاحِ، فَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالزَّوَاجِ وَمُشْتَقَّاتِهِمَا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، قَالَ الشِّرْبِينِيُّ: وَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِلَفْظٍ اشْتُقَّ مِنْ لَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوِ الإِْنْكَاحِ، دُونَ لَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَنَحْوِهِمَا كَالإِْحْلاَلِ وَالإِْبَاحَةِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ سِوَاهُمَا فَوَجَبَ الْوُقُوفُ مَعَهُمَا تَعَبُّدًا وَاحْتِيَاطًا؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ يَنْزِعُ إِلَى الْعِبَادَاتِ لِوُرُودِ النَّدْبِ فِيهِ، وَالأَْذْكَارُ فِي الْعِبَادَاتِ تُتَلَقَّى مِنَ الشَّرْعِ.
وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَلاَ يَصِحُّ إِيجَابٌ إِلاَّ بِلَفْظِ أَنْكَحْتُ أَوْ زَوَّجْتُ.. وَلاَ يَصِحُّ قَبُولٌ لِمَنْ يُحْسِنُهَا إِلاَّ بِقَبِلْتُ تَزْوِيجَهَا أَوْ نِكَاحَهَا، أَوْ هَذَا التَّزْوِيجَ أَوْ هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ تَزَوَّجْتُهَا، أَوْ رَضِيتُ هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ قَبِلْتُ، فَقَطْ، أَوْ: تَزَوَّجْتُ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَشْتَرِطُونَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، فَيَصِحُّ عِنْدَهُمَا بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ، كَأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ وَمَلَّكْتُ وَبِعْتُ وَوَهَبْتُ وَنَحْوِهَا، إِذَا قُرِنَ بِالْمَهْرِ وَدَلَّ اللَّفْظُ عَلَى الزَّوَاجِ.
وَلِلتَّفْصِيلِ ر: (نِكَاح وَصِيغَة).
الْمُرَادُ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ.
الْمُرَادُ بِالإِْيجَابِ فِي الْعُقُودِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ: مَا صَدَرَ أَوَّلاً مِنْ كَلاَمِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْكَلاَمِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الْمُمَلِّكِ أَمْ مِنَ الْمُتَمَلِّكِ، وَالْقَبُولُ: مَا صَدَرَ ثَانِيًا عَنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ دَالًّا عَلَى مُوَافَقَتِهِ بِمَا أَوْجَبَهُ الأَْوَّلُ فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ أَوَّلِيَّةُ الصُّدُورِ فِي الإِْيجَابِ وَثَانَوِيَّتُهُ فِي الْقَبُولِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الْمُمَلِّكِ أَمْ مِنَ الْمُتَمَلِّكِ.
وَيَرَى غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الإِْيجَابَ: مَا صَدَرَ مِمَّنْ يَكُونُ مِنْهُ التَّمْلِيكُ كَالْبَائِعِ وَالْمُؤَجِّرِ وَالزَّوْجَةِ أَوْ وَلِيِّهَا، سَوَاءٌ صَدَرَ أَوَّلاً أَوْ آخِرًا، وَالْقَبُولُ: هُوَ مَا صَدَرَ مِمَّنْ يَصِيرُ لَهُ الْمِلْكُ وَإِنْ صَدَرَ أَوَّلاً، فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ هُوَ أَنَّ الْمُمَلِّكَ هُوَ الْمُوجِبُ وَالْمُتَمَلِّكُ هُوَ الْقَابِلُ، وَلاَ اعْتِبَارَ لِمَا صَدَرَ أَوَّلاً أَوْ آخِرًا وَسَائِلُ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ.
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ الإِْيجَابَ وَالْقَبُولَ كَمَا يَحْصُلاَنِ بِالأَْلْفَاظِ، كَذَلِكَ يَحْصُلاَنِ بِالْكِتَابَةِ وَالإِْشَارَةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْمُعَاطَاةِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ بَعْضِ هَذِهِ الْوَسَائِلِ فِي بَعْضِ الْعُقُودِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - الْعَقْدُ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ اللَّفْظِيَّيْنِ.
الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ بِالأَْلْفَاظِ هُوَ الأَْصْلُ فِي انْعِقَادِ الْعُقُودِ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الإِْيجَابَ وَالْقَبُولَ إِذَا كَانَا بِصِيغَةِ الْمَاضِي يَنْعَقِدُ بِهِمَا الْعَقْدُ كَمَا إِذَا قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى النِّيَّةِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَاضِي وَضْعًا لَكِنَّهَا جُعِلَتْ إِيجَابًا لِلْحَالِ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ، وَالْعُرْفُ قَاضٍ عَلَى الْوَضْعِ كَمَا عَلَّلَهُ الْكَاسَانِيُّ ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ الأَْلْفَاظَ صَرِيحَةٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فَيَلْزَمُهُمَا، كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ.
وَلاَ يَنْعَقِدُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الاِسْتِقْبَالِ كَصِيغَةِ الاِسْتِفْهَامِ وَالْمُضَارِعِ الْمُرَادِ بِهِ الاِسْتِقْبَالُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَالِ كَصِيغَةِ الأَْمْرِ مَثَلاً، كَقَوْلِهِ: بِعْنِي، فَإِذَا أَجَابَهُ الآْخَرُ بِقَوْلِهِ: بِعْتُكَ، قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: كَانَ هَذَا اللَّفْظُ الثَّانِي إِيجَابًا وَاحْتَاجَ إِلَى قَبُولٍ مِنَ الأَْوَّلِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِلُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - يَنْعَقِدُ بِهِمَا الْبَيْعُ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ مِنَ الأَْوَّلِ.
أَمَّا صِيغَةُ الْمُضَارِعِ فَإِذَا أَرَادَ بِهَا الْحَالَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ وَإِلاَّ فَلاَ، فَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: إِذَا قَالَ الْبَائِعُ: أَبِيعُ مِنْكَ هَذَا بِأَلْفٍ أَوْ أَبْذُلُهُ أَوْ أُعْطِيكَهُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَشْتَرِيهِ مِنْكَ أَوْ آخُذُهُ، وَنَوَيَا الإِْيجَابَ لِلْحَالِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بِلَفْظِ الْمَاضِي وَالآْخَرُ بِالْمُسْتَقْبَلِ مَعَ نِيَّةِ الإِْيجَابِ لِلْحَالِ - فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَنْعَقِدْ.
وَمِثْلُهُ مَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ حَيْثُ قَالَ: إِنْ أَتَى بِصِيغَةِ الْمَاضِي لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ رُجُوعٌ، وَإِنْ أَتَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فَكَلاَمُهُ مُحْتَمَلٌ، فَيَحْلِفُ عَلَى مَا أَرَادَهُ.
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (صِيغَة ف 7).
اعْتِبَارُ اللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى فِي الْعَقْدِ.
مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي لاَ لِلأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي مَعْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ - كَمَا يَقُولُ فِي الدُّرَرِ - أَنَّهُ عِنْدَ حُصُولِ الْعَقْدِ لاَ يُنْظَرُ لِلأَْلْفَاظِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الْعَاقِدَانِ حِينَ الْعَقْدِ، بَلْ إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى مَقَاصِدِهِمُ الْحَقِيقِيَّةِ مِنَ الْكَلاَمِ الَّذِي يُلْفَظُ بِهِ حِينَ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْمَعْنَى وَلَيْسَ اللَّفْظُ وَلاَ الصِّيغَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ، وَمَا الأَْلْفَاظُ إِلاَّ قَوَالِبُ لِلْمَعَانِي.وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَطْبِيقِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي مُخْتَلِفِ الْعُقُودِ، فَطَبَّقُوهَا فِي بَعْضِهَا وَلَمْ يُطَبِّقُوهَا فِي بَعْضٍ، وَذَلِكَ حَسْبَ اخْتِلاَفِ طَبِيعَةِ هَذِهِ الْعُقُودِ.
وَالظَّاهِرُ : أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مُطَبَّقَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ عَقْدٍ، وَلَهَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: الاِعْتِبَارُ لِلْمَعْنَى لاَ لِلأَْلْفَاظِ، صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا الْكَفَالَةُ، فَهِيَ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَْصِيلِ حَوَالَةٌ، وَهِيَ بِشَرْطِ عَدَمِ بَرَاءَتِهِ كَفَالَةٌ.. وَلَوْ وَهَبَ الدَّيْنَ لِمَنْ عَلَيْهِ كَانَ إِبْرَاءً لِلْمَعْنَى، فَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ عَلَى الصَّحِيحِ.. وَلَوْ رَاجَعَهَا بِلَفْظِ النِّكَاحِ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ لِلْمَعْنَى، وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِقَوْلِهِ: خُذْ هَذَا بِكَذَا، فَقَالَ: أَخَذْتُ، وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ مَعَ ذِكْرِ الْبَدَلِ، وَبِلَفْظِ الإِْعْطَاءِ وَالاِشْتِرَاءِ. وَتَنْعَقِدُ الإِْجَارَةُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَبِلَفْظِ الصُّلْحِ عَنِ الْمَنَافِعِ، وَبِلَفْظِ الْعَارِيَّةِ، وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكِ الْعَيْنِ لِلْحَالِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَيَنْعَقِدُ السَّلَمُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ كَعَكْسِهِ، وَلَوْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُضَا رِبِ كُلَّ الرِّبْحِ كَانَ الْمَالُ قَرْضًا، وَلَوْ شَرَطَ لِرَبِّ الْمَالِ كَانَ إِبْضَاعًا.
ثُمَّ قَالَ: وَخَرَجَتْ عَنْ هَذَا الأَْصْلِ مَسَائِلُ:
مِنْهَا: لاَ تَنْعَقِدُ الْهِبَةُ بِالْبَيْعِ بِلاَ ثَمَنٍ، وَلاَ الْعَارِيَّةُ بِالإِْجَارَةِ بِلاَ أُجْرَةٍ وَلاَ الْبَيْعُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، وَلاَ يَقَعُ الْعِتْقُ بِأَلْفَاظِ الطَّلاَقِ وَإِنْ نَوَى، وَالطَّلاَقُ وَالْعَتَاقُ تُرَاعَى فِيهِمَا الأَْلْفَاظُ لاَ الْمَعْنَى فَقَطْ.
وَمِنْ أَهَمِّ الْمَسَائِلِ الَّتِي طَبَّقَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الْقَاعِدَةَ فِيهَا عَقْدُ بَيْعِ الْوَفَاءِ. فَإِذَا قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُ هَذِهِ الدَّارَ بَيْعَ الْوَفَاءِ بِكَذَا، وَقَبِلَ الآْخَرُ، لاَ يُفِيدُ تَمْلِيكَ عَيْنِ الدَّارِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ يُفِيدُ تَمْلِيكَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ لأَِنَّ التَّمْلِيكَ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، بَلِ الْمَقْصُودَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ تَأْمِينُ دَيْنِ الْمُشْتَرِي الْمُتَرَتِّبِ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ، وَإِبْقَاءُ الْمَبِيعِ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي لِحِينِ وَفَاءِ الدَّيْنِ، وَلِهَذَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الرَّهْنِ دُونَ الْبَيْعِ اعْتِبَارًا لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي دُونَ الأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لِلْبَائِعِ فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ أَنْ يُعِيدَ الثَّمَنَ وَيَسْتَرِدَّ الْمَبِيعَ، كَمَا أَنَّهُ يَحِقُّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُعِيدَ الْمَبِيعَ وَيَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ.
وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ الْمَبِيعَ وَفَاءً مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ؛ لأَِنَّهُ كَالرَّهْنِ.كَمَا لاَ يَحِقُّ لِلْمُشْتَرِي فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ حَقُّ الشُّفْعَةِ، وَتَبْقَى الشُّفْعَةُ لِلْبَائِعِ.
وَلِلتَّفْصِيلِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (بَيْعُ الْوَفَاءِ ف 7).
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعُقُودَ كُلَّهَا إِنَّمَا هِيَ بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْدِ مَعَ اللَّفْظِ الْمُشْعِرِ بِذَلِكَ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ إِشَارَةٍ وَشَبَهِهَا، وَقَدْ تَوَسَّعُوا بِالأَْخْذِ بِالْمَعْنَى فِي بَعْضِ الْعُقُودِ حَتَّى أَجَازُوا الْبَيْعَ بِالْمُعَاطَاةِ وَقَالُوا: كُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ، وَشَدَّدُوا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَاشْتَرَطُوا فِيهِ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهِ لَفْظَ النِّكَاحِ أَوِ الزَّوَاجِ، وَقَالُوا: يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ كَالنِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا، وَقَالُوا: إِنْ قَصَدَ بِاللَّفْظِ النِّكَاحَ صَحَّ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَلَمْ يَأْخُذُوا بِتَرْجِيحِ الْمَعَانِي عَلَى الأَْلْفَاظِ فِي الْعُقُودِ كَأَصْلٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، بَلْ ذَكَرُوا فِي الأَْخْذِ بِهِ خِلاَفًا، قَالَ السُّيُوطِيُّ: هَلِ الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ بِمَعَانِيهَا ؟ خِلاَفٌ، وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ فِي الْفُرُوعِ، فَمِنْهَا: إِذَا قَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: بِعْتُكَ، فَرَجَّحَ الشَّيْخَانِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بَيْعًا اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ.
وَالثَّانِي - وَرَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ - أَنَّهُ يَنْعَقِدُ سَلَمًا اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى.
وَمِنْهَا: إِذَا وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ فَهَلْ يَكُونُ بَيْعًا اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى أَوْ هِبَةً بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ ؟ الأَْصَحُّ: الأَْوَّلُ.
وَمِنْهَا: إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ ثَمَنًا، فَإِنْ رَاعَيْنَا الْمَعْنَى انْعَقَدَ هِبَةً، أَوِ اللَّفْظَ فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ، فَلَيْسَ بِسَلَمٍ قَطْعًا، وَلاَ يَنْعَقِدُ بَيْعًا عَلَى الأَْظْهَرِ لاِخْتِلاَفِ اللَّفْظِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى.
وَمِنْهَا: إِذَا قَالَ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: وَهَبْتُهُ مِنْكَ، فَفِي اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ اعْتِبَارًا بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَالثَّانِي: لاَ، اعْتِبَارًا بِمَعْنَى الإِْبْرَاءِ.
وَمِنْهَا: الْخِلاَفُ فِي الرَّجْعَةِ بِلَفْظِ النِّكَاحِ، وَالإِْجَارَةِ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَالسَّلَمِ بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ، وَالإِْجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَالْبَيْعِ بِلَفْظِ الإِْقَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ بِلَفْظِ الضَّمَانِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ.
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ضَابِطًا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَقَالَ:
وَالضَّابِطُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ إِنْ تَهَافَتَ اللَّفْظُ حُكِمَ بِالْفَسَادِ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَبِعْتُكَ بِلاَ ثَمَنٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَهَافَتْ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ فِي مَدْلُولِهَا أَوِ الْمَعْنَى، فَإِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ كَأَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ فَالأَْصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ؛ لاِشْتِهَارِ الصِّيغَةِ فِي بَيْعِ الذِّمَمِ، وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ بَيْعًا.. وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ، بَلْ كَانَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودَ، كَوَهَبْتُكَ بِكَذَا، فَالأَْصَحُّ انْعِقَادُهُ بَيْعًا، وَإِنِ اسْتَوَى الأَْمْرَانِ فَوَجْهَانِ، وَالأَْصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ؛ لأَِنَّهَا الأَْصْلُ وَالْمَعْنَى تَابِعٌ لَهَا
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَخَذُوا بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَرَجَّحُوا الْمَقَاصِدَ وَالْمَعَانِيَ عَلَى الأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي فِي أَكْثَرِ الْعُقُودِ مَعَ بَعْضِ الاِسْتِثْنَاءَاتِ وَالْخِلاَفِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ.
يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: مَنْ تَدَبَّرَ مَصَادِرَ الشَّرْعِ وَمَوَارِدَهُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الشَّارِعَ أَلْغَى الأَْلْفَاظَ الَّتِي لَمْ يَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا مَعَانِيَهَا بَلْ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ، كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي وَالسَّكْرَانِ وَالْجَاهِلِ وَالْمُكْرَهِ وَالْمُخْطِئِ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ أَوِ الْغَضَبِ أَوِ الْمَرَضِ، وَنَحْوِهِمْ، وَلَمْ يُكَفِّرْ مَنْ قَالَ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ بِرَاحِلَتِهِ بَعْدَ يَأْسِهِ مِنْهَا:(اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ) فَكَيْفَ يَعْتَبِرُ الأَْلْفَاظَ الَّتِي يُقْطَعُ بِأَنَّ مُرَادَ قَائِلِهَا خِلاَفُهَا ؟.
وَيَقُولُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَإِنْ أَظْهَرَا خِلاَفَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ فَالْعِبْرَةُ لِمَا أَضْمَرَاهُ وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ وَقَصَدَاهُ بِالْعَقْدِ.
وَيَقُولُ: إِنَّ الْقَصْدَ رُوحُ الْعَقْدِ وَمُصَحِّحُهُ وَمُبْطِلُهُ، فَاعْتِبَارُ الْمَقْصُودِ فِي الْعُقُودِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ الأَْلْفَاظِ، فَإِنَّ الأَْلْفَاظَ مَقْصُودَةٌ لِغَيْرِهَا، وَمَقَاصِدُ الْعُقُودِ هِيَ الَّتِي تُرَادُ لأَِجْلِهَا، فَعُلِمَ أَنَّ الاِعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ وَالأَْفْعَالِ بِحَقَائِقِهَا وَمَقَاصِدِهَا دُونَ ظَوَاهِرِ أَلْفَاظِهَا وَأَفْعَالِهَا.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ فِي اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ فِي الْعُقُودِ دُونَ الأَْلْفَاظِ فَإِنَّ الْحَنَابِلَةَ ذَكَرُوا بَعْضَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ فِي اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ أَوِ الأَْلْفَاظِ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: إِذَا وَصَلَ بِأَلْفَاظِ الْعُقُودِ مَا يُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا فَهَلْ يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ، أَوْ يُجْعَلُ كِنَايَةً عَمَّا يُمْكِنُ صِحَّتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ؟ فِيهِ خِلاَفٌ يَلْتَفِتُ إِلَى أَنَّ الْمُغَلَّبَ هَلْ هُوَ اللَّفْظُ أَوِ الْمَعْنَى ؟ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ:
مِنْهَا : لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْعِوَضَ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لاَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ وَيَكُونُ كِنَايَةً عَنِ الْقَرْضِ فَيَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ إِذَا كَانَ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا، وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَفْسُدُ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْعِوَضَ يُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ، أَوْ لِي، فَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّهَا مُضَارَبَةٌ فَاسِدَةٌ يَسْتَحِقُّ فِيهَا أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَنَقَلَ ابْنُ رَجَبٍ عَنِ الْمُغْنِي أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّهُ إِبْضَاعٌ صَحِيحٌ، فَرَاعَى الْحُكْمَ دُونَ اللَّفْظِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ حَالًّا فَهَلْ يَصِحُّ وَيَكُونُ بَيْعًا ؟ أَوْ لاَ يَصِحُّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ: لاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ بِلَفْظِ السَّلَمِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلاَفِهِ.
وَهَكَذَا نَجِدُ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي تَطْبِيقِ قَاعِدَةِ تَرْجِيحِ الْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي عَلَى الأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ مَعَ أَخْذِهِمْ بِهَا كَأَصْلٍ.
الصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ فِي الصِّيغَةِ.
مِنَ الصِّيَغِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الدَّلاَلَةِ عَلَى الْمُرَادِ فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةٍ؛ لأَِنَّ الْمَعْنَى مَكْشُوفٌ عِنْدَ السَّامِعِ كَمَا يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ كِنَايَةٌ، فَلاَ يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ أَوِ الْقَرِينَةِ؛ لأَِنَّهُ كَمَا يَقُولُ الشُّبْرَامِلْسِيُّ يَحْتَمِلُ الْمُرَادَ وَغَيْرَهُ، فَيَحْتَاجُ فِي الاِعْتِدَادِ بِهِ لِنِيَّةِ الْمُرَادِ لِخَفَائِهِ.
وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الطَّلاَقَ وَالْعِتْقَ وَالأَْيْمَانَ وَالنُّذُورَ تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ كَمَا تَنْعَقِدُ بِالصَّرِيحِ.
وَلَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي انْعِقَادِ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ بِالْكِنَايَاتِ.
وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاً فِي بَيَانِ اسْتِعْمَالِ صِيَغِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ فِي الْعُقُودِ هُمُ الشَّافِعِيَّةُ، فَفِي الْمَجْمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: كُلُّ تَصَرُّفٍ يَسْتَقِلُّ بِهِ الشَّخْصُ كَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَالإِْبْرَاءِ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ بِلاَ خِلاَفٍ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالصَّرِيحِ، وَأَمَّا مَا لاَ يَسْتَقِلُّ بِهِ بَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الإِْشْهَادُ كَالنِّكَاحِ وَبَيْعِ الْوَكِيلِ إِذَا شَرَطَ الْمُوَكِّلُ الإِْشْهَادَ، فَهَذَا لاَ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ بِلاَ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّ الشَّاهِدَ لاَ يَعْلَمُ النِّيَّةَ.
وَالثَّانِي: مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الإِْشْهَادُ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَقْبَلُ مَقْصُودُهُ التَّعْلِيقَ بِالْغَرَرِ كَالْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ فَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ بِلاَ خِلاَفٍ.
وَالثَّانِي: مَا لاَ يَقْبَلُهُ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي انْعِقَادِ هَذِهِ الْعُقُودِ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، أَصَحُّهُمَا الاِنْعِقَادُ كَالْخُلْعِ لِحُصُولِ التَّرَاضِي مَعَ جَرَيَانِ اللَّفْظِ وَإِرَادَةِ الْمَعْنَى، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ رضي الله عنه وَفِيهِ: «قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : بِعْنِي جَمَلَكَ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ».
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالْخِلاَفُ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ هُوَ فِيمَا إِذَا عَدِمَتْ قَرَائِنَ الأَْحْوَالِ، فَإِنْ تَوَفَّرَتْ وَأَفَادَتِ التَّفَاهُمَ وَجَبَ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ، لَكِنَّ النِّكَاحَ لاَ يَصِحُّ بِالْكِنَايَةِ وَإِنْ تَوَافَرَتِ الْقَرَائِنُ.
وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَابِلَةِ فِي دُخُولِ الْكِنَايَةِ فِي الْعُقُودِ، فَفِي الْقَوَاعِدِ لاِبْنِ رَجَبٍ: يَخْتَلِفُ الأَْصْحَابُ فِي انْعِقَادِ الْعُقُودِ بِالْكِنَايَاتِ، فَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوَاضِعَ: لاَ كِنَايَةٌ إِلاَّ فِي الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ، وَسَائِرُ الْعُقُودِ لاَ كِنَايَاتٌ فِيهَا.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: أَنَّ الْبَيْعَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقَعُ بِالأَْلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ وَبِالْكِنَايَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَلاَ أَذْكُرُ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلاً إِلاَّ أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) قَالَ: الْبَيْعُ قَبُولٌ وَإِيجَابٌ يَقَعُ بِاللَّفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي، فَالْمَاضِي فِيهِ حَقِيقَةٌ، وَالْمُسْتَقْبَلُ كِنَايَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالْبَيْعُ يَقَعُ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ الْمَفْهُومِ مِنْهَا نَقْلُ الْمِلْكِ وَنَقَلَ الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ صِيغَةُ الْبَيْعِ بِلَفْظِ الْمَاضِي فَتَلْزَمُ، أَوْ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ فَيَحْلِفُ، ثُمَّ نَقَلَ قَوْلَ الْقُرْطُبِيِّ: الْبَيْعُ يَقَعُ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ الْمَفْهُومِ مِنْهَا نَقْلُ الْمِلْكِ، وَفِي الْحَطَّابِ أَيْضًا: إِنْ أَتَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فِي الْبَيْعِ فَكَلاَمُهُ مُحْتَمَلٌ فَيَحْلِفُ عَلَى مَا أَرَادَهُ.
وَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْكِنَايَةَ تَدْخُلُ فِي الْعُقُودِ كَذَلِكَ، قَالَ الْكَاسَانِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ: لَوْ قَالَ: حَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْهِبَةَ، وَيَحْتَمِلُ الْعَارِيَّةَ، فَإِنَّهُ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه قَالَ: «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ».
فَاحْتَمَلَ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ وَاحْتَمَلَ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ لِلتَّعْيِينِ وَقَالَ الْكَاسَانِيُّ: لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: أَبِيعُهُ مِنْكَ بِكَذَا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَشْتَرِيهِ، وَنَوَيَا الإِْيجَابَ فَإِنَّ الرُّكْنَ يَتِمُّ وَيَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا النِّيَّةَ هُنَا - وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ أَفْعَلَ لِلْحَالِ هُوَ الصَّحِيحَ -؛ لأَِنَّهُ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا لِلاِسْتِقْبَالِ إِمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، فَوَقَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى التَّعْيِينِ بِالنِّيَّةِ.
ب - الْعَقْدُ بِالْكِتَابَةِ أَوِ الرِّسَالَةِ.
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى صِحَّةِ الْعُقُودِ وَانْعِقَادِهَا بِالْكِتَابَةِ وَإِرْسَالِ رَسُولٍ إِذَا تَمَّ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ بِهِمَا، وَهَذَا فِي غَيْرِ عَقْدِ النِّكَاحِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الْعُقُودِ وَفَصَّلُوا فِي بَعْضِ الشُّرُوطِ. قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ: الْكِتَابُ كَالْخِطَابِ، وَكَذَا الإِْرْسَالُ، حَتَّى اعْتُبِرَ مَجْلِسُ بُلُوغِ الْكِتَابِ وَأَدَاءِ الرِّسَالَةِ.وَقَالَ الدُّسُوقِيُّ فِي بَابِ الْبَيْعِ: يَصِحُّ بِقَوْلٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَوْ كِتَابَةٍ مِنْهُمَا، أَوْ قَوْلٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَكِتَابَةٍ مِنَ الآْخَرِ.
أَمَّا عَقْدُ النِّكَاحِ فَلاَ يَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَاقِدَانِ حَاضِرَيْنِ أَمْ غَائِبَيْنِ، قَالَ الدَّرْدِيرُ: وَلاَ تَكْفِي فِي النِّكَاحِ الإِْشَارَةُ وَلاَ الْكِتَابَةُ إِلاَّ لِضَرُورَةِ خَرَسٍ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَفُسِخَ مُطْلَقًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ طَالَ، كَمَا لَوِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْوَلِيِّ أَوِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، أَوِ اخْتَلَّ رُكْنٌ، كَمَا لَوْ زَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِلاَ وَلِيٍّ أَوْ لَمْ تَقَعِ الصِّيغَةُ بِقَوْلٍ، بَلْ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ بِقَوْلٍ غَيْرِ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا.
وَقَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَلاَ يَنْعَقِدُ بِكِتَابَةٍ فِي غَيْبَةٍ أَوْ حُضُورٍ؛ لأَِنَّهَا كِنَايَةٌ، فَلَوْ قَالَ لِغَائِبٍ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، أَوْ قَالَ: زَوَّجْتُهَا مِنْ فُلاَنٍ، ثُمَّ كَتَبَ فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ فَقَالَ: قَبِلْتُ، لَمْ يَصِحَّ.
وَقَالَ الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ بِإِشَارَةٍ وَلاَ كِتَابَةٍ لِلاِسْتِغْنَاءِ عَنْهَا.
وَفَصَّلَ الْحَنَفِيَّةُ فِي جَوَازِ عَقْدِ النِّكَاحِ بِالْكِتَابَةِ فَقَالُوا: لاَ يَنْعَقِدُ بِكِتَابَةِ حَاضِرٍ، فَلَوْ كَتَبَ: تَزَوَّجْتُكِ، فَكَتَبَتْ: قَبِلْتُ، لَمْ يَنْعَقِدْ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَتْ: قَبِلْتُ، أَمَّا كِتَابَةُ غَائِبٍ عَنِ الْمَجْلِسِ فَيَنْعَقِدُ بِهَا النِّكَاحُ بِشُرُوطٍ وَكَيْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ نَقَلَهَا ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْكِتَابَةِ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالْخِطَابِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهَا يَخْطُبَهَا، فَإِذَا بَلَغَهَا الْكِتَابُ أَحْضَرَتِ الشُّهُودَ وَقَرَأَتْهُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَتْ: زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْهُ، أَوْ تَقُولُ: إِنَّ فُلاَنًا كَتَبَ إِلَيَّ يَخْطِبُنِي فَاشْهَدُوا أَنِّي زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْهُ، أَمَّا لَوْ لَمْ تَقُلْ بِحَضْرَتِهِمْ سِوَى: زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْ فُلاَنٍ، لاَ يَنْعَقِدُ؛ لأَِنَّ سَمَاعَ الشَّطْرَيْنِ شَرْطُ صِحَّةِ النِّكَاحِ، وَبِإِسْمَاعِهِمُ الْكِتَابَ أَوِ التَّعْبِيرَ عَنْهُ مِنْهَا يَكُونُونَ قَدْ سَمِعُوا الشَّطْرَيْنِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا انْتَفَيَا، وَنَقَلَ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْكَامِلِ: هَذَا الْخِلاَفَ إِذَا كَانَ الْكِتَابُ بِلَفْظِ التَّزَوُّجِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بِلَفْظِ الأَْمْرِ، كَقَوْلِهِ: زَوِّجِي نَفْسَكِ مِنِّي، لاَ يُشْتَرَطُ إِعْلاَمُهَا الشُّهُودَ بِمَا فِي الْكِتَابِ؛ لأَِنَّهَا تَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْعَقْدِ بِالْكِتَابَةِ - عُمُومًا - أَنْ تَكُونَ مُسْتَبِينَةً؛ أَيْ تَبْقَى صُورَتُهَا بَعْدَ الاِنْتِهَاءِ مِنْهَا، كَالْكِتَابَةِ عَلَى الصَّحِيفَةِ أَوِ الْوَرَقِ، وَأَنْ تَكُونَ مَرْسُومَةً بِالطَّرِيقَةِ الْمُعْتَادَةِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ فَتُقْرَأُ وَتُفْهَمُ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَبِينَةٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْمَاءِ أَوِ الْهَوَاءِ، أَوْ غَيْرَ مَرْسُومَةٍ بِالطَّرِيقَةِ الْمُعْتَادَةِ فَلاَ يَنْعَقِدُ بِهَا أَيُّ عَقْدٍ.
وَوَجْهُ انْعِقَادِ الْعُقُودِ بِالْكِتَابَةِ هُوَ أَنَّ الْقَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ بَلْ رُبَّمَا تَكُونُ هِيَ أَقْوَى مِنَ الأَْلْفَاظِ، وَلِذَلِكَ حَثَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى تَوْثِيقِ دُيُونِهِمْ بِالْكِتَابَةِ حَيْثُ قَالَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ( ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا).
ج - الْعَقْدُ بِالإِْشَارَةِ.
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِشَارَةَ الأَْخْرَسِ الْمَعْهُودَةَ وَالْمَفْهُومَةَ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا، فَيَنْعَقِدُ بِهَا جَمِيعُ الْعُقُودِ، كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: الإِْشَارَةُ مِنَ الأَْخْرَسِ مُعْتَبَرَةٌ وَقَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ النَّفْرَاوِيُّ: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالْكَلاَمِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَقَالَ الْخَطِيبُ: إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ وَكِتَابَتُهُ بِالْعَقْدِ كَالنُّطْقِ لِلضَّرُورَةِ.وَمِثْلُهُ مَا قَالَهُ الْحَنَابِلَةُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِشَارَةِ غَيْرِ الأَْخْرَسِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِذَا كَانَ الشَّخْصُ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ لاَ تُعْتَبَرُ إِشَارَتُهُ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِاعْتِبَارِ الإِْشَارَةِ فِي الْعُقُودِ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ.
وَهَلْ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ شَرْطٌ لِلْعَمَلِ بِالإِْشَارَةِ أَمْ لاَ ؟ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا.
وَتَفْصِيلُ الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (إِشَارَة).
د - الْعَقْدُ بِالتَّعَاطِي (الْمُعَاطَاةِ).
التَّعَاطِي مَصْدَرُ تَعَاطَى، مِنَ الْعَطْوِ بِمَعْنَى التَّنَاوُلِ، وَصُورَتُهُ فِي الْبَيْعِ: أَنْ يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَيَدْفَعَ لِلْبَائِعِ الثَّمَنَ، أَوْ يَدْفَعَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ فَيَدْفَعَ الآْخَرُ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّمٍ وَلاَ إِشَارَةٍ، وَكَمَا يَكُونُ التَّعَاطِي فِي الْبَيْعِ يَكُونُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَاوَضَاتِ.
وَعَقْدُ الزَّوَاجِ لاَ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي.
أَمَّا سَائِرُ الْعُقُودِ فَالأَْصْلُ فِيهَا أَنْ تَنْعَقِدَ بِالأَْقْوَالِ؛ لأَِنَّ الأَْفْعَالَ لَيْسَ لَهَا دَلاَلَةٌ بِأَصْلِ وَضْعِهَا عَلَى الاِلْتِزَامِ بِالْعَقْدِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ التَّعَاطِي يَنْطَوِي عَلَى دَلاَلَةٍ تُشْبِهُ الدَّلاَلَةَ اللَّفْظِيَّةَ حَسْبَ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِ الْعَقْدُ إِذَا وُجِدَتْ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الرِّضَا، وَهَذَا فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالاِسْتِصْنَاعِ وَنَحْوِهَا، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عَدَمُ جَوَازِ الْعُقُودِ بِالتَّعَاطِي، وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ الْعَقْدَ بِالتَّعَاطِي فِي الْمُحَقَّرَاتِ دُونَ غَيْرِهَا، وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ الاِنْعِقَادَ بِهَا فِي كُلِّ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا.
مُوَافَقَةُ الْقَبُولِ لِلإِْيجَابِ.
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ مِنْ تَوَافُقِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَثَلاً يُشْتَرَطُ أَنْ يَقْبَلَ الْمُشْتَرِي مَا أَوْجَبَهُ الْبَائِعُ بِمَا أَوْجَبَهُ، فَإِنْ خَالَفَهُ بِأَنْ قَبِلَ غَيْرَ مَا أَوْجَبَهُ أَوْ بَعْضَ مَا أَوْجَبَهُ، أَوْ بِغَيْرِ مَا أَوْجَبَهُ أَوْ بِبَعْضِ مَا أَوْجَبَهُ لاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ مُبْتَدَأٍ مُوَافِقٍ.
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: إِذَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ فِي الثَّوْبِ فَقَبِلَ فِي ثَوْبٍ آخَرَ لاَ يَنْعَقِدُ، وَكَذَا إِذَا أَوْجَبَ فِي الثَّوْبَيْنِ فَقَبِلَ فِي أَحَدِهِمَا؛ لأَِنَّ الْقَبُولَ فِي أَحَدِهِمَا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ؛ وَلأَِنَّ الْقَبُولَ فِي أَحَدِهِمَا يَكُونُ إِعْرَاضًا عَنِ الْجَوَابِ بِمَنْزِلَةِ الْقِيَامِ عَنِ الْمَجْلِسِ.
وَكَذَا لَوْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ فِي كُلِّ الثَّوْبِ فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي فِي نِصْفِهِ لاَ يَنْعَقِدُ؛ لأَِنَّ الْبَائِعَ يَتَضَرَّرُ بِالتَّفْرِيقِ. وَكَذَا إِذَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ فِي شَيْءٍ بِأَلْفٍ فَقَبِلَ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةٍ لاَ يَنْعَقِدُ، أَوْ أَوْجَبَ بِجِنْسِ ثَمَنٍ فَقَبِلَ بِجِنْسٍ آخَرَ.
وَقَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَيُشْتَرَطُ لاِنْعِقَادِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ عَلَى وَفْقِ الإِْيجَابِ فِي الْقَدْرِ، فَلَوْ خَالَفَ كَأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِثَمَانِيَةٍ، لَمْ يَنْعَقِدْ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى وَفْقِهِ فِي النَّقْدِ وَصِفَتِهِ وَالْحُلُولِ وَالأَْجَلِ، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ صَحِيحَةٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفٍ مُكَسَّرَةٍ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لأَِنَّهُ رَدٌّ لِلإِْيجَابِ لاَ قَبُولٌ لَهُ.
وَمِثْلُهُ فِي كُتُبِ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ.
وَيَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ. لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ تَوَافُقَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْمَعْنَى، وَلِهَذَا ذَكَرُوا أَنَّهُ لَوْ قَالَ : بِعْتُكَهُ بِأَلْفٍ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفَيْنِ جَازَ؛ لأَِنَّ الْقَابِلَ بِالأَْكْثَرِ قَابِلٌ بِالأَْقَلِّ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِنْ قَبِلَ الْبَائِعُ الزِّيَادَةَ تَمَّ الْعَقْدُ بِأَلْفَيْنِ، وَإِلاَّ صَحَّ بِأَلْفٍ فَقَطْ، إِذْ لَيْسَ لِلْقَابِلِ وِلاَيَةُ إِدْخَالِ الزِّيَادَةِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ بِلاَ رِضَاهُ كَمَا عَلَّلَهُ ابْنُ الْهُمَامِ وَغَيْرُهُ.
اتِّصَالُ الْقَبُولِ بِالإِْيجَابِ :
يُشْتَرَطُ لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ مُتَّصِلاً بِالإِْيجَابِ، وَيَحْصُلُ هَذَا الاِتِّصَالُ بِاتِّحَادِ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، بِأَنْ يَقَعَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ مَعًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ الْعَاقِدَانِ حَاضِرَيْنِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْصُلَ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي صَدَرَ فِيهِ الإِْيجَابُ، وَإِذَا كَانَ مَنْ وُجِّهَ إِلَيْهِ الإِْيجَابُ غَائِبًا يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْصُلَ الْقَبُولُ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ بِالإِْيجَابِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْعُقُودِ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ، كَعَقْدِ الْوَكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ.
وَمُقْتَضَى هَذَا الشَّرْطِ: أَنْ يَكُونَ الْمُوجِبُ بَاقِيًا عَلَى إِيجَابِهِ إِلَى أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلاَ يَرْجِعَ عَنِ الإِْيجَابِ قَبْلَ اتِّصَالِ الْقَبُولِ بِهِ، وَلاَ يَصْدُرُ عَنْهُ أَوْ مِمَّنْ وُجِّهَ إِلَيْهِ الإِْيجَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِْعْرَاضِ وَلاَ يَنْفَضَّ مَجْلِسُ الْعَقْدِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَلاَ يَعْنِي هَذَا بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَحْصُلَ الْقَبُولُ فَوْرَ صُدُورِ الإِْيجَابِ، فَالْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ لاَ يَشْتَرِطُونَ الْفَوْرِيَّةَ فِي الْقَبُولِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَتَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي:
أ - رُجُوعُ الْمُوجِبِ عَنِ الإِْيجَابِ.
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الإِْيجَابَ غَيْرُ مُلْزِمٍ، وَلِلْمُوجِبِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إِيجَابِهِ قَبْلَ قَبُولِ الطَّرَفِ الآْخَرِ، سَوَاءٌ ذَلِكَ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا، أَمْ فِي عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، كَالْهِبَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَمِثْلِهِمَا، قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَلِلْمُوجِبِ أَيًّا كَانَ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ قَبُولِ الآْخَرِ وَفِي الْبَدَائِعِ: لَوْ خَاطَبَ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ قَبُولِ الآْخَرِ صَحَّ رُجُوعُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ شَطْرَ الْعَقْدِ ثُمَّ رَجَعَ وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى صِحَّةِ الرُّجُوعِ بِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الَّذِي أَثْبَتَ لِلْمُخَاطَبِ وِلاَيَةَ الْقَبُولِ، فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا كَعَزْلِ الْوَكِيلِ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ لَزِمَ تَعْطِيلُ حَقِّ الْمِلْكِ بِحَقِّ التَّمَلُّكِ، فَالْبَائِعُ مَثَلاً مَالِكٌ لِلسِّلْعَةِ، وَالْمُشْتَرِي يَتَمَلَّكُهَا بِالْعَقْدِ، وَلاَ يُعَارِضُ حَقُّ التَّمَلُّكِ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ.
وَعَلَى ذَلِكَ إِذَا رَجَعَ الْمُوجِبُ قَبْلَ الْقَبُولِ ثُمَّ قَبِلَ الْمُخَاطَبُ لاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ؛ لِبُطْلاَنِ الإِْيجَابِ بِالرُّجُوعِ وَعَدَمِ اتِّصَالِ الْقَبُولِ بِالإِْيجَابِ.
قَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ فِي شُرُوطِ الاِنْعِقَادِ: وَأَنْ يُصِرَّ الْبَادِي عَلَى مَا أَتَى بِهِ مِنَ الإِْيجَابِ إِلَى الْقَبُولِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ نَقَلَ الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ الْجَدِّ: أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَمَّا أَوْجَبَهُ لِصَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَهُ الآْخَرُ لَمْ يُفِدْهُ رُجُوعُهُ إِذَا أَجَابَهُ صَاحِبُهُ بَعْدُ بِالْقَبُولِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رُجُوعَ الْمُوجِبِ عَنِ الإِْيجَابِ لاَ يُبْطِلُ الإِْيجَابَ، بَلْ يَبْقَى إِلَى أَنْ يَقْبَلَهُ الطَّرَفُ الآْخَرُ فَيَتَّصِلُ بِهِ الْقَبُولُ، وَيَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، أَوْ يَرُدُّهُ فَلاَ يَنْعَقِدُ، وَيَرَى الدُّسُوقِيُّ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا تَكُونُ فِيهِ الصِّيغَةُ مُلْزِمَةً كَصِيغَةِ الْمَاضِي.
وَهَلْ لِلْقَابِلِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ قَبُولِهِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ ؟ فِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يَأْتِي بَيَانُهُ
ب - صُدُورُ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِْعْرَاضِ مِنْ قِبَلِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا.
يُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الاِتِّصَالِ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ أَنْ لاَ يَصْدُرَ مِنَ الْمُوجِبِ أَوِ الطَّرَفِ الآْخَرِ أَوْ كِلَيْهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْكَلاَمُ فِي مَوْضُوعِ الْعَقْدِ، وَلاَ يَتَخَلَّلَهُ فَصْلٌ يُعَدُّ قَرِينَةً عَلَى الاِنْصِرَافِ عَنِ الْعَقْدِ.
قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْبَحْرِ: الإِْيجَابُ يَبْطُلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الإِْعْرَاضِ.
وَقَالَ الْحَطَّابُ: لَوْ حَصَلَ فَاصِلٌ يَقْتَضِي الإِْعْرَاضَ عَمَّا كَانَا فِيهِ حَتَّى لاَ يَكُونَ كَلاَمُهُ جَوَابًا لِلْكَلاَمِ السَّابِقِ فِي الْعُرْفِ لَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ، وَمَثَّلَ لِلإِْعْرَاضِ بِقَوْلِهِ: إِذَا أَمْسَكَ الْبَائِعُ السِّلْعَةَ الَّتِي نَادَى عَلَيْهَا وَبَاعَ بَعْدَهَا أُخْرَى لَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِيَ الْبَيْعُ.
وَشَدَّدَ الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: وَيُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَتَخَلَّلَ الإِْيجَابَ وَالْقَبُولَ لَفْظٌ لاَ تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَقْدِ وَلَوْ يَسِيرًا.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ فِي مَعْرِضِ شُرُوطِ الاِنْعِقَادِ: أَنْ لاَ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا، وَإِلاَّ فَلاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ إِعْرَاضٌ عَنِ الْعَقْدِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَا بِالرَّدِّ.
وَأَسَاسُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا يُعْتَبَرُ إِقْبَالاً عَلَى الْعَقْدِ أَوْ إِعْرَاضًا عَنْهُ هُوَ الْعُرْفُ، كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ.
ج - وَفَاةُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وَفَاةَ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ بَعْدَ الإِْيجَابِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ يُبْطِلُ الإِْيجَابَ، فَلاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ بَعْدَ الْوَفَاةِ بِقَبُولِ مَنْ وُجِّهَ إِلَيْهِ الإِْيجَابُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوجِبِ، وَلاَ بِقَبُولِ وَرَثَةِ الْمُخَاطَبِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
وَدَلِيلُ عَدَمِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هُوَ أَنَّ الْقَبُولَ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوجِبِ لاَ يَجِدُ مَا يَلْتَقِي مَعَهُ مِنَ الإِْيجَابِ لِبُطْلاَنِهِ بِالْوَفَاةِ؛ وَلأَِنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ انْفَضَّ بِالْوَفَاةِ فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الاِنْعِقَادِ، وَهُوَ اتِّصَالُ الْقَبُولِ بِالإِْيجَابِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالظَّاهِرُ مِنْ نُصُوصِهِمْ أَنَّ الإِْيجَابَ لاَ يَبْطُلُ عِنْدَهُمْ بِمَوْتِ الْمُخَاطَبِ، وَأَنَّ حَقَّ الْقَبُولِ يُورَثُ بَعْدَ وَفَاةِ مَنْ وُجِّهَ إِلَيْهِ الإِْيجَابُ، يَقُولُ الْقَرَافِيُّ: إِذَا أَوْجَبَ لِزَيْدٍ فَلِوَارِثِهِ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمَجْلِسَ لاَ يَنْفَضُّ بِوَفَاةِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمُوجِبَ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عِنْدَهُمْ قَبْلَ قَبُولِ أَوْ رَدِّ الْمُخَاطَبِ أَمَّا بَقَاءُ الإِْيجَابِ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوجِبِ أَوْ بُطْلاَنِهِ بِوَفَاتِهِ فَلَمْ نَعْثُرْ لَهُمْ عَلَى نَصٍّ فِي الْمَوْضُوعِ.
هَذَا، وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْجُنُونَ وَالإِْغْمَاءَ بِالْوَفَاةِ فِي بُطْلاَنِ الإِْيجَابِ بِهِمَا.
د - اتِّحَادُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
يُشْتَرَطُ لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ لاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، وَيَخْتَلِفُ مَجْلِسُ الْعَقْدِ بِاخْتِلاَفِ حَالَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَطَبِيعَةِ الْعَقْدِ وَكَيْفِيَّةِ التَّعَاقُدِ، فَمَجْلِسُ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ حُضُورِ الْعَاقِدَيْنِ غَيْرُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ فِي حَالِ غِيَابِهِمَا، كَمَا أَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ بِالأَْلْفَاظِ وَالْعِبَارَةِ يَخْتَلِفُ عَنْهُمَا بِالْكِتَابَةِ وَالرِّسَالَةِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
مَجْلِسُ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ حُضُورِ الْعَاقِدَيْنِ.
تَدُلُّ نُصُوصُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ حُضُورِ الْعَاقِدَيْنِ يَتَكَوَّنُ مِنْ ثَلاَثَةِ عَنَاصِرَ: أَحَدُهَا: الْمَكَانُ، وَثَانِيهَا: الْفَتْرَةُ الزَّمَنِيَّةُ، وَثَالِثُهَا: حَالَةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مِنَ الاِجْتِمَاعِ وَالاِنْصِرَافِ عَلَى الْعَقْدِ.
قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى مَكَانِ الْعَقْدِ فَوَاحِدٌ، وَهُوَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، بِأَنْ كَانَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ لاَ يَنْعَقِدُ، حَتَّى لَوْ أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، فَقَامَ الآْخَرُ عَنِ الْمَجْلِسِ قَبْلَ الْقَبُولِ أَوِ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ آخَرَ يُوجِبُ اخْتِلاَفَ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ قَبِلَ، لاَ يَنْعَقِدُ.
وَوَرَدَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ أَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ: هُوَ الاِجْتِمَاعُ الْوَاقِعُ لِلْعَقْدِ وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَجْلِسِ جَامِعًا لِلإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ هُوَ: الضَّرُورَةُ دَفْعًا لِلْعُسْرِ وَتَحْقِيقًا لِلْيُسْرِ، وَإِلاَّ فَالإِْيجَابُ يَزُولُ بِزَوَالِ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ فَلاَ يَلْحَقُهُ الْقَبُولُ حَقِيقَةً، قَالَ الْكَاسَانِيُّ: الْقِيَاسُ أَنْ لاَ يَتَأَخَّرَ أَحَدُ الشَّطْرَيْنِ عَنِ الآْخَرِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا انْعَدَمَ فِي الثَّانِي مِنْ زَمَانِ وُجُودِهِ، فَوُجِدَ الثَّانِي، وَالأَْوَّلُ مُنْعَدِمٌ فَلاَ يَنْتَظِمُ الرُّكْنُ، إِلاَّ أَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى انْسِدَادِ بَابِ التَّعَاقُدِ، فَاعْتُبِرَ الْمَجْلِسُ جَامِعًا لِلشَّطْرَيْنِ حُكْمًا لِلضَّرُورَةِ
قَالَ الْبَابَرْتِيُّ: وَلأَِنَّ فِي إِبْطَالِ الإِْيجَابِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ عُسْرًا بِالْمُشْتَرِي، وَفِي إِبْقَائِهِ فِي مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ عُسْرًا بِالْبَائِعِ، وَفِي التَّوَقُّفِ بِالْمَجْلِسِ يُسْرًا بِهِمَا جَمِيعًا، وَالْمَجْلِسُ جَامِعٌ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ، فَجُعِلَتْ سَاعَاتُهُ سَاعَةً وَاحِدَةً دَفْعًا لِلْعُسْرِ وَتَحْقِيقًا لِلْيُسْرِ.
هَذِهِ هِيَ عِبَارَاتُ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ تَخْتَلِفُ عَنْهَا كَثِيرًا عِبَارَاتُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ مِنِ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ فِي الْقَبُولِ كَمَا سَيَأْتِي.
يَقُولُ الْحَطَّابُ: وَالَّذِي تَحَصَّلَ عِنْدِي مِنْ كَلاَمِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِذَا أَجَابَهُ فِي الْمَجْلِسِ بِمَا يَقْتَضِي الإِْمْضَاءَ وَالْقَبُولَ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ لَزِمَهُ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإِْيجَابِ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ حَصَلَ فَاصِلٌ يَقْتَضِي الإِْعْرَاضَ عَمَّا كَانَا فِيهِ، حَتَّى لاَ يَكُونَ كَلاَمُهُ جَوَابًا لِلْكَلاَمِ السَّابِقِ فِي الْعُرْفِ لَمْ يَنْعَقِدْ.
وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا قَالَهُ الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ حَيْثُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ: إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإِْيجَابِ صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ؛ لأَِنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْقَبْضِ فِيهِ لِمَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ لاَ يُخَالِفُونَ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ الْعَنَاصِرِ الثَّلاَثَةِ، لَكِنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْجُمْهُورَ فِي اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ فِي الْقَبُولِ التَّرَاخِي أَوِ الْفَوْرِيَّةُ فِي الْقَبُولِ.
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْفَوْرِيَّةُ فِي الْقَبُولِ، فَمَا دَامَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الْمَجْلِسِ، وَصَدَرَ الإِْيجَابُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَصْدُرِ الْقَبُولُ إِلاَّ فِي آخِرِ الْمَجْلِسِ تَمَّ الْعَقْدُ عِنْدَهُمْ، فَلاَ يَضُرُّ التَّرَاخِي بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ إِذَا صَدَرَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ.
قَالَ الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ فِي تَرْكِ الْفَوْرِ ضَرُورَةً؛ لأَِنَّ الْقَابِلَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّأَمُّلِ، وَلَوِ اقْتُصِرَ عَلَى الْفَوْرِ لاَ يُمْكِنُهُ التَّأَمُّلُ.
وَقَالَ الْحَطَّابُ: وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَحْصُلَ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ فَصْلٌ بِكَلاَمِ أَجْنَبِيٍّ عَنِ الْعَقْدِ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا، فَإِنْ أَجَابَهُ صَاحِبُهُ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ.
وَقَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإِْيجَابِ صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَجْلِسَ جَامِعٌ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ بِسُكُوتٍ وَلَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلاً عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لأَِنَّ طُولَ الْفَصْلِ يُخْرِجُ الثَّانِيَ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنِ الأَْوَّلِ كَمَا عَلَّلَهُ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ وَقَالُوا: يَضُرُّ تَخَلُّلُ كَلاَمٍ أَجْنَبِيٍّ عَنِ الْعَقْدِ - وَلَوْ يَسِيرًا - بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنِ الْمَجْلِسِ، وَالْمُرَادُ بِالأَْجْنَبِيِّ مَا لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ وَلاَ مِنْ مَصَالِحِهِ وَلاَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِهِ.
عِلْمُ الْمُوجِبِ بِالْقَبُولِ :
صَرَّحَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ سَمَاعَ كُلٍّ مِنَ الْعَاقِدَيْنِ كَلاَمَ الآْخَرِ شَرْطٌ لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ، وَهَذَا يَعْنِي اشْتِرَاطَ عِلْمِ الْمُوجِبِ بِقَبُولِ الْقَابِلِ فِي حَالَةِ التَّعَاقُدِ بَيْنَ الْحَاضِرَيْنِ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: سَمَاعُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَلاَمَهُمَا شَرْطُ انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِالإِْجْمَاعِ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَيَشْتَرِطُونَ سَمَاعَ مَنْ يَقْرَبُ مِنَ الْعَاقِدِ لاَ سَمَاعَ نَفْسِ الْعَاقِدِ، قَالَ الأَْنْصَارِيُّ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَأَنْ يَتَلَفَّظَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَنْ بِقُرْبِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ صَاحِبُهُ.
وَهَذَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْعَقْدُ بَيْنَ حَاضِرَيْنِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَوْجَبَ لِغَائِبٍ؛ لأَِنَّ الإِْيجَابَ لِلْغَائِبِ لَفْظًا كَالإِْيجَابِ لَهُ كِتَابَةً، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْعَقْدِ بَيْنَ الْغَائِبَيْنِ.
مَجْلِسُ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ غِيَابِ الْعَاقِدَيْنِ :
لَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَقْدَ كَمَا يَصِحُّ انْعِقَادُهُ بَيْنَ الْحَاضِرَيْنِ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ بِالْعِبَارَةِ كَذَلِكَ يَصِحُّ بَيْنَ الْغَائِبَيْنِ بِالْكِتَابَةِ أَوْ إِرْسَالِ رَسُولٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَإِذَا كَتَبَ شَخْصٌ لآِخَرَ مَثَلاً: بِعْتُك دَارِيَ بِكَذَا، فَوَصَلَ الْكِتَابُ لَهُ فَقَبِلَ انْعَقَدَ الْعَقْدُ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ نُصُوصِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ حَالَةَ غِيَابِ الْعَاقِدَيْنِ هُوَ مَجْلِسُ قَبُولِ مَنْ وُجِّهَ لَهُ الْكِتَابُ، أَوْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ.
قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ: وَالْكِتَابُ كَالْخِطَابِ، وَكَذَا الإِْرْسَالُ، حَتَّى اعْتُبِرَ مَجْلِسُ بُلُوغِ الْكِتَابِ وَأَدَاءِ الرِّسَالَةِ
وَقَالَ الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ بَاعَ مِنْ غَائِبٍ، كَبِعْتُ دَارِيَ مِنْ فُلاَنٍ وَهُوَ غَائِبٌ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ قَالَ: قَبِلْت انْعَقَدَ الْبَيْعُ، كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ.
وَقَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَائِبًا عَنِ الْمَجْلِسِ، فَكَاتَبَهُ الْبَائِعُ أَوْ رَاسَلَهُ: إِنِّي بِعْتُك دَارِيَ بِكَذَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ قَبِلَ الْبَيْعَ صَحَّ الْعَقْدُ.
وَحَيْثُ إِنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ التَّعَاقُدِ بَيْنَ الْغَائِبَيْنِ هُوَ مَجْلِسُ الْقَبُولِ كَمَا قُلْنَا، فَالْمُعْتَبَرُ فِي اتِّصَالِ الْقَبُولِ بِالإِْيجَابِ هُوَ هَذَا الْمَجْلِسُ، فَإِذَا وَصَلَ الإِْيجَابُ إِلَى الْمُخَاطَبِ، فَكَأَنَّ الْمُوجِبَ حَضَرَ بِنَفْسِهِ وَأَوْجَبَ الْعَقْدَ، فَإِذَا قَبِلَهُ الْمُخَاطَبُ فِي مَجْلِسِهِ دُونَ إِعْرَاضٍ انْعَقَدَ الْعَقْدُ، وَإِذَا انْفَضَّ الْمَجْلِسُ أَوْ صَدَرَ مِمَّنْ وُجِّهَ لَهُ الإِْيجَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى إِعْرَاضِهِ عَنِ الْقَبُولِ عُرْفًا لاَ يَنْعَقِدُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّرَاخِي هُوَ مَا بَيْنَ وُصُولِ الإِْيجَابِ وَصُدُورِ الْقَبُولِ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي حَالَةِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ بَيْنَ الْغَائِبَيْنِ عِلْمُ الْمُوجِبِ بِقَبُولِ الْقَابِلِ، فَعِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ صَرِيحَةٌ بِأَنَّ الْعَقْدَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ قَبُولِ الْقَابِلِ فِي الْمَجْلِسِ .
عُقُودٌ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ :
طَبِيعَةُ بَعْضِ الْعُقُودِ تَقْتَضِي أَنْ لاَ يُشْتَرَطَ فِيهَا اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ، بَلْ إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْعُقُودِ لاَ يَصِحُّ فِيهِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ، وَمِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ:
أ - عَقْدُ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيَصْدُرُ الإِْيجَابُ فِيهَا حَالَ حَيَاةِ الْمُوصِي، لَكِنْ لاَ يُعْتَبَرُ الْقَبُولُ مِنَ الْمُوصَى لَهُ إِلاَّ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي، فَإِذَا قَبِلَهَا الْمُوصَى لَهُ فِي مَجْلِسِ الإِْيجَابِ أَوْ بَعْدَهُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي لاَ تَنْعَقِدُ بِهِ الْوَصِيَّةُ. ر: (وَصِيَّة)
ب - عَقْدُ الْوِصَايَةِ : (الإِْيصَاءُ) فَهِيَ إِقَامَةُ شَخْصٍ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي التَّصَرُّفِ أَوْ فِي تَدْبِيرِ شُئُونِ أَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ فِي مَجْلِسِ الإِْيجَابِ، بَلْ يَمْتَدُّ زَمَنُهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَالْوِصَايَةُ خِلاَفَةٌ تَظْهَرُ آثَارُهَا بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي.
ج - عَقْدُ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ إِقَامَةَ الشَّخْصِ الْغَيْرَ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ فِي الْحَيَاةِ، لَكِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّيْسِيرِ، فَإِذَا قَبِلَهَا الْوَكِيلُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الإِْيجَابِ صَحَّتِ الْوَكَالَةُ، وَلاَ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ الْوَكِيلُ بِسَبَبِ غِيَابِهِ؛ لأَِنَّ لَهُ الرَّدَّ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، حَيْثُ إِنَّ الْوَكَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ. ر: (وَكَالَة)
ثَانِيًا - الْعَاقِدَانِ.
الْمُرَادُ بِالْعَاقِدَيْنِ: كُلُّ مَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ، إِمَّا أَصَالَةً كَأَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ، أَوْ وَكَالَةً كَأَنْ يَعْقِدَ نِيَابَةً عَنِ الْغَيْرِ بِتَفْوِيضٍ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ وِصَايَةً كَمَنْ يَتَصَرَّفُ خِلاَفَةً عَنِ الْغَيْرِ فِي شُئُونِ صِغَارِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِإِذْنٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ.
وَحَيْثُ إِنَّ الْعَقْدَ لاَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِ عَاقِدٍ فَقَدْ جَعَلَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَرْكَانِ الْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلِكَيْ يَنْعَقِدَ الْعَقْدُ صَحِيحًا نَافِذًا يُشْتَرَطُ فِي الْعَاقِدَيْنِ مَا يَأْتِي:
الأَْوَّلُ - الأَْهْلِيَّةُ :
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ أَهْلاً لِلتَّصَرُّفِ، وَهُوَ: الْبَالِغُ الرَّشِيدُ فَلاَ يَصِحُّ مِنْ صَغِيرٍ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَمَجْنُونٍ وَمُبَرْسَمٍ.
أَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَتَصِحُّ عُقُودُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ النَّافِعَةُ نَفْعًا مَحْضًا، كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى إِذْنِ الْوَلِيِّ، وَلاَ تَصِحُّ عُقُودُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ الضَّارَّةُ ضَرَرًا مَحْضًا، كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ لِلْغَيْرِ وَالطَّلاَقِ وَالْكَفَالَةِ بِالدَّيْنِ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ أَجَازَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَلِيُّهُ أَوْ وَصِيُّهُ. أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا فَتَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بِإِجَازَةِ الْوَلِيِّ، وَلاَ تَصِحُّ بِدُونِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِي الْعَاقِدِ الرُّشْدُ ر: (أَهْلِيَّة ف 18).
الثَّانِي - الْوِلاَيَةُ.
الْوِلاَيَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْوَلْيِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: بِمَعْنَى الْقُرْبِ، وَالْوِلاَيَةُ: النُّصْرَةُ وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ الْغَيْرُ أَوْ لاَ.
وَلِكَيْ يَنْعَقِدَ الْعَقْدُ صَحِيحًا نَافِذًا تَظْهَرُ آثَارُهُ شَرْعًا لاَ بُدَّ فِي الْعَاقِدِ - بِجَانِبِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ - أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ لِيَعْقِدَ الْعَقْدَ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وِلاَيَة).
الثَّالِثُ - الرِّضَا وَالاِخْتِيَارُ :
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّضَا أَسَاسُ الْعُقُودِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوالاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ).
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ».
وَالرِّضَا: سُرُورُ الْقَلْبِ وَطِيبُ النَّفْسِ. وَهُوَ ضِدُّ السَّخَطِ وَالْكَرَاهَةِ.
وَعَرَّفَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: بِأَنَّهُ قَصْدُ الْفِعْلِ دُونَ أَنْ يَشُوبَهُ إِكْرَاهٌ وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّهُ امْتِلاَءُ الاِخْتِيَارِ، أَيْ بُلُوغُهُ نِهَايَتَهُ، بِحَيْثُ يُفْضِي أَثَرُهُ إِلَى الظَّاهِرِ مِنَ الْبَشَاشَةِ فِي الْوَجْهِ، أَوْ إِيثَارِ الشَّيْءِ وَاسْتِحْسَانِهِ.
ر: (رِضًا ف 2)
أَمَّا الاِخْتِيَارُ: فَهُوَ الْقَصْدُ إِلَى أَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ دَاخِلٍ فِي قُدْرَةِ الْفَاعِلِ بِتَرْجِيحِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الآْخَرِ
ر: (اخْتِيَار ف 1).
وَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الرِّضَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعُقُودِ الَّتِي تَقْبَلُ الْفَسْخَ وَهِيَ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا، فَهِيَ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ مَعَ التَّرَاضِي، وَقَدْ تَنْعَقِدُ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ لَكِنَّهَا تَكُونُ فَاسِدَةً، كَمَا فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ، يَقُولُ الْمَرْغِينَانِيُّ:... لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ التَّرَاضِي.
فَأَصْلُ الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ تَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ بِدُونِ الرِّضَا، لَكِنَّهَا لاَ تَكُونُ صَحِيحَةً، فَيَنْعَقِدُ بَيْعُ الْمُخْطِئِ نَظَرًا إِلَى أَصْلِ الاِخْتِيَارِ؛ لأَِنَّ الْكَلاَمَ صَدَرَ عَنْهُ بِاخْتِيَارِهِ، أَوْ بِإِقَامَةِ الْبُلُوغِ مَقَامَ الْقَصْدِ، لَكِنْ يَكُونُ فَاسِدًا لِعَدَمِ الرِّضَا حَقِيقَةً، أَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي لاَ تَقْبَلُ الْفَسْخَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالرِّضَا لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا، فَيَصِحُّ عِنْدَهُمُ النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالْعَتَاقُ وَالرَّجْعَةُ وَنَحْوُهَا حَتَّى مَعَ الإِْكْرَاهِ.
أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَتَدُورُ عِبَارَاتُهُمْ بَيْنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الرِّضَا أَصْلٌ أَوْ أَسَاسٌ أَوْ شَرْطٌ لِلْعُقُودِ كُلِّهَا، فَلاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ الرِّضَا سَوَاءٌ أَكَانَ مَالِيًّا أَوْ غَيْرَ مَالِيٍّ.
ر: (رِضًا ف 13)
عُيُوبُ الرِّضَا.
ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي عُيُوبِ الرِّضَا: الإِْكْرَاهَ وَالْجَهْلَ، وَالْغَلَطَ، وَالتَّدْلِيسَ، وَالْغَبْنَ، وَالتَّغْرِيرَ، وَالْهَزْلَ، وَالْخِلاَبَةَ، وَنَحْوَهَا، فَإِذَا وُجِدَ عَيْبٌ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ فِي عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلاً أَوْ فَاسِدًا فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَالْحَنَفِيَّةِ، أَوْ غَيْرَ لاَزِمٍ يَكُونُ لِكِلاَ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِهِ فِي حَالاَتٍ أُخْرَى.
وَتَعْرِيفُ هَذِهِ الْعُيُوبِ وَتَفْصِيلُ أَحْكَامِهَا وَأَثَرُهَا عَلَى الرِّضَا وَخِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا مِنَ الْمَوْسُوعَةِ.
ثَالِثًا - مَحَلُّ الْعَقْدِ.
الْمُرَادُ بِمَحَلِّ الْعَقْدِ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَتَظْهَرُ فِيهِ أَحْكَامُهُ وَآثَارُهُ، وَيَخْتَلِفُ الْمَحَلُّ بِاخْتِلاَفِ الْعُقُودِ، فَقَدْ يَكُونُ الْمَحَلُّ عَيْنًا مَالِيَّةً، كَالْمَبِيعِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَالْمَوْهُوبِ فِي عَقْدِ الْهِبَةِ، وَالْمَرْهُونِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ، وَقَدْ يَكُونُ عَمَلاً مِنَ الأَْعْمَالِ، كَعَمَلِ الأَْجِيرِ فِي الإِْجَارَةِ، وَعَمَلِ الزَّارِعِ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَعَمَلِ الْوَكِيلِ فِي الْوَكَالَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْفَعَةَ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، كَمَنْفَعَةِ الْمَأْجُورِ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ، وَمَنْفَعَةِ الْمُسْتَعَارِ فِي عَقْدِ الإِْعَارَةِ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ كَمَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْكَفَالَةِ وَنَحْوِهِمَا.
وَلِهَذَا فَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ شُرُوطًا تَكَلَّمُوا عَنْهَا فِي كُلِّ عَقْدٍ وَذَكَرُوا بَعْضَ الشُّرُوطِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَجِبُ تَوَافُرُهَا فِي الْعُقُودِ عَامَّةً أَوْ فِي مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْعُقُودِ، مِنْهَا:
أ - وُجُودُ الْمَحَلِّ:
يَخْتَلِفُ اشْتِرَاطُ هَذَا الشَّرْطِ بِاخْتِلاَفِ الْعُقُودِ: فَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَثَلاً اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى وُجُودِ الْمَحَلِّ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَمْ يُوجَدْ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : «لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» ؛ وَلأَِنَّ فِي بَيْعِ مَا لَمْ يُوجَدْ غَرَرًا وَجَهَالَةً فَيُمْنَعُ، لِحَدِيثِ: أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» وَعَلَى ذَلِكَ صَرَّحُوا بِبُطْلاَنِ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلاَقِيحِ وَحَبَلِ الْحُبْلَةِ.
وَمَنَعُوا مِنْ بَيْعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ قَبْلَ ظُهُورِهَا، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟».
وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ عَقْدَ السَّلَمِ وَذَلِكَ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ كَمَا اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ عَقْدَ الاِسْتِصْنَاعِ لِلدَّلِيلِ نَفْسِهِ ر: (اسْتِصْنَاع ف 7).
أَمَّا بَيْعُ الزَّرْعِ أَوِ الثَّمَرِ قَبْلَ ظُهُورِهِمَا فَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ مَعْدُومٌ وَلاَ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَعْدُومِ، أَمَّا بَعْدَ الظُّهُورِ وَقَبْلَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ فَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ أَوِ الزَّرْعُ بِحَالٍ يُنْتَفَعُ بِهِمَا فَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ الْغَرَرِ فِي ذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ الثِّمَارِ الْمُتَلاَحِقَةِ الظُّهُورِ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (ثِمَار ف 11 - 13).
وَفِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ اعْتَبَرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَنَافِعَ أَمْوَالاً، وَاعْتَبَرَهَا كَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مَوْجُودَةً حِينَ الْعَقْدِ تَقْدِيرًا، فَيَصِحُّ التَّعَاقُدُ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى وُجُودِ الْمَنَافِعِ حِينَ الْعَقْدِ عِنْدَهُمْ، وَلِهَذَا يَقُولُونَ بِنَقْلِ مِلْكِيَّةِ الْمَنَافِعِ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَالأُْجْرَةِ لِلْمُؤَجِّرِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي الإِْجَارَةِ الْمُطْلَقَةِ.
وَعَلَّلَ الْمَالِكِيَّةُ جَوَازَ الإِْجَارَةِ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً فِي حَالِ الْعَقْدِ لَكِنَّهَا مُسْتَوْفَاةٌ فِي الْغَالِبِ، وَالشَّرْعُ إِنَّمَا لَحَظَ مِنَ الْمَنَافِعِ مَا يُسْتَوْفَى فِي الْغَالِبِ أَوْ يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهُ وَعَدَمُ اسْتِيفَائِهِ سَوَاءً.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ أَجَازُوا عَقْدَ الإِْجَارَةِ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْقَاعِدَةِ؛ لِوُرُودِ النُّصُوصِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي جَوَازِ الإِْجَارَةِ، قَالَ الْكَاسَانِيُّ: الإِْجَارَةُ بَيْعُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْمَنَافِعُ لِلْحَالِ مَعْدُومَةٌ، وَالْمَعْدُومُ لاَ يَحْتَمِلُ الْبَيْعَ، فَلاَ تَجُوزُ إِضَافَةُ الْبَيْعِ إِلَى مَا يُؤْخَذُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا الْجَوَازَ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: جَوَازُ الإِْجَارَةِ مُوَافِقَةٌ لِلْقِيَاسِ؛ لأَِنَّ مَحَلَّ الْعَقْدِ إِذَا أَمْكَنَ التَّعَاقُدُ عَلَيْهِ فِي حَالِ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ - كَالأَْعْيَانِ - فَالأَْصْلُ فِيهِ عَدَمُ جَوَازِ الْعَقْدِ حَالَ عَدَمِهِ لِلْغَرَرِ، مَعَ ذَلِكَ جَازَ الْعَقْدُ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ.
أَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ حَالٌ وَاحِدَةٌ، وَالْغَالِبُ فِيهِ السَّلاَمَةُ - كَالْمَنَافِعِ - فَلَيْسَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ مُخَاطَرَةً وَلاَ قِمَارًا فَيَجُوزُ، وَقِيَاسُهُ عَلَى بَيْعِ الأَْعْيَانِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ.
وَفَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الشَّرْطِ بَيْنَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ وَعُقُودِ التَّبَرُّعِ، فَقَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ النَّوْعِ الأَْوَّلِ مِنَ الْعُقُودِ فِي حَالِ عَدَمِ وُجُودِ مَحَلِّهَا، وَأَجَازُوا النَّوْعَ الثَّانِيَ فِي حَالَةِ وُجُودِ الْمَحَلِّ وَعَدَمِهِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ مَا يَخْتَصُّ بِعُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْهِبَةِ مَثَلاً يَجُوزُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُ الْعَقْدِ (الْمَوْهُوبُ) غَيْرَ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ، بَلْ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، أَوْ غَيْرَ مَعْلُومٍ فِعْلاً، فَالْغَرَرُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ، وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ مَا يَرِثُهُ مِنْ فُلاَنٍ - وَهُوَ لاَ يَدْرِي كَمْ هُوَ ؟ أَسُدُسٌ أَوْ رُبُعٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَفِي الرَّهْنِ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُ الْعَقْدِ (الْمَرْهُونُ) غَيْرَ مَوْجُودٍ حِينَ الْعَقْدِ، كَثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا، فَشَيْءٌ يُوثَقُ بِهِ خَيْرٌ مِنْ عَدَمِهِ، كَمَا يَقُولُونَ وَهَذَا بِخِلاَفِ عَقْدِ الْبَيْعِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ.
ب - قَابِلِيَّةُ الْمَحَلِّ لِحُكْمِ الْعَقْدِ :
يُشْتَرَطُ فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ قَابِلاً لِحُكْمِ الْعَقْدِ.
وَالْمُرَادُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ: الأَْثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْعَقْدِ، وَيَخْتَلِفُ هَذَا حَسْبَ اخْتِلاَفِ الْعُقُودِ، فَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَثَلاً أَثَرُ الْعَقْدِ هُوَ انْتِقَالُ مِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ مِنَ الْبَائِعِ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَالاً مُتَقَوِّمًا مَمْلُوكًا لِلْبَائِعِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ مَالاً بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ: وَهُوَ مَا يَمِيلُ إِلَيْهِ الطَّبْعُ وَيَجْرِي فِيهِ الْبَذْلُ وَالْمَنْعُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ مَثَلاً عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا، أَيْ: مُنْتَفَعًا بِهِ شَرْعًا، كَبَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا مَالاً عِنْدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّهُمَا لَيْسَا مُتَقَوِّمَيْنِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، فَحَرُمَ بَيْعُهُمَا كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ رضي الله عنه : «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ»
وَفِي عُقُودِ الْمَنْفَعَةِ كَعَقْدِ الإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ وَنَحْوِهِمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْعَقْدِ - أَيِ الْمَنْفَعَةُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا - مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً مُبَاحَةً، فَلاَ تَجُوزُ الإِْجَارَةُ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ كَالزِّنَا وَالنَّوْحِ وَنَحْوِهِمَا كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي مُصْطَلَحِ: (إِجَارَة ف 108).
وَكَمَا لاَ يَجُوزُ إِجَارَةُ الْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ لاَ يَجُوزُ إِعَارَتُهَا كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْعَارِيَّةِ إِمْكَانُ الاِنْتِفَاعِ بِمَحَلِّ الْعَقْدِ (الْمُعَارِ أَوِ الْمُسْتَعَارِ) انْتِفَاعًا مُبَاحًا شَرْعًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، كَالدَّارِ لِلسُّكْنَى، وَالدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ، مَثَلاً فَلاَ يَجُوزُ إِعَارَةُ الْفُرُوجِ لِلاِسْتِمْتَاعِ، وَلاَ آلاَتِ الْمَلاَهِي لِلَّهْوِ، كَمَا لاَ تَصِحُّ الإِْعَارَةُ لِلْغِنَاءِ أَوِ الزَّمْرِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، فَالإِْعَارَةُ لاَ تُبِيحُ مَا لاَ يُبِيحُهُ الشَّرْعُ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (عَارِيَّةً).
وَفِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يُشْتَرَطُ فِي الْمَحَلِّ (الْمُوَكَّلِ بِهِ) أَنْ يَكُونَ قَابِلاً لِلاِنْتِقَالِ لِلْغَيْرِ وَالتَّفْوِيضِ فِيهِ، وَلاَ يَكُونَ خَاصًّا بِشَخْصِ الْمُوَكِّلِ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي مُصْطَلَحِ: (وَكَالَة).
ج - مَعْلُومِيَّةُ الْمَحَلِّ لِلْعَاقِدَيْنِ :
يُشْتَرَطُ فِي الْمَحَلِّ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا وَمَعْرُوفًا لِلْعَاقِدَيْنِ، بِحَيْثُ لاَ يَكُونُ فِيهِ جَهَالَةٌ تُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ وَالْغَرَرِ.
وَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِمَحَلِّ الْعَقْدِ بِكُلِّ مَا يُمَيِّزُهُ عَنِ الْغَيْرِ مِنْ رُؤْيَتِهِ أَوْ رُؤْيَةِ بَعْضِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ، أَوْ بِوَصْفِهِ وَصْفًا يَكْشِفُ عَنْهُ تَمَامًا، أَوْ بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهِ.
وَهَذَا الشَّرْطُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ شَاةٍ مِنَ الْقَطِيعِ مَثَلاً وَلاَ إِجَارَةُ إِحْدَى هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْجَهَالَةَ فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ: (الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) تُسَبِّبُ الْغَرَرَ وَتُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ.
وَفَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ - وَهِيَ الَّتِي تُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ - وَبَيْنَ الْجَهَالَةِ الْيَسِيرَةِ - وَهِيَ: الَّتِي لاَ تُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ - فَمَنَعُوا الأُْولَى وَأَجَازُوا الثَّانِيَةَ.
وَجَعَلَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْعُرْفَ حَكَمًا فِي تَعْيِينِ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الإِْجَارَةُ مِنْ مَنْفَعَةٍ، وَتَمْيِيزِ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ عَنِ الْجَهَالَةِ الْيَسِيرَةِ.
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (بَيْع ف 32) (وَالإِْجَارَةُ ف 34).
وَفِي عَقْدِ السَّلَمِ يُشْتَرَطُ فِي الْمَحَلِّ: (الْمُسْلَمِ فِيهِ) أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، كَيْلاً أَوْ وَزْنًا أَوْ عَدًّا أَوْ ذَرْعًا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْجَهَالَةَ فِي كُلٍّ مِنْهَا تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
وَلِلتَّفْصِيلِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (سَلَم).
هَذَا فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الحادي والثلاثون، الصفحة / 138
غَبْن
التَّعْرِيفُ:
الْغَبْنُ فِي اللُّغَةِ. الْغَلَبُ وَالْخَدْعُ وَالنَّقْصُ.قَالَ الْكَفَوِيُّ: الْغَبْنُ بِالْمُوَحَّدَةِ السَّاكِنَةِ يُسْتَعْمَلُ فِي الأَْمْوَالِ، وَبِالْمُتَحَرِّكَةِ فِي الآْرَاءِ وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ بِالْفَتْحِ، وَفِي الرَّأْيِ بِالإِْسْكَانِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَالَ الْحَطَّابُ: الْغَبْنُ عِبَارَةٌ عَنْ بَيْعِ السِّلْعَةِ بِأَكْثَرَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ النَّاسَ لاَ يَتَغَابَنُونَ بِمِثْلِهِ إِذَا اشْتَرَاهَا كَذَلِكَ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّدْلِيسُ:
التَّدْلِيسُ: كِتْمَانُ عَيْبِ السِّلْعَةِ عَنِ الْمُشْتَرِي، يُقَالُ دَلَّسَ الْبَائِعُ تَدْلِيسًا: كَتَمَ عَيْبَ السِّلْعَةِ عَنِ الْمُشْتَرِي وَأَخْفَاهُ، وَمِنْهُ التَّدْلِيسُ فِي الإِْسْنَادِ. وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا اللَّفْظَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ نَفْسِهِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ التَّدْلِيسِ وَالْغَبْنِ هُوَ: أَنَّ التَّدْلِيسَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْغَبْنِ.
ب - الْغِشُّ:
الْغِشُّ هُوَ الاِسْمُ مِنَ الْغِشِّ مَصْدَرُ غَشَّهُ: إِذَا لَمْ يَمْحَضْهُ النُّصْحَ وَزَيَّنَ لَهُ غَيْرَ الْمَصْلَحَةِ أَوْ أَظْهَرَ لَهُ خِلاَفَ مَا أَضْمَرَهُ وَيَكُونُ الْغِشُّ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْغَبْنِ.
ح - الْغَرَرُ:
الْغَرَرُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ مِنَ التَّغْرِيرِ وَهُوَ الْخَطَرُ وَالْخُدْعَةُ وَتَعْرِيضُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ أَوْ مَالَهُ لِلْهَلَكَةِ.
وَقَالَ الْجُرْجَانِيِّ: الْغَرَرُ مَا يَكُونُ مَجْهُولَ الْعَاقِبَةِ، لاَ يُدْرَى أَيَكُونُ أَمْ لاَ؟
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
الْغَبْنُ مُحَرَّمٌ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّغْرِيرِ لِلْمُشْتَرِي وَالْغِشِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَيَحْرُمُ تَعَاطِي أَسْبَابِهِ.لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّ الْغَبْنَ فِي الدُّنْيَا مَمْنُوعٌ بِإِجْمَاعٍ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا إِذْ هُوَ مِنْ بَابِ الْخِدَاعِ الْمُحَرَّمِ شَرْعًا فِي كُلِّ مِلَّةٍ. لَكِنَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ لأَِحَدٍ فَمَضَى فِي الْبُيُوعِ، إِذْ لَوْ حَكَمْنَا بِرَدِّهِ مَا نَفَذَ بَيْعٌ أَبَدًا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخْلُو مِنْهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ كَثِيرًا أَمْكَنَ الاِحْتِرَازُ مِنْهُ وَجَبَ الرَّدُّ بِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ مَعْلُومٌ.
أَنْوَاعُ الْغَبْنِ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْغَبْنَ نَوْعَانِ: غَبْنٌ يَسِيرٌ وَغَبْنٌ فَاحِشٌ. وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَحْدِيدِ كُلٍّ مِنَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَالْيَسِيرِ أَقْوَالٌ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْيَسِيرَ: مَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ. وَالْفَاحِشَ:
مَا لاَ يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، لأَِنَّ الْقِيمَةَ تُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ بَعْدَ الاِجْتِهَادِ، فَيُعْذَرُ فِيمَا يُشْتَبَهُ؛ لأَِنَّهُ يَسِيرٌ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلاَ يُعْذَرُ فِيمَا لاَ يُشْتَبَهُ لِفُحْشِهِ، وَلإِِمْكَانِ الاِحْتِرَازِ عَنْهُ، لأَِنَّهُ لاَ يَقَعُ فِي مِثْلِهِ عَادَةً إِلاَّ عَمْدًا.
وَقِيلَ: حَدُّ الْفَاحِشِ فِي الْعُرُوضِ نِصْفُ عُشْرِ الْقِيمَةِ، وَفِي الْحَيَوَانِ عُشْرُ الْقِيمَةِ، وَفِي الْعَقَارِ خُمُسُ الْقِيمَةِ، وَفِي الدَّرَاهِمِ رُبُعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ؛ لأَِنَّ الْغَبْنَ يَحْصُلُ بِقِلَّةِ الْمُمَارَسَةِ فِي التَّصَرُّفِ، وَالصَّحِيحُ الأَْوَّلُ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ سِعْرُهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ وَيَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَالْمَوْزِ لاَ يُعْفَى فِيهِ الْغَبْنُ وَإِنْ قَلَّ وَإِنْ كَانَ فَلْسًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْغَبْنَ عِبَارَةٌ عَنْ بَيْعِ السِّلْعَةِ بِأَكْثَرَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ النَّاسَ لاَ يَتَغَابَنُونَ بِمِثْلِهِ، وَهِيَ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَقِيلَ: الثُّلُثُ وَأَمَّا مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فَلاَ يُوجِبُ الرَّدَّ بِاتِّفَاقٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: الْغَبْنُ الْيَسِيرُ هُوَ مَا يُحْتَمَلُ غَالِبًا فَيُغْتَفَرُ فِيهِ، وَالْغَبْنُ الْفَاحِشُ هُوَ مَا لاَ يُحْتَمَلُ غَالِبًا، وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ عُرْفُ بَلَدِ الْبَيْعِ وَالْعَادَةِ.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يُرْجَعُ فِي الْغَبْنِ إِلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الأَْصْحَابِ، وَقِيلَ: يُقَدَّرُ الْغَبْنُ بِالثُّلُثِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الإِْرْشَادِ. وَنَقَلَ الْمِرْدَاوِيُّ عَنِ الْمُسْتَوْعِبِ: الْمَنْصُوصُ أَنَّ الْغَبْنَ الْمُثْبِتَ لِلْفَسْخِ مَا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ. وَحَدَّهُ أَصْحَابُنَا بِقَدْرِ ثُلُثِ قِيمَةِ الْبَيْعِ.
أَثَرُ الْغَبْنِ فِي الْعُقُودِ:
إِذَا كَانَ الْغَبْنُ الْمُصَاحِبُ لِلْعَقْدِ يَسِيرًا فَلاَ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ. اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْغَبْنَ فِي الْبَيْعِ بِمَا لاَ يُوحِشُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّتِهِ.
إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اسْتَثْنَوْا بَعْضَ الْمَسَائِلِ، وَاعْتَبَرُوا الْغَبْنَ يُؤَثِّرُ فِيهَا حَتَّى لَوْ كَانَ يَسِيرًا.
أَمَّا الْغَبْنُ الْفَاحِشُ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِهِ عَلَى الْعُقُودِ حَسَبَ الاِتِّجَاهَاتِ الآْتِيَةِ:
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّلُ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ إِلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ لاَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، وَلاَ يُوجِبُ الرَّدَّ.
قَالَ الْحَصْكَفِيُّ: لاَ رَدَّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ مُطْلَقًا.
وَقَالَ الدَّرْدِيرُ: وَلاَ يُرَدُّ الْمَبِيعُ بِغَبْنٍ بِأَنْ يَكْثُرَ الثَّمَنُ أَوْ يَقِلَّ جِدًّا، وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ بِأَنْ خَرَجَ عَنْ مُعْتَادِ الْعُقَلاَءِ.
وَجَاءَ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ: مُجَرَّدُ الْغَبْنِ لاَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ وَإِنْ تَفَاحَشَ، وَلَوْ اشْتَرَى زُجَاجَةً بِثَمَنٍ كَبِيرٍ يَتَوَهَّمُهَا جَوْهَرَةً فَلاَ خِيَارَ لَهُ، وَلاَ نَظَرَ إِلَى مَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْغَبْنِ؛ لأَِنَّ التَّقْصِيرَ مِنْهُ حَيْثُ لَمْ يُرَاجِعْ أَهْلَ الْخِبْرَةِ.
وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بَعْضَ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، وَقَالُوا بِأَثَرِ الْغَبْنِ الْفَاحِشِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يُصَاحِبْهُ تَغْرِيرٌ، وَمِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ:
أ - تَصَرُّفُ الأَْبِ وَالْجَدِّ وَالْوَصِيِّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْمُضَارِبِ وَالْوَكِيلِ بِشِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، يُعْفَى فِيهِ يَسِيرُ الْغَبْنِ دُونَ فَاحِشِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ.
وَقَالَ الْمَوَّاقُ نَقْلاً عَنْ أَبِي عُمَرَ الْمَالِكِيِّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّائِبَ عَنْ غَيْرِهِ فِي بَيْعٍ وَشِرَاءٍ مِنْ وَكِيلٍ أَوْ وَصِيٍّ إِذَا بَاعَ أَوِ اشْتَرَى مَا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ أَنَّهُ مَرْدُودٌ.
وَلِلتَّفْصِيلِ فِي أَحْكَامِ خِيَارِ غَبْنِ الْقَاصِرِ وَشِبْهِهِ ر: (خِيَارُ الْغَبْنِ ف 13 وَمَا بَعْدَهَا)
ب - بَيْعُ الْمُسْتَسْلِمِ الْمُسْتَنْصِحِقَالَ الدَّرْدِيرُ: وَلاَ رَدَّ بِغَبْنٍ وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَسْلِمَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ صَاحِبَهُ بِأَنْ يُخْبِرَهُ بِجَهْلِهِ، كَأَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: أَنَا لاَ أَعْلَمُ قِيمَةَ هَذِهِ السِّلْعَةِ، فَبِعْنِي كَمَا تَبِيعُ النَّاسَ فَقَالَ الْبَائِعُ: هِيَ فِي الْعُرْفِ بِعَشْرَةٍ فَإِذَا هِيَ بِأَقَلَّ: أَوْ يَقُولُ الْبَائِعُ: أَنَا لاَ أَعْلَمُ قِيمَتَهَا فَاشْتَرِ مِنِّي كَمَا تَشْتَرِي مِنَ النَّاسِ فَقَالَ: هِيَ فِي عُرْفِهِمْ بِعَشْرَةٍ، فَإِذَا هِيَ بِأَكْثَرَ، فَلِلْمَغْبُونِ الرَّدُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، بَلْ بِاتِّفَاقٍ.
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ - مِنْهُمُ ابْنُ الْقَصَّارِ - وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْمَغْبُونِ حَقَّ الْخِيَارِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الْعَقْدِ أَوْ فَسْخِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَاحِبِ الْغَبْنَ تَغْرِيرٌ.
قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْحَمَوِيِّ: فَقَدْ تَحَرَّرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ الرَّدِّ بِهِ (بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ) وَلَكِنْ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَفْتَى بِالرَّدِّ مُطْلَقًا.
وَقَالَ الْمَوَّاقُ نَقْلاً عَنِ الْمُتَيْطِيِّ: تَنَازَعَ الْبَغْدَادِيُّونَ فِي هَذَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ زَادَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ عَلَى قِيمَةِ الثُّلُثِ فَأَكْثَرُ فُسِخَ الْبَيْعُ، وَكَذَلِكَ إِنْ بَاعَ بِنُقْصَانِ النَّاسِ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ، وَحَكَى ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ: لِلْمَغْبُونِ الرَّدُّ إِذَا كَانَ فَاحِشًا وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَغْبُونُ جَاهِلاً بِالْقِيَمِ.
وَالْحَنَابِلَةُ يَقُولُونَ بِإِعْطَاءِ الْعَاقِدِ الْمَغْبُونِ حَقَّ الْخِيَارِ فِي ثَلاَثِ صُوَرٍ:
إِحْدَاهَا: تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ أَيْ صَاحِبُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» (ر: بَيْع مَنْهِيّ عَنْهُ ف 129. 131).
وَالثَّانِيَةُ: بَيْعُ النَّاجِشِ وَلَوْ بِلاَ مُوَاطَأَةٍ مِنَ الْبَائِعِ، وَمِنْهُ أُعْطِيتُ كَذَا وَهُوَ كَاذِبٌ وَالثَّالِثَةُ: الْمُسْتَرْسِلُ إِذَا اطْمَأَنَّ وَاسْتَأْنَسَ وَغَبَنَ، ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ وَلاَ أَرْشَ مَعَ إِمْسَاكٍ.
الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: إِعْطَاءُ الْمَغْبُونِ حَقَّ الْخِيَارِ إِذَا صَاحَبَ الْغَبْنَ تَغْرِيرٌ بِهَذَا يَقُولُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَصَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَأَفْتَى بِهِ صَدْرُ الإِْسْلاَمِ وَغَيْرُهُ.(ر: خِيَارُ الْغَبْنِ ف 12 وَمَا بَعْدَهَا)
