loading

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

المادة رقم : 3
لا يجوز أن ترفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى شفهية أو كتابية من المجني عليه أو من وكيله الخاص ، إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأموري الضبط القضائي فى الجرائم المنصوص عليها فى المواد ( 185 ، 274 ، 277 ، 279 ، 292 ، 293 ، 306 ، 307 ، 308) من قانون العقوبات ، وكذلك فى الأحوال التي ينص عليها القانون .
ولا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجنى عليه بالجريمة وبمرتكبها ما لم ينص القانون على غير ذلك .
المذكرة الإيضاحية

يعلق القانون تارة في رفع الدعوى الجنائية على شكوى من المجني عليه في الجرائم التي تمس مصلحته أكثر مما تمس مصلحة الجماعة وتارة يعلق القانون رفع الدعوى الجنائية على طلب يقدم من جهات معينة في الجرائم التي تقع ضد هيئة من الهيئات النظامية أو مصلحة عامة أو جهة أجنبية وتارة اخرى يعلق القانون رفع الدعوى على صدور إذن في الجرائم التي تقع من أحد أعضاء بعض الهيئات النظامية لأن في رفعها بدون هذا الإذن مساساً لنا لهذه الهيئات من إستقلال ويترتب على ذلك أن النيابة العمومية لا تملك اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق في الجرائم التي يتوقف رفع الدعوى فيها على شكوى أو طلب الا اذا قدم الطلب أو الشكوى كما انها لا تملك اتخاذ أي إجراء ضد المتهم بدون إذن سابق إذا كان رفع الدعوى متوقفاً على هذا الإذن .

وتبين المواد 13 – 20 ( أصبحت المواد 3 – 10 من القانون ) أحكام هذه القيود في تنص المادة 13 ( أصبحت المادة 3 من القانون ) على ضرورة تقديم الشكوى من المجني عليه أو من وكيله الخاص إلى النيابة العمومية أو أحد مأموري الضبط القضائي ولا يشترط أن تكون بالكتابة فيجوز أن تكون شفوية ولا تقبل بعد ثلاثة أشهر من يوم على المجنى عليه بالجريمة ومرتكبها أو نفترض في هذه الحالة أنه تنازل عن حقه في الشكوى .

إذا كان المجني عليهم أكثر من واحد فلا يشترط أن يقدم كل منهم شكوى بل يكفي أن تقم من أحدهم .

 اما اذا كان قد تعدد المتهمون ولم تقدم الشكوى إلا ضد واحد منهم فتعتبر أنها مقدمه ضد الباقين مما يسمح للنيابة العمومية باتخاذ الإجراءات في الدعوى ضد جميع مادة 14 ( أصبحت المادة 4 من القانون ) والمقصود بالمتهمين هنا من يستلزم القانون وجوب تقديم شكوى ضدهم لتحريك الدعوى .

وتنص المادة 15 ( أصبحت المادة 10 من القانون ) على حق مقدم الشكوى في التنازع ما لم يصدر في الدعوى حكم نهائي له بصدور وهذا الحكم تنقطع صلة من قدم الشكوى بالدعوى وتنتهي الدعوى الجنائية .

وفي حالة تعدد المجني عليهم لا يعتبر تنازل إلا إذا صدر من جميع من قدموا الشكوى ويترتب على هذا التنازل انقضاء الدعوى الجنائية وإذا كان التنازل قاصراً على أحد المتهمين فإنه يسري على باقي المتهمين أيضاً .

ويشترط لصحة الشكوى أن تكون سن مقدمها خمس عشرة سنة فأكثر وأن يكون متمتعاً بقواه العقلية فإذا لم يتوفر احد هذين الشرطين بأن كان من المجنى أقل من خمس عشرة سنة أو كان ناقص الإدراك بحيث تكون درجة تمييزه كدرجة تمييز الصغير الذي لم يلغ هذا السن فيجب أن تقدم شكوى ممن له الولاية على النفس شرعاً لن جميع الجرائم التي يعلق القانون رفع الدعوى فيها على شكوى خاصة بالشرف والعرض مما ليس له اتصال بالمال – وتسري على الولى جميع الأحكام الخاصة بالشكوى فإذا لم يقدمها في مدى ثلاثة أشهر من تاريخ علمه بالجريمة ومرتكبها سقط حقه في الشكوى – مادة 16 – ( أصبحت المادة 5 من القانون ).

وإذا تعارضت مصلحة الولي مع مصلحة المجنى عليه أو إذا لم يكن للمجنى عليه ولى من أقاربه تقوم النيابة مقام الولي وتسري عليها جميع الأحكام المتعلقة بالولي – مادة 17 – ( أصبحت المادة 6 من القانون ).

 ولما كان حق الشكوى متعلقاً بشخص بعد تقديم الشكوى فلا يكون لها تأثير على سير الدعوى ويكون للنيابة العمومية الحق في الاستمرار فيها – مادة 18 – ( أصبحت المادة 7 من القانون ).

ويختلف الإذن والطلب عن الشكوى في أنه لا يجوز الرجوع فيهما بعد صدورهما كما يجب أن يكوناً بالكتابة ولا يسقط حق الطلب والإذن بمضي ثلاثة أشهر من تاريخ علم من له حق الطلب والإذن بالجريمة وبمرتكبها، لأنه لا محل لافتراض التنازل هنا وبدیهی أن القانون إذا أوجب صدور الإذن قبل اتخاذ إجراءات معينة فإن الحظر يكون مقصوراً على هذه الإجراءات وحدها وبصفة عامة إذا اشترط القانون اذناً فإنه يجوز قبل صدور هذا الإذن اتخاذ جميع الإجراءات الجنائية في الدعوى إلا فيما يتعلق بالإجراءات الموجهة ضد المتهم سواء بالنسبة إلى شخصه أو من هو بمنزلته – مادة 19 و 20 – ( أصبحت مادة 8 و 9 من القانون ).

تنص المادة 24 – 26  ( أصبحت المادة 3 من القانون ) على عدم جواز رفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى في جريمة الزنا وجريمة الفعل الفاضح مع امراة في غير علانية وجريمة عدم تسليم أي الوالدين أو الجدين ولده الصغير او ولد ولده الى من له حق في طلبه وجريمة الإمتناع عن دفع النفقة أو اجر الحضانة أو الرضاعة أو المسكن المحكوم به وجرائم القذف والسب في حق أحد الأفراد أو أحد الموظفين بسبب أداء الوظيفة.

 وتنص المادة 25 ( أصبحت المادة 8 من القانون ) على عدم جواز رفع الدعوى إلا بناء على طلب وزير العدل في جريمة العيب في حق ملك أو رئيس دولة اجنبية او ممثل دولة أجنبية معتمد في مصر كما نصت المادة 29 ( أصبحت المادة 9 من القانون ) على عدم جواز رفع الدعوى الجنائية في جرائم سب البرلمان أو أحد المجلسين أو غيرهما من الهيئات النظامية أو الجيش أو المحاكم أو السلطات أو المصالح العامة إلا بناء على طلب الهيئة أو رئيس المصلحة المجني عليها.

وقد أشارت المذكرة الإيضاحية للمادة الثالثة من قانون الإجراءات أن القانون يعلق تارة رفع الدعوى الجنائية على شكوى من المجني عليه في الجرائم التي تمس مصلحته أكثر مما تمس مصلحة الجماعة …. ولا تقبل بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجنى عليه بالجريمة وبمرتكبها ، إذ يفترض في هذه الحالة أنه تنازل عن حقه في الشكوى.

أشارت المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 476 لسنة 1954 إلى أن المادة 3 من قانون الإجراءات الجنائية تقضي بعدم جواز رفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى شفهية أو كتابية من المجني عليه أو من وكيله الخاص إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأموري الضبط القضائي في الجرائم المنصوص عليها بالمواد المبينة بتلك المادة ومن بينها المواد 185 و 303 و 306 و 307 و 308 من قانون العقوبات.

تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016  أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونايتد للإصدارات القانونية

تشكيل النيابة العامة

مادة 5 –  يقوم بأداء وظيفة النيابة العامة لدى المحاكم – عدا محكمة النقض – النائب العام أو أحد النواب

العامين المساعدين أو المحامين العامين الأول أو المحامين العامين أو رؤساء النيابة أو وكلائها أو مساعديها أو معاونيها. ويحل أقدم النواب العامين المساعدين محل النائب العام وتكون له جميع اختصاصاته في حالة غيابه أو خلو منصبه أو قيام مانع لديه. ويقوم بأداء وظيفة النيابة العامة لدى محكمة النقض نيابة عامة مستقلة تؤلف من مدير يختار من مستشاري محكمة النقض أو الاستئناف أو المحامين العامين علي الأقل يعاونه عدد كاف من الأعضاء من درجة وكيل النيابة من الفئة الممتازة علي الأقل.

الفرع الأول : النائب العام

مادة 6  – النائب العام هو الوكيل عن الهيئة الإجتماعية في مباشرة تحريك الدعوى الجنائية ومتابعة سيرها حتى يصدر فيها حكم بات وولايته في ذلك ولاية عامة تشتمل على سلطتي التحقيق والاتهام وتنبسط على إقليم الجمهورية برمته وعلى كافة ما يقع من جرائم أياً كانت . ويعين النائب العام بقرار من رئيس الجمهورية من بين نواب رؤساء محاكم الاستئناف أو مستشاري محكمة النقض أو المحامين العامين الأول علي الأقل.

مادة 7 –  يشرف النائب العام على شئون النيابة العامة وله الرئاسة القضائية والإدارية على أعضائها .

مادة 8 –  النائب العام أن يباشر إختصاصاته بنفسه وله – في غير الاختصاصات المنوطة به على سبيل الإنفراد – أن يعهد إلى أي من أعضاء النيابة المعهود إليهم قانوناً معاونته أو مباشرتها بالنيابة عنه. كما يجوز له أن يضفي إختصاصاً شاملاً للجمهورية على أعضاء النيابات المتخصصة في بعض أنواع الجرائم.

مادة 9 – يباشر النائب العام بنفسه أو بتوكيل خاص منه الإختصاصات التالية :

(أ) رفع الدعوى الجنائية ضد الموظفين أو المستخدمين العموميين أو رجال الضبط عن الجنح التي تقع منهم أثناء تأدية وظيفتهم أو بسببها عدا الجرائم المشار إليها في المادة 123 من قانون العقوبات ويجوز ذلك للمحامى العام أو رئيس النيابة.

(ب) رفع الدعوى الجنائية في الجرائم المنصوص عليها في المادة 116 مكرراً (1) من قانون العقوبات وهي الخاصة بإهمال الموظف العام الناتج عنه ضرر جسيم بأموال ومصالح الجهة التي يعمل بها أو المعهود بها إليها، ويجوز ذلك للمحامي العام.

(ج) رفع الدعوى الجنائية في الجرائم المشار إليها في المواد 116 مكرراً و 116 مكرراً (أ) و 116 مكرراً (ب)من قانون العقوبات بالنسبة إلي أعضاء مجالس إدارة الشركات الخاضعة لأحكام قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991 ، ويجوز ذلك للنائب العام المساعد والمحامي العام الأول لنيابة الاستئناف.

(د) إلغاء الأمر الصادر من النيابة العامة بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية في مدة الثلاثة أشهر التالية لصدوره، ما لم يكن قد صدر قرار من محكمة الجنائية أو من محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة (بحسب الأحوال ) برفض الطعن المرفوع عن هذا الأمر.

(هـ) طلب إعادة النظر في الأحكام النهائية علي النحو المبين بالمادة 441 وما بعدها من قانون الإجراءات الجنائية.

(و) الطعن في الأوامر التي تصدر من هيئات الفحص والتحقيق في قضايا الكسب غير المشروع بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية ، وبالإجراءات المنصوص عليها في القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع.

(ز) إستئناف الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية من المحكمة الجزئية في مواد الجنح والمخالفات في ميعاد ثلاثين يوماً من وقت صدورها، وله أن يقرر بالإستئناف في قلم كتاب المحكمة المختصة بنظره.

(ح) الطعن بطريق النقض لمصلحة القانون في الأحكام الانتهائية أياً كانت المحكمة التي أصدرتها في الأحوال المبينة بالمادة 250 من قانون المرافعات .

(ط) إتخاذ الإجراءات الكفيلة بالانتهاء من التحقيق إذا انقضى على حبس المتهم إحتياطياً ثلاثة شهور.

(ي) تقديم طلب الحصول على إذن مجلس القضاء الأعلى للقبض علي القاضي أو عضو النيابة وحبسه احتياطياً ، إتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق معه. أو رفع الدعوى الجنائية عليه في جناية أو جنحة.

(ك) تقديم طلب الحصول على إذن الهيئة المشكل منها مجلس التأديب المختص للقبض على أياً من أعضاء مجلس الدولة من درجة مندوب فما فوقها وحبسه احتياطياً ، أو اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق معه أو رفع الدعوى الجنائية عليه في جناية أو جنحة.

(ل) إقامة الدعوى التأديبية على القضاة بناء على طلب وزير العدل من تلقاء نفسه أو بناء على اقتراح رئيس المحكمة التي يتبعها القاضي ، وكذلك إقامة تلك الدعوى على أعضاء النيابة العامة بناء على طلب وزير العدل.

(م) الأمر بالقبض علي عضو هيئة قضايا الدولة، أو حبسه احتياطياً ، أو رفع الدعوى الجنائية ضده إذا وقعت منه جريمة أثناء وجوده في الجلسة لأداء أعمال وظيفته أو بسببها، ويجوز ذلك لأي من النواب العامين المساعدين أو المحامين العامين الأول لنيابات الاستئناف.

(ن) رفع الدعوى الجنائية ضد المحامي إذا وقع منه أثناء وجوده بالجلسة، لأداء واجبه أو بسبه إخلال بنظام الجلسة، أو أمر يستدعي محاسبته جنائياً، ويجوز ذلك للمحامى العام الأول لنيابة الاستئناف.

(س) طلب رفع الحصانة عن أعضاء مجلس الشعب والشورى طبقاً للمادتين 99 ، 205 من الدستور.

(ع) إصدار أمر وقتي بمنع المتهم أو زوجة أو أولاده القصر من التصرف في أموالهم أو إدارتها عند الضرورة وفي حالة الاستعجال، وعرض ذلك الأمر على المحكمة الجنائية المختصة في الميعاد المقرر قانوناً بطلب الحكم بالمنع من التصرف أو الإدارة، وذلك في الأحوال التي تقوم فيها من التحقيق أدلة كافية علي الاتهام في أي من الجرائم المنصوص عليه في المادة 208 مكرراً (1) من قانون الإجراءات الجنائية.

(ف) طلب الحصول على أمر محكمة استئناف القاهرة بالإطلاع على أية بيانات ، أو معلومات تتعلق بالحسابات أو الودائع أو الأمانات أو الخزائن المنصوص عليها في المادتين الأولي والثانية من القرار بقانون رقم 205 لسنة 1990 في شأن سرية الحسابات بالبنوك أو المعاملات المتعلقة بها، في الأحوال التي يجيز فيها القانون المذكور ذلك، وله أخطار البنك وذوي الشأن، حسب الأحوال بالأمر الذي تصدره المحكمة في هذا الشأن، ويجوز له أن يفوض في اتخاذ تلك الإجراءات أحد المحامين العامين الأول علي الأقل.

(ص) الأمر باتخاذ الإجراءات المشار إليها في الفقرة السابقة مباشرة إذا اقتضى ذلك كشف الحقيقة في جريمة من الجرائم المنصوص عليها في القسم الأول من الباب الثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات (جرائم الإرهاب)، وله أن يفوض في ذلك أحد المحامين العامين ويباشر المحامي العام الأول لنيابة الاستئناف في دائرة اختصاصه كافة الصلاحيات المخولة للنائب العام بمقتضى القوانين سواء تلك التي يباشرها بحكم وظيفته أو بحكم صفته.

مادة 10 –  يختص النائب العام، لتحقيق مقتضيات الإشراف القضائي والإداري على النيابة العامة ومأموري الضبط القضائي :

(أ) – نقل أعضاء النيابة بدائرة المحكمة المعينين بها .

(ب) – ندب أعضاء النيابة خارج دائرة المحكمة المعينين بها مدة لا تزيد على ستة أشهر.

(ج) – ندب أحد رؤساء النيابة للقيام بعمل المحامي العام للنيابة الكلية لمدة لا تزيد على أربعة أشهر قابلة للتجديد لمدة واحد ، ويكون لرئيس النيابة المنتدب في هذه الحالة جميع الاختصاصات المخولة قانوناً للمحامي العام.

(د) اقتراح تعيين محل إقامة أعضاء النيابة ونقلهم في غير النيابة الكلية التابعين لها .

الفرع الثاني  

النواب العامون المساعدون:

مادة 11 –  ويعين النواب العامون المساعدون بقرار من رئيس الجمهورية، ويقومون بما يعهد إليهم به أو يفوضهم فيه النائب العام من اختصاصات.

مادة 12 –  يحل أقدم النواب العامين المساعدين محل النائب العام ، ويكون له جميع اختصاصاته وذلك في حالة غيابه أو خلو منصبه أو قيام مانع لديه.

مادة 13 –  يرأس النائب العام المساعد لجنة في النيابة العامة تشكل منه ومن مدير الإدارة العامة للنيابات وسكرتيرها العام، تختص باقتراح كل ما يتعلق بشئون كتاب النيابة العامة من تعيين ونقل وترقية ومنح العلاوات، كما تتولى إمتحان كتاب نيابات محاكم الاستئناف ومحكمة النقض للترقية إلى الفئة الأعلى.

الفرع الثالث : المحامون العامون الأول لنيابات الاستئناف:

مادة 14 –  يكون لدى كل محكمة استئناف محام عام أول يكون تعيينه بقرار من رئيس الجمهورية .

مادة 15 – للمحامي العام الأول في دائرة اختصاصه المكاني كافة الحقوق والإختصاصات القضائية التي للنائب العام، ويباشرها تحت إشرافه باعتباره صاحب الدعوى العامة والقائم على شئونها.

مادة 16 –  يباشر المحامي العام الأول الاختصاصات العادية للنيابة العامة في دائرة اختصاصه المكاني شأنه في ذلك شأن باقي أعضاء النيابة ، وله حق الرقابة والإشراف على أعضاء النيابة الأدنى التابعين له.

مادة 17 –  يشترك المحامي العام الأول في مجالس تأديب العاملين بالمحاكم وذلك في محكمة النقض وفي كل محكمة من محاكم الإستئناف.

الفرع الرابع : المحامون العامون

مادة 18 – يباشر المحامون العامون ورؤساء النيابة كل في دائرة المحكمة المعين بها كافة الاختصاصات العادية المخولة للنائب العام في تحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها وذلك بموجب وكالة قانونية مفترضة ويجوز لأيهم مباشرة أي إجراء يدخل في الاختصاصات الاستثنائية للنائب العام بشرط الحصول على تفويض خاص منه مقصور على الإجراء الذي صدر بشأنه .

مادة 19 – للمحامي العام في دائرة المحكمة المعين بها حق الرقابة والإشراف علي أعضاء النيابة بهذه المحكمة.

مادة 20 – يجوز للمحامي العام أن يندب عضو نيابة في دائرة للقيام بعمل عضو أخر بتلك الدائرة عند الضرورة ، ويكفي أن يتم هذا الندب شفاها بشرط أن يكون له ما يفيد حصوله في أوراق الدعوى ، على أن تخطر أداره التفتيش القضائي بالنيابة بقرار الندب فور صدوره ودواعي الضرورة التي استوجبته. فإذا أرتأى المحامي العام في غير هذه الحالة ندب عضو نيابة في دائرته للعمل في نيابة أخري داخل ذات الدائرة وجب أخطار إدارة التفتيش المذكورة لاستصدار القرار اللازم من النائب العام .

مادة 21 –  يعمل كتاب كل نيابة تحت رقابة رئيس القلم الجنائي بها وهم جميعاً خاضعون للمحامى العام ولرئيس النيابة الكلية .

مادة 22 –  يشارك المحامي العام أو من يقوم مقامه في المحكمة الابتدائية في مجالس تأديب العاملين بها وبالنيابات الواقعة بدائرتها.

مادة 23 – للمحامي العام طلب إقامة الدعوى التأديبية بالنسبة لموظفي النيابات وله توقيع عقوبتي الخصم من المرتب على كتاب النيابات التابعين له وكذلك الترخيص لهم في أجازة وذلك بالإجراءات وفي الحدود المبينة في شئون العاملين بالتعليمات العامة والكتابية والمالية والإدارية الصادرة عام 1995 .

مادة 24 –  يختص المحامون العامون أو من يقوم مقامهم في دوائر المحاكم الإبتدائية المعينين بها بمباشرة بعض الاختصاصات المنصوص عليها في القوانين على سبيل الانفراد وأهمها ما يلي :

(أ) رفع الدعوى الجنائية في مواد الجنايات بإحالتها مباشرة إلى محكمة الجنايات أو محاكم أمن الدولة العليا أو محكمة الأحداث (بحسب الأحوال) بتقرير اتهام وترفق به قائمة بمؤدى أقوال الشهود .

(ب) رفع الدعوى الجنائية ضد الموظفين أو المستخدمين العموميين أو رجال الضبط عن الجنح التي تقع منهم أثناء تأدية وظيفتهم أو بسببها عدا الجرائم المشار إليها في المادة 123 من قانون العقوبات، ويجوز ذلك لرئيس النيابة.

(ج) إصدار الأوامر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية في الجنايات.

(د) إلغاء الأوامر الجنائية التي يصدرها رؤساء النيابة أو وكلاء النيابة لخطأ في تطبيق القانون في الميعاد المقرر قانوناً.

(هـ) إصدار قرارات وقتية مسببة فمنازعات الحيازة مدينة كانت أو جنائية، ويجوز ذلك لرئيس النيابة.

الفرع الخامس : رؤساء النيابة ووكلاؤها ومساعدوها ومعاونوها :

مادة 25 – يباشر رؤساء النيابة ووكلاؤها ومساعدوها كل في دائرة اختصاصه المكاني كافة الإختصاصات العادية في تحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها فيما عدا ما يخص به القانون أحد أعضاء النيابة على سبيل الانفراد ، ويجوز لا يهم مباشرة أي إجراء يدخل في الاختصاصات الاستئنافية للنائب العام بشرط الحصول على تفويض خاص منه مقصور علي الإجراء الذي صدر بشأنه.

مادة 25 مكرراً –  يختص رؤساء النيابة – في دوائر اختصاصهم المكاني – بمباشرة بعض الاختصاصات المنصوص عليها في القوانين وأهمها ما يلي :

رفع الدعوى الجنائية ضد الموظفين أو المستخدمين العموميين أو رجال الضبط عن الجنح التي تقع منهم أثناء تأدية وظيفتهم أو بسببها عدا الجرائم المشار إليها في المادة 123 من قانون العقوبات .

إلغاء الأوامر الجنائية التي يصدرها وكلاء النيابة لخطأ في تطبيق القانون في الميعاد المقرر قانوناً .

التوقيع علي أسباب الطعن بالنقض المرفوع من النيابة.

مادة 26 –  يتولى وكلاء النائب العام وحدهم سلطة إصدار الأمر الجنائي في بعض المخالفات والجنح وهي سلطة مقصورة عليهم دون غيرهم من الأعضاء الذين يقلون عنهم درجة .

مادة 27–  يختص معاونو النيابة أسوة بسائر أعضائها بأداء وظيفتها أمام المحاكم – عدا محكمة النقض – فيجوز لهم تمثيل النيابة أمام هذه المحاكم وإبداء الطلبات والمرافعة  ولا يملك معاون النيابة مباشرة التحقيق الإبتدائي دون ندب مسبق، إلا أنه يجوز تكليفه بتحقيق قضية برمتها وعندئذ فإنه يباشر كافة الإجراءات التحقيق بما فيها استجواب المتهم ، ويكون التحقيق الذي يجريه له صفة التحقيق القضائي ولا يختلف من حيث أثره وقيمته عن التحقيق الذي يجريه غيره من أعضاء النيابة.

مادة 213 – في الجرائم المنصوص عليها في المواد 181 ، 182 ، 184 ، 185 ، 274 ، 277 ، 279 ، 292 ، 293 ، 303 ، 306 ، 307 ، 308 من قانون العقوبات وكل جريمة أخرى يشترط القانون فيها لرفع الدعوى الجنائية تقديم شكوى أو الحصول على إذن أو طلب من المجني عليه أو غيره كالجرائم الخاصة بتهريب النقد وجريمة الزنا وجريمة السرقة التي تقع من الأصول أو الفروع أو من أحد الزوجين على الآخر لا يجوز اتخاذ إجراءات التحقيق أو القبض على المتهم ولو كانت الجريمة متلبساً بها إلا بعد تقديم الشكوى أو الحصول على الإذن أو الطلب ممن يملك ذلك قانوناً.

ويقتصر هذا القيد على نطاق الجريمة التي خصها القانون بضرورة تقديم الشكوى أو الحصول على إذن أو طلب دون سواها ولو كانت مرتبطة بها ويعتبر الإدعاء المباشر بمثابة شكوى كما لا يحتسب يوم العلم من مدة الثلاثة أشهر المنصوص عليها في المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية على أنه في الجريمة المنصوص عليها في المادة 185 من قانون العقوبات وفى الجرائم المنصوص عليها في المواد 303 ، 306 ، 307 ، 308 من القانون المذكور إذا كان المجني عليه موظفاً عاماً أو شخصاً ذا صفة نيابية عامة أو مكلفاً بخدمة عامة وكان إرتكاب الجريمة بسبب أداء الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة يجوز إتخاذ إجراءات التحقيق فيها دون حاجة إلى تقديم شكوى أو طلب أو إذن .

وإذا ورد للنيابة بلاغ عن جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المواد 181 ، 182 ، 184 من قانون العقوبات دون أن يقدم لها طلب كتابي من وزير العدل أو من الهيئة أو من رئيس المصلحة المجني عليها على حسب الأحوال فيجب على النيابة إرسال البلاغ إلى المحامي العام دون أن يتخذ أي إجراء من إجراءات التحقيق حتى يقدم الطلب على الوجه القانوني . ويراعى فيما يتعلق بشكل الشكوى أو الإذن أو الطلب ومن له حق تقديمها وانقضاء الحق في الشكوى وآثار انقضاء هذا الحق أحكام المواد 3 ، 4 ، 5 ، 6 ، 7 ، 8 ، 9 ، 10 ، 39 من قانون الإجراءات الجنائية .

ويراعى كذلك في الجرائم آنفة الذكر التي تقع على أحد الوزراء ومن في درجتهم والتي تبلغ بها النيابة بغير شكوى مقدمة من أحدهم أن تكون مخاطبة النيابة في شأنه عن طريق مكتب النائب العام .

مادة 213 مكرراً – لا تتقيد النيابة العامة في مباشرتها التحقيق ورفع الدعوى في الجرائم المنصوص عليها في القسم الأول من الباب الثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات يقيد الطلب المنصوص عليه في المادة (9) من قانون الإجراءات الجنائية.

مادة 1056 – الشكوى هي البلاغ الذي يقدمه المجني عليه إلى النيابة العامة أو مأمور الضبط القضائي ، طالباً تحريك الدعوى الجنائية في الجرائم التي تتوقف فيها حرية النيابة العامة في هذا التحريك على توافر هذا الإجراء .

ويجوز أن تكون الشكوى كتابية أو شفهية ، ويستوي أن تصدر بأي عبارة بشرط أن تدل على رغبة مقدمها في تحريك الدعوى الجنائية قبل المتهم .

مادة 1057 –  لا يجوز أن ترفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى في الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات في المواد 185 (سب موظف أو شخص ذو صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة بسبب أداء الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة) و274 (زنا الزوجة) ، 277  ( زنا الزوج في منزل الزوجية)، 279 (إرتكاب أمر مخل بالحياء مع امرأة ولو في غير علانية) ، 292 (إمتناع الوالدين أو الجدين عن تسليم الولد الصغير إلى من له الحق في طلبه بناء على قرار من جهة القضاء صادر بشان حضانته أو حفظه واختطاف أحدهم الولد ممن له الحق في حضانته وحفظه) ، 293 (الامتناع عن دفع النفقات الصادر بها حكم قضائي واجب النفاذ) ، 303 (القذف) ، 306 (السب العلني) ، 307 ، 308 (العيب أو الإهانة أو القذف أو السب بطريق النشر في إحدى الجرائد أو المطبوعات وأيضاً إذا تضمن ذلك طعناً في عرض الأفراد وخدشاً بسمعة العائلات ) ، 312 ( السرقة إضراراً بالزوج أو الأصل أو الفرع ) والمروق من سلطة الأب أو الولي أو الوصي أو من سلطة الأم في حالة وفاة الولي أو الوصي أو عدم أهليته وذلك بالنسبة للأحداث طبقاً للمادة الثانية فقرة سابعاً من القانون رقم 31 لسنة 1974.

مادة 1063 –  لا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة ومرتكبها ما لم ينص القانون على غير ذلك ويشترط في هذا العلم أن يكون يقينياً بالجريمة ومرتكبها، ولا يحتسب يوم العلم من مدة الثلاثة شهور المذكورة .

مادة 1064 –  لا يشترط في الشكوى أن تكون موجهة ضد شخص معين بالذات لتحريك الدعوى الجنائية قبله ، فلا يكفي مجرد إبداء الرغبة في محاكمة الجاني إذا لم يكن معروفاً لدى الشاكي.

الأحكام

1– لما كانت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية بعد أن علقت رفع الدعوى الجنائية فى جريمة الزنا المنصوص عليها فى المادتين 274 ، 275 من قانون العقوبات على شكوى الزوج ، نصت فى فقرتها الأخيرة على أنه ” لا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ” ، وجريمة الزنا الأصل فيها أن تكون وقتية لأن الركن المادي المكون لها وهو الوطء فعل مؤقت ، على أنها قد تكون متتابعة الأفعال كما إذا ارتبط الزوج بامرأة أجنبية يزني بها أو ارتبط اجنبي بالزوجة لغرض الزنا وحينئذ تُكَوِّن أفعال الزنا المتتابعة فى رباط زمني متصل جريمة واحدة فى نظر الشارع ما دام قد انتظمها وحدة المشروع الإجرامي ووحدة الجاني ووحدة الحق المعتدى عليه ، ولما كان القانون قد أجرى ميعاد السقوط من تاريخ العلم بالجريمة فإن مدة الثلاثة أشهر تسري حتماً من يوم العلم بمبدأ العلاقة الآثمة لا من يوم انتهاء أفعال التتابع ؛ إذ لا شك فى أن علم المجني عليه بالعلاقة الآثمة من بدايتها يوفر له العلم الكافي بالجريمة وبمرتكبها ويتيح له فرصة الالتجاء إلى القضاء ولا يضيف اطراد العلاقة إلى علمه جديداً ولا يتوقف حقه فى الشكوى على إرادة الجاني فى اطراد تلك العلاقة ، وكان من المقرر أن علم المجني عليه بجريمة الزنا الذي يبدأ فيه سريان ميعاد السقوط يجب أن يكون علماً يقينياً لا ظنياً ولا افتراضياً فلا يجرى الميعاد فى حق الزوج إلا من اليوم الذي يثبت فيه قيام هذا العلم اليقيني . ولما كان الحكم المطعون فيه قد أثبت علم الزوج علماً يقينياً بالعلاقة الآثمة التي نشأت بين الطاعنة والمحكوم عليه الآخر حين أقرت له الطاعنة بارتكابها للجريمة قبل شهر ونصف من اليوم الذي تقدم فيه بالشكوى ، فإن الحكم المطعون فيه يكون صحيحاً فيما قضى به من رفض الدفع بسقوط الحق فى الشكوى عن جريمة الزنا لمضي مدة ثلاثة أشهر من تاريخ العلم بالجريمة وبمرتكبيها ، ويكون النعي عليه فى هذا الصدد فى غير محله .

(الطعن رقم 23371 لسنة 4 ق – جلسة 2015/01/27)

2- لما كان البين من الاطلاع على الأوراق أن النيابة العامة أقامت الدعوى الجنائية ضد المطعون ضده بتهمتى القذف والسب فى حق المجنى عليه بطريق النشر وأحالته إلى محكمة جنايات … لمعاقبته وفق نصوص المواد 171 ، 185 ، 302 ، 303 ، 306 ، 307 من قانون العقوبات ، ومحكمة الجنايات قضت حضورياً بعدم قبول الدعوى الجنائية لرفعها بغير الطريق الذى رسمه القانون , وقد أقام الحكم المطعون فيه قضاءه على قوله:”…. ولما كانت هذه الجنحة قد قدمت إلى النائب العام بشكوى من وكيل المجنى عليه الأستاذ/…. بموجب التوكيل العام رقم …. ومن ثم تكون الشكوى قد قدمت بالمخالفة لما نصت عليه المادة 3 أ.ج وتكون فى هذه الحالة الشكوى على النحو السالف لا تكون مقبولة لمخالفتها صريح نص القانون الذى استوجب أن تكون بتوكيل خاص من المجنى عليه وليس بتوكيل عام ويكون ما دفع به المتهم فى مذكراته قد صادف صحيح القانون . وحيث إنه لما كان ذلك , فإن المحكمة تقضى بعدم قبول الدعوى الجنائية لرفعها بغير الطريق الذى رسمه القانون .” وهذا الذى قاله الحكم صحيح فى القانون ذلك أن المادة 3 من قانون الإجراءات الجنائية نصت على أنه ” لا يجوز أن ترفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى شفهية أو كتابية من المجنى عليه، أو من وكيله الخاص ، إلى النيابة العامة ، أو إلى أحد مأمورى الضبط القضائي فى الجرائم المنصوص عليها فى المواد 185 ، 274 ، 277 ، 279 ، 292 ، 293 ، 303 ، 306 ، 307 ، 308 من قانون العقوبات ، وكذلك فى الأحوال الأخرى التى ينص عليها القانون ” ، ويشترط لصحة التوكيل بالشكوى أن يكون خاصاً، أى أن تحدد فيه الواقعة التى تقوم بها الجريمة موضوع الشكوى , ويرتبط بذلك أن يكون التوكيل لاحقاً على الجريمة ، ويترتب على ذلك أنه لا محل فى الشكوى لتوكيل عام ، ولا يقبل توكيل خاص توقعاً لجريمة ترتكب فى المستقبل ، ذلك أن استعمال الحق فى الشكوى يفترض تقديراً لظروف الجريمة ومدى ملاءمة الشكوى . لما كان ذلك ، وكانت المادة 3 من قانون الإجراءات الجنائية تضع قيداً على حق النيابة فى تحريك الدعوى العمومية بجعله متوقفاً على تقديم الشكوى من المجنى عليه أو من وكيله الخاص فى الفترة المحددة بتلك المادة . لما كان ذلك ، وكان البين من المفردات المضمومة أن وكيل المجنى عليه هو الذى تقدم بالشكوى إلى النيابة العامة بموجب التوكيل الرسمى العام رقم ….. لسنة ……. ب توثيق ……….. خلافاً لما توجبه المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية من اشتراط تقديم الشكوى من المجنى عليه أو من وكيله الخاص ، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى بعدم قبول الدعوى الجنائية يكون قد أصاب صحيح القانون , ولا يغير من هذا النظر أن يكون التوكيل الصادر قبل الواقعة المطروحة قد خصص قضايا القذف التى ترفع من الموكل أو عليه ، إذ لا يقبل توكيل خاص توقعاً لجريمة ترتكب فى المستقبل .

(الطعن رقم 4365 لسنة 70ق – جلسة 2008/07/19 س 59 ص 336 ق 61)

3- لما كان ما تثيره النيابة العامة من أن قواعد القانون المدنى تبيح تخصيص نوع معين من الأعمال القانونية ولو لم يعين محل هذا العمل على وجه التخصيص ذلك أن من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أنه لا يرجع فى تفسير القانون إلى قواعد القانون العام مادام أنه توجد نصوص خاصة لتنظيم الإجراءات فى القانون الخاص باعتبار أن القانون الخاص يقيد القانون العام ويعتبر استثناء عليه وقيداً وإطاراً فى تفسيره وتأويله , وكانت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية قد أوجبت أن يكون الوكيل فى تقديم الشكوى عن الجرائم المنصوص عليها فى تلك المادة ومنها جريمتا القذف والسب موكلاً توكيلاً خاصاً بالمعنى سالف البيان وهو نص خاص يغاير الأصل العام المقرر وفق قواعد القانون المدنى فإن نص المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية سالف الإشارة إليه يكون فى مجال تطبيقه واجب الإعمال . لما كان ما تقدم ، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً .

(الطعن رقم 4365 لسنة 70 ق – جلسة 2008/07/19 س 59 ص 336 ق 61)

4- لما كانت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية بعد أن عددت الجرائم التي لا يجوز أن ترفع الدعوى الجنائية فيها إلا بناء على شكوى شفاهية أو كتابية من المجني عليه أو وكيله الخاص – ومنها المادة 279 من قانون العقوبات – نصت فى فقرتها الثانية على أنه : ” لا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها ” . لما كان ذلك ، وكان تعييب الحكم لعدم تحديده تاريخ الواقعة أو الخطأ فيه حده أن يتصل هذا التاريخ بحكم القانون فيه أو يدعي المتهم أن الدعوى الجنائية قد انقضت بمضي المدة ، وكان الحكم المطعون فيه حتى رده على الدفع بعدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية لفوات أكثر من ثلاثة أشهر على علم المجني عليه بالجريمة ومرتكبها بقوله : ” وحيث إنه عن الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم تقديمه البلاغ فى الميعاد فإن المدعيتين تقدمتا بالشكوى إلى الإدارة التعليمية ضد المتهم ورفض هذا الدفع ” دون أن يحدد تاريخ ارتكاب الواقعة رغم اتصال هذا التحديد بسلامة الدفع أو عدم صحته فإنه يكون معيباً بالقصور الذي يبطله ، ويوجب نقضه والإعادة .

(الطعن رقم 23973 لسنة 67 ق – جلسة 2007/03/01 س 58 ص 186 ق 38)

5- لما كان من المقرر بنص المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية أنه لا يجوز رفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى شفاهية أو كتابية من المجنى عليه أو من وكيله الخاص إلى النيابة العامة أو أحد مأمورى الضبط القضائي فى الجرائم المنصوص عليها فيها ومن بينها جريمتى القذف والسب ، وأنه لا تقبل الشكوى بعد ثلاثة شهور من يوم علم المجنى عليه بالجريمة ومرتكبها ، وكان الشارع قد جعل من مُضى هذا الأجل قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس على التنازل ، ومن ثم فإن تقديمها خلاله إنما ينفيها ويحفظ لهذا الإجراء أثره القانونى . لما كان ذلك ، وكان الطاعنان لا يماريان فى أن المدعى بالحق المدنى قد أقام دعواه المباشرة قبلهما خلال الميعاد المنصوص عليه فى المادة الثالثة سالفة البيان وأعلنت صحيفته إليهم فيه فإن قضاء محكمة جنح …. بعدم اختصاصها نوعيا بنظر الدعوى وإحالتها إلى النيابة العامة التى تولت تحقيقها وإحالتها لمحكمة الجنايات المختصة والتى أصدرت الحكم المطعون فيه ، فإن ذلك لا يبطل صحيفتها ولا ينفى عنها أنها قد أعلنت فى الميعاد القانونى لذلك ، ومن ثم فإن الدفع بعدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية لرفعهما بعد الميعاد المنصوص عليه فى المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية يكون دفعاً ظاهر البطلان ، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لهذا الدفع واطرحه تأسيساً على أن الطاعنين قد أقاما دعواهما وأعلنت صحيفتها خلال الميعاد المذكور ، فإن ما يثيراه فى هذا الخصوص يكون غير سديد .

(الطعن رقم 12152 لسنة 75 ق –  جلسة 2005/11/24 س 56 ص 630 ق 96)

6- من المقرر أن القيد الوارد على حرية النيابة العامة فى تحريك الدعوى الجنائية إنما هو إستثناء ينبغى عدم التوسع فى تفسيره وقصره فى أضيق نطاق على الجريمة التى خصها القانون بضرورة تقديم الشكوى دون سواها ولو كانت مرتبطة بها ، وكانت جريمة إختلاس الأموال الأميرية ليست من الجرائم التى عددت حصراً فى المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية والتى يتوقف رفع الدعوى الجنائية فيها على شكوى المجنى عليه أو وكيله الخاص ، ومن ثم يكون نعى الطاعن فى هذا الشأن غير سديد .

(الطعن رقم 15810 لسنة 74 ق – جلسة 2004/12/21 س 55 ع 1 ص 868 ق 128)

7-  المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية نصت على أنه ” لا يجوز أن ترفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى شفهية أو كتابية من المجنى عليه أو من وكيله الخاص إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأمورى الضبط القضائي فى الجرائم المنصوص عليها فى المواد 185 ، 274، 277، 279 ، 292 ، 293 ، 303 ، 306 ، 307، 308 من قانون العقوبات وكذلك فى الأحوال الآخرى التى ينص عليها القانون ولا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجنى عليه بالجريمة ومرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن للمدعى بالحقوق المدنية حق إقامة الدعوى المباشرة قبل المتهم ولو بدون شكوى سابقة لأن الادعاء المباشر هو بمثابة شكوى إنما يشترط أن يتم الادعاء المباشر فى خلال الثلاثة أشهر المنصوص عليها فى المادة الثالثة سالفة الذكر إذ له أن يحركها أمام محكمة الموضوع مباشرة ولو بدون شكوى سابقة فى خلال الأشهر الثلاثة التى نص عليها القانون .

(الطعن رقم 9941 لسنة 65 ق – جلسة 2004/10/25 س 55 ع 1 ص 712 ق 107)

8- لما كان يبين من الحكم المطعون فيه أنه قد أقام قضاءه بعد مقبول الدعويين الجنائية والمدنية على قوله ” وحيث إنه عن الموضوع فإن المادة 3/1 أ . ج تنص على أنه لا يجوز أن ترفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى شفاهية أو كتابية من المجنى عليه أو من وكيله الخاص إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأمورى الضبط القضائي فى الجرائم المنصوص عليها بالمواد 174 ، 176 ، 177 ، 185 ، 214 ، 323 ، 303 ، 306 ع وكذلك فى الأحوال الأخرى التى ينص عليها القانون وملحق بها جرائم النصب وخيانة الأمانة إضراراً بالزوج أو الأصل أو الفرع …. والشكوى التى تتطلبها المادة 3 أ . ج يجب أن تصدر من المجنى عليه إما بنفسه أو بواسطة وكيل عنه على أن يكون التوكيل لاحقاً لواقعة الشكوى عنها فلا يغنى عن ذلك توكيل عام بإجراءات التقاضى سابق على الواقعة المشكو عنها أى أن كان ….. هذا الشرط …… شروط تحريك الدعوى الجنائية من النظام العام ، وحيث إن هذه الدعوى قد رفعت بغير الطريق القانونى تقضى المحكمة والحال ما ذكر بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجدداً بعدم قبول الدعوى لرفعها على غير الطريق القانون . ” ما كان ذلك ، وكان يبين من الأوراق أن الدعوى قد رفعت ضد المطعون ضده بطريق الادعاء المباشر ، وكانت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية لا تشترط أن يصدر المدعى بالحق المدنى توكيلا خاصا لمحاميه إلا فى حالة تقديم الشكوى ولا ينسحب حكمها على الادعاء المباشر ، ومن ثم كان الحكم المطعون فيه مخطئا إذ قضى بعدم قبول الدعوى تأسيسا على أن صحيفتها لم تقدم من المجنى عليه أو وكيله الخاص . لما كان ما تقدم ، فإن الحكم يكون معيباً بما يوجب نقضه والإعادة فيما قضى به فى الدعوى الجنائية .

(الطعن رقم 15450 لسنة 65 ق – جلسة 2004/01/15 س 55 ع 1 ص 120 ق 7)

9- لما كانت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية وقد جرى نصها بأنه “لا يجوز أن ترفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى شفهية أو كتابية من المجني عليه أو من وكيله الخاص إلى النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي فى الجرائم المنصوص عليها فى المواد 185, 274, 277, 279, 292, 293, 303, 306, 307, 308 من قانون العقوبات, وكذلك فى الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون. ولا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك”. فإن مفاد ما ورد بالفقرة الثانية من هذه المادة أن مدة الثلاثة أشهر إنما تبدأ من تاريخ علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها, وليس من تاريخ التصرف فى الشكوى موضوع الجريمة وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر واحتسب تلك المدة من تاريخ حفظ الشكوى المقدمة من المجني عليه ورفض الدفع بعدم قبول الدعوى الجنائية على هذا الأساس وقضى بقبولها ورتب على ذلك قبول الدعوى المدنية فإنه يكون قد جانب صحيح القانون.

(الطعن رقم 9443 لسنة 62 ق – جلسة 2001/12/03 س 52 ع 1 ص 938 ق 179)

10- اشتراط تقديم الشكوى من المجني عليه أو من وكيله الخاص فى الفترة المحددة بالمادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية عن الجرائم المبينة بها – ومن بينها جريمتي القذف والسب المقامة عنهما الدعوى المطروحة – هو فى حقيقته قيد وارد على حرية النيابة العامة فى استعمال الدعوى الجنائية ولا يمس حق المدعي بالحقوق المدنية أو من ينوب عنه بأية صورة من الصور فى حدود القواعد العامة فى أن يحرك الدعوى أمام محكمة الموضوع مباشرة عن طريق الدعوى المباشرة خلال الثلاثة أشهر التالية ليوم علمه بالجريمة ومرتكبها، فإذا كان المجني عليه قد تقدم بشكوى عن الواقعة خلال الثلاثة أشهر المتقدم بيانها إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأموري الضبط القضائي وتراخي تحقيقها أو التصرف فيها إلى ما بعد فوات هذه المدة فيجوز له فى هذه الحالة أن يلجأ إلى طريق الادعاء المباشر لأنه يكون قد حفظ حقه من السقوط بتقديمه الشكوى فى الميعاد وأبان عن رغبته فى السير فيها، فضلاً عن أنه لا يصح أن يتحمل مغبة إهمال جهة التحقيق أو تباطئها. لما كان ذلك، وكان البين من المفردات المضمومة تحقيقاً لوجه الطعن – أن المدعي بالحقوق المدنية قد تقدم بشكواه ضد المطعون ضده بتاريخ 7 من أكتوبر سنة 1993 عن واقعة إستلامه خطاب المشكو فى حقه فى 14 من سبتمبر سنة 1993 متضمناً عبارات القذف والسب طالباً اتخاذ الإجراء القانوني وقيد بلاغه برقم 4652 لسنة 1993 إداري قسم …….، وقد أقام المدعي بالحقوق المدنية دعواه الماثلة بالطريق المباشر بصحيفة أعلنت قانوناً للمطعون ضده فى 14 يناير سنة 1994. لما كان ذلك، فإن قيام المدعي بالحقوق المدنية بتقديم شكواه فى الميعاد القانوني قد حال دون سقوط حقه فى إقامة دعواه المباشرة، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وانتهى إلى أنه لم يقم دعواه إلا بعد مضي ثلاثة أشهر من يوم علمه بالجريمة ورتب على ذلك الاستجابة للدفع بعدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية يكون قد أخطأ فى تأويل القانون ويتعين لذلك نقضه، وإذ كان الخطأ الذي تردى فيه الحكم قد حجب المحكمة عن نظر الموضوع فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإعادة.

(الطعن رقم 3855 لسنة 65 ق – جلسة 2001/11/18 س 52 ع 1 ص 891 ق 170)

11- أن جريمة الاهانة المعاقب عليها بمقتضى المادتين 133 / 1 من قانون العقوبات ، 54 من القانون رقم 17 لسنة 1983 بإصدار قانون المحاماة ليست من عداد الجرائم المشار إليها فى المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية والتى يتوقف رفع الدعوى بشأنها على شكوى .

(الطعن رقم 16387 لسنة 60 جلسة 1998/03/31 س 49 ص 500 ق 65)

12- لما كانت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية بعد أن علقت رفع الدعوى الجنائية فى جريمتى القذف والسب المنصوص عليهما فى المادتين 303 ، 306 من قانون العقوبات على شكوى المجنى عليه نصت فى فقرتها الأخيرة على أنه ” لا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجنى عليه بالجريمة وبمرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ” مما مفاده أن حق المجنى عليه فى الشكوى ينقضى بمضى ثلاثة أشهر من يوم علمه بالجريمة وبمرتكبها دون أن يتقدم بشكواه ويكون إتصال المحكمة فى هذه الحالة بالدعوى معدوماً ولا يحق لها أن تتعرض لموضوعها فإن هى فعلت كان حكمها وما بنى عليه من إجراءات معدوم الأثر ، ومن ثم فإن الدفع بعدم قبول الدعوى الجنائية والدعوى المدنية التابعة لها هى دفع جوهرى يتعين على محكمة الموضوع أن تعرض له وتمحصه وتقول كلمتها فيه بحيث يستطاع الوقوف على مسوغات ما قضت به ويحقق الغرض الذى قصده الشارع من إستيجاب تسبيب الأحكام وحتى يمكن لمحكمة النقض أن تراقب صحة تطبيق القانون على الواقعة كما صار إثباتها بالحكم . لما كان ذلك ، وكان الحكم الابتدائى المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه قد أغفل الرد على هذا الدفع الجوهرى فإنه يكون قاصراً قصوراً يبطله ويوجب نقضه والاعادة بالنسبة للطاعنة والمحكوم عليه الآخر الذى كان طرفاً فى الخصومة الاستئنافية إذ أن وجه النعى الذى أقرته المحكمة إنما يرجع إلى سبب متعلق بالحكم ذاته فضلاً عن وحدة الواقعة وحسن سير العدالة .

(الطعن رقم 40182 لسنة 59 ق – جلسة 1995/04/27 س 46 ص 776 ق 115)

13– لما كان من المقرر بنص المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية أنه لا يجوز رفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى شفهية أو كتابية من المجني عليه أو من وكيله الخاص إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأموري الضبط القضائي فى الجرائم المنصوص عليها فيها – ومن بينها جريمتي القذف والسب – وأنه لا تقبل الشكوى بعد ثلاثة شهور من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها – وكان الشارع قد جعل من مضى هذا الأجل قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس على التنازل، ومن ثم فإن تقديمها خلاله إنما ينفيها ويحفظ لهذا الإجراء أثره القانوني. لما كان ذلك، وكان الطاعنان لا يماريان فى أن المدعى بالحق المدني قد أقام دعواه المباشرة قبل الطاعنين خلال الميعاد المنصوص عليه فى المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية وأعلنت صحيفته إليهم فيه فإن قيامه من بعد تصحيح شكل الدعوى إلى التسمي باسمه الحقيقي دون اسم الشهرة الذي حركت به لا يبطل صحيفتها ولا ينفى عنها أنها قد أعلنت فى الميعاد القانوني – لذلك – ومن ثم فإن الدفع بعدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية لرفعهما بعد الميعاد المنصوص عليه فى المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية يكون دفعاً ظاهر البطلان، ويكون النعي فى خصوصه غير قويم. لما كان ما تقدم، وكان الحكم المطعون فيه قد رد على الدفع بعدم قبول الدعويين طبقاً لنص المادة 73 من القانون 79 لسنة 1973 بقوله “أن الثابت من الأوراق صدور إذن من نقابة الصحفيين بتاريخ 29/1/1989” فإن ما رد به يكون صحيحاً ويكون النعي فى خصوصه غير مقبول.

(الطعن رقم 12522 لسنة 60 ق – جلسة 1997/03/10 س 48 ع 1 ص 313 ق 45)

14- اشتراط تقديم الشكوى من المجنى عليه أو من وكيله الخاص فى الفترة المحددة بالمادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية عن الجرائم المبينة بها – ومن بينها جريمتى القذف والسب المقامة عنهما الدعوى المطروحة – هو فى حقيقته قيد وارد على حرية النيابة العامة فى استعمال الدعوى الجنائية ولا يمس حق المدعى بالحقوق المدنية أو من ينوب عنه بأية صورة من الصور فى حدود القواعد العامة فى أن يحرك الدعوى أمام محكمة الموضوع مباشرة عن طريق الدعوى المباشرة خلال الثلاثة أشهر التالية ليوم علمه بالجريمة ومرتكبيها ، فإذا كان المجنى عليه قد تقدم بشكوى عن الواقعة خلال الثلاثة أشهر المتقدم بيانها إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأمورى الضبط القضائي وتراخى تحقيقها أو التصرف فيها إلى ما بعد فوات هذه المدة فيجوز له فى هذه الحالة أن يلجأ إلى طريق الاداعاء المباشر لأنه يكون قد حفظ حقه من السقوط بتقديمه الشكوى فى الميعاد وأبان عن رغبته فى السير فيها فضلاً عن أنه لا يصح أن يتحمل مغبة إهمال جهة التحقيق أو تباطئها . لما كان ذلك ، وكان الحكم المطعون فيه قد أورد فى مدوناته أن المدعية بالحقوق المدنية تقدمت بشكوها ضد المطعون ضدهما إلى قسم شرطة كفر الشيخ بتاريخ 5 من ديسمبر سنه 1987 عن واقعة تعديهما عليها بالقذف والسب التى حدثت يوم 3 من ديسمبر سنة 1987 وقد أقامت المدعية بالحقوق المدنية دعواها الماثلة بالطريق المباشر بصحيفة أعلنت قانوناً للمطعون ضدهما فى 10 من مارس سنة 1988 . لما كان ذلك , فإن قيام المدعية بالحقوق المدنية بتقديم شكوها فى الميعاد القانونى قد حال دون سقوط حقها فى إقامة دعواها المباشرة ، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وانتهى إلى أنها لم تقم دعواها إلا بعد مضى ثلاثة أشهر من يوم علمها بالجريمة ورتب على ذلك الاستجابة للدفاع بعدم قبول الدعويين الجنائية والمدنية يكون قد أخطأ فى تأويل القانون ويتعين لذلك نقضة . وإذ كان الخطأ الذى تردى فيه الحكم قد حجب المحكمة عن نظر الموضوع فإنه يتعين أن يكون مع النقض الإحالة .

(الطعن رقم 48182 لسنة 59 ق – جلسة 1996/01/09 س 47 ع 1 ص 36 ق 3)

15- لا يشترط فى الشكوى المنصوص عليها فى المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية أن يكون قد تلاها تحقيق مفتوح أو حتى جمع إستدلالات من مأمورى الضبط القضائي .

(الطعن رقم 1196 لسنة 25 ق – جلسة 1956/02/06 س 7 ع 1 ص 138ق 47)

16- إشتراط تقديم الشكوى من المجنى عليه أو من وكيله الخاص فى الفترة المحددة بالمادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية عن الجرائم المبينة بهما و من بينها جريمة السب المقامة عنها الدعوى المطروحة – هو فى حقيقته قيد وارد على حرية النيابة العامة فى إستعمال الدعوى الجنائية و لا يمس حق المدعى بالحقوق المدنية أو من ينوب عنه – بأى صورة من الصور فى حدود القواعد العامة – فى أن يحرك الدعوى أمام محكمة الموضوع مباشرة عن طريق الدعوى المباشرة و لو بدون شكوى سابقة لأن الإدعاء المباشر هو بمثابة شكوى . و كاون البيون من مطالعة الحكم المطعون فيه أن المدعيتين بالحقوق المدنية أقامتا دعواعهما قبل الطاعن بطريق الإدعاء المباشر وهو ما سلم به فى الطعن المقدمة منه ،فإن ما يثيره من قالة الخطأ فى القانون يكون غير سديد .

(الطعن رقم 2386 لسنة 49 ق – جلسة 1980/04/21 س 31 ع 1 ص 544 ق 103)

17– اشتراط تقديم الشكوى من المجني عليه أو من وكيله الخاص فى الفترة المحددة بالمادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية عن الجرائم المبينة بها – ومن بينها جريمة السب المقامة عنها الدعوى المطروحة – هو فى حقيقته قيد وارد على حرية النيابة العامة فى استعمال الدعوى الجنائية ولا يمس حق المدعي بالحقوق المدنية أو من ينوب عنه بأي صورة من الصور فى حدود القواعد العامة فى أن يحرك الدعوى أمام محكمة الموضوع مباشرة عن طريق الدعوى المباشرة خلال الثلاثة أشهر التالية ليوم علمه بالجريمة وبمرتكبها فإذا كان المجني عليه قد تقدم بشكوى عن الواقعة خلال الثلاثة أشهر المتقدم بيانها إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأموري الضبط القضائي وتراخى تحقيقها أو التصرف فيها إلى ما بعد فوات هذه المدة فيجوز له فى هذه الحالة أن يلجأ إلى طريق الادعاء المباشر لأنه يكون قد حفظ حقه من السقوط بتقديمه الشكوى فى الميعاد وأبان عن رغبته فى السير فيها فضلاً عن أنه لا يصح أن يتحمل مغبة إهمال جهة التحقيق أو تباطؤها. لما كان ذلك، وكان البين من الاطلاع على المفردات المضمومة أن المدعية بالحقوق المدنية تقدمت بشكواها ضد الطاعنين إلى قسم شرطة النزهة بتاريخ 15/9/1972 وهو يوم حدوث الواقعة موضوع الدعوى الراهنة حيث تم سؤال الطرفين ثم أحيلت الأوراق إلى النيابة العامة التي تولت التحقيق مقتصرة فى ذلك على واقعتي السرقة والإتلاف وملتفتة عن واقعة السب التي تضمنتها الشكوى أيضا وانتهت بقرارها الصادر فى 12/8/1973 إلى قيد تهمتي السرقة والإتلاف ضد مجهول والتقرير بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم معرفة الفاعل، وقد أقامت المدعية بالحقوق المدنية دعواها الماثلة بالطريق المباشرة بصحيفة أعلنت قانوناً للطاعنين فى 21/3/1973. لما كان ذلك، فإن قيام المدعية بالحقوق المدنية بتقديم شكواها فى الميعاد القانوني قد حال دون سقوط حقها فى إقامة دعواها المباشرة ويكون منعى الطاعنين فى هذا الصدد غير سديد ولا على المحكمة إن هي التفتت عن هذا الدفاع القانوني ظاهر البطلان.

(الطعن رقم 530لسنة 48 ق – جلسة 1979/01/21 س 30 ع 1 ص 130 ق 23)

18- إن المادة 312 من قانون العقوبات تضع قيداً على حق النيابة العامة فى تحريك الدعوى الجنائية يجعله متوقفاً على طلب المجني عليه، كما تضع حداً لتنفيذها الحكم النهائي على الجاني بتخويل المجني عليه وقف تنفيذ الحكم فى أي وقت يشاء، وإذ كانت الغاية من كل من هذا الحد وذاك القيد الواردين فى باب السرقة هي الحفاظ على الأواصر العائلية التي تربط بين المجني عليه والجاني، فلزم أن ينبسط أثرهما إلى جريمة التبديد – مثار الطعن – لوقوعها كالسرقة إضراراً بمال من ورد ذكرهم بذلك النص، وكانت الزوجة المجني عليها قد نسبت إلى زوجها الطاعن تبديد منقولاتها حتى صدر عليه الحكم المطعون فيه وكان هذا الحكم قد أوقف تنفيذه بناء على نزول المجني عليها عن دعواها ضد الطاعن، وكان هذا النزول – الذي أثارته النيابة العامة – يتسع له ذلك الوجه من الطعن، وقد ترتب عليه أثر قانوني، هو انقضاء الدعوى الجنائية عملاً بالمادة 312 سالفة الذكر، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه فيما قضى به من عقوبة.

(الطعن رقم 611 لسنة 44 ق – جلسة 1974/06/16 س25 ع 1 ص 596 ق 127)

19- لما كان الحكم المطعون فيه – قد عرض للدفع المبدى من المدافع عن الطاعن بعدم جواز محاكمته لتنازل عمه المجنى عليه عن الدعوى و أطرحه فى قوله ” و قد نصت المادة 312 عقوبات على أنه ” لا يجوز محاكمة من يرتكب سرقة إضراراً بزوجه أو زوجته أو أصوله أو فروعه إلا بناء على طلب من المجنى عليه و للمجنى عليه أن يتنازل عن دعواه بذلك فى أية حالة كانت عليها الدعوى . . إلخ ” – و بهذا أصبحت سلطة النيابة العامة فى رفع الدعوى الجنائية فى جريمة السرقة التى تقع إضراراً بأصل الجاني أو فروعه أو بمن تربطه بالجانى صلة الزوجية معلقة على شكوى من المجنى عليه و إذ كان ذلك و كان نص المادة 312 عقوبات قد حدد من يتمتع بالإستثناء المقرر بالنص و هم الزوج أو الزوجة و الأصل أو الفرع – و الأصل شرعاً و فقهاً هو الأب و الجد و إن علا و الفرع هو الإبن و إن نزل و من ثم و إذا كان النص يمثل إستثناء يغل يد النيابة العامة عن تحريك الدعوى و قصره على المشرع على طائفة من الناس لا يدخل المجنى عليه فى عدادهم و إذ كان ذلك فتلتفت المحكمة عن ذلك التنازل لكونه قد صدر ممن لا يملكه قانوناً و يغدو الدفع المبدى من المتهم بعدم جواز المحاكمة مجرداً من السند القانونى الصائب خليق بالرفض … و ما إنتهى إليه الحكم فيما تقدم يتفق و صحيح القانون ، ذلك بأن التقنين المدنى يفرق فى القرابة بين قرابة مباشرة و هى قرابة الأصول و الفروع و فيها تقوم الصلة بين إثنين بتسلسل أحدهما من الآخر ، كقرابة الأب و أب الأب و إن علا و الإبن و إبن الإبن و إن نزل وقرابة غير مباشرة و هى قرابة الحواشى و فيها لا يتسلسل أحد من الآخر و إن جمعها أصل مشترك – كقرابة العم فهو ليس أصلاً لإبن أخيه و إن كان يعلوهما أصل مشترك . لما كان ذلك وكان حكم المادة 312 من قانون العقوبات قد ورد إستثناء من القواعد العامة فلا يجوز التوسع فى تطبيقه أو تفسيره و ينبغى قصره على أضيق نطاق سواء بالنسبة إلى الجريمة التى خصها القانون بضرورة تقديم طلب بتحريك الدعوى الجنائية عنها أو بالنسبة إلى شخص المتهم . لما كان ذلك و كانت قرابة الطاعن للمجنى عليه لا تعتبر فى حكم القانون – قرابة أصل بفرع – فإن ما خلص إليه الحكم المطعون فيه من عدم الإعتداد بالتنازل عن الشكوى و رفض الدفع بعدم جواز المحاكمة يتفق و صحيح القانون .

(الطعن رقم 1826 لسنة 53 ق – جلسة 1983/11/22 س 34 ص 972 ق 195)

20- لما كانت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية بعد أن علقت رفع الدعوى الجنائية فى جريمة الزنا المنصوص عليها فى المادتين 274 ، 275 من قانون العقوبات على شكوى الزوج ، نصت فى فقرتها الأخيرة على أنه ” لا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجنى عليه بالجريمة و بمرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ” و جريمة الزنا الأصل فيها أن تكون وقتية لأن الركن المادى المكون لها و هو الوطء فعل مؤقت على أنها قد تكون متتابعة الأفعال كما إذا إرتبط الزوج بأمراة أجنبية يزنى بها أو إرتباط أجنبى بالزوجة لغرض الزنا و حينئذ تكون أفعال الزنا المتتابعة فى رباط زمنى و متصل جريمة واحدة فى نظر الشارع ما دام قد إنتظمها وحدة المشروع الإجرامى و وحدة الجاني و الحق المعتدى عليه . و لما كان القانون قد أجرى ميعاد السقوط من تاريخ العلم بالجريمة فإن مدة الثلاثة أشهر تسرى حتماً من يوم العلم بمبدأ العلاقة الآثمة لا من يوم إنتها أفعال التتابع

(الطعن رقم 884 لسنة 55 ق – جلسة 1985/05/09 س 36 ص 631 ق 112)

21- علم المجنى عليه بجريمة الزنا الذى يبدأ فيه سريان ميعاد السقوط يجب أن يكون علما يقيناً لا ظنياً و لا إفتراضياً فلا يجرى الميعاد فى حق الزوج إلا من اليوم الذى يثبت فيه قيام هذا العلم اليقينى .

(الطعن رقم 884 لسنة 55 ق – جلسة 1985/05/09 س 36 ص 631 ق 112)

22- لما كانت محكمة الموضوع قد إستخلصت من عناصر الدعوى أن زنا الطاعنة الأولى لم يكن بعلم زوجها و رضاه مما لا يسقط حقه فى طلب محاكمتها ، و لم تعتد المحكمة بما ساقته من شواهد على توافر هذا الرضاء بعد أن ثبت لديها أن هذا الدفاع لم يكن إلا قولاً مرسلاً غير مؤيد بدليل بل أن البين من المفرادت أن هذا الدفاع يدحضه الواقع و لا يسانده إذ أقرت الطاعنة الأولى فى تحقيق النيابة أنها رزقت بطفليها من زوجها على فراش الزوجية .

(الطعن رقم 884 لسنة 55 ق – جلسة 1985/05/09 س 36 ص 631 ق 112)

23- نص المادة 370 من قانون العقوبات عام يعاقب كل من دخل منزلاً بوجه قانوني وبقي به بقصد ارتكاب جريمة فيه كائنة ما كانت، سواء تعينت الجريمة التي استهدفها من الدخول أم لم تتعين، وسواء كان الدخول برضاء من أصحاب المنزل أو بغير رضائهم فإذا تبين أن دخول المنزل كان بقصد ارتكاب جريمة زنا لما تقع فلا حاجة لشكوى الزوج كي ترفع الدعوى، ذلك بأن القانون لم يشترط هذا القيد وهو شكوى الزوج. إلا فى حالة تمام جريمة الزنا. الجريمة المنصوص عليها فى المادة 371 من قانون العقوبات تتحقق كلما كان وجود الشخص بالمنزل غير مرغوب فيه ممن يملك الإذن بالدخول فيه أو الأمر بالخروج منه، فمجرد وجود شخص بالدار مختفياً عن صاحبها يكفي لعقابه ولو كان وجوده فيها بناء على طلب زوجة صاحبها.

(الطعن رقم 638 لسنة 48 ق – جلسة 1978/12/31 س 29 ع 1 ص 986 ق 204)

 24- جريمة دخول منزل بقصد ارتكاب جريمة فيه تتحقق ولو عينت الجريمة التي كان الدخول إلى المنزل بقصد ارتكابها فإذا تبين أن دخول المنزل كان بقصد ارتكاب جريمة زنا لما تقع فلا حاجة لشكوى الزوج كي ترفع الدعوى ذلك أن القانون لم يشترط هذا القيد إلا فى حالة تمام الزنا. لما كان ذلك، وكان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه – قد استدل من أقوال الشهود وما قرره الطاعن وما دلت عليه معاينة محل الحادث على ثبوت نسبة وقوع جريمة دخول منزل بقصد ارتكاب جريمة فيه إلى الطاعن ودلل تدليلا سائغا على أن جريمة الزنا لما تقع فإنه لا يقبل من الطاعن مصادرة المحكمة أو مجادلتها فى عناصر اطمئنانها ويكون الحكم بإدانته عن جريمة دخول منزل بقصد ارتكاب جريمة فيه متفقا وصحيح القانون وتنازل الزوج – بفرض صحته – قبل زوجته عن جريمة الزنا التي لم تتم لا أثر له ومنعى الطاعن بشقيه غير سديد.

(الطعن رقم 248 لسنة 49 ق – جلسة 1979/06/04 س 30 ع 1 ص 630ق 134)

25- الحكمة التى تغياها الشارع من غل يد النيابة العامة عن تحريك الدعوى الجنائية فى جريمة الزنا – و هى الحفاظ على مصلحة العائلة و سمعتها – لا تقوم إذا ما وضح للمحكمة من عناصر الدعوى أن إرتكاب المنكر مع الزوجة كان بعلم زوجها و رضاه مما يسقط حقه فيما فرضه الشارع لحمايته و عائلته .

(الطعن رقم 40 لسنة 35 ق – جلسة 1965/02/15 س 16 ع 1 ص 124 ق 28)

26- لما كانت جريمة الزنا ذات طبيعة خاصة لأنها تقتضى التفاعل بين شخصين يمد القانون أحدهما فاعلاً أصلياً وهى الزوجة ويعد الثانى شريكاً وهوالزانى  فإذا إنمحت جريمة الزوجة فإن اللازم الذهنى يقتضى محو جريمة الشريك أيضاً وكانت هذه الجريمة قد إنمحت فى الدعوى لوقوع الوطء بغير إختيار من الزوجة  ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن بشأن إغفال الحكم توقيع عقوبة الزنا على المجنى عليها وشركائها فيها وهو من بينهم  يكون غير سديد فى القانون .

(الطعن رقم 4499 لسنة 51 ق – جلسة 1982/02/08 س 33 ص 173 ق 34)

27- لما كانت جريمة البلاغ الكاذب المعاقب عليها بمقتضى المادة 305 من قانون العقوبات ليست فى عداد الجرائم المشار إليها فى المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية والتي يتوقف رفع الدعوى بشأنها على شكوى فإن ما يثيره الطاعن فى شأن تنازل المجني عليه عن شكواه يكون غير سديد.

(الطعن رقم 289 لسنة 48 ق – جلسة 1978/06/11 س 29 ع 1 ص 587 ق 112)

28- جريمة إعطاء شيك بدون رصيد ليست من الجرائم التى حصرها المشرع و يتوقف تحريك الدعوى الجنائية فيها على شكوى من المجنى عليه ، و من ثم فإن مسلك المجنى عليه ليس من شأنه أن يؤثر على السير فى الدعوى أو على الحكم فيها و إذ كان من المقرر أن قيمة الشيك هى دين سابق على وقوع الجريمة غير مترتب عليها ، فإن إلتجاء المجنى عليه إلى القضاء المدنى – بفرض حصوله – لا يؤثر على سير الدعوى الجنائية أو على الحكم فيها .

(الطعن رقم 11 لسنة 46 ق – جلسة 1976/04/04 س 27 ص 393 ق 84)

29- لاتدخل جريمة التبديد فى عداد الجرائم المشار إليها فى المادتين الثالثة والتاسعة فى قانون الإجراءات الجنائية التي لا يجوز أن ترفع الدعوى الجنائية فيها إلا بناء على إذن أو شكوى من المجني عليه، ولم يرد فى القانون نص يوجب فى شأنها ذلك. ولما كانت الدعوى الجنائية قد رفعت على المطعون ضده لمحاكمته عن تهمة التبديد طبقاً للمادة 341 من قانون العقوبات، فإن الحكم المطعون فيه إذ ألغى الحكم المستأنف الصادر بإدانة المطعون ضده وقضى بعدم قبول الدعوى لتخلف المجني عليها عن تقديم شكواها خلال ثلاثة أشهر من يوم علمها بالجريمة يكون قد أوجب لرفع الدعوى الجنائية فى جريمة التبديد شرطاً لم يتطلبه القانون، بما يعيبه بالخطأ فى تأويل القانون خطأ حجب المحكمة عن بحث موضوع الدعوى مما يتعين معه نقضه والإحالة.

(الطعن رقم 1197 لسنة 42 ق – جلسة 1973/01/07 س24 ع 1 ص 47 ق 12)

30- جريمة خيانة الأمانة ليست من بين الجرائم التى يستلزم القانون صدور شكوى من المجنى عليه إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأمورى الضبط القضائي لرفع الدعوى الجنائية فى شأنها و من ثم فلا تثريب على المدعى بالحق المدنى إذا هو قام بتحريكها بناء على تكليف المتهم مباشرة بالحضور أمام محكمة الجنح وفقا لنص المادة 232 إجراءات .

(الطعن رقم 1615 لسنة 37 ق – جلسة 1967/11/07 س 18 ع 3 ص 1092 ق 226)

31- لما كانت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية بعد أن علقت رفع الدعوى الجنائية فى جريمتي القذف والسب المنصوص عليهما فى المادتين 303 و306 من قانون العقوبات على شكوى المجني عليه نصت فى فقرتها الأخيرة على أنه “لا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك”، مما مفاده أن حق المجني عليه فى الشكوى ينقضي بمضي ثلاثة أشهر من يوم علمه بالجريمة وبمرتكبها دون أن يتقدم بشكواه ويكون اتصال المحكمة فى هذه الحالة بالدعوى معدوماً ولا يحق لها أن تتعرض لموضوعها فإن هي فعلت كان حكمها وما بني عليه من إجراءات معدوم الأثر، ومن ثم فإن الدفع بعدم قبول الدعوى الجنائية والدعوى المدنية التابعة لها – هو دفع جوهري يتعين على محكمة الموضوع أن تعرض له وتمحصه وتقول كلمتها فيه بحيث يستطاع الوقوف على مسوغات ما قضت به ويحقق الغرض الذي قصده الشارع من استيجاب تسبيب الأحكام وحتى يمكن لمحكمة النقض أن تراقب صحة تطبيق القانون على الواقعة كما صار إثباتها بالحكم. لما كان ذلك، وكان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه وإن قضى برفض الدفع بعدم قبول الدعوى الجنائية وبالتالي الدعوى المدنية التابعة لها إلا أنه قعد عن الإفصاح عن دعامته فى هذا الخصوص مما يشوبه بالقصور 

(الطعن رقم 1312 لسنة 57 ق – جلسة 1987/10/21 س 38 ع 2 ص 825ق 149)

32- علم المجني عليه بالجريمة ومرتكبها يعتبر من الوقائع التي رتبت عليها المادة 2/3 من قانون الإجراءات الجنائية أثراً قانونياً بما لا يصح معه افتراض هذا العلم. ولما كان الحكم المطعون فيه قد قضى بعدم قبول دعوى الطاعن تأسيساً على افتراض علمه بالوقائع التي تضمنتها منذ أكثر من ثلاثة أشهر سابقة على تاريخ رفعها دون أن يعنى الحكم باستظهار ملابسات هذه الشكاوى وما إذا كانت عن الوقائع السابقة ذاتها أم عن وقائع جديدة أخرى، ودون أن يورد الدليل على العلم اليقيني، فإنه يكون مشوباً بعيب القصور فى التسبيب.

(الطعن رقم 37 لسنة 44 ق – جلسة 1974/03/12 س 25 ع 1 ص 271 ق 60)

33- المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية بعد أن علقت رفع الدعوى الجنائية فى جريمة الزنا المنصوص عليها فى المادتين 274 و 275 من قانون العقوبات على شكوى الزوج ، نصت فى فقرتها الأخيرة على أنه : ” لا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجنى عليه بالجريمة و بمرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ” . و جريمة الزنا ، جريمة الأصل فيها أن تكون وقتية لأن الركن المادى المكون لها و هو الوطء فعل مؤقت ، على أنها قد تكون متتابعة الأفعال كما إذا إرتبط الزوج إمرأة أجنبية يزنى بها ، أو إرتبط أجنبى الزوجة لغرض الزنا ، و حينئذ تكون أفعال الزنا المتتابعة فى رباط زمنى متصل جريمة واحدة فى نظر الشارع كما هو المستفاد من نص المادة 218 من قانون الإجراءات الجنائية إعتباراً بأنها و إن نفذت بأفعال متلاحقة كل منها يصدق عليه فى القانون وصف الجريمة إلا أنه و قد إنتظمها وحدة المشروع الإجرامى و وحدة الجاني و الحق المعتدى عليه كانت جريمة واحدة . و لما كان القانون قد أجرى ميعاد السقوط من تاريخ العلم بالجريمة فإن مدة الثلاثة الأشهر تسرى حتماً من يوم العلم بمبدأ العلاقة الآثمة لا من يوم إنتهاء أفعال التتابع إذ لا يصح الخلط بين بدء سريان التقادم الذى يحتسب من إنتهاء النشاط الإجرامى و بين بدء ميعاد سقوط الحق فى الشكوى الذى يرتد إلى العلم بوقوع الفصل المؤثم لأن مدة السقوط أجراها الشارع فى نصوصه بعامة من وقت قيام موجب الشكوى بصرف النظر عن تتابع الأفعال الجنائية . و لا شك فى أن علم المجنى عليه بالعلاقة الآثمة من بدايتها يوفر له العلم الكافى بالجريمة و بمرتكبها و يتيح له فرصة الإلتجاء إلى القضاء و لا يضيف إطراد العلاقة إلى علمه اليقينى جديداً و لا يتوقف حقه فى الشكوى على إرادة الجاني فى إطراد تلك العلاقة . و القول بغير ذلك يخالف قصد الشارع الذى جعل من مضى ثلاثة أشهر من تاريخ العلم بالجريمة و بمرتكبها قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس على التنازل لما قدره من أن سكوت المجنى عليه طوال هذه المدة يعد بمثابة نزول الشكوى حتى لا يتخذ من حق الشكوى إذا إستمر أو تأبد سلاحاً للتهديد أو الإبتزاز أو النكاية .

(الطعن رقم 1452 لسنة 36 ق – جلسة 1967/02/27 س 18 ع 1 ص 270 ق 52)

34- الدفع بعدم قبول الدعوى المباشرة لمضي أكثر من ثلاثة أشهر على علم المجني عليه بالجريمة ومرتكبها طبقا لنص المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية وإن كان متعلقا بالنظام العام فيجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض إلا أن قبوله مشروط بأن تكون مقوماته واضحة من مدونات الحكم أو كانت عناصر الحكم مؤدية إلى قبوله بغير حاجة إلى تحقيق موضوعي تنأى عنه وظيفة محكمة النقض.

(الطعن رقم 5046 لسنة 55 ق – جلسة 1986/02/02 س 37 ع 1 ص 214 ق 44)

35- لما كان من المقرر بنص المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية أنه لا يجوز رفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى شفهية أو كتابية من المجني عليه، أو من وكيله الخاص، إلى النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي فى الجرائم المنصوص عليها فيها – ومن بينها جريمة السب – وأنه لا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة ومرتكبها، وكان الشارع قد جعل من مضي هذا الأجل قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس على التنازل لما قدره من أن سكوت المجني عليه هذه المدة يعد بمثابة نزول عن الحق فى الشكوى لأسباب ارتآها حتى لا يتخذ من حق الشكوى إذا استمر أو تأيد سلاحاً للتهديد والابتزاز أو النكاية، ومن ثم فإن تقديم الشكوى خلال الأجل الذي حدده القانون إنما ينفي قرينة التنازل، ويحفظ لهذا الإجراء أثره القانوني ولو تراخت النيابة العامة فى تحريك الدعوى الجنائية إلى ما بعد فوات هذا الميعاد. وإذ كانت المطعون ضدها، قد قدمت شكواها فى الميعاد المحدد وأقامت دعواها وفقاً للأوضاع التي رسمها القانون، فإن ما يثيره الطاعن بدعوى مخالفة الحكم لنص المادة 3/2 من قانون الإجراءات الجنائية لا يكون صحيحاً فى القانون ويكون الدفع بعدم قبول الدعوى على هذا الأساس فى غير محله.

(الطعن رقم 1007 لسنة 44 ق – جلسة 1974/12/03 س 25 ع 1 ص 808 ق 173)

36- مفاد ما ورد بالمادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية فى فقرتها الثانية أن الثلاثة أشهر المنصوص عليها فيها ، إنما تبدأ من تاريخ علم المجنى عليه بالجريمة و مرتكبها و ليس من تاريخ التصرف فى الشكوى موضوع الجريمة .

(الطعن رقم 142 لسنة 41 ق – جلسة 1971/05/02 س 22 ع 2 ص 384 ق 94)

37- لما كانت المادة 312 من قانون العقوبات تنص على أنه ” لا تجوز محاكمة من يرتكب سرقة اضراراً بزوجه أو زوجته أو أصوله أو فروعه الا بناء على طلب المجنى عليه وللمجنى عليه أن يتنازل عن دعواه بذلك فى اية حالة كانت عليها. كما أن له أن يوقف تنفيذ الحكم النهائى على الجاني فى أى وقت شاء. وكانت هذه المادة تضع قيداً على حق النيابة العامة فى تحريك الدعوى الجنائية بجعله متوقفا على طلب المجنى عليه كما تضع حداً لتنفيذها الحكم النهائى على الجاني بتخويل المجنى عليه وقف تنفيذ الحكم فى أى وقت شاء، واذا كانت الغاية من كل هذا الحد وذلك القيد الورادين فى باب السرقة هى الحفاظ علىا الاواصر العائلية التى تربط بين المجنى عليه والجانى، فلزم أن ينبسط أثرهما الى جريمة التبديد مثار الطعن لوقوعها كالسرقة اضراراً بمال من ورد ذكرهم بذلك النص، وهو ما استقر عليه قضاء النقض لما كان ذلك، وكانت الزوجة المجنى عليها قد نسبت الى زوجها الطاعن تبديد منقولاتها، وحضرت أمام المحكمة الاستئنافية بجلسة ……. وأقرت بأنها تسلمت جميع أعيان جهازها وبالصلح والتنازل الموثق المقدم من الطاعن بذات الجلسة والمرفق بملف الطعن، فإن هذا النزول يرتب أثره القانونى وهو انقضاء الدعوى الجنائية عملاً بحكم المادة 312 سالفة الذكر ولا ينال من ذلك ما أفصحت عنه المجنى عليها بمحضر جلسة المحاكمة الاستئنافية من انفصام العلاقة الزوجية بينها وبين الطاعن بالطلاق لأن تخويل المجنى عليه حق التنازل جاء صريحاً وغير مقيد ببقاء الزوجية وقت التنازل، وهو ما يتمشى مع الحكمة التى تغياها الشارع وأشير اليها فى تقرير لجنة الشئون التشريعية والمذكرة التفسيرية وهى التستر على أسرار العائلات صوناً لسمعتها وحفاظاً لكيان الاسرة وهى معنى يفيد منه باقى أفرادها بعد وقوع الطلاق، لما كان ما تقدم، فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه والقضاء بإنقضاء الدعوى الجنائية بتنازل المجني عليها عن دعواها.

(الطعن رقم 29810 لسنة 59 ق – جلسة 1995/01/31 س 46 ص 280 ق 38)

شرح خبراء القانون

الأصل المقرر بمقتضى المادة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية أن النيابة العامة تختص دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها طبقاً للقانون وأن اختصاصها في هذا الشأن مطلق لا يرد عليه قيد إلا باستثناء من نص الشارع وقد قيد المشرع الإجرائي حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية ورفعها أمام المحكمة المختصة بقيود ثلاث هي الشكوى والطلب والإذن.

وقد أفصح المشرع بما أورده في المذكرة الإيضاحية لمشروع الحكومة عن قانون الإجراءات الجنائية من قصده من تقييد حق النيابة في تحريك الدعوى على تقديم الشكوى وقصد بها حماية صالح المجني عليه الشخصي.

وقيد الشكوى التي تقيد حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى تسري من باب أولى على الجهات التي منحها القانون سلطة تحريك الدعوى ورفعها إستثناء من الأصل العام كالمضرور من الجريمة الإدعاء المباشر لأن ما يخضع له الأصل ينبغي أن يسري على الفرع.

المراد بالشكوى :

يقصد بالشكوى التي يترتب عليها رفع القيد الوارد على حرية النيابة في تحريك الدعوى الجنائية أن يتقدم المجني عليه في جرائم محدده إلى النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي بإخطار لاتخاذ الإجراءات القانونية الجنائية ضد مرتكب الجريمة وذلك لأن النيابة العامة هي الجهة التي تملك تحريك الدعوى الجنائية، كما أن مأمور الضبط القضائي هو السلطة التي تقوم بالمرحلة التحضيرية لتحريك الدعوى الجنائية وهي مرحلة جمع الاستدلالات.

ويشترط أن تكون الشكوى صريحة في الإخطار عن الجريمة وأن يكون القصد منها تحريك الدعوى الجنائية فإن لم تكن قاطعه في الدلالة في هذا المعنى فتظل سلطة النيابة العامة مقيدة.

ولذلك لا يعتبر من قبيل الشكوى في هذا المقام البلاغ الذي يتقدم به المجني عليه إلى الجهة الإدارية التي يتبعها المتهم عن الواقعة لرفع دعوى تعويض مجنيه عن الضرر الذي أصابه من الجريمة أمام المحكمة المدنية، ولرفع الزوجة دعوى تطليق من زوجها أمام محكمة الأحوال الشخصية بسبب ارتكاب جريمة زنى لأن هذه الجهات لا تملك حق تحريك الدعوى الجنائية فلا تكون الشكوى إليها صريحة في قصد تحريك هذه الدعوى، ولا يشترط القانون أن تكون الشكوى مكتوبة فيصح أن تكون شفهية وإنما يشترط أن تكون باته بمعنى أنها غير معلقة على شرط، فلو إشترط الشاكي أن يعتذر له المتهم وألا ترفع عليه الدعوى الجنائية فلا يعتد بمثل هذه الشكوى ولا يرتفع بها القيد على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى.

جرائم الشكوى: حدد المشرع جرائم الشكوى على سبيل الحصر في المادة محل التعليق وفي الأصول الأخرى التي ينص عليها القانون وهذه الجرائم هي :

(1) جرائم زنا الزوجة (المادة 274 عقوبات ) وزني الزوج (مادة 277 عقوبات).

(2) الفعل الفاضح مع امرأة في غير علانية (مادة 279عقوبات).

(3) عدم تسليم الصغير إلى من له الحق في طلبه (مادة 292 عقوبات ).

(4) الإمتناع عن دفع النفقة أو أجرة الحضانة أو الرضاعة أو المسكن المحكوم به (مادة 293 عقوبات).

(5) جرائم السب والقذف (مواد 185، 33، 306، 307، 308 عقوبات).

(6) السرقات بين الأصول والفروع والأزواج (مادة 312 عقوبات).

ويلاحظ أن جميع الجرائم السابقة هي من الجنح ولا تندرج تحتها جرائم تعد من الجنايات ذلك أن الجنايات تتصف بخطورة معينة فضلاً عن أن التحريك فيها إلزامي الأمر الذي لا يمكن معه تعلیق تحريك الدعوى أو رفعها فيها على شكوى المجني عليه، وكذلك إذا كانت السرقات بين الأصول والفروع والأزواج تكون جناية فإنها تخرج من نطاق جرائم الشكوى ويكون للنيابة العامة مطلق التقدير في رفع الدعوى الجنائية دون إنتظار شكوى من المجني عليه.

ممن تقدم الشكوى :

تقدم الشكوى من المجني عليه وحده فلا يجوز تقديمها من المضرور من الجريمة إذ لم يكن هو المجني عليه فيها ذلك، أن المضرور من الجريمة يثبت له الحق في التعويض فقط عن الجريمة بوصفها فعلاً غير مشروع بغض النظر عن عقاب الجاني من عدمه، ولذلك نجد أن المشرع في قانون الإجراءات الجنائية كان صريحاً في أن الشكوى لا تكون إلا من المجني عليه أما المضرور من الجريمة إذا لم يكن هو المجني عليه فله أن يتدخل في الدعوى المدنية التابعة للدعوى الجنائية، إذ من غير المتصور أن يترك المشرع للمضرور من الجريمة الذي له حق مدني فقط قبل المتهم تقدير اعتبارات رفع الدعوى من عدمه عن طريق شكوى.

الجهات التي تقدم إليها الشكوى:

إذا كان المشرع قد علق تحريك الدعوى ورفعها على شكوى من المجني عليه فمؤدى ذلك أن تحديد الجهات التي تقدم إليها الشكوى لابد وأن يتوقف على سلطة هذه الجهات في تحريك ورفع الدعوى. ومعنى ذلك أن الشكوى لا تقدم إلا للجهة التي يمكن أن تحرك الدعوى وترفعها. فإذا ما قدمت إلى جهة لا تملك هذا الحق فلا يكون الشكوى أي أثر قانوني. وقد حدد المشرع الجهات التي تملك تحريك الدعوى ورفعها وبالتالي يمكن أن تقدم إليها الشكوى وهذه الجهات هي :

1- النيابة العامة :

ذلك أن النيابة العامة هي الجهاز الأصلي المختص بتحريك الدعوى الجنائية ورفعها. ولا يلزم أن تقدم الشكوى لعضو النيابة شخصياً، بل يكفي تقديمها إلى سكرتارية النيابة التي تتولى عرض الأوراق على عضو النيابة للتصرف فيها. ويلاحظ أنه يجب مراعاة قواعد الإختصاص المكاني والنوعي بمعنى أنه يجب أن تكون النيابة التي قدمت لها الشكوى مختصة محلياً ونوعياً بتحريك الدعوى ورفعها. فإذا قدمت الشكوى إلى نيابة غير مختصة فلا ينتج أثرها القانوني إلا بعد تحويلها إلى جهة الإختصاص وإن كان يعتد بالتقديم لها في الميعاد.

2- مأمور الضبط القضائي :

يجوز تقديم الشكوى لأحد مأموري الضبط القضائي وذلك نظراً لأن المشرع قد خولهم اختصاصات معينة بالنسبة للجرائم المرتكبة يتولون فيها جمع الاستدلالات تمهيداً لعرضها على النيابة العامة لتحريك الدعوى ورفعها.

3- رجال السلطة العامة في حالة التلبس :

يجوز إستثناء التقدم بالشكوى لمن يكون حاضراً من رجال السلطة العامة فقط في حالة التلبس (المادة 39 إجراءات). وقد راعي المشرع أيضاً أنه في حالات التلبس يكون لرجال السلطة العامة إختصاص معين مؤداه تسليم المتهم والمضبوطات إلى أقرب مأمور من مأموري الضبط القضائي. وإذا كان المشرع قد منحهم بعض الاختصاصات في حالة التلبس يقومون بها لمساعدة مأمور الضبط القضائي، فبطبيعة الحال يمكنهم تلقي الشكاوى التي يتقدم بها المجني عليه في هذه الحالة.

4- المحكمة الجنائية في حالات الادعاء المباشر:

أعطى القانون للمجني عليه حق رفع الدعوى الجنائية مباشرة وذلك في حالات الإدعاء المباشر. ولذلك يعتبر شكوى رفع الدعوى الجنائية مباشرة أمام المحكمة في الحالات التي يجوز فيها الإدعاء المباشر.

5- قاضي التحقيق :

في الحالات التي يجوز فيها القاضي التحقيق رفع الدعوى الجنائية، يجوز أن تقدم الشكوى مباشرة للقاضي باعتبار أنه مختص هو الآخر بتحريك الدعوى الجنائية ورفعها.

خلاف هذه الجهات لا يجوز للشاكي التقدم بشكواه وإلا اعتبر غير ذات أثر قانوني. وعلى ذلك فالادعاء المدني أمام المحكمة المدنية للمطالبة بتعويض عن الجريمة لا يعتبر شكوى ولا يجوز بمقتضاه تحريك الدعوى. كذلك أيضاً رفع الدعوى أمام محكمة الأحوال الشخصية لإنكار النسب لا يعتبر شكوى يترتب عليها تحريك الدعوى ورفعها في جريمة الزنا، كذلك أيضاً الشكوى المقدمة إلى الجهة الإدارية لمجازاة الجاني إدارياً، لا تعتبر شكوى في المعنى الإجرائي.

الوقت الذي تقدم فيه الشكوى.

 نصت المادة محل التعليق في فقرتها الثانية على أنه “ولا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك”. ويستفاد من هذا النص أن المجني عليه في جرائم الشكوى يلزم أن يتقدم بشكواه خلال مدة ثلاثة أشهر من يوم علمه بالجريمة وبمرتكبها ما لم تكن الجريمة قد انقضت بالتقادم قبل العلم به وبمرتكبها بطبيعة الحال. ومدة الثلاث أشهر المحددة قانوناً لتقديم الشكوى تبدأ من يوم علم صاحب الشكوى بالجريمة التي وقعت عليها بشخص مرتكبها وعلى ذلك فإذا إكتشف الزوج أنه كان ضحية لجريمة سرقة ثم علم بعد فترة طالت أم قصرت أن زوجته هي الفاعل للجريمة فإن مدة الثلاثة أشهر تبدأ من تاريخ علمه بمرتكب الجريمة وليس من تاريخ اكتشافه لها . والعلم الذي يبدأ به ميعاد الثلاثة أشهر المقررة بالمادة محل التعليق في فقرتها الثانية لتقديم الشكوى يجب أن يكون علماً يقيناً بالوقائع وبمرتكبها فلا يجوز افتراض هذا العلم.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد : الأول، الصفحة : 54)

الأصل المقرر بمقتضى المادة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية أن النيابة العامة تختص دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها طبقاً للقانون وأن اختصاصها في هذا الشأن مطلق لا يرد عليه قيد إلا باستثناء من نص الشارع وقد قيد المشرع الإجرائي حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية ورفعها أمام المحكمة المختصة بقيود ثلاث هي الشكوى والطلب والإذن.

وقد أفصح المشرع بما أورده في المذكرة الإيضاحية لمشروع الحكومة عن قانون الإجراءات الجنائية عن قصده من تقييد حق النيابة في تحريك الدعوى الجنائية ورفعها في صوره الثلاث الشكوى وقصد بها حماية صالح المجني عليه الشخصي والطلب وقصد به حماية إحدى مصالح الدولة أو أجهزتها العامة بصفتها مجنياً عليها أو بصفتها أمينة على مصالح الدولة العليا والإذن وقد أريد به حماية حق شخص معين ينتسب إلى إحدى الهيئات التي قد يكون في رفع الدعوى عليه مساس بما لها من إستقلال.

والقيود السابقة والتي تقيد حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى تسري من باب أولى على الجهات التي منحها القانون سلطة تحريك الدعوى ورفعها إستثناء من الأصل العام. كقاضي التحقيق و المضرور من الجريمة الإدعاء المباشر لأن ما يخضع له الأصل ينبغي أن يسري على الفرع.

ونعرض فيما يلى للشكوى وقد نصت عليها المادة الثالثة محل التعليق.

المراد بالشكوى :

يقصد بالشكوى التي يترتب عليها رفع القيد الوارد على حرية النيابة في تحريك الدعوى الجنائية أن يتقدم المجني عليه في جرائم محددة إلى النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي بإخطار لاتخاذ الإجراءات القانونية الجنائية ضد مرتكب الجريمة وذلك لأن النيابة العامة هي الجهة التي تملك تحريك الدعوى الجنائية كما أن مأمور الضبط القضائي هو السلطة التي تقوم بالمرحلة التحضيرية لتحريك الدعوى الجنائية وهي مرحلة جمع الاستدلالات.

ويشترط أن تكون الشكوى صريحة في الإخطار عن الجريمة وأن يكون القصد منها تحريك الدعوى الجنائية فإن لم تكن قاطعة الدلالة في هذا المعنى فتظل سلطة النيابة العامة مقيدة.

ولذلك لا يعتبر من قبيل الشكوى في هذا المقام البلاغ الذي يتقدم به المجني عليه إلى الجهة الإدارية التي يتبعها المتهم عن الواقعة ولا رفعه دعوى تعويض مدنية عن الضرر الذي أصابه من الجريمة أمام محكمة مدنية ولا رفع الزوجة في دعوى تطليق من زوجها أمام محكمة الأحوال الشخصية بسبب ارتكاب جريمة زنى لأن هذه الجهات لا تملك حق تحريك الدعوى الجنائية فلا تكون الشكوى إليها صريحة في قصد تحريك هذه الدعوى، ولا يشترط القانون أن تكون الشكوى مكتوبة فيصح أن تكون شفهية أو في صورة إستغاثه، وإنما يشترط أن تكون باته بمعنى أنها غير معلنة على شرط فلو اشترط على الشاكي أن يعتذر له المتهم وألا ترفع عليه الدعوى الجنائية فلا يعتد بمثل هذه الشكوى ولا يرتفع بها القيد على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى.

ممن تقدم الشكوى :

تقديم الشكوى من المجني عليه وحده فلا يجوز تقديمها من المضرور من الجريمة إذا لم يكن هو المجني عليه فيها ذلك أن المضرور من الجريمة يثبت له الحق في التعويض فقط عن الجريمة بوصفها عملاً غير مشروع بغض النظر عن عقاب الجاني من عدمه ولذلك نجد أن المشرع في قانون الإجراءات الجنائية كان صريحاً في أن الشكوى لا تكون إلا من المجني عليه. أما المضرور من الجريمة إذا لم يكن هو المجني عليه فله أن يتدخل في الدعوى المدنية التابعة للدعوى الجنائية إذ من المتصور أن يترك المشرع للمضرور من الجريمة الذي له حق مدني فقط قبل المتهم تقدير اعتبارات رفع الدعوى من عدمه عن طريق شكوى.

والحق في الشكوى هو حق شخصي يتعلق بشخص المجني عليه ويترتب على ذلك أن هذا الحق ينقضي بموت المجني عليه كما وأنه يجب أن يتقدم بالشكوى المجني عليه بنفسه أو بواسطة وكيل خاص ومفاد هذا أن التوكيل العام لا يجدي في التقدم بالشكوى.

الجرائم التي تتطلب الشكوى :

حددت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية الجرائم التي يتوقف تحريك الدعوى الجنائية بشأنها على شكوى وهي:

1) جريمة سب موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة بسبب أداء الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة مادة (185) عقوبات.

2) جريمة زنا الزوجة (مادة 274 عقوبات).

3)  جريمة زنا الزوجة في منزل الزوجية مادة (277) عقوبات.

4) جريمة ارتكاب أمر مخل بالحياء مع امرأة ولو في غير علانية (مادة 279 عقوبات).

5) جريمة عدم تسليم الطفل الصغير لمن له الحق في طلبه بناء على قرار من جهة القضاء صادر بشأن حضانته أو حفظة وكذلك اختطاف الولد ممن له الحق في حضانته أو حفظه إذا حصل من الوالدين (مادة 292 عقوبات .

6) جريمة الإمتناع عن دفع النفقات الصادر بها حكم قضائي واجب النفاذ (مادة 293 عقوبات ) .

7) جريمة القذف بوجه عام (مادة 303 عقوبات) .

8) جريمة السب مادة 306 عقوبات .

9) جريمة السب والقذف إذا ارتكبت بطريق النشر في الصحف، أو المطبوعات (مادة 307 عقوبات) .

10) جرائم العيب أو الإهانة أو القذف، أو السب إذا تضمنت طعناً في الأعراض أو خدشاً لسمعة العائلات (مادة 308 عقوبات).

هذا وقد نصت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية بعد أن عددت المواد سالفة الذكر على سبيل الحصر على أنه وكذلك في الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون ومثال ذلك جريمة السرقة التي تقع بين الأزواج أو بين الأصول والفروع  المنصوص عليها في المادة (312) من قانون العقوبات ويلاحظ أن المشروع إستعمل لفظ الطلب بدلاً من الشكوى فنصت المادة على أنه “لا يجوز محاكمة من يرتكب سرقة إضراراً بزوجه أو زوجته أو أصوله أو فروعه إلا بناء على طلب المجني عليه” ولكن المقصود هو الشكوى وقد قاس القضاء عليها جرائم النصب وخيانة الأمانة والإتلاف فلم يجز رفع الدعوى الجنائية عنها إذا وقعت إضرار بالأزواج أو الأصول أو الفروع إلا بناء على شكوى من المجني عليه.

ويلاحظ أن كافة الجرائم التي يتوقف فيها تحريك الدعوى الجنائية على شكوى من الجنح. وعلى ذلك إذا كانت جريمة السرقة التي وقعت بين الأصول والفروع أو الأزواج جناية فلا تستلزم الشكوى لرفع الدعوى الجنائية عنها.

الجهة التي ترفع إليها الشكوى:

اشترطت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية أن تقدم الشكوى إلى النيابة العامة أو إلى أحد مأموري الضبط القضائي.

بالنسبة للنيابة العامة :

أ) ذلك أن النيابة العامة هي الجهاز الأصلي المختص بتحريك الدعوى الجنائية ورفعها ولا يلزم أن تقدم الشكوى لعضو النيابة شخصية بل يكفي تقديمها إلى سكرتارية النيابة التي تتولى عرض الأوراق على عضو النيابة للتصرف فيها. ويلاحظ أنه يجب مراعاة قواعد الإختصاص المكاني والنوعي بمعنى أنه يجب أن تكون النيابة التي قدمت لها الشكوى مختصة محلياً ونوعيا بتحريك الدعوى ورفعها فإذا قدمت الشكوى إلى نيابة غير مختصة فلا تنتج أثرها القانون  وفي ذلك ذهب رأي آخر إلى أنه يجوز التقدم بالشكوى لأي عضو من أعضاء النيابة العامة ولو لم يكن مختصة بنظر الدعوى على أساس أن العبرة والحكمة من المادة (3 أ. ج) هي التأكد من رغبة المجني عليه في تحريك الدعوى الجنائية وقد يكون المجني عليه غير مزود بالثقافة التي تؤهله لمعرفة عضو النيابة العامة المختص لذا فإن إرسال شكوى للنائب العام أو أحد المحامين العامين أو رؤساء النيابة دون مخاطبة وكيل النيابة المختص (في دائرة الإختصاص الإقليمي أو النوعي) يعد إجراء سليماً يجيز للنيابة العامة (المختصة) تحريك الدعوى الجنائية.

ب) أما عن مأموري الضبط القضائي فقد ورد ذكرهم بالتحديد في المادة (23) من قانون الإجراءات الجنائية والتي سنعرض لها فيما بعد. واستثناء مما تقدم أجاز القانون للمجني عليه في حالة التلبس تقديم الشكوى لمن يكون حاضراً من رجال السلطة العامة (مادة 39 إجراءات).

الوقت الذي تقدم فيه الشكوى :

نصت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية في فقرتها الثانية على أنه “ولا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك” ويستفاد من هذا النص أن المجني عليه في جرائم الشكوى يلزم أن يتقدم بشكواه خلال مدة ثلاثة أشهر من يوم علمه بالجريمة وبمرتكبها ما لم تكن الجريمة قد انقضت بالتقادم قبل العلم بها وبمرتكبها بطبيعة الحال. ومدة الثلاثة أشهر المحددة قانوناً لتقديم الشكوى تبدأ من يوم علم صاحب الشكوى بالجريمة التي وقعت عليه وبشخص مرتكبها وعلى ذلك فإذا إكتشف الزوج أنه كان ضحية لجريمة سرقة ثم علم بعد فترة طالت أم قصرت أن زوجته هي الفاعل للجريمة فإن مدة الثلاثة أشهر تبدأ من تاريخ علمه بمرتكب الجريمة وليس من تاريخ اكتشافه لها. والعلم الذي يبدأ به ميعاد الثلاثة أشهر المقررة بالمادة (3 / 2) إجراءات لتقديم الشكوى يجب أن يكون علماً يقينياً بالوقائع وبمرتكبها فلا يجوز افتراض هذا العلم ويلاحظ أن المدة تبدأ من تاريخ علم المجني عليه وبمرتكبها وليس من تاريخ التصرف في الشكوى موضوع الجريمة. وميعاد سقوط الحق في الشكوى لا يقبل بطبيعته انقطاعاً أو إيقافاً كما لا يمتد بسبب العطلة أو المسافة ويرجع في حساب المدة إلى المادة (25) من قانون المرافعات المدنية والتجارية وذلك لعدم وجود نص في قانون الإجراءات ينظم كيفية إحتساب المدة.(المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد : الأول، الصفحة : 84)

الشكوى هي إجراء يباشر من شخص معين، وهو المجنى عليه، في جرائم محددة يعبر به عن إرادته الصريحة في تحريك ورفع الدعوى الجنائية لإثبات المسئولية الجنائية وتوقيع العقوبة القانونية بالنسبة للمشكو في حقه .

حدد المشرع جرائم الشكوى على سبيل الحصر في المادة الثالثة وفي الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون. وهذه الجرائم هي :

1- جرائم زنا الزوجة (م 274 عقوبات) وزنا الزوج (277 عقوبات.)

2- الفعل الفاضح مع امرأة في غير علانية (279 عقوبات).

3- عدم تسليم الصغير إلى من له الحق في طلبه (292 عقوبات).

4- الامتناع عن دفع النفقة أو أجرة الحضانة أو الرضاعة أو المسكن المحكوم بها (م 293عقوبات).

5- جرائم السب والقذف (مواد 185، 303، 306، 307، 308 عقوبات)

6- السرقات بين الأصول والفروع والأزواج (312 عقوبات).

ويلاحظ أن جميع الجرائم السابقة هي من الجنح ولا تندرج تحتها جرائم تعد من الجنايات. ذلك أن الجنايات تتصف بخطورة معينة فضلاً عن أن التحريك فيها إلزامي الأمر الذي لا يمكن معه تعلیق تحريك الدعوى أو رفعها فيها على شكوى المجني عليه، ولذلك إذا كانت السرقات بين الأصول والفروع والأزواج تكون جناية فإنها تخرج عن نطاق جرائم الشكوى ويكون للنيابة العامة مطلق التقدير في رفع الدعوى الجنائية دون إنتظار شكوى المجنى عليه .

الآثار الإجرائية المترتبة على ضرورة تقديم الشكوى :

حينما يستلزم المشرع في جريمة معينة ضرورة التقدم بشكوى من المجني عليه فلابد وأن يترتب على ذلك أثر إجرائي معين. إذ معنى ذلك أن النيابة العامة لا تكون لها حرية اتخاذ ما تشاء من إجراءات تتعلق بالجريمة موضوع الشكوى إلا بعد التقدم بها.

القاعدة العامة :

مؤدي هذه القاعدة هو أنه لا يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى إلى القضاء لإصدار حكم فيها قبل التقدم بالشكوى، كما لا يجوز لها أن تتخذ أي إجراء من إجراءات التحريك إجراءات التحقيق الإبتدائي فلا يجوز سماع الشهود أو إستجواب المتهم أو القيام بمعاينة لمكان الحادث أو إجراء القبض أو التفتيش بحثاً عن أدلة أو إنتداب خبير للقيام بعمل من أعمال الخبرة. فجميع الأعمال الإجرائية التي تباشرها النيابة العامة بوصفها سلطة تحقيق محظورة حتى يتقدم الشاکی بشكواه. ويستوي في ذلك أعمال التحقيق الماسة بشخص المتهم. كما لا يجوز للنيابة العامة أن تطلب من رئيس المحكمة الإبتدائية ندب قاض للتحقيق، كما لا يجوز لها انتداب أحد مأموري الضبط للتحقيق.

وإذا حدث أن قامت النيابة العامة بإجراء من الإجراءات السابقة فيكون الجزاء هو البطلان. ويكون باطلاً بالتالي أي إجراء آخر يترتب على الإجراء الباطل. فإذا ألقت النيابة العامة القبض على المتهم وبتفتيشه ظهرت جريمة أخرى متلبس بها كإحراز سلاح أو مخدراً فيكون القبض والتفتيش باطلين ويسقط الدليل المستمد من الضبط بالتالي. وإذا حدث أن قدمت الدعوى إلى المحكمة قبل التقدم بالشكوى فيتعين عليها أن تقضي بعدم قبولها. إلا أن هذا الحكم لا يمنع من إعادة الإجراءات من جديد بعد التقدم بالشكوى.

وغني عن البيان أن تقدم المجني عليه بشكواه بعد مباشرة إجراءات التحقيق أو رفع الدعوى لا يؤثر على بطلان تلك الإجراءات ولا يصححه. ذلك أن استلزام الشكوى هو أمر متعلق بالنظام العام لإتصاله بحق النيابة العامة في مباشرة الدعوى الجنائية . ولذلك يجوز النفع به لأول مرة أمام محكمة النقض، كما يجوز للمحكمة أن تقضي من تلقاء نفسها بعدم قبول الدعوى في أية حالة كانت عليها.

ونظراً لتعليق الشكوى بالحق في مباشرة الدعوى الجنائية فإنه يتعين على المحكمة أن تبين في حكمها الفاصل في الموضوع أن الدعوى قد رفعت صحيحة بناء على شكوى ممن يملك تقديمها وإلا كان حكمها معيباً .

حكم التلبس بجريمة يتوقف فيها تحريك الدعوى على شكوى :

إذا كانت القاعدة العامة بالنسبة للجرائم التي يستلزم فيها القانون شكوى المجني عليه هي عدم جواز رفع الدعوى أو اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق فيها، فإن هذا الحكم يستوقف النظر عندما تكون الجريمة في حالة تلبس. ذلك أن حالات التلبس تخول لمأمور الضبط القضائي بعض السلطات الإستثنائية بمقتضاها يباشر إجراءات من إجراءات التحقيق كالقبض وتفتيش الأشخاص والمنازل، کل ذلك لحكمة أرتأها المشرع وهي الحرص على عدم ضياع معالم الجريمة المتلبس بها فضلاً عن قوة نيل ثبوتها مما يقلل من إحتمالات الإسراف في الاعتداء على الحريات الفردية دون أدلة تقيمها وتشرف عليها السلطات القضائية. ومن أجل ذلك أيضاً رأى المشرع أن أعمال هذه القاعدة العامة بالنسبة للجرائم المستلزمة لشكوى من المجني عليه قد يترتب عليها ضياع معالم الجريمة حينما يريد الشاكي التقدم بشكواه، وهو لذلك خرج عن القاعدة العامة في نظر التحقيق في جرائم الشكوى إلا بعد التقدم بها وذلك في حدود معينة تكلفت بالنص عليها المادة 39 إجراءات. وتنص هذه المادة على أنه: «إذا كانت الجريمة المتلبس بها مما يتوقف رفع الدعوى عنها على شكوى فلا يجوز القبض على المتهم إلا إذا صرح بالشكوى من يمتلك تقديمها. ويجوز في هذه الحالة أن تكون الشكوى لمن يكون حاضراً من رجال السلطة العامة». 

ويستفاد من النص السابق بمفهوم المخالفة أن المحظور فقط هو القبض على المتهم مادام المجني عليه لم يتقدم بشكواه. أما عدا القبض من إجراءات التحقيق فيجوز إتخاذها سواء من قبل النيابة العامة أو من قبل مأموري الضبط القضائي بناء على السلطة المخولة لهم قانوناً في أحوال التلبس.

غير أن الفقه الراجح، ونحن نؤيده، يذهب إلى أن الحظر لا يقف فقط عند حد القبض وإنما يمتد ليشمل جميع الإجراءات الأخرى التي تتفق مع القبض في العلة ألا وهي الحد من حرية المتهم الشخصية وتأخذ حرمة المسكن حكم الحرية الشخصية في هذا المجال يكون الحظر شاملاً الإجراءات الماسة بشخص المتهم أو حرمة مسكنه، ومعنى ذلك أن المشرع وإن ذكر القبض فقط فإنما قصد بذلك الإشارة إلى جميع الإجراءات الماسة بشخص المتهم أو بحرمة مسكنه بحيث يشمل الحظر الإستجواب والمواجهة والحبس الإحتياطي وتفتیش شخص المتهم وتفتيش مسكنه وغير ذلك من الإجراءات التي لها الصفة السابقة. أما إجراءات التحقيق الأخرى غير الماسة بشخص المتهم أو بمسكنه فيجوز إتخاذها، ومثال ذلك المعاينة وسماع الشهود وإنتداب الخبراء وضبط جسم الجريمة والتحريز وغير ذلك من الإجراءات.

وغني عن البيان أن التلبس بجريمة الشكوى لا يبيح رفع الدعوى الجنائية مالم يتقدم المجني عليه بشكواه. فرفع الدعوى يرد عليه الحظر العام الوارد بالمادة التاسعة.

وإذا كانت الجريمة المتلبس بها غير خاضعة للقاعدة العامة في حظر إجراءات التحقيق باعتبارها من جرائم القذف والسب التي يكون المجني عليها فيها موظفاً عاماً أو مكلفاً بخدمة عامة أو ذا صفة نيابية عامة وإرتكبت بسبب أداءه وظيفته، فلا يثور إشكال يذكر باعتبار أن مثل تلك الجرائم يجوز اتخاذ جميع إجراءات التحقيق فيها الماس منها وغير الماس بشخص المتهم وبغض النظر عن توافر أو عدم توافر حالات التلبس.

إرتباط الجريمة المستلزمة للشكوى بجريمة أخرى لا تتقيد بذلك :

قد يحدث أن يرتكب الجاني أكثر من جريمة يتوقف في إحداها رفع الدعوى العمومية ومباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق فيها على شكوى، فما هي حدود القيد الوارد على حرية النيابة في تحريك ورفع الدعوى العمومية عن هذه الجرائم؟

للإجابة على هذا التساؤل ينبغي أن تفرق بين ثلاثة فروض من تعدد الجرائم.

1- إذا كانت الجرائم المرتكبة متعددة تعدداً حقيقياً ودون أن تكون مرتبطة إرتباطاً لا يقبل التجزئة، فإن النيابة العامة تفصل الجرائم المستلزمة الشكوى من المجني عليه عن تلك التي لا تتقيد فيها حريتها أو بشكوى أو إذن أو طلب، وتقوم بتحريك الدعوى ورفعها بالنسبة للأخيرة دون أي قيد من القيود. أما الجرائم التي تتطلب الشكوى لمباشرة إجراءات التحقيق ورفع الدعوى فلا يجوز لها أن تباشر أي إجراء من هذه الإجراءات إلا بعد تقديم الشكوى.

2- إذا كانت الجرائم المرتكبة متعددة تعدد معنوي وهو الغرض الذي يكون في حالة ارتكاب سلوك وأعد تتحقق عنه جريمتان وينطبق عليهما أكثر من وصف أحدهما يستلزم الشكوى والآخر لا يستلزمها، فالقاعدة في أن العبرة بالوصف الأشد ما دامت الجريمتان قائمتين، فإذا كانت الجرعية صاحبة الوصف الأشد تستلزم شكوى لرفعها، فلا يجوز للنيابة العامة إتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق أو رفع الدعوى بالنسبة لها، كما لا يجوز لها ذلك أيضاً بالنسبة الجريمة الأخرى صاحبة الوصف الأخف، ذلك أن إتخاذ أي إجراء من الإجراءات بالنسبة لهذه الأخيرة إنما ينصرف أيضاً إلى الجريمة الأخرى المتطلب فيها شكوى. ومثل ذلك إرتكاب جريمة الزنا في محل عام أو مفتوح للجمهور، فهنا حقق الفعل الواحد الركن المادي في جريمة الزنا كما حقق أيضاً الركن المادي لجريمة الأفعال المنافية للحياء بمحل عام أو مفتوح للجمهور. والوصف الأشد هو لجريمة زنا الزوجة، ولذلك لا يجوز للنيابة اتخاذ أي إجراءات تحقيق أو رفع الدعوى بالنسبة الجريمة الفعل الفاضح إلا بعد التقدم بشكوى بخصوص جريمة الزنا. أما إذا كانت الجريمة مصاحبة الوصف الأشد لا تستلزم شكوى من المجني عليه فللنيابة العامة مطلق الحرية في اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق ورفع الدعوى حتى دون شكوى من المجنى عليه، وذلك فقط بالنسبة للجريمة الأخرى دون جريمة الشكوى.

ذلك أنه في هذه الحالة تتحدد المسئولية الجنائية للجاني بناء على الجريمة ذات الوصف الأشد وهي لا تستلزم شكوى.

3- إذا كانت الجرائم المتعددة قد ارتبطت بعضها ببعض إرتباطاً لا يقبل التجزئة بأن كانت مرتكبة لغرض واحد، فقد نص المشرع في قانون العقوبات في المادة 32 على وجوب اعتبارها كلها جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررة لأشد تلك الجرائم.

وعلى ذلك، فإذا كانت إحدى هذه الجرائم. يتطلب فيها المشرع لرفع الدعوى والتحقيق شكوى من المجني عليه، فتكون الجرائم هي المناط والمعيار في بيان ما إذا كانت حرية النيابة مقيدة من عدمه، وبشرط أن يكون الفصل فيها يستلزم إثبات وقوع الأخري، بمعنى أنه إذا كانت الجريمة هي التي يتوقف فيها التحقيق ورفع الدعوى على شكوى فلا يجوز اتخاذ أي إجراء من هذه الإجراءات دون التقدم بالشكوى حتى بالنسبة للجريمة الأخف التي لا يتوقف فيها رفع الدعوى على شكوى ومادامت لا يمكن الفصل فيها دون إثبات الأشد. ومثال ذلك جريمة دخول منزل بقصد ارتكاب جريمة الزنا. فالجريمة الأشد هنا هي جريمة الزنا ولذلك لا يجوز للنيابة العامة اتخاذ أي إجراءات تحقيق بالنسبة للجريمة الأخف، أما إذا كانت الجريمة الأشد لا يلزم لتحقيقها أو رفعها شكوى فيكون للنيابة العامة مطلق الحرية في التحقيق ورفع الدعوى عنها دون انتظار التقدم بشكوى من المجني عليه، ومثال ذلك التزوير في عقد زواج بقصد إخفاء جريمة زنا . فهنا يمكن للنيابة العامة رفع الدعوى عن جريمة التزوير دون أن تتقيد بشكوى من المجني عليه. غير أنه لا يجوز للمحكمة في هذه الحالة إذا برأت المتهم من تهمة التزوير أن تحكم عليه في جريمة الزنا إلا إذا كان هناك شكوى قد قدمت فعلاً وإلا كان حكمها باطلاً.

وجدير بالذكر أن إرتباط الجريمة المتطلب فيها شكوى بجريمة أخرى إرتباطاً لا يقبل التجزئة يفترض أن تكون الجريمة المستلزمة فيها شكوى قد وقعت فعلاً، أما تامة أو في مرحلة الشروع المعاقب عليه، فلا يكفي أن يكون الجاني قد ارتكب جريمة لا يستلزم فيها الشكوى بقصد ارتكاب جريمة أخرى يلزم فيها شكوى إذا لم تقع هذه الجريمة الأخيرة. وعليه فلا يلزم شكوى لتحريك الدعوى العمومية في جريمة دخول مسكن بقصد ارتكاب جريمة إذا ارتكبت بقصد ارتكاب جريمة الزنا وكانت هذه الأخيرة لم تقع فعلاً.

والذي نود التنبيه إليه، إنه في جميع أحوال الإرتباط لا يقبل التجزئة والتعدد الصور والسابق باين أحكامها بخصوص الفروض التي تكون فيها إحدى الجرائم المتعددة مادياً أو صورياً مع جرائم الشكوى، يتم الفصل تلقائياً بينها إذا لم يكن تحريك الدعوى بناء على شكوى نظراً لسقوط الحق في الشكوى. ذلك أن حكم لارتباطه والتعدد المصور يتحقق عندما يمكن محاكمة الجاني عن الجريمتين. فهذا فقط يعتبر فيها المشرع جريمة واحدة ويحكم بالعقوبة الأشد ومن ثم لزم تطبيق القوانين السابقة. أما حيث لا نكون إلا بصدد جريمة واحدة غير معلق رفع الدعوى فيها على شكوى فيمكن تحريك الدعوى بالنسبة لها مادام حكم الإرتباط أو التعدد الصوري قد زال قانوناً. ولذلك فإن سقوط الدعوى بالنسبة لجريمة الشكوى لا يؤثر على الجريمة الأخرى المرتبطة بها .

تقديم الشكوى من المجني عليه وحده. فلا يجوز تقديمها من المضرور من الجريمة إذا لم يكن هو المجني عليه فيها، ذلك أن المضرور من الجريمة يثبت له الحق في التعويض فقط عن الجريمة بوصفها فعلاً غير مشروع بغض النظر عن عقاب الجاني من عدمه. ولذلك نجد أن المشرع في قانون الإجراءات الجنائية إذا لم يكن هو المجني عليه فله أن يتدخل في الدعوى المدنية التابعة للدعوى الجنائية، إذ من غير المتصور أن يترك المشرع للمضرور من الجريمة الذي له حق مدني فقط قبل المتهم تقدير إعتبارات رفع الدعوى من عدمه عن طريق شكوى.

وإذا تعدد المجنى عليهم فيكفي أن تقدم الشكوى من أحدهم حتى ترتد للنيابة العامة حريتها في رفع الدعوى وتحقيقها. وإذا كان المجني عليه شخصاً معنوياً بالشكوى الممثل القانوني له.

والحق في الشكوى هو حق شخصي يتعلق بشخص المجنى عليه. وقد رتب القانون على ذلك نتيجتين : الأولى أن هذا الحق ينقضي بموت المجني عليه. فإذا لم يتقدم بالشكوى قبل الوفاة فلا يمكن أن ينتقل هذا الحق إلى الورقة وبالتالي يسقط الحق في الشكوى بالوفاة، أما إذا حانت الوفاة بعد تقديم الشكوى فلا تؤثر على سير الدعوى (م 7 إجراءات). وهذا النص منطقي، لأن الشكوى تطلبها المشرع فقط لرفع الدعوى أو لتحريكها ومتى قدمت الشكوى تختص النيابة وحدها بمباشرة الدعوى ولا يحرمها من هذا سوى التنازل اللاحق. فإذا توفي الشاکی قبل التنازل إن الدعوى تأخذ مجراها الطبيعي.

والأمر الثاني : المترتب على إعتبار الشكوى حقاً شخصية متعلقة بشخص المجني عليه دون غيره أنه يجب أن يتقدم بها بنفسه أو بواسطة وكيل خاص (م 3 إجراءات). ومفاد هذا أن التوكيل العام لا يجدي في التقدم بالشكوى فيلزم أن يكون التوكيل خاصة فقط بالتقدم بالشكوى لكي تقبل تلك الأخيرة من الوكيل .

وقد إستلزم القانون شرطاً خاصاً بالشاكي وشروطاً خاصة بالشكوى المقدمة منه. وقد راعى القانون في هذه الشروط كون الشكوى تصرفاً قانونياً يعبر فيه الشاكي عن إرادته في إحداث أثر قانوني معين وهو التحقيق من المسئولية الجنائية الشخص معين وذلك عن طريق تحريك الدعوى ورفعها إلى القضاء للفصل فيها.

 الشروط الخاصة بالشاكی :

(أ) يجب أن تكون إرادة الشاكي حرة وغير خاضعة لأى إكراه مادي أو معنوي.

(ب) يجب أن يكون الشاكي يبلغ من العمر خمسة عشرة سنة على الأقل ومتمتعاً بكامل قواه العقلية. فإذا لم يكن بالغاً لهذه السن أو كان مصاباً بعاهة عقلية فإن الشكوى تقدم ممن له ولاية النفس. على أن الشكوى تقبل أيضاً من الوصي أو القيم بالنسبة لجرائم الإعتداء على المال التي يستلزم فيها القانون شكوى من المجني عليه. وقد نص المشرع في المادة السادسة من قانون الإجراءات على حالة تعارض مصلحة المجني عليه مع مصلحة من يمثله بأن يكون الجاني هو الوصي أو القيم مثلاً، فقضت بأنه في هذه الحالة تقوم النيابة العامة مقامه، كما أنها تتولى أيضاً الإجراء في حالة عدم وجود من يمثل الشاكي.

حرية النيابة في رفع الدعوى مقيدة بالنسبة للأخرى.

متى توافرت هذه الشروط، كانت الشكوى صحيحة من حيث مضمونها وأحدثت الآثار القانونية المترتبة عليها. ولا يجيز أن تعلق الشكوى على شرط أياً كان نوعه، لأن في هذا نوعاً من المساومة فضلاً عن أن صاحب الحق فيها يملك التنازل في أي وقت. ونظراً لن تعليق الشكوى على شرط يؤثر على إرادة تحريك الدعوى والمحاكمة، فإن الشكوى تفقد أحد مقوماتها القانونية ولا يترتب عليها الذي أثر.

أثر الرضاء السابق للشاكي بارتكاب الجريمة :

إن دراسة أثر رضاء الشاكي مقدماً بإرتكاب الجريمة تحكمه القواعد العامة في قانون العقوبات الخاصة برضاء المجني عليه وأثره کسبب من أسباب الإباحة، وذلك تأسيساً على أن الشاكي هو دائماً المجني عليه في الجريمة.

وطبقاً لهذه القواعد العامة فإن رضاء المجني عليه لا يكون سبباً من أسباب الإباحة إلا حينما ينصب على حق يجوز له التصرف فيه. كما أن الرضاء قد يكون له أثره على الجريمة وذلك إذا كان ركناً فيها أو كان إرتكابها بدون رضاء المجني عليه رضاء يعتد به قانوناً.

وتأسيساً على ذلك إذا كان الشاكي قد رضی مقدماً بإرتكاب الجريمة وكان رضاؤه له أثره من حيث توافر سبب الإباحة أو من حيث أنه يعدم أحد أركان الجريمة، فالفعل الذي يقع يعتبر مباحاً وليس جريمة وبالتالي لا تثور مشكلة ما.

إنما المشكلة تثور بصدد دراستنا للشكوى في محيط الإجراءات الجنائية في حالة ما إذا كان رضاء المجني عليه السابق معدوم الأثر من حيث توافر سبب الإباحة أو من حيث أركان الجريمة. وبمعنى أخر تثور المشكلة حينما لا يكون من حق المجني عليه التنازل عن الحق الذي وقع عليه الإعتداء بالسلوك الإجرامي، فهل إذا كان الرضاء لا تأثير له على الجريمة يكون له تأثير على حق المجني عليه في التقدم بالشكوى؟

لقد أثار الفقه والقضاء هذه المشكلة بخصوص رضاء الزوج مقدماً بالزنا فقد ترتكب الزوجة الزنا برضاء الزوج. فهل يجوز له رغم ذلك التقدم بالشكوى التحريك الدعوى؟ ذهبت بعض أحكام المحاكم المصرية إلى أن هذا الرضاء السابق بالزنا يحرم الزوج من تقديم شكواه بعد ذلك لأنه فرط في أهم حق من حقوقه وهو اختصاص الزوج بزوجته، كما قضت محكمة النقض أنه إذا تبين من عناصر الدعوى أن ارتكاب المنكر مع الزوجة كان بعلم الزوج ورضاه فيسقط حقه فيما فرضه الشارع لحمايته وعائلته.

(نقض 15 فبراير 1965، مجموعة أحكام النقض 16، رقم 28، ص 124)

والواقع أن هذا الرأي وإن كانت له وجاهته من الناحية الإجتماعية ومن ناحية السياسة الجنائية للمشرع المستقبل، إلا أنه خلو من أي سند قانونی مستمد من القانون الوضعي. فالثابت أن عدم الرضا ليس ركناً في جريمة الزنا حتى يمكن القول بأن الجريمة تنقضي بحدوث الرضا. كما أن الحق المعتدى عليه في جريمة الزنا ليس من الحقوق التي يجوز للمجني عليه التنازل عنه إذ انه يتعلق بصيانة أسرة. وما تعليق رفع الدعوى على شكوى إلا لاعتبارات تتعلق بصيانة الأسرة وليس لاعتبارات تتعلق بشخص الزوج. وتعليق تقدير هذه الاعتبارات على الزوج ليس معناه أنه المقصود بالحماية الجنائية في هذه الجريمة.

وعلى ذلك فإن الرضاء مقدمة بالزنا لا يسقط حق الزوج في التقدم بشكواه وفقاً للنصوص الحالية، وإن كان الأمر يستدعي تدخلاً تشريعياً . وإلى أن يتم هذا التعديل التشريعي يظل للزوج الحق في التقدم بشكواه رغم رضائه السابق.

تقدم الشكوى ضد المتهم بارتكاب الجريمة التي يستلزم القانون لاتخاذ الإجراءات فيها ورفع الدعوى شكوى المجني عليه، ولا يلزم أن يكون المتهم معلوماً بشخصه للمجني عليه وبالتالي لا يلزم تحديده بالشكوى. ويترتب على ذلك أن الغلط في البيانات الخاصة بالمتهم لا يفقد الشكوى قيمتها، وكذلك الحال بالنسبة للغلط في شخص المتهم ولو أدى هذا الغلط إلى تجهيل شخصية الفاعل. وذلك لأن الشكوى تتعلق أصلاً بالجريمة. كما أن الشاكي يملك التنازل عنها في أية مرحلة كانت عليها الدعوى. وتأسيساً على هذا نص المشرع في المادة الرابعة إجراءات على أنه إذا تعدد المتهمون فيكفي أن تقدم الشكوى ضد أحدهم وتعتبر بذلك أنها مقدمة ضد الباقين أيضاً ولا يلزم أن يكون المتهم له صفة الفاعل بل يكفي أن تتوافر في حقه صفة الشريك. وعلى ذلك فلو فرض أن المتهمين جميعهم كانت تربطهم بالمجنى عليه صفة الفروع فيكفي أن يتقدم بشكواه ضد أحدهم حتی ولو كانت له صفة الشريك حتى تعتبر أنها قدمت ضد الآخرين وترتد للنيابة العامة حريتها في تحريك الدعوى ورفعها عليهم جميعاً.

الجهات التي تقدم إليها الشكوى :

إذا كان المشرع قد علق تحريك الدعوى ورفعها على شكوى من المجني عليه فمؤدي ذلك أن تحديد الجهات التي تقدم إليها الشكوى لابد أن يتوقف على سلطة هذه الجهات في تحريك ورفع الدعوى. ومعنى ذلك أن الشكوى لا تقدم إلا اللجهة التي يمكن لها أن تحرك الدعوى وترفعها، فإذا ما قدمت إلى جهة لا تملك هذا الحق فلا يكون للشكوى أي أثر قانوني. وقد حدد المشرع الجهات التي تملك تحريك الدعوى ورفعها وبالتالي يمكن أن تقدم إليها الشكوى وهذه الجهات هي :

1- النيابة العامة : ذلك أن النيابة العامة في الجهاز الأصلي المختص بتحريك الدعوى الجنائية ورفعها. ولا يلزم تقدم الشكوى لعضو النيابة شخصي. بل يكفي تقديمها إلى سكرتارية النيابية التي تلي عرض الأوراق . على عضو النيابة التصرف فيها . ويلاحظ أنه يجب مراعاة قواعد الإختصاص المكاني والنوعي بمعنى أنه يجب أن تكون النيابة التي قدمت لها الشكوى مختصة محلياً ونوعياً بتحريك الدعوى ورفعها. فإذا قدمت الشكوى إلى نيابة غير مختصة فلا تنتج أثرها القانون.

2- مأموري الضبط القضائي : يجوز تقديم الشكوى لأحد مأموري الضبط القضائي وذلك نظراً لأن المشرع قد خولهم إختصاصات معينة بالنسبة للجرائم المرتكبة يتولون فيها جمع الاستدلالات تمهيداً لعرضها على النيابة العامة لتحريك الدعوى ورفعها.

3- يجوز إستثناء التقدم بالشكوى لمن يكون حاضراً من رجال السلطة العامة فقط في حالة التلبس (م 39 إجراءات):وقد راعي المشرع أيضاً أنه في حالات التلبس يكون الرجال السلطة العامة إختصاص معين مؤداه تسليم المتهم والمضبوطات إلى أقرب مأمور من مأموري الضبط القضائي. وإذا كان المشرع قد منحهم بعض الإختصاصات في حالة التلبس يقومون بها لمساعدة مأموري الضبط القضائي. فطبيعة الحال يمكنهم تلقي الشكاوى التي يتقدم بها المجنى عليه في هذه الحالة.

4- أعطى القانون للمجني عليه حق رفع الدعوى الجنائية مباشرة وذلك في حالات الإدعاء المباشر: ولذلك يعتبر شكوى رفع الدعوى الجنائية مباشرة أمام المحكمة في الحالات التي يجوز فيها الإدعاء المباشر.

5- في الحالات التي يجوز فيها لقاضي التحقيق رفع الدعوى الجنائية: كما سنرى، يجوز أن تقدم الشكوى مباشرة للقاضي باعتبار أنه مختص هو الآخر بتحريك الدعوى الجنائية ورفعها.

خلاف هذه الجهات لا يجوز للشاكي التقدم بشكواه وإلا اعتبرت غير ذات أثر قانوني، وعلى ذلك فالادعاء المدني أمام المحكمة المدنية للمطالبة بتعويض عن الجريمة لا يعتبر شكوى ولا يجوز بمقتضاه تحريك ورفع الدعوى . كذلك أيضاً رفع الدعوى أمام محكمة الأحوال الشخصية لإنكار النسب لا يعتبر شكوى يترتب عليها تحريك الدعوى ورفعها في جريمة الزنا، كذلك أيضاً الشكوى المقدمة إلى الجهة الإدارية لمجازاة الجاني إدارياً، لا تعتبر شكوى في المعنى الإجرائي.

يترتب على التقدم بالشكوى أن يرتد إلى النيابة العامة حقها في تحريك الدعوى ورفعها على المتهم، ولها أن تباشر جميع إجراءات التحقيق ورفع الدعوى دون أن تكون مقيدة بأي قيد ولها أن تتصرف في التحقيق ورفع الدعوى كما تشاء وكما يترائى لها . فهي غير ملزمة بتحريك الدعوى أو رفعها . فلها أن تصدر أمراً بحفظ الأوراق إذا رأت أنه لا محل للسير في الدعوى، كما أن لها أن تصدر أمراً بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية لعدم كفاية الأدلة أو لأن الواقعة غير معاقب عليها.

ومفاد كل ذلك أن الشكوى هي فقط مجرد قيد على حرية النيابة في التحريك ورفع الدعوى، فإذا مازال هذا القيد بتقديم الشكوى تكون النيابة صاحبة الاختصاص الأصيل بالدعوى شأن أن دعوى جنائية لا يلزم لتحريكها أو رفعها شكوى وتكون هي الوحيدة المختصة بمباشرة الدعوى بعد ذلك. كل ذلك ما لم يتنازل الشاكي عن شكواه.

لقد حدد القانون المدة التي يمكن للمجنى عليه أن يتقدم فيها بشكواه. ذلك انه من غير الملائم أن يترك هذه المدة دون تحديد حتى لا يكون الحق في الشكوى مدعاة لإساءة استخدامه من قبل المجني عليه يهدد به المتهم كل حين وآخر. كما راعى المشرع اعتباراً أخر وهو أن رفع الدعوى وتحريكها منوط بإرادة المجني عليه حتى يمكنه تقدير الاعتبارات الاجتماعية المختلفة المترتبة على تحريك الدعوى أو عدم رفعها، ولا شك أن تقدير هذه الاعتبارات يحتاج لفترة معينة يتعين فيها على المجني عليه أن يظهر إرادته في التشيك من عدمه.

وقد حدد المشرع الفترة التي يجب أن تقدم فيها الشكوى بمدة ثلاثة أشهر من يوم عدم المجنى عليه بالجريمة ومرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك (م 3 إجراءات).

ومفاد ذلك النص أنه إذا لم يتقدم المجني عليه بشكواه إلى الجهة المختصة في خلال الثلاثة أشهر سالفة الذكر فإن حقه في الشكوى يسقط وينقضي ولا يجوز له التقدم بها بعد ذلك. وجدير الذكر أن هذه المدة لا تقبل الوقوف أو الإنقطاع كما لا تمتد بسبب العطلات الرسمية أو المسافة.

وتبدأ مدة حساب الثلاثة أشهر ليس من وقت وقوع الجريمة وإنما تبدأ من تاریخ عدم عليه بها وبمرتكبها . 

وعلى ذلك ففي حساب المدة يجب أن يراعي ليس فقط تاريخ العدم بالجريمة وإنما أيضاً تاريخ العدم بمرتكبها، ومن الناحية العملية فإنها تبدأ من تاريخ العدم بمرتكبها نظراً لأن هذا التاريخ – بطبيعة الحال – هو التاريخ الأخير، ولذلك فتحسب المدة أبتداءً منه.

وفي الحالات التي ثبت فيها حق الشكوى لمن له الولاية عن النفس أو المال بالنسبة لمن هم دون الخامسة عشرة سنة لا يبدأ الميعاد إلا من تاريخ عدم الأولى أو الوصفي بالجريمة ومرتكبها وليس من التاريخ الذي عدم فيه المجنى عليه، وكذلك الحال بالنسبة للممثل القانوني للشخص المعنوي حيث يبدأ التاريخ من وقت تعيينه مثلاً وبطبيعة الحالة ينقضي الحق في الشكوى بسقوط الجريمة بمضي المدة حتى ولو كان لم يعدم بها أو عدم بها ولم يعدم بشخص مرتكبها. ويكون الأمر كذلك حتى ولو كان المجني عليه في ظروف مادية تحول دون معرفته بالجريمة أو مرتكبها. ذلك أن سريان المدة التي تسقط بها الدعوى عن الجريمة لا يوقف لأي سبب. (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء : الأول، الصفحة : 65)

لا يشترط في الشكوى المنصوص عليها في المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية أن يكون قد تلاها تحقيق مفتوح أو حتى جمع استدلالات من مأموري الضبط القضائي.

 الإدعاء المباشر والشكوى :

من المقرر أن الإدعاء المباشر هو بمثابة شكوى .

ويلاحظ أن اشتراط تقديم شكوى من المجني عليه أو وكيله الخاص في الفترة المحددة بالمادة الثالثة إجراءات لا يمس حق المدعي المدني أو من ينوب عنه في أن يحرك الدعوى أمام محكمة الموضوع مباشرة .

كما أن اشتراط المادة 3 إجراءات صدور توكيل خاص من المجني عليه في حالة تقديم الشكوى في الجرائم المنصوص عليها في المواد المبينة بها، لا ينسحب على الإدعاء المباشر.

الشكوى في جرائم البلاغ الكاذب :

من المقرر أن القيد الوارد على حرية النيابة في تحريك الدعوى الجنائية إنما هو استثناء، فينبغي عدم التوسع في تفسيره وقصره في أضيق نطاق على الجريمة التي خصها القانون بضرورة تقديم الشكوى دون سواها ولو كانت مرتبطة بها، ومن هذا القبيل جريمة البلاغ الكاذب .

الشكوى في جريمة الامتناع عن دفع النفقة :

جريمة امتناع المحكوم عليه بنفقة عن الدفع رغم قدرته عليه لمدة ثلاثة أشهر بعد التنبيه عليه بذلك المنصوص عليها في المادة 293 عقوبات، لا تجوز إقامة الدعوى الجنائية عنها إلا بعد استنفاد الإجراءات الواردة في المادة 347 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية وفقاً للمادة الأولى من القانون رقم 92 لسنة 1937. تعلق هذا الشرط بصحة تحريك الدعوى الجنائية يوجب على المحكمة أن تعرض له من تلقاء نفسها، إغفال الحكم ذلك قولا بأن للمدعية بالحقوق المدنية الخيار بين قضاء الأحوال الشخصية وبين القضاء الجنائي خطأ في تطبيق القانون.

الشكوى في جرائم السرقة :

إن المادة 312 من قانون العقوبات تضع قيداً على حق النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية بجعله متوقفاً على طلب المجني عليه، كما تضع حداً لتنفيذها الحكم النهائي على الجاني بتخويل المجني عليه وقف تنفيذ الحكم في أي وقت يشاء، وإذا كانت الغاية من كل من هذا الحد وذاك القيد الواردين في باب السرقة هي الحفاظ على الأواصر العائلية التي تربط بين المجني عليه والجاني، فلزم أن ينبسط أثرهما إلى جريمة التبديد لوقوعها كالسرقة إضراراً بمال من ورد ذكرهم بذلك النص.

الشكوى في جريمة الزنا

جريمة الزنا الأصل فيها أن تكون وقتية لأن الركن المادي المكون لها وهو الوطء فعل مؤقت، على أنها قد تكون متتابعة الأفعال كما إذ ارتبط الزوج بامرأة أجنبية يزني بها أو ارتبط أجنبي بالزوجة لغرض الزنا، وحينئذ تكون أفعال الزنا المتتابعة في رباط زمني ومتصل جريمة واحدة في نظر الشارع مادام قد نظمتها وحدة المشروع الإجرامي ووحدة الجاني والحق المعتدى عليه . ولما كان القانون قد أجرى ميعاد السقوط – في التقدم بالشكوى – من تاريخ العلم بالجريمة فإن مدة الثلاثة أشهر تجری حتما من يوم العلم بمبدأ العلاقة الآثمة لا من يوم انتهاء أعمال التتابع.

صور لبعض الجرائم لا تحتاج فيها لشكوى :

لا يتوقف رفع الدعوى الجنائية في جريمة البلاغ الكاذب على شكوى .

كما أن جريمة إعطاء شيك بدون رصيد ليست من الجرائم التي حصرها الشارع ويتوقف تحريك الدعوى الجنائية فيها على شكوى من المجني عليه  .

كما لا تدخل جريمة التبديد في عداد الجرائم المشار إليها في المادتين الثالثة والتاسعة من قانون الإجراءات الجنائية التي لا يجوز أن ترفع الدعوى الجنائية فيها إلا بناء على أذن أو شكوى من المجني عليه، ولم يرد في القانون نص يوجب في شأنها ذلك .

كما أن الأصل أن قيد حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية أمر استثنائي ينبغي عدم التوسع في تفسيره وقصره على أضيق نطاق سواء بالنسبة إلى الجريمة التي خصها القانون بضرورة تقديم الشكوى عنها أو بالنسبة إلى شخص المتهم دون الجرائم الأخرى المرتبطة بها والتي لا تلزم فيها شكوى . ولما كانت جريمتا الاعتياد على ممارسة الدعارة وإدارة محل لها – اللتان رفعت بها الدعوى الجنائية ودين الطاعنان بهما – مستقلتين في أركانهما وكافة عناصرها القانونية عن جريمة الزنا، فلا ضير على النيابة العامة إن هي باشرت حقها القانوني في الاتهام وقامت بتحريك الدعوى الجنائية عنهما ورفعها تحقيقاً برأيها . ولا يصح النعي على الحكم قبوله الدعوى الجنائية والفصل فيها بغير بحث جريمة الزنا – التي لم تكن موضع بحث أمام المحكمة – الاستقلال الأوصاف القانونية للأفعال التي أقيمت بها الدعوى الجنائية عن تلك الجريمة .

أثر تقديم الشكوى :

متى كان الزوج قد أبلغ عن الزنا والزوجية قائمة، فتطليقه زوجته بعد ذلك لا يسقط الدعوى ولا يحول دون الحكم على الزوجة .

بیان الشكوى في الحكم :

يلزم قانوناً طبقاً للمادة 1/3 من قانون الإجراءات الجنائية صدور شكوى من المجني عليه أو وكيله الخاص لإمكان رفع الدعوى الجنائية في الجرائم المنصوص عليها في المادتين 274، 277، عقوبات، وهذا البيان من البيانات الجوهرية التي يجب أن يتضمنها الحكم لإتصاله بسلامة تحريك الدعوى الجنائية. ولا يغني عن النص عليه بالحكم ما تبين من أن الزوج قد تقدم إلى مأمور القسم بالشكوى عن جريمة الزنا وأصر على رفع الدعوى الجنائية عنها في تحقيق النيابة.

بدء المدة في تقديم الشكوى :

حق المجنى عليه في الشكوى ينقضي بمضى ثلاثة أشهر من يوم علمه بالجريمة ومرتكبها دون أن يتقدم بشكواه ويكون اتصال المحكمة في هذه الحالة بالدعوى معدومة ولا يحق لها أن تتعرض لموضوعها، فإن هى فعلت كان حكمها وما بنى عليه من إجراءات معدوم الأثر.

حساب المدة في الشكوى :

الأصل سريان قانون الإجراءات الجنائية على الدعوى المدنية وعدم وجود نص في هذا القانون يستتبع الرجوع إلى أحكام قانون المرافعات، وأعمال المادة 10 منه توجب عدم إحتساب يوم العلم بوقوع جريمة القذف ومرتكبها ضمن الميعاد المقرر لتقديم الشكوى اللازمة لتحريكها  .

 قرينة التنازل عن الشكوى :

إن الشارع قد جعل من مضي الأجل المنصوص عليه في المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية قرينة قانونية لا تقبل إثبات العكس على التنازل لما قدره من أن سكوت المجنى عليه هذه المدة يعد بمثابة نزول عن الحق في الشكوى لأسباب رآها، حتى لا يتخذ من الشكوى إذا استمر أو تأبد سلاحاً للتهديد والابتزاز والنكاية، ومن ثم فإن تقديم الشكوى خلال الأجل الذي حدده القانون إنما ينفي قرينة التنازل ويحفظ لهذا الإجراء أثره القانوني ولو تراخت النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية إلى ما بعد فوات هذا الميعاد  .

تعريف الشكوى :

الشكوى هي تعبير المجني عليه عن إرادته في أن تتخذ الإجراءات الجنائية الناشئة عن الجريمة. ويعني ذلك أن جوهر الشكوى أنها إرادة وهي إرادة متجهة إلى إنتاج الآثار الجنائية السابقة.

ولقد نص القانون على تلك الجرائم على سبيل الحصر وليس على سبيل المثال.

ونحن نؤيد الرأي الذي ذهب إلى أن هذا الحصر الذي جاء بها المشرع غير كاف.

ومن ثم فإن الجرائم التي خصها القانون بضرورة تقديم الشكوى هي :

1- زنا الزوجة .

 2 – زنا الزوج .

 3- الفعل الفاضح غير العلني .

 4- عدم تسليم الصغير إلى من له الحق في طلبه .

 5- الامتناع عن دفع النفقة المحكوم بها .

 6- القذف .

7- السب .

8- الامتناع عن دفع أجرة الحضانة المحكوم بها .

9 – الامتناع عن دفع أجرة الرضاعة المحكوم بها .

10- الامتناع عن دفع أجرة السكن المحكوم بها .

11- السرقة بين الأزواج.

12- السرقة بين الأصول والفروع .

الشكوى هي البلاغ الذي يقدمه المجني عليه إلى النيابة العامة أو مأمور الضبط القضائي طالباً تحريك الدعوى الجنائية في الجرائم التي تتوقف فيها حرية النيابة العامة في هذا التحريك على توافر هذا الإجراء.

ويجوز أن تكون الشكاوى کتابية أو شفهية ويستوي أن تصدر بأي عبارة بشرط أن تدل على رغبة مقدمها في تحريك الدعوى الجنائية قبل المتهم .

ولذلك فإنه لا يجوز أن ترفع الدعوى الجنائية إلا بناء على شكوى في الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات في المواد ( 185 ) (سب موظف أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة بسبب أداء الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة) و(274) (زنا الزوجة)، (277) (زنا الزوج في منزل الزوجية)، (279) (إرتكاب أمر مخل بالحياء مع امرأة ولو في غير علانية)، (292) (إمتناع الوالدين أو الجدين عن تسليم الولد الصغير إلى من له الحق في طلبه بناء على قرار من جهة القضاء صادر بشأن حضانته أو حفظه وإختطاف أحدهم الولد ممن له الحق في حضانته وحفظه) (293) ( الإمتناع عن دفع النفقات الصادر بها حكم قضائي واجب النفاذ ) (303) ( القذف ) (306) (السسب العلني ) (307)، (308) (العيب أو الإهانة أو القذف أو السب بطريق النشر بإحدى الجرائم أو المطبوعات وأيضاً إذا تضمن ذلك طعنة في عرض الأفراد وخدشاً في سمعة العائلات ) (312) ( السرقة إضراراً بالزوج أو الأصل والفرع ) والمسروق من سلطة الأب والوالي أو الوصي أو من سلطة الأم في حالة وفاة الولي أو الوصي أو عدم أهليته وذلك بالنسبة للأحداث طبقاً لقانون الطفل رقم 12 لسنة 1996.

ولقد قصد الشارع بما أورده في المادة (312) من قانون العقوبات من قيد على رفع الدعوى الجنائية وحد لتنفيذ الحكم النهائي بشأن السرقة إضراراً بالزوج أو الأصل أو الفرع للحفاظ على الروابط العائلية التي تربط المجني عليه والجاني إذا لزم أن ينبسط أثرها على جرائم الإتلاف والنص والتبديد لوقوعها كالسرقة إضراراً بمال السالف ذكرهم .

ويراعي أن بقاء العلاقة الزوجية بين المجني عليه والجاني أو انفصالها لا أثر له إكمال الحكم الوارد في الفقرة السابقة .

ولا يجوز اتخاذ أي إجراء قبل الطفل ولو كان من إجراءات الاستدلال إلا بناء على إذن من أبيه أو وليه أو وصيه أو أمه، حسب الأحوال – إذا وجد الطفل في حالة التعرض للانحراف المنصوص عليها في الفقرة السابقة في المادة (96) من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وهي سوء السلوك والمروق من سلطة الأب أو الوصي أو من سلطة الأم في حالة وفاة أي من هؤلاء أو عدم أهليته .

ويجوز في حالة التلبس بالجريمة تقديم الشكوى ممن يملك تقديمها لمن يكون حاضراً من رجال السلطة العامة.

والقيد الوارد على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية إنما هو استثناء ينبغي عدم توسع في تفسيره وقصره في أضيق نطاق على الجريمة التي خصها القانون بضرورة تقديم الشكوى دون سواها ولو كانت مرتبطة بها والتي لا تلزم فيها الشكوى .

ولا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة ومرتكبها ما لم ينص القانون على غير ذلك ويشترط في هذا العلم أن يكون يقيناً بالجريمة ومرتكبها ولا يحتسب يوم العلم من يوم الثلاثة شهور المذكور. ويشترط في الشكوى أن تكون موجهة ضد شخص معين بالذات لتحريك الدعوى الجنائية قبله فلا يكفي مجرد إبداء الرغبة في محاكمة الجاني إذا لم يكن معروفاً لدى الشاكي .(الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء : الأول، الصفحة : 154 )

ويلاحظ أنه بالنسبة إلى جريمة الزنا، فإن المواد 273 و 274 و 277 عقوبات و المادة 3 إجراءات – تفيد أن حق الزوج أو الزوجة في الشكوى يتعلق بزنا الزوجة (أو الزوج)، دون الشريك (أو الشريكة) في الزنا، ومع ذلك فإنه بالنظر إلى أن جريمة الزنا واحدة والفضيحة المترتبة على إثارتها لا تتجزأ فإن حظ الشريك أو الشريكة يرتبط من قبيل القياس بحظ الزوجة أو الزوج الزاني، فلا يجوز للنيابة أن تحرك الدعوى الجنائية قبل الشريك (أو الزوجة) وحده، وإنما يتعين الانتظار حتى يقدم الشاكي شكواه ضد الزوجة الزانية (أو الزوج الزاني)، وإذا قدم شكواه فإن النيابة تسترد حريتها بالنسبة إلى الشريك.

المدة التي ينبغي تقديم الشكوى خلالها:

أوجب القانون أن تقدم الشكوى خلال ثلاثة أشهر منذ يوم علم المجني عليه بالجريمة ومرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك (المادة 3 / 2 إجراءات)، وإذا كانت الجريمة مستمرة أو متتابعة فإن مدة الثلاثة الأشهر تبدأ منذ يوم العلم بالجريمة إبتداءً، فاستمرار الجريمة وتتابعها لا يعطي حقاً في إطالة المدة ولا ينشئ جريمة جديدة تكسبه حقاً في شكوى جديدة. ولا يكفي مجرد العلم بالجريمة، بل حسب الموعد منذ يوم العلم بالجاني أيضاً. والمقصود هو العلم اليقيني. وتعد مدة الأشهر الثلاثة مدة سقوط يترتب انقضائها زوال الحق في الشكوى. ولا عبرة بتاريخ التصرف في الشكوى موضوع الجريمة، فلا تحسب مدة الثلاثة أشهر إلا منذ تاريخ علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

الجهة التي تقدم إليها الشكوى:

لصحة الشكوى يجب أن تقدم إلى النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي (المادة 3 إجراءات). وأساس هذا الشرط أن الشكوى قد تؤدي إلى تحريك الدعوى الجنائية، وهو ما لا يتحقق إلا إذا قدمت إلى النيابة العامة بوصفها السلطة المختصة بهذا الإجراء، أو إلى مأمور الضبط القضائي بوصفه السلطة التي تمهد بإجراءاتها لتحريك الدعوى الجنائية. وبناء على ذلك فلا تتوافر الشكوى برفع الدعوى المدنية على اللعان أمام المحكمة المدنية أو رفع دعوى اللعان أمام محكمة الأسرة والطفل بإنكار نسب الطفل الذي ولدته الزوجة الزانية.

وقد ارتأت محكمة النقض أن رفع المجني عليه الدعوى الجنائية بالطريق المباشر أمام المحكمة الجنائية هو بمثابة شكوى مقدمة إلى جهة مختصة. وهذا المبدأ يرتكز على قياس سليم، بحسب أن تحديد الجهة المختصة بتلقي الشكوى ينبني على قدرتها على تحريك الدعوى الجنائية أو التمهيد لذلك، وهو ما يتحقق بالفعل عند تحريك الدعوى الجنائية بالطريق المباشر. ولذلك، يجوز تقديم الشكوى إلى المحكمة عند نظرها إحدى الدعاوى إذا اشتملت على واقعة تملك فيها المحكمة تحريك الدعوى الجنائية في أحوال التصدي. على أنه يشترط لذلك أن تعلن الدعوى المباشرة خلال مدة الثلاثة الأشهر المنصوص عليها في المادة الثالثة إجراءات، لأن الدعوى المباشرة لا تعد مرفوعة أمام المحكمة إلا بهذا الإعلان .

واستثناء مما تقدم، أجاز القانون للمجني عليه في حالة التلبس تقديم الشكوى و لمن يكون حاضراً من رجال السلطة العامة (المادة 39 إجراءات).

شكل الشكوى :

لم يشترط القانون شكلاً معيناً في الشكوى، فيستوي أن تكون شفاهة أو كتابة، ويستوي أن تصدر بأي عبارة بشرط أن تدل على رغبة المجني عليه في تحريك الدعوى الجنائية قبل المتهم. والأصل أن تقدم الشكوى ينصرف إلى تحقيق هذا الغرض ما لم يدل المجني عليه بعبارات واضحة أنه لا تتجه إليه رغبته اكتفاء بالصلح أو أخذ التعهد أو مجازاته تأديبياً أو غير ذلك. ويعد رفع الدعوى المباشرة بواسطة المدعي المدني شكلا من أشكال الشكوى، شريطة أن يكون المدعي المدني هو المجني عليه (المادة 3 إجراءات)، ولم تطلب محكمة النقض أن تكون الدعوى المباشرة في هذه الحالة مرفوعة بتوكيل خاص (كما تشترط المادة 3 إجراءات) حتى تعد بمثابة شكوى، وهو قضاء محل نظر).

الجرائم التي يتوقف فيها تحريك الدعوى على شكوى :

نص قانون الإجراءات الجنائية (المادة 3 / 1) وقانون العقوبات على هذه الجرائم، وذلك على النحو الآتي:

1- في قانون الإجراءات الجنائية: جريمة سب موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة بسبب أداء الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة (المادة 185 عقوبات)، و جريمة زنا الزوجة (المادة 274 عقوبات)، وزنا الزوج (المادة 277 عقوبات)، وجريمة امتنع الوالدين أو الجدين عن تسليم الولد الصغير إلى من له الحق في طلبه بناءً على قرار من جهة القضاء صادر بشأن حضانته أو حفظه، وإختطاف أحدهم لأحد ممن له الحق في حضانته أو حفظه المادة 292 عقوبات)، وجريمة الامتناع عن دفع النفقات الصادر بما حكم قضائي واجب النفاذ (المادة 306 عقوبات)، و جريمة القذف و السب بطريق النشر إذا تضمنت طعناً في الأعراض أو خدشاً لسمعة العائلات (المادة 308 عقوبات).

2- قانون العقوبات وما يكمله : جريمة السرقة إضراراً بالزوج أو الأصل أو الفرع (المادة 312 عقوبات). وقد قاست محكمة النقض على السرقة جرائم النصب وخيانة الأمانة والإتلاف.

ويلاحظ أن جميع الجرائم السابقة هي من قبيل الجنح، فإذا كانت السرقة بين الأصول والفروع جناية، فإنها تخرج عن نطاق جرائم الشكوى.

انقضاء الحق في الشكوى:

ينقضي الحق في الشكوى بأحد ثلاثة أسباب، إما بمضي المدة أو بالتنازل أو بوفاة المجني عليه.

مضي المدة :

أوجب القانون لقبول الشكوى أن تقدم في خلال ثلاثة شهور من تاريخ علم المجني عليه بالجريمة ومرتكبها، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك (المادة 3 / 2  إجراءات). فإذا انقضت هذه المدة سقط الحق في الشكوى، فإذا قدمت بخير حق بعد إنقضاء مدة الشهور الثلاثة – تعين عدم قبولها.

وقد راعى المشرع في تحديد هذه المدة تحقيق الاستقرار القانوني الذي يتأذى من جعل شكوى المجني عليه سيفاً مسلطاً على الجاني فترة لا يعلم مداها، وحتى يحثه على تقدير مدى ملاءمة تقديمها في وقت مناسب وحتى لا يساء استعمالها وفقاً لأهواء الشاكي.

وتبدأ هذه المدة منذ يوم علمه بوقوع الجريمة وبشخص مرتكبها إلا منذ وقت ارتكابها. ويشترط في هذا العلم أن يكون يقينياً، فإذا كانت لدى المجني عليه مجرد ظنون أو احتمالات غير كافية عن وقوع الجريمة أو نسبتها إلى شخص معين، فلا تبدأ المدة من تاريخ هذا الظن أو الاحتمال، وإنما يشترط أن تتوافر لديه معلومات كافية ولو كانت غير مؤكدة عن هذا الأمر. ولا يكفي مجرد العلم بالجريمة وإنما يجب أن ينصرف أيضاً إلى مرتكبها. ويكفي مجرد العلم بشخصيته عن طريق صفته أو وظيفته دون اسمه أو غير ذلك من البيانات، ولا عبرة لعلم وكيله في هذا الصدد.

ولا يقبل هذا الميعاد – بحسب طبيعته – انقطاعاً أو إيقافاً، كما لا يمتد بسبب العطلة أو بسبب المسافة.

ورغم أن الشكوى قيد إجرائي على زنا الزوجة دون زنا الشريك، لكن الشريك يستفيد من هذا القيد الإجرائي، لأن فضيحة الزنا لا تتجزأ، فيكون من حق الشريك أن يدفع بسقوط الحق في الشكوى بسبب عدم تقديمها في الميعاد. ويشترط لذلك بطبيعة الحال أن تكون الزوجة طرفاً في الدعوى الجنائية حتى يمكن للشريك أن يتحدث عنها ويستفيد من ورائها. ولهذا قضت محكمة النقض أنه متى كانت دعوى الزنا قد رفعت صحيحة على الزوجة وشريكها المتهم طبقا للأوضاع التي يتطلبها القانون في جريمة الزنا – فإن غياب الزوجة أثناء المحاكمة لا يصح أن يترتب عليه تأخير محاكمة المتهم معها. وإذا، فإدانة الشريك نهائياً جائزة ولو كان الحكم على الزوج غيابياً. والقول بأن للشريك أن يستفيد من براءة الزوجة أو من تنازل الزوج عن الشكوى لا يصح إلا عند قيام سبب الاستفادة بالفعل، أما مجرد التقدير والإحتمال فلا يصح أن يحسب له حساب في هذا المقام.

التنازل:

هو عمل قانوني يصدر من صاحب الحق في الشكوى ويترتب عليه انقضاء هذا الحق ولو كان ميعاد إستعماله مازال ممتداً. ولا يصح التنازل إلا من صاحب الحق في الشكوى، وهو المجني عليه أو وكيله الخاص، أو الممثل القانوني لمن لا تتوافر لديه أهلية الشكوى على النحو الذي حددناه فيما تقدم. وإذا تعدد المجني عليهم وجب تقديم التنازل من جميع من قدم الشكوى (المادة 10/ 2 إجراءات). فإذا كان الذي قدم الشكوى واحداً فقط من المجني عليهم، فإن تنازله يكون كافياً، لأن شكواه هي التي ترتب عليها تحريك الدعوى الجنائية (المادة 4 إجراءات). وإذا تعدد المتهمون في الجريمة فإنه بصدور التنازل بالنسبة إلى أحدهم يصبح ساريا عليهم جميعاً (المادة 10/ 3 إجراءات)، فالتنازل لا يتجزأ وله أثر عيني.

شكل التنازل : لا يشترط في التنازل شكل معين، فقد يكون كتابياً أو شفوياً، صريحاً أو ضمنياً. وقد يستخلصه القاضي ضمنياً من تصرف معين، كمعاشرة الزوج لزوجته بعد ارتكابها الزنا. وقد حكم بأن مجرد رفع دعوى الطاعة على الزوجة ليس دليلاً على تنازله عن الشكوى، لأن أظهر ما تفيده هذه الدعوى هي أن الزوج يريد مراقبة زوجته في منزله.

وفي كل الأحوال، يجب أن يكون التنازل واضحاً في انصرافه إلى الشكوى لا إلى مجرد الحق المدني في التعويض.

وقت التنازل : يشترط في هذا التنازل أن يثبت الحق في الشكوى ابتداء، وهو ما يتوقف على وقوع الجريمة بالفعل. فلا يصح التنازل عن الشكوى إذا تعلق بجريمة مستقبلية. ولكن إذا كان وقوع الجريمة يفترض عدم رضاء المجني عليه كما في السرقة، ففي هذه الحالة قد يفيد هذا التنازل مقدماً عن الشكوى متى توافر هذا الرضاء، مما يحول دون وقوع الجريمة أصلاً.

وقد تعرض القضاء المصري لهذه المشكلة بصدد جريمة الزنا، فقضى بأن رضاء الزوج السابق هو في حكم التنازل عن الشكوى. والواجب أن تبحث هذه المشكلة بمناسب بحث أركان جريمة الزنا، فعدم رضاء الزوج ليس شرطاً لوقوع هذه الجريمة، لأنها اعتداء على كيان الأسرة بغض النظر عن التفريط في المحافظة عليه من جانب الزوج. ولا محل للقول بأن هذا الرضاء يعد تنازلاً عن الحق في الشكوى، لأنه قبل وقوع الزنا لم ينشأ له حق في الشكوى حتى يقال بتنازله عنه، وإلا كان تنازله وارداً على غير موضوع.

وتنص المادة العاشرة من قانون الإجراءات الجنائية على أنه لمن قدم الشكوى أن يتنازل عنها في أي وقت إلى أن يصدر في الدعوى حكم نهائي وتنقضي الدعوى الجنائية بالتنازل. والمقصود بالحكم النهائي في هذا الصدد الحكم البات أي غير القابل للطعن. ولهذا يجوز التنازل عن الشكوى في أية حالة كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض، والتنازل في هذه الحالة يرد على الشكوى ذاتها لا على الحق فيها.

أثر التنازل : من قدم التنازل قبل تقديم الشكوى أنتج أثره بانقضاء الحق في تقديمها، ولا يجوز الرجوع في هذا التنازل ولو كان ميعاد الشكوى مازال ممتداً، فالساقط لا يعود. فإذا كانت النيابة العامة لم تحرك الدعوى الجنائية بعد، امتنع عليها نهائياً اتخاذ هذا الإجراء بصدد المتهم والجريمة التي اشترط القانون بشأنها تقديم هذه الشكوى، وإلا وجب الحكم بعدم قبول الدعوى الجنائية وكذلك عدم قبول الدعوى المدنية التبعية.

أما إذا كان التنازل قد صدر بعد تقديم الشكوى وتحريك الدعوى الجنائية، فإنه يؤدي إلى انقضاء الشكوى، وهو ما يستتبع إنقضاء الدعوى الجنائية. فإذا كانت الدعوى ماتزال أمام قضاء التحقيق أصدر فيها أمراً بألا وجه لإقامتها (لانقضائها بالتنازل عن الشكوى). وكذلك الحال إذا كانت الدعوى قد رفعت أمام المحكمة. ولا يؤثر في هذا الانقضاء واجب المحكمة الجنائية في الفصل في الدعوى المدنية التبعية المرفوعة أمامها (المادة 259 / 2 إجراءات)، أو في حق المجني عليه في الادعاء المدني أمام المحكمة المدنية. كل هذا ما لم يتضمن تنازله عن الشكوى التنازل عن الحق المدني أيضاً.

وينقضي الحق في التنازل بصدور حكم بات في الدعوى، فلا يؤثر في تنفيذ العقوبة التي تقضي بما المحكمة. ومع ذلك، فقد استثنى القانون من ذلك حالتين، هما :

(أ) لزوج الزانية أن يوقف تنفيذ الحكم عليها برضائه معاشرتها كما كانت (المادة 274 عقوبات).

وهنا يلاحظ أن التنازل يأخذ شكلاً خاصاً هو الرضا بالمعاشرة الزوجية، وذلك حرصاً على أواصر الأسرة وضماناً للتحقق من أن التنازل كان مهمته الحفاظ على الأسرة لا مجرد العطف والشفقة. فإذا طلقها بعد ذلك فإن هذا الطلاق لا يترتب عليه إلغاء وقف التنفيذ.

وتستفيد الزوجة دون الشريك بهذا الوقف للتنفيذ، لأن إرتباط حظه بها في الدعوى كان لضرورة تقدر بقدرها، وهي عدم تجزئة الفضيحة. أما وقد حدثت، فلا محل لاستفادة الشريك من الإفراج عنها، وخاصة أن هذا الإفراج قد شرع السبب شخصي للزوجة، وهو عودتها إلى زوجها.

ويلاحظ أن القانون لم ينص على تخويل الزوجة حق وقف تنفيذ الحكم الصادر على زوجها في الزنا، ونرى وجوب سريان هذا المبدأ في هذه الحالة من قبيل القياس، وهو جائز في كل ما يفيد المتهم أو المحكوم عليه، فقد توافق الزوجة على معاشرة زوجها الزاني، وبالتالي تتحقق علة هذا المبدأ.

(ب) للمجني عليه في السرقة بين الأصول والفروع والأزواج أن يوقف تنفيذ الحكم النهائي على الجاني في أي وقت شاء.(الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب : الأول، الصفحة : 752)

الفروق بين هذه القيود : أهم هذه الفروق أن الشكوى يجوز أن تكون شفوية أو كتابية، أما الطلب فيتعين أن يكون كتابياً، ويحيط القانون الإذن بإجراءات خاصة وتصدر الشكوى عن المجنى عليه، وهو في الغالب فرد، أما الطلب والإذن فيصدران عن سلطة عامة. ولا يتقيد الطلب والإذن بمدة سقوط، وذلك خلافاً للشكوى التي اشترط القانون تقديمها في خلال ثلاثة شهور من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها. ولا تسري على الطلب والإذن أحكام السقوط بالوفاة، وذلك خلافاً للشكوى التي ينقضي الحق في تقديمها بوفاة المجني عليه. ويجوز التنازل عن الشكوى والرجوع في الطلب، أما الإذن فلا رجوع فيه.

الشكوى هي تعبير المجني عليه عن إرادته في أن تتخذ الإجراءات الناشئة عن الجريمة ويعني ذلك أن جوهر الشكوى أنها إرادة وهي إرادة متجهة إلى إنتاج الآثار الإجرائية السابقة.

وتختلف الشكوى عن البلاغ في أنه يصدر عن أي شخص ولو لم يكن المجني عليه، ثم هو مجرد مصدر معلومات عن الجريمة، فلا يتضمن الإرادة السابقة. وتختلف الشكوى عن الإدعاء المباشر في أنه يتخذ ص ورة الدعوى، فيتطلب أهلية الادعاء، وهي مختلفة عن أهلية الشكوى. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الادعاء المباشر يتضمن إرادة اقتضاء التعويض عن أضرار الجريمة، و يحرك الدعوى الجنائية مباشرة، ويخول المدعي حقوق ورخصة إجرائية لا تخولها الشكوى.

علة الشكوى : العلة العامة لتطلب الشكوى هي تقدير الشارع أن المجني عليه – في بعض الجرائم – أقدر من النيابة العامة على تقدير ملاءمة اتخاذ الإجراءات الجنائية. وهذه العلة إجرائية بحتة، ومن ثم لا تنفي عن الحق المعتدى عليه أهميته الاجتماعية، وتبعاً لذلك فإن عدم تقديم الشكوى لا ينفي ركن الجريمة أو شرطة للعقاب عليها .

ويفسر هذا الدور الإجرائي للشكوى بأحد إعتبارات ثلاثة : في بعض الجرائم يتصل الحق المعتدى عليه بعلاقات عائلية، فيكون المجني عليه أفضل من يقدر أهمية الإعتداء ومدى جدارته بأن تتخذ الإجراءات الجنائية في شأنه، ومثال هذه الجرائم «الزنا». وفي فئة ثانية من الجرائم تقوم صلات عائلية بين الجاني والمجني عليه، وإن كان الحق المعتدى عليه غير ذي طابع عائلي، ومثال ذلك السرقة بين الأزواج وبين الأصول والفروع، فيخشى الشارع أن يكون إضرار الإجراءات بهذه الصلات – وبالمجتمع تبعاً لذلك – متفوقاً على الفائدة التي يمكن أن يحققها، فيترك للمجني عليه المقارنة بين الوجهتين وتقدير أيهما الأجدر بالرعاية. وفي فئة أخيرة من الجرائم كالقذف والسب تكون إحدى علل التجريم حماية شعور المجني عليه الذي انتهك بالإعتداء على شرفه واعتباره، فيخشى الشارع أن يكون في اتخاذ الإجراءات وما تفترضه من ترديد عبارات القذف أو السب ما يزيد إيلامه، فيترك له تقدير مدى ملاءمتها.

نطاق الشكوى

الجرائم التي تقيد الدعوى الناشئة عنها بالشكوى: حددت المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية هذه الجرائم، فأشارت إلى الجرائم المنصوص عليها في المواد 185، 274، 277، 279، 292، 293، 303، 306، 308 من قانون العقوبات، وهذه الجرائم هي: زنا الزوجة وزنا الزوج، والفعل الفاضح غير العلني، وعدم تسليم الصغير إلى من له الحق في طلبه، والامتناع عن دفع النفقة أو أجرة الحضانة أو الرضاعة أو المسكن المحكوم بها، والقذف، والسبب. وقد أردف الشارع الإشارة إلى هذه الجرائم بذكره «الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون»، ومن أمثلتها السرقة بين الأزواج وبين الأصول الفروع (المادة 312 من قانون العقوبات).

جرائم الشكوى المطلقة وجرائم الشكوى النسبية : بعض الجرائم يعلق القانون الدعوى الناشئة عنها على شكوى دون اشتراط علاقة خاصة تربط بين الجاني والمجني عليه، ومثالها القذف والسب، وبعض الجرائم يشترط القانون التعليق الدعوى الناشئة عنها على شكوى أن توجد علاقة بين الجاني والمجني عليه، ومثالها الزنا والسرقة بين الأصول والفروع. ويعبر عن الفئة الأولى من الجرائم «بجرائم الشكوى المطلقة»، وعن الفئة الثانية «بجرائم الشكوى النسبية». وأهمية هذه التفرقة أن الصلة المتطلبة بين الجاني والمجني عليه في الفئة الثانية من الجرائم تعتبر شرطاً لتقيد الدعوى بالشكوى، وهو شرط لا وجود له في جرائم الفئة الأولى. 

وهذه الصلة يتعين التحقق منها لحظة ارتكاب الفعل المكون الجريمة، فإن لم تتوافر في هذا الوقت لم تقيد الدعوى بشكوى، ولو توافرت الصلة في لحظة سابقة أو لاحقة على ذلك : فالسرقة بين الأزواج لا تخضع لقيد الشكوى إلا إذا كانت علاقة الزوجية قائمة بين الجاني والمجني عليه وقت ارتكاب فعل الإختلاس، ومن ثم لا تخضع السرقة لهذا القيد إذا كانت علاقة الزوجية قائمة قبل الفعل ثم زالت وقت ارتكابه، أو كانت قد نشأت بعد ارتكابه.

النص على هذه الجرائم على سبيل الحصر: بالنظر إلى الطبيعة الاستثنائية للشكوى لورودها على خلاف الأصل الذي يقرر للنيابة العامة السلطة التقديرية في تحريك الدعوى، فإن إشارة الشارع إلى الجرائم التي تعلق الدعوى الناشئة عنها على شكوى المجني عليه يتعين أن تكون على سبيل الحصر، فلا تجوز الإضافة إليها. وقد قالت محكمة النقض في ذلك «الأصل بأن قيد حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية أمر استثنائي ينبغي علم التوسع في تفسيره وقصره على أضيق نطاق سواء بالنسبة إلى الجريمة التي خصها القانون بضرورة تقديم الشكوى عنها أو بالنسبة إلى شخص المتهم دون الجرائم الأخرى المرتبطة بها والتي لا تلزم فيها الشكوى» وتطبيقاً لذلك، قضت بأن جريمتي البلاغ الكاذب وجلب المواد المخدرة  لا تتقيد الدعوى الناشئة عنهما بشكوى. ولكنها اعتبرت القيد متحققاً فى جريمتى النصب وخيانة الأمانة إذا ارتكبت إحداهما فيما بين الأزواج أو بين الأصول والفروع، وقد استند هذا القضاء إلى قياس هاتين الجريمتين على السرقة لتحقق علة القيد فيهما، بالإضافة إلى تماثل هذه الجرائم في الحق المعتدى عليه والباعث عليها.

التعدد المعنوي والمادي بين جريمة يتطلب القانون فيها الشكوى وجريمة لا يتطلبها القانون فيها: قد يرتكب المتهم فعلاً واحداً تقوم به جريمتان إحداهما يعلق القانون الدعوى الناشئة على الشكوى والأخرى لا ترتهن الدعوى الناشئة عنها بشكوى، ومثال ذلك فعل الزنا الذي ارتكب في علانية، إذ تقوم به جريمتا الزنا والفعل الفاضح العلني، وذلك هو التعدد المعنوي. وقد يرتكب المتهم عددا من الأفعال المتميزة فيما بينها، ويقوم بأحدها جريمة يعلق القانون الدعوى الناشئة عنها على شكوى وتقوم بالآخر جريمة لا ترتهن الدعوى الناشئة عنها بشكوى، وذلك هو التعدد المادي. وللتعدد المادي صورتان : تعدد تقع فيه الجرائم لغرض واحد وترتبط بحيث لا تقبل التجزئة، مثال ذلك زنا ارتبط بتزوير عقد زواج لإخفائه، وزنا ارتبط بممارسة الزوجة الدعارة. وقد تكون الجرائم المتعددة تعدداً مادياً غير مرتبطة فيما بينها، فيتحقق على هذا النحو إستقلال كامل بينهما، ومثال ذلك أن يسرق شريك الزوجة الزانية مالاً لزوجها. وغني عن البيان أن الحالات السابقة لا تخضع جميعة لقاعدة واحدة.

إذا تحقق التعدد المعنوي بين جريمة يتطلب القانون فيها الشكوى وأخرى لا تتطلب الشكوى فيها، فإن قضاء محكمة النقض مستقر على إمتداد قيد الشكوى إلى الفعل بأوصافه جميعا. وتطبيقا لذلك، فإنه إذا ارتكب الزنا في علانية لم تجز – دون شكوى – إقامة الدعوى من أجل جريمة الفعل الفاضح العلني، إذ البحث في هذه الجريمة مقتض حتماً التعرض للزنا، إذ منه تستخلص صفة الإخلال بالحياء، وهو ما لا يريد الشارع الخوض فيه إلا إذا قدم الزوج المجني عليه شكواه . وقد اعتبرت المحكمة من قبيل التعدد المعنوي أن يتهم شريك الزوجة الزانية – بالإضافة إلى الزنا – بجريمة الدخول في منزل بقصد إرتكاب جريمة فيه، ومن ثم يمتد القيد إلى هذه الجريمة كذلك، إذ «البحث في ركن القصد في هذه التهمة يتناول حتماً الخوض في بحث فعل الزنا وهو ما لا يصح رفع الدعوى به إلا بناء على طلب الزوج» ولكن المحكمة قصرت قضاءها على حالة ما إذا كانت جريمة الزنا قد تمت، أما إذا اقتصرت الواقعة على دخول منزل بقصد ارتكاب جريمة زنا لم تتم، فيجوز إقامة الدعوى من أجل جريمة دخول المنزل دون حاجة إلى شكوى الزوج، وقد عللت هذا القضاء بأن «القانون لم يشترط هذا القيد، وهو شكوى الزوج، إلا في حالة تمام الزنا» ويمكن فهم هذا القضاء بملاحظة أن اشتراط الشكوى، وما يثيره من مشكلات في حالة تعدد الزنا مع جريمة أخرى يفترض بالضرورة أن الزنا قد ارتكب، أما إذا لم يرتكب، وكنا تبعاً لذلك بصدد جريمة لا يتطلب القانون فيها شكوى، فإن الأحكام الخاصة بالشكوى تكون بناء على ذلك غير ذات محل.

أما إذا تحقق التعدد المادي بين جريمة يتطلب القانون فيها الشكوى وأخرى لا يتطلبها فيها، وكان بينهما إرتباط لا يقبل التجزئة، فإن قيد الشكوى لا يمتد إلى هذه الأخيرة : فإذا اشتركت الزوجة وعشيقها في تزوير عقد زواج لإخفاء جريمة الزنا التي ارتكباها جاز للنيابة العامة إقامة الدعوى عليهما من أجل الاشتراك في التزوير، ولو لم يقدم الزوج شكوى من أجل الزنا وإذا اعتادت الزوجة ممارسة الدعارة وأدارت منزلا للدعارة جازت إقامة الدعوى عليها من أجل هاتين الجريمتين، ولو لم يقدم زوجها شكوى من أجل جريمة الزنا المرتبطة بالجريمتين السابقتين ارتباطاً غير قابل للتجزئة ومن باب أولى، فإنه إذا لم يكن بين الجريمتين الارتباط غير القابل للتجزئة، وإنما كان الارتباط بينهما بسيطا، جاز للنيابة العامة إقامة الدعوى – دون شكوى – من أجل الجريمة التي لم يعلق القانون الدعوى الناشئة عنها على شكوى: فإذا سرق شريك الزوجة الزانية مالاً لزوجها، كان للنيابة أن تحرك الدعوى من أجل الجريمة الأخيرة دون شكوى.

تقدير قضاء محكمة النقض في شأن التعدد بین جرائم يتطلب القانون الشكوى في بعضها دون بعض : استند قضاء محكمة النقض إلى الطابع الاستثنائي لقيد الشكوى ووجوب قصره على الجريمة التي اشترط القانون الشكوى بالنسبة لها، ويفسر ذلك استبعاد الجريمة التي لم يقيدها القانون بشكوى من هذا القيد إذا تعددت تعددة مادية مع جريمة قيدها القانون بهذا القيد وكان بينهما ارتباط بسيط أو ارتباط غير قابل للتجزئة.

ولكننا نعتقد أن هذا الطابع الاستثنائي للشكوى كان يقتضي أن تستبعد من قيدها الجريمة التي لم يقيدها القانون بها إذا تعددت تعددة معنوية مع جريمة قيدها القانون بهذا القيد. فإذا ارتكب الزنا في علانية، فنحن نعتقد جواز أن تحرك النيابة – دون شكوى – الدعوى من أجل جريمة الفعل الفاضح العلني. وحجتنا في ذلك الطابع الاستثنائي للشكوى، وانصرافها إلى جريمة محددة، وتفسير الجريمة في معنى الوصف الإجرامي الذي يحمله الفعل، مما يقتضي اعتبار تعدد الجرائم متحققاً حين تتعدد أوصاف الفعل، وهذا التفسير هو الذي يتسق مع التكييف الصحيح للتعدد المعنوي وهذا الرأي يتميز – بالإضافة إلى ذلك – بالبساطة وتوحيد الحلول في شأن جميع حالات التعدد بحيث تنتظم جميعاً في منطق واحد. ونلاحظ كذلك تدعيماً له أنه حين تتعدد الجرائم تعدداً معنوياً، فإن أحد أوصاف الفعل يفترض مساسه بحق لا تتوافر بالنسبة للاعتداء عليه علة الشكوى وليس للمجني عليه صفة في شأنه، وعلى سبيل المثال فإذا إرتكب الزنا علانية كان معنى ذلك أن الفعل قد انتهك شعور جمهور الناس بالحياء، وهو حق ليس للزوج المجني عليه شأن في تقدير مدى ملاءمة الإجراءات الناشئة عنه.

ونلاحظ كذلك أن محكمة النقض قد اعتبرت دخول منزل وارتكاب الزنا فيه صورة من التعدد المعنوي، مع أن تكييفها الصحيح أنها حالة تعدد مادي مع وحدة الغرض والارتباط الذي لا يقبل التجزئة.

من له تقديم الشكوى : صاحب الحق في تقديم الشكوى هو المجني عليه (المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية). والمجني عليه هو صاحب الحق الذي يحميه القانون بنص التجريم، ووقع الفعل الإجرامي عدواناً مباشرة عليه). ومن ثم فإنه لا يكفي لاعتبار شخص مجني عليه أن يكون قد أصابه ضرر مباشر بارتكاب الجريمة، وإنما يتعين أن يتخذ هذا الضرر صورة النتيجة الإجرامية ويعني ذلك أن ثمة فارقة بين تعبيري «المجني عليه»، والمضرور من الجريمة».

وإذا ارتكبت الجريمة اعتداء على شخص معنوي، فإن صاحب الحق في تقديم الشكوى هو ممثله القانوني.

والنيابة الاتفاقية تتخذ صورة الوكالة. ويشترط في التوكيل بالشكوى أن يكون خاصة (المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية)، أي أن تحدد فيه الواقعة التي تقوم بها الجريمة موضوع الشكوى. ويرتبط بذلك أن يكون التوكيل لاحقاً على الجريمة. ويترتب على ذلك أنه لا محل في الشكوى لتوكيل عام، ولا يقبل توكيل خاص توقعاً لجريمة ترتكب في المستقبل، ذلك أن إستعمال الحق في الشكوى يفترض تقديراً لظروف الجريمة ومدى ملاءمة الشكوى.

وغني عن البيان أن الممثل يستعمل حق المجني عليه في الشكوى، ولا يستعمل حقاً خاصاً به وتترتب على ذلك النتائج الآتية : إذا توفي المجني عليه فلا محل لشكوى يتقدم بها الممثل، ولكن إذا توفي الممثل فيجوز للمجني عليه أن يتقدم بالشكوى عن طريق ممثل آخر. وإذا تغيير الممثل القانوني أثناء المدة التي يجوز فيها تقديم الشكوى فإن الممثل الجديد يكمل هذه المدة، فلا يجوز منحه مدة جديدة. وإذا بلغ المجني عليه سن أهلية الشكوى أثناء المدة التي يحددها القانون التقديم الشكوى انقضت على الفور سلطات ممثلة.

ولا يجوز تقديم الشكوى استناداً إلى الفضالة، ولا تجدي الإجازة اللاحقة في تصحيح شكوى قدمت دون استناد إلى نيابة صحيحة.

لم يحدد الشارع شكلاً معينة للشكوى، فأجاز أن تكون شفوية أو كتابية (المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية). وغني عن البيان أنه تستوي لدى القانون اللغة التي تكتب بها والصياغة التي تفرغ فيها.

وقد تطلب الشارع أن تقدم الشكوى إلى «النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي». ولكن ذلك لا يعني اشتراط أن تقدم الشكوى إلى عضو النيابة العامة المختص بالجريمة، فمبدأ «عدم تجزئة النيابة العامة» يجعل الشكوى التي تقدم إلى أي عضو للنيابة مقبولة شكلاً. ويخلص من ذلك أن الشكوى تعد غير مقبولة إذا قدمت إلى غير أعضاء النيابة أو مأموري الضبط القضائي، كما لو قدمت إلى الرئيس الإداري للمتهم، ولم يكن هذا الرئيس من مأموري الضبط، إذ لا اختصاص له بالأثر القانوني الذي يراد للشكوى أن تنتجه.

وإذا أقام المجني عليه دعواه المدنية أمام القضاء الجنائي اعتبر ذلك بمثابة شكوى، ولكن إذا أقام دعواه أمام القضاء المدني لم يكن ذلك بمثابة شكوى. والفرق بين الحالتين مرجعه أن في الحالة الأولى – دون الثانية – عبر المجني عليه عن إرادة تحريك الدعوى الجنائية، وهذه الإرادة كما قدمنا هي العنصر الجوهري للشكوى.

المدة التي ينبغي أن تقدم الشكوى خلالها : اشترط القانون أن تقدم الشكوى في خلال ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها، فقد نصت المادة الثالثة (الفقرة الثانية) من قانون الإجراءات الجنائية على أنه «لا تقبل الشكوى بعد ثلاثة أشهر من يوم علم المجني عليه بالجريمة وبمرتكبها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك» وإذا قدمت الشكوى بعد انقضاء هذه المدة كانت غير مقبولة. والعلة في اشتراط تقديم الشكوى خلال هذه المدة هي كفالة اعتبارات الاستقرار القانوني بتحديد المدة التي يقوم خلالها الشك فيما إذا كانت الدعوى تحرك أم لا تحرك  وقد قالت محكمة النقض في تعليل هذا الشرط أن مضي هذه المدة هو قرينة لا تقبل إثبات العكس على التنازل لما قدره الشارع من أن سكوت المجني عليه طوال هذه المدة يعد بمثابة نزول عن الشكوى حتى لا يتخذ من حق الشكوى إذا إستمر أو تأبد سلاحاً للتهديد أو الابتزاز أو النكاية» وهذه المدة هي مدة سقوط، وليست مدة تقادم، ومن ثم لا تعرض لها أسباب الانقطاع والإيقاف  ويتعلق الدفع بعدم قبول الشكوى لتقديمها بعد هذا الموعد بالنظام العام.

وتحسب هذه المدة من اليوم الذي يحصل فيه المجني عليه على معلومات كافية عن الفعل الإجرامي ومرتكبه بحيث يكون في استطاعته أن يقدر ظروفها، ويتخذ قراره عن بينة فيما إذا كان يتقدم بالشكوى أم لا يتقدم بها ويشترط أن يعلم المجني عليه بالوقائع التي تجعل من الجريمة «جريمة شكوى»، فهو يعذر إن جهلها، فأعتقد أنه لا حاجة إلى الشكوى فلم يتقدم بها. ويتعين أن يعلم بمرتكب الجريمة، ويراد بذلك أن يعلم بشخصيته، ومن ثم فلا يشترط علمه باسمه أو ظروفه. وغني عن البيان أن هذا العلم يتعين أن يكون يقينية، ومن ثم الا يكفي علم ممكن أو مفترض وإذا كانت الجريمة مستمرة أو متتابعة فإن المدة تحسب من تاريخ علم المجني عليه بابتداء الجريمة، إذ أن ذلك يعد علماً كافياً بالجريمة وبمرتكبها، وليس من شأن استمرار الجريمة أو تتابعها أن يضيف إلى هذا العلم جديد.

وإذا كان للمجني عليه وكيل، فالعبرة بعلمه لا بعلم وكيله ولكن إذا كان له ممثل قانوني لانتفاء أهلية الشكوى عنه، فالعبرة بعلم ممثلة.

وإذا قدمت الشكوى في الميعاد الذي حدده القانون كانت الدعوى مقبولة، ولو لم تحركها النيابة إلا بعد فوات هذا الميعاد، ذلك أن الميعاد محدد لتقديم الشكوى لا لتحريك الدعوى.

أثر الشكوى: أثر الشكوى هو أن تتحرر النيابة من القيد الوارد على سلطتها التقديرية في تحريك الدعوى، ويعني ذلك أن النيابة لا تلتزم بتحريك الدعوى إذا قدمت الشكوى، وإنما يكون لها أن تقدر ملاءمة ذلك. وفي عبارة عامة، فإن سلطة النيابة بعد تقديم الشكوى في جريمة يشترط القانون فيها الشكوى، هي ذات سلطتها في جريمة لم يتطلب فيها القانون شكوى وتطبيقاً لذلك، كان للنيابة – بعد تقديم الشكوى – أن تباشر سلطتها في تحريك الدعوى واستعمالها دون أن تنتظر عوناً من المجني عليه في صورة شكوى تالية أو دعوى مدنية.

والشكوى عينية الأثر، فإذا قدمت في شأن جريمة، كان للنيابة أن تحرك الدعوى ضد أي شخص ترجح مساهمته فيها ولو كانت الشكوى لم تشر إليه، بل ولو كان المجني عليه قد صرح في شكواه بعفوه عنه.

ولكن الشكوى محدودة النطاق بالواقعة المبينة فيها، فلا تمتد إلى واقعة أخرى مستقلة – سابقة أو لاحقة – أغفل المجني عليه الإشارة إليها في شكواه، وإن كانت مشابهة للواقعة موضوع الشكوى، وذلك ما لم تتحد الوقائع المشابهة لتقوم بها جريمة متتابعة الأفعال، إذ تعتبر الشكوى منصرفة إلى الجريمة في مجموع الوقائع التي تقوم بها.

ولا تتقيد النيابة بالوصف القانوني الذي يعطيه المجني عليه للواقعة في شكواه، ومن ثم كان للنيابة أن تحرك الدعوى في شأن الواقعة نسبة إليها الوصف الذي تراه صحيحة، وإن كان مختلفة عن الوصف الذي نسبه إليها المجني عليه.

وقد يعترف الشارع المتهم في بعض الجرائم التي تعلق الدعوى الناشئة عنها على شكوى بدفوع خاصة، وعلى سبيل المثال فقد اعترف الشارع للزوجة الزانية بالدفع بسبق زنا زوجها. (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد : الأول، الصفحة : 128)

الفقه الإسلامي

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ – 2012 م   الجزء / العاشر ، الصفحة / 18

تَأْخِيرُ إِقَامَةِ الدَّعْوَى:

إِذَا تَأَخَّرَ الْمُدَّعِي فِي إِقَامَةِ دَعْوَاهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً سَقَطَتْ دَعْوَاهُ بِالتَّقَادُمِ، وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ تُسْمَعُ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: لِنَهْيِ السُّلْطَانِ عَنْ سَمَاعِهَا بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ إِلاَّ فِي الْوَقْفِ وَالإْرْثِ وَعِنْدَ وُجُودِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، وَسَبَبُ هَذَا النَّهْيِ قَطْعُ الْحِيَلِ وَالتَّزْوِيرِ فِي الدَّعَاوَى. ثُمَّ قَالَ: وَنُقِلَ فِي الْحَامِدِيَّةِ فَتَاوَى مِنَ الْمَذَاهِبِ الأْرْبَعَةِ بِعَدَمِ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَ نَهْيِ السُّلْطَانِ.

وَأَفْتَى فِي الْخَيْرِيَّةِ بِأَنَّهُ إِذَا مَاتَ السُّلْطَانُ لاَ بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ النَّهْيِ، وَلاَ يَسْتَمِرُّ النَّهْيُ بَعْدَهُ.

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ – 2012 م   الجزء / الخامس والأربعون ، الصفحة / 5

وَكَالَة

التَّعْرِيفُ:

1- الْوَكَالَةُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي اللُّغَةِ: الْحِفْظُ، وَمِنْهُ الْوَكِيلُ، فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْحَافِظِ، وَمِنْهُ التَّوَكُّلُ، يُقَالُ: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا، أَيْ فَوَّضْنَا أُمُورَنَا.

وَالتَّوْكِيلُ: تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ إِلَى الْغَيْرِ، وَسُمِّيَ الْوَكِيلُ وَكِيلاً؛ لأِنَّ مُوَكِّلَهُ قَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِهِ فَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَيْهِ الأْمْرُ .

وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ، «اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِتَعْرِيفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

فَعَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا: إِقَامَةُ الْغَيْرِ مَقَامَ نَفْسِهِ – تَرَفُّهًا أَوْ عَجْزًا – فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ .

وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهَا: نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ – غَيْرِ ذِي إِمْرَةٍ وَلاَ عِبَادَةٍ – لِغَيْرِهِ فِيهِ، غَيْرَ مَشْرُوطٍ بِمَوْتِهِ .

وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهَا: تَفْوِيضُ شَخْصٍ مَا لَهُ فِعْلُهُ مِمَّا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ إِلَى غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ فِي حَيَاتِهِ .

وَعَرَّفَهَا الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا: اسْتِنَابَةُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ مِثْلَهُ فِيمَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ .

 الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ

أ- النِّيَابَةُ:

3- النِّيَابَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ نَابَ الشَّيْءُ نَوْبًا: قَرُبَ، وَنَابَ عَنْهُ نِيَابَةً قَامَ مَقَامَهُ .

وَالنِّيَابَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: قِيَامُ الإْنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ بِفِعْلِ أَمْرٍ .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالنِّيَابَةِ أَنَّ النِّيَابَةَ أَعَمُّ مِنَ الْوَكَالَةِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَفِي قَوْلٍ إِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ .

ب- الْوِلاَيَةُ:

3-الْوِلاَيَةُ فِي اللُّغَةِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: الْقُدْرَةُ، وَالنُّصْرَةُ، وَالتَّدْبِيرُ.

وَوَلِيُّ الْيَتِيمِ: الَّذِي يَلِي أَمْرَهُ وَيَقُومُ بِكِفَايَتِهِ.

وَوَلِيُ الْمَرْأَةِ: الَّذِي يَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا، وَلاَ يَدَعُهَا تَسْتَبِدُّ بِهِ دُونَهُ .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْوِلاَيَةُ تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ أَوْ أَبَى .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْوِلاَيَةِ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نِيَابَةٌ، وَلَكِنَّ الْوَكَالَةَ نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، أَمَّا الْوِلاَيَةُ فَنِيَابَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَوْ إِجْبَارِيَّةٌ.

ج-  الإْيصَاءُ:

4-الإْيصَاءُ فِي اللُّغَةِ، مَصْدَرُ أَوْصَى، يُقَالُ: أَوْصَى فُلاَنًا، وَأَوْصَى إِلَيْهِ: جَعَلَهُ وَصِيَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي أَمْرِهِ وَمَالِهِ وَعِيَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: إِقَامَةُ الإْنْسَانِ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالإْيصَاءِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، وَلَكِنَّ الْوَكَالَةَ تَكُونُ أَثْنَاءَ الْحَيَاةِ، أَمَّا الإْيصَاءُ فَبَعْدَ الْوَفَاةِ.

د- الْقِوَامَةُ:

5-الْقِوَامَةُ فِي اللُّغَةِ: الْقِيَامُ عَلَى الأْمْرِ أَوِ الْمَالِ، أَوْ وِلاَيَةُ الأْمْرِ .

وَاسْتَعْمَلَ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الْقِوَامَةِ فِي مَعَانٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، مِنْهَا:

وِلاَيَةٌ يُفَوِّضُهَا الْقَاضِي إِلَى شَخْصٍ رَاشِدٍ بِأَنْ يَتَصَرَّفَ لِمَصْلَحَةِ الْقَاصِرِ فِي تَدْبِيرِ شُئُونِهِ الْمَالِيَّةِ.

وَمِنْهَا: وِلاَيَةٌ يَسْتَحِقُّهَا الزَّوْجُ عَلَى زَوْجَتِهِ .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْقَوَامَةِ، أَنَّ الْوَكَالَةَ نِيَابَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، أَمَّا الْقِوَامَةُ فَقَدْ تَكُونُ قَضَائِيَّةً وَقَدْ تَكُونُ شَرْعِيَّةً.

مَشْرُوعِيَّةُ الْوَكَالَةِ:

6- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ جَائِزَةٌ وَمَشْرُوعَةٌ . 

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَالإْجْمَاعِ وَالْمَعْقُولِ.

أَمَّا الْقُرْآنُ: فَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) . وَذَاكَ كَانَ تَوْكِيلاً، وَقَدْ قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ بِلاَ نَكِيرٍ .

وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) .. فَهَذِهِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الرَّأْيِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْحَكَمَ وَكِيلٌ عَنِ الزَّوْجَيْنِ .

أَمَّا السُّنَّةُ: فَمِنْهَا مَا وَرَدَ «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم  أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَجَاءَ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ» .

فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .

«وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم  بَعَثَهُ لِيَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً فَأُرْبِحَ فِيهَا دِينَارًا فَاشْتَرَى أُخْرَى مَكَانَهَا، فَجَاءَ بِالأْضْحِيَّةِ  وَالدِّينَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم ، فَقَالَ: ضَحِّ بِالشَّاةِ وَتَصَدَّقْ بِالدِّينَارِ» . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي شِرَاءِ الأْضْحِيَّةِ  وَتَقْسِيمِهَا وَالتَّصَدُّقِ بِالْمَالِ .

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: «أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ: إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ» .

فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، وَأَنَّ لِلإْمَامِ أَنْ يُوكِلَ وَيُقِيمَ عَامِلاً عَلَى الصَّدَقَةِ فِي قَبْضِهَا وَدَفْعِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَإِلَى مَنْ يُرْسِلُهُ إِلَيْهِ بِأَمَارَةٍ .

وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلاَلٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلاَلٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا» .

فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي النِّكَاحِ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ .

أَمَّا الإْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ وَمَشْرُوعِيَّتِهَا مُنْذُ عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ .

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَلأِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِعْلُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَدَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا .

قَالَ قَاضِي زَادَهْ: لأِنَّ الإْنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِ الأْحْوَالِ، بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ شَيْخًا فَانِيًا أَوْ رَجُلاً ذَا وَجَاهَةٍ لاَ يَتَوَلَّى الأْمُورَ بِنَفْسِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُوكِلَ غَيْرَهُ، فَلَوْ لَمْ يَجُزِ التَّوْكِيلُ لَزِمَ الْحَرَجُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ بِالنَّصِّ .

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .

أَرْكَانُ الْوَكَالَةِ:

7-ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ الْوَكَالَةِ هِيَ: الصِّيغَةُ، وَالْعَاقِدَانِ (الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ، وَمَحَلُّ الْعَقْدِ) الْمُوَكَّلُ فِيهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُكْنَ الْوَكَالَةِ هُوَ: الإْيجَابُ وَالْقَبُولُ، لأِنَّ وُجُودَ هَذَا الرُّكْنِ يَسْتَلْزِمُ بِالضَّرُورَةِ وُجُودَ الرُّكْنَيْنِ الآْخَرَيْنِ، وَهَذَا طِبْقًا لِلْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فِي الْعَقْدِ .

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (عَقْد ف 5 وَمَا بَعْدَهَا).

الرُّكْنُ الأْوَّلُ: الصِّيغَةُ:

8 – الصِّيغَةُ هِيَ الإْيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَيُعَبَّرُ بِهِمَا عَنِ التَّرَاضِي الَّذِي هُوَ رُكْنٌ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الأْخْرَى.

وَالْوَكَالَةُ عَقْدٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ فَافْتَقَرَ إِلَى رِضَاهُمَا.

وَلِلتَّفْصِيلِ فِي تَعْرِيفِ الصِّيغَةِ وَحَقِيقَتِهَا وَأَنْوَاعِهَا وَأَحْكَامِهَا يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (صِيغَة ف 5 وَمَا بَعْدَهَا، وَعَقْد ف 6 – 27).

أَوَّلاً: الإْيجَابُ:

تَعْرِيفُهُ:

9- ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الإْيجَابَ هُوَ مَا صَدَرَ مِنَ الْمَالِكِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَالإْيجَابُ هُنَا كُلُّ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْمُوَكِّلِ وَيَدُلُّ عَلَى إِذْنِهِ بِالتَّوْكِيلِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإْيجَابَ هُوَ مَا صَدَرَ أَوَّلاً مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى رَغْبَتِهِ فِي إِنْشَاءِ الْعَقْدِ .

بِمَ يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ:

يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْوَكَالَةِ سَوَاءٌ بِاللَّفْظِ، أَوْ بِالْكِتَابَةِ أَوْ بِالرِّسَالَةِ أَوْ بِالإْشَارَةِ مِنَ الأْخْرَسِ أَوْ بِغَيْرِهَا.

أ- الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ:

10 – يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ الدَّالِّ عَلَى مَعْنَى الْوَكَالَةِ كَوَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ. 

كَمَا يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الإْذْنِ بِالتَّوْكِيلِ، كَأَنْ يَأْمُرَ الْمُوَكِّلُ وَكِيلَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ؛ أَيْ يَقُولَ لَهُ: أَذِنْتُ لَكَ فِي فِعْلِهِ، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ فِعْلَ كَذَا، أَوْ: أَنَبْتُكَ فِيهِ، أَوْ أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِيهِ .

وَذَلِكَ «لأِنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم  وَكَّلَ عُرْوَةَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيَّ فِي شِرَاءِ شَاةٍ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ،» وَلأِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ الْكَهْفِ أَنَّهُمْ قَالُوا: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) . وَلأِنَّ أَيَّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الإْذْنِ يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِ الْمُوَكِّلِ: وَكَّلْتُكَ .

وَلأِنَّ الشَّخْصَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ غَيْرِهِ إِلاَّ بِرِضَاهُ، وَالرِّضَا يَكُونُ بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ عِبَارَةٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا .

وَالإْيجَابُ بِاللَّفْظِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُضُورِ الْوَكِيلِ مُشَافَهَةً، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي غِيَابِ الْوَكِيلِ مُرَاسَلَةً.

الْمَسْأَلَةُ الأْولَى: الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ عِنْدَ حُضُورِ الْوَكِيلِ مُشَافَهَةً:

 11- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ الإْيجَابُ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ بِلَفْظِ: وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كَذَا، أَوْ: أَنَبْتُكَ فِيهِ، أَوْ: أَذِنْتُ لَكَ فِيهِ، أَوْ: أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِي كَذَا، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ .

كَمَا يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الإْيجَابَ يَتَحَقَّقُ بِلَفْظِ الأْمْرِ، مِثْلَ: بِعْهُ، أَوْ: أَعْتِقْهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِانْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِمِثْلِ هَذِهِ الأْلْفَاظِ، حَيْثُ قَالُوا: الْوَكَالَةُ لاَ تَخْتَصُّ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إِرْسَالٍ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ .

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: تَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهَا كَوَكَّلْتُكَ وَأَشْبَاهِهِ، رَوَى بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: أَحْبَبْتُ أَنْ تَبِيعَ دَارِي هَذِهِ، أَوْ: هَوَيْتُ، أَوْ: رَضِيتُ، أَوْ: شِئْتُ، أَوْ: أَرَدْتُ، فَذَاكَ تَوْكِيلٌ وَأَمْرٌ بِالْبَيْعِ .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: سَأُوَكِّلُكَ، لَمْ يَصِحَّ، لأِنَّهُ مُحْتَمَلٌ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أُوَكِّلُكَ، لأِنَّهُ مَوْعِدٌ.

كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: قَدْ عَوَّلْتُ عَلَيْكَ، فَلاَ يَصِحُّ عَقْدُ الْوَكَالَةِ، لاِحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ مُعَوِّلاً عَلَى رَأْيِهِ أَوْ مَعُونَتِهِ أَوْ نِيَابَتِهِ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: قَدِ اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، أَوِ اسْتَكْفَيْتُ، أَوْ إِلَى مَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنَ الأْلْفَاظِ الْمُحْتَمَلَةِ، لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهَا إِلاَّ أَنْ يُضَمَّ إِلَيْهَا أَحَدَ الأْلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ فِي التَّوْكِيلِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الإْيجَابُ بِاللَّفْظِ فِي غِيَابِ الْوَكِيلِ مُرَاسَلَةً:

12-صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الإْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَنْعَقِدُ بِالرِّسَالَةِ.

وَصُورَةُ التَّوْكِيلِ بِالرِّسَالَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهَا الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لآِخَرَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ لِفُلاَنٍ وَلْيَبِعْهُ، أَوْ يَقُولَ: اذْهَبْ إِلَى فُلاَنٍ وَأَخْبِرْهُ أَنْ يَبِيعَ مَالِي الْفُلاَنِيَّ الَّذِي عِنْدَهُ، وَبَاعَ الآْخَرُ الْمَالَ بَعْدَ بُلُوغِ هَذَا الْخَبَرِ إِلَيْهِ، كَانَتِ الْوَكَالَةُ وَالْبَيْعُ صَحِيحَيْنِ.

كَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَ أَحَدٌ شَخْصًا غَائِبًا بِأَمْرٍ مَا فَبَلَّغَهُ أَحَدٌ خَبَرَ الْوَكَالَةِ وَقَبِلَ الآْخَرُ، انْعَقَدَتِ الْوَكَالَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْبِرُ عَادِلاً أَمْ مَسْتُورَ الْحَالِ، أَمْ كَانَ غَيْرَ عَادِلٍ، وَسَوَاءٌ أَأَعْطَى الْخَبَرَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَمْ أُخْبِرَ بِهِ رِسَالَةً مِنْ طَرَفِ الآْمِرِ، وَسَوَاءٌ أَصَدَّقَ الْغَائِبُ هَذَا الْخَبَرَ أَمْ كَذَّبَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّخْصُ وَكِيلاً فِي الأْحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ .

ب- الإْيجَابُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ:

مِنْ صُوَرِ إِيجَابِ الْوَكَالَةِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ مَا يَأْتِي:

الصُّورَةُ الأْولَى: الْكِتَابَةُ:

13- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَتَحَقَّقُ بِالْخَطِّ أَوِ الْكِتَابَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، لأِنَّ الْكِتَابَةَ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى.

وَمَثَّلَ الْحَنَفِيَّةُ بِذَلِكَ بِمَا لَوْ أَرْسَلَ أَحَدٌ لآِخَرَ غَائِبٍ كِتَابًا مُعَنْوَنًا وَمَرْسُومًا بِتَوْكِيلِهِ إِيَّاهُ بِأَمْرٍ مَا، وَقَبِلَ الآْخَرُ الْوَكَالَةَ، انْعَقَدَتْ .

انْظُرْ مُصْطَلَحَ (عَقْد ف 13).

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الإْشَارَةُ:

14 -ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ إِشَارَةَ الأْخْرَسِ الْمَفْهُومَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَقَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ فِي تَحَقُّقِ إِيجَابِ الْوَكَالَةِ بِهَا .

وَلِلتَّفْصِيلِ فِي شُرُوطِ الاِعْتِدَادِ بِالإْشَارَةِ. (ر: إِشَارَة ف 5، عَقْد ف 15).

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْفِعْلُ:

15- صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الإْيجَابَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَتِمُّ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَى الإْذْنِ .

حَيْثُ دَلَّ كَلاَمُ الْقَاضِي عَلَى انْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِفِعْلٍ دَالٍّ كَبَيْعٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الشَّيْخِ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إِلَى قَصَّارٍ أَوْ خَيَّاطٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ، كَالْقَبُولِ .

وَبِهَذَا يَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ إِذَا جَرَى الْعُرْفُ بِانْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِالْفِعْلِ، فَقَدْ قَالَ الْخِرَشِيُّ: الْوَكَالَةُ لاَ تَخْتَصُّ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إِرْسَالٍ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ لِلْعُرْفِ وَالْعَادَةِ .

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: مَا يَدُلُّ فِي الْعَادَةِ عَلَى اعْتِبَارِهِ إِيجَابًا:

16- يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الإْيجَابَ فِي الْوَكَالَةِ قَدْ يَتَحَقَّقُ بِمُوجِبِ الْعَادَةِ كَتَصَرُّفِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ فِي مَالِهَا وَهِيَ عَالِمَةٌ سَاكِتَةٌ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَكَالَةِ.

وَكَمَا إِذَا كَانَ رَيْعٌ بَيْنَ أَخٍ وَأُخْتٍ وَكَانَ الأْخُ يَتَوَلَّى كِرَاءَهُ وَقَبْضَهُ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ دَفَعَ لأِخْتِهِ مَا يَخُصُّهَا فِي الْكِرَاءِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: لأِنَّهُ وَكِيلٌ بِالْعَادَةِ .

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَكُونُ السُّكُوتُ إِيجَابًا فِي الْوَكَالَةِ، فَلَوْ رَأَى أَجْنَبِيًّا يَبِيعُ مَالَهُ فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْهَهُ، لَمْ يَكُنْ وَكِيلاً عَنْهُ بِسُكُوتِهِ، وَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ، لأِنَّهُ لاَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ .

ثَانِيًا: الْقَبُولُ:

الْقَبُولُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِاللَّفْظِ أَوْ بِغَيْرِ اللَّفْظِ.

أ- الْقَبُولُ بِاللَّفْظِ:

17- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ يَتَحَقَّقُ بِاللَّفْظِ، كَمَا لَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لآِخَرَ: قَدْ وَكَّلْتُكَ بِهَذَا الأْمْرِ، فَقَالَ لَهُ الْوَكِيلُ: قَبِلْتُ، أَوْ قَالَ كَلاَمًا آخَرَ غَيْرَ لَفْظِ قَبِلْتُ، مُشْعِرًا بِالْقَبُولِ، فَإِنَّ الْقَبُولَ يَصِحُّ وَتَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ .

وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ قَبُولَ الْوَكِيلِ لَفْظًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عَدَمُ الرَّدِّ، فَلَوْ رَدَّ الْوَكِيلُ الْوَكَالَةَ بَعْدَ الإْيجَابِ بِأَنْ قَالَ: لاَ أَقْبَلُ أَوْ لاَ أَفْعَلُ، فَلاَ يَبْقَى حُكْمِ الإْيجَابِ، وَلاَ تَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ قَبِلَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُجَدِّدِ الإْيجَابَ وَالْقَبُولَ .

ب- الْقَبُولُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْعِقَادِ الْوَكَالَةِ بِالْقَبُولِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ، وَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

الصُّورَةُ الأْوْلَى: الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ:

18- لِلْفُقَهَاءِ فِي قَبُولِ الْوَكَالَةِ بِالْفِعْلِ ثَلاَثَةَ آرَاءٍ:

الأْوَّلُ: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ – فِي أَصَحِّ الأَْوْجُهِ – وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْقَبُولَ يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَلَ الْوَكِيلُ مَا أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ بِفِعْلِهِ لأِنَّ الَّذِينَ وَكَّلَهُمُ النَّبِيُّ صلي الله عليه وسلم  لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ سِوَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَلأِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فَجَازَ الْقَبُولُ فِيهِ بِالْفِعْلِ كَأَكْلِ الطَّعَامِ.

وَجَاءَ فِي شَرْحِ مَجَلَّةِ الأْحْكَامِ  الْعَدْلِيَّةِ: يَكُونُ الإْيجَابُ صَرَاحَةً وَالْقَبُولُ دَلاَلَةً، فَلَوْ لَمْ يَتَكَلَّمِ الْوَكِيلُ شَيْئًا بِنَاءً عَلَى إِيجَابِ الْمُوَكِّلِ، وَحَاوَلَ إِجْرَاءَ ذَلِكَ الأْمْرِ الْمُوكَّلِ بِهِ، فَيَكُونُ قَدْ قَبِلَ الْوَكَالَةَ دَلاَلَةً وَيَكُونُ تَصَرُّفُهُ صَحِيحًا .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْقَبُولَ لاَ يَتَحَقَّقُ بِالْفِعْلِ وَلاَ بُدَّ لِتَحَقُّقِهِ مِنَ اللَّفْظِ .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ إِلَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ إِنْ أَتَى بِصِيغَةِ أَمْرٍ كَقَوْلِهِ: بِعْ وَاشْتَرِ، يَتِمُّ الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ اللَّفْظُ.

أَمَّا إِذَا كَانَ الإْيجَابُ بِصِيغَةِ عَقْدٍ، كَوَكَّلْتُكَ، أَوْ: فَوَّضْتُ إِلَيْكَ فَلاَ بُدَّ فِي الْقَبُولِ مِنَ اللَّفْظِ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ بِالْفِعْلِ إِلْحَاقًا لِصِيَغِ الْعَقْدِ بِالْعُقُودِ وَالأْمْرِ بِالإْبَاحَةِ  .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَبُولُ بِالْكِتَابَةِ:

19 – ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَبُولَ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يَصِحُّ بِالْكِتَابَةِ الْمُسْتَبِينَةِ الْمُعَنْوَنَةِ .

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْقَبُولُ بِالإْشَارَةِ:

20 – يَصِحُّ الْقَبُولُ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ بِإِشَارَةِ الأْخْرَسِ الْمَعْلُومَةِ الْمَفْهُومَةِ .

وَلِلتَّفْصِيلِ فِي شُرُوطِ الْعَمَلِ بِالإْشَارَةِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (إِشَارَة ف 5، عَقْد ف 15).

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ الْقَبُولُ بِالسُّكُوتِ:

21- صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ سُكُوتَ الْوَكِيلِ قَبُولٌ وَيَرْتَدُّ بِرَدِّهِ .

تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنِ الإْيجَابِ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ:

22- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ قَبُولُ الْوَكِيلِ فَوْرَ صُدُورِ الإْيجَابِ مِنَ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ يَنْعَقِدُ.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإْيجَابِ:

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ قَبُولُ الْوَكَالَةِ عَلَى التَّرَاخِي، لأِنَّ قَبُولَ وُكَلاَئِهِ صلي الله عليه وسلم  كَانَ بِفِعْلِهِمْ وَكَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ تَوْكِيلِهِ إِيَّاهُمْ، وَلأِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، وَالإْذْنُ قَائِمٌ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ الْمُوَكِّلُ، فَأَشْبَهَ الإْبَاحَةَ.

وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ كَوْنَ الْقَبُولِ عَلَى التَّرَاخِي بِمَا إِذَا لَمَّ يَتَعَيَّنْ زَمَانُ الْعَمَلِ الَّذِي وَكَّلَ فِيهِ، فَإِنْ تَعَيَّنَ زَمَانُهُ وَخِيفَ فَوَاتُهُ، كَانَ قَبُولُ الْوَكَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ.

وَكَذَا لَوْ عَرَضَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ عِنْدَ ثُبُوتِهَا عِنْدَهُ صَارَ قَبُولُهَا عَلَى الْفَوْرِ أَيْضًا .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي وَأَبُو حَامِدٍ الْمَرُّوذِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ قَبُولَ الْوَكَالَةِ عَلَى الْفَوْرِ، فَلاَ يَصِحُّ إِذَا تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإْيجَابِ بِالزَّمَانِ الطَّوِيلِ، لأِنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، فَكَانَ الْقَبُولُ فِيهِ عَلَى الْفَوْرِ كَالْبَيْعِ .

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا يَرْجِعُ إِلَى اعْتِبَارِ الْقَصْدِ وَالْعَوَائِدِ، هَلِ الْمُرَادُ فِي هَذِهِ الأْلْفَاظِ اسْتِدْعَاءُ الْجَوَابِ فَوْرًا فَإِنْ تَأَخَّرَ سَقَطَ حُكْمُ الْخِطَابِ؟ أَوِ الْمُرَادُ اسْتِدْعَاءُ الْجَوَابِ مُعَجَّلاً أَوْ مُؤَجَّلاً؟ .

الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ: الْعَاقِدَانِ:

وَهَمَّا الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ:

أَوَّلاً: الْمُوَكِّلُ:

31- الْمُوَكِّلُ: هُوَ مَنْ يُقِيمُ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ، وَتَلْزَمُهُ الأْحْكَامُ  .

وَعَلَى ذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنَ الْمَجْنُونِ، وَالْمَعْتُوهِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالنَّائِمِ، وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مُطْلَقًا مَهْمَا كَانَ نَوْعُ التَّصَرُّفِ مَحَلِّ الْوَكَالَةِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَأْتِي:

أ- تَوْكِيلُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ:

32- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي تَصَرُّفَاتٍ نَافِعَةٍ لَهُ نَفْعًا مَحْضًا.

كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَوْكِيلِهِ فِيمَا كَانَ ضَارًّا ضَرَرًا مَحْضًا.

أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ بِحَسَبِ أَصْلِ وَصْفِهَا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيلِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِيهَا.

فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا تَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ.

قَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَكَالَةُ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لاَ يُعْتَبَرُ لَهُ الْبُلُوغُ كَتَصَرُّفِ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَوْكِيلَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بَاطِلٌ .

ب- تَوْكِيلُ السَّفِيهِ:

33 – لاَ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فِيمَا لاَ يَسْتَقِلُّ بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، أَمَّا مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ .

انْظُرْ مُصْطَلَحَ (سَفَه ف 30).

ج- تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ:

34- لاَ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لأِنَّهَا لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا فَلاَ تُوَكَّلُ فِيهِ وَإِنَّمَا وَلِيُّهَا الَّذِي يُزَوِّجُهَا.

وَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ .

وَانْظُرِ التَّفْصِيلَ فِي (نِكَاح ف 109).

د- تَوْكِيلُ الْمُرْتَدِّ:

35- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْكِيلِ الْمُرْتَدِّ لِغَيْرِهِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

الْقَوْلُ الأْوَّلُ: الْوَكَالَةُ مِنَ الْمُرْتَدِّ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى عَوْدَتِهِ إِلَى الإْسْلاَمِ  عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ) فَإِنْ أَسْلَمَ نَفَذَتْ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا بَطَلَتْ. وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: يَرَى الصَّاحِبَانِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ وَكَالَةَ الْمُرْتَدِّ لِغَيْرِهِ صَحِيحَةٌ وَنَافِذَةٌ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ يَجُوزُ تَوْكِيلُهَا بِالاِتِّفَاقِ لأِنَّ تَصَرُّفَاتِهَا نَافِذَةٌ.

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ تَوْكِيلَ الْمُرْتَدِّ بَاطِلٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ اسْتَوْجَهَهُ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ. وَقَالَ الشَّبْرَامَلْسِيُّ: هُوَ الْمُعْتَمَدُ .

هـ – تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ:

36- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ تَوْكِيلُ مُسْلُمٍ ذِمِّيًّا فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَشِرَائِهِمَا؛ لأِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَمْلِكَ الْمُوَكِّلُ نَفْسَ التَّصَرُّفِ الَّذِي يُوَكِّلُ فِيهِ الْغَيْرَ. وَالْمُسْلِمُ لاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْخَمْرِ أَوِ الْخِنْزِيرِ بِالْبَيْعِ أَوِ الشِّرَاءِ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَفَاقِدُ الشَّيْءِ لاَ يُعْطِيهِ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى صِحَّةِ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ فِي بَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؛ إِذْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ أَهْلِيَّةُ أَدَاءٍ تُخَوِّلُ لَهُ حَقَّ تَوْكِيلِ الْغَيْرِ فِيمَا يُوَكِّلُهُ فِيهِ .

و- تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ:

37- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْكِيلِ الْمُحْرِمِ لِحَلاَلٍ فِي النِّكَاحِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ لِحَلاَلٍ فِي النِّكَاحِ يَعْقِدُهُ لَهُ حَالَ إِحْرَامِ الْمُوَكِّلِ، لأِنَّهُ لاَ يُبَاشِرُهُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُحْرِمِ فِي الزَّوَاجِ مُطْلَقًا، لأِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ فَجَازَ لَهُ التَّوْكِيلُ فِيهِ .

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 73).

ز- جَهَالَةُ الْمُوَكِّلِ:

38- نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْوَكِيلُ مُوَكِّلَهُ بِأَنْ قِيلَ لَهُ: وَكَّلَكَ زَيْدٌ وَلَمْ يُنْسَبْ لَهُ وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ مِنْ وَصْفِهِ أَوْ شُهْرَتِهِ مَا يُمَيِّزُهُ .

ثَانِيًا- الْوَكِيلُ:

39- الْوَكِيلُ هُوَ الْمَعْهُودُ إِلَيْهِ تَنْفِيذُ الْوَكَالَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيلِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُوَكِّلِ مِنَ الْعَقْلِ، فَلاَ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ .

وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الأْمُورِ الآْتِيَةِ فِي الْوَكِيلِ:

أ- الْبُلُوغُ:

40- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ فِي الْوَكِيلِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ .

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَيَقْصِدُهُ، أَيْ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْعُقُودِ، فَيَعْرِفُ أَنَّ الشِّرَاءَ جَالِبٌ لِلْمَبِيعِ وَسَالِبٌ لِلثَّمَنِ، وَالْبَيْعَ عَلَى عَكْسِهِ، وَيَعْرِفُ الْغَبْنَ الْفَاحِشَ مِنَ الْيَسِيرِ وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَالرِّبْحِ لاَ الْهَزْلَ.

وَقَالُوا: إِنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إِلَى الْوَكِيلِ إِذَا كَانَ بَالِغًا، أَمَّا إِذَا كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا فَإِنَّ حُقُوقَهُ تَرْجِعُ إِلَى الْمُوكِّلِ لاَ إِلَى الْوَكِيلِ. كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ .

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ تَوْكِيلُ الْمُمَيِّزِ وَتَوَكُّلُهُ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لاَ يُشْتَرَطُ لَهُ الْبُلُوغُ، كَتَصَرُّفِ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ .

وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ . بِمَا وَرَدَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  لَمَّا خَطَبَ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ، فَقَالَ صلي الله عليه وسلم : لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلاَ غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ ابْنِ أُمِّ سَلَمَةَ: قُمْ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم ، فَزَوَّجَهُ وَكَانَ صَبِيًّا» .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ وَكَالَةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ؛ لأِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَلاَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَلاَ يَمْلِكُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ لأِنَّهُ إِذَا لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَمْ يَمْلِكْهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ .

ب – تَعْيِينُ الْوَكِيلِ:

41- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مُعَيَّنًا، فَإِذَا كَانَ مَجْهُولاً بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، فَلَوْ قَالَ شَخْصٌ: وَكَّلْتُ أَحَدَ النَّاسِ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ لِجَهَالَةِ الْوَكِيلِ وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ.

وَقَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: مِنَ التَّوْكِيلِ الْمَجْهُولِ قَوْلُ الدَّائِنِ لِمَدْيُونِهِ: مَنْ جَاءَكَ بِعَلاَمَةِ كَذَا، وَمَنْ أَخَذَ أُصْبُعَكَ، أَوْ قَالَ لَكَ كَذَا، فَادْفَعْ مَا لِي عَلَيْكَ إِلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لأِنَّهُ تَوْكِيلُ مَجْهُولٍ، فَلاَ يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ .

ج- عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ:

42- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ لِصِحَّتِهَا.

قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْعِلْمُ بِالتَّوْكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ شَرْطٌ بِلاَ خِلاَفٍ، إِمَّا عِلْمُ الْوَكِيلِ وَإِمَّا عِلْمُ مَنْ يُعَامِلُهُ، حَتَّى لَوْ وَكَّلَ رَجُلاً بِبَيْعِ عَبْدِهِ فَبَاعَهُ الْوَكِيلُ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ عِلْمِهِ وَعِلْمِ الرَّجُلِ بِالتَّوْكِيلِ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ حَتَّى يُجِيزَهُ الْمُوَكِّلُ أَوِ الْوَكِيلُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْوَكَالَةِ.

وَأَمَّا عِلْمُ الْوَكِيلِ عَلَى التَّعْيِينِ بِالتَّوْكِيلِ فَهَلْ هُوَ شَرْطٌ؟ ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَذُكِرَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ.

وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: اذْهَبْ بِثَوْبِي هَذَا إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يَبِيعَهُ، أَوِ اذْهَبْ إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يَبِيعَكَ ثَوْبِي الَّذِي عِنْدَهُ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَهُوَ إِذْنٌ مِنْهُ لِفُلاَنٍ فِي بَيْعِ ذَلِكَ الثَّوْبِ، إِنْ أَعْلَمَهُ الْمُخَاطَبُ بِمَا قَالَهُ الْمَالِكُ جَازَ بَيْعُهُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.

وَلَوْ قَالَ: اذْهَبْ بِهَذَا الثَّوْبِ إِلَى الْقَصَّارِ حَتَّى يَقْصُرَهُ، أَوْ إِلَى الْخَيَّاطِ حَتَّى يَخِيطَهُ قَمِيصًا، فَهُوَ إِذْنٌ مِنْهُ لِلْقَصَّارِ وَالْخَيَّاطِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ حَتَّى لاَ يَصِيرَ ضَامِنًا بِعَمَلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: انْطَلِقِي إِلَى فُلاَنٍ حَتَّى يُطَلِّقَكِ، فَطَلَّقَهَا فُلاَنٌ وَلَمْ يَعْلَمْ يَقَعُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرْخَسِيِّ فِي بَابِ مَا تَقَعُ بِهِ الْوَكَالَةُ.

وَعِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْوَكَالَةِ شَرْطُ عَمَلِ الْوَكَالَةِ حَتَّى إِنَّ مَنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِبَيْعِ عَبْدِهِ أَوْ بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ وَالْوَكِيلُ لاَ يَعْلَمُ فَطَلَّقَ أَوْ بَاعَ، لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلاَ طَلاَقُهُ. هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ رحمه الله تعالي فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. فَإِذَا وَكَّلَ إِنْسَانًا لاَ يَصِيرُ وَكِيلاً قَبْلَ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ .

وَقَالُوا: إِذَا كَانَ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالتَّوْكِيلِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ بِحَضْرَةِ الْوَكِيلِ، أَوْ كَتَبَ الْمُوَكِّلُ بِذَلِكَ كِتَابًا إِلَيْهِ فَبَلَغَهُ وَعَلِمَ مَا فِيهِ، أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولاً فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ رَجُلاَنِ، أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ – صَارَ وَكِيلاً بِإِجْمَاعِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ، فَإِنْ صَدَّقَهُ صَارَ وَكِيلاً أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ لاَ يَكُونُ وَكِيلاً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَكُونُ وَكِيلاً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ دَارِهِ وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ بِالتَّوْكِيلِ فَبَاعَهَا نَفَذَ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، لأِنَّ الاِعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الأْمْرِ .

وَهَذَا مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الأْظْهَرِ، حَيْثُ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ مَالِ غَيْرِهِ ظَاهِرًا إِنْ بَانَ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ وِلاَيَةً كَوَكِيلٍ أَوْ وَصِيٍّ، اعْتِبَارًا فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الأْمْرِ لِعَدَمِ حَاجَتِهَا إِلَى النِّيَّةِ. وَقَالُوا: يَحْرُمُ عَلَى الْوَكِيلِ تَعَاطِي هَذَا التَّصَرُّفِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِأَنَّ لَهُ وِلاَيَةً عَلَيْهِ .

د- عَدَالَةُ الْوَكِيلِ:

43- لاَ تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْوَكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ، إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ اشْتَرَطُوا فِي عُقُودٍ مُعَيَّنَةٍ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ أَوِ الْوَلِيُّ عَدْلاً، وَمِنْهَا عَقْدُ النِّكَاحِ، حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْوَلِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلِلتَّفْصِيلِ (ر: نِكَاح ف 7، وَفِسْق ف 14).

هـ – ذُكُورَةُ الْوَكِيلِ:

44- لَمْ يَشْتَرِطِ الْفُقَهَاءُ ذُكُورَةَ الْوَكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ إِلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمُ اشْتَرَطَ كَوْنَ الْوَكِيلِ رَجُلاً فِي بَعْضِ الْعُقُودِ، وَمِنْهَا النِّكَاحُ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاح ف 107).

الرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ: مَحَلُّ الْوَكَالَةِ:

45- مَحَلُّ الْوَكَالَةِ: هُوَ التَّصَرُّفُ الْمَأْذُونُ فِيهِ مِنَ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ بِمَلِكٍ أَوْ وِلاَيَةٍ.

وَقَدْ نَصَّ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ لِمَحَلِّ الْوَكَالَةِ شُرُوطًا ثَلاَثَةً:

أ- أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، لأِنَّهَا لاَ تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ.

ب- أَنْ يَكُونَ قَابِلاً لِلنِّيَابَةِ.

ج- أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُوَكِّلُ حَالَ التَّوْكِيلِ .

أَنْوَاعُ الْوَكَالَةِ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا:

تَتَنَوَّعُ الْوَكَالَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ: إِلَى وَكَالَةٍ خَاصَّةٍ، وَوَكَالَةٍ عَامَّةٍ.

الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ:

46- الْوَكَالَةُ الْخَاصَّةُ هِيَ مَا كَانَ إِيجَابُ الْمُوَكِّلِ فِيهَا خَاصًّا بِتَصَرُّفٍ مُعَيَّنٍ، كَأَنْ يُوَكِّلَ إِنْسَانٌ آخَرَ فِي أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلاَّ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ، بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

الْوَكَالَةُ الْعَامَّةُ:

47- الْوَكَالَةُ الْعَامَّةُ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً فِي كُلِّ شَيْءٍ، كَأَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ لِلْوَكِيلِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ يَقُولَ لَهُ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ الْعَامَّةِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ الْعَامِّ فِي الْجُمْلَةِ . وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ. فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ قَالَ: أَنْتَ وَكِيلِي بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، يَكُونُ وَكِيلاً بِحِفْظٍ لاَ غَيْرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، أَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ جَائِزٌ أَمْرُكَ، يَصِيرُ وَكِيلاً فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ كَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي طَلاَقٍ وَعِتَاقٍ وَوَقْفٍ، فَقِيلَ: يَمْلِكُ ذَلِكَ لإِطْلاَقِ تَعْمِيمِ اللَّفْظِ، وَقِيلَ: لاَ يَمْلِكُ ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا دَلَّ دَلِيلُ سَابِقَةِ الْكَلاَمِ وَنَحْوِهِ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ.

وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ جَائِزٌ أَمْرُكَ، مَلَكَ الْحِفْظَ وَالْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَيَمْلِكُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ حَتَّى إِذَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ جَازَ حَتَّى يُعْلَمَ خِلاَفُهُ مِنْ قَصْدِ الْمُوَكِّلِ، وَعَنِ الإْمَامِ  أَبِي حَنِيفَةَ تَخْصِيصُهُ بِالْمُعَاوَضَاتِ وَلاَ يَلِي الْعِتْقَ وَالتَّبَرُّعَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَكَذَا لَوْ قَالَ طَلَّقْتُ امْرَأَتَكَ وَوَهَبْتُ وَوَقَفْتُ أَرْضَكَ، فِي الأْصَحِّ لاَ يَجُوزُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ تَوْكِيلٌ بِالْمُعَاوَضَاتِ لاَ بِالإِْعْتَاقِ وَالْهِبَاتِ، وَبِهِ يُفْتَى ا.هـ.

وَفِي الْخُلاَصَةِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَكِيلَ وَكَالَةً عَامَّةً يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ الطَّلاَقَ وَالْعَتَاقَ وَالْوَقْفَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَمْلِكَ الإْبْرَاءَ وَالْحَطَّ عَنِ الْمَدْيُونِ لأِنَّهُمَا مِنْ قَبِيلِ التَّبَرُّعِ وَأَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مَرَّةٍ بَعْدَ أُخْرَى، وَهَلْ لَهُ الإْقْرَاضُ وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ. فَإِنَّهُمَا بِالنَّظَرِ إِلَى الاِبْتِدَاءِ تَبَرُّعٌ فَإِنَّ الْقَرْضَ عَارِيَّةٌ ابْتِدَاءً، مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِبَةٌ ابْتِدَاءً مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَمْلِكَهُمَا الْوَكِيلُ بِالتَّوْكِيلِ الْعَامِّ لأِنَّهُ لاَ يَمْلِكُهُمَا مَنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَاتِ، وَلِذَا لاَ يَجُوزُ إِقْرَاضُ الْوَصِيِّ مَالَ الْيَتِيمِ وَلاَ هِبَتُهُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَإِنْ كَانَتْ مُعَاوَضَةً فِي الاِنْتِهَاءِ.

وَظَاهِرُ الْعُمُومِ أَنَّهُ يَمْلِكُ قَبْضَ الدَّيْنِ وَاقْتِضَاءَهُ وَإِيفَاءَهُ وَالدَّعْوَى بِحُقُوقِ الْمُوَكِّلِ وَسَمَاعَ الدَّعْوَى بِحُقُوقٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَالأْقَارِيرِ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِالدُّيُونِ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي، لأِنَّ فِي ذَلِكَ بِالْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لاَ فِي الْعَامِّ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُطْلَقَةً عَامَّةً، فَهَلْ يَتَنَاوَلُ الطَّلاَقَ وَالْعَتَاقَ وَالتَّبَرُّعَاتِ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُهَا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، لأِنَّ مِنَ الأْلْفَاظِ مَا صَرَّحَ قَاضِيخَانَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ عَامٌّ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا بِعَدَمِهِ .

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تَنْعَقِدُ الْوَكَالَةُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: وَكَّلْتُكَ، لأِنَّهُ لاَ يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى شَيْءٍ بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ لِلْوَكِيلِ الأْمْرَ بِأَنْ يَقُولَ: وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً، أَوْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِي، أَوْ: أَقَمْتُكَ مَقَامِي فِي أُمُورِي، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَإِذَا فَوَّضَ لَهُ فَيَمْضِي وَيَجُوزُ النَّظَرُ وَهُوَ الصَّوَابُ، أَيْ مَا فِيهِ تَنْمِيَةُ الْمَالِ لاَ غَيْرُهُ، وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ تَنْمِيَةُ الْمَالِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، إِلاَّ أَنْ يَقُولَ الْمُوَكِّلُ: وَيَمْضِي مِنْكَ غَيْرُ النَّظَرِ، فَيَمْضِي إِنْ وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ابْتِدَاءً فَلَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ رَدُّهُ، وَلاَ تَضْمِينُ الْوَكِيلِ.

وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ النَّظَرِ مَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَلاَ تَبْذِيرٍ. وَقَالُوا: لاَ يَمْضِي عَنِ الْوَكِيلِ طَلاَقُ زَوْجَةِ الْمُوَكِّلِ، وَإِنْكَاحُ بِكْرِهِ، وَبَيْعُ دَارِ سُكْنَاهُ فِي كُلٍّ مِنَ النَّظَرِ وَغَيْرِهِ؛ لأِنَّ هَذِهِ الأْمُورَ لاَ تَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْوَكَالَةِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْوَكِيلُ بِإِذْنٍ خَاصٍّ .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ الْعَامَّ لاَ يَصِحُّ . فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ حَيْثُ يَقِلُّ مَعَهُ الْغَرَرُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لِي، أَوْ فِي كُلِّ أُمُورِي، أَوْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كُلَّ شَيْءٍ، أَوْ: أَنْتَ وَكِيلِي فَتَصَرَّفْ كَيْفَ شِئْتَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَعَظِيمِ الْخَطَرِ، وَإِنْ قَالَ وَكَّلْتُكَ فِي بَيْعِ أَمْوَالِي وَقَبْضِ دُيُونِي وَاسْتِيفَائِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، صَحَّ وَإِنْ جَهِلَ الأْمْوَالَ  وَالدُّيُونَ وَمَنْ هِيَ عَلَيْهِ .

الشَّهَادَةُ:

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي الشَّهَادَةِ، فَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِغَيْرِهِ: وَكَّلْتُكَ لِتَشْهَدَ عَنِّي فِي كَذَا، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، لأِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الشَّاهِدِ لِكَوْنِهَا خَبَرًا عَمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَائِبِهِ، وَلأِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّعَبُّدِ وَالْيَقِينِ الَّذِي لاَ تُمْكِنُ النِّيَابَةُ فِيهِ.

فَإِنِ اسْتَنَابَ فِيهَا كَانَ النَّائِبُ شَاهِدًا عَلَى شَهَادَتِهِ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي مَا سَمِعَ مِنْ شَاهِدِ الأْصْلِ وَلَيْسَ بِوَكِيلٍ. وَلِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مُصْطَلَحَ (شَهَادَة ف 42).

إِثْبَاتُ الْقِصَاصِ وَاسْتِيفَاؤُهُ:

أ- إِثْبَاتُ الْقِصَاصِ:

65- ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ الْقِصَاصِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، لأِنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الآْدَمِيِّ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى التَّوْكِيلِ فِيهِ.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِ الْقِصَاصِ وَلاَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فِيهِ إِلاَّ مِنَ الْمُوَكِّلِ، لأِنَّ التَّوْكِيلَ إِنَابَةٌ وَشُبْهَةٌ يُتَحَرَّزُ عَنْهَا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ .

ب- اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ:

66 – اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِيهِ، لأِنَّ كُلَّ مَا جَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ جَازَ اسْتِيفَاؤُهُ فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا، وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الاِسْتِيفَاءِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا، لأِنَّهُ قَدْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الاِسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّوْكِيلِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي الاِسْتِيفَاءِ إِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا، لأِنَّ احْتِمَالَ الْعَفْوِ قَائِمٌ، لِجَوَازِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَعَفَى، فَلاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مَعَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْعَدِمٌ حَالَةَ حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ .

تَاسِعًا إِثْبَاتُ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاؤُهَا:

67- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَائِهَا عَلَى رَأْيَيْنِ:

الرَّأْيُ الأْوَّلُ: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَائِهَا تَفْصِيلٌ، فَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإْثْبَاتِ وَالاِسْتِيفَاءِ.

أَمَّا فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ لِقَوْلِهِ صلي الله عليه وسلم .. «وَاغَدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَأَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ»  فَقَدْ وَكَّلَهُ فِي إِثْبَاتِ حَدِّ الزِّنَا وَاسْتِيفَائِهِ.

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْهُمْ: لاَ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ فِي إِثْبَاتِ الْحُدُودِ.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي إِثْبَاتِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَعَلَّلُوا عَدَمَ جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى وَقَدْ أُمِرْنَا فِيهِ بِالدَّرْءِ وَالتَّوَصُّلِ إِلَى إِسْقَاطِهِ، وَبِالتَّوْكِيلِ يُتَوَصَّلُ إِلَى إِيجَابِهِ فَلَمْ يَجُزْ.

وَأَمَّا إِثْبَاتُ التَّوْكِيلِ فِي إِثْبَاتِ حَدِّ الْقَذْفِ فَقَدْ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِي إِثْبَاتِهِ كَالْمَالِ .

وَأَمَّا فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ لِحَدِيثِ أُنَيْسٍ، «وَلأِنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم  أَمَرَ بِرَجْمِ مَاعِزٍ فَرَجَمُوهُ» .

وَوَكَّلَ عُثْمَانُ عَلِيًّا فِي إِقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَوَكَّلَ عَلِيٌّ الْحَسَنَ فِي ذَلِكَ فَأَبَى الْحَسَنُ، فَوَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَأَقَامَهُ وَعَلَيٌّ يَعُدُّ .

وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ كُلِّهَا فِي حَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْبَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ حَدِّ الْقَذْفِ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ لاِحْتِمَالِ الْعَفْوِ .

الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: بِالإْثْبَاتِ، وَالثَّانِي: بِالاِسْتِيفَاءِ.

أَمَّا التَّوْكِيلُ بِالإْثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ حَدًّا لاَ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْخُصُومَةِ كَحَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِالإْثْبَاتِ، لأِنَّهُ يَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الإْقْرَارِ مِنْ غَيْرِ خُصُومَةٍ.

وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْخُصُومَةِ كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لأِنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ الإْثْبَاتِ وَالاِسْتِيفَاءِ وَهُوَ أَنَّ امْتِنَاعَ التَّوْكِيلِ فِي الاِسْتِيفَاءِ لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ مُنْعَدِمَةٌ فِي التَّوْكِيلِ بِالإْثْبَاتِ.

وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لاَ يَجُوزُ وَلاَ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ فِيهِمَا إِلاَّ مِنَ الْمُوَكِّلِ؛ لأِنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ بِالاِسْتِيفَاءِ، فَكَذَا بِالإْثْبَاتِ، لأِنَّ الإْثْبَاتَ وَسِيلَةٌ إِلَى الاِسْتِيفَاءِ.

أَمَّا التَّوْكِيلُ بِاسْتِيفَاءِ حَدَّيِ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْذُوفُ أَوِ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ حَاضِرًا وَقْتَ الاِسْتِيفَاءِ جَازَ التَّوْكِيلُ، لأِنَّ وِلاَيَةَ الاِسْتِيفَاءِ إِلَى الإْمَامِ  وَأَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى الاِسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

أَمَّا إِنْ كَانَ غَائِبًا فَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ، لأِنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ لاِحْتِمَالِ الْعَفْوِ وَالصُّلْحِ وَأَنَّهُ لاَ يَحْتَمِلُهُمَا.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يَجُوزُ لأِنَّهُ إِنْ كَانَ لاَ يَحْتَمِلُ الْعَفْوَ وَالصُّلْحَ، فَيَحْتَمِلُ الإْقْرَارَ وَالتَّصْدِيقَ .

أحكام الوكالة : 

للوكالة أحكام منها يتعلق بالوكيل ، ومنها ما يتعلق بالموكل ومنه ما يتعلق بالغير .

الْقِسْمُ الأْوَّلُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ مِنْ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ:

– تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ أَحْكَامٌ، مِنْهَا:

الأْوَّلُ: أَنْ يَقُومَ الْوَكِيلُ بِتَنْفِيذِ الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ الَّتِي أَذِنَ لَهُ الْمُوَكِّلُ بِهَا أَوِ الَّتِي قَيَّدَهُ الشَّرْعُ أَوِ الْعُرْفُ بِالْتِزَامِهَا.

الثَّانِي: مُوَافَاةُ الْمُوَكِّلِ بِالْمَعْلُومَاتِ الضَّرُورِيَّةِ وَتَقْدِيمُ حِسَابٍ عَنِ الْوَكَالَةِ.

الثَّالِثُ: رَدُّ مَا لِلْمُوَكِّلِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ .

تَصَرُّفُ الْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ فِي الْحَقِّ:

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ لاَ يَمْلِكُ الْمُصَالَحَةَ عَنِ الْحَقِّ، وَلاَ الإْبْرَاءَ مِنْهُ، لأِنَّ الإْذْنَ فِي الْخُصُومَةِ لاَ يَقْتَضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالْخُصُومَةِ أَنَّ يَبِيعَ وَلاَ أَنْ يَهِبَ، لأِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَيْسَتْ مِنَ الْخُصُومَةِ، بَلْ هِيَ ضِدُّ الْخُصُومَةِ قَاطِعَةٌ لَهَا، وَالأْمْرُ بِالشَّيْءِ لاَ يَتَضَمَّنُ ضِدَّهُ.

كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُؤَجِّلَ الْحَقَّ .

تَكْيِيفُ وَكَالَةِ مَنْ يُوَكِّلُهُ الْوَكِيلُ:

134 – تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِذْنٍ مِنَ الْمُوَكِّلِ صَرَاحَةً، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ صَرِيحٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ أَصْلاً.

135 – فَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ بِالإْذْنِ صَرَاحَةً فَإِنَّهُ لاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّوْكِيلُ بِقَوْلِ الْمُوَكِّلِ: (وَكِّلْ عَنِّي)، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَوْلِهِ: (وَكِّلْ عَنْكَ)، أَوْ بِقَوْلِهِ: (وَكِّلْ).

فَإِنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ: وَكِّلْ عَنِّي، أَوْ وَكِّلْ وَلِيِّ أَوْ فَوِّضْ إِلَيْهِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ، لِوُجُودِ الرِّضَا حِينَئِذٍ بِرَأْيِ غَيْرِهِ أَيْضًا، فَلاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِعَزْلِ الْوَكِيلِ الأْوَّلِ وَلاَ بِمَوْتِهِ لأِنَّ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ لَيْسَ وَكِيلاً لِلْوَكِيلِ، وَيَنْعَزِلاَنِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ الأْوَّلَ لاَ يَمْلِكُ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ يَمْلِكُ الْوَكِيلُ الأْوَّلُ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: يَكُونُ الثَّانِي وَكِيلَ الْوَكِيلِ .

أَمَّا إِنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: «وَكِّلْ عَنْكَ» فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْوَكِيلِ عَمَلاً بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ فَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ الأْوَّلِ وَمَوْتِهِ.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ لِلْوَكِيلِ الأْوَّلِ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي نَظَرًا لِجِهَةِ وَكَالَتِهِ لَهُ. َنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلَ الْوَكِيلِ الثَّانِي لأِنَّهُ فَرْعُ فَرْعِهِ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَيْسَ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِ وَكِيلِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ فَيَأْخُذُ حُكْمَ الصُّورَةِ السَّابِقَةِ .

أَمَّا إِنْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: «وَكِّلْ» وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي وَلاَ عَنْكَ، أَوْ «فَوِّضْ».

فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَكُونُ الثَّانِي وَكِيلَهُ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ لاَ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ وَلاَ بِمَوْتِهِ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الأْصَحِّ إِلَى أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْوَكِيلِ .

136 – أَمَّا التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ صَرِيحٍ مِنَ الْمُوَكِّلِ فَيُتَصَوَّرُ فِيمَا إِذَا وَكَّلَ الْوَكِيلُ فِيمَا لاَ يَتَوَلاَّهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ لاَ يُحْسِنُهُ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْهُ لِكَثْرَتِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ وَكِيلَ الْمُوَكِّلِ.

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ يَكُونُ وَكِيلَ الْوَكِيلِ .

137 – أَمَّا التَّوْكِيلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ أَصْلاً فَلاَ يَصِحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ لأِنَّهُ فَوَّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفَ دُونَ التَّوْكِيلِ بِهِ، وَلأِنَّهُ رَضِيَ بِرَأْيِهِ وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الآْرَاءِ.

وَيَرَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ – فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ – وَابْنُ أِبِي لَيْلَى صِحَّةَ التَّوْكِيلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَيَكُونُ الْوَكِيلُ الثَّانِي وَكِيلَ الْوَكِيلِ .

انْتِهَاءُ الْوَكَالَةِ:

تَنْتَهِي الْوَكَالَةُ بِأُمُورٍ مِنْهَا:

أَوَّلاً: الْعَزْلُ:

170 – لَمَّا كَانَتِ الْوَكَالَةُ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لأِيٍّ مِنَ الطَّرَفَيْن إِنْهَاؤُهَا، فَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ مِنْهَا وَيَنْهَاهُ عَنِ التَّصَرُّفِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ، كَمَا أَنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ مِنْهَا أَيْضًا، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ .

غَيْرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ مِنَ الْمُوَكِّلِ الشُّرُوطُ التَّالِيَةُ:

الشَّرْطُ الأْوَّلُ: عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ:

171 – اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْعَزْلَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، فَلاَ يَلْزَمُ حُكْمُهُ إِلاَّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِنَّهُ لَوِ انْعَزَلَ قَبْلَ عِلْمِهِ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، لأِنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَتَقَعُ بَاطِلَةً. وَبِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ مُوَكِّلِهِ، وَلاَ يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ قَبْلَ عِلْمِهِ كَالْفَسْخِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ، فَلَوْ تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بَعْدَ الْعَزْلِ فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ، لأِنَّ الْعَزْلَ رَفْعُ عَقْدٍ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى رِضَا صَاحِبِهِ، فَلاَ يَفْتَقِرُ عَلَى عِلْمِهِ كَالطَّلاَقِ .

172 – وَيَتِمُّ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِالْعَزْلِ- عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ- بِأُمُورٍ مِنْهَا:

أ- أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا الْعَزْلَ.

ب- إِذَا كَانَ الْوَكِيلُ غَائِبًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُوَكِّلُ كِتَابَ الْعَزْلِ، فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ وَعَلِمَ بِمَا فِيهِ. لأِنَّ الْكِتَابَ مِنَ الْغَائِبِ كَالْخِطَابِ مِنَ الْحَاضِرِ.

جـ- لَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُوَكِّلُ رَسُولاً فَبَلَّغَهُ الرِّسَالَةَ، وَقَالَ لَهُ: فُلاَنٌ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ وَيَقُولُ: إِنِّي عَزَلْتُكَ عَنِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ، كَائِنًا مَا كَانَ الرَّسُولُ، عَدْلاً كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. لأِنَّ الرَّسُولَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُرْسَلِ مُعَبِّرٌ وَسَفِيرٌ عَنْهُ، فَتَصِحُّ سِفَارَتُهُ بَعْدَ أَنْ صَحَّتْ عِبَارَتُهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ.

د- لَوْ أَخْبَرَ الْوَكِيلَ بِالْعَزْلِ رَجُلاَنِ عَدْلاَنِ كَانَا أَوْ غَيْرُ عَدْلَيْنِ، أَوْ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ يَنْعَزِلُ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ. سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْوَكِيلُ أَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ إِذَا ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ، لأِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الْمُعَامَلاَتِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلاً فَخَبَرُ الْعَدْلَيْنِ أَوِ الْعَدْلِ أَوْلَى.

وَإِنْ أَخْبَرَهُ وَاحِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ فَإِنْ صَدَّقَهُ يَنْعَزِلُ بِاتِّفَاقِهِمْ أَيْضًا.

أَمَّا إِنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ حَتَّى وَإِنْ ظَهَرَ صِدْقُ الْخَبَرِ. لأِنَّ الإِْخْبَارَ عَنِ الْعَزْلِ لَهُ شَبَهُ الشَّهَادَةِ، لأِنَّ فِيهِ الْتِزَامَ حُكْمِ الْمُخْبَرِ بِهِ وَهُوَ الْعَزْلُ، وَهُوَ لُزُومُ الاِمْتِنَاعِ عَنِ التَّصَرُّفِ وَلُزُومُ الْعُهْدَةِ فِيمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بَعْدَ الْعَزْلِ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُ أَحَدِ شُرُوطِهَا وَهُوَ الْعَدَالَةُ أَوِ الْعَدَدُ.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الإِخْبَارَ عَنِ الْعَزْلِ مِنْ بَابِ الْمُعَامَلاَتِ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ وَلاَ الْعَدَالَةُ كَمَا فِي الإْخْبَارِ فِي سَائِرِ الْمُعَامَلاَتِ .

وَقَالَ النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قُلْنَا لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ حَتَّى يَبْلُغَهُ خَبَرُ عَزْلِهِ فَالْمُعْتَبَرُ خَبَرُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتِهِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْفَاسِقِ . الشَّرْطُ الثَّانِي: عَدَمُ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِالْوَكَالَةِ:

173 – اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ عَزْلِ الْوَكِيلِ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ.

فَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقُّ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْعَزْلُ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْحَقِّ، لأِنَّ فِي الْعَزْلِ إِبْطَالَ حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَلاَ سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَنْ رَهَنَ مَالَهُ عِنْدَ رَجُلٍ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ وَضَعَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَجَعَلَ الْمُرْتَهِنَ أَوِ الْعَدْلَ مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِهِ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ عِنْدَ حِلِّ الأْجَلِ، فَعَزْلُ الرَّاهِنِ الْمُسَلَّطِ عَلَى الْبَيْعِ لاَ يَصِحُّ بِهِ عَزْلُهُ.

وَكَذَلِكَ إِذَا وَكَّلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَكِيلاً بِالْخُصُومَةِ مَعَ الْمُدَّعِي بِالْتِمَاسِ الْمُدَّعِي فَعَزَلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْمُدَّعِي لاَ يَنْعَزِلُ.

وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيمَنْ وَكَّلَ رَجُلاً بِطَلاَقِ امْرَأَتِهِ إِنْ غَابَ، ثُمَّ عَزَلَهُ الزَّوْجُ مِنْ غَيْرِ حَضْرَةِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ غَابَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يَصِحُّ عَزْلُهُ، لأِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْوَكَالَةِ حَقُّ الْمَرْأَةِ فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ عَزْلُهُ لأِنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى الطَّلاَقِ وَلاَ عَلَى التَّوْكِيلِ بِهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَيَمْلِكُ عَزْلَهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْوَكَالاَتِ .

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا قَالَ الْمُوَكِّلُ: عَزَلْتُ الْوَكِيلَ أَوْ رَفَعْتُ الْوَكَالَةَ، أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ أَخْرَجْتُهُ عَنْهَا، فَيَنْعَزِلُ، سَوَاءٌ ابْتَدَأَ تَوْكِيلَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ بِسُؤَالِ الْخَصْمِ، بِأَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا أَنْ يُوَكِّلَ فِي الطَّلاَقِ أَوِ الْخُلْعِ، أَوْ سَأَلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ أَنْ يُوَكِّلَ بِبَيْعِ الرَّهْنِ، أَوْ سَأَلَهُ خَصْمُهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخُصُومَةِ .

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَيْسَ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ إِذَا قَاعَدَ الْوَكِيلُ الْخَصْمَ ثَلاَثًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّوْكِيلُ لِعُذْرٍ أَمْ لاَ .

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَلاَّ تَقَعَ الْوَكَالَةُ عَلَى وَجْهِ الإْجَارَةِ :

174 – اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِصِحَّةِ عَزْلِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ أَنْ لاَ تَكُونَ الْوَكَالَةُ قَدْ وَقَعَتْ عَلَى سَبِيلِ الإْجَارَةِ ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى سَبِيلِ الإْجَارَةِ  فَهِيَ لاَزِمَةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. أَمَّا إِذَا وَقَعَتِ الْوَكَالَةُ عَلَى سَبِيلِ الْجَعَالَةِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي لُزُومِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ وَعَدَمِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (فَقْرَةِ 30).

أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْوَكَالَةُ عَلَى سَبِيلِ الإْجَارَةِ  أَوِ الْجَعَالَةِ فَيَرَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا لاَزِمَةٌ مِنْ جَانِبِ الْوَكِيلِ فَقَطْ، خِلاَفًا لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَبَق تَفْصِيلُهُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ صِفَةِ عَقْدِ الْوَكَالَةِ .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَلاَّ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْعَزْلِ مَفْسَدَةٌ:

175 – قَالَ الشَّرَوَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ عَلِمَ الْمُوَكِّلُ أَنَّهُ تَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَزْلِ مَفْسَدَةٌ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ حَيْثُ جَوَّزْنَاهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ اسْتَوْلَى عَلَى مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ظَالِمٌ، أَوْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ مَاءٍ لِطُهْرِهِ، أَوْ ثَوْبٍ لِلسَّتْرِ بِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، أَوْ شِرَاءِ ثَوْبٍ لِدَفْعِ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ اللَّذَيْنِ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِمَا عِنْدَ عَدَمِ السَّتْرِ مَحْذُورٌ، تَيَمَّمَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ لاَ يَتَيَسَّرُ لَهُ ذَلِكَ، فَيَحْرُمُ الْعَزْلُ وَلاَ يَنْفُذُ .

عِلْمُ الْمُوَكِّلِ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ نَفْسَهُ:

176 – لَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عِلْمَ الْمُوَكِّلِ بِعَزْلِ الْوَكِيلِ نَفْسَهُ مِنَ الْوَكَالَةِ، لأِنَّ فَسْخَ عَقْدِ الْوَكَالَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَحْتَاجُ لِلرِّضَا فِيهِ، وَمَا لاَ يَحْتَاجُ لِلرِّضَا فِيهِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْعِلْمِ فِيهِ كَذَلِكَ.

وَهُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ أَوْ بِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، حَيْثُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ لِنَفْسِهِ عِلْمُ الْمُوَكِّلِ بِالْعَزْلِ .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ الْوَكِيلُ أَنَّهُ لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ فِي غَيْبَةِ مُوَكِّلِهِ اسْتَوْلَى عَلَى الْمَالِ جَائِرٌ حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَزْلُ عَلَى الأْوْجَهِ كَالْمُوصِي، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ .

ثَانِيًا: الْوَفَاةُ:

177 – تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَذَلِكَ لأِنَّ الْمَوْتَ مُبْطِلٌ لأِهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُوَكِّلُ أَوِ الْوَكِيلُ بَطَلَتْ أَهْلِيَّتُهُ بِالْمَوْتِ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ.

وَلأِنَّ الْوَكِيلَ نَائِبٌ عَنِ الْمُوَكِّلِ فِي مَالِهِ، وَقَدِ انْتَقَلَ هَذَا الْمَالُ بِالْوَفَاةِ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَلاَ يَلْزَمُهُمْ مَا بَاعَ أَوِ اشْتَرَى .

عِلْمُ الْوَكِيلِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ:

178 – ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْوَكِيلِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ حَتَّى تَبْطُلَ الْوَكَالَةُ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ حَتَّى يَصِحَّ الْعَزْلُ، لأِنَّهُ لَوِ انْعَزَلَ قَبْلَ عِلْمِهِ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، لأِنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَتَقَعُ بَاطِلَةً. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَتَى تَصَرَّفَ قَبْلَ عِلْمِهِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُتَعَاقِدُ مَعَ الْوَكِيلِ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهَا الْمُوَكِّلُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَتَعَاقَدُ مَعَ وَكِيلٍ بِأَنْ أَعْلَمَهُ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ إِلاَّ إِذَا عَلِمَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ، وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ لِصِحَّةِ الْعَزْلِ، وَلَكِنَّ الأْوَّلَ هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ.

أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُتَعَاقِدُ مَوْجُودًا بِالْبَلَدِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْمُوَكِّلُ، أَوْ كَانَ مَوْجُودًا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِالْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ إِلاَّ إِذَا عَلِمَ بِوَفَاةِ مُوَكِّلِهِ .

ثَالِثًا: الْجُنُونُ:

179 – اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ طُرُوءِ الْجُنُونِ عَلَى الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ عَلَى الْوَكَالَةِ عَلَى أَقْوَالٍ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ الْمُطْبَقِ، سَوَاءٌ طَرَأَ عَلَى الْوَكِيلِ أَوِ الْمُوَكِّلِ.

وَإِذَا جُنَّ الْوَكِيلُ أَوِ الْمُوَكِّلُ جُنُونًا مُطْبَقًا ثُمَّ أَفَاقَ لاَ تَعُودُ الْوَكَالَةُ.

وَحَدُّ الْجُنُونِ الْمُطْبَقِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِيهِ:

فَحَدَّهُ أَبُو يُوسُفَ بِمَا يَسْتَوْعِبُ الشَّهْرَ وَبِهِ يُفْتِي، وَعَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِسُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِهِ، فَقُدِّرَ بِهِ احْتِيَاطًا، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِي ذَلِكَ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الشَّهْرَ أَدْنَى مَا يَسْقُطُ بِهِ عِبَادَةُ الصَّوْمِ فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِهِ أَوْلَى، أَمَّا وَجْهُ حَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلِسُقُوطِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِهِ فَقَدَّرَ بِهِ احْتِيَاطًا كَمَا ذَكَرْنَا.

وَحَدَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِمَا يَسْتَوْعِبُ السَّنَةَ، لأِنَّ الْمُسْتَوْعِبَ لِلسَّنَةِ هُوَ الْمُسْقِطُ لِلْعِبَادَاتِ كُلِّهَا فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِهِ أَوْلَى.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ كَذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمُمْتَدِّ وَغَيْرِهِ.

قَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِخُرُوجِ الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ وَإِنْ زَالَ عَنْ قُرْبٍ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِجِنُونِهِ أَوْ جِنُونِ مُوَكِّلِهِ إِلاَّ أَنْ يَطُولَ جُنُونُ مُوَكِّلِهِ جِدًّا فَيَنْظُرَ لَهُ الْحَاكِمُ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ: لاَ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِجِنُونٍ لاَ يَمْتَدُّ بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ الْمُهِمَّاتُ وَيَخْرُجُ إِلَى نَصْبِ قَوَّامٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَرَدَ بِلَفْظِ قِيلَ: إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ .

رَابِعًا: الإْغْمَاء:

180 – اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ الإِْغْمَاءِ عَلَى الْوَكَالَةِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الأْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُلُ بِالإْغْمَاءِ، لأِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الإْنْسَانُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ إِلَى بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِإِغْمَاءِ الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ، إِلْحَاقًا لَهُ بِالْجُنُونِ، لأِنَّ الإْغْمَاءَ يَجْعَلُ الإْنْسَانَ غَيْرَ أَهْلٍ لِلْقِيَامِ بِالتَّصَرُّفَاتِ، فَتَبْطُلُ بِهِ الْوَكَالَةُ لِذَلِكَ .

خَامِسًا: الْحَجْرُ:

181 – الْحَجْرُ مِنْ أَسْبَابِ بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ.

وَلِلْفُقَهَاءِ مَنَاهِجُ مُخْتَلِفَةٌ فِي بَيَانِ آثَارِ الْحَجْرِ عَلَى الْوَكَالَةِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ يُبْطِلُ الْوَكَالَةَ.

وَقَالُوا: إِنَّ مَنْ وَكَّلَ إِنْسَانًا فَحَجَرَ عَلَيْهِ بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ، لأِنَّ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِ بَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ أَمْرِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَيَبْطُلُ الأْمْرُ فَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ.

وَخَصَّصَ الْحَنَفِيَّةُ بُطْلاَنَ الْوَكَالَةِ بِالْحَجْرِ عَلَى الْمُوَكِّلِ إِذَا كَانَ الْوَكِيلُ وَكِيلاً فِي الْعُقُودِ وَالْخُصُومَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَ وَكِيلاً فِي قَضَاءِ دَيْنٍ وَاقْتِضَائِهِ وَقَبْضِ وَدِيعَتِهِ فَلاَ يَنْعَزِلُ بِالْحَجْرِ.

وَقَالُوا: تَبْطُلُ وَكَالَةُ الوَكِيلِ بِالْحَجْرِ، عَلِمَ الْوَكِيلُ بِالْحَجْرِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ  

وصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْحَجْرِ لِسَفَهٍ، سَوَاءٌ طَرَأَ عَلَى الْوَكِيلِ أَوْ عَلَى الْمُوَكِّلِ، لأِنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ يَعْتَمِدُ عَلَى الْعَقْلِ وَعَدَمِ الْحَجْرِ، فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ انْتَفَتْ صِحَّتُهُ لاِنْتِفَاءِ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ.

وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِبُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِالْحَجْرِ لِلسَّفَهِ حَيْثُ كَانَتْ فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي اعْتُبِرَ لَهَا الرُّشْدُ، بِأَنْ كَانَتْ فِي شَيْءٍ لاَ يَتَصَرَّفُ فِي مِثْلِهِ السَّفِيهُ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ فِي شَيْءٍ يَسِيرٍ يَتَصَرَّفُ فِي مِثْلِهِ السَّفِيهُ بِدُونِ إِذْنٍ، أَوْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ فِي طَلاَقٍ أَوْ رَجْعَةٍ أَوْ فِي تَمَلُّكٍ مُبَاحٍ كَاسْتِقَاءِ مَاءٍ أَوِ احْتِطَابٍ، وَالَّذِي حُجِرَ عَلَيْهِ الْمُوَكِّلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، فَلاَ تَنْفَسِخُ .

وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِفَلَسِ الْمُوَكِّلِ فِيمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ كَالتَّصَرُّفِ فِي عَيْنِ مَالِهِ لاِنْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي تَصَرُّفٍ فِي الذِّمَّةِ .

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ حَجَرَ عَلَى الْوَكِيلِ لِفَلَسٍ فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا، لأِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلاً لِلتَّصَرُّفِ.

وَإِنْ حَجَرَ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَكَانَتِ الْوَكَالَةُ بِأَعْيَانِ مَالِهِ بَطَلَتْ لاِنْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِي أَعْيَانِ مَالِهِ. وَإِنْ كَانَتْ فِي الْخُصُومَةِ أَوِ الشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ أَوِ الطَّلاَقِ أَوِ الْخُلْعِ أَوِ الْقِصَاصِ فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا، لأِنَّ الْمُوَكِّلَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ، فَلاَ تَنْقَطِعُ الاِسْتِدَامَةُ .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِالْحَجْرِ عَلَى الْوَكِيلِ أَوْ عَلَى الْمُوَكِّلِ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لاَ يَنْفُذُ مِنْهُمَا. وَاعْتَبَرُوا الْحَجْرَ فِي كِلاَ الْحَالَيْنِ فِي مَعْنَى الْجُنُونِ .

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِفَلَسِ الْمُوَكِّلِ الأْخَصِّ، لاِنْتِقَالِ الْمَالِ لِلْغُرَمَاءِ.  

وَالْمُرَادُ بِالْفَلَسِ الأْخَصِّ: هُوَ حُكْمُ الْحَاكِمُ بِخَلْعِ مَا بِيَدِ الْمُفْلِسِ لِغُرَمَائِهِ بِشُرُوطِهِ، بِأَنْ يَطْلُبَ الْغُرَمَاءُ تَفْلِيسَ الْمَدِينِ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ حَالًّا، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّيْنُ الْحَالُّ يَزِيدُ عَلَى مَا بِيَدِ الْمَدِينِ مِنَ الْمَالِ.

وَالْفَلَسُ الأْخَصُّ يَخْتَلِفُ عَنِ الْفَلَسِ الأْعَمِّ الَّذِي هُوَ مَنْعُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ وَلَوْ مُؤَجَّلاً- بِمَالِهِ مِنْ تَبَرُّعِهِ بِعِتْقٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ حِمَالَةٍ .

وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْوَكَالَةَ لاَ تَبْطُلُ بِفَلَسِ الْمُوَكِّلِ الأْعَمِّ .

تَعَدِّي الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ:

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِتَعَدِّي الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ عَلَى آرَاءٍ:

الرَّأْيُ الأْوَّلُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِتَعَدِّي الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأِنَّ الْوَكِيلَ إِذَا تَصَرَّفَ فَقَدْ تَصَرَّفَ بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَدَّ.

كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ يَتَضَمَّنُ أَمَانَةً وَتَصَرُّفًا، فَإِذَا تَعَدَّى الْوَكِيلُ فِيهِ بَطَلَتِ الأْمَانَةُ، وَبَقِيَ التَّصَرُّفُ. كَالرَّهْنِ يَتَضَمَّنُ أَمَانَةً وَوَثِيقَةً، فَإِذَا تَعَدَّى فِيهِ بَطَلَتِ الأْمَانَةُ وَبَقِيَتِ الْوَثِيقَةُ.

الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الأْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَرَدَ بِلَفْظِ قِيلَ. إِلَى بُطْلاَنِ الْوَكَالَةِ بِالتَّعَدِّي مِنَ الْوَكِيلِ، لأِنَّهَا عَقْدُ أَمَانَةٍ فَتَبْطُلُ بِالتَّعَدِّي كَالْوَدِيعَةِ .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ هَذَا الْخِلاَفَ يَجْرِي فِيمَا إِذَا كَانَ التَّعَدِّي بِالْفِعْلِ، بِأَنْ كَانَ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ أَوْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا.

أَمَّا إِذَا كَانَ التَّعَدِّي بِالْقَوْلِ كَمَا لَوْ بَاعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ- وَلَوْ بِسَلَمٍ – فَلاَ تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ جَزْمًا، لأِنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَتَعَدَّ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ.

وَقَالَ الْمِرْدَاوِيُّ بَعْدَ سَرْدِ آرَاءِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ: مُلَخَّصُهُ: إِنْ أَتْلَفَ الْوَكِيلُ بِتَعَدِّيهِ عَيْنَ مَا وُكِّلَ فِيهِ بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُ مَا تَعَدَّى فِيهِ بَاقِيَةً لَمْ تَبْطُلْ .

الرَّأْيُ الثَّالِثُ: تَفْسُدُ الْوَكَالَةُ فِي الأْصَحِّ بِتَعَدِّي الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ، وَبِهَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ فِيمَا جَاءَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى.

وَذَلِكَ لأِنَّ الْوَكَالَةَ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ مَعَ اسْتِئْمَانٍ، فَإِذَا زَالَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَزُلِ الآْخَرُ.

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: ظَاهِرُ كَلاَمِ كَثِيرٍ مِنَ الأْصْحَابِ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ مِنَ الْوَكِيلِ تَقْتَضِي فَسَادَ الْوَكَالَةِ لاَ بُطْلاَنَهَا، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ وَيَصِيرُ مُتَصَرِّفًا بِمُجَرَّدِ الإْذْنِ .

إِنْجَازُ التَّصَرُّفِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ:

نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِلاَ عَزْلٍ بِنِهَايَةِ الشَّيْءِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دَيْنٍ فَقَبَضَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ فَزَوَّجَهُ .

الرُّجُوعُ عَنِ الْوَكَالَةِ دَلاَلَةً:

صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْوَكَالَةَ تَبْطُلُ بِدَلاَلَةِ رُجُوعِ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ.

وَمِنْ صُوَرِ رُجُوعِ الْمُوَكِّلِ دَلاَلَةً عَنِ التَّوْكِيلِ وَطْءُ الْمُوَكِّلِ زَوْجَةً وَكَّلَ فِي طَلاَقِهَا.

وَمِنْ صُوَرِ دَلاَلَةِ رُجُوعِ الْوَكِيلِ مَا إِذَا قَبِلَ الْوَكَالَةَ مِنْ مَالِكِ عَبْدٍ فِي عِتْقِهِ وَكَانَ قَدْ وَكَّلَهُ إِنْسَانٌ فِي شِرَائِهِ، فَإِنَّ قَبُولَ الْوَكَالَةِ فِي عِتْقِهِ يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنِ الْوَكَالَةِ الأْولَى فِي شِرَائِهِ .