1- لما كان الحكم المطعون فيه قد عرض لما أثاره الطاعن بشأن بطلان إجراءات التحريز واطرحه فى قوله " وحيث إنه عن قالة الدفاع بالعبث بالاحراز فإنه لما كان من المقرر أن إجراءات التحرير المنصوص عليها فى المواد 55، 56 ، 57 ، من قانون الإجراءات الجنائية إنما قصد بها تنظيم العمل للمحافظة على الدليل خشية توهينه ولم يرتب القانون على مخالفتها بطلانا بل ترك الأمر فى ذلك إلى اطمئنان المحكمة إلى سلامة الدليل، ولما كان من المقرر إن إجراءات التحريز المنصوص عليها فى المواد 55، 56 ، 57 من قانون الإجراءات الجنائية لابطلان على مخالفتها ولم يستلزم القانون أن يكون الختم المستعمل فى التحريز لمأمور الضبط القضائي والمرجع فى سلامة الإجراءات لمحكمة الموضوع، ولما كان ذلك، وكانت المحكمة تطمئن تماماً إلى سلامة إجراءات التحريز التى تمت من مأمور الضبط القضائي وهى بذاتها ما تم عرضه على النيابة العامة ومن ثم تلتفت عن قالة الدفاع فى هذا الخصوص خاصة وقد أثبت مأمور الضبط أن الحرز قد ختم بعدة أختام ولم يذكر عددها وإنما وصف غلافها فى حين أن النيابة ذكرت عددها بعد التأكد من سلامتها وكلها أمور لا تثير الشك لدى المحكمة لاقتناعها بسلامة إجراءات التحريز" وهو منه رد سائغ يضحى معه النعى على الحكم فى هذا الصدد غير سديد.
(الطعن رقم 3473 لسنة 62 ق - جلسة 1994/02/02 س 45 ص 181 ق 28)
2- إجراءات التحريز بما فيها الإجراء المنصوص عليه فى المادة 57 من قانون الإجراءات الجنائية إنما هى إجراءات قصد بها تنظيم العمل للمحافظة على الدليل خشية توهينه ، و لم يرتب القانون على مخالفتها أى بطلان ، و ترك الأمر فى ذلك إلى إطمئنان المحكمة إلى سلامة الدليل و أن الأحراز المضبوطة لم يصل إليها العبث ، و لما كانت المحكمة أقامت قضاءها على عناصر صحيحة و سائغة ، فإنه لا يقبل من الطاعن ما يثيره فى هذا الصدد إذ لا يعدو فى حقيقته أن يكون جدلاً موضوعياً مما لا تجوز إثارته أمام محكمة النقض .
(الطعن رقم 2008 لسنة 32 ق - جلسة 1963/03/05 س 14 ع 1 ص 148 ق 33)
3- إجراءات التحريز إنما قصد بها تنظيم العمل للمحافظة على الدليل خشية توهينه و لم يرتب القانون على مخالفتها بطلاناً ، بل ترك الأمر فى ذلك إلى إطمئنان المحكمة إلى سلامة الدليل . و إذ كان مفاد ما أورده الحكم هو أن المحكمة إطمأنت إلى أن المخدر المضبوط لم تمتد إليه يد العبث فإنه لا يقبل من الطاعن منعاه على الحكم فى هذا الشأن .
(الطعن رقم 767 لسنة 42 ق - جلسة 1972/10/08 س 23 ع 3 ص 979 ق 218)
4- المقرر أن إجراءات التحريز المنصوص عليها في المواد 55، 56، 57 من قانون الإجراءات الجنائية إنما قصد بها تنظيم العمل للمحافظة على الدليل خشية توهينه، ولم يرتب القانون على مخالفتها بطلاناً بل ترك الأمر في ذلك إلى اطمئنان المحكمة إلى سلامة الدليل، وكانت المحكمة قد عرضت لدفاع الطاعن في هذا الشأن واطرحته باطمئنانها بأن ما تم ضبطه من سلع مقلدة هو ما تم فحصه، فإن جدل الطاعن في هذا الشأن إن هو إلا جدل في تقدير الدليل المستمد من أقوال شاهد الواقعة ومن عملية الفحص التي اطمأنت إليها محكمة الموضوع فلا يجوز مجادلتها أو مصادرتها في عقيدتها في تقدير الدليل وهو من إطلاقاتها، أما ما يثيره الطاعن بقالة أن مأمور الضبط القضائي هو من أرسل المضبوطات للفحص دون النيابة العامة التي قعدت عن تحقيق الدعوى قضائياً، فلا يعدو أن يكون تعييباً للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سبباً للطعن على الحكم. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن المحكمة غير ملزمة بندب خبير إذا هي رأت من الأدلة المقدمة في الدعوى ما يكفي للفصل فيها دون ما حاجة إلى ندبه - كما هو الحال في الدعوى المطروحة - فإن ما يثيره الطاعن في هذا الصدد لا يكون مقبول.
(الطعن رقم 17078 لسنة 89 ق - جلسة 17 / 11 / 2020)
تقرر المادة محل التعليق على أنه لا يجوز فض الأختام الموضوعة طبقاً للمادتين (53، 56) من قانون الإجراءات الجنائية إلا بحضور المتهم أو وكيله. ومن ضبطت عنده هذه الأشياء، أو بعد دعوتهم لذلك. وهدف هذه القاعدة هو المحافظة على ذاتية هذه الأشياء، فلا يرد عليها تغيير وهذه القواعد إرشادية، فقد قصد بها الشارع تنظيم العمل للمحافظة على الدليل خشية توهينه، ومن ثم لا يترتب على مخالفتها بطلان، وإنما قد يترتب على ذلك ضعف الدليل المستمد من الأشياء المضبوطة، إذا اعتقدت محكمة الموضوع أن إغفالها قد قام به احتمال تسرب العبث. إلى المضبوطات، وتقدير ذلك موكول إليها.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الأول ، الصفحة : 499)
من المقرر أن إجراءات التحريز المنصوص عليها في المواد (55)، (56)، (57) من قانون الإجراءات الجنائية لا بطلان على مخالفتها. والأمر مرجعه إلى اطمئنان محكمة الموضوع إلى سلامة الدليل من عدمه.
النص في المادة (57) من قانون الإجراءات الجنائية على عدم جواز فض الأختام إلا بحضور المتهم أو وكيله أو من ضبطت عنده هذه الأشياء والهدف من ذلك هو الحرص على الأشياء المضبوطة وعدم إمكان تغييرها أو تبديلها. (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الأول ، الصفحة : 709)
ولضمان المحافظة على الأدلة المضبوطة يجب مراعاة ما يأتي:
1- لمأموري الضبط القضائي أن يضعوا الأختام على الأماكن التي بها آثار أو أشياء تفيد في كشف الحقيقة، ولهم أن يقيموا حراساً عليها. ويجب عليهم إخطار النيابة العامة بذلك في الحال. وعلى النيابة إذا ما رأت ضرورة ذلك الإجراء أن ترفع الأمر إلى القاضي الجزئي لإقراره (المادة 53 إجراءات).
ولحائز المكان أن يتظلم أمام القاضي من الأمر الذي أصدره بعريضة يقدمها لم إلى النيابة العامة وعليها رفع التظلم إلى القاضي فوراً (المادة 54 إجراءات).
2- لمأموري الضبط القضائي أن يضبطوا الأوراق والأسلحة والآلات وكل ما يحتمل أن يكون قد استعمل في ارتكاب الجريمة أو نتج عن ارتكابها أو ما وقعت عليه الجريمة و كل ما يفيد في كشف الحقيقة (المادة 55 إجراءات).
ويباشر مأمور الضبط هذه السلطة بوصفها نوعاً من جمع الاستدلالات ولو كانت النيابة العامة قد بدأت التحقيق. فإذا كانت الأشياء المشار إليها في المادة 55 إجراءات مما يتطلب من النيابة العامة إذناً بالتفتيش لخروجه عن سلطته في حالة التلبس، وجب الحصول على هذا الإذن، وفي هذه الحالة يباشر الإجراء بوصفه منتدباً للتحقيق.
توضع الأشياء والأوراق التي تضبط في حرز مغلق وتربط كلما أمكن، ويختم عليها ويكتب على شريط داخل الختم تاريخ المحضر المحرر بضبط تلك الأشياء ويشار إلى الموضوع الذي حصل الضبط من أجله (المادة 56 إجراءات).
3- لا يجوز فض الأختام الموضوعة على الأماكن أو الأحراز إلا بحضور المتهم أو وكيله و من ضبطت عنده هذه الأشياء أو بعد عودتهم لذلك (المادة 57 إجراءات).
ولما كان الغرض من هذه الإجراءات هو المحافظة على الأدلة وضمان سلامتها، وهو ما يمكن تحقيقه بدونها، فإن إغفالها أو مباشرتها على وجه معين لا يترتب عليه البطلان. وكل ما يترتب على ذلك هو احتمال ألا تطمئن المحكمة إلى سلامة الدليل. فالأمر موضوعي متروك لتقدير المحكمة على ضوء ما تستبينه من الظروف ومدى احتمال العبث بالدليل المضبوط أو تغييره، فإذا تشككت في الأمر وجب عليها أن تفسره لمصلحة المتهم. وطرحها للدليل في هذه الحالة مصدره عدم الاقتناع لا البطلان. وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن عدم مراعاة إجراءات التحريز لا يترتب عليه البطلان. (الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 941)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الخامس والأربعون ، الصفحة / 5
وَكَالَة
التَّعْرِيفُ:
1- الْوَكَالَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي اللُّغَةِ: الْحِفْظُ، وَمِنْهُ الْوَكِيلُ، فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْحَافِظِ، وَمِنْهُ التَّوَكُّلُ، يُقَالُ: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا، أَيْ فَوَّضْنَا أُمُورَنَا.
وَالتَّوْكِيلُ: تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ إِلَى الْغَيْرِ، وَسُمِّيَ الْوَكِيلُ وَكِيلاً؛ لأِنَّ مُوَكِّلَهُ قَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِهِ فَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَيْهِ الأْمْرُ .
وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ، «اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِتَعْرِيفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
فَعَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا: إِقَامَةُ الْغَيْرِ مَقَامَ نَفْسِهِ - تَرَفُّهًا أَوْ عَجْزًا - فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ .
وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهَا: نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ - غَيْرِ ذِي إِمْرَةٍ وَلاَ عِبَادَةٍ - لِغَيْرِهِ فِيهِ، غَيْرَ مَشْرُوطٍ بِمَوْتِهِ .
وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهَا: تَفْوِيضُ شَخْصٍ مَا لَهُ فِعْلُهُ مِمَّا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ إِلَى غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ فِي حَيَاتِهِ .
وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا: اسْتِنَابَةُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ مِثْلَهُ فِيمَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ .
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ
أ- النِّيَابَةُ:
3- النِّيَابَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَابَ الشَّيْءُ نَوْبًا: قَرُبَ، وَنَابَ عَنْهُ نِيَابَةً قَامَ مَقَامَهُ .
وَالنِّيَابَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: قِيَامُ الإْنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ بِفِعْلِ أَمْرٍ .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالنِّيَابَةِ أَنَّ النِّيَابَةَ أَعَمُّ مِنَ الْوَكَالَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَفِي قَوْلٍ إِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ .
ب- الْوِلاَيَةُ:
3-الْوِلاَيَةُ فِي اللُّغَةِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: الْقُدْرَةُ، وَالنُّصْرَةُ، وَالتَّدْبِيرُ.
وَوَلِيُّ الْيَتِيمِ: الَّذِي يَلِي أَمْرَهُ وَيَقُومُ بِكِفَايَتِهِ.
وَوَلِيُ الْمَرْأَةِ: الَّذِي يَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا، وَلاَ يَدَعُهَا تَسْتَبِدُّ بِهِ دُونَهُ .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْوِلاَيَةُ تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْوِلاَيَةِ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نِيَابَةٌ، وَلَكِنَّ الْوَكَالَةَ نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، أَمَّا الْوِلاَيَةُ فَنِيَابَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَوْ إِجْبَارِيَّةٌ.
ج- الإْيصَاءُ:
4-الإْيصَاءُ فِي اللُّغَةِ، مَصْدَرُ أَوْصَى، يُقَالُ: أَوْصَى فُلاَنًا، وَأَوْصَى إِلَيْهِ: جَعَلَهُ وَصِيَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِهِ وَمَالِهِ وَعِيَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: إِقَامَةُ الإْنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالإْيصَاءِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، وَلَكِنَّ الْوَكَالَةَ تَكُونُ أَثْنَاءَ الْحَيَاةِ، أَمَّا الإْيصَاءُ فَبَعْدَ الْوَفَاةِ.
د- الْقِوَامَةُ:
5-الْقِوَامَةُ فِي اللُّغَةِ: الْقِيَامُ عَلَى الأْمْرِ أَوِ الْمَالِ، أَوْ وِلاَيَةُ الأْمْرِ .
وَاسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الْقِوَامَةِ فِي مَعَانٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، مِنْهَا:
وِلاَيَةٌ يُفَوِّضُهَا الْقَاضِي إِلَى شَخْصٍ رَاشِدٍ بِأَنْ يَتَصَرَّفَ لِمَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ فِي تَدْبِيرِ شُئُونِهِ الْمَالِيَّةِ.
وَمِنْهَا: وِلاَيَةٌ يَسْتَحِقُّهَا الزَّوْجُ عَلَى زَوْجَتِهِ .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْقَوَامَةِ، أَنَّ الْوَكَالَةَ نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، أَمَّا الْقِوَامَةُ فَقَدْ تَكُونُ قَضَائِيَّةً وَقَدْ تَكُونُ شَرْعِيَّةً.
مَشْرُوعِيَّةُ الْوَكَالَةِ:
6- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ جَائِزَةٌ وَمَشْرُوعَةٌ .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَالإْجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ.
أَمَّا الْقُرْآنُ: فَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) . وَذَاكَ كَانَ تَوْكِيلاً، وَقَدْ قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ بِلاَ نَكِيرٍ .
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) .. فَهَذِهِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الرَّأْيِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْحَكَمَ وَكِيلٌ عَنِ الزَّوْجَيْنِ .
أَمَّا السُّنَّةُ: فَمِنْهَا مَا وَرَدَ «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَجَاءَ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» .
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .
«وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم بَعَثَهُ لِيَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَأُرْبِحَ فِيهَا دِينَارًا فَاشْتَرَى أُخْرَى مَكَانَهَا، فَجَاءَ بِالأْضْحِيَّةِ وَالدِّينَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم ، فَقَالَ: ضَحِّ بِالشَّاةِ وَتَصَدَّقْ بِالدِّينَارِ» . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي شِرَاءِ الأْضْحِيَّةِ وَتَقْسِيمِهَا وَالتَّصَدُّقِ بِالْمَالِ .
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: «أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ: إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ» .
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، وَأَنَّ لِلإْمَامِ أَنْ يُوكِلَ وَيُقِيمَ عَامِلاً عَلَى الصَّدَقَةِ فِي قَبْضِهَا وَدَفْعِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَإِلَى مَنْ يُرْسِلُهُ إِلَيْهِ بِأَمَارَةٍ .
وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلاَلٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلاَلٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» .
فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي النِّكَاحِ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ .
أَمَّا الإْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ وَمَشْرُوعِيَّتِهَا مُنْذُ عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَلأِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِعْلُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا .
قَالَ قَاضِي زَادَهْ: لأِنَّ الإْنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الأْحْوَالِ، بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا أَوْ رَجُلاً ذَا وَجَاهَةٍ لاَ يَتَوَلَّى الأْمُورَ بِنَفْسِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُوكِلَ غَيْرَهُ، فَلَوْ لَمْ يَجُزِ التَّوْكِيلُ لَزِمَ الْحَرَجُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ بِالنَّصِّ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .
أَرْكَانُ الْوَكَالَةِ:
7-ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ الْوَكَالَةِ هِيَ: الصِّيغَةُ، وَالْعَاقِدَانِ (الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ، وَمَحَلُّ الْعَقْدِ) الْمُوَكَّلُ فِيهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُكْنَ الْوَكَالَةِ هُوَ: الإْيجَابُ وَالْقَبُولُ، لأِنَّ وُجُودَ هَذَا الرُّكْنِ يَسْتَلْزِمُ بِالضَّرُورَةِ وُجُودَ الرُّكْنَيْنِ الآْخَرَيْنِ، وَهَذَا طِبْقًا لِلْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي الْعَقْدِ .
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (عَقْد ف 5 وَمَا بَعْدَهَا).
الرُّكْنُ الأْوَّلُ: الصِّيغَةُ:
8 - الصِّيغَةُ هِيَ الإْيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَيُعَبَّرُ بِهِمَا عَنِ التَّرَاضِي الَّذِي هُوَ رُكْنٌ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الأْخْرَى.
وَالْوَكَالَةُ عَقْدٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ فَافْتَقَرَ إِلَى رِضَاهُمَا.
وَلِلتَّفْصِيلِ فِي تَعْرِيفِ الصِّيغَةِ وَحَقِيقَتِهَا وَأَنْوَاعِهَا وَأَحْكَامِهَا يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (صِيغَة ف 5 وَمَا بَعْدَهَا، وَعَقْد ف 6 - 27).
أَوَّلاً: الإْيجَابُ:
تَعْرِيفُهُ:
9- ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الإْيجَابَ هُوَ مَا صَدَرَ مِنَ الْمَالِكِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَالإْيجَابُ هُنَا كُلُّ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْمُوَكِّلِ وَيَدُلُّ عَلَى إِذْنِهِ بِالتَّوْكِيلِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإْيجَابَ هُوَ مَا صَدَرَ أَوَّلاً مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى رَغْبَتِهِ فِي إِنْشَاءِ الْعَقْدِ .
بِمَ يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ:
يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْوَكَالَةِ سَوَاءٌ بِاللَّفْظِ، أَوْ بِالْكِتَابَةِ أَوْ بِالرِّسَالَةِ أَوْ بِالإْشَارَةِ مِنَ الأْخْرَسِ أَوْ بِغَيْرِهَا.
أ- الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ:
10 - يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ الدَّالِّ عَلَى مَعْنَى الْوَكَالَةِ كَوَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ.
كَمَا يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الإْذْنِ بِالتَّوْكِيلِ، كَأَنْ يَأْمُرَ الْمُوَكِّلُ وَكِيلَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ؛ أَيْ يَقُولَ لَهُ: أَذِنْتُ لَكَ فِي فِعْلِهِ، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ فِعْلَ كَذَا، أَوْ: أَنَبْتُكَ فِيهِ، أَوْ أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِيهِ .
وَذَلِكَ «لأِنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم وَكَّلَ عُرْوَةَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيَّ فِي شِرَاءِ شَاةٍ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ،» وَلأِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) . وَلأِنَّ أَيَّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الإْذْنِ يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِ الْمُوَكِّلِ: وَكَّلْتُكَ .
وَلأِنَّ الشَّخْصَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ غَيْرِهِ إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَالرِّضَا يَكُونُ بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ عِبَارَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا .
وَالإْيجَابُ بِاللَّفْظِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُضُورِ الْوَكِيلِ مُشَافَهَةً، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي غِيَابِ الْوَكِيلِ مُرَاسَلَةً.
الْمَسْأَلَةُ الأْولَى: الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ عِنْدَ حُضُورِ الْوَكِيلِ مُشَافَهَةً:
11- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ بِلَفْظِ: وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كَذَا، أَوْ: أَنَبْتُكَ فِيهِ، أَوْ: أَذِنْتُ لَكَ فِيهِ، أَوْ: أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِي كَذَا، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ .
كَمَا يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الإْيجَابَ يَتَحَقَّقُ بِلَفْظِ الأْمْرِ، مِثْلَ: بِعْهُ، أَوْ: أَعْتِقْهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِانْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِمِثْلِ هَذِهِ الأْلْفَاظِ، حَيْثُ قَالُوا: الْوَكَالَةُ لاَ تَخْتَصُّ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إِرْسَالٍ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ .
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: تَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا كَوَكَّلْتُكَ وَأَشْبَاهِهِ، رَوَى بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: أَحْبَبْتُ أَنْ تَبِيعَ دَارِي هَذِهِ، أَوْ: هَوَيْتُ، أَوْ: رَضِيتُ، أَوْ: شِئْتُ، أَوْ: أَرَدْتُ، فَذَاكَ تَوْكِيلٌ وَأَمْرٌ بِالْبَيْعِ .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: سَأُوَكِّلُكَ، لَمْ يَصِحَّ، لأِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أُوَكِّلُكَ، لأِنَّهُ مَوْعِدٌ.
كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: قَدْ عَوَّلْتُ عَلَيْكَ، فَلاَ يَصِحُّ عَقْدُ الْوَكَالَةِ، لاِحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ مُعَوِّلاً عَلَى رَأْيِهِ أَوْ مَعُونَتِهِ أَوْ نِيَابَتِهِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: قَدِ اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، أَوِ اسْتَكْفَيْتُ، أَوْ إِلَى مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنَ الأْلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ، لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهَا إِلاَّ أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهَا أَحَدَ الأْلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ فِي التَّوْكِيلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ فِي غِيَابِ الْوَكِيلِ مُرَاسَلَةً:
12-صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الإْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَنْعَقِدُ بِالرِّسَالَةِ.
وَصُورَةُ التَّوْكِيلِ بِالرِّسَالَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهَا الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لآِخَرَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ لِفُلاَنٍ وَلْيَبِعْهُ، أَوْ يَقُولَ: اذْهَبْ إِلَى فُلاَنٍ وَأَخْبِرْهُ أَنْ يَبِيعَ مَالِي الْفُلاَنِيَّ الَّذِي عِنْدَهُ، وَبَاعَ الآْخَرُ الْمَالَ بَعْدَ بُلُوغِ هَذَا الْخَبَرِ إِلَيْهِ، كَانَتِ الْوَكَالَةُ وَالْبَيْعُ صَحِيحَيْنِ.
كَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَ أَحَدٌ شَخْصًا غَائِبًا بِأَمْرٍ مَا فَبَلَّغَهُ أَحَدٌ خَبَرَ الْوَكَالَةِ وَقَبِلَ الآْخَرُ، انْعَقَدَتِ الْوَكَالَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْبِرُ عَادِلاً أَمْ مَسْتُورَ الْحَالِ، أَمْ كَانَ غَيْرَ عَادِلٍ، وَسَوَاءٌ أَأَعْطَى الْخَبَرَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَمْ أُخْبِرَ بِهِ رِسَالَةً مِنْ طَرَفِ الآْمِرِ، وَسَوَاءٌ أَصَدَّقَ الْغَائِبُ هَذَا الْخَبَرَ أَمْ كَذَّبَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّخْصُ وَكِيلاً فِي الأْحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ .
ب- الإْيجَابُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ:
مِنْ صُوَرِ إِيجَابِ الْوَكَالَةِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ مَا يَأْتِي:
الصُّورَةُ الأْولَى: الْكِتَابَةُ:
13- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَتَحَقَّقُ بِالْخَطِّ أَوِ الْكِتَابَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، لأِنَّ الْكِتَابَةَ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى.
وَمَثَّلَ الْحَنَفِيَّةُ بِذَلِكَ بِمَا لَوْ أَرْسَلَ أَحَدٌ لآِخَرَ غَائِبٍ كِتَابًا مُعَنْوَنًا وَمَرْسُومًا بِتَوْكِيلِهِ إِيَّاهُ بِأَمْرٍ مَا، وَقَبِلَ الآْخَرُ الْوَكَالَةَ، انْعَقَدَتْ .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (عَقْد ف 13).
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الإْشَارَةُ:
14 -ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ إِشَارَةَ الأْخْرَسِ الْمَفْهُومَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَقَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ فِي تَحَقُّقِ إِيجَابِ الْوَكَالَةِ بِهَا .
وَلِلتَّفْصِيلِ فِي شُرُوطِ الاِعْتِدَادِ بِالإْشَارَةِ. (ر: إِشَارَة ف 5، عَقْد ف 15).
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْفِعْلُ:
15- صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الإْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَتِمُّ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَى الإْذْنِ .
حَيْثُ دَلَّ كَلاَمُ الْقَاضِي عَلَى انْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِفِعْلٍ دَالٍّ كَبَيْعٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الشَّيْخِ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ، كَالْقَبُولِ .
وَبِهَذَا يَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ إِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِانْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِالْفِعْلِ، فَقَدْ قَالَ الْخِرَشِيُّ: الْوَكَالَةُ لاَ تَخْتَصُّ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إِرْسَالٍ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ .
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: مَا يَدُلُّ فِي الْعَادَةِ عَلَى اعْتِبَارِهِ إِيجَابًا:
16- يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الإْيجَابَ فِي الْوَكَالَةِ قَدْ يَتَحَقَّقُ بِمُوجِبِ الْعَادَةِ كَتَصَرُّفِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فِي مَالِهَا وَهِيَ عَالِمَةٌ سَاكِتَةٌ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَكَالَةِ.
وَكَمَا إِذَا كَانَ رَيْعٌ بَيْنَ أَخٍ وَأُخْتٍ وَكَانَ الأْخُ يَتَوَلَّى كِرَاءَهُ وَقَبْضَهُ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ دَفَعَ لأِخْتِهِ مَا يَخُصُّهَا فِي الْكِرَاءِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: لأِنَّهُ وَكِيلٌ بِالْعَادَةِ .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَكُونُ السُّكُوتُ إِيجَابًا فِي الْوَكَالَةِ، فَلَوْ رَأَى أَجْنَبِيًّا يَبِيعُ مَالَهُ فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَكُنْ وَكِيلاً عَنْهُ بِسُكُوتِهِ، وَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، لأِنَّهُ لاَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ .
ثَانِيًا: الْقَبُولُ:
الْقَبُولُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِاللَّفْظِ أَوْ بِغَيْرِ اللَّفْظِ.
أ- الْقَبُولُ بِاللَّفْظِ:
17- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ يَتَحَقَّقُ بِاللَّفْظِ، كَمَا لَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لآِخَرَ: قَدْ وَكَّلْتُكَ بِهَذَا الأْمْرِ، فَقَالَ لَهُ الْوَكِيلُ: قَبِلْتُ، أَوْ قَالَ كَلاَمًا آخَرَ غَيْرَ لَفْظِ قَبِلْتُ، مُشْعِرًا بِالْقَبُولِ، فَإِنَّ الْقَبُولَ يَصِحُّ وَتَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ .
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ قَبُولَ الْوَكِيلِ لَفْظًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الرَّدِّ، فَلَوْ رَدَّ الْوَكِيلُ الْوَكَالَةَ بَعْدَ الإْيجَابِ بِأَنْ قَالَ: لاَ أَقْبَلُ أَوْ لاَ أَفْعَلُ، فَلاَ يَبْقَى حُكْمِ الإْيجَابِ، وَلاَ تَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ قَبِلَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُجَدِّدِ الإْيجَابَ وَالْقَبُولَ .
ب- الْقَبُولُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِالْقَبُولِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ، وَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
الصُّورَةُ الأْوْلَى: الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ:
18- لِلْفُقَهَاءِ فِي قَبُولِ الْوَكَالَةِ بِالْفِعْلِ ثَلاَثَةَ آرَاءٍ:
الأْوَّلُ: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي أَصَحِّ الأَْوْجُهِ - وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْقَبُولَ يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَلَ الْوَكِيلُ مَا أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ بِفِعْلِهِ لأِنَّ الَّذِينَ وَكَّلَهُمُ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ سِوَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَلأِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فَجَازَ الْقَبُولُ فِيهِ بِالْفِعْلِ كَأَكْلِ الطَّعَامِ.
وَجَاءَ فِي شَرْحِ مَجَلَّةِ الأْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: يَكُونُ الإْيجَابُ صَرَاحَةً وَالْقَبُولُ دَلاَلَةً، فَلَوْ لَمْ يَتَكَلَّمِ الْوَكِيلُ شَيْئًا بِنَاءً عَلَى إِيجَابِ الْمُوَكِّلِ، وَحَاوَلَ إِجْرَاءَ ذَلِكَ الأْمْرِ الْمُوكَّلِ بِهِ، فَيَكُونُ قَدْ قَبِلَ الْوَكَالَةَ دَلاَلَةً وَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ صَحِيحًا .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْقَبُولَ لاَ يَتَحَقَّقُ بِالْفِعْلِ وَلاَ بُدَّ لِتَحَقُّقِهِ مِنَ اللَّفْظِ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ إِلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ إِنْ أَتَى بِصِيغَةِ أَمْرٍ كَقَوْلِهِ: بِعْ وَاشْتَرِ، يَتِمُّ الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ اللَّفْظُ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الإْيجَابُ بِصِيغَةِ عَقْدٍ، كَوَكَّلْتُكَ، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ فَلاَ بُدَّ فِي الْقَبُولِ مِنَ اللَّفْظِ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ بِالْفِعْلِ إِلْحَاقًا لِصِيَغِ الْعَقْدِ بِالْعُقُودِ وَالأْمْرِ بِالإْبَاحَةِ .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَبُولُ بِالْكِتَابَةِ:
19 - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَبُولَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَصِحُّ بِالْكِتَابَةِ الْمُسْتَبِينَةِ الْمُعَنْوَنَةِ .
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْقَبُولُ بِالإْشَارَةِ:
20 - يَصِحُّ الْقَبُولُ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ بِإِشَارَةِ الأْخْرَسِ الْمَعْلُومَةِ الْمَفْهُومَةِ .
وَلِلتَّفْصِيلِ فِي شُرُوطِ الْعَمَلِ بِالإْشَارَةِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِشَارَة ف 5، عَقْد ف 15).
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ الْقَبُولُ بِالسُّكُوتِ:
21- صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ سُكُوتَ الْوَكِيلِ قَبُولٌ وَيَرْتَدُّ بِرَدِّهِ .
تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنِ الإْيجَابِ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ:
22- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ قَبُولُ الْوَكِيلِ فَوْرَ صُدُورِ الإْيجَابِ مِنَ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ يَنْعَقِدُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإْيجَابِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ قَبُولُ الْوَكَالَةِ عَلَى التَّرَاخِي، لأِنَّ قَبُولَ وُكَلاَئِهِ صلي الله عليه وسلم كَانَ بِفِعْلِهِمْ وَكَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ تَوْكِيلِهِ إِيَّاهُمْ، وَلأِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، وَالإْذْنُ قَائِمٌ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ الْمُوَكِّلُ، فَأَشْبَهَ الإْبَاحَةَ.
وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ كَوْنَ الْقَبُولِ عَلَى التَّرَاخِي بِمَا إِذَا لَمَّ يَتَعَيَّنْ زَمَانُ الْعَمَلِ الَّذِي وَكَّلَ فِيهِ، فَإِنْ تَعَيَّنَ زَمَانُهُ وَخِيفَ فَوَاتُهُ، كَانَ قَبُولُ الْوَكَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ.
وَكَذَا لَوْ عَرَضَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ عِنْدَ ثُبُوتِهَا عِنْدَهُ صَارَ قَبُولُهَا عَلَى الْفَوْرِ أَيْضًا .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ قَبُولَ الْوَكَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ، فَلاَ يَصِحُّ إِذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإْيجَابِ بِالزَّمَانِ الطَّوِيلِ، لأِنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، فَكَانَ الْقَبُولُ فِيهِ عَلَى الْفَوْرِ كَالْبَيْعِ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا يَرْجِعُ إِلَى اعْتِبَارِ الْقَصْدِ وَالْعَوَائِدِ، هَلِ الْمُرَادُ فِي هَذِهِ الأْلْفَاظِ اسْتِدْعَاءُ الْجَوَابِ فَوْرًا فَإِنْ تَأَخَّرَ سَقَطَ حُكْمُ الْخِطَابِ؟ أَوِ الْمُرَادُ اسْتِدْعَاءُ الْجَوَابِ مُعَجَّلاً أَوْ مُؤَجَّلاً؟ .
الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ: الْعَاقِدَانِ:
وَهَمَّا الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ:
أَوَّلاً: الْمُوَكِّلُ:
31- الْمُوَكِّلُ: هُوَ مَنْ يُقِيمُ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ، وَتَلْزَمُهُ الأْحْكَامُ .
وَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنَ الْمَجْنُونِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالنَّائِمِ، وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مُطْلَقًا مَهْمَا كَانَ نَوْعُ التَّصَرُّفِ مَحَلِّ الْوَكَالَةِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَأْتِي:
أ- تَوْكِيلُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ:
32- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي تَصَرُّفَاتٍ نَافِعَةٍ لَهُ نَفْعًا مَحْضًا.
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَوْكِيلِهِ فِيمَا كَانَ ضَارًّا ضَرَرًا مَحْضًا.
أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ بِحَسَبِ أَصْلِ وَصْفِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيلِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِيهَا.
فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا تَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ.
قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَكَالَةُ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لاَ يُعْتَبَرُ لَهُ الْبُلُوغُ كَتَصَرُّفِ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَوْكِيلَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بَاطِلٌ .
ب- تَوْكِيلُ السَّفِيهِ:
33 - لاَ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فِيمَا لاَ يَسْتَقِلُّ بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، أَمَّا مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (سَفَه ف 30).
ج- تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ:
34- لاَ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لأِنَّهَا لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا فَلاَ تُوَكَّلُ فِيهِ وَإِنَّمَا وَلِيُّهَا الَّذِي يُزَوِّجُهَا.
وَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ .
وَانْظُرِ التَّفْصِيلَ فِي (نِكَاح ف 109).
د- تَوْكِيلُ الْمُرْتَدِّ:
35- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْكِيلِ الْمُرْتَدِّ لِغَيْرِهِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْلُ الأْوَّلُ: الْوَكَالَةُ مِنَ الْمُرْتَدِّ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى عَوْدَتِهِ إِلَى الإْسْلاَمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ) فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَتْ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا بَطَلَتْ. وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: يَرَى الصَّاحِبَانِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ وَكَالَةَ الْمُرْتَدِّ لِغَيْرِهِ صَحِيحَةٌ وَنَافِذَةٌ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ يَجُوزُ تَوْكِيلُهَا بِالاِتِّفَاقِ لأِنَّ تَصَرُّفَاتِهَا نَافِذَةٌ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ تَوْكِيلَ الْمُرْتَدِّ بَاطِلٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ اسْتَوْجَهَهُ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ. وَقَالَ الشَّبْرَامَلْسِيُّ: هُوَ الْمُعْتَمَدُ .
هـ - تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ:
36- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَوْكِيلُ مُسْلُمٍ ذِمِّيًّا فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَشِرَائِهِمَا؛ لأِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَمْلِكَ الْمُوَكِّلُ نَفْسَ التَّصَرُّفِ الَّذِي يُوَكِّلُ فِيهِ الْغَيْرَ. وَالْمُسْلِمُ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْخَمْرِ أَوِ الْخِنْزِيرِ بِالْبَيْعِ أَوِ الشِّرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَفَاقِدُ الشَّيْءِ لاَ يُعْطِيهِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى صِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؛ إِذْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ أَهْلِيَّةُ أَدَاءٍ تُخَوِّلُ لَهُ حَقَّ تَوْكِيلِ الْغَيْرِ فِيمَا يُوَكِّلُهُ فِيهِ .
و- تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ:
37- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيلِ الْمُحْرِمِ لِحَلاَلٍ فِي النِّكَاحِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ لِحَلاَلٍ فِي النِّكَاحِ يَعْقِدُهُ لَهُ حَالَ إِحْرَامِ الْمُوَكِّلِ، لأِنَّهُ لاَ يُبَاشِرُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ فِي الزَّوَاجِ مُطْلَقًا، لأِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ فَجَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ .
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 73).
ز- جَهَالَةُ الْمُوَكِّلِ:
38- نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْوَكِيلُ مُوَكِّلَهُ بِأَنْ قِيلَ لَهُ: وَكَّلَكَ زَيْدٌ وَلَمْ يُنْسَبْ لَهُ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مِنْ وَصْفِهِ أَوْ شُهْرَتِهِ مَا يُمَيِّزُهُ .
ثَانِيًا- الْوَكِيلُ:
39- الْوَكِيلُ هُوَ الْمَعْهُودُ إِلَيْهِ تَنْفِيذُ الْوَكَالَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيلِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُوَكِّلِ مِنَ الْعَقْلِ، فَلاَ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الأْمُورِ الآْتِيَةِ فِي الْوَكِيلِ:
أ- الْبُلُوغُ:
40- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ فِي الْوَكِيلِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ .
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ، أَيْ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْعُقُودِ، فَيَعْرِفُ أَنَّ الشِّرَاءَ جَالِبٌ لِلْمَبِيعِ وَسَالِبٌ لِلثَّمَنِ، وَالْبَيْعَ عَلَى عَكْسِهِ، وَيَعْرِفُ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ مِنَ الْيَسِيرِ وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَالرِّبْحِ لاَ الْهَزْلَ.
وَقَالُوا: إِنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إِلَى الْوَكِيلِ إِذَا كَانَ بَالِغًا، أَمَّا إِذَا كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَرْجِعُ إِلَى الْمُوكِّلِ لاَ إِلَى الْوَكِيلِ. كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيلُ الْمُمَيِّزِ وَتَوَكُّلُهُ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لاَ يُشْتَرَطُ لَهُ الْبُلُوغُ، كَتَصَرُّفِ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ .
وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ . بِمَا وَرَدَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم لَمَّا خَطَبَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ، فَقَالَ صلي الله عليه وسلم : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلاَ غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ ابْنِ أُمِّ سَلَمَةَ: قُمْ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم ، فَزَوَّجَهُ وَكَانَ صَبِيًّا» .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ؛ لأِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَلاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَلاَ يَمْلِكُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ لأِنَّهُ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَمْ يَمْلِكْهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ .
ب - تَعْيِينُ الْوَكِيلِ:
41- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مُعَيَّنًا، فَإِذَا كَانَ مَجْهُولاً بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، فَلَوْ قَالَ شَخْصٌ: وَكَّلْتُ أَحَدَ النَّاسِ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ لِجَهَالَةِ الْوَكِيلِ وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ.
وَقَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: مِنَ التَّوْكِيلِ الْمَجْهُولِ قَوْلُ الدَّائِنِ لِمَدْيُونِهِ: مَنْ جَاءَكَ بِعَلاَمَةِ كَذَا، وَمَنْ أَخَذَ أُصْبُعَكَ، أَوْ قَالَ لَكَ كَذَا، فَادْفَعْ مَا لِي عَلَيْكَ إِلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لأِنَّهُ تَوْكِيلُ مَجْهُولٍ، فَلاَ يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ .
ج- عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ:
42- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ لِصِحَّتِهَا.
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْعِلْمُ بِالتَّوْكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ شَرْطٌ بِلاَ خِلاَفٍ، إِمَّا عِلْمُ الْوَكِيلِ وَإِمَّا عِلْمُ مَنْ يُعَامِلُهُ، حَتَّى لَوْ وَكَّلَ رَجُلاً بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ الْوَكِيلُ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ عِلْمِهِ وَعِلْمِ الرَّجُلِ بِالتَّوْكِيلِ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُجِيزَهُ الْمُوَكِّلُ أَوِ الْوَكِيلُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْوَكَالَةِ.
وَأَمَّا عِلْمُ الْوَكِيلِ عَلَى التَّعْيِينِ بِالتَّوْكِيلِ فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ؟ ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَذُكِرَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: اذْهَبْ بِثَوْبِي هَذَا إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يَبِيعَهُ، أَوِ اذْهَبْ إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يَبِيعَكَ ثَوْبِي الَّذِي عِنْدَهُ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ إِذْنٌ مِنْهُ لِفُلاَنٍ فِي بَيْعِ ذَلِكَ الثَّوْبِ، إِنْ أَعْلَمَهُ الْمُخَاطَبُ بِمَا قَالَهُ الْمَالِكُ جَازَ بَيْعُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَلَوْ قَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا الثَّوْبِ إِلَى الْقَصَّارِ حَتَّى يَقْصُرَهُ، أَوْ إِلَى الْخَيَّاطِ حَتَّى يَخِيطَهُ قَمِيصًا، فَهُوَ إِذْنٌ مِنْهُ لِلْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ حَتَّى لاَ يَصِيرَ ضَامِنًا بِعَمَلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: انْطَلِقِي إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يُطَلِّقَكِ، فَطَلَّقَهَا فُلاَنٌ وَلَمْ يَعْلَمْ يَقَعُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرْخَسِيِّ فِي بَابِ مَا تَقَعُ بِهِ الْوَكَالَةُ.
وَعِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ شَرْطُ عَمَلِ الْوَكَالَةِ حَتَّى إِنَّ مَنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ أَوْ بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ وَالْوَكِيلُ لاَ يَعْلَمُ فَطَلَّقَ أَوْ بَاعَ، لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلاَ طَلاَقُهُ. هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله تعالي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. فَإِذَا وَكَّلَ إِنْسَانًا لاَ يَصِيرُ وَكِيلاً قَبْلَ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ .
وَقَالُوا: إِذَا كَانَ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالتَّوْكِيلِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ، أَوْ كَتَبَ الْمُوَكِّلُ بِذَلِكَ كِتَابًا إِلَيْهِ فَبَلَغَهُ وَعَلِمَ مَا فِيهِ، أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولاً فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ رَجُلاَنِ، أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ - صَارَ وَكِيلاً بِإِجْمَاعِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ صَارَ وَكِيلاً أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ لاَ يَكُونُ وَكِيلاً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَكُونُ وَكِيلاً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ دَارِهِ وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ بِالتَّوْكِيلِ فَبَاعَهَا نَفَذَ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، لأِنَّ الاِعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الأْمْرِ .
وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الأْظْهَرِ، حَيْثُ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ مَالِ غَيْرِهِ ظَاهِرًا إِنْ بَانَ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ وِلاَيَةً كَوَكِيلٍ أَوْ وَصِيٍّ، اعْتِبَارًا فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الأْمْرِ لِعَدَمِ حَاجَتِهَا إِلَى النِّيَّةِ. وَقَالُوا: يَحْرُمُ عَلَى الْوَكِيلِ تَعَاطِي هَذَا التَّصَرُّفِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِأَنَّ لَهُ وِلاَيَةً عَلَيْهِ .
د- عَدَالَةُ الْوَكِيلِ:
43- لاَ تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْوَكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ اشْتَرَطُوا فِي عُقُودٍ مُعَيَّنَةٍ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ أَوِ الْوَلِيُّ عَدْلاً، وَمِنْهَا عَقْدُ النِّكَاحِ، حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْوَلِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلِلتَّفْصِيلِ (ر: نِكَاح ف 7، وَفِسْق ف 14).
هـ - ذُكُورَةُ الْوَكِيلِ:
44- لَمْ يَشْتَرِطِ الْفُقَهَاءُ ذُكُورَةَ الْوَكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ إِلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمُ اشْتَرَطَ كَوْنَ الْوَكِيلِ رَجُلاً فِي بَعْضِ الْعُقُودِ، وَمِنْهَا النِّكَاحُ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 107).
الرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ: مَحَلُّ الْوَكَالَةِ:
45- مَحَلُّ الْوَكَالَةِ: هُوَ التَّصَرُّفُ الْمَأْذُونُ فِيهِ مِنَ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ بِمَلِكٍ أَوْ وِلاَيَةٍ.
وَقَدْ نَصَّ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ لِمَحَلِّ الْوَكَالَةِ شُرُوطًا ثَلاَثَةً:
أ- أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، لأِنَّهَا لاَ تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ.
ب- أَنْ يَكُونَ قَابِلاً لِلنِّيَابَةِ.
ج- أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُوَكِّلُ حَالَ التَّوْكِيلِ .
أَنْوَاعُ الْوَكَالَةِ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا:
تَتَنَوَّعُ الْوَكَالَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ: إِلَى وَكَالَةٍ خَاصَّةٍ، وَوَكَالَةٍ عَامَّةٍ.
الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ:
46- الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ هِيَ مَا كَانَ إِيجَابُ الْمُوَكِّلِ فِيهَا خَاصًّا بِتَصَرُّفٍ مُعَيَّنٍ، كَأَنْ يُوَكِّلَ إِنْسَانٌ آخَرَ فِي أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلاَّ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ، بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
الْوَكَالَةُ الْعَامَّةُ:
47- الْوَكَالَةُ الْعَامَّةُ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً فِي كُلِّ شَيْءٍ، كَأَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ يَقُولَ لَهُ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ الْعَامَّةِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ الْعَامِّ فِي الْجُمْلَةِ . وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ. فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ قَالَ: أَنْتَ وَكِيلِي بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، يَكُونُ وَكِيلاً بِحِفْظٍ لاَ غَيْرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ جَائِزٌ أَمْرُكَ، يَصِيرُ وَكِيلاً فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي طَلاَقٍ وَعِتَاقٍ وَوَقْفٍ، فَقِيلَ: يَمْلِكُ ذَلِكَ لإِطْلاَقِ تَعْمِيمِ اللَّفْظِ، وَقِيلَ: لاَ يَمْلِكُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا دَلَّ دَلِيلُ سَابِقَةِ الْكَلاَمِ وَنَحْوِهِ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ جَائِزٌ أَمْرُكَ، مَلَكَ الْحِفْظَ وَالْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَيَمْلِكُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ حَتَّى إِذَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ جَازَ حَتَّى يُعْلَمَ خِلاَفُهُ مِنْ قَصْدِ الْمُوَكِّلِ، وَعَنِ الإْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ تَخْصِيصُهُ بِالْمُعَاوَضَاتِ وَلاَ يَلِي الْعِتْقَ وَالتَّبَرُّعَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَكَذَا لَوْ قَالَ طَلَّقْتُ امْرَأَتَكَ وَوَهَبْتُ وَوَقَفْتُ أَرْضَكَ، فِي الأْصَحِّ لاَ يَجُوزُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالْمُعَاوَضَاتِ لاَ بِالإِْعْتَاقِ وَالْهِبَاتِ، وَبِهِ يُفْتَى ا.هـ.
وَفِي الْخُلاَصَةِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَكِيلَ وَكَالَةً عَامَّةً يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ الطَّلاَقَ وَالْعَتَاقَ وَالْوَقْفَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَمْلِكَ الإْبْرَاءَ وَالْحَطَّ عَنِ الْمَدْيُونِ لأِنَّهُمَا مِنْ قَبِيلِ التَّبَرُّعِ وَأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَرَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى، وَهَلْ لَهُ الإْقْرَاضُ وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ. فَإِنَّهُمَا بِالنَّظَرِ إِلَى الاِبْتِدَاءِ تَبَرُّعٌ فَإِنَّ الْقَرْضَ عَارِيَّةٌ ابْتِدَاءً، مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِبَةٌ ابْتِدَاءً مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَمْلِكَهُمَا الْوَكِيلُ بِالتَّوْكِيلِ الْعَامِّ لأِنَّهُ لاَ يَمْلِكُهُمَا مَنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَاتِ، وَلِذَا لاَ يَجُوزُ إِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَالَ الْيَتِيمِ وَلاَ هِبَتُهُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَإِنْ كَانَتْ مُعَاوَضَةً فِي الاِنْتِهَاءِ.
وَظَاهِرُ الْعُمُومِ أَنَّهُ يَمْلِكُ قَبْضَ الدَّيْنِ وَاقْتِضَاءَهُ وَإِيفَاءَهُ وَالدَّعْوَى بِحُقُوقِ الْمُوَكِّلِ وَسَمَاعَ الدَّعْوَى بِحُقُوقٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَالأْقَارِيرِ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِالدُّيُونِ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي، لأِنَّ فِي ذَلِكَ بِالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لاَ فِي الْعَامِّ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُطْلَقَةً عَامَّةً، فَهَلْ يَتَنَاوَلُ الطَّلاَقَ وَالْعَتَاقَ وَالتَّبَرُّعَاتِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُهَا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، لأِنَّ مِنَ الأْلْفَاظِ مَا صَرَّحَ قَاضِيخَانَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ عَامٌّ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا بِعَدَمِهِ .
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: وَكَّلْتُكَ، لأِنَّهُ لاَ يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى شَيْءٍ بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ لِلْوَكِيلِ الأْمْرَ بِأَنْ يَقُولَ: وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً، أَوْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِي، أَوْ: أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِي أُمُورِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِذَا فَوَّضَ لَهُ فَيَمْضِي وَيَجُوزُ النَّظَرُ وَهُوَ الصَّوَابُ، أَيْ مَا فِيهِ تَنْمِيَةُ الْمَالِ لاَ غَيْرُهُ، وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ تَنْمِيَةُ الْمَالِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، إِلاَّ أَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ: وَيَمْضِي مِنْكَ غَيْرُ النَّظَرِ، فَيَمْضِي إِنْ وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ابْتِدَاءً فَلَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ رَدُّهُ، وَلاَ تَضْمِينُ الْوَكِيلِ.
وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ النَّظَرِ مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَلاَ تَبْذِيرٍ. وَقَالُوا: لاَ يَمْضِي عَنِ الْوَكِيلِ طَلاَقُ زَوْجَةِ الْمُوَكِّلِ، وَإِنْكَاحُ بِكْرِهِ، وَبَيْعُ دَارِ سُكْنَاهُ فِي كُلٍّ مِنَ النَّظَرِ وَغَيْرِهِ؛ لأِنَّ هَذِهِ الأْمُورَ لاَ تَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْوَكَالَةِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْوَكِيلُ بِإِذْنٍ خَاصٍّ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ الْعَامَّ لاَ يَصِحُّ . فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ حَيْثُ يَقِلُّ مَعَهُ الْغَرَرُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لِي، أَوْ فِي كُلِّ أُمُورِي، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كُلَّ شَيْءٍ، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فَتَصَرَّفْ كَيْفَ شِئْتَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَعَظِيمِ الْخَطَرِ، وَإِنْ قَالَ وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ أَمْوَالِي وَقَبْضِ دُيُونِي وَاسْتِيفَائِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، صَحَّ وَإِنْ جَهِلَ الأْمْوَالَ وَالدُّيُونَ وَمَنْ هِيَ عَلَيْهِ .
الشَّهَادَةُ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الشَّهَادَةِ، فَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِغَيْرِهِ: وَكَّلْتُكَ لِتَشْهَدَ عَنِّي فِي كَذَا، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، لأِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الشَّاهِدِ لِكَوْنِهَا خَبَرًا عَمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَائِبِهِ، وَلأِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّعَبُّدِ وَالْيَقِينِ الَّذِي لاَ تُمْكِنُ النِّيَابَةُ فِيهِ.
فَإِنِ اسْتَنَابَ فِيهَا كَانَ النَّائِبُ شَاهِدًا عَلَى شَهَادَتِهِ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي مَا سَمِعَ مِنْ شَاهِدِ الأْصْلِ وَلَيْسَ بِوَكِيلٍ. وَلِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مُصْطَلَحَ (شَهَادَة ف 42).
إِثْبَاتُ الْقِصَاصِ وَاسْتِيفَاؤُهُ:
أ- إِثْبَاتُ الْقِصَاصِ:
65- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، لأِنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الآْدَمِيِّ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى التَّوْكِيلِ فِيهِ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِ الْقِصَاصِ وَلاَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فِيهِ إِلاَّ مِنَ الْمُوَكِّلِ، لأِنَّ التَّوْكِيلَ إِنَابَةٌ وَشُبْهَةٌ يُتَحَرَّزُ عَنْهَا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ .
ب- اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ:
66 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِيهِ، لأِنَّ كُلَّ مَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا، وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الاِسْتِيفَاءِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا، لأِنَّهُ قَدْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الاِسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّوْكِيلِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الاِسْتِيفَاءِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا، لأِنَّ احْتِمَالَ الْعَفْوِ قَائِمٌ، لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَعَفَى، فَلاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مَعَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْعَدِمٌ حَالَةَ حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ .
تَاسِعًا إِثْبَاتُ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاؤُهَا:
67- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَائِهَا عَلَى رَأْيَيْنِ:
الرَّأْيُ الأْوَّلُ: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَائِهَا تَفْصِيلٌ، فَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإْثْبَاتِ وَالاِسْتِيفَاءِ.
أَمَّا فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ لِقَوْلِهِ صلي الله عليه وسلم .. «وَاغَدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ» فَقَدْ وَكَّلَهُ فِي إِثْبَاتِ حَدِّ الزِّنَا وَاسْتِيفَائِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْهُمْ: لاَ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي إِثْبَاتِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَعَلَّلُوا عَدَمَ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَدْ أُمِرْنَا فِيهِ بِالدَّرْءِ وَالتَّوَصُّلِ إِلَى إِسْقَاطِهِ، وَبِالتَّوْكِيلِ يُتَوَصَّلُ إِلَى إِيجَابِهِ فَلَمْ يَجُزْ.
وَأَمَّا إِثْبَاتُ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ حَدِّ الْقَذْفِ فَقَدْ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِي إِثْبَاتِهِ كَالْمَالِ .
وَأَمَّا فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ لِحَدِيثِ أُنَيْسٍ، «وَلأِنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم أَمَرَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ فَرَجَمُوهُ» .
وَوَكَّلَ عُثْمَانُ عَلِيًّا فِي إِقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَوَكَّلَ عَلِيٌّ الْحَسَنَ فِي ذَلِكَ فَأَبَى الْحَسَنُ، فَوَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَأَقَامَهُ وَعَلَيٌّ يَعُدُّ .
وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ كُلِّهَا فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ حَدِّ الْقَذْفِ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ لاِحْتِمَالِ الْعَفْوِ .
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِالإْثْبَاتِ، وَالثَّانِي: بِالاِسْتِيفَاءِ.
أَمَّا التَّوْكِيلُ بِالإْثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ حَدًّا لاَ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْخُصُومَةِ كَحَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِالإْثْبَاتِ، لأِنَّهُ يَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الإْقْرَارِ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْخُصُومَةِ كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لأِنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الإْثْبَاتِ وَالاِسْتِيفَاءِ وَهُوَ أَنَّ امْتِنَاعَ التَّوْكِيلِ فِي الاِسْتِيفَاءِ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ فِي التَّوْكِيلِ بِالإْثْبَاتِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لاَ يَجُوزُ وَلاَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فِيهِمَا إِلاَّ مِنَ الْمُوَكِّلِ؛ لأِنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِالاِسْتِيفَاءِ، فَكَذَا بِالإْثْبَاتِ، لأِنَّ الإْثْبَاتَ وَسِيلَةٌ إِلَى الاِسْتِيفَاءِ.
أَمَّا التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ حَدَّيِ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ أَوِ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ حَاضِرًا وَقْتَ الاِسْتِيفَاءِ جَازَ التَّوْكِيلُ، لأِنَّ وِلاَيَةَ الاِسْتِيفَاءِ إِلَى الإْمَامِ وَأَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى الاِسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
أَمَّا إِنْ كَانَ غَائِبًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ، لأِنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لاِحْتِمَالِ الْعَفْوِ وَالصُّلْحِ وَأَنَّهُ لاَ يَحْتَمِلُهُمَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يَجُوزُ لأِنَّهُ إِنْ كَانَ لاَ يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَالصُّلْحَ، فَيَحْتَمِلُ الإْقْرَارَ وَالتَّصْدِيقَ .
أحكام الوكالة :
للوكالة أحكام منها ما يتعلق بالوكيل ومنها ما يتعلق بالموكل ومنه ما يتعلق بالغير .
الْقِسْمُ الأْوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ مِنْ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ:
- تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ أَحْكَامٌ، مِنْهَا:
الأْوَّلُ: أَنْ يَقُومَ الْوَكِيلُ بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ الَّتِي أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ بِهَا أَوِ الَّتِي قَيَّدَهُ الشَّرْعُ أَوِ الْعُرْفُ بِالْتِزَامِهَا.
الثَّانِي: مُوَافَاةُ الْمُوَكِّلِ بِالْمَعْلُومَاتِ الضَّرُورِيَّةِ وَتَقْدِيمُ حِسَابٍ عَنِ الْوَكَالَةِ.
الثَّالِثُ: رَدُّ مَا لِلْمُوَكِّلِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ .
تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ فِي الْحَقِّ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لاَ يَمْلِكُ الْمُصَالَحَةَ عَنِ الْحَقِّ، وَلاَ الإْبْرَاءَ مِنْهُ، لأِنَّ الإْذْنَ فِي الْخُصُومَةِ لاَ يَقْتَضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ أَنَّ يَبِيعَ وَلاَ أَنْ يَهِبَ، لأِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَيْسَتْ مِنَ الْخُصُومَةِ، بَلْ هِيَ ضِدُّ الْخُصُومَةِ قَاطِعَةٌ لَهَا، وَالأْمْرُ بِالشَّيْءِ لاَ يَتَضَمَّنُ ضِدَّهُ.
كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُؤَجِّلَ الْحَقَّ .
تَكْيِيفُ وَكَالَةِ مَنْ يُوَكِّلُهُ الْوَكِيلُ:
134 - تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنٍ مِنَ الْمُوَكِّلِ صَرَاحَةً، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ صَرِيحٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ أَصْلاً.
135 - فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ بِالإْذْنِ صَرَاحَةً فَإِنَّهُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيلُ بِقَوْلِ الْمُوَكِّلِ: (وَكِّلْ عَنِّي)، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَوْلِهِ: (وَكِّلْ عَنْكَ)، أَوْ بِقَوْلِهِ: (وَكِّلْ).
فَإِنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ: وَكِّلْ عَنِّي، أَوْ وَكِّلْ وَلِيِّ أَوْ فَوِّضْ إِلَيْهِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ، لِوُجُودِ الرِّضَا حِينَئِذٍ بِرَأْيِ غَيْرِهِ أَيْضًا، فَلاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِعَزْلِ الْوَكِيلِ الأْوَّلِ وَلاَ بِمَوْتِهِ لأِنَّ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ لَيْسَ وَكِيلاً لِلْوَكِيلِ، وَيَنْعَزِلاَنِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ الأْوَّلَ لاَ يَمْلِكُ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ يَمْلِكُ الْوَكِيلُ الأْوَّلُ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: يَكُونُ الثَّانِي وَكِيلَ الْوَكِيلِ .
أَمَّا إِنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: «وَكِّلْ عَنْكَ» فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْوَكِيلِ عَمَلاً بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ فَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ الأْوَّلِ وَمَوْتِهِ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ لِلْوَكِيلِ الأْوَّلِ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي نَظَرًا لِجِهَةِ وَكَالَتِهِ لَهُ. َنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي لأِنَّهُ فَرْعُ فَرْعِهِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَيْسَ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِ وَكِيلِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ فَيَأْخُذُ حُكْمَ الصُّورَةِ السَّابِقَةِ .
أَمَّا إِنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: «وَكِّلْ» وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي وَلاَ عَنْكَ، أَوْ «فَوِّضْ».
فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَكُونُ الثَّانِي وَكِيلَهُ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ لاَ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ وَلاَ بِمَوْتِهِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الأْصَحِّ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْوَكِيلِ .
136 - أَمَّا التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ صَرِيحٍ مِنَ الْمُوَكِّلِ فَيُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا وَكَّلَ الْوَكِيلُ فِيمَا لاَ يَتَوَلاَّهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ لاَ يُحْسِنُهُ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْهُ لِكَثْرَتِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْوَكِيلِ .
137 - أَمَّا التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ أَصْلاً فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ لأِنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفَ دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ، وَلأِنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الآْرَاءِ.
وَيَرَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ - وَابْنُ أِبِي لَيْلَى صِحَّةَ التَّوْكِيلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَيَكُونُ الْوَكِيلُ الثَّانِي وَكِيلَ الْوَكِيلِ .
انْتِهَاءُ الْوَكَالَةِ:
تَنْتَهِي الْوَكَالَةُ بِأُمُورٍ مِنْهَا:
أَوَّلاً: الْعَزْلُ:
170 - لَمَّا كَانَتِ الْوَكَالَةُ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لأِيٍّ مِنَ الطَّرَفَيْن إِنْهَاؤُهَا، فَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ مِنْهَا وَيَنْهَاهُ عَنِ التَّصَرُّفِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، كَمَا أَنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ مِنْهَا أَيْضًا، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ .
غَيْرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ مِنَ الْمُوَكِّلِ الشُّرُوطُ التَّالِيَةُ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ:
171 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعَزْلَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، فَلاَ يَلْزَمُ حُكْمُهُ إِلاَّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِنَّهُ لَوِ انْعَزَلَ قَبْلَ عِلْمِهِ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، لأِنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَتَقَعُ بَاطِلَةً. وَبِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ مُوَكِّلِهِ، وَلاَ يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ قَبْلَ عِلْمِهِ كَالْفَسْخِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ، فَلَوْ تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بَعْدَ الْعَزْلِ فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ، لأِنَّ الْعَزْلَ رَفْعُ عَقْدٍ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى رِضَا صَاحِبِهِ، فَلاَ يَفْتَقِرُ عَلَى عِلْمِهِ كَالطَّلاَقِ .
172 - وَيَتِمُّ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ- عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ- بِأُمُورٍ مِنْهَا:
أ- أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا الْعَزْلَ.
ب- إِذَا كَانَ الْوَكِيلُ غَائِبًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُوَكِّلُ كِتَابَ الْعَزْلِ، فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ وَعَلِمَ بِمَا فِيهِ. لأِنَّ الْكِتَابَ مِنَ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنَ الْحَاضِرِ.
جـ- لَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُوَكِّلُ رَسُولاً فَبَلَّغَهُ الرِّسَالَةَ، وَقَالَ لَهُ: فُلاَنٌ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وَيَقُولُ: إِنِّي عَزَلْتُكَ عَنِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ، كَائِنًا مَا كَانَ الرَّسُولُ، عَدْلاً كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. لأِنَّ الرَّسُولَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسَلِ مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ عَنْهُ، فَتَصِحُّ سِفَارَتُهُ بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ عِبَارَتُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ.
د- لَوْ أَخْبَرَ الْوَكِيلَ بِالْعَزْلِ رَجُلاَنِ عَدْلاَنِ كَانَا أَوْ غَيْرُ عَدْلَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ يَنْعَزِلُ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ. سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْوَكِيلُ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إِذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ، لأِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلاَتِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلاً فَخَبَرُ الْعَدْلَيْنِ أَوِ الْعَدْلِ أَوْلَى.
وَإِنْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ يَنْعَزِلُ بِاتِّفَاقِهِمْ أَيْضًا.
أَمَّا إِنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ حَتَّى وَإِنْ ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ. لأِنَّ الإِْخْبَارَ عَنِ الْعَزْلِ لَهُ شَبَهُ الشَّهَادَةِ، لأِنَّ فِيهِ الْتِزَامَ حُكْمِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَهُوَ الْعَزْلُ، وَهُوَ لُزُومُ الاِمْتِنَاعِ عَنِ التَّصَرُّفِ وَلُزُومُ الْعُهْدَةِ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بَعْدَ الْعَزْلِ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُ أَحَدِ شُرُوطِهَا وَهُوَ الْعَدَالَةُ أَوِ الْعَدَدُ.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الإِخْبَارَ عَنِ الْعَزْلِ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلاَتِ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ وَلاَ الْعَدَالَةُ كَمَا فِي الإْخْبَارِ فِي سَائِرِ الْمُعَامَلاَتِ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قُلْنَا لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ حَتَّى يَبْلُغَهُ خَبَرُ عَزْلِهِ فَالْمُعْتَبَرُ خَبَرُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتِهِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْفَاسِقِ . الشَّرْطُ الثَّانِي: عَدَمُ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِالْوَكَالَةِ:
173 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ عَزْلِ الْوَكِيلِ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ.
فَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقُّ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْعَزْلُ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ، لأِنَّ فِي الْعَزْلِ إِبْطَالَ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَلاَ سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَنْ رَهَنَ مَالَهُ عِنْدَ رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ وَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَجَعَلَ الْمُرْتَهِنَ أَوِ الْعَدْلَ مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِهِ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ عِنْدَ حِلِّ الأْجَلِ، فَعَزْلُ الرَّاهِنِ الْمُسَلَّطِ عَلَى الْبَيْعِ لاَ يَصِحُّ بِهِ عَزْلُهُ.
وَكَذَلِكَ إِذَا وَكَّلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَكِيلاً بِالْخُصُومَةِ مَعَ الْمُدَّعِي بِالْتِمَاسِ الْمُدَّعِي فَعَزَلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْمُدَّعِي لاَ يَنْعَزِلُ.
وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيمَنْ وَكَّلَ رَجُلاً بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ إِنْ غَابَ، ثُمَّ عَزَلَهُ الزَّوْجُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ غَابَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يَصِحُّ عَزْلُهُ، لأِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْوَكَالَةِ حَقُّ الْمَرْأَةِ فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ عَزْلُهُ لأِنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الطَّلاَقِ وَلاَ عَلَى التَّوْكِيلِ بِهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَيَمْلِكُ عَزْلَهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْوَكَالاَتِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا قَالَ الْمُوَكِّلُ: عَزَلْتُ الْوَكِيلَ أَوْ رَفَعْتُ الْوَكَالَةَ، أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ أَخْرَجْتُهُ عَنْهَا، فَيَنْعَزِلُ، سَوَاءٌ ابْتَدَأَ تَوْكِيلَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ بِسُؤَالِ الْخَصْمِ، بِأَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا أَنْ يُوَكِّلَ فِي الطَّلاَقِ أَوِ الْخُلْعِ، أَوْ سَأَلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ أَنْ يُوَكِّلَ بِبَيْعِ الرَّهْنِ، أَوْ سَأَلَهُ خَصْمُهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخُصُومَةِ .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَيْسَ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ إِذَا قَاعَدَ الْوَكِيلُ الْخَصْمَ ثَلاَثًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّوْكِيلُ لِعُذْرٍ أَمْ لاَ .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَلاَّ تَقَعَ الْوَكَالَةُ عَلَى وَجْهِ الإْجَارَةِ :
174 - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِصِحَّةِ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ أَنْ لاَ تَكُونَ الْوَكَالَةُ قَدْ وَقَعَتْ عَلَى سَبِيلِ الإْجَارَةِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى سَبِيلِ الإْجَارَةِ فَهِيَ لاَزِمَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. أَمَّا إِذَا وَقَعَتِ الْوَكَالَةُ عَلَى سَبِيلِ الْجَعَالَةِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي لُزُومِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ وَعَدَمِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (فَقْرَةِ 30).
أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْوَكَالَةُ عَلَى سَبِيلِ الإْجَارَةِ أَوِ الْجَعَالَةِ فَيَرَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا لاَزِمَةٌ مِنْ جَانِبِ الْوَكِيلِ فَقَطْ، خِلاَفًا لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَبَق تَفْصِيلُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ صِفَةِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَلاَّ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْعَزْلِ مَفْسَدَةٌ:
175 - قَالَ الشَّرَوَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ عَلِمَ الْمُوَكِّلُ أَنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَزْلِ مَفْسَدَةٌ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ حَيْثُ جَوَّزْنَاهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ اسْتَوْلَى عَلَى مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ظَالِمٌ، أَوْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ مَاءٍ لِطُهْرِهِ، أَوْ ثَوْبٍ لِلسَّتْرِ بِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، أَوْ شِرَاءِ ثَوْبٍ لِدَفْعِ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ اللَّذَيْنِ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِمَا عِنْدَ عَدَمِ السَّتْرِ مَحْذُورٌ، تَيَمَّمَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ لاَ يَتَيَسَّرُ لَهُ ذَلِكَ، فَيَحْرُمُ الْعَزْلُ وَلاَ يَنْفُذُ .
عِلْمُ الْمُوَكِّلِ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ نَفْسَهُ:
176 - لَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عِلْمَ الْمُوَكِّلِ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ نَفْسَهُ مِنَ الْوَكَالَةِ، لأِنَّ فَسْخَ عَقْدِ الْوَكَالَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَحْتَاجُ لِلرِّضَا فِيهِ، وَمَا لاَ يَحْتَاجُ لِلرِّضَا فِيهِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْعِلْمِ فِيهِ كَذَلِكَ.
وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ أَوْ بِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، حَيْثُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ لِنَفْسِهِ عِلْمُ الْمُوَكِّلِ بِالْعَزْلِ .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ الْوَكِيلُ أَنَّهُ لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ فِي غَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ اسْتَوْلَى عَلَى الْمَالِ جَائِرٌ حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَزْلُ عَلَى الأْوْجَهِ كَالْمُوصِي، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ .
ثَانِيًا: الْوَفَاةُ:
177 - تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَذَلِكَ لأِنَّ الْمَوْتَ مُبْطِلٌ لأِهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُوَكِّلُ أَوِ الْوَكِيلُ بَطَلَتْ أَهْلِيَّتُهُ بِالْمَوْتِ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ.
وَلأِنَّ الْوَكِيلَ نَائِبٌ عَنِ الْمُوَكِّلِ فِي مَالِهِ، وَقَدِ انْتَقَلَ هَذَا الْمَالُ بِالْوَفَاةِ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَلاَ يَلْزَمُهُمْ مَا بَاعَ أَوِ اشْتَرَى .
عِلْمُ الْوَكِيلِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ:
178 - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ حَتَّى تَبْطُلَ الْوَكَالَةُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ حَتَّى يَصِحَّ الْعَزْلُ، لأِنَّهُ لَوِ انْعَزَلَ قَبْلَ عِلْمِهِ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، لأِنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَتَقَعُ بَاطِلَةً. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَتَى تَصَرَّفَ قَبْلَ عِلْمِهِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُتَعَاقِدُ مَعَ الْوَكِيلِ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهَا الْمُوَكِّلُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَتَعَاقَدُ مَعَ وَكِيلٍ بِأَنْ أَعْلَمَهُ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ إِلاَّ إِذَا عَلِمَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ، وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ لِصِحَّةِ الْعَزْلِ، وَلَكِنَّ الأْوَّلَ هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُتَعَاقِدُ مَوْجُودًا بِالْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْمُوَكِّلُ، أَوْ كَانَ مَوْجُودًا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِالْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ إِلاَّ إِذَا عَلِمَ بِوَفَاةِ مُوَكِّلِهِ .
ثَالِثًا: الْجُنُونُ:
179 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ طُرُوءِ الْجُنُونِ عَلَى الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ عَلَى الْوَكَالَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ الْمُطْبَقِ، سَوَاءٌ طَرَأَ عَلَى الْوَكِيلِ أَوِ الْمُوَكِّلِ.
وَإِذَا جُنَّ الْوَكِيلُ أَوِ الْمُوَكِّلُ جُنُونًا مُطْبَقًا ثُمَّ أَفَاقَ لاَ تَعُودُ الْوَكَالَةُ.
وَحَدُّ الْجُنُونِ الْمُطْبَقِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِيهِ:
فَحَدَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِمَا يَسْتَوْعِبُ الشَّهْرَ وَبِهِ يُفْتِي، وَعَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِسُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِهِ، فَقُدِّرَ بِهِ احْتِيَاطًا، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي ذَلِكَ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الشَّهْرَ أَدْنَى مَا يَسْقُطُ بِهِ عِبَادَةُ الصَّوْمِ فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِهِ أَوْلَى، أَمَّا وَجْهُ حَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلِسُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِهِ فَقَدَّرَ بِهِ احْتِيَاطًا كَمَا ذَكَرْنَا.
وَحَدَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِمَا يَسْتَوْعِبُ السَّنَةَ، لأِنَّ الْمُسْتَوْعِبَ لِلسَّنَةِ هُوَ الْمُسْقِطُ لِلْعِبَادَاتِ كُلِّهَا فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِهِ أَوْلَى.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمُمْتَدِّ وَغَيْرِهِ.
قَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِخُرُوجِ الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ وَإِنْ زَالَ عَنْ قُرْبٍ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِجِنُونِهِ أَوْ جِنُونِ مُوَكِّلِهِ إِلاَّ أَنْ يَطُولَ جُنُونُ مُوَكِّلِهِ جِدًّا فَيَنْظُرَ لَهُ الْحَاكِمُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ: لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِجِنُونٍ لاَ يَمْتَدُّ بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ الْمُهِمَّاتُ وَيَخْرُجُ إِلَى نَصْبِ قَوَّامٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَرَدَ بِلَفْظِ قِيلَ: إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ .
رَابِعًا: الإْغْمَاء:
180 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ الإِْغْمَاءِ عَلَى الْوَكَالَةِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الأْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُلُ بِالإْغْمَاءِ، لأِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الإْنْسَانُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ إِلَى بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِإِغْمَاءِ الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ، إِلْحَاقًا لَهُ بِالْجُنُونِ، لأِنَّ الإْغْمَاءَ يَجْعَلُ الإْنْسَانَ غَيْرَ أَهْلٍ لِلْقِيَامِ بِالتَّصَرُّفَاتِ، فَتَبْطُلُ بِهِ الْوَكَالَةُ لِذَلِكَ .
خَامِسًا: الْحَجْرُ:
181 - الْحَجْرُ مِنْ أَسْبَابِ بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَلِلْفُقَهَاءِ مَنَاهِجُ مُخْتَلِفَةٌ فِي بَيَانِ آثَارِ الْحَجْرِ عَلَى الْوَكَالَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ.
وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ وَكَّلَ إِنْسَانًا فَحَجَرَ عَلَيْهِ بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ، لأِنَّ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ بَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ أَمْرِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَيَبْطُلُ الأْمْرُ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ.
وَخَصَّصَ الْحَنَفِيَّةُ بُطْلاَنَ الْوَكَالَةِ بِالْحَجْرِ عَلَى الْمُوَكِّلِ إِذَا كَانَ الْوَكِيلُ وَكِيلاً فِي الْعُقُودِ وَالْخُصُومَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَ وَكِيلاً فِي قَضَاءِ دَيْنٍ وَاقْتِضَائِهِ وَقَبْضِ وَدِيعَتِهِ فَلاَ يَنْعَزِلُ بِالْحَجْرِ.
وَقَالُوا: تَبْطُلُ وَكَالَةُ الوَكِيلِ بِالْحَجْرِ، عَلِمَ الْوَكِيلُ بِالْحَجْرِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ
وصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْحَجْرِ لِسَفَهٍ، سَوَاءٌ طَرَأَ عَلَى الْوَكِيلِ أَوْ عَلَى الْمُوَكِّلِ، لأِنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى الْعَقْلِ وَعَدَمِ الْحَجْرِ، فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ انْتَفَتْ صِحَّتُهُ لاِنْتِفَاءِ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ.
وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِبُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ حَيْثُ كَانَتْ فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي اعْتُبِرَ لَهَا الرُّشْدُ، بِأَنْ كَانَتْ فِي شَيْءٍ لاَ يَتَصَرَّفُ فِي مِثْلِهِ السَّفِيهُ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ فِي شَيْءٍ يَسِيرٍ يَتَصَرَّفُ فِي مِثْلِهِ السَّفِيهُ بِدُونِ إِذْنٍ، أَوْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ فِي طَلاَقٍ أَوْ رَجْعَةٍ أَوْ فِي تَمَلُّكٍ مُبَاحٍ كَاسْتِقَاءِ مَاءٍ أَوِ احْتِطَابٍ، وَالَّذِي حُجِرَ عَلَيْهِ الْمُوَكِّلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، فَلاَ تَنْفَسِخُ .
وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِفَلَسِ الْمُوَكِّلِ فِيمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ كَالتَّصَرُّفِ فِي عَيْنِ مَالِهِ لاِنْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي تَصَرُّفٍ فِي الذِّمَّةِ .
قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ حَجَرَ عَلَى الْوَكِيلِ لِفَلَسٍ فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا، لأِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلاً لِلتَّصَرُّفِ.
وَإِنْ حَجَرَ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَكَانَتِ الْوَكَالَةُ بِأَعْيَانِ مَالِهِ بَطَلَتْ لاِنْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِي أَعْيَانِ مَالِهِ. وَإِنْ كَانَتْ فِي الْخُصُومَةِ أَوِ الشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ أَوِ الطَّلاَقِ أَوِ الْخُلْعِ أَوِ الْقِصَاصِ فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا، لأِنَّ الْمُوَكِّلَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ، فَلاَ تَنْقَطِعُ الاِسْتِدَامَةُ .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْحَجْرِ عَلَى الْوَكِيلِ أَوْ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لاَ يَنْفُذُ مِنْهُمَا. وَاعْتَبَرُوا الْحَجْرَ فِي كِلاَ الْحَالَيْنِ فِي مَعْنَى الْجُنُونِ .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِفَلَسِ الْمُوَكِّلِ الأْخَصِّ، لاِنْتِقَالِ الْمَالِ لِلْغُرَمَاءِ.
وَالْمُرَادُ بِالْفَلَسِ الأْخَصِّ: هُوَ حُكْمُ الْحَاكِمُ بِخَلْعِ مَا بِيَدِ الْمُفْلِسِ لِغُرَمَائِهِ بِشُرُوطِهِ، بِأَنْ يَطْلُبَ الْغُرَمَاءُ تَفْلِيسَ الْمَدِينِ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ حَالًّا، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّيْنُ الْحَالُّ يَزِيدُ عَلَى مَا بِيَدِ الْمَدِينِ مِنَ الْمَالِ.
وَالْفَلَسُ الأْخَصُّ يَخْتَلِفُ عَنِ الْفَلَسِ الأْعَمِّ الَّذِي هُوَ مَنْعُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ وَلَوْ مُؤَجَّلاً- بِمَالِهِ مِنْ تَبَرُّعِهِ بِعِتْقٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ حِمَالَةٍ .
وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُلُ بِفَلَسِ الْمُوَكِّلِ الأْعَمِّ .
الرُّجُوعُ عَنِ الْوَكَالَةِ دَلاَلَةً:
صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِدَلاَلَةِ رُجُوعِ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ.
وَمِنْ صُوَرِ رُجُوعِ الْمُوَكِّلِ دَلاَلَةً عَنِ التَّوْكِيلِ وَطْءُ الْمُوَكِّلِ زَوْجَةً وَكَّلَ فِي طَلاَقِهَا.
وَمِنْ صُوَرِ دَلاَلَةِ رُجُوعِ الْوَكِيلِ مَا إِذَا قَبِلَ الْوَكَالَةَ مِنْ مَالِكِ عَبْدٍ فِي عِتْقِهِ وَكَانَ قَدْ وَكَّلَهُ إِنْسَانٌ فِي شِرَائِهِ، فَإِنَّ قَبُولَ الْوَكَالَةِ فِي عِتْقِهِ يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنِ الْوَكَالَةِ الأْولَى فِي شِرَائِهِ .
