المادة رقم : 3
شركة التوصية بالأسهم هي شركة يتكون رأس مالها من حصة أو أكثر يملكها شريك متضامن أو أكثر وأسهم متساوية القيمة إكتتب فيها مساهم أو أكثر ، ويمكن تداولها على الوجه المبين في القانون .
ويسأل الشريك أو الشركاء المتضامنون عن التزامات الشركة مسئولية غير محدودة أما الشريك المساهم فلا يكون مسئولاً إلا في حدود قيمة الأسهم التى إكتتب فيها .
ويتكون عنوان الشركة من إسم واحد أو أكثر من أسماء الشركاء المتضامنين دون غيرهم .
المذكرة الإيضاحية
الباب الأول
ويعالج الأحكام العامة : وقد وردت في المواد من (1) إلي (30) ويتناول الفصل الأول منه الأحكام التي تنطبق علي جميع أنواع الشركات الخاضعة لأحكام القانون وتعريف كل نوع منها ، وتحديد نشاطها . وضرورة الإعلان عنها حماية للمتعاملين معها (المواد من 1 إلي 6 ).
اللائحة التنفيذية لقانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة وشركات الشخص الواحد
مادة 5: الاسم التجاري للشركة :
يكون للشركة اسم تجاري يشتق من الغرض من انشائها ، ويجوز أن يتضمن الاسم التجاري للشركة اسماً أو لقباً لواحد أو أكثر من مؤسسيها .
أما شركة التوصية بالأسهم فيكون عنوانها من إسم واحد أو أكثر من الشركاء المتضامنين دون غيرهم .
ولا يجوز للشركة أن تتخذ لنفسها إسماً مطابقاً أو مشابهاً لإسم شركة أخرى قائمة، أو من شأنه أن يثير اللبس حول نوع الشركة أو طبيعتها .
مادة 84 : حصة التضامن في شركة التوصية بالأسهم :
تتكون حصة الشريك المتضامن في شركة التوصية بالأسهم ، من المبالغ النقدية أي الحصص العينية التي يقدمها الشريك المتضامن للمساهمة في رأس مال الشركة ويتم تقييم الحصص العينية طبقاً لأحكام هذه اللائحة .
وفي جميع الأحوال يجب أن تكون قيمة كل حصة من حصص الشركاء المتضامنين مساوية لقيمة السهم الصادر من الشركة أو مضاعفاته، ولا يجوز للشريك المتضامن أن يتنازل عن حصته أو جزء منها إلى الغير إلا بموافقة الجمعية العامة غير العادية.
مادة 85 : كيفية أداء حصة التضامن :
يؤدي الشريك المتضامن حصته إلي الشركة ، بذات الأوضاع والمواعيد التي يتم بها أداء مقابل الأسهم سواء أكان المقابل نقدياً أو عينياً .
الأراق المالية التي تصدرها الشركة
مادة 119 : الأوراق المالية التي تصدرها الشركة :
الأوراق المالية التي تصدرها الشركة هي الأسهم وحصص التأسيس وحصص الأرباح والسندات .
ويجب أن تكون الأوراق المشار إليها جميعاً إسمية .
حكم خاص بالجمعيات العامة لشركات التوصية بالأسهم
مادة 232 : تسري علي الجمعيات العامة لشركات التوصية بالأسهم الأحكام الخاصة بالجمعيات العامة وذلك مع مراعاة ما يأتي :
(أ) لا يجوز للجمعية العامة للمساهمين أن تباشر أو أن تقر الأعمال المتعلقة بصلة الشركة بالغير ، أو أي عمل من أعمال الإدارة الخارجية للشركة .
(ب) لا يجوز للجمعية العامة غير العادية تعديل عقد الشركة الا بموافقة الشريك أو الشركاء المديرين ، ما لم ينص عقد الشركة بغير ذلك .
(ج) تنوب الجمعية العامة عن المساهمين في مواجهة المديرين .
الأحكام
1- إذ كان مفاد نص المادة 56 من القانون رقم 26 لسنة 1954 بشأن الشركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم المعدل بالقانون رقم 114 لسنة 1958 الذى كانت الشركة المؤممة تباشر نشاطها فى ظله أن مدير شركة التوصية بالأسهم ليس أجنبياً عن الشركة وإنما هو أحد الشركاء المتضامنين فيها ويجب ذكر إسمه فى عقد تأسيس الشركة ونظامها وأنه وكيل عنها وليس عاملاً فيها ، فإن ما يتقاضاه من مكافأه مقابل عمله يعتبر حصة فى الربح مستحقة لشريك نظير هذه الوكالة والإدارة ، ومن ثم يستمد حقه فى هذه الحصة من عقد الوكالة الذى تضمنه عقد الشركة ولا يستمد هذا الحق من عقد عمل وإذ كان الحكم المطعون فيه قد أعمل فى شأن المكافأة المستحقة للمورث عن المدة السابقة على التأميم قواعد التقادم السنوى الخاصة بالدعوى الناشئة عن عقد العمل والتى نصت عليها المادة 698 من القانون المدنى مشترطاً لبدء سريان التقادم أن تكون بإعتبارها رب عمل سلمت هذا المدير بياناً بما يستحقه من مكافأة ، فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ فى تطبيقه.
(الطعن رقم 1678 لسنة 53 جلسة 1985/05/13 س 36 ع 2 ص 758 ق 156)
2- متى كان للشركة شخصية إعتبارية مستقلة عن شخصية من يمثلها قانوناً وكانت هى المقصودة بذاتها بالخصومة فلا تتأثر بما يطرأ على شخصية هذا الممثل من تغيير . لما كان ذلك ، وكان الثابت بالتوكيل الذى بموجبه باشر المحامى رفع الطعن بالنقض أنه صادر من المستشار القانونى للشركة الطاعنة إستناداً إلى التوكيل الصادر له من رئيس مجلس إدارة الشركة آنذاك متضمناً تفويضه فى تمثيل الشركة أمام القضاء والإذن له فى توكيل المحامين فى الطعن بالنقض وكان هذا التوكيل قد صدر صحيحاً ممن يمثل الشركة قانوناً وقت صدوره ، فإن تغيير رئيس مجلس الإدارة فى مرحلة لاحقة لصدور التوكيل لا ينال من شخصية الشركة ، ولا يؤثر على إستمرار الوكالة الصادرة منها ومن ثم لا يوجب إصدار توكيل أخر من رئيس مجلس الإدارة الجديد للتقرير بالطعن .
(الطعن رقم 27 لسنة 51 جلسة 1981/12/26 س 32 ع 2 ص 2423 ق 442)
3- أفرد القانون رقم 26 لسنة 1954 بشأن الشركات ، الباب الأول منه لشركات المساهمة و يضم المواد من 1 إلى 54 و أفرد الفصل الأول من الباب الثانى لشركات التوصية بالأسهم ويشمل المواد من 55 إلى 62 إذ إكتفى فى شأنها بالإحالة إلى الأحكام العامة لشركات المساهمة فنصت المادة 55 منه على أنه ‘‘ فيما عدا أحكام المواد 2 وما بعدها من الفصل الأول من الباب الأول و 11 و الفقرة الثانية من المادة 21و 27 و 28 و 31 و 33 والفقرة الثانية من المادة 24 تسرى على شركات التوصية بالأسهم سائر أحكام هذا القانون مع مراعاة القواعد المنصوص عليها فى هذا الفصل ’’ مما مقتضاه أن المشرع أجرى على شركات التوصية بالأسهم أحكام شركات المساهمة إلا ما إستثنى بنص خاص وعلى سبيل الحصر مما تقتضيه طبيعة شركات التوصية بالأسهم ، وعلى ذلك يخضع مدير شركة التوصية بالأسهملذات الأحكام الخاصة بعضو مجالس شركة المساهمة عدا ما إستثنى صراحة فى المادة 55 السالف ذكرها ومن ثم فى شأنه نص المادة 29 من هذا القانون ، ولما كانت المادة 29 من القانون المذكور معدلة بالقانون رقم 114 لسنة 1958 تنص على أنه ” لا يجوز لأحد بصفته الشخصية أو بصفته نائباً عن الغير أن يجمع بين عضوية مجالس إدارة أكثر من شركتين من شركات المساهمة التى يسرى عليها هذا القانون ، ويبطل عضوية من يخالف هذا الحكم فى المجالس التى تزيد على النصاب المقرر وفقاً لحداثة تعيينه فيها ، وكان القرار الجمهورى بالقانون رقم 137 لسنة 1961 المعمول به إعتباراً من 1961/8/12 ينص فى المادة الثالثة منه على أنه ” لا يجوز لأحد بصفته نائباً عن الغير أن يجمع بين عضوية مجلس إدارة أكثر من شركة واحدة من الشركات المساهمة ” وفى المادة الرابعة على أنه “يلغى كل حكم يخالف أحكام هذا القرار بقانون” فإن المادة الثالثة المذكورة تعتبر ناسخة للمادة 29 المشار إليها وتسرى طبقاً لما تقدم على مدير شركة التوصية بالأسهم ، فلا يجوز أن يكون فى نفس الوقت عنصراً بمجلس شركة مساهمة وذلك حتى تتاح للعضو فرصة إحكام عمله فى الشركة ولإفساح مجال العمل للأكفاء القادرين ، لا يغير من هذا النظر أنه ورد بعنوان القرار بقانون رقم 137 لسنة 1961 أنه خاص بتشكيل مجالس إدارة شركات المساهمة ، إذ لا يجوز التحدى بعنونات القوانين بل المعول عليه هو نصوص القوانين ذاتها . ولما كانت المادة 3/110 من القانون رقم 26 لسنة 1954 تزيد على النصاب المقرر وفقا لحداثة تعيينه فيها ويلزم بأن يؤدى ما يكون قد قبضه فى مقابل العضوية الباطلة لخزانة الدولة ” وإذا خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقرر بأنه يجوز أن يجمع المطعون عليه بين مدير شركة التوصية بالأسهم وعضوية مجلس إدارة الشركة المساهمة وبعدم بطلان عضويته فى الشركة الأخيرة و قضى برفض الدعوى المرفوعة بإلزامه برد ما قبضه مقابل هذه العضوية الباطلة ، فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون .
(الطعن رقم 48 لسنة 40 جلسة 1976/06/01 س 27 ع 1 ص 1255 ق 239)
4- لما كان الحكم المطعون فيه قد إستند فى قضائه – بجواز جمع المطعون عليه بين إدارة شركة التوصية بالأسهم و عضوية مجلس إدارة الشركمة المساهمة – إلا أن الشركة المساهمة أذنت له بأن يقوم إلى جانب عمله بها بتصفية إلتزاماته لشركة التوصية بالأسهم و وافقت المؤسسة التى تتبعها الشركة الأولى على هذا القرار ، و ذلك عملاً بما نصت عليه المادة 30 من القانون رقم 26 لسنة 1954 بعد تعديلها بالقانون رقم 114 لسنة 1958 من أنه لا يجوز لعضو مجلس إدارة شركة المساهمة أن يقوم بصفة دائمة بأى عمل فنى أو إدارى بأية صورة كانت فى شركة مساهمة أخرى إلا بترخيص من رئيس الجمهورية وقد أصبح هذا الترخيص طبقاً للمادة 29 من قانون المؤسسات العامة رقم 60 لسنة 1963 من إختصاص مجلس إدارة المؤسسة بالنسبة للشركات المساهمة التى تشرف عليها ، كما إستند الحكم إلى أن لائحة نظام العاملين بالشركات التابعة للمؤسسات العامة الصادرة بالقرار الجمهورى رقم 3546 لسنة 1962 تجيز لرئيس مجلس إدارة الشركة فى المادة 52/ب أن يأذن للعامل أن يؤدى أعمالاً بأجر أو بدون أجر فى غير أوقات العمل الرسمية وكان لا محل لإستناد الحكم إلى ما تقدم ، ذلك أن المادة 56 من القانون رقم 26 لسنة 1954 السالف ذكره إذ تنص على أن ” يعهد بإدارة شركة التوصية بالأسهم إلى شريك متضامن أو أكثر ويعين عقد تأسيس الشركة و نظامها أسماء من يعهد إليهم بالإدارة وسلطاتهم فيها ” وكان مفاد هذا النص هو أن مديرشركة التوصية بالأسهم ليس أجنبياً عن الشركة إنما هو أحد الشركاء المتضامنين فيها و يجب ذكر إسمه فى عقد تأسيس الشركة ونظامها وأنه وكيل عنها وليس عاملاً لديها ، ومن ثم فإن الترخيص والإذن سالفى الذكر إنما ينصرفان إلى التصريح بالقيام بأعمال فنية أو إدارية لدى شركة مساهمة أخرى أو بالعمل لدى رب عمل أخر لا إلى القيام بإدارة شركة توصية بالإسهم .
(الطعن رقم 48 لسنة 40 جلسة 1976/06/01 س 27 ع 1 ص 1255 ق 239)
5- مركز المدير الشريك المتضامن فى شركة التضامن أو شركة التوصية بالأسهم هو – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – سواء بسواء مركز التأجر الفرد صاحب المنشأة الذى لا يفرض له القانون عند احتساب الضريبة على أرباحه أجرا مقابل إدارته إياها ولا فرق بين الإثنين وحقيقة الأمر فى عمل مدير الشركة أنه يعتبر من ضمن حصته فى رأس المال ما يأخذه فى مقابل عمله هذا ويكون بحسب الأصل حصة فى الربح يستحقه الشريك لا أجرا مستحقا لأجير وبالتالى وبقدر ما تتسع له أرباح الشركة يكون مرتبه خاضعا للضربية على الأرباح التجارية طبقاً للمادتين 30 ، 34 من القانون رقم 14 لسنة 1939 , ولم يتغير هذا المركز الضريبى له بعد صدور القانون رقم 26 لسنة 1954 فى شأن الشركات ، ذلك أن القانون الضريبى هو تشريع خاص ولا سبيل إلى تعديل أحكامه إلا بتشريع خاص ينص على هذا التعديل ، وإذ كان القانون رقم 14 لسنة 1939 لم يعتد بالشخصية الاعتبارية لشركات التضامن أو التوصية فلم يخضعها بهذا الوصف لما أخضع له الشركات المساهمة فى المادة 31 منه ، كما لم يفرق فى هذا الخصوص بين شركات التوصية البسيطة وشركات التوصية بالأسهم التى وإن شملت موصين مساهمين فهى ليست إلا شركات توصية تفرض على مديرها الشريك العامل بمقدار نصيبه فى الربح وفقا لنص الفقرة الثالثة من المادة 34 من القانون المشار إليه أسوة بالشركاء فى شركات التضامن .
(الطعن رقم 33 لسنة 39 جلسة 1976/05/13 س 27 ع 1 ص 1098 ق 209)
6- متى أعتبر الحكم المطعون فيه أن ما يتقاضاه الشريك المدير فى شركة التوصية بالأسهم مقابل عمله – حصة فى الربح مستحقة لشريك لا أجرا مستحقا لأجير يخضع لضريبة الأرباح التجارية طبقا لأحكام القانون الضريبى الواجب التطبيق ، يكون قد أطرح ضمنا ما يمسك به الطاعنون من دلالة التسمية – مكافأة – التى أطلقها المشرع فى قانون آخر – القانون 26 سنة 1954 فى شأن الشركات – على هذا المقابل ومن ثم يكون النعى عليه بالقصور فى التسبيب و الإخلال بحق الدفاع فى غير محله .
(الطعن رقم 33 لسنة 39 جلسة 1976/05/13 س 27 ع 1 ص 1098 ق 209)
7- مركز المديرالشريك المتضامن فى شركة التضامن أو شركة التوصية بالأسهم هو – وعلى ما جرى به قضاء محكمة النقض – سواء بسواء ، مركز التاجر الفرد صاحب المنشأة الذى لا يفرض له القانون عند إحتساب الضريبة على أرباحه أجر مقابل إدارتة إياها ولا فرق بين الأثنين . وحقيقة الأمر فى عمل مدير الشركة أنه يعتبر ضمن حصته فى رأس المال ، فما يأخذه فى مقابل عمله هذا يكون بحسب الأصل حصة فى الربح مستحقة لشريك ، لا أجراً مستحقاً لأجير ، وبالتالى وبقدر ما تتسع له أرباح الشركة يكون مرتبه خاضعاً للضريبة على الأرباح طبقاً للمادة 30 والفقرة الأخيرة من المادة 34 من القانون رقم 14 لسنة 1939 – وإذ كانت الواقعة المنشئة لضريبة الأرباح التجارية والصناعية هى تحقق الربح وكان الثابت فى الدعوى أن الشركة لم تحقق أرباحاً إلا فى سنة 1949 حيث أدرجت فى ميزانية هذه السنة ولأول مرة حصة المطعون عليه فى الربح منذ أول يولية سنة 1945 إلى آخر سنة 1949 فإن مفاد ذلك أن الربح لم يتحقق إلا فى هذه السنة الأخيرة وإذا كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد جرى على أن الضريبة تفرض سنوياً وعلى أرباح صافية تكون المنشأة قد حققتها فى السنة المفروضة عليها تلك الضريبة وأن الشركة بعد أن تبين مركزها من حيث نشاطها الرابح فى ختام سنة 1949 قامت بصرف حصة المطعون عليه وهى فى الواقع حصة مقتطعة من الأرباح المحققة فى تلك الميزانية وأن تحقق تلك الحصة فى الربح إنما يكون فى سنه 1949 وحدها ، فإنه لا يكون قد خالف القانون أو أخطأ فى تطبيقه .
(الطعن رقم 168 لسنة 30 جلسة 1965/06/16 س 16 ع 2 ص 768 ق 121)
8- فائض التصفية الذي يحصل عليه الشريك الموصي فى شركة التوصية بالأسهم يخضع للضريبة على إيرادات القيم المنقولة طبقاً للمادة الأولى من القانون رقم14 سنة 39 وبالتالي يخضع للضريبة العامة على الإيراد وإذ كانت المادة 4/7 من القانون رقم 99 سنة 1949 تنص على أن “يخصم من الإيراد الخسائر التي يكون قد استهدف لها الممول فى حالة بيع المنشأة أو وقف عملها والمتعلقة بسنة التصفية والسنوات الثلاث السابقة عليها” فإن مقتضى ذلك أن خسائر التصفية التي يستهدف لها الشريك الموصي فى شركة التوصية ينبغي خصمها من وعاء الضريبة العامة على الإيراد العام وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه لا يكون قد خالف القانون.
(الطعن رقم 103 لسنة 28 جلسة 1962/06/06 س 13 ع 1 ص 760 ق 113)
شرح خبراء القانون
شركة التوصية بالأسهم
تعريف :
عرفت المادة الثالثة من قانون الشركات 159 لسنة 1981 شركة التوصية بالأسهم بأنها شركة يتكون رأسمالها من حصة أو أكثر يملكها شريك متضامن أو أكثر، وأسهم متساوية القيمة يكتتب فيها مساهم أو أكثر، ويمكن تداولها على الوجه المبين في القانون، وتقضي الفقرة الثانية من ذات المادة بأن يسأل الشريك أو الشركاء المتضامنون عن التزامات الشركة مسئولية غير محدودة، أما الشريك المساهم فلا يكون مسئولاً إلا في حدود قيمة الأسهم التي اكتتب فيها.
وتتضمن شركة التوصية بالأسهم بناء على التعريف الوارد بالمادة الثالثة من قانون الشركات طائفتين من الشركاء:
الطائفة الأولى :
شركاء متضامنون ومسئولون عن ديون الشركة مسئولية تضامنية فيما بينهم وغير محدودة بما قدموه من حصص، ويترتب على مسئولية الشريك المتضامن على هذا النحو اكتسابه صفة التاجر بمجرد دخوله شركة التوصية بالأسهم ولو لم تكن له هذه الصفة من قبل.
ويثور التساؤل عما إذا كان يجوز للشريك المتضامن في هذه الشركة أن تكون حصته مجرد عمله أسوة بالشريك المتضامن في كل من شركات التضامن والتوصية البسيطة من عدمه ؟ وأساس هذا التساؤل في الواقع أنه رغم خلو نصوص القانون 159 / 81 من نص يحظر على الشريك المتضامن في هذه الشركة تقديم حصة عمل، نجد اللائحة التنفيذية تتضمن نصوصاً توحي بأن حصة الشريك المتضامن هي أما حصة نقدية أو عينية، فنص المادة (81) من هذه اللائحة يقضي بأنه «يتكون رأس المال المصدر من مجموع القيمة الاسمية لمختلف أنواع الأسهم الصادرة عن شركة المساهمة مضاف إليه مجموع حصص التضامن في شركة التوصية بالأسهم، ويتعين أن يتم الاكتتاب في جميع الأسهم والمشاركة في جميع الحصص المشار إليها …». كما تنص المادة (84 / 1) من ذات اللائحة على أن «تتكون حصة الشريك المتضامن في شركة التوصية بالأسهم من المبالغ النقدية أو الحصص العينية التي يقدمها الشريك المتضامن للمساهمة في رأسمال الشركة … ». كما جاء نص المادة ( 84 / 2 ) من هذه اللائحة بأنه «وفي جميع الأحوال يجب أن تكون قيمة كل حصة من حصص الشركاء المتضامنين مساوية لقيمة السهم الصادر من الشركة … ». .
وأضافت المادة (85) من اللائحة أنه «يؤدى الشريك المتضامن حصته الى الشركة، بذات الأوضاع والمواعيد التي يتم بها أداء مقابل الأسهم سواء أكان المقابل نقدياً أو عينياً»..
حيث يتضح من ظاهر هذه النصوص أن المشرع اعتبر حصة الشريك المتضامن في هذه الشركة إما نقدية أو عينية، وذلك على خلاف القواعد العامة المنصوص عليها بالنسبة للشركاء المتضامنين في شركات الأشخاص والتي لا تمنع أن تكون حصة الشريك المتضامن مجرد عمله للشركة.
ونرى أنه رغم ظاهر النصوص المشار إليها والواردة باللائحة التنفيذية للقانون 159 لسنة 1981، فإنه يجوز للشريك المتضامن في شركة التوصية بالأسهم أن يقدم حصته المتمثلة في عمله للشركة طبقاً للأحكام الخاصة بالحصة بالعمل والسابق شرحها تفصيلاً بالكتاب الأول من هذا المؤلف، ويشترط في هذه الحالة ألا يتقاضى الشريك بالعمل أجراً عن عمله، كما لا تدخل هذه الحصة في تقدير رأس المال. ويحدد لهذا الشريك في نظام الشركة نصيب في الأرباح مقابل ما يعود على الشركة من منفعة نتيجة عمله.
وحجتنا في ذلك، أي جواز أن تكون حصة الشريك المتضامن في شركة التوصية بالأسهم مجرد عمله بالشركة، أن مفهوم النصوص الواردة باللائحة التنفيذية لا يمنع صراحة كون حصة الشريك المتضامن من مجرد عمله، وأنه إذا كانت هذه النصوص تشرح رأسمال الشركة وتكوينه وقدره ولم تشر إلى الحصة بالعمل، فإن هذا يعد من الأمور الطبيعية حيث من المقرر قانوناً أن الحصة بالعمل لا تدخل في تكوين رأس المال، هذا بالإضافة إلى عدم وجود نص صريح يحظر ذلك على الشريك المتضامن بنصوص القانون ولما كان الأصل هو جواز ذلك طبقاً للأحكام والقواعد المنظمة لمركز الشريك المتضامن في شركات الأشخاص، فإنه يكون من حق الشريك المتضامن في شركة التوصية بالأسهم أن يقدم حصته في صورة عمل للشركة. كما أن المشرع في المادة (3) من القانون 159 لسنة 1981 أشار وهو بصدد تعريف شركة التوصية بالأسهم إلى أن رأسمالها يتكون من حصة أو أكثر يملكها شريك متضامن أو أكثر دون أن يحدد طبيعة هذه الحصة على خلاف بقية هذا النص عندما أشار إلى أن رأسمال هذه الشركة يتكون أيضاً من «أسهم متساوية القيمة يكتتب فيها مساهم أو أكثر، ويمكن تداولها على الوجه المبين في القانون»، الأمر الذي يؤكد أن أسهم الشركاء المساهمين تختلف من حيث طبيعتها ونوعها عن حصص الشركاء المتضامنين والتي تخضع لأحكامها المتميزة.
هذا بالإضافة إلى أن المادة ( 111 / 1) من قانون 159 لسنة 1981 تشترط أن تكون إدارة شركة التوصية بالأسهم لشريك متضامن أو أكثر حيث جاء نصها «يعهد بإدارة شركة التوصية بالأسهم إلى شريك متضامن أو أكثر، ويعين عقد تأسيس الشركة أسماء من يعهد إليهم بالإدارة وسلطاتهم فيها»، ذلك أن مفاد هذا النص هو قصر إدارة هذه الشركة على الشركاء المتضامنين دون المساهمين بل ودون الغير كما سنرى، الأمر الذي يؤكد إمكان كون حصة الشريك المتضامن عمله أسوة بمركز الشركاء المتضامنين في شركات الأشخاص.
ولما كان أساس اختيار الشركاء المتضامنين في هذه الشركة هو الاعتبار الشخصي لكل منهم، فإنه يمتنع على أي من هؤلاء الشركاء التنازل أو التصرف في حصته للغير كقاعدة عامة وذلك حفاظاً على الطابع الشخصي بين الشركاء، كما وأنه تنقضي الشركة نهائياً لوفاة أو إعسار أو إفلاس أي منهم أو بصدور قرار بالحجر عليه وذلك ما لم يتضمن عقد الشركة حكماً آخر.
هذا ولا يندرج بعنوان هذه الشركة إلا اسم أحد الشركاء المتضامنين أو بعضهم أو كلهم كما سنرى.
ورغم عدم نص المشرع المصرى بقانون الشركات على تطبيق الأحكام الخاصة بالشركاء المتضامنين في شركات التضامن والتوصية البسيطة على الشركاء المتضامنين في شركة التوصية بالأسهم إلا أن ذلك من الأمور المسلم بها.
الطائفة الثانية :
شركاء مساهمون تنعقد مسئوليتهم عن ديون الشركة في حدود ما قدموه من رأس المال فقط دون أموالهم الخاصة ودون تضامن فيما بينهم إذا ما تعددوا، وتقضي بذلك المادة ( 3 / 2 ) من قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 بقولها «… أما الشريك المساهم فلا يكون مسئولاً إلا في حدود قيمة الأسهم التي اكتتب فيها». ولما كان الشريك المساهم في هذه الشركة يأخذ مركز الشريك المساهم في شركات المساهمة فإن اسمه لا يرد بعنوان الشركة، وإلا كان مسئولاً مسئولية شخصية وتضامنية، ولا يحق له الاشتراك في إدارة الشركة الخارجية كما سنرى، كما لا يكتسب صفة التاجر بدخوله هذه الشركة ما لم تكن له هذه الصفة من قبل، هذا ويعد اشتراكه في الشركة عملاً تجارياً دائما يخضع لأحكام قانون التجارة.
وحصة الشريك المساهم في هذه الشركة الممثلة في عدد من الأسهم يمكن التنازل عنها دون اشتراط موافقة باقي الشركاء. فالمشرع اعتبر هذه الأسهم قابلة للتداول أسوة بأسهم شركة المساهمة. وتعد قابلية الأسهم للتداول من النظام العام، ولا يجوز للشركاء تقييدها أو الاتفاق على حرمان الشركة المساهمين من التنازل عنها إلا وفقا لما تقضى به القوانين واللوائح، وإلا فقدت شركة التوصية بالأسهم أهم خصائصها المميزة .
وقد نصت المادة (110) من قانون 159 لسنة 1981 على أنه «فيما عدا أحكام المواد 37، 77، 91 ، 92 ، 93 تسري على شركات التوصية بالأسهم سائر أحكام شركات المساهمة في هذا القانون مع مراعاة القواعد المنصوص عليها في هذا الفصل».
أحكام تأسيس الشركة :
تخضع هذه الشركة إلى قواعد التأسيس العامة المنصوص عليها في الفصل الثاني من الباب الأول من قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 (البندين أولاً وثانياً) أسوة بجميع الشركات الخاضعة لنطاق تطبيقه بالإضافة إلى الأحكام الخاصة بتأسيس شركة المساهمة والتوصية بالأسهم الواردة بالبند (ثالثاً) من ذات الفصل والباب والتي سيأتي شرحها تفصيلاً بمناسبة دراسة تأسيس شركة المساهمة، ولذلك نحيل في هذا الخصوص إلى ما سيأتي شرحه في حينه منعا للتكرار.
وبناء على ذلك يسرى على تأسيس هذه الشركة الأحكام السابق ذكرها بمناسبة تأسيس الشركة ذات المسئولية المحدودة مثل ضرورة ألا يقل عدد الشركاء عن اثنين وأن يكون عقد الشركة الابتدائي مطابقاً للنموذج الذي أصدره وزير شئون الاستثمار والتعاون الدولي بالقرار رقم 7 لسنة 1982 بتاريخ 16 / 9 / 1982، كذلك ضرورة كون عقدها الابتدائي ونظامها رسمياً أو مصدقاً على التوقيعات فيه. ويجب أن يقدم طلب إنشاء الشركة إلى الجهة الإدارية المختصة مرفقاً به العقد الابتدائي ونظام الشركة وكافة الأوراق الأخرى التي يتطلبها القانون واللائحة التنفيذية، وتحيل المادة (21) من القانون على اللائحة في خصوص إجراءات نشر عقد الشركة ونظامها بالوقائع المصرية، أو بالنشرة الخاصة التي تصدر لهذا الغرض أو بغير ذلك من الطرق.
لجنة فحص طلبات التأسيس :
تضمنت اللائحة التنفيذية – دون القانون – الأحكام والإجراءات الخاصة بتأسيس شركة التوصية بالأسهم أسوة بباقي الشركات الخاضعة القانون 159 لسنة 1981، ونحيل في هذا الخصوص إلى ما سيأتي شرحه في شأن دراسة تأسيس شركة المساهمة وذلك منعا من التكرار.
رأسمال الشركة وشخصيتها المعنوية :
رأس مال الشركة :
يجب أن يكون رأس مال شركة التوصية بالأسهم كافياً لتحقيق غرضها على ألا يقل رأس المال المصدر عن مائتي وخمسين ألف جنيه مصرى بالنسبة للشركة التي لا تطرح أسهمها للاكتتاب العام، ويجب ألا يقل المبلغ المدفوع نقداً عند التأسيس عن 10% يزاد إلى 25% خلال ثلاثة أشهر على الأكثر من تاريخ تأسيس الشركة وأن يتم الوفاء بكامل قيمة رأس المال المصدر خلال خمس سنوات من تاريخ تأسيس الشركة، أما إذا كانت شركة التوصية بالأسهم تطرح أسهمها للاكتتاب العام فيجب ألا يقل رأسمالها المصدر عن مليون جنيه مع تطبيق ذات الأحكام في شأن مقدار المدفوع منه عند التأسيس أو مدة الوفاء بكامل رأس المال المصدر، وفي جميع الأحوال يجب ألا تقل نسبة ما يملكه المؤسسون عن نصف رأس المال المصدر، هذا ولا يجوز أن يكون للشركة رأس مال مرخص به يزيد على خمسة أمثال مقدار رأس المال المصدر، وتتبع في شأن أحكام زيادة رأس المال المصدر إلى مقدار رأس المال المرخص به الأحكام الخاصة بشركة المساهمة والتي نحيل إلى ما سيأتي شرحه بشأنها منعاً للتكرار.
(المادة 6 من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات).
ولا تسري أحكام هذه المادة الخاصة بالحد الأدنى لرأس المال والقدر الواجب الوفاء به نقدا عند التأسيس، على شركات التوصية بالأسهم القائمة في تاريخ العمل بالقانون، وكذلك الشركات السابق الموافقة على إنشائها من مجلس إدارة هيئة الاستثمار قبل ذلك التاريخ (المادة 6 / 3 من اللائحة التنفيذية).
ويراعى في هذا الخصوص ما جاء بالمادة (6 مكرراً) من اللائحة التنفيذية لقانون 159 لسنة 1981 والمضافة بالقرار الوزاري رقم 204 لسنة 1991 والصادر في 23 / 4 / 1991 .
ويجب إيداع المبلغ المدفوع من رأس المال في أحد البنوك المرخص لها بذلك بقرار من الوزير المختص المادة (2 / 1 ) من القانون ولا يجوز للشركة سحب هذه المبالغ إلا بعد شهر نظامها أو عقد تأسيسها في السجل التجاري (المادة (2 / 2) من القانون).
وإذا تضمن رأس المال حصصا عينية، فإنها تخضع من حيث التقدير لإجراءات تقدير الحصص العينية المنصوص عليها في المادة (25) من القانون والتي سيأتي شرحها تفصيلاً بمناسبة دراسة شركة المساهمة، ونحيل في هذا الخصوص إلى ما سيأتي شرحه في حينه.
ويتم الاكتتاب في رأس المال المصدر لشركة التوصية بالأسهم إما بأن تطرح الأسهم للاكتتاب العام، أو بأن يكتتب فيها المؤسسون أو الشركاء وغيرهم من الأشخاص الذين لا يتوافر بهم وصف الاكتتاب العام (المادة 9 من اللائحة التنفيذية).
وإذا طرحت الأسهم للاكتتاب العام فيجب أن يتم ذلك عن طريق أحد البنوك المرخص لها بقرار من وزير الاقتصاد بتلقى الاكتتابات أو عن طريق الشركات التي تنشأ لهذا الغرض، أو الشركات التي يرخص لها بالتعامل في الأوراق المالية وبعد موافقة الهيئة العامة للرقابة المالية (م 37 / 1).
وفي حالة عدم تغطية الاكتتاب في المدة المحددة له يجوز للبنوك أو الشركات التي تلقت الاكتتاب تغطية كل أو بعض ما لم يتم تغطيته من الأسهم المطروحة للاكتتاب إذا كان مرخص لها بذلك، ولها أن تعيد طرح ما اكتتب فيه للجمهور دون التقيد بإجراءات وقيود تداول الأسهم المنصوص عليها في القانون (م37 / 2).
وتحدد اللائحة التنفيذية إجراءات وشروط أحكام المادة (37) المشار إليها (م 37 / 3).
وإذا جاوز الاكتتاب عدد الأسهم المطروحة وجب توزيعها بين المكتتبين بالكيفية التي يحددها نظام الشركة على ألا يترتب على ذلك إقصاء المكتتب في الشركة أيا كان عدد الأسهم التي اكتتب فيها، ويراعي جبر الكسور لصالح صغار المكتتبين (م 38).
وتكون دعوة الجمهور للاكتتاب العام في الأسهم بنشرة تشتمل على البيانات والطرق التي تحددها اللائحة التنفيذية. وقد بينت هذه الأخيرة شروط الاكتتاب في رأس المال وتعريفة ونشرة الاكتتاب والإعلان عنها ومدته وكافة ما يتعلق بهذا الاكتتاب في المواد من 9 إلى 25).
شخصية الشركة المعنوية وشهرها :
تتمتع شركة التوصية بالأسهم بالشخصية المعنوية كباقي الشركات التي ينظمها قانون 159 لسنة 1981 وشركات الأشخاص فيما عدا شركة المحاصة كما سبق القول.
وتشهر الشركة وتكتسب الشخصية المعنوية بعد مضي خمسة عشر يوماً من تاريخ قيدها في السجل التجاري ما لم تقرر الجهة الإدارية المختصة اكتسابها الشخصية المعنوية قبل انقضاء هذه المدة.
واستثناء من ذلك لا تكتسب الشركات التي تزاول نشاطها في شبه جزيرة سيناء الشخصية المعنوية إلا بقرار من رئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة.
عنوان الشركة :
على شركة التوصية بالأسهم أن تتخذ عنواناً لها، وعنوانها يتكون من أسماء الشركاء المتضامنين فقط دون الشركاء المساهمين، وإذا لم يوجد سوى شريك واحد مسئول في كل أمواله وجب إضافة ما يفيد شركة كلفظ «وشركاه»، ويجوز أن يتضمن عنوان الشركة تسمية مبتكرة أو تسمية مشتقة من غرضها، وإذا اشتمل عنوان الشركة على اسم أحد الشركاء المساهمين كان مسئولاً في مواجهة الغير باعتباره شريكاً متضامناً كما هو الشأن بالنسبة للشريك الموصي في شركة التوصية البسيطة.
ويجب أن يذكر في جميع عقود الشركة وفواتيرها وأوراقها وإعلاناتها وجميع الأوراق والمطبوعات الأخرى التي تصدر عن الشركة، عنوان الشركة وتبين عبارة «شركة توصية بالأسهم»، قبل العنوان أو بعده، وذلك بأحرف واضحة مقروءة مع بيان مركز الشركة الرئيسي وبيان رأس المال المصدر بحسب قيمته في آخر ميزانية.
وقصد المشرع من ضرورة ذكر نوع هذه الشركة في عنوانها، إيضاح طبيعة الشركة ومدى مسئولية الشركاء فيها في مواجهة الغير، كما قصد أيضا منع اللبس بين هذه الشركة وشركة التوصية البسيطة.
وكل من يدخل باسم الشركة في أي تصرف لم تراع فيه الأحكام السابق ذكرها، يكون مسئولاً في ماله الخاص عن جميع الالتزامات الناشئة عن هذا التصرف. وإذا كان البيان الخاص برأس المال مبالغاً فيه، كان للغير أن يعتبر من تدخل باسم الشركة مسئولاً عن أداء مبلغ الفرق بين القيمة الحقيقية لرأس المال والتقدير الوارد في هذا البيان بالقدر الذي يلزم الوفاء بحق الغير (المادة 6 / 2 من القانون).
نشاط الشركة :
استحدث تشريع الشركات رقم 159 لسنة 1981 حكماً جديداً بالنسبة لنشاط شركة التوصية بالأسهم، حيث نص في المادة الخامسة منه على حظر قيام هذه الشركة أسوة بالشركة ذات المسئولية المحدودة، بأعمال التأمين أو أعمال البنوك أو الادخار أو تلقى الودائع أو استثمار الأموال الحساب الغير. وكان هذا الحظر خاصاً بالشركات ذات المسئولية المحدودة فقط في ظل قانون الشركات الملغى رقم 26 لسنة 1945. وخيراً فعل المشرع بتعميم هذا الحظر على شركات التوصية بالأسهم حيث لا تتمتع بذات الائتمان الذي تتمتع به شركات المساهمة رغم محاولة المشرع في قانون الشركات، التقريب بين أحكامها وأحكام شركات المساهمة.
على أنه رغم هذه النصوص الحاسمة في حظر نشاط استثمار الأموال لحساب الغير على شركة التوصية بالأسهم فإننا نجد قانون سوق رأس المال رقم 95 لسنة 1992 يجيز في المادة (29) منه منح الترخيص لمزاولة الأنشطة المنصوص عليها بالمادة (27) من ذات القانون إلى شركة التوصية بالأسهم (المادة 29 / 2). (الشركات التجارية للدكتورة/ سميحة القليوبي، الطبعة السابعة، 2016، دار النهضة العربية، الصفحة : 563 )
شركات التوصية بالأسهم soeiete en commandite par actions
تعرف شركة التوصية البسيطة بأنها شركة يتكون رأس مالها من حصة أو اكثر يملكها شريك متضامن او اكثر واسهم متساوية القيمة يكتتب فيها مساهم أو أكثر ، ويمكن تداولها على الوجه المبين في القانون .
فتنص المادة 3 من قانون الشركات 159 لسنة 1981 المعدل أخيرا بالقانون 3 لسنة 1998 م : شركة التوصية بالأسهم هي شركة يتكون رأس مالها من حصة أو أكثر يمتلكها شريك متضامن أو أكثر وأسهم متساوية القيمة يكتتب فيها مساهم أو أكثر ، ويمكن تداولها علي الوجه المبين في القانون .
ويسأل الشريك أو الشركاء المتضامنون عن التزامات الشركة مسئولية غير محدودة ، أما الشريك المساهم فلا يكون مسئولاً إلا في حدود قيمة الأسهم التي اكتتب فيها.
ويتكون عنوان الشركة من أسم واحد أو أكثر من أسماء الشركاء المتضامنين دون غيرهم .
لذا يمكننا القول أن شركة التوصية بالأسهم تضم نوعين من الشركاء ، النوع الأول شركاء متضامنون ، والنوع الثاني شركاء مساهمون ، وهي لا تختلف عن شركة التوصية البسيطة إلا في أن المساهمين يحلون فيها محل الموصين ، والفكرة الجامعة بين المساهمين والموصين هي أن كلا منهما لا يكون مسئولاً في الشركة إلا في حدود الحصة التي يقدمها ، في حين يختلف المساهم عن الموصي في أن شركة التوصية بالأسهم الأول يملك أسهماً قابلة للتداول ، أما الثاني فيملك حصة لا يكون التنازل عنها حراً .
والتساؤل :
لماذا تحتل شركة التوصية بالأسهم مرتبة متأخرة في سلم ترتيب شركات الأموال …؟
ظهرت شركة المسئولية المحدودة قديما حين كان تأسيس الشركة المساهمة يستوجب صدور ترخيص بالتأسيس من الدولة ممثلة في أعلى درجات السلطة ، أما وقد اتجهت أغلب الدول إلى تيسير إنشاء شركات المساهمة بنوعيها التي تطرح أسهمها للتداول وشركات المساهمة المغلقة ، وظهرت شركات المسئولية المحدودة التي تقوم بالمشروعات المتوسطة ، فقد اضمحل دور شركات التوصية بالأسهم. . وهي تمثل حاليا اقل نسبة من عدد شركات الأموال ، وقد نصت المادة 110 شركات على أنه فيما عدا أحكام المواد 37، 77، 91، 92، 93 تسري على شركات التوصية بالأسهم سائر أحكام شركات المساهمة في هذا القانون منع مراعاة القواعد المنصوص عليها في الفصل الثاني من الباب الثاني وعنوانه شركات التوصية بالأسهم .
خصائص شركات التوصية بالأسهم
تعريف شركة التوصية البسيطة بأنها شركة يتكون رأس مالها من حصة أو اكثر يملكها شريك متضامن او اكثر واسهم متساوية القيمة يكتتب فيها مساهم أو أكثر ، ويمكن تداولها على الوجه المبين في القانون . يمكننا من القول بأن لهذه الشركة عدة خصائص هامة تميزها عن غيرها من الشركات عموماً وعن شركات الأموال بصفة خاصة .
الخاصية الأولي : الشركاء طائفتان متضامنون ومساهمون :
تضم شركة التوصية بالأسهم طائفتين من الشركاء ، شركاء متضامن ، وشركاء مساهمون .
الشريك أو الشركاء المتضامنون لهم نفس المركز القانوني للشركاء المتضامنين في شركة التضامن ، فهم يسألون مسئولية شخصية وتضامنية عن ديون الشركة في أموالهم الخاصة ، ويكتسب كل منهم صفة التاجر ، ويترتب على شهر إفلاس الشركة إفلاسهم .
أما الشريك او الشركاء المساهمون فهم في مركز الشركاء المساهمين في شركة المساهمة فلا يسألون إلا في حدود قيمة أسهمهم ، وبوجه عام تعتبر هذه الشركة كما لو كانت شركة تضامن بالنسبة للشريك أو الشركاء المتضامنين ، وشركة مساهمة بالنسبة للشريك المساهم او الشركاء المساهمين .
العرض السابق للخاصية الأولي لشركة التوصية بالأسهم يحللها العميد الدكتور علي يونس : شركة التوصية بالأسهم نوع من الشركات يجمع بين خصائص شركات الأشخاص وشركات الأموال ، فالشركاء المتضامنون فيها في نفس مركز الشركاء المتضامنون في شركات التضامن والتوصية البسيطة ، وهم يسألون عن كل ديون الشركة مسئولية شخصية وتضامنية ، كما تترتب بينهم نتائج وجود الاعتبار الشخصي . أما المساهمون فيخضعون لنفس النظام القانوني الذي يطبق عليهم، في شركات المساهمة ويمتعون بكل الحقوق التي يتمتع بها المساهم في هذه الشركات .
الخاصية الثانية : رأس مال شركة التوصية البسيطة يقسم الى حصص واسهم : كما تضم شركة التوصية البسيطة نوعين الشركاء، شركاء متضامنون وشركاء مساهمون ، فإن رأس مال هذه الشركة يتكون من حصص وأسهم.: ويراعي : أولا : حصة الشريك المتضامن يجب أن تتخذ أحد صورتين ، إما الحصة النقدية وإما الحصة العينية ، وفي ذلك تنص المادة 84 من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات 159 لسنة 1981 وتحت عنوان حصة الشريك المتضامن في شركة التوصية بالأسهم : تتكون حصة الشريك المتضامن في شركة التوصية البسيطة من المبالغ النقدية أو الحصص العينية التي يقدمها الشريك المتضامن للمساهمة في رأس مال الشركة ويتم تقييم الحصص العينية طبقا لأحكام هذه اللائحة .
وفي جميع الأحوال يجب أن تكون قيمة كل حصة من حصص الشركاء المتضامنون مساوية لقيمة السهم الصادر من الشركة أو مضاعفاته ، ولا يجوز الشريك المتضامن أن يتنازل عن حصته أو جزء منها الي الغير إلا بموافقة الجمعية العامة غير العادية .
والتساؤل التالي يطرح نفسه : هل يجوز أن تكون حصة الشريك المتضامن في شركة توصية بالأسهم حصة عمل …؟
الرأي أنه لا يمكن أن تكون حصة الشريك المتضامن في شركة التوصية بالأسهم حصة عمل للأسباب الآتية :-
1- مخالفة ذلك لصريح نص المادة 3 من قانون الشركات 159 لسنة 1981 المعدل أخيرا بالقانون 3 لسنة 1998م والتي يجري نصها : شركة التوصية بالأسهم هي شركة يتكون رأس مالها من حصة أو أكثر يمتلكها شريك متضامن أو أكثر وأسهم متساوية القيمة يكتتب فيها مساهم أو أكثر ، ويمكن تداولها على الوجه المبين في القانون .
2- مخالفة ذلك لصریح نص المادة 84 فقرة 1 من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات والتي يجري نصها على أن حصة الشريك المتضامن في شركة التوصية بالأسهم تتكون من المبالغ النقدية أو الحصص العينية التي يقدمها الشريك المتضامن في رأس مال الشركة .
3- مخالفة ذلك لصریح نص المادة 81 من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات والتي يجري نصها : رأس المال المصدر في شركة المساهمة يتكون من مجموعة القيمة الاسمية لمختلف أنواع الأسهم الصادرة من الشركة مضافا إليها في شركات التوصية بالأسهم مجموع قيمة حصص التضامن ويتعين أن يتم الاكتتاب في جميع الأسهم ، والمشاركة في جميع الحصص المشار إليها .
وهذه النصوص تدل بجلاء على أن حصة الشريك المتضامن في شركة التوصية بالأسهم لا يجوز أن تتمثل في عمله خاصة أن إدارة الشركة يجب أن تكون لشريك متضامن في جميع أمواله عن ديون الشركة ومن ثم لا تقبل أن يدير شركة أموال شريك حصته هي عمله فقط .
ثانياً : لا يجوز للشريك المتضامن في شركة التوصية بالأسهم أن يتنازل عن حصته أو جزء منها إلى الغير إلا بموافقة الجمعية العامة غير العادية .
ثالثاً : إذا قدم الشريك المتضامن في شركة التوصية بالأسهم حصة عينية يجب تقويمها وفقا لأحكام التقييم في شركات المساهمة .
رابعاً : يجب ألا يقل رأس المال شركة التوصية بالأسهم التي تطرح أسهمها للاكتتاب العام عن مائه وخمسون ألف جنيه كحد أدنى .
خامساً : يجب أن يكون رأس المال المصدر لشركة التوصية بالأسهم مكتتبا فيه بالكامل وان يقوم كل مكتتب بأداء 10 % على الأقل من القيمة الاسمية للأسهم النقدية تزاد الى 25 % خلال مدة التجاوز ثلاثة اشهر من تاريخ تأسيس الشركة ، على أن يسدد باقي هذه القيمة خلال مدة لا تزيد على خمس سنوات من تاريخ تأسيس الشركة .
الخاصية الثالث : يتكون عنوان شركة التوصية بالأسهم من اسم واحد أو أكثر من أسماء الشركاء المتضامنين دون غيرهم .
وفقا لصریح نص المادة 3 من قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 يتكون عنوان شركة التوصية بالأسهم من اسم واحد أو أكثر من أسماء الشركاء المتضامنين دون غيرهم ، والتساؤل يبدوا منطقيا . لها …؟
ذكرنا آنفا أن شركة التوصية بالأسهم يتكون الشركاء فيها من طائفتين ، الأولي شركاء متضامنون ، والثانية شركاء موصون ، ولأن الشركاء المتضامنون وتطبيقا القواعد العامة في مسئولية الشريك المتضامن وحدود هذه المسئولية هم من يتحملون – في جميع أموالهم – المسئولية عن تعهدات الشركة والتزاماتها ، فكان طبيعية أن يتكون عنوان الشركة من اسم واحد أو أكثر من أسماء الشركاء المتضامنين دون غيرهم يضاف الي ذكر اعتبار لا يمكن إغفاله . تلك الثقة . التي يوليها المتعاملون مع الشركة في أسم الشريك المتضامن أو الشركاء المتضامنون .
لذا:
1- لا يجوز أن يدخل في تكوين اسم الشركة اسم أحد الشركاء المساهمين .
2- لا يجوز للشريك المساهم أن يقوم بعمل من أعمال الإدارة الخارجية .
3- يسأل الشريك المساهم إذا تسبب في دخول اسمه في عنوان الشركة أو قام بعمل من أعمال الإدارة الخارجية عن ديون الشركة في مواجهة الغير مسئولية الشريك الموصى في شركة التوصية البسيطة .
وقد نصت المادة 6 شركات على حكم عام يسري على الشركات التي ينظمها القانون رقم 159 لسنة 1981 : هو أن جميع العقود والفواتير والأسماء والعناوين التجارية والإعلانات والأوراق والمطبوعات التي تصدر عن الشركة يجب أن تحل عنوان الشركة ويبين فيها نوعها بأحرف واضحة مقروءة مع بيان مركز الشركة الرئيسي ورأس المال المصدر بحسب قيمته في آخر ميزانية ، وكل من تدخل باسم الشركة في أي تصرف على خلاف هذا الحكم يكون مسئولا في ماله الخاص عن جميع الالتزامات الناشئة عن هذا التصرف ، وإذا كان البيان الخاص برأس المال مبالغا فيه كان للغير أن يعتبر من تدخل باسم الشركة مسئولا عن أداء الفرق بين القيمة الحقيقية لرأس المال ولتقدير الوارد في هذا البيان بالقدر الذي يلزم للوفاء بحق الغير ، وليس ثمة ما يمنع أن تتخذ الشركة اسماً يستمد من غرضها وطبيعة نشاطها يقترن بعنوان الشركة مثل شركة الأجهزة المنزلية – احمد على وشركاه شركة توصية بالأسهم “.
تأسيس شركة التوصية بالأسهم
تعريف شركة التوصية بالأسهم كما ذكرنا بأنها شركة يتكون رأس مالها من حصة أو أكثر يمتلكها شريك متضامن أو أكثر وأسهم متساوية القيمة يكتتب فيها مساهم أو أكثر ، ويمكن تداولها على الوجه المبين في القانون .
ويعني ذلك أنه تسري على تأسيس هذه الشركة ذات أحكام تأسيس شركة المساهمة إلا أن اختلاف شركة التوصية بالأسهم عن شركة المساهمة من حيث غلبة أو رجحان العنصر الشخصي والذي يتمثل في وجود شريك متضامن في شركة . التوصية بالأسهم يعني أن ثمة اختلافات قائمة فيما يتعلق بتأسيس هذه الشركة والقواعد التي تحكم هذا التأسيس :
فيراعي :
أولاً : ووفقا للمادة 8 من قانون الشركات يكفي أن يؤسسها هذه الشركة شخصان فقط ، أحدهما متضامن والآخر مساهم .
ثانياً : ووفق المادة 110 من قانون الشركات لا تسري أحكام المواد 37، 77 ، 91 ، 92 ، 93 من قانون الشركات على شركات توصية بالأسهم ، وهي الأحكام الخاصة بمجلس إدارة شركة المساهمة .
وفي ذلك تنص المادة 110 من قانون الشركات 159 سنة 1981 م : فيما عدا أحكام المواد 37، 77 ، 91 ، 92 ، 93 تسري على شركات التوصية بالأسهم سائر أحكام الشركات المساهمة في هذا القانون مع مراعاة القواعد المنصوص عليها في هذا الفصل.
ثالثا: تسري على شركات التوصية بالأسهم كافة الأحكام التي استحدثها قانون سوق رأس المال ولائحته التنفيذية فيما يتعلق بإصدار الأوراق المالية وتكوين رأس المال والاكتتاب العام والأسهم والسندات وصكوك التمويل .
من هو المؤسس لشركة التوصية بالأسهم :
عرف قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 المؤسس بأنه : يعتبر مؤسسة للشركة كل من يشترك اشتراكاً فعلياً في تأسيسها بنية تحمل المسئولية الناشئة عن ذلك ويسري عليه حكم المادة 89 من هذا القانون .
ويعتبر مؤسسة على وجه الخصوص كل من وقع العقد الابتدائي أو طلب الترخيص في تأسيس الشركة ، أو قدم حصة عينية عند تأسيسها ، و لا يعتبر مؤسسا من يشترك في التأسيس لحساب المؤسسين من أصحاب المهن الحرة وغيرهم .
إذن فالمؤسس لشركة التوصية بالأسهم :-
1- قد يكون شخصاً طبيعياً .
2- كما قد يكون شخصاً معنوية بشرط أن يكون تأسيس الشركات أحد أهدافها.
وقد نصت المادة الأولى من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 : يجوز أن يكون مؤسسة في الشركة المساهمة او شركة التوصية بالأسهم كل شخص طبيعي تتوافر فيه الأهلية اللازمة وكذلك كل شخص معنوي يدخل في أغراضه تأسيس مثل تلك الشركات .
ما هي الشروط التي يجب أن تتوافر في مؤسس شركة التوصية بالأسهم …؟
يجب التفرقة في الإجابة عن هذا التساؤل بين المؤسس من الأشخاص الطبيعية ، والمؤسس من الأشخاص الاعتبارية : –
1- بالنسبة للمؤسس من الأشخاص الطبيعية : يجب أن يكون الشخص كامل الأهلية ، بان يكون قد بلغ سن الرشد ، وألا يقوم به عارض من عوارض نقص الأهلية أو انعدامها ، فلا يجوز للقاصر البالغ من العمر ثماني عشرة سنة أن يشترك في تأسيس شركة توصية بالأسهم ولو كان مأذونا بالاتجار، لأن الأمر لا يتعلق بممارسة تجارة وانما يحمل المسئولية الناشئة عن التصرفات المرتبطة بعملية التأسيس بما في ذلك المسئولية الجنائية.
2- بالنسبة للمؤسس من الأشخاص المعنوية : يجب أن يكون هناك ارتباط بین غرض الشركة المؤسسة وغرض الشركة الجديدة التي يتم تأسيسها ، وفي مثل هذه الحالة لا يشترط أن يتضمن نظام الشركة نصا صريحا يسمح لها بتأسيس شركات أخري ، أما إذا لم يكن ثمة ارتبطاً بين أغراض الشركتين فلابد من نص صريح في نظام الشركة يسمح لها بالمشاركة في تأسيس الشركة الجديدة .
3- ألا يكون المؤسس لشركة التوصية بالأسهم بطريق طرح أسهمهما للاكتتاب من الأشخاص العاملين في الحكومة أو القطاع العام أو أية هيئة عامة الاشتراك في تأسيس الشركات المساهمة ، ومع ذلك يجوز بإذن خاص من الوزير المختصة الترخيص لأي من هؤلاء الأشخاص بالاشتراك في تأسيس إحدى الشركات المساهمة ، وذلك بعد التأكد من عدم ارتباط وظيفة الشخص بعمل الشركة أو التأثير فيها ، ويشترط ألا يتعارض الترخيص الصادر من الوزير مع واجبات الوظيفة وحسن أدائها.
4- ألا يكون قد سبق الحكم علي مؤسس شركة التوصية بالأسهم بطريق طرح أسهمها للاكتتاب بعقوبة جناية أو عقوبة جنحة عن سرقة او نصب او خيانة أمانة او تزوير او تفالس .
5- ألا يكون قد سبق الحكم علي مؤسس شركة التوصية بالأسهم بطريق طرح أسهمها للاكتتاب بعقوبة من العقوبات المنصوص عليها في المواد 162 ، 163 ، 164 من قانون الشركات وهي المواد التي تحرم بعض الأفعال التي تتم بالمخالفة القواعد تأسيس الشركات أو إدارتها طبقا لقانون الشركات .
ما هو العدد المطلوب من المؤسسين لشركة التوصية بالأسهم :
تنص المادة 3 من قانون الشركات 159 لسنة 1981 المعدل أخيرة بالقانون 3 لسنة1993م : شركة التوصية بالأسهم بأنها شركة يتكون رأس مالها من حصة أو أكثر يمتلكها شريك متضامن أو أكثر وأسهم متساوية القيمة يكتتب فيها مساهم أو أكثر ، ويمكن تداولها على الوجه المبين في القانون .
ويمكننا ترتيب النتائج التالية على ما سبق :
1- أن قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 يضع حدا أدنى لعدد المؤسسين الشركاء وهو شريكين ، أحدهما متضامن والآخر مساهم .
2- أن قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 لم يضع حدا أقصى لعدد المؤسسين فيجوز أن يتجاوز عددهم ثلاثة ، فإذا كان لدينا اكثر من ثلاثة مؤسسین فلابد أن يكون من بينهم أثنين شركاء متضامنين على الأقل .
ما هي الواجبات القانونية لمؤسس شركة التوصية بالأسهم …؟
بديهي أن الالتزام الأساسي الذي يقع على عاتق المؤسسين هي متابعة تأسيس الشركة واتخاذ كافة الإجراءات التي يتطلبها القانون في هذا الشأن ، وتنص المادة 11 من قانون الشركات على أنه : يجب على المؤسس أن يبذل في تعاملاته مع الشركة تحت التأسيس او لحسابها عناية الرجل الحريص ويلتزم المؤسسون – على سبيل التضامن – بأية أضرار قد تصيب الشركة أو الغير نتيجة مخالفة هذا الالتزام ، وإذا تلقى المؤسس : أية أموال او معلومات تخص الشركة تحت التأسيس كان عليه أن يرد الى الشركة تلك الأموال وآية أرباح تكون قد حصل عليها نتيجة استعماله لتلك الأموال أو المعلومات.
مدي العناية التي يلتزم ببذلها المؤسس لشركة التوصية بالأسهم ..؟
يلتزم المؤسس – في مباشرته لكل ما يقتضيه تأسيس الشركة من أعمال – بان يبذل عناية الرجل المعتاد .
والتساؤل: هل يقصد بعناية الرجل المعتاد ذلك المفهوم السائد بقواعد القانون المدني …؟
ثمة اختلاف في ذلك :
فيرى البعض من الفقه أن المقصود بعناية الرجل المعتاد هو بذل عناية الرجل المعتاد ، ذلك أن الالتزام ببذل عناية الرجل الحريص -هو- في واقع الأمر التزام بالحرص العام ، وتقاس هذه العناية على ضوء معيار موضوعي يناط بالمألوف من عناية عند مواد الناس .
ويري الفقه الراجح أنه لا يمكن قبول هذا التفسير المبسط للمسئولية ، ذلك أنه لو كان هذا هو قصد المشرع لما كان بحاجة إلى أي نص صريح في هذا الشأن ، وكان يكفيه الركون إلى القواعد العامة في القانون المدني ، حيث أن الأصل في كل التزام ببذل عناية هو أن يبذل المدين فيه عناية الرجل المعتاد والأصل أيضا طبقا للقواعد العامة أن هذا المقدار من العناية يمكن ام يزيد او ينقص تبعا لما ينص عليه القانون او يقضي به الاتفاق ، فإذا كان المشرع قد الزم المؤسسين ببذل عناية الرجل الحريص ، فان ذلك يكشف بوضوح عن قصده في زيادة مقدار العناية المطلوب منهم عن الحد الأدنى المقرر وفقا للقواعد العامة ، ومن ثم يكون على القضاء ان يقدر هذه العناية وفقا لمعيار أكثر صرامة من المعيار المتبع طبقاً للقواعد العامة .
مال التصرفات التي يجريها المؤسسون لحساب شركة.
يتم تأسيس الشركة التوصية بالأسهم عادة على مدى زمني طويل نسبياً يجرى خلاله المؤسسون تصرفات قانونية متعددة ومتنوعة لحساب الشركة تحت التأسيس ، مثل إيجار او شراء مقر مؤقت للشركة تحت التأسيس والتعاقد مع الغير من أجل القيام بالدعاية للشركة الجديدة أو طبع الوثائق والمستندات اللازمة لعملية التأسيس ، ولما كانت هذه التصرفات تتم باسم ولحساب الشركة تحت التأسيس فان من الطبيعي أن تنتقل هذه التصرفات بكل ما يترتب على عليها من حقوق والتزامات إلى الشركة بعد تأسيسها ، إلا أن مثل هذا الانتقال لا يمكن أن يتم دون ضوابط تكفل حماية المصالح المختلفة التي تمسها هذه التصرفات ، فهناك أولا مصالح الغير من المتعاقدين مع المؤسسين والذين أبرموا مثل هذه التصرفات متوقعين انتقالها في نهاية الأمر إلى الشركة بعد تأسيسها ، وهناك أيضا مصالح المكتتبين – مساهمي المستقبل – التي يجب حمايتها ضد المخاطر المحتملة لتلك التعهدات التي يلتزم بها المؤسسون في غيبة آية رقابة من جانبهم ، ثم هناك أخيرا مصلحة الشركة التي تقتضي أن يتم انتقال تلك التصرفات إليها بشكل مباشر دون المرور بذمة المؤسسين ” توقيعاً للنتائج الضريبية التي تترتب فيما لو اعتبرنا أن الحقوق والالتزامات الناشئة عن هذه التصرفات تنتقل إلى الشركة بعد اكتسابها الشخصية المعنوية عبر الذمم المالية للمؤسسين”.
الضوابط التي قررتها المادة 12 من قانون الشركات :
تنص المادة 12 : لا يسري في حق الشركة بعد تأسيسها أي تصرف يتم بين الشركة تحت التأسيس بين مؤسسها ، وذلك ما لم يعتمد هذا التصرف من مجلس إدارة الشركة إذا كان مؤسسيها وذلك ما لم يعتمد هذا التصرف من مجلس إدارة الشركة إذا كان أعضاؤه جميعاً لا صلة لهم بمن أجرى التصرف من المؤسسين ، او لم تكن لهم مصلحة في التصرف ، أو من جماعة الشركاء ، او بقرار من الجمعية العامة للشركة في اجتماع لا يكون نفيه للمؤسسين ذوي المصلحة أصوات متعددة وفي جميع الأحوال يجب أن يضع المؤسس ذو المصلحة تحت نظر الجهة التي تعتمد التصرف كافة المتعلقة بالتصرف المذكور .
تحرير العقد الابتدائي و بيان نظام الشركة
ذكرنا فيما قبل أن الشركة تبدأ كفكرة ، يخضعها المؤسسون للدراسة ، ومتى – نضجت الفكرة في أذهان الشركاء فإنه يبرمون فيما بينهم عقد ابتدائياً يثبتون فيه اتفاقهم النهائي على تكوين الشركة ، والسعي الى إتمام إجراءات التأسيس اللازمة لذلك والعقد الابتدائي ليس عقد الشركة الذي ينظم العلاقات بين الشركاء وبحكم حياة الشركة ، بل هو عقد بين المؤسسين وهو عقد نهائي يلزم أطرافه بالسعي لتأسيس الشركة ، وبالإضافة إلى العقد الابتدائي ، يحرر المؤسسون وثيقة أخرى أكثر أهمية وهي مشروع نظام الشركة ، ونظام الشركة هو دستورها الذي يحكم العلاقات بين الشركاء وينظم حياة الشخص المعنوي الذي يتم خلقه في المستقبل أي الشركة ولم يشأ المشرع أن يترك للمؤسسين مطلق الحرية في تحرير العقد الابتدائي او نظام الشركة فنص في المادة 16 من قانون الشركات على ضرورة أن يكون كل من العقد الابتدائي ونظام الشركة مطابقا للنموذج الذي يصدر به قرار من الوزير المختص ، ويشتمل كل نموذج على كافة البيانات والشروط التي يتطلبها القانون او اللوائح في هذا الشأن ، كما يبين الشروط والأوضاع التي يجوز للشركاء المؤسسين أن يأخذوا بها او يحذفوها من النموذج وأجاز النص للمؤسسين إضافة آية شروط أخرى لا تتنافى مع أحكام القانون أو اللوائح.
إذن فالمرحلة الثانية من مراحل تأسيس شركة التوصية بالأسهم تقتضي القيام بإجراعين هامين نتعرض لهما :
الإجراء الأول :
تحرير العقد الابتدائي لاتفاق الشركاء علي تأسيس شركة توصية بالأسهم .
يقصد بالعقد الابتدائي في هذا المقام ذلك العقد الذي يبرمه المؤسسون فيما بينهم ويلتزمون بمقتضاه بالسعي في إتمام الإجراءات اللازمة لتكوين الشركة ، و يجب أن يحرر هذا العقد وفقا للنموذج الذي وضعته وزارة الاستثمار ، ويراعي أنه لا يترتب على تحرير هذا العقد والتوقيع عليه إنشاء الشركة المساهمة وإنما يقتصر دور هذا العقد على إثبات تعهد المؤسسين بإتمام إجراءات تأسيس الشركة المساهمة ويجب أن يكون هذا العقد رسميا او مصدقا على التوقيعات فيه.
والتساؤل يطرح نفسه : ما هي البيانات التي يجب أن يتضمنها هذا العقد …؟ .
حددت المادة الثانية من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 م مجموعة البيانات التي لا يجوز إغفالها في العقد الابتدائي ، وهذه البيانات هي :
1- اسم الشركة.
2- غرض الشركة .
3- قيمة رأس مال الشركة .
4- عدد الأسهم التي ينقسم إليها رأس المال ، والقيمة الاسمية للسهم وما قد يرد من قيود على تداول الأسهم .
5-بيان بالحصص العينية التي دخلت في تكوين رأس المال وكافة عقود المعارضات التي وردت على هذه الحصص العينية خلال السنوات الخمس السابقة على تقديمها .
6- حقوق الرهن والامتياز التي ترتبت علي عقود المعاوضات السابقة .
7- عدد الأسهم التي اكتتب فيها المؤسسون
8- بيان بحصص التأسيس الممنوحة إلى المؤسسين او الى بعضهم .
9- تعهد المؤسسين بالسعى إلى إتمام كافة الإجراءات اللازمة لتأسيس الشركة.
10- بيان يفيد التزام الشركة بأداء المصروفات الضرورية التي تم إنفاقها بواسطة المؤسسين بسبب تأسيس الشركة خصما من حساب المصروفات العامة .
الإجراء الثاني : تحرير مشروع نظام الشركة
مشروع النظام هو الدستور الذي سوف يحكم العلاقات بين الشريك أو الشركاء المساهمين والشريك أو الشركاء المتضامنون ، وينظم مختلف جوانب حياتها حتى يتم حلها وتصفيتها لذا يمكننا القول بأن هذا النظام هو عقد الشركة بالمعنى القانوني .
والتساؤل يطرح نفسه : ما هي البيانات التي يجب أن يتضمنها نظام الشركة …؟
يجب أن يحرر نظام الشركة وفقا للنموذج الذي وضعته وزارة الاستثمار ، ويتضمن هذا النموذج خمسة وستين بندا موزعة على عشرة أبواب :
الباب الأول : في تأسيس الشركة ويتضمن اسم الشركة ، وغرضها ، ومركزها القانوني ومدتها .
الباب الثاني : في رأس مال الشركة ويتناولها مقدار رأس مال الشركة ، وعدد الأسهم وقيمة كل سهم ، وأنواع الأسهم والبيانات التي يجب أن يتضمنها السهم ، والمدة التي يجب أن يتم خلالها الوفاء بباقى قيمة السهم ، وكيفية انتقال ملكية” الأسهم ، وحقوق المساهم والتزاماته .
الباب الثالث : في السندات .
الباب الرابع : في إدارة الشركة .
الباب الخامس : في الجمعية العامة من حيث كيفية تعيين اللجنة وزمان ومكان انعقادها ، وكيفية دعوتها للانعقاد ، وشروط صحة هذا الانعقاد ، وشروط صحة مداولاتها ، واختصاصات كل من الجمعية العامة العادية والجمعية العامة غير العادية .
الباب السادس : في مراقب الحسابات من حيث كيفية تعيينه و مسئوليته .
الباب السابع : في مالية الشركة ، فيحدد السنة المالية للشركة وينظم التزام مجلس الإدارة بإعداد الميزانية وحساب الأرباح والخسائر كما يبين كيفية توزيع الأرباح الصافية ، والقواعد التي تحكم الاحتياطي
الباب الثامن : في المنازعات وينظم القواعد التي تحكم مسئولية أعضاء مجلس الإدارة وكيفية ممارسة دعوى الشركة ضدهم ، وينظم الباب التسع مسألة حل الشركة وتصفيتها .
الباب التاسع : فقد تضمن بعض الأحكام الختامية ، وأهمها ما جاء في البند 63 من أنه تخصم المصاريف والأتعاب المدفوعة في سبيل تأسيس الشركة من حساب المصروفات العامة .
والتساؤل بعد الاستعراض السابق : هل يحق للمؤسسين لشركة التوصية بالأسهم إضافة نصوص الى جانب تلك تضمنها نموذج النظام الأساسي للشركة …؟.
يجوز للمؤسسين لشركة التوصية البسيطة إضافة نصوص الى جانب تلك تضمنها نموذج النظام الأساسي للشركة ، بشرط ألا تكون هذه النصوص مخالفة لأحكام القانون أو اللائحة التنفيذية .
والتساؤل الأخير : هل يشترط أن يكون العقد الابتدائي لشركة التوصية البسيطة ونظامها رسمياً أو مصدقاً على التوقيعات فيه …؟
تنص المادة 15 من قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 : يكون العقد الابتدائى للشركة ونظامها او عقد تأسيسها رسمياً او مصدقاً على التوقيعات فيه . والأصل ان يتوافر هذا الشكل القانوني وقت تحرير العقد الابتدائي ونظام الشركة في بداية إجراءات التأسيس ، إلا أن المادة الثالثة من اللائحة التنفيذية للقانون أضافت شرطا جديدا لم يرد في القانون ، وهو ضرورة الحصول على موافقة اللجنة المنصوص عليها في المادة 18 من القانون ، وهي اللجنة التي ترخص في إنشاء الشركة ، قبل إفراغ العقد والنظام في ورقة رسمية أو في ورقة عرفية مصدق على التوقيعات فيها أمام مكتب الشهر العقاري والتوثيق المختص.
الاكتتاب هو عمل قانون بمقتضاه يتعهد شخص بالدخول في شركة التوصية بالأسهم بتقديمه مبلغا نقديا أو مالا عينيا مقابل حصوله على اسهم بقيمة اسمية مساوية لما قدمه ، والاكتتاب بهذا المعنى هو أداة الشركة في الحصول على رأس مالها الذي تحتاج إليه – في بداية حياتها للنهوض بالمشروع الاقتصادي الذي تقوم عليه وهو بهذا المعنى يشمل الحصص النقدية كما يشمل الحصص العينية .
مفهوم رأس مال شركة التوصية بالأسهم
رأس مال الشركة هو ذلك المبلغ من النقود الذي يمثل القيمة الاسمية للحصص النقدية والعينية التي قدمت للشركة ؛ ورأس المال ليس مفهوما خاصا بالشركة المساهمة ، فكل شركة لها رأس مال بالضرورة ، ومع ذلك فإن لرأس المال. أهمية خاصة في حياة الشركة المساهمة ، فهو الحد الأدنى لضمان الدائنين في ظل .. المسئولية المحدودة للشركاء عن ديون الشركة ، بحيث يمكن القول بأنه الضمان الأساسي الذي يقدمه الشركاء للوفاء بتعهدات الشركة في مواجهة الغير ، ومن هنا كان مبدأ ثبات رأس المال بما يعينه من عدم جواز رد رأس المال الى المساهمين أثناء حياة الشركة ، وما يترتب على ذلك من عدم جواز إجراء أي توزيعات مالية على المساهمين لا تكون ناتجة عن أرباح حقيقية حققتها الشركة .
ما هي صور رأس المال في شركة التوصية بالأسهم …؟
يمكننا الحديث عن وجود نوعين لرأس مال شركة التوصية بالأسهم ، الأول رأس المال المصدر ، والثاني رأس المال المرخص به ، حيث نصت المادة 32 فقرة 1من قانون الشركات على أن : يكون للشركة رأس مال مصدر ، ويجوز أن يحدد النظام رأس مال مرخصا به يجاوز رأس المال المصدر بما لا يزيد على عشرة أمثال كما يجوز أن تحدد اللائحة التنفيذية حد أدنى لرأس المال المصدر بالنسبة إلى الشركات التي تمارس أنواعا معينة من النشاط ، وكذلك ما يكون مدفوعا منه عند التأسيس.
رأس المال المصدر : هو مجموع القيم الاسمية لمختلف أنواع الأسهم الصادرة عن الشركة في لحظة معينة من حياتها .
رأس المال المرخص : هو الذي يحدده نظام الشركة بما يجاوز رأس المال المصدر .
بطلان الاكتتاب في شركة التوصية بالأسهم :
لا يكون الاكتتاب في شركة التوصية بالأسهم صحيحا إلا إذا توافرت الشروط الآتية :
الشرط الأول : أن يكون الاكتتاب في كل رأس المال ، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز المضي في إنشاء الشركة إذا انقضت المدة المقررة للاكتتاب دون أن يغطي الاكتتاب كافة الأسهم التي تمثل رأس المال المصدر ، ودون أن تقوم البنوك او الشركات السابق الإشارة اليها بالاكتتاب فيما لم يتم الاكتتاب فيه .
الشرط الثاني : أن يكون الاكتتاب باتا وفوريا ، فلا يجوز أن يكون الاكتتاب معلقا على شرط أو مضافا الى اجل ، وكل ما يضعه المكتتب من شروط لا يعتد بها فيبطل الشرط ويصح الاكتتاب ، كذلك إذا جاء الاكتتاب مضافا إلى أجل بطل الأجل وكان الاكتتاب فورية .
الشرط الثالث : أن يكون الاكتتاب جديا لا صوريا : ويعرف الفقه الصورية هنا بأنها وقوع الاكتتاب من شخص لا يقصد الالتزام حقا بدفع قيمة السهم ، وإنما يكون الغرض من الاستعانة به مجرد الايهام بوقوع الاكتتاب في كل رأس المال .
الشرط الرابع : أن يدفع كل مكتتب على الأقل ۱۰ % من القيمة الاسمية للاسهم التي اكتب فيها : يحدد نظام الشركة النسبة الواجب دفعها من قيمة الاسهم عند الاكتتاب ، وليس هناك ما يمنع من أن ينص في النظام على ضرورة اقتضاء كل القيمة الاسمية للاسهم عند الاكتتاب .
ويراعي :
1- يجب أن يحصل الوفاء بقيمة الاسهم المكتتب فيها نقدا ، الا انه ليس هناك ما يمنع من أن يتم الوفاء بشيك او بطريق نقل الحساب في البنك ، اذا كان المكتب حساب دائن في ذات البنك الذي يتلقى الاكتتابات .
2- يجب أن تودع المبالغ المدفوعة لحساب الشركة تحت التأسيس في أحد البنوك المرخص لها ، ولا يجوز للشركة سحب هذه الأموال الا بعد شهر نظامها او عقد تاسيسها في السجل التجاري”.
3- لا يجوز لممثلي الشركة بعد تأسيسها سحب المبالغ المودعة الا بعد تقديم ما يثبت شهر نظام الشركة في شهر نظام الشركة في السجل التجاري .
4- قد تنتهي المدة المحددة للاكتتاب دون أن يتم تغطية رأس المال المصدر بالكامل ، وقد يحدث أن يتعدى الاكتتاب قيمة رأس المال ، أو قد يتم الاكتتاب في كل رأس المال دون زيادة أو نقصان فما هو الحكم في كل حالة من هذه الحالات .
أولا : إذا انقضت مدة الاكتتاب والمدة التي يمتد اليها دون أن يغطي الاكتتاب كافة الأسهم المعروضة ، فان مشروع الشركة يفشل ، ولا يجوز المضي في استكمال إجراءات تأسيس الشركة ، اذا لم تقم البنوك المرخص لها بتلقى الاكتتابات أو الشركات التي تنشأ لهذا الغرض والشركات التي تتعامل فى الاوراق المالية بالاكتتاب في الجزء المتبقي من رأس المال والذي لم يتم الاكتتاب فيه .
ثانيا : إذا جاوز الاكتتاب عدد الأسهم المطروحة وجب توزيعها بين المكتتبين بالكيفية التي يحددها نظام الشركة ، فإذا لم يتضمن نظام الشركة نصا في هذا الشأن وجب إتمام عملية التوزيع بالطريقة التي نظمتها المادة 22 من اللائحة التنفيذية ، فيتم تخصيص عدد من الأسهم لكل مكتتب على أساس نسبة عدد الأسهم المطروحة للاكتتاب الى عدد الأسهم المكتتب فيها ، بشرط ألا يترتب على ذلك إقصاء أي مكتب في الشركة أيا كان عدد الأسهم التي اكتتب فيها ، ويراعي جبر الكسور لصالح صغار المكتتبين ، وعلى ذلك إذا بلغت طلبات الاكتتاب مثلا أربعة أمثال قيمة الاسهم المعروضة ، أعطى كل مكتتب ربع ما طلبه من اسهم ، بشرط الا يترتب على ذلك استبعاد ای مكتتب ، فإذا اكتتب شخص في هذه الحالة في سهم واحد ، فلا يجوز استبعاده وفي راينا أن هذا الحكم الاخير ينطبق حتى في الحالات التي يتولى فيها نظام الشركة تحديد كيفية توزيع الأسهم ، والقول بغير هذا يعني تعليق الاكتتاب على شرط واقف هو تجاوز الأسهم المكتتب فيه حدا معينا وهذا ما لا يجوز ، وفي هذه الحالة يقدم المكتب شهادة الاكتتاب الى الجهة التي تم الاكتتاب عن طريقها لإثبات عدد الأسهم التي خصصت له ومقدار ما دفعه من مبالغ عنها ويرد اليه الباقي مما يدفعه عند الاكتتاب .
ثالثا : وقد يتم الاكتتاب في رأس المال دون زيادة أو نقصان ، فيحصل كل مكتتب شركة التوصية بالأسهم على ما اكتتب فيه من أسهم ، ولا تثور في هذه الحالة أية مشكلة ويمضي المؤسسون في إتمام إجراءات التأسيس .
من يدير شركة التوصية بالأسهم …؟
ثمة قاعدة مستقرة حاصلها أن إدارة شركة التوصية بالأسهم مقصورة على الشريك او الشركاء المتضامنين ، وفي ذلك تنص المادة 111 من قانون الشركات 159 لسنة ۱۹۹۸م المعدل بالقانون رقم 3 لسنة 1998 : يعهد بإدارة شركة التوصية بالأسهم الى شريك متضامن او اكثر ، ويعين عقد تأسيس الشركة أسماء من يعهد إليهم بالإدارة وسلطاتهم فيها ، ويكون حكم من يعهد إليه بالإدارة من حيث المسئولية حكم المؤسسين وأعضاء مجلس الإدارة في شركات المساهمة في تطبيق أحكام هذا القانون .
الوضع القانوني لمدير شركة التوصية بالأسهم :
يجب أن يتضمن عقد تأسيس شركة التوصية بالأسهم أسماء من يعهد إليهم بالإدارة من الشركاء المتضامنين ، فالمدير او المديرين يعتبرون في حكم المديرين الشركاء الاتفاقين ويخضعون لأحكام الخاصة بهم ، فمدير شركة التوصية بالأسهم وكيل عنها وليس عاملا لديها ولذا ما يتقاضاه من مكافأة يعتبر حصة في الربح وليس أجرا ، وقد نصت المادة 257 من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات : يجب أن يتضمن عقد تأسيس اسم أو أسماء الشركاء المتضامنين الذين يعهد إليه بإدارة – الشركة وتحدد فيه السلطات والاختصاصات المنوطة بالشريك أو الشركاء المديرين ومع مراعاة نصوص العقد يكون لهم أوسع السلطات في التصرف والإدارة فيها عدا المسائل التي ينص العقد على أنها من اختصاص الجمعية العامة للشركة.
وإذا تعدد الشركاء المديرون يكون لكل منهم على انفراد التصرف باسم الشركة ولا يحتج على الغير باعتراض أحد المديرين على تصرف صادر من مدير آخر ما لم يثبت علم الغير بهذا الاعتراض قبل إبرام التصرف ، ويجوز للشريك أو الشركاء المديرين الاستعانة بمن يرون من الفنيين والإداريين وتفويضهم في بعض اختصاصاتهم ، على أن يكون المدير مسئولا شخصيا عن أعمال هؤلاء المعاونين ، ولا تثبت لهم صفة المدير .
أثر منع الشريك المساهم من إدارة شركة التوصية بالأسهم
القاعدة أنه لا يجوز للشريك أو الشركاء المساهمين التدخل في إدارة شركة التوصية بالأسهم ، والتساؤل إذن ؛ كيف يحافظ الشريك المساهم علي حقوقه في شركة التوصية بالأسهم ..؟ .
الإجابة ؛؛؛ للشركاء المساهمين حق مراقبة إدارة الشركة ،وقد كفل لهم قانون الشركات وسائل فاعلة لذلك عن طريق مجلس المراقبة والجمعية العامة .
مجلس المراقبة لشركة التوصية بالأسهم
تنص المادة 112 من قانون الشركات : يكون لكل شركة توصية بالأسهم مجلس مراقبة مكون من ثلاثة على الأقل من المساهمين او من غيرهم ، ولهذا المجلس أن يطلب الى المديرين باسم الشركة تقديم حسابات عن إدارتهم ، وله في سبيل تحقيق هذا الغرض ان يفحص دفاتر الشركة ووثائقها ، وان يقوم بجرد الصندوق والأوراق المالية والوثائق المثبتة لحقوق الشركة والبضائع الموجودة لديها .
تنص المادة 113 من قانون الشركات : المجلس المراقبة أن يبدي الرأي في المسائل التي يعرضها عليه مديرو الشركة وله أن يأذن بإجراء التصرفات التي يتطلب عقد الشركة إذنه فيها .
تنص المادة 260 من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات : أعضاء مجلس المراقبة تنتخبهم الجمعية العامة العادية من بين المساهمين أو من غيرهم ما لم يكن قد تم تعيينهم بموجب عقد التأسيس ، كما لا يجوز أن يكون أعضاء مجلس المراقبة من شركة التوصية بالأسهم بين الشركاء المديرين ، وللجمعية العامة عزل أعضاء المجلس إذا كانت هي التي قامت بتعيينهم .
ولمجلس المراقبة أن يبدي رأيه في المسائل التي يعرضها عليه مديرو الشركة ، وله أن يأذن بإجراء التصرفات التي يتطلب عقد الشركة إذنه فيها .
تنص المادة 263 من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات : يسرى على انعقاد مجلس المراقبة وتدوين جلساته أحكام انعقاد مجلس إدارة الشركة .
يقدم مجلس المراقبة الى الجمعية العامة العادية في اجتماعها السنوي لنظر الميزانية وحساب الأرباح والخسائر تقريرا بملاحظاته على إدارة الشركة ، كما يجوز المجلس المراقبة دعوة الجمعية العامة للاجتماع .
تنص المادة 262 من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات : لأ يكون أعضاء مجلس المراقبة مسئولين عن أعمال إدارة الشركة ، ومع ذلك يجوز الرجوع عليهم منها إذا علموا بوقوع مخالفات في إدارة الشركة ولم يبلغوا بها الجمعية العامة للمساهمين في أول اجتماع لها ، وكذلك إذا ارتكبوا أخطاء في تنفيذ المهام المنوطة بهم بمقتضى القانون أو عقد الشركة .
الجمعية العامة لشركة التوصية بالأسهم .
تتكون الجمعية العامة من الشركاء المساهمين ، وتتمتع بسلطة الجمعية العامة فى شركة المساهمة ، ولما كان المساهمون لا يشاركون في أعمال الإدارة الخارجية فقد نصت المادة 114 شركات على أنه لا يجوز لها أن تباشر او أن تقر الأعمال المتعلقة بصلة الشركة بالغير ، كما ليس لها تعديل عقد الشركة إلا بموافقة المديرين ، وهم من الشركاء المتضامنين ، ما لم يقض عقد الشركة بغير ذلك ، وتنتوب الجمعية العامة عن المساهمين في مواجهة المديرين . وتقوم الجمعية العامة بكل ما من شأنه حماية المساهمين فتتولى مراقبة أعمال المديرين وأعضاء مجلس الرقابة ، ويقدم مجلس المراقبة اليها في اجتماعها السنوي الذي تنظر فيه ميزانية الشركة وحساب الأرباح والخسائر تقريرا بملاحظاته على ادارة الشركة كما ان لمجلس المراقبة دعوة الجمعية العامة للانعقاد ، وبذلك تقضى الفقرتان 3 ، 4 من المادة 261 من لائحة قانون الشركات .
اما الجمعية العامة غير العادية فتمارس اختصاصاتها المنصوص عليها في المادة 68 ، وبالإضافة إلى ذلك فلها وفقا للمادة 227 من اللائحة تغيير الشكل القانوني للشركة بقرار يصدر بأغلبية ثلاثة أرباع راس المال ويكون هذا التغيير من شركة التوصية بالأسهم إلى شركة ذات مسئولية محدودة او الى شركة مساهمة ، وذلك بالشروط والأوضاع المنصوص عنها في المادة 136 شركات ، 299 من اللائحة التنفيذية . كما يجوز وفقا للأحكام المنصوص عنها في المواد من 130 الی 135 شركات ومن 288 إلى 198 من اللائحة التنفيذية اندماج شركة التوصية بالأسهم في شركة مساهمة مصرية قائمة أو أن تتندمج مع شركة أخرى لتكوين شركة مساهمة مصرية جديدة ، وتختص بالموافقة على الاندماج الجمعيات العامة غير العادية بالأغلبية اللازمة لتعديل نظام الشركة أو عقد تأسيسها بحسب الأحوال .
ويدير الشركة شريك أو شركاء متضامنون لأنهم مسئولون بالتضامن في أموالهم الخاصة عن ديون الشركة وفي ذلك ما يكفل حسن ادارتهم للشركة .
واذا كان القانون قد حظر على المساهم إدارة الشركة فقد منعهم من أعمال الإدارة الخارجية فإذا تدخل شريك مساهم في أعمال الإدارة الخارجية يلتزم مع باقي الشركاء المديرين التزاما تضامنيا عن الالتزامات المترتبة على هذه الأعمال كما هو الشأن في تدخل الشريك الموصي في أعمال الإدارة الخارجية ، أما أعمال الإدارة الداخلية كالإدلاء برأيه في الجمعية العامة أو حقه في الإشراف بوصفه شريكا فلا يجوز حرمانه منها ..(موسوعة الشركات، الدكتور/ أحمد فاروق حجي، الشرق الأوسط للإصدارات القانونية، (إصدار النقابة العامة للمحامين) 2017، الجزء : الثاني ، الصفحة : 123)
ماهية شركة التوصية بالأسهم:
عرفت المادة 3 من القانون 159 لسنة 1981 شركة التوصية بالأسهم بأنها شركة يتكون رأس مالها من حصة أو أكثر يملكها شريك متضامن أو أكثر وأسهم متساوية القيمة يكتتب فيها مساهم أو أكثر ويمكن تداولها على الوجه المبين في القانون، ويسأل الشريك أو الشركاء المتضامنون عن التزامات الشركة مسئولية غير محدودة أما الشريك المساهم فلا يكون مسئولا إلا في حدود قيمة الأسهم التي اكتتب فيها، ويتكون عنوان الشركة من اسم أو أكثر من أسماء الشركة المتضامنين دون غيرهم.
خصائص شركة التوصية بالأسهم:
من سياق التعريف السابق يبين أن الشركة التوصية بالأسهم خصائص ثلاث تميزها عن غيرها من الشركات هي :
أنها تضم نوعين من الشركاء هم الشركاء المتضامنون والشركاء الموصون المساهمون، والشركاء المتضامنون مسئولون عن ديون الشركة مسئولية شخصية وتضامنية وبالتالي فهم يكتسبون صفة التاجر بمجرد الدخول في هذه الشركة، ويعهد إليهم بإدارة الشركة، ولا تنتقل حصصهم بالوفاة إلى الورثة ولا يجوز التنازل عنها إلى الغير. أما الشركاء الموصون المساهمون فهم لا يسألون عن ديون الشركة إلا في حدود حصصهم في رأس مال الشركة، وحصصهم تعد أسهم قابلة للتداول وتنتقل ملكيتها إلى الورثة بالوفاة.
عنوان الشركة: يتكون عنوان الشركة من اسم أو أكثر من الشركاء المتضامنين ولا يجوز أن يدخل في عنوان الشركة اسم أحد الشركاء المساهمين.
رأس مال الشركة: أن رأس مال شركة التوصية بالأسهم مقسم إلى أسهم متساوية القيمة قابلة للتداول شأنها في ذلك شأن أسهم شركات المساهمة .
أوجه الشبه والخلاف بين شركة التوصية بالأسهم وشركة التوصية البسيطة:
تتفق شركات التوصية البسيطة وشركات التوصية بالأسهم في نوعين من الأحكام:
أن لكل من شركات التوصية البسيطة وشركات التوصية بالأسهم اسم خاص يتكون من اسم أو أكثر من أسماء الأشخاص المتضامنين، ولا يدخل فيه أسم أحد الأشخاص الموصين. وقد ذكرنا عند الكلام على شركات التوصية البسيطة أن الشريك الموصي إذا أذن بدخول اسمه في عنوان الشركة فإنه يكون مسئولا عن ديون الشركة وتعهداتها قبل الغير مسئولية شخصية وتضامنية، وإذا لم يأذن بدخول اسمه في عنوان الشركة صراحة أو ضمنا فلا يسأل عن ديون الشركة وتعهداتها قبل الغير إلا في حدود حصته في رأس المال، ويعتبر فاعل ذلك مذنبة تسري عليه أحكام قانون العقوبات الخاصة بجريمة النصب إذا توافرت أركانها.
أن كلا من الشركتين تتكون من طائفتين من الشركاء، الشركاء المتضامنين والشركاء الموصين.
أما وجه الاختلاف بين الشركتين فيكمن في أن الشريك الموصي في شركة التوصية بالأسهم يستطيع أن يتنازل عن حصته إلى الغير دون موافقة باقي الشركاء في حين لا يستطيع الشريك الموصي في شركة التوصية البسيطة أن يتصرف في حصته في الشركة بدون موافقة باقي الشركاء.
أوجه الخلاف بين شركة التوصية بالأسهم وشركة المساهمة :
تخلص أوجه الخلاف بين شركة التوصية بالأسهم وشركة المساهمة فيما يلي :
يوجد بشركة التوصية بالأسهم طائفتان من الشركاء شركاء متضامنون و وشركاء مساهمون، في حين لا يوجد بشركة المساهمة إلا طائفة واحدة من الشركاء هي طائفة الشركاء المساهمين.
يتكون اسم شركة التوصية بالأسهم من اسم واحد أو أكثر من الشركاء المتضامنين في حين تتخذ شركة المساهمة الغرض من إنشائها عنوانا لها .
يقوم بإدارة شركة التوصية بالأسهم مدير أو مديرون من الشركاء المتضامنين ويحظر على الشركاء الموصين (المساهمين) القيام بعمل من أعمال الإدارة ولو بناء على توكيل (مادة 28 من المجموعة التجارية). أما في شركات المساهمة فيجب أن يكون المديرون من الشركاء المساهمين وأن يقدموا الضمان المقرر بالمادة 91 من القانون 159 لسنة 1981 .
تنقضي شركة التوصية بالأسهم بموت أو إفلاس أو الحجر على أحد الشركاء المتضامنين كما تنقضي بوفاة الشريك الذي يعهد إليه بإدارة الشركة، بينما لا تنقضي شركة المساهمة بموت أو إفلاس أو الحجر على أحد المساهمين.
أوجه الخلاف بين المساهم في شركة التوصية بالأسهم و المساهم في شركة المساهمة :
يتشابه المساهم في شركة التوصية بالأسهم مع المساهم في شركة المساهمة في كثير من الأمور ولعل أهمها تحديد مسئولية كل منهما عن ديون الشركة وتعهداتها قبل الغير بمقدار حصته في رأس المال. إلا أن هناك فرقا جوهريا بينهما يتمثل في أن المساهم في شركة التوصية بالأسهم محظور عليه أن يكون مديراً للشركة أو أن يمارس عملاً من أعمال الإدارة في حين أن المساهم في شركة المساهمة يمكن أن يكون مديرا لها.
عقد الشركة
يحرر العقد الابتدائي فيما بين المؤسسين ويتضمن بيانات تتعلق باسم الشركة وغرضها وقيمة رأس مالها وغير ذلك من البيانات .
ويجب أن يحرر العقد الابتدائي طبقا للنموذج الذي يصدر بقرار من وزير الاستثمار والتعاون الدولي. ويشتمل هذا النموذج على البيانات والأحكام والشروط التي يتطلبها القانون أو اللائحة في هذا الشأن كما يبين الشروط والأوضاع التي يجوز للشركاء المؤسسين أن يأخذوا بها أو يحذفوها من النموذج كما يكون لهم إضافة أية شروط أخرى لا تتنافى مع أحكام القانون أو اللائحة .
ويجب أن يتوافر في عقد شركة التوصية بالأسهم شروط هي:
يجب أن يكون العقد الابتدائي موقعة من الشركاء المتضامنين. ولا يشترط توقيع الشركاء الموصين على العقد إذ أن اكتتابهم بعد قبولا ضمنيا للعقد .
يجب إفراغ العقد الابتدائي لشركة التوصية بالأسهم في ورقة رسمية أو أن يكون مصدقا على التوقيعات الواردة فيه أمام مكتب الشهر العقاري والتوثيق وذلك بعد موافقة اللجنة المختصة المنصوص عليها بالمادة 18 من القانون 159 لسنة 1981.
ويجوز في حالة الضرورة أو الاستعجال التي يقدرها مدير الإدارة العامة للشركات أن يتم التصديق على التوقيعات الواردة بالعقد الابتدائي لشركة التوصية بالأسهم أمامه أو من يفوضه من العاملين بالإدارة المذكورة ويكون ذلك بموجب محضر يبين فيه ما يلي:
اسم العامل الذي تم التوقيع أمامه ووظيفته وبيان سند التفويض عند الاقتضاء.
مكان وزمان التوقيع.
أسماء الموقعين وجنسياتهم بحسب مستندات تحقيق الشخصية الخاصة بهم.
صفات الموقعين (مادة 4 من اللائحة التنفيذية).
طلب تأسيس شركة التوصية بالأسهم
بعد اتفاق المؤسسين على إنشاء شركة التوصية بالأسهم فيما بينهم فإنهم يتقدمون بأنفسهم أو بواسطة من ينوب عنهم بطلب تأسيس الشركة وفقا للنموذج المعد لذلك بمصلحة الشركات.
ويرفق بطلب التأسيس المستندات الآتية:
العقد الابتدائي ونظام الشركة.
إقرار من المؤسسين أو شهادة من مصلحة السجل التجارى تفيد عدم التباس الاسم التجاري للشركة مع غيرها من الشركات.
صحيفة الحالة الجنائية لكل مؤسس .
بنیان باسم المدير أو المديرين وجنسياتهم ومهنتهم وعناوينهم.
شهادة من أحد البنوك المعتمدة تفيد تمام الاكتتاب في أسهم الشركة وأن القيمة النقدية الواجب سدادها على الأقل من الأسهم النقدية قد تم أداؤها وأن هذه القيمة قد وضعت تحت تصرف الشركة إلى أن يتم تسجيلها.
بيان من وكيل المؤسسين بالتعديلات التي أدخلت على نموذج العقد الابتدائي ونظام الشركة (إن وجدت).
موافقة مجلس الوزراء على تأسيس الشركة إذا كان غرضها أو من بين أغراضها العمل في مجال نشاط الأقمار الصناعية أو إصدار الصحف أو أنظمة الاستشعار عن بعد أو أي نشاط يتناول غرض أو عملا من الأغراض أو الأعمال المنصوص عليها في قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة.
ما يفيد سداد نفقات النشر في صحيفة الشركات وتغطية المصروفات الإدارية.
كافة المستندات الأخرى التي يتطلبها القانون أو اللائحة التنفيذية.
وعند تقديم الطلب يحصل مقدم الطلب من مصلحة الشركات على ما يفيد تقديمه للطلب والأوراق بالرقم المسلسل والتاريخ والساعة ويختم صورة العقد والنظام المقدم حتى يستطيع أن يباشر به إجراءات التأسيس بعد فوات الموعد القانوني.
هذا ويتم فحص طلب التأسيس خلال عشرة أيام على الأكثر فإذا كانت الأوراق مستوفاة تحال إلى لجنة تأسيس الشركات، ويخطر مقدم الطلب بتاريخ الإحالة لحساب المدة، وإذا لم تكن الأوراق مستوفاة يطلب من ذوي الشأن خلال عشرة أيام من تاريخ تقديم الطلب استيفاء الأوراق المحددة.
وتفحص لجنة تأسيس الشركات طلب التأسيس، وهي لا يجوز لها الاعتراض على التأسيس إلا بقرار مسبب في حالات أربعة محددة على سبيل الحصر هي :
في حالة عدم مطابقة العقد الابتدائي والنظام الأساسي للشروط والبيانات الإلزامية أو تضمنه شروط مخالفة للقانون.
في حالة ما إذا كان غرض الشركة أو النشاط مخالفة للنظام العام أو الآداب العامة.
في حالة ما إذا كان أحد المديرين غير مستوف للشروط الواردة في القانون.
في حالة ما إذا كان أحد المؤسسين لا تتوافر فيه الأهلية اللازمة للتأسيس.
ويجب على لجنة تأسيس الشركات أن تصدر قرارها خلال ستين يوما من تاريخ إحالة الطالب إليها وفي حالة انقضاء هذا الأجل دون صدور قرار منها فإن ذلك يعد موافقة على التأسيس، وفي هذه الحالة يكون للمؤسسيين إخطار الوزير المختص كتابة خلال الخمسة عشرة يوم االتالية لانقضاء الستين يوما بعدم صدور قرار اللجنة بالبت في طلب التأسيس على أن يرفق بالإخطار صورة من الشهادة الدالة على إحالة الأوراق إلى اللجنة، وعلى الوزير المختص خلال ستين يوما من وصول الإخطار إليه أن يصدر قراره في شأن الموافقة على تأسيس الشركة وذلك بعد الرجوع إلى الهيئة ويعلن القرار إلى أصحاب الشأن على عنوانهم المبين بالإخطار، فإذا لم يصدر قرار من الوزير خلال هذه المدة – أي ستين يوما – اعتبر ذلك بمثابة موافقة من الوزير على إجراءات التأسيس، ولا تعتبر الموافقة على تأسيس الشركة التي تطرح أسهمها للاكتتاب العام نهائية إلا بعد اعتمادها من الوزير المختص بعد أخذ رأي الهيئة العامة السوق المال أو فوات الستين يوما بعد عرضها عليه، أما إذا كانت شركة التوصية بالأسهم لا تطرح أسهمها للاكتتاب العام فإنه لا يلزم لتأسيسها تصديق الوزير المختص على قرار لجنة فحص طلبات إنشاء الشركات بالموافقة على إنشاء الشركة. ويتعين على المؤسسين فور صدور قرار اللجنة بالموافقة على التأسيس أن يتخذوا إجراءات التصديق على العقد أو النظام لدى مأمورية الشهر العقاري وقيده بمكتب السجل التجاري المختص.
اعتراض اللجنة على طلب التأسيس والتظلم فيه
للجنة فحص طلبات التأسيس حق الاعتراض على تأسيس الشركة خلال عشرة أيام من تاريخ إخطارها بإنشاء الشركة وذلك في الحالات الأربعة الواردة على سبيل الحصر في المادة 49 من اللائحة التنفيذية للقانون 159 لسنة 1981 والتي سبق أن عرضنا لها. ويكون اعتراض اللجنة بموجب كتاب بالبريد المسجل على عنوان الشركة مع إرسال صورة من الكتاب إلى السجل التجاري للتأشير به على بيانات قيد الشركة (مادة 18 من القانون 159 لسنة 1981 ).
ولمؤسسي شركة التوصية بالأسهم حق التظلم من قرار لجنة فحص طلبات إنشاء الشركات بالاعتراض على تأسيس الشركة وذلك خلال خمسة عشر يوما من تاريخ إخطارهم بقرار الاعتراض وإذا لم يقدم الاعتراض خلال هذه المدة أصدرت اللجنة قرارا بشطب قيد الشركة من السجل التجاري (مادة 19 من القانون 159 لسنة 1981 ).
ويكون التظلم من قرار اللجنة بالاعتراض على قيام الشركة أمام وزیر الاقتصاد.
قبول التظلم … وفي حالة قبول التظلم زالت كل آثار الاعتراض ويخطر مكتب تلقي التظلمات كل من الشركة واللجنة والسجل التجاري بذلك وكذلك الحال في حالة ما إذا قدم التظلم في الميعاد ولم يبت فيه خلال خمسة عشر يوما من تاريخ تقديمه إذ يعتبر ذلك قبولا للتظلم ويترتب عليه ما يترتب على قبول التظلم من آثار .
رفض التظلم … في حالة رفض التظلم يجب على الشركة خلال عشرة أيام من تاريخ إخطارها بقرار رفض التظلم إزالة أسباب الاعتراض فإذا مضت العشرة أيام دون أن تزيل الشركة أسباب الاعتراض أصدرت الجهة الإدارية قرارا بشطب قيد الشركة من السجل التجاري مع إخطار الشركة والسجل التجاري بذلك، ويترتب على قرار الشطب زوال الشخصية القانونية للشركة من تاريخ صدور قرار الشطب ولذوي الشأن حق الطعن على قرار الشطب أمام محكمة القضاء الإداري وذلك خلال ستين يوما من إعلانهم بالقرار أو علمهم به، ويجب الفصل في هذا الطعن على وجه الاستعجال (مادة 19 من القانون 159 لسنة 1981 ).
الاكتتاب في رأس مال شركة التوصية بالأسهم:
يوجد نوعان من الاكتتاب في رأس مال شركة التوصية بالأسهم شأنها في ذلك شأن شركة المساهمة .
اكتتاب مغلق وفيه توزيع جميع أسهم الشركة بين الأشخاص المعروفين للمؤسسيين وبغير دعوة الجمهور للاكتتاب.
اكتتاب عام عن طريق دعوة الجمهور للاكتتاب العام.
ويشترط لصحة الاكتتاب سواء كان عاما أم مغلقا الشروط الآتية:
أن يكون الاكتتاب في كل رأس المال المصدر، إذ أن شركة التوصية البسيطة لا تنشأ إلا إذا أكتتب في جميع رأس مالها المصدر المخصص للمشروع والمعلن عنه في نشرة الاكتتاب واستنادا إلى ذلك لا يجوز للمؤسسين عرض جزء من رأس المال المصدر للاكتتاب دون باقي رأس المال المصدر كما لا يجوز لهم الاكتفاء بالمبلغ الذي اكتتب فيه فعلا والاستغناء عن الباقي كما لا يجوز لهم إصدار السهم بأقل من قيمته الإسمية ولا يجوز إصداره بقيمة أعلى من قيمته الإسمية .
كذلك يجب أن يكون الاكتتاب ناجزة وقطعية. وهو ما عبرت عنه المادة 9 من اللائحة التنفيذية بأن يكون الاكتتاب باتأ غير مغلق على شرط وفوريا غير مضاف إلى أجل.
يجب أن يكون الاكتتاب جدية. بمعنى أن يكون قد قصد المكتتب من اكتتابه الانضمام إلى الشركة وتحمل الأعباء الناتجة عن ذلك. فإذا وقع الاكتتاب صورية في جزء من رأس المال كان باطلا ، وتسقط عن المكتتب صفة المساهم إذا كانت إجراءات التأسيس قد تمت ويلتزم بدفع باقي قيمة الأسهم التي اكتتب فيها صورية على سبيل الجزاء أو التعويض .
يجب أن يدفع كل مكتب على الأقل ربع القيمة الإسمية للأسهم النقدية التي اكتتب فيها، ويجب أن يتم الوفاء بربع قيمة الأسهم النقدية نقدا أو بشيك على أنه في حال الوفاء بشيك فلا يعتبر الوفاء قد تم إلا إذا صرف البنك المسحوب عليه قيمة الشيك . ويجب أن يؤدي كل مكتب على حدة ربع القيمة الإسمية للأسهم النقدية التي اكتتب فيها فلا يكفي الوفاء الإجمالي بريع القيمة الإسمية لجميع الأسهم المكتتب فيها من عامة المكتتبين .
كذلك لا يجوز للمؤسسين أو المديرين تقرير إعفاء بعض المساهمين من سداد باقي قيمة الأسهم النقدية التي اكتتبوا فيها إذ أن في ذلك مخالفة لقاعدة المساواة بين المساهمين وهي قاعدة من قواعد النظام العام في الشركات .
يجب الوفاء بقيمة الأسهم العينية بالكامل. إذ أنه يشترط لصحة الاكتتاب الوفاء بقيمة الحصة العينية بالكامل عند الاكتتاب وإلا وقع الاكتتاب باطلا.
يجب أن يتم الاكتتاب عن طريق أحد البنوك المرخص لها بقرار من وزير الاقتصاد بتلقي الاكتتابات أو عن طريق الشركات التي تنشأ لهذا الغرض أو الشركات التي يرخص لها بالتعامل في الأوراق المالية بموجب نصوص نظامها وبعد موافقة الهيئة العامة لسوق المال (مادة 1 / 37 من القانون 159 لسنة 1981 والمادة 1 / 20 من اللائحة التنفيذية).
ويجب أن تودع المبالغ المدفوعة لحساب الشركة تحت التأسيس أحد البنوك المرخص لها بذلك بقرار من الوزير المختص ولا يجوز للشركة سحب هذه المبالغ إلا بعد شهر نظامها أو عقد تأسيسها في السجل التجاري.
أن يتم الاكتتاب بموجب شهادة اكتتاب مبينة بها تاريخ الاكتتاب وموقعا عليها من المكتتب ووكيله على أن يكتب بالأحرف عدد الأسهم التي يكتتب فيها ويعطي المكتب صورة من شهادة الاكتتاب (مادة 1 / 21 من اللائحة التنفيذية).
وتتضمن شهادة الاكتتاب البيانات الآتية:
اسم الشركة تحت التأسيس .
شكل الشركة (توصية بالأسهم).
رأس مال الشركة والجزء المطروح منه للاكتتاب فيه.
غرض الشركة.
تاريخ موافقة الهيئة العامة لسوق المال على طرح الأسهم للاكتتاب (في حالة الاكتتاب العام).
الحصص العينية في حالة وجودها.
نوع الأسهم التي يكتتب فيها.
اسم البنك أو الشركة التي يتم فيها أداء المبالغ المطلوبة للاكتتاب.
اسم المكتتب وعنوانه وجنسيته وعدد الأسهم التي يكتتب فيها.
إلا أنه يجب أن يلاحظ أن المشرع استثني في المادة 110 من القانون 159لسنة 1981 شركة التوصية بالأسهم من حكم المادة 1 / 34 من ذات القانون والتي تتطلب ضرورة عرض نسبة 49% على الأقل من أسهم الشركة عند تأسيسها أو زيادة رأس مالها في أكتتاب عام يقتصر على المصريين من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتبارين لمدة شهر ما لم يكن قد تم بالفعل حصول المصريين على هذه النسبة.
النشر في جريدة الشركات :
أوجبت المادة 79 من اللائحة التنفيذية للقانون 159 لسنة 1981 النشر في جريدة الشركات عن العقد التأسيسي لشركة التوصية بالأسهم ونظامها الأساسي، وتاريخ الموافقة الصادرة من اللجنة الإدارية بإنشاء الشركة، وتاريخ ورقم القرار الوزاري الصادر باعتماد. قرار اللجنة الإدارية بالموافقة على تأسيس الشركة (في حالة الاكتتاب العام، وتاريخ القيد بالسجل التجاري ورقمه ومكانه. وهذا الإجراء تقوم به الإدارة العامة للشركات بصحيفة الشركات على نفقة الشركة. ولا يترتب على إغفال هذا الإجراء بطلان الشركة.
زيادة رأس المال المرخص به :
يجوز بقرار من الجمعية العامة غير العادية للمساهمين زيادة رأس المال المرخص به وتتم الزيادة بناء على اقتراح المدير أو المديرين (مادة 86 من اللائحة التنفيذية) متضمنا ما يأتي:
جميع البيانات المتعلقة بالأسباب التي تدعو إلى زيادة رأس المال المرخص به .
تقرير سير الأعمال بالشركة خلال السنة التي تم فيها تقديم الاقتراح .
ميزانية السنة التي تم فيها تقدير الاقتراح وميزانية السنة التي تسبقها في حالة اعتمادها.
ويرفق باقتراح المديرين تقرير من مراقب الحسابات بشأن مدى صحة البيانات المحاسبية الواردة في تقرير المديرين (مادة 87 من اللائحة التنفيذية). ويستوجب زيادة رأس المال المرخص به تعديل نظام الشركة .
زيادة رأس المال المصدر:
لا تقتضي زيادة رأس المال المصدر تعديل نظام شركة التوصية بالأسهم كما هو الحال بالنسبة لزيادة رأس المال المرخص به. وتتم زيادة رأس المال المصدر بقرار من مدير أو مديري الشركة شريطة أن تكون الزيادة في حدود رأس المال المرخص به .
ويشترط لصحة قرار المدير أو المديرين بزيادة رأس المال المصدر أن يكون رأس المال المصدر قد تم سداده بالكامل قبل الزيادة. وتتم زيادة رأس المال المصدر بإحدى طرق ثلاث هي إصدار أسهم جديدة، أو إدماج المال الاحتياطي في رأس المال، أو تحويل السندات وحصص التأسيس إلى أسهم كما هو الحال بالنسبة لشركات المساهمة.
تخفيض رأس المال المصدر:
قد تحتاج شركة التوصية بالأسهم إلى تخفيض رأس مالها المصدر إذا كان رأس مالها المصدر زائد عن حاجتها وحتى تتفادى دفع أرباح عن أموال غير موظفة أو إذا منيت بخسارة لا أمل في تعويضها من الأرباح المستقبلية .
فترى تثبيت رأس المال المصدر عند حد الخسارة حتى لا يختلف رأس المال الإسمي ورأس المال الفعلي وبذلك تستطيع الشركة توزيع الأرباح التي . تحققها في السنوات اللاحقة على سنة الخسارة دون أن تكون مضطرة إلى جبر خسارة رأس المال قبل توزيع هذه الأرباح.
هذا ويحدد القرار الصادر من الجمعية العامة غير العادية للمساهمين بالتخفيض الكيفية التي يتم بها تنفيذه وتكلف المديرون باتخاذ ما يلزم من إجراءات لتنفيذ هذا القرار (مادة 1 / 106 من اللائحة التنفيذية).
ويتم تخفيض رأس المال المصدر بإحدى طرق ثلاث هي :
تخفيض القيمة الإسمية للسهم.
تخفيض عدد الأسهم.
شراء الشركة لبعض الأسهم و إعدامها.
ويشترط لصحة تخفيض رأس المال المصدر عدة شروط تخلص فيما يلي :
أن يخفض رأس المال بقرار من الجمعية العامة غير العادية بناء على اقتراح المديرين وأن يرفق باقتراح التخفيض المقدم إلى الجمعية تقرير من مراقب الحسابات حول مدى قيام أسباب جدية تدعو للتخفيض (مادة 105 من اللائحة التنفيذية).
أن يخفض رأس المال بالطريقة المبينة بالقرار الصادر من الجمعية العامة غير العادية ويكلف المديرون باتخاذ ما يلزم من الإجراءات التنفيذ.
يجب أن يكون التخفيض خالية من الغش وأن يكون الغرض منه مصلحة الشركة دون إيثار مصلحة بعض الشركاء على حساب البعض الآخر وإلا وقع باطلاً .
يجب ألا تقل قيمة رأس المال المصدر بعد التخفيض عن مائتي وخمسين ألف جنيه، كما يجب ألا تقل قيمة السهم عن خمسة جنيهات.
يجب أن يحرر المديرون محضرا بما تم اتخاذه من إجراءات التنفيذ قرار الجمعية العامة غير العادية بتخفيض رأس المال المصدر.
أن تعدل أحكام العقد التأسيسي للشركة أو النظام بما يتفق وتخفيض رأس المال و وأن ينشر هذا التعديل في صحيفة الشركات علي نفقة الشركة ( مادة 112 من اللائحة التنفيذية).
يلتزم مديرو شركات التوصية شأنهم في ذلك شأن مديرو شركات المساهمة الصحة مباشرتهم للإدارة بما يلي:
بيان أسهمهم في الشركة سواء باسمهم في الشركة سواء باسمهم أو باسم زوجاتهم وأولادهم القصر وما يطرأ عليها من تغيير.
عدم الاقتراض من الشركة.
عدم منافسة الشركة.
القيام بإجراءات تعارض مصالح الشركة
مسئولية المدير:
يعتبر المدير في شركة التوصية بالأسهم وكيلا عن الشركة. ويترتب على المواد ذلك عدة نتائج أهمها:
أن يلتزم بتقديم كشف حساب عن عمله طبقا للقواعد العامة (مادة 705 مدني)، ويقدم كشف الحساب في صورة تقرير سنوي إلى الجمعية العامة للمساهمين (مادة 64 من القانون 159 لسنة 1981)، وأن يكون كشف الحساب مؤيدا بالمستندات حتى يتسنى للشركاء مباشرة حقهم في الرقابة والإشراف على أعماله (مادة 519 مدني).
أنه يجب على المدير أن يبين في جميع عقود الشركة وفوائدها وأوراقها وغيرها من المطبوعات بأنها شركة توصية بالأسهم بجانب عنوانها وإلا التزم بالتعويض الناتج عن إغفال ذلك إن كان له مقتضى.
يسأل المدير عن أي عمل أو تصرف يتم بالمخالفة لأحكام القانون 159 لسنة 1981 ولائحته التنفيذية وأحكام النظام الأساسي للشركة كالتصرف . بلا مبرر في بعض أصول الشركة أو إساءة استعمال أموالها أو تبديدها أو التنازل عن حقوقها لدى الغير أو إساءة ائتمان الشركة أو الإخفاق في تحقيق غرض الشركة دون مبرر.
يعتبر المدير أمينة على أموال الشركة فإذا بددها أو اختلسها كان مرتكبا لجريمة خيانة الأمانة عملا بنص المادة 341 من قانون العقوبات .
في حالة تعدد المديرين يكونوا جميعا مسئولين بالتضامن عن أخطائهم المشتركة كما هو الحال بالنسبة للوكلاء عند تعددهم (مادة 1 / 707 مدني).
يعتبر المدير شريكا متضامنا مع الشركة في جميع ديونها ولذلك يحق للغير الرجوع عليه شخصيا كما هو الحال في شركة التضامن بجانب حقه في الرجوع على الشركة ومطالبتها بتنفيذ العقود التي أبرمها المدير بالوكالة عنها .
أما عن مسئولية المدير جنائية فإنه يسأل جنائية إذا كان الفعل المنسوب إليه يمثل جناية أو جنحة. كما يخضع للعقوبات المنصوص عليها بالمواد 162، 163 ، 164 من القانون 159 لسنة 1981 شأنه في ذلك شأن أعضاء مجلس الإدارة في شركات المساهمة. كما يعاقب طبقا لقانون السجل التجاري في حالة عدم قيده الشركة بالسجل التجاري.
اختصاص مجلس المراقبة:
يختص مجلس المراقبة بما يلي:
الإشراف الدائم على أعمال المديرين.
مطالبة المديرين بتقديم حسابات عن إدارته في أي وقت. ولهم في سبيل تحقيق ذلك فحص دفاتر الشركة ووثائقها وجرد الصندوق والأوراق المالية والوثائق المثبتة لحقوق الشركة والبضائع الموجودة لديها، والإطلاع على مستندات الشركة وأوراقها.
إبداء الرأي في المسائل التي يعرضها عليه مديرو الشركة.
الإذن بإجراء التصرفات التي يتطلب عقد الشركة إذنه فيها.
تقديم تقدير بملاحظاته على إدارة الشركة إلى الجمعية العامة العادية في اجتماعها السنوي لنظر الميزانية وحساب الأرباح والخسائر.
دعوى الجمعية العامة للاجتماع.
ولا يختص مجلس المراقبة بما يلي:
معارضة المديرين أو منعهم من القيام بعمل ما.
التدخل في أعمال الإدارة.
مسئولة أعضاء مجلس المراقبة:
يعتبر أعضاء مجلس المراقبة وكلاء عن الشركة، وعليه فإنهم يلتزمون بتقديم الحساب إلى الجمعية العمومية طبقا لقواعد الوكالة، ويحصل ذلك في شكل تقرير يقدم سنوية إلى الجمعية العمومية، بجانب هذه المسئولية التعاقدية لأعضاء مجلس المراقبة كأعضاء عن الشركة فإنهم يسألون مدنيا عن أعمال إدارة الشركة استنادا إلى قواعد المسئولية التقصيرية إذا علموا بوقوع مخالفات في إدارة الشركة ولم يبلغوا بها الجمعية العامة للمساهمين في أول اجتماع لها أو ارتكبوا أخطاء في تنفيذ المهام المنوطة بهم بموجب القانون أو عقد الشركة.
هذا ولم يرد بالقانون 159 لسنة 1981 نصا خاصا يقرر مسئولية أعضاء مجلس المراقبة جنائيا. وعليه يجب الرجوع في هذا الصدد إلى القواعد العامة المقررة في قانون العقوبات.(الشركات التجارية ، الأستاذ/ حسن عبد الحليم عناية، دار محمود للنشر والتوزيع، طبعة 2018-2019 ، المجلد: الأول ، الصفحة : 493 )
عرفت المادة الثالثة من قانون الشركات شركة التوصية بالأسهم بأنها شركة يتكون رأس مالها من حصة أو أكثر يملكها شريك متضامن أو أكثر وأسهم متساوية القيمة إكتتب فيها مساهم أو أكثر ، ويمكن تداولها على الوجه المبين في القانون .
ويسأل الشريك أو الشركاء المتضامنون عن التزامات الشركة مسئولية غير محدودة أما الشريك المساهم فلا يكون مسئولاً إلا في حدود قيمة الأسهم التى إكتتب فيها .
ويتكون عنوان الشركة من إسم واحد أو أكثر من أسماء الشركاء المتضامنين دون غيرهم .
وبناء على التعريف السابق تتضمن شركة التوصية بالأسهم نوعين من الشركاء :
الأول : شريك أو شركاء متضامنون مسئولون عن ديون الشركة مسئولية تضامنية وغير محدودة ويترتب على ذلك اكتساب الشريك صفة التاجر بمجرد دخوله الشركة ويجوز أن تكون حصة الشريك المتضامن عمله كما هو الحال في شركات التضامن والتوصية البسيطة .
والثاني : شريك أو شركاء مساهمون مسئولين عن ديون الشركة في حدود ما قدموا من رأس المال فقط دون أموالهم الخاصة ويترتب على ذلك، عدم اكتسابهم صفة التاجر بدخولهم هذه الشركة ما لم تكن له هذه الصفة من قبل، ولا يحق له الاشتراك في إدارة الشركة .
إلا أن حصة الشريك المساهم في هذه الشركة الممثلة في عدد الأسهم يمكن التنازل عنها دون اشتراط موافقة باقي الشركاء، وتعد قابلية الأسهم للتداول من النظام العام، ولا يجوز للشركاء تقييدها أو الاتفاق على حرمان الشركاء والمساهمين من التنازل عنها . ( موسوعة الشركات التجارية – المستشار الدكتور / عبدالحميد الشواربى – الجزء الأول – طبعة 2022 – الصفحة : 526 )
الفقه الإسلامي
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ – 2012 م الجزء / الرابع ، الصفحة / 276
إِسْهَامٌ
التَّعْرِيفُ:
الإِْسْهَامُ فِي اللُّغَةِ يَأْتِي بِمَعْنَيَيْنِ:
الأَْوَّلُ: جَعْلُ الشَّخْصِ صَاحِبَ حِصَّةٍ أَوْ نَصِيبٍ، يُقَالُ: أَسْهَمْتُ لَهُ بِأَلْفٍ، يَعْنِي أَعْطَيْتُهُ أَلْفًا.
وَيُصْبِحُ الشَّخْصُ ذَا سَهْمٍ فِي أُمُورٍ مِنْهَا: الْمِيرَاثُ، وَالْقِسْمَةُ، وَالْغَنِيمَةُ، وَالْفَيْءُ، وَالنَّفَقَةُ، وَالشُّرْبُ إِنْ كَانَ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ فِي ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: الإِْقْرَاعُ. يُقَالُ: أَسْهَمَ بَيْنَهُمْ، أَيْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ.
الإِْسْهَامُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّلِ (جَعْلُ الشَّخْصِ صَاحِبَ حِصَّةٍ).
الإِْسْهَامُ فِي جَمِيعِ حَالاَتِ الاِشْتِرَاكِ، كَالاِشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ، يَجْعَلُ لِكُلٍّ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ سَهْمًا فِيهِ.
وَالاِشْتِرَاكُ فِي الْعَمَلِ يَجْعَلُ لِكُلٍّ مِنَ الْمُشْتَرِكِينَ سَهْمًا مِنَ الرِّبْحِ أَوْ تَحَمُّلِ الْخَسَارَةِ. كَمَا يُثْبِتُ الإِْسْهَامُ لِكُلٍّ مِنَ الشُّرَكَاءِ نَصِيبًا فِي الشُّفْعَةِ.
وَالاِشْتِرَاكُ فِي الرَّهْنِ – إِذَا رَهَنَ عَيْنًا عِنْدَ اثْنَيْنِ – يَجْعَلُ لِكُلٍّ مِنَ الْمُرْتَهِنَيْنِ حَظًّا فِي حِفْظِهَا.
وَالاِشْتِرَاكُ فِي الْجِنَايَةِ الْخَطَأِ يُوجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْجُنَاةِ حَظًّا مِنَ الدِّيَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ إِسْهَامُ الْعَاقِلَةِ فِي تَحَمُّلِ الدِّيَةِ فِي جِنَايَةِ الْخَطَأِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ – 2012 م الجزء / العاشر ، الصفحة / 59
جَعْلُ التِّبْرِ رَأْسَمَالٍ فِي الشَّرِكَاتِ:
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التِّبْرُ رَأْسَ مَالٍ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ إِنْ تَعَامَلَ النَّاسُ بِهِ – أَيْ بِاسْتِعْمَالِهِ ثَمَنًا – فَيُنَزَّلُ التَّعَامُلُ حِينَئِذٍ مَنْزِلَةَ الضَّرْبِ، فَيَكُونُ ثَمَنًا، وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رَأْسَ مَالٍ، وَهَذَا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لاَ تَكُونُ الْمُفَاوَضَةُ بِمَثَاقِيلِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَمُرَادُهُ التِّبْرُ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ التِّبْرُ سِلْعَةٌ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، فَلاَ تَصْلُحُ رَأْسَ مَالٍ فِي الْمُضَارَبَاتِ وَالشَّرِكَاتِ، وَنَحْوِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِتِبْرٍ وَمَسْكُوكٍ وَلَوْ تَسَاوَيَا قَدْرًا إِنْ كَثُرَ فَضْلُ السِّكَّةِ، فَإِنْ سَاوَتْهَا جَوْدَةُ التِّبْرِ فَقَوْلاَنِ كَمَا فِي الشَّامِلِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ – 2012 م الجزء / التاسع عشر ، الصفحة / 222
خَلْطٌ
التَّعْرِيفُ :
الْخَلْطُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ خَلَطَ الشَّيْءَ بِغَيْرِهِ يَخْلِطُهُ خَلْطًا إِذَا مَزَجَهُ بِهِ وَخَلَّطَهُ تَخْلِيطًا فَاخْتَلَطَ: امْتَزَجَ.
وَالْخَلْطُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَائِعَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لاَ يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ، أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ بَعْدَ الْخَلْطِ، كَالْحَيَوَانَاتِ، وَكُلُّ مَا خَالَطَ الشَّيْءَ، فَهُوَ خَلِطٌ.
وَجَاءَ فِي الْكُلِّيَّاتِ: الْخَلْطُ: الْجَمْعُ بَيْنَ أَجْزَاءِ شَيْئَيْنِ فَأَكْثَرَ: مَائِعَيْنِ، أَوْ جَامِدَيْنِ، أَوْ مُتَخَالِفَيْنِ .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
أَحْكَامُ الْخَلْطِ :
يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْخَلْطِ بِاخْتِلاَفِ مَوْضُوعِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
خَلْطُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ :
إِنْ خَلَطَ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ مَالَيْنِ لَهُمَا مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ: خَلْطَةَ شُيُوعٍ، أَوْ جِوَارٍ فَيُزَكِّيَانِ زَكَاةَ الْوَاحِدِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (خُلْطَةٌ).
خَلْطُ الْمَالَيْنِ فِي عَقْدِ الشَّرِكَةِ :
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ خَلْطِ الْمَالَيْنِ قَبْلَ الْعَقْدِ لاِنْعِقَادِ عَقْدِ الشَّرِكَةِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ تَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الْخَلْطُ بَيْنَ الْمَالَيْنِ .
وَقَالُوا: إِنَّ الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى الْعَقْدِ دُونَ الْمَالِ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ يُسَمَّى شَرِكَةً فَلاَ بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ مَعْنَى هَذَا الاِسْمِ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنِ الْخَلْطُ شَرْطًا؛ وَلأَِنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ لاَ يَتَعَيَّنَانِ، فَلاَ يُسْتَفَادُ الرِّبْحُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ بِالتَّصَرُّفِ؛ لأَِنَّهُ فِي النِّصْفِ أَصِيلٌ وَفِي النِّصْفِ وَكِيلٌ، وَإِذَا تَحَقَّقَتِ الشَّرِكَةُ فِي التَّصَرُّفِ بِدُونِ الْخَلْطِ تَحَقَّقَتْ فِي الْمُسْتَفَادِ بِهِ؛ وَلأَِنَّهُ عَقْدٌ يُقْصَدُ بِهِ الرِّبْحُ فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْخَلْطُ كَالْمُضَارَبَةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الشَّرِكَةِ خَلْطُ رَأْسِ مَالِ الشَّرِكَةِ بَعْضِهِ بِبَعْضِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ خَلْطًا لاَ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهَا، فَلَوْ حَصَلَ الْخَلْطُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَلَوْ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَكْفِ عَلَى الأَْصَحِّ، وَيَجِبُ إِعَادَةُ الْعَقْدِ . وَقَالُوا: إِنَّ أَسْمَاءَ الْعُقُودِ الْمُشْتَقَّةَ مِنَ الْمَعَانِي يَجِبُ تَحَقُّقُ تِلْكَ الْمَعَانِي فِيهَا، وَمَعْنَى الشَّرِكَةِ: الاِخْتِلاَطُ وَالاِمْتِزَاجُ.
وَهُوَ لاَ يَحْصُلُ إِلاَّ بِالْخَلْطِ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (شَرِكَةٌ).
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ – 2012 م الجزء / الثاني والعشرون، الصفحة / 6
رَأْسُ الْمَالِ
التَّعْرِيفُ:
رَأْسُ الْمَالِ فِي اللُّغَةِ: أَصْلُ الْمَالِ بِلاَ رِبْحٍ وَلاَ زِيَادَةٍ، وَهُوَ جُمْلَةُ الْمَالِ الَّتِي تُسْتَثْمَرُ فِي عَمَلٍ مَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ).
وَفِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
يُذْكَرُ هَذَا الْمُصْطَلَحُ فِي: الزَّكَاةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالسَّلَمِ، وَالرِّبَا، وَالْقَرْضِ، وَبُيُوعِ الأَْمَانَاتِ، وَالْمُرَابَحَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ، وَالْحَطِيطَةِ. وَيُرْجَعُ إِلَى الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذَا الْمُصْطَلَحِ فِي مَظَانِّهَا الْمَذْكُورَةِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ – 2012 م الجزء / السادس والعشرون، الصفحة / 33
شَرِكَةُ الْعَقْدِ
تَعْرِيفُهَا
عَرَّفَ الْحَنَفِيَّةُ شَرِكَةَ الْعَقْدِ بِأَنَّهَا: «عَقْدٌ بَيْنَ الْمُتَشَارِكِينَ فِي الأْصْلِ وَالرِّبْحِ» كَذَا نَقَلُوهُ عَنْ صَاحِبِ الْجَوْهَرَةِ.
وَقَيْدُ «الْمُتَشَارِكِينَ فِي الأْصْلِ » يُخْرِجُ الْمُضَارَبَةَ؛ لأِنَّ التَّشَارُكَ فِيهَا بَيْنَ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْمَالِ إِنَّمَا هُوَ فِي الرِّبْحِ، دُونَ الأْصْلِ ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ .
وَعَرَّفَ الْحَنَابِلَةُ شَرِكَةَ الْعَقْدِ بِأَنَّهَا. «اجْتِمَاعٌ فِي تَصَرُّفٍ»، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لاَ يَشْمَلُ الْمُضَارَبَةَ، الَّتِي هِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَقْسَامِ الشَّرِكَةِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ تَعْرِيفُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا: «عَقْدٌ يَثْبُتُ بِهِ حَقٌّ شَائِعٌ فِي شَيْءٍ لِمُتَعَدِّدٍ».
وَعَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: بَيْعُ مَالِكِ كُلٍّ بَعْضَهُ بِبَعْضِ كُلِّ الآْخَرِ، مُوجِبُ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِمَا فِي الْجَمِيعِ .
وَشَرِكَةُ الْعَقْدِ بِأَنْوَاعِهَا الثَّلاَثَةِ (أَمْوَالٌ وَأَعْمَالٌ وَوُجُوهٌ) جَائِزَةٌ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَنَانًا أَمْ مُفَاوَضَةً.
دَلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ الشَّرِكَةِ:
ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ شَرِكَةِ الْعَنَانِ: بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالإْجْمَاعِ ، وَالْمَعْقُولِ:
أ – الْكِتَابُ: قوله تعالي : (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) .
وَالْخُلَطَاءُ هُمُ الشُّرَكَاءُ. وَلَكِنَّ هَذَا إِلَى شَرِكَةِ الْمِلْكِ أَدْنَى. ثُمَّ هُوَ قَوْلُ دَاوُدَ لِبَيَانِ شَرِيعَتِهِ، وَلاَ يَلْزَمُ اسْتِمْرَارُهَا. كَذَا قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ – عَلَى خِلاَفِ قَاعِدَةِ الْحَنَفِيَّةِ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا: فَلَعَلَّهُ تَسَاهَلَ فِيهِ لأِنَّهُ عِلاَوَةٌ فِي الرَّدِّ.
ب – (السُّنَّةُ):
الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ، صلي الله عليه وسلم : (إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ، مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا).
(2)حَدِيثُ «السَّائِبِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ، أَنَّهُ كَانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ فِي أَوَّلِ الإْسْلاَمِ فِي التِّجَارَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ، قَالَ النَّبِيُّ ، صلي الله عليه وسلم : مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي، لاَ يُدَارِي وَلاَ يُمَارِي» .
(3)حَدِيثُ أَبِي الْمِنْهَالِ عِنْدَ أَحْمَدَ: «أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، كَانَا شَرِيكَيْنِ، فَاشْتَرَيَا فِضَّةً بِنَقْدٍ وَنَسِيئَةٍ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ، صلي الله عليه وسلم فَأَمَرَهُمَا أَنَّ مَا كَانَ بِنَقْدٍ فَأَجِيزُوهُ، وَمَا كَانَ بِنَسِيئَةٍ فَرُدُّوهُ» وَهُوَ بِمَعْنَاهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَفِي لَفْظِهِ: «مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَرُدُّوهُ» .
وَفِيهِ تَقْرِيرٌ صَرِيحٌ. وَهَذَا مِثْلُ وَاحِدٍ مِنْ تَقْرِيرَاتٍ كَثِيرَةٍ لاَ مِرْيَةَ فِيهَا عَلَى الْجُمْلَةِ؛ لأِنَّ أَكْثَرَ عَمَلِ الْقَوْمِ، فِي صَدْرِ الدَّعْوَةِ، كَانَ التِّجَارَةَ وَالْمُشَارَكَةَ فِيهَا، وَلِذَا يَقُولُ الْكَمَالُ: إِنَّ التَّعَامُلَ بِالشَّرِكَةِ مِنْ لَدُنِ النَّبِيِّ ، صلي الله عليه وسلم وَهَلُمَّ جَرَّا، مُتَّصِلٌ لاَ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى إِثْبَاتِ حَدِيثٍ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: أَنَّهُ ، صلي الله عليه وسلم بُعِثَ وَالنَّاسُ يَتَعَامَلُونَ بِهَا فَقَرَّرَهُمْ عَلَيْهَا .
ج – الإْجْمَاعُ: فَقَدْ كَانَ النَّاسُ وَمَا زَالُوا، يَتَعَامَلُونَ بِهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَفُقَهَاءُ الأْمْصَارِ شُهُودٌ، فَلاَ يَرْتَفِعُ صَوْتٌ بِنَكِيرٍ .
د – الْمَعْقُولُ: فَإِنَّ شَرِكَةَ الْعَنَانِ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ اسْتِثْمَارِ الْمَالِ وَتَنْمِيَتِهِ، تَمَسُّ إِلَيْهِ حَاجَةُ النَّاسِ، قَلَّتْ أَمْوَالُهُمْ أَوْ كَثُرَتْ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَلْمُوسٌ، حَتَّى لَقَدْ كَادَتِ الشَّرِكَاتُ التِّجَارِيَّةُ الْكُبْرَى، الَّتِي يَسْتَحِيلُ عَادَةً عَلَى تَاجِرٍ وَاحِدٍ تَكْوِينُهَا، أَنْ تَكُونَ طَابِعَ هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ. هَذَا مِنْ جَانِبٍ، وَمِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ، لَيْسَ فِي تَطْبِيقِ شَرِكَةِ الْعَنَانِ شَيْءٌ يَنْبُو بِشَرْعِيَّتِهَا: فَمَا هِيَ فِي حَقِيقَةِ الأْمْرِ سِوَى ضَرْبٍ مِنَ الْوَكَالَةِ إِذْ حَلَّ شَرِيكٌ وَكِيلٌ عَنْ شَرِيكِهِ. وَالْوَكَالَةُ لاَ نِزَاعَ فِي شَرْعِيَّتِهَا إِذَا انْفَرَدَتْ، فَكَانَتْ مِنْ وَاحِدٍ لآِخَرَ، فَكَذَا إِذَا تَعَدَّدَتْ، فَكَانَتْ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: أَعْنِي أَنَّهُ وُجِدَ الْمُقْتَضِي وَانْتَفَى الْمَانِعُ – كَمَا يَقُولُونَ، وَإِذَا كَانَتْ تَتَضَمَّنُ وَكَالَةً فِي مَجْهُولٍ، فَهَذَا شَيْءٌ يُغْتَفَرُ فِي ضِمْنِ الشَّرِكَةِ؛ لأِنَّهُ تَبَعٌ لاَ مَقْصُودٌ، وَالشَّيْءُ يُغْتَفَرُ فِيهِ تَبَعًا مَا لاَ يُغْتَفَرُ اسْتِقْلاَلاً.
وَأَمَّا الْمُفَاوَضَةُ مِنْ شَرِكَةِ الأْمْوَالِ فَلَيْسَ فِي جَوَازِهَا نَصٌّ ثَابِتٌ وَإِنَّمَا أَجَازَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ، صلي الله عليه وسلم قَالَ: «فَاوِضُوا، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ» وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ يُحْتَجُّ فِي جَوَازِهَا بِالْبَرَاءَةِ الأْصْلِ يَّةِ: فَالأْصْلُ الْجَوَازُ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَنْعِ – وَلاَ دَلِيلَ .
وَمَنَعَهَا الشَّافِعِيَّةُ لِتَضَمُّنِهَا الْوَكَالَةَ فِي مَجْهُولٍ، وَالْكَفَالَةَ بِمَجْهُولٍ لِمَجْهُولٍ، وَكِلاَهُمَا بَاطِلٌ عَلَى انْفِرَادٍ، فَمَا تَضَمَّنَهُمَا مَعًا أَشَدُّ بُطْلاَنًا.
وَأَمَّا شَرِكَتَا الأْعْمَالِ وَالْوُجُوهِ فَتَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَكَذَا الْمَالِكِيَّةُ فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ خَاصَّةً.
وَيُسْتَدَلُّ لِلْجَوَازِ بِمَا يَلِي:
أَوَّلاً – بِالْبَرَاءَةِ الأْصْلِ يَّةِ: فَالأْصْلُ فِي الْعُقُودِ كُلِّهَا الصِّحَّةُ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْفَسَادِ، وَلاَ دَلِيلَ.
ثَانِيًا – أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِمَا، وَتَصْحِيحُهُمَا مُمْكِنٌ بِطَرِيقِ التَّوْكِيلِ الضِّمْنِيِّ مِنْ كُلِّ شَرِيكٍ لِشَرِيكِهِ، لِيَقَعَ تَصَرُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ وَالرِّبْحُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ لِلْجَمِيعِ، فَلاَ مَعْنَى لِلْحُكْمِ بِبُطْلاَنِهِمَا.
وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّ شَرِكَةَ الأْعْمَالِ : وَشَرِكَةَ الْوُجُوهِ؛ بَاطِلَتَانِ لِعَدَمِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِمَا وَلِلْغَرَرِ فِي شَرِكَةِ الأْعْمَالِ وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى بُطْلاَنِ شَرِكَةِ الْوُجُوهِ لأِنَّ هَا مِنْ بَابِ الضَّمَانِ بِجُعْلٍ وَمِنْ بَابِ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ نَفْعًا وَسَمَّوْهَا شَرِكَةَ الذِّمَمِ .
تَقْسِيمُ شَرِكَةِ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا:
تَنْقَسِمُ الشَّرِكَةُ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
1- شَرِكَةُ أَمْوَالٍ.
2 – شَرِكَةُ أَعْمَالٍ.
3 – شَرِكَةُ وُجُوهٍ.
ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ رَأْسُ مَالِ الشَّرِكَةِ نُقُودًا، كَانَتْ شَرِكَةَ أَمْوَالٍ، وَإِنْ كَانَ الْعَمَلَ لِلْغَيْرِ كَانَتْ شَرِكَةَ أَعْمَالٍ، (شَرِكَةَ صَنَائِعَ)، وَتُسَمَّى أَيْضًا شَرِكَةَ أَبْدَانٍ .
وَتُسَمَّى كَذَلِكَ شَرِكَةَ التَّقَبُّلِ: لأِنَّ التَّقَبُّلَ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِأَيِّ عَمَلٍ لِلْغَيْرِ سِوَى التَّقَبُّلِ نَفْسِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَحْصُلُ بِهِ هَذِهِ الشَّرِكَةُ؛ لأِنَّهُ مُلْزِمٌ لِشَرِيكِهِ الْقَادِرِ، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِالتَّقَبُّلِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مَا تَقُومُ الشَّرِكَةُ عَلَيْهِ مَا لِلشَّرِيكَيْنِ أَوْ لِلشُّرَكَاءِ مِنْ وَجَاهَةٍ عِنْدَ النَّاسِ وَمَنْزِلَةٍ تَصْلُحُ لِلاِسْتِغْلاَلِ، فَالشَّرِكَةُ شَرِكَةُ وُجُوهٍ. وَلِعَدَمِ رَأْسِ الْمَالِ فِيهَا، وَغَلَبَةِ وُقُوعِهَا بَيْنَ الْمُعْدِمِينَ – تُسَمَّى: شَرِكَةَ الْمَفَالِيسِ.
هَذَا عَلَى الإْجْمَالِ.
فَشَرِكَةُ الأْمْوَالِ : عَقْدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ، عَلَى أَنْ يَتَّجِرُوا فِي رَأْسِ مَالٍ لَهُمْ، وَيَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمْ بِنِسْبَةٍ مَعْلُومَةٍ. سَوَاءٌ عُلِمَ مِقْدَارُ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ الْعَقْدِ أَمْ لاَ؛ لأِنَّهُ يُعْلَمُ عِنْدَ الشِّرَاءِ، وَسَوَاءٌ شَرَطُوا أَنْ يُشْرَكُوا جَمِيعًا فِي كُلِّ شِرَاءٍ وَبَيْعٍ، أَمْ شَرَطُوا أَنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِصَفَقَاتِهِ، أَمْ أَطْلَقُوا. وَلَيْسَ حَتْمًا أَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ بِلَفْظِ التِّجَارَةِ، بَلْ يَكْفِي مَعْنَاهَا: كَأَنْ يَقُولَ الشَّرِيكَانِ: اشْتَرَكْنَا فِي مَالِنَا هَذَا، عَلَى أَنْ نَشْتَرِيَ وَنَبِيعَ، وَنَقْسِمَ الرِّبْحَ مُنَاصَفَةً.
وَأَمَّا شَرِكَةُ الأْعْمَالِ : فَهِيَ: أَنْ يَتَعَاقَدَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلُوا نَوْعًا مُعَيَّنًا مِنَ الْعَمَلِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَكِنَّهُ عَامٌّ، وَأَنْ تَكُونَ الأْجْرَةُ بَيْنَهُمْ بِنِسْبَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَذَلِكَ كَالْخِيَاطَةِ، وَالصِّبَاغَةِ، وَالْبِنَاءِ، وَتَرْكِيبِ الأْدَوَاتِ الصِّحِّيَّةِ أَوْ كُلِّ مَا يُتَقَبَّلُ، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّعَاقُدِ قَبْلَ التَّقَبُّلِ فَلَوْ تَقَبَّلَ ثَلاَثَةُ أَشْخَاصٍ عَمَلاً، دُونَ تَعَاقُدٍ سَابِقٍ عَلَى الشَّرِكَةِ، لَمْ يَكُونُوا شُرَكَاءَ: وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ ثُلُثُ الْعَمَلِ، فَإِنْ قَامَ بِالْعَمَلِ كُلِّهِ أَحَدُهُمْ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ – قَضَاءً – سِوَى ثُلُثِ الأْجْرَةِ.
وَلاَ بُدَّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ التَّقَبُّلُ حَقًّا لِكُلِّ شَرِيكٍ وَإِنْ وَقَعَ الاِتِّفَاقُ عَلَى أَنْ يُبَاشِرَهُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ، وَيَعْمَلَ الآْخَرُ. وَلِذَا يَقُولُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمُحِيطِ: «لَوْ قَالَ صَاحِبُ الدُّكَّانِ أَنَا أَتَقَبَّلُ، وَلاَ تَتَقَبَّلْ أَنْتَ، وَأَطْرَحُ عَلَيْكَ تَعْمَلُ بِالنِّصْفِ، لاَ يَجُوزُ» وَمِنْ هُنَا يَقُولُ ابْنُ عَابِدِينَ: الشَّرْطُ عَدَمُ نَفْيِ التَّقَبُّلِ عَنْ أَحَدِهِمَا، لاَ التَّنْصِيصُ عَلَى تَقَبُّلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَلاَ عَلَى عَمَلِهِمَا؛ لأِنَّهُ إِذَا اشْتَرَكَا عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَ أَحَدُهُمَا وَيَعْمَلَ الآْخَرُ، بِلاَ نَفْيٍ، كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا التَّقَبُّلُ وَالْعَمَلُ، لِتَضَمُّنِ الشَّرِكَةِ الْوَكَالَةَ. هَذَا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِثْلُهُ فِي الْجُمْلَةِ لِلْحَنَابِلَةِ، لَكِنَّهُمْ أَضَافُوا الاِشْتِرَاكَ فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ .
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ شَرِكَةَ الأْبْدَانِ نَوْعَانِ:
النَّوْعُ الأْوَّلُ: شَرِكَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِبَعْضِ الأْعْمَالِ ، دُونَ بَعْضٍ، كَنِجَارَةٍ، أَوْ حِدَادَةٍ، اتَّفَقَ الْعَمَلاَنِ أَمِ اخْتَلَفَا.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: شَرِكَةٌ مُطْلَقَةٌ، لَمْ تُقَيَّدْ بِذَلِكَ: كَأَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الاِشْتِرَاكِ فِي أُجْرَةِ مَا يَعْمَلاَنِهِ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ .
وَأَمَّا شَرِكَةُ الْوُجُوهِ: فَهِيَ أَنْ يَتَعَاقَدَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ، بِدُونِ ذِكْرِ رَأْسِ مَالٍ، عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا نَسِيئَةً وَيَبِيعَا نَقْدًا، وَيَقْتَسِمَا الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةِ ضَمَانِهِمَا لِلثَّمَنِ .
وَكَذَلِكَ هِيَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَابْنِ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، إِذْ جَعَلاَ الرِّبْحَ فِيهَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ، لِئَلاَّ يَلْزَمَ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ. وَلَكِنَّ جَمَاهِيرَهُمْ جَعَلُوا الرِّبْحَ فِيهَا عَلَى مَا تَشَارَطَ الشَّرِيكَانِ، كَشَرِكَةِ الْعَنَانِ: لأِنَّ فِيهَا مِثْلَهَا عَمَلاً وَغَيْرَهُ، سِيَّمَا مَعَ مُلاَحَظَةِ تَفَاوُتِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْمَهَارَةِ التِّجَارِيَّةِ، وَالْوَجَاهَةِ عِنْدَ النَّاسِ. بَلْ نَظَرَ ابْنُ قُدَامَةَ إِلَى مَآلِ أَمْرِهَا، فَأَنْكَرَ خُلُوَّهَا مِنَ الْمَالِ.
تَقْسِيمُ شَرِكَةِ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ التَّسَاوِي وَالتَّفَاوُتِ
وَالْمُرَادُ التَّسَاوِي وَالتَّفَاوُتُ فِي أُمُورٍ خَمْسَةٍ:
1) رَأْسُ مَالِ الشَّرِكَةِ: الشَّامِلُ لِكُلِّ مَالٍ لِلشَّرِيكَيْنِ صَالِحٌ لِلشَّرِكَةِ (نُقُودٌ).
2 ) كُلُّ تَصَرُّفٍ تِجَارِيٍّ فِي رَأْسِ مَالِ الشَّرِكَةِ.
3) الرِّبْحُ.
(4) كَفَالَةُ مَا يَلْزَمُ كُلًّا مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ دَيْنِ التِّجَارَةِ.
5 ) أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ .
وَتَنْقَسِمُ شَرِكَةُ الْعَقْدِ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
(1) شَرِكَةُ مُفَاوَضَةٍ. (2) شَرِكَةُ عَنَانٍ.
َشَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هِيَ: الَّتِي يَتَوَافَرُ فِيهَا تَسَاوِي الشُّرَكَاءِ فِي هَذِهِ الأْمُورِ الْخَمْسَةِ ، مِنْ ابْتِدَاءِ الشَّرِكَةِ إِلَى انْتِهَائِهَا؛ لأِنَّ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ، فَأُعْطِيَ دَوَامُهَا حُكْمَ ابْتِدَائِهَا، وَشُرِطَتْ فِيهِ الْمُسَاوَاةُ أَيْضًا .
وَسَيَأْتِي فِي الشَّرَائِطِ شَرْحُ هَذِهِ الأْمُورِ الْخَمْسَةِ فِي بَيَانٍ وَافٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَشَرِكَةُ الْعَنَانِ (بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا) هِيَ الَّتِي لاَ يُوجَدُ فِيهَا هَذَا التَّسَاوِي: بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ أَصْلاً، أَوْ وُجِدَ عِنْدَ الْعَقْدِ وَزَالَ بَعْدَهُ: كَأَنْ كَانَ الْمَالاَنِ مُتَسَاوِيَيْنِ عِنْدَ الْعَقْدِ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الشِّرَاءِ، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ تَنْقَلِبُ عَنَانًا بِمُجَرَّدِ (هَذَا الاِرْتِفَاعِ) وَهَلْ تَبْطُلُ الْكَفَالَةُ؟.. الظَّاهِرُ نَعَمْ؛ لأِنَّ هَا كَفَالَةٌ لِمَجْهُولٍ، فَلاَ تَصِحُّ إِلاَّ ضِمْنًا، وَالْعَنَانُ لاَ تَتَضَمَّنُ الْكَفَالَةَ، فَتَكُونُ فِيهَا مَقْصُودَةً وَهِيَ مَقْصُودَةٌ لاَ تَصِحُّ لِمَجْهُولٍ، لَكِنَّ الَّذِي فِي الْخَانِيَّةِ هُوَ الصِّحَّةُ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهَا فِي الشَّرِكَةِ تَبَعٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَوْ صَرَّحَ بِهَا .
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ الْمُسَاوَاةَ فِي هَذِهِ الأْمُورِ الْخَمْسَةِ لِصِحَّةِ الْمُفَاوَضَةِ. بَلْ كُلُّ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ طَبِيعَتَيْ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ وَشَرِكَةِ الْعَنَانِ، أَنَّ كُلًّا مِنَ الشَّرِيكَيْنِ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ يُطْلِقُ التَّصَرُّفَ لِشَرِيكِهِ وَلاَ يُحْوِجُهُ إِلَى مُرَاجَعَتِهِ وَأَخْذِ مُوَافَقَتِهِ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ لِلشَّرِكَةِ، بِخِلاَفِ الْعَنَانِ، فَإِنَّهَا لاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلِلْمُفَاوَضَةِ عِنْدَهُمْ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: الشَّرِكَاتُ الأْرْبَعُ مُجْتَمِعَةً: الْعَنَانُ، وَالْمُضَارَبَةُ، وَالأْبْدَانُ، وَالْوُجُوهُ: فَإِذَا فَوَّضَ كُلٌّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ الْمُضَارَبَةَ وَتَصَرُّفَاتِ سَائِرِ هَذِهِ الشَّرِكَاتِ صَحَّتِ الشَّرِكَةُ؛ لأِنَّ هَا مَجْمُوعُ شَرِكَاتٍ صَحِيحَةٍ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ، وَالْخَسَارَةُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ.
ثَانِيهُمَا: أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فِي كُلِّ مَا يَثْبُتُ لَهُمَا وَعَلَيْهِمَا. وَهَذَا صَحِيحٌ أَيْضًا لَكِنْ بِشَرِيطَةِ أَنْ لاَ يُدْخِلاَ فِيهِ كَسْبًا نَادِرًا وَلاَ غَرَامَةً – وَإِلاَّ اخْتُصَّ كُلُّ شَرِيكٍ بِمَا يَسْتَفِيدُهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ أَوْ عَمَلِهِ، وَبِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ ضَمَانَاتٍ فَكُلُّ نَفْسٍ (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) .
مِثَالُ الْكَسْبِ النَّادِرِ. اللُّقَطَةُ وَالرِّكَازُ وَالْمِيرَاثُ.
وَمِثَالُ الْغَرَامَاتِ: مَا يَلْزَمُ بِكَفَالَةٍ، أَوْ غَصْبٍ، أَوْ جِنَايَةٍ، أَوْ تَلَفِ عَارِيَّةً .
وَهَذَا النَّوْعُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ الْحَنَابِلَةُ تَسَاوِيَ الْمَالَيْنِ، وَلاَ تَسَاوِيَ الشَّرِيكَيْنِ فِي أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
تَقْسِيمُ شَرِكَةِ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ
الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ
يَقْسِمُ الْحَنَفِيَّةُ الشَّرِكَةَ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ إِلَى:
1( مُطْلَقَةٌ.
2) مُقَيَّدَةٌ.
فَالْمُطْلَقَةُ: هِيَ الَّتِي لَمْ تُقَيَّدْ بِشَرْطٍ جَعْلِيٍّ أَمْلَتْهُ إِرَادَةُ شَرِيكٍ أَوْ أَكْثَرَ: بِأَنْ تُقَيَّدَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَتَاجِرِ دُونَ شَيْءٍ، وَلاَ زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَلاَ مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، وَلاَ بِبَعْضِ الأْشْخَاصِ دُونَ بَعْضٍ إِلَخْ.. كَأَنِ اشْتَرَكَ الشَّرِيكَانِ فِي كُلِّ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ وَأَطْلَقَا فَلَمْ يَتَعَرَّضَا لأِكْثَرَ مِنْ هَذَا الإْطْلاَقِ بِشِقَّيْهِ: الزَّمَانِيِّ وَغَيْرِهِ يَكُونُ فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ. أَمَّا فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ فَلاَ بُدَّ مِنَ الإْطْلاَقِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْهِدَايَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مُقَيَّدَةً بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ . وَالإْطْلاَقُ الزَّمَانِيُّ احْتِمَالٌ مِنَ احْتِمَالاَتِهَا، وَلَيْسَ بِحَتْمٍ.
وَالْمُقَيَّدَةُ: هِيَ الَّتِي قُيِّدَتْ بِذَلِكَ: كَالَّتِي تُقَيَّدُ بِبَعْضِ الأْشْيَاءِ أَوِ الأْزْمَانِ أَوِ الأْمْكِنَةِ، كَأَنْ تُقَيَّدَ بِالْحُبُوبِ أَوِ الْمَنْسُوجَاتِ أَوِ السَّيَّارَاتِ أَوِ الْبِقَالاَتِ، أَوْ تُقَيَّدَ بِمَوْسِمِ قُطْنِ هَذَا الْعَامِ، أَوْ بِبِلاَدِ هَذِهِ الْمُحَافَظَةِ. وَالتَّقْيِيدُ بِبَعْضِ الْمَتَاجِرِ دُونَ بَعْضٍ، لاَ يَتَأَتَّى فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، أَمَّا التَّقْيِيدُ بِبَعْضِ الأْوْقَاتِ دُونَ بَعْضٍ فَيَكُونُ فِيهَا وَفِي الْعَنَانِ.
وَتَنَوُّعُ الشَّرِكَةِ إِلَى مُطْلَقَةٍ وَمُقَيَّدَةٍ، بِمَا فِيهَا الْمُقَيَّدَةُ بِالزَّمَانِ، يُوجَدُ فِي سَائِرِ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ، وَمِمَّا يَنُصُّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ، أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْيِيدُ تَصَرُّفِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَإِطْلاَقُ تَصَرُّفِ الآْخَرِ. إِلاَّ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْفِقْهِ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يُعَيَّنَ لِكُلِّ شَرِيكٍ نِطَاقُ تَصَرُّفِهِ، وَيَحْتَمِلُ كَلاَمُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِبْطَالَ الشَّرِكَةِ بِالتَّأْقِيتِ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا صِحَّةُ الشَّرِكَةِ مَعَ عَدَمِ لُزُومِ الأْجَلِ .
شَرِكَةُ الْجَبْرِ:
هَذَا نَوْعٌ انْفَرَدَ الْمَالِكِيَّةُ بِإِثْبَاتِهِ، وَتَمَسَّكُوا فِيهِ بِقَضَاءِ عُمَرَ. وَحَدَّهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا: «اسْتِحْقَاقُ شَخْصٍ الدُّخُولَ مَعَ مُشْتَرِي سِلْعَةٍ لِنَفْسِهِ مِنْ سُوقِهَا الْمُعَدِّ لَهَا، عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ» وَسَيَتَّضِحُ بِاسْتِعْرَاضِ شَرَائِطِهَا: فَقَدْ ذَكَرُوا لَهَا سَبْعَ شَرَائِطَ:
ثَلاَثَةً خَاصَّةً بِالسِّلْعَةِ وَهِيَ:
1 ( أَنْ تُشْتَرَى بِسُوقِهَا الْمُعَدِّ لِبَيْعِهَا – لاَ بِدَارٍ اتِّفَاقًا، وَلاَ بِزُقَاقٍ، نَافِذٍ أَوْ غَيْرِ نَافِذٍ، عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
2 ( أَنْ يَكُونَ شِرَاؤُهَا لِلتِّجَارَةِ، وَيُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي فِي نَفْيِ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ – إِلاَّ أَنْ تُكَذِّبَهُ قَرَائِنُ الأْحْوَالِ: كَكَثْرَةِ مَا يَدَّعِي شِرَاءَهُ لِلْقِنْيَةِ أَوِ الْعُرْسِ مَثَلاً.
3) أَنْ تَكُونَ التِّجَارَةُ الْمَقْصُودَةُ بِالشِّرَاءِ فِي نَفْسِ بَلَدِ الشِّرَاءِ، لاَ فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَلَوْ جِدُّ قَرِيبٍ .
وَثَلاَثَةً خَاصَّةً بِالشَّرِيكِ الْمُقْحَمِ:
1( أَنْ يَحْضُرَ الشِّرَاءَ.
2( أَنْ لاَ يُزَايِدَ عَلَى الْمُشْتَرِي.
3) أَنْ يَكُونَ مِنْ تُجَّارِ السِّلْعَةِ الْمُشْتَرَاةِ.
وَاعْتَمَدُوا أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تُجَّارِ هَذَا السُّوقِ.
وَشَرِيطَةً وَاحِدَةً فِي الشَّارِيَ: أَنْ لاَ يُبَيِّنَ لِمَنْ حَضَرَ مِنَ التُّجَّارِ أَنَّهُ يُرِيدُ الاِسْتِئْثَارَ بِالسِّلْعَةِ، وَلاَ يَقْبَلَ الشَّرِكَةَ فِيهَا، فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُزَايِدَ فَلْيَفْعَلْ.
فَإِذَا تَوَافَرَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ جَمِيعُهَا ثَبَتَ حَقُّ الإْجْبَارِ عَلَى الشَّرِكَةِ لِمَنْ حَضَرَ مِنَ التُّجَّارِ، مَهْمَا طَالَ الأْمَدُ – مَا دَامَتِ السِّلْعَةُ الْمُشْتَرَاةُ بَاقِيَةً. وَيُسْجَنُ الشَّارِي حَتَّى يَقْبَلَ الشَّرِكَةَ إِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا. وَهُنَاكَ احْتِمَالٌ آخَرُ بِسُقُوطِ هَذَا الْحَقِّ بِمُضِيِّ سَنَةٍ كَالشُّفْعَةِ.
أَمَّا الشَّارِي، فَلَيْسَ لَهُ مَعَ تَوَافُرِ الشَّرَائِطِ إِجْبَارُ مَنْ حَضَرَ مِنَ التُّجَّارِ عَلَى مُشَارَكَتِهِ فِي السِّلْعَةِ لِسَبَبٍ مَا – كَتَحَقُّقِ الْخَسَارَةِ أَوْ تَوَقُّعِهَا – إِلاَّ إِذَا قَالُوا لَهُ أَثْنَاءَ السَّوْمِ:
أَشْرِكْنَا، فَأَجَابَ: بِنَعَمْ أَوْ سَكَتَ.
وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ تَنْزِيلُ قَوْلِ التُّجَّارِ: أَشْرِكْنَا – مَعَ إِجَابَةٍ بِنَعَمْ – مَنْزِلَةَ حُضُورِهِمُ الشِّرَاءَ: فَلاَ يَضِيرُ إِذَنِ انْصِرَافُهُمْ قَبْلَ إِتْمَامِ الصَّفْقَةِ. بِخِلاَفِ مَا إِذَا خَرَجَ بِالصَّمْتِ عَنْ «لاَ وَنَعَمْ» إِلاَّ أَنَّ مِنْ حَقِّهِمْ حِينَئِذٍ أَنْ يُحَلِّفُوهُ: مَا اشْتَرَى عَلَيْهِمْ .
صِيغَةُ عَقْدِ الشَّرِكَةِ:
تَنْعَقِدُ الشَّرِكَةُ بِالإْيجَابِ وَالْقَبُولِ: مِثَالُ ذَلِكَ فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ فِي الأْمْوَالِ : أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لآِخَرَ: شَارَكْتُكَ فِي أَلْفِ دِينَارٍ مُنَاصَفَةً، عَلَى أَنْ نَتَّجِرَ بِهَا وَيَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَنَا مُنَاصَفَةً كَذَلِكَ: وَيُطْلِقُ، أَوْ يُقَيِّدُ الاِتِّجَارَ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ – كَتِجَارَةِ الْمَنْسُوجَاتِ الصُّوفِيَّةِ، أَوِ الْمَنْسُوجَاتِ مُطْلَقًا، فَيَقْبَلُ الآْخَرُ.
وَمِثَالُهُ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ فِي الأْمْوَالِ : أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لآِخَرَ – وَهُمَا حُرَّانِ بَالِغَانِ مُسْلِمَانِ أَوْ ذِمِّيَّانِ – شَارَكْتُكَ فِي كُلِّ نُقُودِي وَنَقْدِكَ (وَنَقُودُ هَذَا تُسَاوِي نُقُودَ ذَاكَ) عَلَى أَنْ نَتَّجِرَ بِهَا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا كَفِيلٌ عَنِ الآْخَرِ بِدُيُونِ التِّجَارَةِ، فَيَقْبَلُ الآْخَرُ.
وَتَقُومُ دَلاَلَةُ الْفِعْلِ مَقَامَ دَلاَلَةِ اللَّفْظِ . فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا مَا أَخْرَجَ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُ مِنْ نَقْدٍ، وَقَالَ لآِخَرَ: أَخْرِجْ مِثْلَ هَذَا وَاشْتَرِ، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ مِنْ رِبْحٍ فَهُوَ بَيْنَنَا عَلَى التَّسَاوِي أَوْ لَكَ فِيهِ الثُّلُثَانِ وَلِيَ الثُّلُثُ، فَلَمْ يَتَكَلَّمِ الآْخَرُ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَ وَأَعْطَى وَفَعَلَ كَمَا أَشَارَ صَاحِبُهُ – فَهَذِهِ شَرِكَةُ عَنَانٍ صَحِيحَةٌ. وَمِثْلُ ذَلِكَ يَجِيءُ أَيْضًا فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ: كَأَنْ يُخْرِجَ هَذَا كُلَّ مَا يَمْلِكُ مِنَ النُّقُودِ، وَيَقُولَ لِصَاحِبِهِ الَّذِي لاَ يَمْلِكُ مِنَ النُّقُودِ إِلاَّ مِثْلَ هَذَا الْقَدْرِ: أَخْرِجْ مِثْلَ هَذَا، عَلَى أَنْ نَتَّجِرَ بِمَجْمُوعِ الْمَالَيْنِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَنَا عَلَى سَوَاءٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا كَفِيلٌ عَنِ الآْخَرِ بِدُيُونِ التِّجَارَةِ، فَلاَ يَتَكَلَّمُ صَاحِبُهُ هَذَا، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ مِثْلَ مَا أَشَارَ. هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَالاِكْتِفَاءُ بِدَلاَلَةِ الْفِعْلِ، هُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. إِذْ هُمْ لاَ يَعْتَبِرُونَ فِي الصِّيغَةِ هُنَا إِلاَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الإْذْنِ عُرْفًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ الأَْلْفَاظِ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهَا – كَالْكِتَابَةِ وَإِشَارَةِ الأْخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ.
وَلِذَا يَنُصُّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَحَدُ اثْنَيْنِ لِلآْخَرِ: شَارِكْنِي، فَرَضِيَ بِالسُّكُوتِ، كَفَى، وَأَنَّهُ يَكْفِي خَلْطُ الْمَالَيْنِ، أَوِ الشُّرُوعُ فِي أَعْمَالِ التِّجَارَةِ لِلشَّرِكَةِ. كَمَا يَنُصُّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَتَكَلَّمَا فِي الشَّرِكَةِ، ثُمَّ يُحْضِرَا الْمَالَ عَنْ قُرْبٍ، وَيَشْرَعَا فِي الْعَمَلِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ تُغْنِي دَلاَلَةُ الْفِعْلِ عَنِ اللَّفْظِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، لأِنَّ الأَْصْلَ حِفْظُ الأْمْوَالِ عَلَى أَرْبَابِهَا، فَلاَ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلاَّ بِدَلاَلَةٍ لَهَا فَضْلُ قُوَّةٍ – حَتَّى لَقَدْ ضَعَّفَ الشَّافِعِيَّةُ وَجْهًا عِنْدَهُمْ بِانْعِقَادِ الشَّرِكَةِ بِلَفْظِ: اشْتَرَكْنَا – لِدَلاَلَتِهِ عُرْفًا عَلَى الإْذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، وَرَأَوْا أَنْ لاَ كِفَايَةَ فِيهِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِالإْذْنِ فِي التَّصَرُّفِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ – لاِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إِخْبَارًا عَنْ شَرِكَةٍ مَاضِيَةٍ، أَوْ عَنْ شَرِكَةِ مِلْكٍ قَائِمَةٍ لاَ تَصَرُّفَ فِيهَا. وَهُمْ يُصَحِّحُونَ انْعِقَادَهَا شَرِكَةَ عَنَانٍ بِلَفْظِ الْمُفَاوَضَةِ، إِذَا اقْتَرَنَ بِنِيَّةِ الْعَنَانِ، وَإِلاَّ فَلَغْوٌ، إِذْ لاَ مُفَاوَضَةَ عِنْدَهُمْ: وَغَايَةُ مَا يَصْلُحُ لَهُ لَفْظُهَا عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةَ عَنَانٍ – بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْعُقُودِ بِالْكِنَايَاتِ .
وَمِثَالُ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ فِي التَّقَبُّلِ: أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لآِخَرَ وَكِلاَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْكَفَالَةِ – شَارَكْتُكَ فِي تَقَبُّلِ جَمِيعِ الأْعْمَالِ ، أَوْ فِي هَذِهِ الْحِرْفَةِ (خِيَاطَةً، أَوْ نِجَارَةً، أَوْ حِدَادَةً، مَثَلاً) عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلَ كُلٌّ مِنَّا الأْعْمَالَ، وَأَنْ أَكُونَ أَنَا وَأَنْتَ سَوَاءً فِي ضَمَانِ الْعَمَلِ وَفِي الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ، وَفِي أَنَّ كُلًّا كَفِيلٌ عَنِ الآْخَرِ فِيمَا يَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الشَّرِكَةِ، فَيَقْبَلُ الآْخَرُ. فَإِذَا وَقَعَ التَّعَاقُدُ مَعَ اخْتِلاَلِ قَيْدٍ مِمَّا وَرَدَ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ، فَالشَّرِكَةُ شَرِكَةُ عَنَانٍ – إِلاَّ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّرِيكَانِ مِنْ أَهْلِ الْوَكَالَةِ كَمَا لاَ يَخْفَى .
وَمِثَالُ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ فِي الْوُجُوهِ: أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لآِخَرَ – وَكِلاَهُمَا مِنْ أَهْلِ الْكَفَالَةِ – شَارَكْتُكَ عَلَى أَنْ نَتَّجِرَ أَنَا وَأَنْتَ بِالشِّرَاءِ نَسِيئَةً وَالْبَيْعِ نَقْدًا، مَعَ التَّسَاوِي فِي كُلِّ شَيْءٍ نَشْتَرِيهِ وَفِي ثَمَنِهِ وَرِبْحِهِ، وَكَفَالَةِ كُلِّ مَا يَلْزَمُ الآْخَرَ مِنْ دُيُونِ التِّجَارَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا، فَيَقْبَلُ الآْخَرُ.
وَإِذَا اخْتَلَّ شَيْءٌ مِمَّا وَرَدَ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنْ قُيُودٍ، فَالشَّرِكَةُ شَرِكَةُ عَنَانٍ – إِلاَّ أَنَّهُ لاَ بُدَّ فِيهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ الشَّرِيكَانِ مِنْ أَهْلِ الْوَكَالَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةِ ضَمَانِهِمَا الثَّمَنَ، كَمَا سَيَجِيءُ فِي الشَّرَائِطِ بَيَانُهُ.
وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ فَاوَضْتُكَ فَقَبِلَ كَفَى؛ لأِنَّ لَفْظَهَا عَلَمٌ عَلَى تَمَامِ الْمُسَاوَاةِ فِي أَمْرِ الشَّرِكَةِ، فَإِذَا ذَكَرَاهُ تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا إِقَامَةً لِلَّفْظِ مَقَامَ الْمَعْنَى .
شُرُوطُ شَرِكَةِ الْعَقْدِ:
الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ:
وَهِيَ تِلْكَ الَّتِي لاَ تَخُصُّ نَوْعًا دُونَ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ الرَّئِيسِيَّةِ الثَّلاَثَةِ (شَرِكَةِ الأْمْوَالِ ، وَشَرِكَةِ الأْعْمَالِ ، وَشَرِكَةِ الْوُجُوهِ).
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ تَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا:
النَّوْعُ الأْوَّلُ: فِي كُلٍّ مِنْ شَرِكَتَيِ الْمُفَاوَضَةِ وَالْعَنَانِ.
أَوَّلاً – قَابِلِيَّةُ الْوَكَالَةِ:
وَيُمْكِنُ تَفْسِيرُهَا بِأَمْرَيْنِ:
1( قَابِلِيَّةُ التَّصَرُّفِ الْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ لِلْوَكَالَةِ، لِيَتَحَقَّقَ مَقْصُودُ الشَّرِكَةِ، وَهُوَ الاِشْتِرَاكُ فِي الرِّبْحِ؛ لأِنَّ سَبِيلَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ وَكِيلاً عَنْ صَاحِبِهِ فِي نِصْفِ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ، وَأَصِيلاً فِي نِصْفِهِ الآْخَرِ – وَإِلاَّ فَالأْصِيلُ فِي الْكُلِّ يَخْتَصُّ بِكُلِّ رِبْحِهِ، وَالْمُتَصَرِّفُ عَنِ الْغَيْرِ لاَ يَتَصَرَّفُ إِلاَّ بِوِلاَيَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ، وَالْفَرْضُ أَنْ لاَ وِلاَيَةَ، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ الْوَكَالَةُ . فَالاِحْتِشَاشُ وَالاِحْتِطَابُ وَالاِصْطِيَادُ وَالتَّكَدِّي، أَعْمَالٌ لاَ تَصِحُّ الشَّرِكَةُ فِيهَا، لِعَدَمِ قَبُولِهَا الْوَكَالَةَ، إِذِ الْمِلْكُ فِيهَا يَقَعُ لِمَنْ بَاشَرَ السَّبَبَ – وَهُوَ الآْخِذُ: شَأْنَ الْمُبَاحَاتِ كُلِّهَا، فَقَدْ جَعَلَ الشَّارِعُ سَبَبَ الْمِلْكِ فِيهَا هُوَ سَبْقَ الْيَدِ .
2) أَهْلِيَّةُ كُلِّ شَرِيكٍ لِلتَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ؛ لأِنَّهُ وَكِيلٌ فِي أَحَدِ النِّصْفَيْنِ، أَصِيلٌ فِي الآْخَرِ، فَلاَ تَصِحُّ الشَّرِكَةُ مِنَ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِي التِّجَارَةِ، وَالْمَعْتُوهِ الَّذِي لاَ يَعْقِلُ .
وَهَذَا الشَّرْطُ بِشِقَّيْهِ مَوْضِعُ وِفَاقٍ . لأِنَّ الْجَمِيعَ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ تَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ. وَلَكِنَّ الْخِلاَفَ يَقَعُ فِي طَرِيقِ التَّطْبِيقِ: فَمَثَلاً:
أ – الْمُبَاحَاتُ: لاَ يَرَاهَا الْحَنَفِيَّةُ مِمَّا يَقْبَلُ الْوَكَالَةَ، بَيْنَمَا هِيَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِمَّا يَقْبَلُهَا. وَلِذَا مَثَّلَ الْمَالِكِيَّةُ لِشَرِكَةِ الأْبْدَانِ بِشَرِكَةِ الصَّيَّادِينَ فِي الصَّيْدِ، وَالْحَفَّارِينَ فِي الْبَحْثِ عَنِ الْمَعَادِنِ – كَشَرِكَاتِ النَّفْطِ الْقَائِمَةِ الآْنَ، وَأَبْرَزَ الْحَنَابِلَةُ الشَّرِكَةَ فِي تَحْصِيلِ الْمُبَاحَاتِ، حَتَّى جَعَلُوهَا نَوْعًا مُتَمَيِّزًا مِنْ شَرِكَةِ الأْعْمَالِ .
ب – شَرِكَةُ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ: وَيَنُصُّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الْمَحْجُورِ الشَّرِكَةَ فِي مَالِ مَحْجُورِهِ، لأِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُضَارِبَ بِهَذَا الْمَالِ، مَعَ أَنَّ الْمُضَارِبَ يَذْهَبُ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ، فَأَوْلَى أَنْ تَجُوزَ الشَّرِكَةُ حَيْثُ يَكُونُ رِبْحُهُ كُلُّهُ مُوَفَّرًا عَلَيْهِ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ تَقْرِيرُهُمْ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، وَوَرِثَهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي الشَّرِكَةِ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ – وَمِنْ شَرِيطَتِهَا أَنْ يَكُونَ الشَّرِيكُ الْمُتَصَرِّفُ أَمِينًا: فَلَوْ تَبَيَّنَ عَدَمُ هَذِهِ الأْمَانَةِ، وَضَاعَ الْمَالُ، كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ، لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ الْبَحْثِ .
ثُمَّ لاَ يَخْفَى أَنَّ اعْتِبَارَ الأْهْلِيَّتَيْنِ: أَهْلِيَّةِ التَّوْكِيلِ، وَأَهْلِيَّةِ التَّوَكُّلِ، إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَكُونُ الْعَمَلُ لِكِلاَ الشَّرِيكَيْنِ. أَمَّا إِذَا كَانَ لأِحَدِهِمَا فَحَسْبُ – وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ – فَالشَّرِيطَةُ هِيَ أَهْلِيَّةُ الآْذِنِ لِلتَّوْكِيلِ، وَأَهْلِيَّةُ الْمَأْذُونِ لِلتَّوَكُّلِ: وَلِذَا يَنُصُّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الآْذِنُ أَعْمَى، وَإِنْ كَانَ لاَ بُدَّ أَنْ يُوَكِّلَ فِي خَلْطِ الْمَالَيْنِ، أَمَّا الْمَأْذُونُ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا .
ثَانِيًا – أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مَعْلُومًا بِالنِّسْبَةِ:
أَيْ أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ كُلِّ شَرِيكٍ مِنَ الرِّبْحِ مُحَدَّدَةً بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهُ مَعْلُومِ النِّسْبَةِ إِلَى جُمْلَتِهِ: كَنِصْفِهِ. فَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلشَّرِيكِ حِصَّةٌ فِي الرِّبْحِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ مِقْدَارٍ، كَانَ عَقْدًا فَاسِدًا، لأِنَّ الرِّبْحَ هُوَ مَقْصُودُ الشَّرِكَةِ فَتَفْسُدُ بِجَهَالَتِهِ، كَالْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ فِي الْبَيْعِ وَالإْجَارَةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا عُلِمَ مِقْدَارُ حِصَّةِ الشَّرِيكِ فِي الرِّبْحِ، وَلَكِنْ جُهِلَتْ نِسْبَتُهَا إِلَى جُمْلَتِهِ: كَمِائَةٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ؛ لأِنَّ هَذَا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى خِلاَفِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ – أَعْنِي الاِشْتِرَاكَ فِي الرِّبْحِ، فَقَدْ لاَ يَحْصُلُ مِنْهُ إِلاَّ مَا جُعِلَ لأِحَدِ الشُّرَكَاءِ، فَيَقَعُ مِلْكًا خَاصًّا لِوَاحِدٍ، لاَ شَرِكَةَ فِيهِ لِسِوَاهُ. بَلْ قَالُوا إِنَّ هَذَا يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ لأِنَّ الْمَشْرُوطَ إِذَا كَانَ هُوَ كُلَّ الْمُتَحَصِّلِ مِنَ الرِّبْحِ، تَحَوَّلَتِ الشَّرِكَةُ إِلَى قَرْضٍ مِمَّنْ لَمْ يُصِبْ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ، أَوْ إِبْضَاعٍ مِنَ الآْخَرِ.
فَإِذَا جُعِلَ لِلشَّرِيكِ أَجْرٌ مَعْلُومُ الْمِقْدَارِ مِنْ خَارِجِ مَالِ الشَّرِكَةِ: كَخَمْسِينَ أَوْ مِائَةِ دِينَارٍ كُلَّ شَهْرٍ، فَقَدْ نَقَلُوا فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنِ الْمُحِيطِ أَنَّ الشَّرِكَةَ صَحِيحَةٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ .
وَهَذَا الشَّرْطُ مَوْضِعُ وِفَاقٍ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنْ لاَ شَرِكَةَ مَعَ اشْتِرَاطِ مِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الرِّبْحِ – كَمِائَةٍ – لأِحَدِ الشَّرِيكَيْنِ سَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى اشْتِرَاطِ هَذَا الْمِقْدَارِ الْمُعَيَّنِ لأِحَدِهِمَا ، أَمْ جُعِلَ زِيَادَةً عَلَى النِّسْبَةِ الْمَشْرُوطَةِ لَهُ مِنَ الرِّبْحِ، أَمِ انْتَقَصَ مِنْ هَذِهِ النِّسْبَةِ؛ لأِنَّ ذَلِكَ فِي الأْحْوَالِ كُلِّهَا قَدْ يُفْضِي إِلَى اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِالرِّبْحِ، وَهُوَ خِلاَفُ مَوْضُوعِ الشَّرِكَةِ، أَوْ – كَمَا عَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ – قَاطِعٌ لَهَا.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، مَا لَوْ شُرِطَ لأِحَدِهِمَا رِبْحُ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ مُبْهَمَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الشَّرِكَةِ – كَهَذَا الثَّوْبِ أَوْ أَحَدِ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ – أَوْ رِبْحُ سَفْرَةٍ كَذَلِكَ – كَهَذِهِ السَّفْرَةِ إِلَى بَارِيسَ، أَوْ هِيَ أَوِ الَّتِي تَلِيهَا إِلَى لَنْدَنَ – أَوْ رِبْحُ هَذَا الشَّهْرِ أَوْ هَذِهِ السَّنَةِ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْضًا، أَنْ يَقُولَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلآْخَرِ: لَكَ رِبْحُ النِّصْفِ؛ لأِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَسْتَأْثِرَ وَاحِدٌ بِشَيْءٍ مِنَ الرِّبْحِ، زَاعِمًا أَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ فِي النِّصْفِ الآْخَرِ. خِلاَفًا لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ رِبْحَ النِّصْفِ هُوَ نِصْفُ الرِّبْحِ
النَّوْعُ الثَّانِي: فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ خَاصَّةً:
فَتَنْعَقِدُ عَنَانًا إِذَا اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهُ:
أَوَّلاً: أَهْلِيَّةُ الْكَفَالَةِ:
وَهَذَا شَرْطُ الْحَنَفِيَّةِ فِي كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ، لأِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْكَفِيلِ عَنْ صَاحِبِهِ فِيمَا يَجِبُ مِنْ دَيْنِ التِّجَارَةِ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهَا، كَالاِقْتِرَاضِ إِذْ كُلُّ مَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ يَلْزَمُ الآْخَرَ.
فَمَنْ لَمْ تَتَوَافَرْ فِيهِ شُرُوطُ هَذِهِ الأْهْلِيَّةِ – مِنْ بُلُوغٍ وَعَقْلٍ – لَمْ تَصِحَّ مِنْهُ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ: وَلَوْ فَعَلَهَا الصَّغِيرُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ؛ لأِنَّ الْمَانِعَ ذَاتِيٌّ، إِذْ هُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعَاتِ وَلأِنَّ الْكَفَالَةَ الْمَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ كَفَالَةُ كُلِّ شَرِيكٍ جَمِيعَ مَا يَلْزَمُ الآْخَرَ مِنَ الدُّيُونِ الآْنِفَةِ الذِّكْرِ. وَمِنْ هُنَا يَمْنَعُ مُحَمَّدٌ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ مِنَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ – كَالْمُرْتَدِّ – لأِنَّ كَفَالَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي حُدُودِ ثُلُثِ تَرِكَتِهِ، وَالْكَفَالَةُ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ.
وَأَمَّا الَّذِينَ وَافَقُوا الْحَنَفِيَّةَ فِي أَصْلِ الْقَوْلِ بِشَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، وَخَالَفُوهُمْ فِي التَّفْصِيلِ – وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ – فَلَمْ يَبْنُوهَا عَلَى الْكَفَالَةِ، وَاكْتَفَوْا بِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْوَكَالَةِ: فَلَيْسَ عَلَى الشَّرِيكِ فِيهَا عِنْدَهُمْ ضَمَانُ غَرَامَاتٍ لَزِمَتْ شَرِيكَهُ دُونَ أَنْ يَأْذَنَ هُوَ فِي أَسْبَابِهَا .
ثَانِيًا – يَشْتَرِطُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ التَّسَاوِيَ فِي أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ: فَتَصِحُّ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ الْكَبِيرَيْنِ، اللَّذَيْنِ يَعْتَنِقَانِ دِينًا وَاحِدًا – كَمُسْلِمَيْنِ وَنَصْرَانِيَّيْنِ – أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِ الدِّينِ الْوَاحِدِ – كَذِمِّيَّيْنِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كِتَابِيًّا وَالآْخَرُ مَجُوسِيًّا، إِذِ الْكُفْرُ كُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ .
وَلاَ تَصِحُّ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَ حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ، وَلَوْ مُكَاتَبًا أَوْ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ، وَلاَ بَيْنَ بَالِغٍ وَصَبِيٍّ، وَلاَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، لاِخْتِلاَلِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ – إِذِ الْمَمْلُوكُ وَالصَّبِيُّ مَحْجُورٌ عَلَيْهِمَا، بِخِلاَفِ الْحُرِّ الْبَالِغِ، وَالْكَافِرُ يَسَعُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ وَيَبِيعَهَا، وَلاَ كَذَلِكَ الْمُسْلِمُ.
أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَيَكْتَفِي بِالتَّسَاوِي فِي أَهْلِيَّةِ الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ، وَلاَ يَعْتَدُّ بِتَفَاوُتِ الأَْهْلِيَّةِ فِيمَا عَدَاهُمَا، وَلِذَا فَهُوَ يُصَحِّحُ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ – قِيَاسًا عَلَى الْمُفَاوَضَةِ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ بِرَغْمِ التَّفَاوُتِ فِي أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، بَعْدَ التَّسَاوِي فِي أَهْلِيَّةِ الْوَكَالَةِ وَالْكَفَالَةِ، وَلاَ يَرَى أَبُو يُوسُفَ فَرْقًا، إِلاَّ مِنْ حَيْثُ الْكَرَاهَةُ، فَإِنَّهُ يَكْرَهُ الشَّرِكَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ؛ لأِنَّ الْكَافِرَ لاَ يَهْتَدِي إِلَى وُجُوهِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الإْسْلاَمِ ، وَإِنِ اهْتَدَى فَإِنَّهُ لاَ يَتَحَرَّزُ مِنْ غَيْرِهَا كَالرِّبَا وَمَا إِلَيْهِ، فَيَتَوَرَّطُ الْمُسْلِمُ بِمُشَارَكَتِهِ فِي كُلِّ مَا لاَ يَحِلُّ .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ كَرَاهَةَ الشَّرِكَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَنَفَوْا الْكَرَاهَةَ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَتَصَرَّفَ الْكَافِرُ إِلاَّ بِحُضُورِ شَرِيكِهِ الْمُسْلِمِ؛ لأِنَّ ارْتِكَابَهُ الْمَحْظُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ لِلشَّرِكَةِ يُؤْمَنُ حِينَئِذٍ. ثُمَّ مَا لاَ يَحْضُرُهُ مِنْهَا شَرِيكُهُ الْمُسْلِمُ، وَتَبَيَّنَ وُقُوعُهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ مِنَ الْوُجْهَةِ الإْسْلاَمِ يَّةِ – كَعُقُودِ الرِّبَا، وَشِرَاءِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ – فَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ – مَعَ فَسَادِهِ – يَكُونُ فِيهِ الضَّمَانُ عَلَى الْكَافِرِ. وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فَالأْصْلُ فِيهِ الْحِلُّ. وَاحْتَجُّوا لِلْجَوَازِ بِأَنَّهُ صلوات الله عليه عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ – وَهُمْ يَهُودٌ – بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَهَذِهِ شَرِكَةٌ، وَابْتَاعَ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ، وَمَاتَ وَهِيَ مَرْهُونَةٌ – وَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ. وَلاَ يَبْدُو فِي كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ خِلاَفٌ عَنْ هَذَا، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا شَكَّ الشَّرِيكُ الْمُسْلِمُ فِي عَمَلِ شَرِيكِهِ الْكَافِرِ بِالرِّبَا اسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالرِّبْحِ، وَإِذَا شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِالْخَمْرِ اسْتُحِبَّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ .
ثَالِثًا – أَنْ لاَ يُشْتَرَطَ الْعَمَلُ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ:
فَلَوْ شُرِطَ الْعَمَلُ عَلَى أَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ . لأِنَّ هَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا يُنَافِي طَبِيعَةَ الْمُفَاوَضَةِ مِنَ الْمُسَاوَاةِ فِيمَا يُمْكِنُ الاِشْتِرَاكُ فِيهِ مِنْ أُصُولِ التَّصَرُّفَاتِ. وَلِلْمَالِكِيَّةِ شَيْءٌ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا، إِذْ شَرَطُوا – فِي شَرِكَةِ الأْمْوَالِ مُطْلَقًا – أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، أَيْ عَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ بِقَدْرِ مَالِهِ: إِنْ كَانَ لَهُ النِّصْفُ فِي رَأْسِ الْمَالِ فَعَلَيْهِ النِّصْفُ فِي الْعَمَلِ، أَوِ الثُّلُثَانِ فَعَلَيْهِ الثُّلُثَانِ، وَهَكَذَا بِحَيْثُ إِذَا شَرَطَ خِلاَفَ ذَلِكَ: كَأَنْ جُعِلَ ثُلُثَا الْعَمَلِ أَوْ ثُلُثُهُ عَلَى الشَّرِيكِ بِالنِّصْفِ، كَانَتِ الشَّرِكَةُ فَاسِدَةً، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ: وَيَرْجِعُ كُلٌّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الآْخَرِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ عِنْدَهُ مِنْ أُجْرَةٍ. أَمَّا إِذَا وَقَعَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْعَمَلِ تَبَرُّعًا مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ دُونَ أَنْ تَكُونَ مَشْرُوطَةً عَلَيْهِ، فَلاَ بَأْسَ، إِذْ ذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنْهُ وَإِحْسَانٌ .
شُرُوطٌ خَاصَّةٌ بِشَرِكَةِ الأْمْوَالِ مُطْلَقًا:
أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ أَمْ شَرِكَةَ عَنَانٍ:
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ عَيْنًا، لاَ دَيْنًا: لأِنَّ التِّجَارَةَ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الشَّرِكَةِ وَهُوَ الرِّبْحُ، لاَ تَكُونُ بِالدَّيْنِ. فَجَعْلُهُ رَأْسَ مَالِ الشَّرِكَةِ مَنَافٍ لِمَقْصُودِهَا .
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مِنَ الأْثْمَانِ:
سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ النَّقْدَيْنِ، أَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الْمَضْرُوبَيْنِ، أَمِ الْفُلُوسِ النَّافِقَةِ أَمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ غَيْرِ الْمَضْرُوبَيْنِ . إِذَا جَرَى بِهَا التَّعَامُلُ وَعَلَى هَذَا اسْتَقَرَّ الْفِقْهُ الْحَنَفِيُّ.
وَالْعُرُوضُ كُلُّهَا – وَهِيَ مَا عَدَا النَّقْدَيْنِ مِنَ الأْعْيَانِ – لاَ تَصْلُحُ رَأْسَ مَالِ شَرِكَةٍ وَلاَ حِصَّةَ فِيهِ لِشَرِيكٍ . وَلَوْ كَانَتْ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا أَوْ عَدَدِيًّا مُتَقَارِبًا، فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَعَهُ أَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ وَجَمَاهِيرُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْعُرُوضِ:
النَّوْعُ الأْوَّلُ: الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَالْعَدَدِيُّ الْمُتَقَارِبُ.
وَالثَّانِي: سَائِرُ الْعُرُوضِ.
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى: فَرَّقُوا بَيْنَ الْمِثْلِيِّ، وَالْمُتَقَوَّمِ: فَمَنَعُوا انْعِقَادَ الشَّرِكَةِ فِي النَّوْعِ الثَّانِي بِإِطْلاَقٍ، وَأَجَازُوهَا فِي النَّوْعِ الأْوَّلِ ، بَعْدَ الْخَلْطِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، ذَهَابًا إِلَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ لَيْسَ مِنَ الْعُرُوضِ الْمَحْضَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَرْضٌ مِنْ وَجْهٍ – لأِنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، ثَمَنٌ مِنْ وَجْهٍ – لأِنَّهُ يَصِحُّ الشِّرَاءُ بِهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، شَأْنَ الأْثْمَانِ: فَنَاسَبَ أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ بِكِلاَ الشَّبَهَيْنِ، كُلٌّ فِي حَالٍ – فَأُعْمِلَ الشَّبَهُ بِالْعُرُوضِ قَبْلَ الْخَلْطِ، وَمُنِعَ انْعِقَادُ الشَّرِكَةِ فِيهِ حِينَئِذٍ، وَالشَّبَهُ بِالأْثْمَانِ بَعْدَهُ، فَصُحِّحَتْ إِذْ ذَاكَ الشَّرِكَةُ فِيهِ؛ لأِنَّ شَرِكَةَ الْمِلْكِ تَتَحَقَّقُ بِالْخَلْطِ، فَيُعْتَضَدُ بِهَا جَانِبُ شَرِكَةِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا قُصِرَ التَّصْحِيحُ عَلَى حَالَةِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ؛ لأِنَّ الْخَلْطَ بِغَيْرِ الْجِنْسِ – كَخَلْطِ الْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ، وَالزَّيْتِ بِالسَّمْنِ – يُخْرِجُ الْمِثْلِيَّ عَنْ مِثْلِيَّتِهِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَةِ الأْصْلِ وَالرِّبْحِ وَالْمُنَازَعَةِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ، لِمَكَانِ الْحَاجَةِ إِلَى تَقْوِيمِهِ إِذْ ذَاكَ لِمَعْرِفَةِ مِقْدَارِهِ وَالتَّقْوِيمُ حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمُقَوِّمِينَ، بِخِلاَفِ الْمِثْلِيِّ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ مِثْلُهُ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مِنَ النَّقْدِ الْمَضْرُوبِ. بِأَيَّةِ سِكَّةٍ، وَيُصَرِّحُ ابْنُ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنْ لاَ تَسَامُحَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْغِشِّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي حُدُودِ الْقَدْرِ الضَّرُورِيِّ الَّذِي لاَ غِنَى لِصِنَاعَةِ النَّقْدِ عَنْهُ .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَتَصِحُّ الشَّرِكَةُ عِنْدَهُمْ إِذَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً.
كَمَا تَصِحُّ إِذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا ذَهَبًا وَفِضَّةً وَأَخْرَجَ الثَّانِي مِثْلَ ذَلِكَ. وَتَصِحُّ أَيْضًا عِنْدَهُمْ بِعَيْنٍ مِنْ جَانِبٍ وَعَرْضٍ مِنَ الآْخَرِ، أَوْ بِعَرْضٍ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا سَوَاءٌ اتَّفَقَا فِي الْجِنْسِ أَوِ اخْتَلَفَا. وَلاَ تَصِحُّ عِنْدَهُمْ بِذَهَبٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَفِضَّةٍ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ، وَلَوْ عَجَّلَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا أَخْرَجَهُ لِصَاحِبِهِ، وَذَلِكَ لاِجْتِمَاعِ شَرِكَةٍ وَصَرْفٍ، وَلاَ تَصِحُّ بِطَعَامَيْنِ وَإِنِ اتَّفَقَا فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ .
وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى تَصْحِيحِ الشَّرِكَةِ بِالْعُرُوضِ مُطْلَقًا، وَيَعْتَمِدُ فِي الْقِسْمَةِ قِيمَتَهَا عِنْدَ الْعَقْدِ. وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، اعْتَمَدَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ، إِذْ لَيْسَ فِي تَصْحِيحِهَا بِالْعُرُوضِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ إِخْلاَلٌ بِمَقْصُودِ الشَّرِكَةِ – فَلَيْسَ مَقْصُودُهَا إِلاَّ جَوَازَ تَصَرُّفِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْمَالَيْنِ، ثُمَّ اقْتِسَامَ الرِّبْحِ، وَهَذَا كَمَا يَكُونُ بِالأْثْمَانِ، يَكُونُ بِغَيْرِهَا. وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ بِاعْتِبَارِ قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ عِنْدَ تَقْدِيرِ نِصَابِ زَكَاتِهَا .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ حَاضِرًا:
اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ حَاضِرًا، قَالَ الْكَاسَانِيُّ: إِنَّمَا يُشْتَرَطُ الْحُضُورُ عِنْدَ الشِّرَاءِ لاَ عِنْدَ الْعَقْدِ لأِنَّ هَذَا كَافٍ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ الاِتِّجَارُ ابْتِغَاءَ الرِّبْحِ: وَلِذَا فَالَّذِي يَدْفَعُ أَلْفًا إِلَى آخَرَ، عَلَى أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهَا مِثْلَهَا، وَيَتَّجِرَ وَيَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، يَكُونُ قَدْ عَاقَدَهُ عَقْدَ شَرِكَةٍ صَحِيحَةٍ، إِذَا فَعَلَ الآْخَرُ ذَلِكَ – وَإِنْ كَانَ هَذَا الآْخَرُ لاَ يَسْتَطِيعُ إِشْرَاكَهُ فِي الْخَسَارَةِ إِلاَّ إِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ.
هَكَذَا قَرَّرَهُ الْكَاسَانِيُّ، وَالْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ، وَجَارَاهُمَا ابْنُ عَابِدِينَ وَعِبَارَةُ الْهِنْدِيَّةِ، عَنِ الْخَانِيَّةِ وَخِزَانَةِ الْمُفْتِينَ، أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ حَاضِرًا عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ عِنْدَ الشِّرَاءِ. فَلاَ تَصِحُّ الشَّرِكَةُ بِمَالٍ غَائِبٍ فِي الْحَالَيْنِ: عِنْدَ الْعَقْدِ وَعِنْدَ الشِّرَاءِ .
وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ حُضُورَ الْمَالَيْنِ عِنْدَ الْعَقْدِ قِيَاسًا لِذَلِكَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ، وَيَرَوْنَ أَنَّ حُضُورَ الْمَالَيْنِ عِنْدَ الْعَقْدِ هُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ مَعْنَى الشَّرِكَةِ، إِذْ يُتِيحُ الشُّرُوعَ فِي تَصْرِيفِ أَعْمَالِهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَلاَ يَتَرَاخَى بِمَقْصُودِهَا، لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِذَا عُقِدَتِ الشَّرِكَةُ بِمَالٍ غَائِبٍ أَوْ دَيْنٍ فِي الذِّمَّةِ، وَأُحْضِرَ الْمَالُ وَشَرَعَ الشَّرِيكَانِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ تَصَرُّفَ الشُّرَكَاءِ، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ تَنْعَقِدُ بِهَذَا التَّصَرُّفِ نَفْسِهِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ فَسَّرَ الْخَرَشِيُّ كَلاَمَ خَلِيلٍ بِمَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ حُضُورِ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْ مَا هُوَ بِمَثَابَةِ حُضُورِهِ – إِلاَّ أَنَّهُ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ مَالٍ هُوَ نَقْدٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ إِذَا غَابَ نَقْدُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ لاَ تَصِحُّ، إِلاَّ إِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقَعِ الاِتِّفَاقُ عَلَى الْبَدْءِ فِي أَعْمَالِ التِّجَارَةِ قَبْلَ حُضُورِهِ. فَإِذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ بَعِيدَةً، أَوْ قَرِيبَةً وَاتَّفَقَ عَلَى الشُّرُوعِ فِي التِّجَارَةِ قَبْلَ حُضُورِهِ، أَوْ غَابَ النَّقْدَانِ كِلاَهُمَا (نَقْدَا الشَّرِيكَيْنِ) وَلَوْ غَيْبَةً قَرِيبَةً، فَإِنَّ الشَّرِكَةَ حِينَئِذٍ لاَ تَكُونُ صَحِيحَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّ الْبُعْدَ بِمَسِيرَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّهُ بِمَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَاسْتَقَرَّ بِهِ الْخَرَشِيُّ. وَلَكِنَّ الْخَرَشِيَّ أَشَارَ إِلَى تَفْسِيرٍ آخَرَ، يَجْعَلُ هَذَا الشَّرْطَ شَرْطَ لُزُومٍ، لاَ شَرْطَ صِحَّةٍ .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْخَلْطُ
لاَ يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ وَلاَ الْحَنَابِلَةُ فِي شَرِكَةِ الأْمْوَالِ خَلْطَ الْمَالَيْنِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِشَرْطِ صِحَّةٍ أَصْلاً، بَلْ وَلاَ بِشَرْطِ لُزُومٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَعَهُ أَكْثَرُهُمْ؛ لأِنَّ الشَّرِكَةَ تَلْزَمُ عِنْدَهُمْ – خِلاَفًا لاِبْنِ رُشْدٍ – بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، أَيْ بِمُجَرَّدِ تَمَامِ الصِّيغَةِ، وَلَوْ بِلَفْظِ: «اشْتَرَكْنَا» أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيَّةَ دَلاَلَةٍ: قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً. وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ ضَمَانِ الْمَالِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ: فَمَا تَلِفَ قَبْلَهُ، إِنَّمَا يَتْلَفُ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ. وَالشَّرِكَةُ مَاضِيَةٌ فِي الْبَاقِي – فَمَا اشْتُرِيَ بِهِ فَلِلشَّرِكَةِ وَفْقَ شُرُوطِ عَقْدِهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْمَالِ الْبَاقِي هُوَ الَّذِي اشْتَرَاهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَلَفِ مَالِ شَرِيكِهِ، وَلَمْ يُرِدْ شَرِيكُهُ مُشَارَكَتَهُ، أَوِ ادَّعَى هُوَ أَنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ – فَإِنَّهُ يَكُونُ لِشَارِيهِ خَاصَّةً، عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْخَلْطِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خَاصٌّ بِالْمِثْلِيَّاتِ أَمَّا الْعُرُوضُ الْقِيَمِيَّةُ، فَلاَ يَتَوَقَّفُ ضَمَانُهَا عَلَى خَلْطِهَا، كَمَا أَنَّ الْخَلْطَ، لَيْسَ حَتْمًا أَنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا بِحَيْثُ لاَ يَتَمَيَّزُ الْمَالاَنِ – فِيمَا قَرَّرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الأْكْثَرُونَ ، بَلْ يَكْفِي الْخَلْطُ الْحُكْمِيُّ: بِأَنْ يُجْعَلَ الْمَالاَنِ فِي حَوْزِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي حَوْزِ الشَّرِيكَيْنِ مَعًا – كَأَنْ يُوضَعَ الْمَالاَنِ مُنْفَصِلَيْنِ فِي دُكَّانٍ وَبِيَدِ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مِفْتَاحٌ لَهُ أَوْ يُوضَعَ كُلُّ مَالٍ فِي حَافِظَةٍ عَلَى حِدَةٍ، وَتُسَلَّمَ الْحَافِظَتَانِ إِلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَوْ إِلَى صَرَّافِ مَحَلِّهِمَا أَوْ أَيِّ أَمِينٍ يَخْتَارَانِهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا لَمْ يُخْلَطِ الْمَالاَنِ فَلاَ شَرِكَةَ. وَكَذَلِكَ إِذَا خُلِطَا وَبَقِيَا مُتَمَيِّزَيْنِ – لاِخْتِلاَفِ الْجِنْسِ كَنُقُودِ بَلَدَيْنِ بِسِكَّتَيْنِ أَوْ نُقُودٍ ذَهَبِيَّةٍ وَفِضِّيَّةٍ، أَوِ الْوَصْفِ كَنُقُودٍ قَدِيمَةٍ وَجَدِيدَةٍ لأِنَّ بَقَاءَ التَّمَايُزِ يَجْعَلُ الْخَلْطَ كَلاَ خَلْطَ. وَإِذَنْ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَالشَّرِيكَيْنِ رِبْحُ مَالِهِ وَوَضِيعَتُهُ، أَيْ خَسَارَتُهُ، وَإِذَا هَلَكَ أَحَدُ الْمَالَيْنِ قَبْلَ الْخَلْطِ هَلَكَ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ فَحَسْبُ، وَلاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَى الآْخَرِ بِشَيْءٍ، وَهُمْ لاَ يَعْتَدُّونَ بِالْخَلْطِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَتَسَامَحُ إِذَا وَقَعَ الْخَلْطُ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ انْفِضَاضِ مَجْلِسِهِ: فَيَحْتَاجُ الشَّرِيكَانِ إِلَى تَجْدِيدِ الإْذْنِ فِي التَّصَرُّفِ بَعْدَ الْخَلْطِ الْمُتَرَاخِي وَمِنَ الْبَيِّنِ بِنَفْسِهِ أَنَّ الْمَالَ يَرِثُهُ اثْنَانِ أَوْ يَشْتَرِيَانِهِ أَوْ يُوهَبُ لَهُمَا، يَكُونُ بِطَبِيعَتِهِ مَخْلُوطًا أَبْلَغَ خَلْطٍ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْعُرُوضِ الْقِيَمِيَّةِ .
شُرُوطٌ خَاصَّةٌ بِشَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ فِي الأْمْوَالِ :
وَهِيَ شُرُوطٌ إِذَا اخْتَلَّتْ كَانَتِ الشَّرِكَةُ عَنَانًا
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ الْمُسَاوَاةَ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً فَلاَ بُدَّ مِنْ قِيَامِ الْمُسَاوَاةِ مَا دَامَتِ الشَّرِكَةُ فِي رَأْسِ الْمَالِ قَائِمَةً كَأَلْفِ دِينَارٍ مِنْ هَذَا، وَأَلْفِ دِينَارٍ مِنْ ذَاكَ؛ لأِنَّ الشَّرِكَةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ، فَصَارَتْ كَالْمُتَجَدِّدَةِ كُلَّ سَاعَةٍ، وَالْتَحَقَ اسْتِمْرَارُهَا بِابْتِدَائِهَا فِي اشْتِرَاطِ الْمُسَاوَاةِ بِمُقْتَضَى اسْمِهَا (مُفَاوَضَةٌ) فَإِذَا اتَّفَقَ، بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ عَلَى التَّسَاوِي، أَنْ مَلَكَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوِ صَدَقَةً، مَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ – وَهُوَ الأْثْمَانُ – وَقَبَضَهُ، فَإِنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَبْطُلُ، وَتَنْقَلِبُ عَنَانًا لِفَوَاتِ الْمُسَاوَاةِ. أَمَّا إِذَا مَلَكَ مَا لاَ تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ كَالْعُرُوضِ، عَقَارِيَّةً أَوْ غَيْرَهَا، وَكَالدُّيُونِ فَإِنَّ هَذَا لاَ يُنَافِي الْمُسَاوَاةَ فِيمَا يَصْلُحُ رَأْسَ مَالٍ لِلشَّرِكَةِ، فَلاَ يُنَافِي اسْتِمْرَارَ الْمُفَاوَضَةِ إِلاَّ إِذَا قَبَضَ الدُّيُونَ أَثْمَانًا فَحِينَئِذٍ تَحْصُلُ الْمُنَافَاةُ وَتَبْطُلُ الْمُفَاوَضَةُ. وَتَتَحَوَّلُ عَنَانًا .
وَلاَ يُخِلُّ بِهَذِهِ الْمُسَاوَاةِ – فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ – اخْتِلاَفُ النَّوْعِ: كَنُقُودٍ ذَهَبِيَّةٍ لِهَذَا وَفِضِّيَّةٍ لِذَاكَ، إِذَا اسْتَوَيَا فِي الْقِيمَةِ، فَإِذَا زَادَتْ قِيمَةُ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا خَرَجَتِ الشَّرِكَةُ عَنِ الْمُفَاوَضَةِ إِلَى الْعَنَانِ – إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ قَدْ طَرَأَتْ بَعْدَ الشِّرَاءِ بِالْحِصَّتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا. لأِنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْحَالَةِ الأْولَى: قَدِ انْتَقَلَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إِلَى مَا اشْتُرِيَ بِهِ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ فِي رَأْسِ الْمَالِ شَرِكَةٌ وَتَفَاوُتٌ، وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ تَكُونُ الْحِصَّةُ الْبَاقِيَةُ كَأَنَّهَا بَيْنَهُمَا؛ لأِنَّ نِصْفَ ثَمَنِ مَا اشْتُرِيَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى صَاحِبِهَا، وَقَلَّمَا يَتَّفِقُ الشِّرَاءُ بِالْحِصَّتَيْنِ جَمِيعًا، فَاقْتَضَى الاِسْتِحْسَانُ، تَفَادِيًا لِلْحَرَجِ، إِلْحَاقَهَا بِالْحَالَةِ الأْولَى: وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ فَسَادَ الْمُفَاوَضَةِ فِيهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ لاَ يَشْتَرِطُونَ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فِي رَأْسِ الْمَالِ لِصِحَّةِ الْمُفَاوَضَةِ .
الشَّرْطُ الثَّانِي: شُمُولُ رَأْسِ الْمَالِ لِكُلِّ مَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ مَالِ الشَّرِيكَيْنِ:
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الأْثْمَانَ وَحْدَهَا هِيَ الصَّالِحَةُ لِذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِذَا كَانَتْ عَيْنًا لاَ دَيْنًا، حَاضِرَةً لاَ غَائِبَةً – سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَثْمَانًا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ أَمْ بِجَرَيَانِ التَّعَامُلِ.
فَإِذَا كَانَ لأِحَدِ الشَّرِيكَيْنِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ آثَرَ بَقَاءَهُ خَارِجَ رَأْسِ الْمَالِ – وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ، كَأَنْ كَانَ وَدِيعَةً عِنْدَ غَيْرِهِ – فَالشَّرِكَةُ عَنَانٌ، لاَ مُفَاوَضَةَ لِعَدَمِ صِدْقِ اسْمِهَا إِذْ ذَاكَ.
أَمَّا مَا خَرَجَ عَنْ هَذَا النَّمَطِ، فَلاَ يَضِيرُ الْمُفَاوَضَةَ أَنْ يَخْتَصَّ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْهُ بِمَا شَاءَ لأِنَّهُ لاَ يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ، فَأَشْبَهَ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِزَوْجَةٍ أَوْ أَوْلاَدٍ، فَلْيَحْتَفِظْ لِنَفْسِهِ بِمَا أَحَبَّ مِنَ الْعُرُوضِ (بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْمِثْلِيِّ – عَلَى مَا فِيهِ مِنْ نِزَاعِ مُحَمَّدٍ – وَالْعَقَارِ)، أَوِ الدُّيُونِ أَوِ النُّقُودِ الْغَائِبَةِ – مَا دَامَتْ كَذَلِكَ. فَإِذَا قَبَضَ الدَّيْنَ نُقُودًا، أَوْ حَضَرَتِ النُّقُودُ الْغَائِبَةُ – تَحَوَّلَتِ الْمُفَاوَضَةُ إِلَى عَنَانٍ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ اشْتِرَاطِ اسْتِمْرَارِ الْمُسَاوَاةِ .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: إِطْلاَقُ التَّصَرُّفِ لِكُلِّ شَرِيكٍ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ:
وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. فَيَتَّجِرُ كُلُّ شَرِيكٍ فِي أَيِّ نَوْعٍ أَرَادَ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، سَهُلَ أَوْ عَسُرَ، رَخُصَ أَوْ غَلاَ. حَتَّى لَوْ أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ تَشَارَطَا عَلَى أَنْ يَتَقَيَّدَا هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا بِبَعْضِ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ – كَأَنْ لاَ يَتَّجِرَا فِي الْحَاصِلاَتِ الزِّرَاعِيَّةِ، أَوِ الآْلاَتِ الْمِيكَانِيكِيَّةِ، أَوْ أَنْ يَتَّجِرَ أَحَدُهُمَا فِي هَذِهِ دُونَ تِلْكَ، وَالآْخَرُ بِالْعَكْسِ – لَمْ تَكُنِ الشَّرِكَةُ مُفَاوَضَةً، بَلْ عَنَانًا؛ لأِنَّ الْمُفَاوَضَةَ تَقْتَضِي تَفْوِيضَ الرَّأْيِ فِي كُلِّ مَا يَصْلُحُ لِلاِتِّجَارِ فِيهِ، وَعَدَمَ التَّقْيِيدِ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ.
وَشَرْطُ إِطْلاَقِ التَّصَرُّفِ لِكِلاَ الشَّرِيكَيْنِ غَيْرُ مُقَرَّرٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأِنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُنَوِّعُونَ الْمُفَاوَضَةَ إِلَى عَامَّةٍ لَمْ تُقَيَّدْ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَتَاجِرِ دُونَ نَوْعٍ، وَخَاصَّةٍ – بِخِلاَفِهَا. كَمَا أَنَّ الْحَنَابِلَةَ يَئُولُ كَلاَمُهُمْ إِلَى مِثْلِ هَذَا، لأِنَّ هُمْ – وَإِنْ كَانُوا يُقِرُّونَ مِنْهَا نَوْعًا شَامِلاً لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ – فَإِنَّهُمْ يُقَرِّرُونَ نَوْعًا آخَرَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَيِّدَ فِيهِ الشُّرَكَاءُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِقُيُودٍ بِعَيْنِهَا .
شُرُوطٌ خَاصَّةٌ بِشَرِكَةِ الأْعْمَالِ :
الشَّرْطُ الأْوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهَا عَمَلاً: لأِنَّ الْعَمَلَ هُوَ رَأْسُ الْمَالِ فِي شَرِكَةِ الأْعْمَالِ – فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَمَلٌ، لَمْ تَصِحَّ الشَّرِكَةُ. وَلَكِنْ يَكْفِي لِتَحَقُّقِ هَذَا الْعَمَلِ أَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى التَّقَبُّلِ: سَوَاءٌ أَجَعَلاَ التَّقَبُّلَ لِكِلَيْهِمَا أَمْ لأِحَدِهِمَا عَمَلِيًّا، وَإِنْ كَانَ لِلآْخَرِ أَيْضًا نَظَرِيًّا أَيْ مِنْ حَقِّهِ (بِمُقْتَضَى عَقْدِ الشَّرِكَةِ) أَنْ يَتَقَبَّلَ الأْعْمَالَ الْمُتَّفَقَ عَلَى تَقَبُّلِ نَوْعِهَا – إِذْ كُلُّ شَرِيكٍ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الشَّرِكَةِ وَكِيلٌ عَنْ شَرِيكِهِ فِي هَذَا التَّقَبُّلِ، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْعَمَلَ الْمُتَقَبَّلَ – لَكِنَّهُ، لأِمْرٍ مَا، تَرَكَ التَّقَبُّلَ لِشَرِيكِهِ، فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَجْدَى عَلَى الشَّرِكَةِ وَالشَّرِيكَيْنِ. حَتَّى لَوْ أَنَّهُ شَاءَ بَعْدَ هَذَا التَّرْكِ، أَنْ يُمَارِسَ حَقَّهُ فِي التَّقَبُّلِ، لَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ، فَإِذَا تَقَبَّلَ الْعَمَلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بَعْدَ قِيَامِ الشَّرِكَةِ وَقَامَ بِهِ وَحْدَهُ – كَأَنْ تَقَبَّلَ الثَّوْبَ لِلْخِيَاطَةِ، وَقَطَعَهُ وَخَاطَهُ – فَالأْجْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ مُنَاصَفَةً، إِنْ كَانَتِ الشَّرِكَةُ مُفَاوَضَةً، وَعَلَى مَا اتَّفَقَا إِنْ كَانَتْ عَنَانًا. ذَلِكَ أَنَّ التَّقَبُّلَ وَقَعَ عَنْهُمَا – إِذْ شَطْرُهُ عَنِ الشَّرِيكِ الآْخَرِ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ – وَصَارَ الْعَمَلُ مَضْمُونًا عَلَيْهِمَا بَعْدَ التَّقَبُّلِ: فَانْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِهِ إِعَانَةُ مُتَبَرِّعٍ بِهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانَ مِنْهُ عَلَى شَرِيكِهِ، وَالْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي خَلَتْ مِنْ عَمَلِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ: شَرِكَةُ قِصَارَةٍ يَتَّفِقُ فِيهَا الشَّرِيكَانِ أَنْ يُقَدِّمَ أَحَدُهُمَا آلَةَ الْقِصَارَةِ، وَيَقُومَ الآْخَرُ بِالْعَمَلِ كُلِّهِ: تَقَبُّلاً وَإِنْجَازًا – وَلاَ شَأْنَ لِلأْوَّلِ بَعْدُ، إِلاَّ فِي اقْتِسَامِ الرِّبْحِ. وَلِفَسَادِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ، تَكُونُ الأْجْرَةُ لِلْعَامِلِ؛ لأِنَّ هَا اسْتُحِقَّتْ بِعَمَلِهِ، وَعَلَيْهِ لِصَاحِبِ الآْلَةِ أُجْرَةُ مِثْلِ آلَتِهِ.
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ – كَالْحَنَابِلَةِ – بِصِحَّةِ شَرِكَةِ الْقِصَارَةِ – وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الصِّنَاعَاتِ – عَلَى أَنْ يَعْمَلَ الشَّرِيكَانِ بِآلَةِ أَحَدِهِمَا، فِي بَيْتِ الآْخَرِ – وَتَكُونَ الأْجْرَةُ بَيْنَهُمَا؛ لأِنَّ هَا بَدَلٌ عَنِ الْعَمَلِ، لاَ عَنْ آلَتِهِ وَمَكَانِهِ: وَكُلُّ مَا فِي الأْمْرِ ، أَنَّ أَحَدَهُمَا أَعَانَ مُتَبَرِّعًا بِنِصْفِ الآْلَةِ، وَأَعَانَ الآْخَرُ بِنِصْفِ الْمَكَانِ، نَعَمْ إِنْ فَسَدَتِ الشَّرِكَةُ قُسِمَ مَا حَصَلَ لَهُمَا عَلَى قَدْرِ أَجْرِ عَمَلِهِمَا، وَأَجْرِ الدَّارِ وَالآْلَةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا قَدَّمَهُ كُلُّ شَرِيكٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ .
وَكَوْنُ الشَّرِيكِ فِي شَرِكَةِ الأْعْمَالِ ، يَسْتَحِقُّ حِصَّتَهُ فِي الرِّبْحِ، وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ، هُوَ مَبْدَأٌ مُقَرَّرٌ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ – كَابْنِ قُدَامَةَ – مَنْ يُبْدِي احْتِمَالَ أَنْ يُحْرَمَ مِنْ حِصَّتِهِ فِي الرِّبْحِ مَنْ يَتْرُكُ الْعَمَلَ بِلاَ عُذْرٍ، لإِخْلاَلِهِ بِمَا شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَمِمَّا قَرَّرَهُ الْمَالِكِيَّةُ – وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّ فِيهِ فَسْخًا لِلشَّرِكَةِ – أَنَّ الشَّرِيكَ يَخْتَصُّ بِمَا يَتَقَبَّلُهُ مِنْ أَعْمَالِ الشَّرِكَةِ – بَعْدَ طُولِ مَرَضِ شَرِيكِهِ، أَوْ طُولِ غَيْبَتِهِ – ضَمَانًا، وَعَمَلاً، وَأُجْرَةَ عَمَلٍ. بِخِلاَفِ مَا تَقَبَّلَهُ فِي حُضُورِهِ صَحِيحًا أَوْ بَعْدَ غَيْبَتِهِ أَوْ مَرَضِهِ لِفَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ .
أَمَّا الآْلَةُ، فَإِنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَعْتَبِرُونَهَا مُتَمِّمَةً لِلْعَمَلِ. فَلاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً لِحِصَّةِ الشَّرِيكِ فِي الْعَمَلِ: بِحَيْثُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ تَقْدِيمَ ثُلُثَيِ الآْلَةِ عَلَى حِينِ أَنَّ حِصَّتَهُ فِي الْعَمَلِ هِيَ الثُّلُثُ أَوِ النِّصْفُ، دُونَ أَنْ يَحْسِبَ حِسَابَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ – فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الشَّرِكَةَ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ الرِّبْحِ وَالْعَمَلِ نَظَرًا إِلَى تَكْمِلَةِ الاِعْتِبَارِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ التَّجَاوُزُ عَنْ فَرْقٍ يَسِيرٍ يَتَبَرَّعُ بِهِ فِي الْعَقْدِ، أَمَّا التَّبَرُّعُ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلاَ حَدَّ لَهُ. فَكَيْفَ إِذَا قَدَّمَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ آلَةَ الْعَمَلِ كُلَّهَا مَجَّانًا فِي الْعَقْدِ؟ عَلَى أَنَّ غَيْرَ سَحْنُونٍ وَصَحْبِهِ – مِنَ الْمَالِكِيَّةِ – لاَ يَكْتَفُونَ بِهَذَا. بَلْ يَشْتَرِطُونَ أَنْ تَكُونَ الآْلَةُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ شَرِكَةَ مِلْكٍ: إِمَّا مِلْكَ عَيْنٍ، أَوْ مِلْكَ مَنْفَعَةٍ، أَوْ مِلْكَ عَيْنٍ مِنْ جَانِبٍ وَمِلْكَ مَنْفَعَةٍ مِنَ الآْخَرِ – كَمَا إِذَا كَانَتْ مِلْكًا لأِحَدِهِمَا وَلَكِنَّهُ أَجَّرَ لِشَرِيكِهِ حِصَّةً مِنْهَا تُسَاوِي حِصَّتَهُ فِي الْعَمَلِ، أَوْ كَانَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا آلَةٌ هِيَ مِلْكٌ لَهُ خَاصٌّ، إِلاَّ أَنَّهُمَا تَكَارَيَا بَعْضَ هَذِهِ بِبَعْضِ تِلْكَ فِي حُدُودِ النِّسْبَةِ الْمَطْلُوبَةِ. بَلْ إِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَيُحَتِّمُ أَنْ يَكُونَا فِي ضَمَانِ الآْلَةِ سَوَاءً: فَلاَ يَسُوغُ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ رَقَبَةٍ لأِحَدِهِمَا ، وَمِلْكِ مَنْفَعَةٍ لِلآْخَرِ.
وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةُ يُوَافِقُونَ عَلَى الْحُكْمِ بِالْفَسَادِ فِي حَالَةِ اشْتِرَاطِ الْعَمَلِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ. لَكِنِ اخْتَارَ ابْنُ قُدَامَةَ الصِّحَّةَ، وَقَالَ: إِنَّهُ قِيَاسُ نَصِّ أَحْمَدَ وَالأَْوْزَاعِيِّ فِيمَنْ دَفَعَ دَابَّتَهُ إِلَى آخَرَ لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا وَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا. وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ .
وَالشَّافِعِيَّةُ يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِالْفَسَادِ: سَوَاءٌ اشْتُرِطَ الْعَمَلُ عَلَى الْجَمِيعِ أَمْ عَلَى بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ؛ لأِنَّ هَذِهِ أَمْوَالٌ مُتَمَايِزَةٌ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ تَجْمَعَهَا شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ. فَتُطَبَّقُ أَحْكَامُ الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ .
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ الْمُشْتَرَكُ فِيهِ يُمْكِنُ اسْتِحْقَاقُهُ بِعَقْدِ الإْجَارَةِ: كَالنِّسَاجَةِ وَالصِّبَاغَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَكَالصِّيَاغَةِ وَالْحِدَادَةِ وَالنِّجَارَةِ، وَكَتَعْلِيمِ الْكِتَابَةِ أَوِ الْحِسَابِ أَوِ الطِّبِّ أَوِ الْهَنْدَسَةِ أَوِ الْعُلُومِ الأْدَبِيَّةِ – وَكَذَلِكَ، عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ اسْتِحْسَانًا تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ – وَإِنْ كَانَ الأْصْلُ فِيهَا عَدَمُ صِحَّةِ الإْجَارَةِ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْقُرَبِ.
أَمَّا مَا لاَ يُسْتَحَقُّ بِعَقْدِ الإْجَارَةِ، فَلاَ تَصِحُّ فِيهِ شَرِكَةُ الأْعْمَالِ . وَهَذَا يَنْتَظِمُ جَمِيعَ الْمَحْظُورَاتِ الشَّرْعِيَّةِ: كَالنِّيَاحَةِ عَلَى الْمَوْتَى، وَالأْغَانِي الْخَلِيعَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالأْنْغَامِ الْمُخِلَّةِ بِصِحَّةِ الأْدَاءِ – كَمَا يَنْتَظِمُ جَمِيعَ الْقُرَبِ – عَدَا مَا اسْتَثْنَاهُ الْمُتَأَخِّرُونَ لِلضَّرُورَةِ، لِئَلاَّ تَضِيعَ الْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ، أَوْ تَتَعَطَّلَ الشَّعَائِرُ الدِّينِيَّةُ: كَالإِْمَامَةِ وَالأْذَانِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ . فَلاَ يَصِحُّ التَّعَاقُدُ عَلَى إِنْشَاءِ شَرِكَةِ وُعَّاظٍ تَعِظُ النَّاسَ وَتُذَكِّرُهُمْ بِالأْجْرَةِ ، وَكَذَلِكَ لاَ تَصِحُّ شَرِكَةُ الشُّهُودِ؛ لأِنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الشَّرْعِ إِنْ كَانَتْ زُورًا، وَمِنَ الْقُرُبَاتِ أَوِ الْفَرَائِضِ إِنْ كَانَتْ حَقًّا – سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ التَّحَمُّلُ وَالأْدَاءُ، عَلَى مَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي مَوْضِعِهِ .
شَرْطٌ خَاصٌّ بِشَرِكَةِ الْوُجُوهِ:
اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ بِنِسْبَةِ ضَمَانِهِمَا الثَّمَنَ: وَضَمَانُهُمَا الثَّمَنَ إِنَّمَا هُوَ بِنِسْبَةِ حِصَصِهِمَا فِيمَا يَشْتَرِيَانِهِ مَعًا، أَوْ كُلٌّ عَلَى انْفِرَادٍ. وَمِقْدَارُ هَذِهِ الْحِصَصِ يَتْبَعُ الشَّرْطَ الَّذِي وَقَعَ التَّشَارُطُ عَلَيْهِ عِنْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ. فَمِنَ الْجَائِزِ الْمَشْرُوعِ أَنْ يَتَعَاقَدَا فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا يَشْتَرِيَانِهِ أَوْ يَشْتَرِيهِ أَحَدُهُمَا بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً، أَوْ عَلَى التَّفَاوُتِ الْمَعْلُومِ أَيَّمَا كَانَ – كَأَنْ يَكُونَ لأِحَدِهِمَا الثُّلُثُ أَوِ الرُّبُعُ، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلُّ، وَلِلآْخَرِ الثُّلُثَانِ أَوِ الثَّلاَثَةُ الأْرْبَاعُ إِلَخْ. وَإِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ لاَ تَكُونُ إِلاَّ عَلَى التَّسَاوِي فِي الرِّبْحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ هُنَا أَنْ تَكُونَ عَلَى التَّسَاوِي فِي حِصَصِ الْمُشْتَرِي وَثَمَنِهِ أَيْضًا.
فَإِذَا شُرِطَ لأِحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي الرِّبْحِ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ الضَّمَانِ فَهُوَ شَرْطٌ بَاطِلٌ لاَ أَثَرَ لَهُ، وَيَظَلُّ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةِ ضَمَانِهِمَا؛ لأِنَّهُ لاَ يُوجَدُ فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ سَبَبٌ لاِسْتِحْقَاقِ الرِّبْحِ سِوَى الضَّمَانِ، فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ. ذَلِكَ أَنَّ الرِّبْحَ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِالْمَالِ أَوِ الْعَمَلِ أَوِ الضَّمَانِ، كَمَا سَيَجِيءُ فِي الأْحْكَامِ ، وَلاَ مَالَ هُنَا وَلاَ عَمَلَ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بِسَبَبِ الضَّمَانِ، وَإِذَنْ تَكُونُ قِسْمَتُهُ بِحَسَبِهِ. لِئَلاَّ يَلْزَمَ رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الرِّبْحَ فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ؛ لأِنَّ الشَّرِيكَيْنِ شَرِكَةَ وُجُوهٍ يَتَّجِرَانِ، وَالتِّجَارَةُ عَمَلٌ يَتَفَاوَتُ كَيْفًا، كَمَا يَتَفَاوَتُ كَمًّا، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْقَائِمِينَ بِهِ نَشَاطًا وَخِبْرَةً – فَالْعَدَالَةُ أَنْ تُتْرَكَ الْحُرِّيَّةُ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ لِيُقَدِّرَا كُلَّ حَالَةٍ بِحَسَبِهَا: حَتَّى إِذَا اقْتَضَتِ التَّفَاوُتَ فِي الرِّبْحِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا مِنْ حَرَجٍ فِي التَّشَارُطِ عَلَيْهِ وَفْقَ مَا يَرَيَانِ. نَظِيرُهُ، لِنَفْسِ هَذَا الْمُدْرَكِ، شَرِكَاتُ الْعَنَانِ الأْخْرَى، وَالْمُضَارَبَةِ، إِذْ يَكْفِي فِيهِمَا أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهِ بِنِسْبَةٍ مَعْلُومَةٍ، عَلَى التَّسَاوِي أَوِ التَّفَاوُتِ – بَالِغًا مَا بَلَغَ هَذَا التَّفَاوُتُ .
أَحْكَامُ الشَّرِكَةِ وَالآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهَا:
أَوَّلاً – أَحْكَامٌ عَامَّةٌ
أ – الاِشْتِرَاكُ فِي الأْصْلِ وَالْغَلَّةِ:
حُكْمُ شَرِكَةِ الْعَقْدِ صَيْرُورَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَمَا يُسْتَفَادُ بِهِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا (أَيِ الْعَاقِدَيْنِ) .
ب – عَدَمُ لُزُومِ الْعَقْدِ:
وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ. فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِفَسْخِ الشَّرِكَةِ، رَضِيَ الآْخَرُ أَمْ أَبَى، حَضَرَ أَمْ غَابَ، كَانَ نُقُودًا أَمْ عُرُوضًا.
لَكِنَّ الْفَسْخَ لاَ يَنْفَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ مِنْ حِينِ عِلْمِ الآْخَرِ بِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ عَزْلِهِ عَمَّا كَانَ لَهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الشَّرِكَةِ، وَهُوَ عَزْلٌ قَصْدِيٌّ آثَرَهُ الْفَاسِخُ بِاخْتِيَارِهِ، فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَى الإْضْرَارِ بِغَيْرِهِ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَلَمْ يَشْتَرِطُوا عِلْمَ الشَّرِيكِ بِالْفَسْخِ، كَمَا فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ .
نَعَمْ شَرَطَ الطَّحَاوِيُّ، وَأَيَّدَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ – وَمَعَهُمَا ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ وَحَفِيدُهُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ – أَنْ يَكُونَ الْمَالُ نَاضًّا لاَ عُرُوضًا، وَإِلاَّ فَالشَّرِكَةُ بَاقِيَةٌ، وَالْفَسْخُ لاَغٍ. إِلاَّ أَنَّ هَذَا الْبَعْضَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يُلْغُونَ الْفَسْخَ، وَإِنَّمَا يُوقِفُونَهُ إِلَى النُّضُوضِ: فَيَظَلُّ لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عِنْدَهُمُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ مِنْ أَجْلِ نُضُوضِهِ – حَتَّى يَتِمَّ، وَلَيْسَ لَهُمَا أَيْ تَصَرُّفٍ آخَرَ، كَالرَّهْنِ أَوِ الْحَوَالَةِ أَوِ الْبَيْعِ بِغَيْرِ النَّقْدِ الَّذِي يَنِضُّ بِهِ الْمَالُ .
وَيُعَدُّ مِنْ قَبِيلِ الْفَسْخِ، أَنْ يَقُولَ الشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ: لاَ أَعْمَلُ مَعَكَ فِي الشَّرِكَةِ. فَإِذَا تَصَرَّفَ الآْخَرُ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ بَعْدَ هَذَا، فَهُوَ ضَامِنٌ لِحِصَّةِ شَرِيكِهِ فِي هَذَا الْمَالِ عِنْدَ الْفَسْخِ: مِثْلاً فِي الْمِثْلِيِّ، وَقِيمَةً فِي الْمُتَقَوِّمِ .
وَبِنَاءً عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النَّضُوضِ، إِذَا اتَّفَقَ أَنْ كَانَ الْمَالُ عُرُوضًا عِنْدَمَا انْتَهَتِ الشَّرِكَةُ، فَإِنَّ لِلشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَفْعَلاَ مَا يَرَيَانِهِ: مِنْ قِسْمَتِهِ، أَوْ بَيْعِهِ وَقِسْمَةِ ثَمَنِهِ. فَإِنِ اخْتَلَفَا، فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ، وَآثَرَ الآْخَرُ الْبَيْعَ، أُجِيبَ طَالِبُ الْقِسْمَةِ؛ لأِنَّ هَا تُحَقِّقُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَسْتَحِقُّهُ أَصْلاً وَرِبْحًا، دُونَ حَاجَةٍ إِلَى تَكَلُّفِ مَزِيدٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ. وَمِنْ هُنَا يُفَارِقُ الشَّرِيكُ الْمُضَارِبَ، إِذِ الْمُضَارِبُ إِنَّمَا يَظْهَرُ حَقُّهُ بِالْبَيْعِ. فَإِذَا طَلَبَهُ أُجِيبَ إِلَيْهِ. هَكَذَا قَرَّرَهُ الْحَنَابِلَةُ .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ – عَدَا ابْنَ رُشْدٍ وَحَفِيدَهُ وَمَنْ تَابَعَهُمَا – فَعِنْدَهُمْ أَنَّ عَقْدَ الشَّرِكَةِ عَقْدٌ لاَزِمٌ.
وَيَسْتَمِرُّ هَذَا اللُّزُومُ إِلَى أَنْ يَنِضَّ الْمَالُ، أَوْ يَتِمَّ الْعَمَلُ الَّذِي تُقُبِّلَ، وَقَدِ اسْتَظْهَرَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ الْقَوْلَ عِنْدَهُمْ أَيْضًا بِلُزُومِ شَرِكَةِ الأْعْمَالِ بَعْدَ التَّقَبُّلِ .
ج – يَدُ الشَّرِيكِ يَدُ أَمَانَةٍ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ يَدَ الشَّرِيكِ يَدُ أَمَانَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِ الشَّرِكَةِ، أَيًّا كَانَ نَوْعُهَا.
أِنَّهُ كَالْوَدِيعَةِ مَالٌ مَقْبُوضٌ بِإِذْنِ مَالِكِهِ، لاَ لِيَسْتَوْفِيَ بَدَلَهُ، وَلاَ يَسْتَوْثِقَ بِهِ .
وَالْقَاعِدَةُ فِي الأْمَانَاتِ أَنَّهَا لاَ تُضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّقْصِيرِ، وَإِذَنْ فَمَا لَمْ يَتَعَدَّ الشَّرِيكُ أَوْ يُقَصِّرْ، فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ، وَلَوْ ضَاعَ مَالُ الشَّرِكَةِ أَوْ تَلِفَ. وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي مِقْدَارِ الرِّبْحِ وَالْخَسَارَةِ، وَضَيَاعِ الْمَالِ أَوْ تَلَفِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، وَدَعْوَى دَفْعِهِ إِلَى شَرِيكِهِ .
وَمِنَ النَّتَائِجِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى أَمَانَةِ الشَّرِيكِ، وَقَبُولِ قَوْلِهِ بِيَمِينِهِ فِي مِقْدَارِ الرِّبْحِ وَالْخَسَارَةِ، وَالذَّاهِبِ وَالْمُتَبَقِّي، أَنَّهُ – كَسَائِرِ الأْمَنَاءِ، مِثْلُ الْوَصِيِّ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ – لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَدِّمَ حِسَابًا مُفَصَّلاً. فَحَسْبُهُ أَنْ يَقُولَ عَلَى الإْجْمَالِ: لَمْ يَبْقَ عِنْدِي مِنْ رَأْسِ مَالِ الشَّرِكَةِ إِلاَّ كَذَا، أَوْ تَجَشَّمْتُ مِنَ الْخَسَارَةِ كَذَا، أَوْ لَمْ أُصِبْ مِنَ الرِّبْحِ إِلاَّ كَذَا. فَإِنْ قُبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلاَّ حَلَفَ، وَلاَ مَزِيدَ.
هَكَذَا أَفْتَى قَارِئُ الْهِدَايَةِ، وَأَطْلَقَ الْفَتْوَى وَلَكِنَّهُمْ قَيَّدُوهَا مِنَ النَّاحِيَةِ الْقَضَائِيَّةِ – بِمَا إِذَا كَانَ الأْمِينُ مَعْرُوفًا بِالأْمَانَةِ فِي وَاقِعِ الأْمْرِ ، وَإِلاَّ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِالتَّفْصِيلِ وَيُهَدِّدُهُ الْقَاضِي إِنْ لَمْ يَفْعَلْ. بَيْدَ أَنَّهُ إِنْ أَصَرَّ عَلَى الإْجْمَالِ فَلاَ سَبِيلَ عَلَيْهِ وَرَاءَ يَمِينِهِ .
وَهَكَذَا يَقُولُ الشَّافِعِيَّةُ، إِذْ يَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ الشَّرِيكَ إِذَا ادُّعِيَتْ عَلَيْهِ خِيَانَةٌ فَالأْصْلُ عَدَمُهَا .
وَمِنَ التَّعَدِّي: مُخَالَفَةُ نَهْيِ شَرِيكِهِ: فَإِنَّ كُلَّ مَا لِلشَّرِيكِ فِعْلُهُ مِنْ كَيْفِيَّاتِ التَّصَرُّفِ إِذَا نَهَاهُ عَنْهُ شَرِيكُهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ – فَإِذَا خَالَفَهُ ضَمِنَ حِصَّةَ شَرِيكِهِ: كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: لاَ تَرْكَبِ الْبَحْرَ بِمَالِ التِّجَارَةِ، فَرَكِبَ، أَوْ لاَ تَبِعْ إِلاَّ نَقْدًا، فَبَاعَ نَسِيئَةً .
وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ الْحَنَابِلَةُ: إِذْ يَقُولُونَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلشَّرِيكِ بَيْعُ النَّسِيئَةِ فَبَاعَهُ، كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلاً؛ لأِنَّهُ وَقَعَ بِلاَ إِذْنٍ – إِلاَّ إِذَا جَرَيْنَا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ مَوْقُوفٌ، فَيَكُونُ مَوْقُوفًا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ – مِنْهُمُ الصِّحَّةَ مَعَ الضَّمَانِ – إِلاَّ أَنَّهُ ضَمَانُ الثَّمَنِ، بِخِلاَفِهِ فِي قَوْلِ الْبُطْلاَنِ، فَإِنَّهُ ضَمَانُ الْقِيمَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ هُوَ ضَمَانَ الْقِيمَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ – لأِنَّهُ لَمْ يَفُتْ مِنَ الْمَالِ سِوَاهَا .
وَمِنَ التَّعَدِّي أَنْ يَحْمِلَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ حَتَّى يَمُوتَ، فَإِنْ مَاتَ دُونَ أَنْ يُبَيِّنَ حَالَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ: هَلِ اسْتَوْفَاهُ شَرِيكُهُ، أَوْ ضَاعَ، أَوْ تَلِفَ بِتَعَدٍّ، أَوْ بِدُونِهِ، أَمْ لاَ؟ وَهَلْ هُوَ عَيْنٌ عِنْدَهُ أَمْ عِنْدَ غَيْرِهِ أَمْ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ؟ فَإِنَّهُ إِذَنْ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فِي مَالِ تَرِكَتِهِ – إِلاَّ إِذَا عَرَفَهُ الْوَارِثُ، وَبَرْهَنَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ إِيَّاهُ، وَبَيَّنَ بِمَا يَنْفِي ضَمَانَهُ. وَهَذَا هُوَ مُفَادُ قَوْلِ ابْنِ نُجَيْمٍ فِي الأْشْبَاهِ: «وَمَعْنَى مَوْتِهِ مُجَهِّلاً، أَنْ لاَ يُبَيِّنَ حَالَ الأْمَانَةِ، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ وَارِثَهُ لاَ يَعْلَمُهَا».
وَقَدْ عَبَّرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَنِ التَّجْهِيلِ الْمَذْكُورِ بِتَرْكِ الإْيصَاءِ. لَكِنَّهُمْ فِيهِ أَشَدُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذْ لاَ يُعْفِي الشَّرِيكَ مِنَ الضَّمَانِ عِنْدَهُمْ أَنْ يُوصِيَ إِلَى وَارِثِهِ بِمَا لَدَيْهِ لِشَرِيكِهِ، بَلْ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ إِلَى الْقَاضِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِلَى أَمِينٍ مَعَ الإْشْهَادِ عَلَيْهَا .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَكَالْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ يُسْقِطُونَ الضَّمَانَ بِمُضِيِّ عَشْرِ سِنِينَ، وَيَقُولُونَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ رَدَّ الْمَالَ، إِذَا كَانَ أَخَذَهُ بِدُونِ بَيِّنَةِ تَوْثِيقٍ
د – اسْتِحْقَاقُ الرِّبْحِ:
لاَ يُسْتَحَقُّ الرِّبْحُ إِلاَّ بِالْمَالِ أَوِ الْعَمَلِ أَوِ الضَّمَانِ؛ فَهُوَ يُسْتَحَقُّ بِالْمَالِ، لأِنَّهُ نَمَاؤُهُ فَيَكُونُ لِمَالِكِهِ. وَمِنْ هُنَا اسْتَحَقَّهُ رَبُّ الْمَالِ فِي رِبْحِ الْمُضَارَبَةِ. وَهُوَ يُسْتَحَقُّ بِالْعَمَلِ حِينَ يَكُونُ الْعَمَلُ: سَبَبَهُ: كَنَصِيبِ الْمُضَارِبِ فِي رِبْحِ الْمُضَارَبَةِ، اعْتِبَارًا بِالإْجَارَةِ .
وَيُسْتَحَقُّ بِالضَّمَانِ كَمَا فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ. لِقَوْلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» أَوِ «الْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ» أَيْ مَنْ ضَمِنَ شَيْئًا فَلَهُ غَلَّتُهُ. وَلِذَا سَاغَ لِلشَّخْصِ أَنْ يَتَقَبَّلَ الْعَمَلَ مِنَ الأْعْمَالِ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ – وَيَتَعَهَّدَ بِإِنْجَازِهِ لِقَاءَ أَجْرٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ يَتَّفِقَ مَعَ آخَرَ عَلَى الْقِيَامِ بِهَذَا الْعَمَلِ بِأَجْرٍ أَقَلَّ مِنَ الأْجْرِ الأْوَّلِ ، وَيَرْبَحَ هُوَ فَرْقَ مَا بَيْنَهُمَا حَلاَلاً طَيِّبًا – لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ ضَمِنَ الْعَمَلَ، دُونَ أَنْ يَقُومَ بِهِ: وَعَسَى أَنْ لاَ يَكُونَ لَهُ مَالٌ أَصْلاً.
فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدُ هَذِهِ الأْسْبَابِ الثَّلاَثَةِ، الَّتِي لاَ يُسْتَحَقُّ الرِّبْحُ إِلاَّ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، لَمْ يَكُنْ ثَمَّ سَبِيلٌ إِلَيْهِ. وَلِذَا لاَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لآِخَرَ: تَصَرَّفْ فِي مَالِكِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ لِي، أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَنَا – فَإِنَّ هَذَا عَبَثٌ مِنَ الْعَبَثِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْفِقْهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ دُونَ مُزَاحِمٍ .
وَفِي شَرِكَتَيِ الأْمْوَالِ (الْمُفَاوَضَةِ وَالْعَنَانِ) مَالٌ وَعَمَلٌ عَادَةً. وَالرِّبْحُ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ دَائِمًا عَلَى التَّسَاوِي كَمَا عَلِمْنَاهُ. أَمَّا فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ: فَالرِّبْحُ بِحَسَبِ الْمَالَيْنِ، إِذَا رَأَى الشَّرِيكَانِ إِغْفَالَ النَّظَرِ إِلَى الْعَمَلِ، وَلَهُمَا أَنْ يَجْعَلاَ لِشَرْطِ الْعَمَلِ قِسْطًا مِنَ الرِّبْحِ يَسْتَأْثِرُ بِهِ – زَائِدًا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ فِي الرِّبْحِ بِمُقْتَضَى حِصَّتِهِ فِي رَأْسِ الْمَالِ – مَنْ شُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ فِي الشَّرِكَةِ: لِئَلاَّ يَكُونَ قَدِ اسْتَحَقَّهُ بِلاَ مَالٍ وَلاَ عَمَلٍ وَلاَ ضَمَانٍ: سَوَاءٌ أَشَرَطَ عَلَى شَرِيكِهِ أَنْ يَعْمَلَ أَيْضًا أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ عَمِلَ هُوَ بِمُقْتَضَى الشَّرْطِ أَمْ لاَ؛ لأِنَّ الْمَنَاطَ هُوَ اشْتِرَاطُ الْعَمَلِ، لاَ وُجُودُهُ.
وَمِنْ هُنَا كَانَ سَائِغًا فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ أَنْ يَتَسَاوَى الْمَالاَنِ وَيَتَفَاضَلَ الشَّرِيكَانِ فِي الرِّبْحِ، وَأَنْ يَتَفَاضَلَ الْمَالاَنِ وَيَتَسَاوَى الرِّبْحَانِ – عَلَى نَحْوِ مَا وَضَعْنَا لاَ بِإِطْلاَقٍ، وَلاَ حِينَ لاَ يُتَعَرَّضُ لِشَرْطِ الْعَمَلِ: وَإِلاَّ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَالرِّبْحُ بِحَسَبِ الْمَالَيْنِ. أَمَّا الْخَسَارَةُ فَهِيَ أَبَدًا بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ لأِنَّ هَا جُزْءٌ ذَاهِبٌ مِنَ الْمَالِ، فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النَّهْرِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: اعْلَمْ أَنَّهُمَا إِذَا شَرَطَا الْعَمَلَ عَلَيْهِمَا: إِنْ تَسَاوَيَا مَالاً وَتَفَاوَتَا رِبْحًا، جَازَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلاَثَةِ، خِلاَفًا لِزُفَرَ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا، وَإِنْ عَمِلَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ. وَإِنْ شَرَطَاهُ عَلَى أَحَدِهِمَا: فَإِنْ شَرَطَا الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمَا جَازَ، وَيَكُونُ مَالُ الَّذِي لاَ عَمَلَ لَهُ بِضَاعَةٌ عِنْدَ الْعَامِلِ، لَهُ رِبْحُهُ وَعَلَيْهِ وَضِيعَتُهُ، وَإِنْ شَرَطَا الرِّبْحَ لِلْعَامِلِ – أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ – جَازَ أَيْضًا عَلَى الشَّرْطِ. وَيَكُونُ مَالُ الدَّافِعِ عِنْدَ الْعَامِلِ مُضَارَبَةً، وَلَوْ شَرَطَا الرِّبْحَ لِلدَّافِعِ – أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ – لاَ يَصِحُّ الشَّرْطُ، وَيَكُونُ مَالُ الدَّافِعِ عِنْدَ الْعَامِلِ بِضَاعَةً: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِبْحُ مَالِهِ – وَالْوَضِيعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمَا أَبَدًا .
وَقَاعِدَةُ الرِّبْحِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ – كَالْخَسَارَةِ – لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ – فَلَوْ وَقَعَ التَّشَارُطُ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ كَانَ الْعَقْدُ نَفْسُهُ بَاطِلاً .
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَالرِّبْحُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ مَا لَمْ يُشْتَرَطْ خِلاَفُهُ، فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَى الشَّرْطِ . وَتَفَرَّدَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَابِلَةِ بِمُوَافَقَةِ الْحَنَفِيَّةِ تَمَامَ الْمُوَافَقَةِ: فَالرِّبْحُ عِنْدَهُمْ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ إِلاَّ أَنْ تُشْتَرَطَ الزِّيَادَةُ لِعَامِلٍ فَيَصِحُّ الشَّرْطُ حِينَئِذٍ .
وَيُضِيفُ الْمَالِكِيَّةُ اشْتِرَاطَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ أَيْضًا بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ. وَإِلاَّ فَسَدَتِ الشَّرِكَةُ: كَمَا لَوْ كَانَتْ حِصَّةُ أَحَدِهِمَا فِي رَأْسِ الْمَالِ مِائَةً، وَحِصَّةُ الآْخَرِ مِائَتَيْنِ، وَتَعَاقَدَا عَلَى التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ. فَإِنْ وَضَعَا هَذِهِ الشَّرِكَةَ مَوْضِعَ التَّنْفِيذِ، اسْتَحَقَّ الشَّرِيكُ بِالثُّلُثِ الرُّجُوعَ عَلَى الآْخَرِ بِسُدُسِ عَمَلِهِ، أَيْ بِأُجْرَةِ مِثْلِ ذَلِكَ. نَعَمْ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ عَلَى الصِّحَّةِ يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِشَيْءٍ مِنَ الْعَمَلِ، أَوْ بِالْعَمَلِ كُلِّهِ .
أَمَّا فِي الْمَذَاهِبِ الأْخْرَى، فَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ الْعَمَلَ فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَاحِدٍ: عَلَى مَعْنَى أَنْ يَأْذَنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلآْخَرِ فِي التَّصَرُّفِ، دُونَ الْعَكْسِ – فَيَتَصَرَّفَ الْمَأْذُونُ فِي جَمِيعِ مَالِ الشَّرِكَةِ، وَلاَ يَتَصَرَّفَ الآْذِنُ إِلاَّ فِي مَالِ نَفْسِهِ – إِنْ شَاءَ – وَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ عَدَمَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ نَفْسِهِ، بَلْ إِنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَيُبْطِلُ الْعَقْدَ نَفْسَهُ – لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَجْرِ عَلَى الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ. أَمَّا أَنْ يَتَعَهَّدَ هُوَ بِأَنْ لاَ يَعْمَلَ وَيَشْرِطَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فَالْحَنَابِلَةُ يُصَحِّحُونَ اشْتِرَاطَ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَقْصُورًا عَلَى أَحَدِهِمَا: ثُمَّ إِنْ جُعِلَتْ لَهُ لِقَاءَ عَمَلِهِ زِيَادَةٌ فِي الرِّبْحِ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ بِحِصَّتِهِ فِي الْمَالِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ شَرِكَةَ عَنَانٍ وَمُضَارَبَةٍ، وَإِنْ جُعِلَ الرِّبْحُ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، دُونَ زِيَادَةٍ، لَمْ تَكُنْ شَرِكَةً، بَلْ تَكُونُ إِبْضَاعًا، وَإِنْ جُعِلَتِ الزِّيَادَةُ لِغَيْرِ الْعَامِلِ، بَطَلَ الشَّرْطُ فِي الأْصَحِّ – أَيْ وَكَانَتْ إِبْضَاعًا أَيْضًا، كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلاَمِهِمْ إِلاَّ أَنَّ فِي كَلاَمِ ابْنِ قُدَامَةَ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ شَرِكَةَ الْعَنَانِ تَقْتَضِي الاِشْتِرَاكَ فِي الْعَمَلِ .
أَحْكَامٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمُفَاوَضَةِ وَالْعَنَانِ:
أَوَّلاً: صِحَّتُهُمَا مَعَ اخْتِلاَفِ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ وَوَصْفِهِ:
وَمَتَى اتَّفَقَ فِي تَقْدِيرِ بَعْضِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ تَسَاوِي الْمَالَيْنِ، فَهَذَا كَافٍ لِتَتَحَقَّقَ الشَّرِيطَةُ الْمَطْلُوبَةُ.
وَلاَ يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُفَاوَضَةِ وَلاَ فِي الْعَنَانِ اتِّحَادَ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ وَلاَ وَصْفِهِ. فَتَصِحَّانِ مَعَ اخْتِلاَفِ جِنْسِ الْمَالَيْنِ – سَوَاءٌ قَدَّرَا عَلَى التَّسَاوِي أَمْ عَلَى التَّفَاوُتِ، مَهْمَا تَكُنْ دَرَجَةُ هَذَا التَّفَاوُتِ، أَمْ لَمْ يُقَدِّرَا عِنْدَ الْعَقْدِ (وَتَصِحُّ) بِخِلاَفِ الْجِنْسِ: كَدَنَانِيرَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَدَرَاهِمَ مِنَ الآْخَرِ، وَبِخِلاَفِ الْوَصْفِ: كَبِيضٍ وَسُودٍ – وَإِنْ تَفَاوَتَتْ قِيمَتُهَا .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ – دُونَ الْوَصْفِ، فِي النُّقُودِ خَاصَّةً، وَهَذَا عِنْدَ جَمَاهِيرِهِمْ خِلاَفًا لأِشْهَبَ وَسَحْنُونٍ.
ثَانِيًا: صِحَّتُهُمَا مَعَ عَدَمِ خَلْطِ الْمَالَيْنِ:
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثَالِثًا: صِحَّتُهُمَا مَعَ عَدَمِ تَسْلِيمِ الْمَالَيْنِ:
لاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْمُفَاوَضَةِ أَوِ الْعَنَانِ، أَنْ يُخَلِّيَ كُلُّ شَرِيكٍ بَيْنَ مَالِهِ وَشَرِيكِهِ، بِخِلاَفِ الْمُضَارَبَةِ – إِذْ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَى تَسْلِيمِ الْمَالِ إِلَى الْمُضَارِبِ كَمَا سَيَجِيءُ.
رَابِعًا: لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَبِيعَ نَقْدًا وَنَسِيئَةً.
لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ مُسَاوَمَةً وَمُرَابَحَةً وَتَوْلِيَةً وَمُوَاضَعَةً، وَكَيْفَ رَأَى الْمَصْلَحَةَ لأِنَّ هَذَا عَادَةُ التُّجَّارِ، وَلَهُ أَنْ يَقْبِضَ الْمَبِيعَ وَالثَّمَنَ وَيَقْبِضَهُمَا وَيُخَاصِمَ بِالدَّيْنِ وَيُطَالِبَ بِهِ وَيُحِيلَهُ وَيَحْتَالَ وَيَرُدَّ بِالْعَيْبِ فِيمَا وَلِيَهُ هُوَ، وَفِيمَا وَلِيَ صَاحِبُهُ، وَأَمَّا الْبَيْعُ نَسِيئَةً فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ نَسِيئَةً لِجَرَيَانِ عَادَةِ التُّجَّارِ بِهَذَا وَذَاكَ كَيْفَمَا اتَّفَقَ، وَلَيْسَ فِي عَقْدِ الشَّرِكَةِ مَا يَمْنَعُ مِنْ تَحْكِيمِ هَذِهِ الْعَادَةِ. ذَلِكَ أَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْعَقْدُ مِنَ الإْذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، وَقَعَ مُطْلَقًا، كَمَا هُوَ الْمَفْرُوضُ. وَلَوْ تَشَارَطَا فِي عَقْدِ الشَّرِكَةِ عَلَى أَنْ يَبِيعَا نَقْدًا لاَ نَسِيئَةً، أَوْ نَسِيئَةً لاَ نَقْدًا، أَوْ – فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ – أَنْ يَبِيعَ أَحَدُهُمَا نَقْدًا وَالآْخَرُ نَسِيئَةً، كَانَا عَلَى شَرْطِهِمَا. بَلْ لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْقُيُودِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَجَبَ الاِلْتِزَامُ بِذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ نَهَى أَحَدُهُمَا شَرِيكَهُ – فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ – أَنْ يَبِيعَ عَلَى نَحْوٍ مِنَ الأْنْحَاءِ بِعَيْنِهِ – كَأَنْ نَهَاهُ أَنْ يَبِيعَ نَسِيئَةً، أَوْ عَنْ أَنْ يَبِيعَ نَقْدًا، لاَمْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا نُهِيَ عَنْهُ – حَتَّى لَوْ أَنَّهُ خَالَفَ، لَكَانَ ضَامِنًا حِصَّةَ شَرِيكِهِ. وَلِذَا أَفْتَى ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الَّذِي يَبِيعُ نَسِيئَةً بَعْدَ مَا نَهَاهُ شَرِيكُهُ، بِأَنَّ بَيْعَهُ هَذَا نَافِذٌ فِي حِصَّةِ نَفْسِهِ، مَوْقُوفٌ عَلَى الإْجَازَةِ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ: بِحَيْثُ يَبْطُلُ إِنْ لَمْ يُجِزْ. أَيْ ثُمَّ يَكُونُ فِي الْفَوَاتِ الضَّمَانُ .
وَعَلَى وِزَانِ الْبَيْعِ نَقْدًا وَنَسِيئَةً، يُقَالُ فِي الشِّرَاءِ نَقْدًا وَنَسِيئَةً، فَإِنَّهُمَا لاَ يَخْتَلِفَانِ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى: إِذْ إِنَّهُ فِي الْمُفَاوَضَةِ يَكُونُ الشِّرَاءُ دَائِمًا لِلشَّرِكَةِ – فِيمَا عَدَا الْحَاجَاتِ الْخَاصَّةَ لِكِلاَ الشَّرِيكَيْنِ. أَمَّا فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ، فَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ دَائِمًا، كَمَا سَيَجِيءُ. نَعَمْ فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ: أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى أَحَدُ شَرِيكَيِ الْمُفَاوَضَةِ طَعَامًا نَسِيئَةً – أَيْ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ – فَإِنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ عَلَيْهِمَا، بِخِلاَفِ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَدُ شَرِيكَيِ الْعَنَانِ – إِذْ يَكُونُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَأَنَّهُ لَوْ بَاعَ أَحَدُ شَرِيكَيِ الْمُفَاوَضَةِ طَعَامَهُ بِعَقْدِ سَلَمٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَقْدًا جَائِزًا عَلَى شَرِيكِهِ.
وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ – كَالْحَنَفِيَّةِ، فِي أَنَّ لِكُلِّ شَرِيكٍ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ نَقْدًا وَنَسِيئَةً – إِلاَّ أَنَّهُمْ لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مُفَاوَضَةٍ وَعَنَانٍ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ نَسِيئَةً؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، وَتَعْرِيضِ أَمْوَالِ الشَّرِكَةِ لِلضَّيَاعِ – مَا لَمْ يَأْذَنْ سَائِرُ الشُّرَكَاءِ وَأَقْوَى الاِحْتِمَالَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِذَا وَقَعَ الإْذْنُ فِي مُطْلَقِ نَسِيئَةٍ أَوْ بِصِيغَةِ عُمُومٍ: كَبِعْ كَيْفَ شِئْتَ – أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الأْجَلِ الْمُتَعَارَفِ، لاَ غَيْرِهِ كَعَشْرِ سِنِينَ .
خَامِسًا: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ: كَاسْتِئْجَارِ أَجِيرٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ عَرَبَةٍ أَوْ صَانِعٍ أَوْ بَيْطَارٍ – لِشَيْءٍ مِنْ تِجَارَتِهِمَا، وَكَالإْنْفَاقِ فِي مَصَالِحِ الشَّرِكَةِ.
عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ الآْخَرِ أَنْ يَعْزِلَ الْوَكِيلَ الَّذِي وَكَّلَهُ شَرِيكُهُ، مَتَى مَا شَاءَ، شَأْنَ وَكِيلِ الْوَكِيلِ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّرِيكِ حَقُّ التَّوْكِيلِ بِدُونِ إِذْنِ شَرِيكِهِ؛ لأِنَّهُ إِنَّمَا ارْتَضَى تَصَرُّفَهُ هُوَ. وَقَاعِدَتُهُمْ: «أَنَّ مَنْ لاَ يَعْمَلُ إِلاَّ بِإِذْنٍ لاَ يُوَكِّلُ إِلاَّ بِإِذْنٍ».
سَادِسًا: لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُ لِلشَّرِكَةِ: سَوَاءٌ فِي إِصْلاَحِ مَالِهَا – كَعِلاَجِ دَوَابِّهَا، وَتَرْكِيبِ آلاَتِهَا – أَمْ فِي حِرَاسَتِهِ وَحِفْظِهِ، أَمْ فِي الاِتِّجَارِ بِهِ، أَمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَيَمْضِي ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لأِنَّ عَادَةَ التُّجَّارِ قَدْ جَرَتْ بِالاِسْتِئْجَارِ – فِي كُلِّ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى تِجَارَاتِهِمْ .
سَابِعًا: الشَّرِيكُ الَّذِي يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ لِمَنْ تَكُونُ أُجْرَتُهُ؟ تَكُونُ أُجْرَتُهُ لِلشَّرِكَةِ، مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ أَجَّرَ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ بِهِ خَاصَّةً. وَكَالْخَدْمَةِ فِي الْعَنَانِ مَا هُوَ بِمَعْنَاهَا.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِشَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، فَهَذَا هُوَ صَرِيحُ مَا نَقَلُوهُ عَنِ التتارخانية – إِذْ تَقُولُ: وَلَوْ أَجَّرَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ نَفْسَهُ، لِحِفْظِ شَيْءٍ، أَوْ خِيَاطَةِ ثَوْبٍ، أَوْ عَمَلٍ مِنَ الأْعْمَالِ ، فَالأْجْرُ بَيْنَهُمَا. وَكَذَلِكَ كُلُّ كَسْبٍ اكْتَسَبَهُ أَحَدُهُمَا، فَالأْجْرُ بَيْنَهُمَا. وَلَوْ آجَرَ نَفْسَهُ لِلْخِدْمَةِ. فَالأْجْرُ لَهُ خَاصَّةً وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْبَدَائِعِ، وَقَدْ عَلَّلَ الْكَاسَانِيُّ اسْتِثْنَاءَ الْخِدْمَةِ بِأَنَّ: الشَّرِيكَ فِيهَا إِنَّمَا يَمْلِكُ التَّقَبُّلَ عَلَى نَفْسِهِ، دُونَ شَرِيكِهِ، بِخِلاَفِهِ فِيمَا عَدَاهَا – فَإِذَا الْتَزَمَ بِالْخِدْمَةِ وَقَامَ بِهَا، فَقَدْ وَفَّى بِمَا لَزِمَهُ خَاصَّةً، فَتَكُونُ الأْجْرَةُ كَذَلِكَ لَهُ خَاصَّةً، وَإِذَا تَقَبَّلَ عَمَلاً مَا غَيْرَ الْخِدْمَةِ، وَالْتَزَمَ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا التَّقَبُّلَ وَالاِلْتِزَامَ يَكُونُ عَلَى كِلاَ الشَّرِيكَيْنِ؛ لأِنَّهُ يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ – فَإِذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْعَمَلِ الْمُلْتَزَمِ، وَقَعَ الْعَمَلُ عَنْهُمَا: وَكَانَ الَّذِي عَمِلَ مُتَبَرِّعًا بِحِصَّةِ شَرِيكِهِ فِيهِ، فَتَكُونُ الأْجْرَةُ بَيْنَهُمَا .
وَلَيْسَ لِشَرِيكِ الْمُفَاوَضَةِ وَلاَ لِشَرِيكِ الْعَنَانِ، أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِعَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ تِجَارَتِهِمَا، ثُمَّ يَخْتَصَّ بِأُجْرَتِهِ – إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي ذَلِكَ إِذْنًا صَرِيحًا؛ لأِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ أَنْ يُغَيِّرَ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ، دُونَ صَرِيحِ الرِّضَا مِنْ شَرِيكِهِ – كَمَا قَرَّرَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ وَغَيْرُهُ.
وَالْمُقَرَّرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَنَّ الشَّرِيكَ يَخْتَصُّ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ خَارِجَ الشَّرِكَةِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهَا – كَمَا لَوْ أَخَذَ مَالاً يُضَارِبُ بِهِ فِي نَفْسِ نَوْعِ تِجَارَةِ الشَّرِكَةِ (الْمَنْسُوجَاتُ مَثَلاً) غَايَةُ مَا هُنَاكَ، أَنَّهُ إِذَا شُغِلَ بِذَلِكَ عَنِ الْعَمَلِ فِي الشَّرِكَةِ، فَلاَ بُدَّ مِنْ إِذْنِ شَرِيكِهِ – حَتَّى يَكُونَ هَذَا الإْذْنُ بِمَثَابَةِ التَّبَرُّعِ لَهُ بِعَمَلِهِ ذَاكَ. وَإِلاَّ كَانَ لِهَذَا الشَّرِيكِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ مِثْلِ مَا عَمِلَ عَنْهُ .
ثَامِنًا: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَدْفَعَ مَالَ الشَّرِكَةِ إِلَى أَجْنَبِيٍّ مُضَارَبَةً؛ لأِنَّ الْمُضَارَبَةَ أَضْعَفُ مِنَ الشَّرِكَةِ، وَالأْقْوَى يَسْتَتْبِعُ الأْضْعَفَ. وَإِنَّمَا كَانَتِ الْمُضَارَبَةُ أَضْعَفَ. لأِنَّ الْخَسَارَةَ فِيهَا يَخْتَصُّ بِهَا رَبُّ الْمَالِ، وَهِيَ فِي الشَّرِكَةِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَفِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ لَيْسَ لِلْمُضَارِبِ شَيْءٌ مِنَ الرِّبْحِ، أَمَّا فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ فَالرِّبْحُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا، ثُمَّ مُقْتَضَى الشَّرِكَةِ الاِشْتِرَاكُ فِي الأْصْلِ وَالرِّبْحِ، وَمُقْتَضَى الْمُضَارَبَةِ الاِشْتِرَاكُ فِي الرِّبْحِ دُونَ الأْصْلِ .
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَزِيدُونَ لِجَوَازِ الْمُضَارَبَةِ قَيْدَ اتِّسَاعِ الْمَالِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الَّذِينَ لاَ يُجِيزُونَ لِلشَّرِيكِ التَّوْكِيلَ وَالاِسْتِئْجَارَ لِلتِّجَارَةِ بِدُونِ إِذْنِ شَرِيكِهِ إِلَى مَنْعِهِ مِنْ دَفْعِ مَالِ الشَّرِكَةِ إِلَى أَجْنَبِيٍّ مُضَارَبَةً.
تَاسِعًا: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُودِعَ مَالَ الشَّرِكَةِ؛ لأِنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ فِي عُهْدَةِ حَارِسٍ يَسْتَأْجِرُهُ لِحِفْظِهِ، فَلأَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ بِدُونِ أَجْرٍ أَجْدَرُ وَأَوْلَى. عَلَى أَنَّ الإْيدَاعَ مِنْ مَصَالِحِ التِّجَارَةِ، إِذْ تُتَّقَى بِهِ السَّرِقَاتُ، وَأَخْطَارُ الطَّرِيقِ وَغَيْرِ الطَّرِيقِ .
أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ، فَلاَ يَرَوْنَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يُودِعَ – إِلاَّ إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ بِهِ، إِذِ الْمَالُ قَدْ يَضِيعُ بِالإْيدَاعِ. حَتَّى لَوْ أَنَّهُ أَوْدَعَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَضَاعَ الْمَالُ ضَمِنَهُ .
عَاشِرًا: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُسَافِرَ بِمَالِ الشَّرِكَةِ دُونَ إِذْنِ شَرِيكِهِ إِذَا أَمِنَ الطَّرِيقَ لأِنَّ الْمَفْرُوضَ أَنَّ الشَّرِكَةَ أُطْلِقَتْ، وَلَمْ تُقَيَّدْ بِمَكَانٍ. فَالإْذْنُ بِالتَّصَرُّفِ الصَّادِرُ فِي ضِمْنِهَا لِكُلِّ شَرِيكٍ هُوَ عَلَى هَذَا الإْطْلاَقِ، إِذْ لاَ يَخْرُجُ الْمُطْلَقُ عَنْ إِطْلاَقِهِ إِلاَّ بِدَلِيلٍ، وَلاَ دَلِيلَ، وَيَسْتَوِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ قَرِيبَ الشُّقَّةِ أَوْ بَعِيدَهَا، وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ خَفِيفَ الْمَحْمَلِ أَوْ ثَقِيلَهُ – عَلَى خِلاَفٍ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَا وَذَاكَ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يُسَافِرَ بِمَالِ الشَّرِكَةِ إِلاَّ بِإِذْنٍ صَرِيحٍ أَوْ عُرْفِيٍّ أَوْ ضَرُورَةٍ. وَمِنَ الإْذْنِ الْعُرْفِيِّ، مَا لَوْ عُقِدَتِ الشَّرِكَةُ عَلَى ظَهْرِ سَفِينَةٍ، ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الرِّحْلَةُ إِلَى الْمَقْصِدِ. وَمِنَ الضَّرُورَةِ، جَلاَءُ أَهْلِ الْبَلَدِ عَنْهُ لِكَارِثَةٍ، أَوْ فِرَارًا مِنْ زَحْفِ الْعَدُوِّ الْقَاهِرِ. فَإِذَا خَالَفَ الشَّرِيكُ، فَسَافَرَ سَفَرًا غَيْرَ مَسْمُوحٍ بِهِ، كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ، لَوْ ضَاعَ الْمَالُ – لَكِنَّهُ لَوْ بَاعَ شَيْئًا مَضَى بَيْعُهُ: دُونَ أَيِّ تَنَافٍ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ ثُبُوتِ ضَمَانِهِ . وَكَذَا الْمَالِكِيَّةُ فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ. أَمَّا شَرِيكُ الْمُفَاوَضَةِ فَلَيْسَ مُقَيَّدًا إِلاَّ بِرِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ .
حَادِيَ عَشَرَ: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُقَايِلَ فِيمَا بِيعَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ: سَوَاءٌ أَكَانَ هُوَ الْبَائِعَ أَمْ شَرِيكَهُ. لأِنَّ الإْقَالَةَ شِرَاءٌ فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ يَمْلِكُ شِرَاءَ مَا بَاعَهُ، أَوْ بَاعَهُ شَرِيكُهُ .
وَهَذَا أَيْضًا هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ – وَلَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإْقَالَةَ فَسْخٌ: عَلَى أَحَدِ احْتِمَالَيْنِ – اعْتِبَارًا بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. إِلاَّ أَنَّهُمْ قَيَّدُوهُ بِالْمَصْلَحَةِ – كَمَا لَوْ خِيفَ عَجْزُ الْمُشْتَرِي عَنِ الْوَفَاءِ بِالثَّمَنِ، أَوْ تَبَيَّنَ وُقُوعُ غَبْنٍ عَلَى الشَّرِكَةِ .
ثَانِيَ عَشَرَ: لَيْسَ لأِحَدِ الشَّرِيكَيْنِ إِتْلاَفُ مَالِ الشَّرِكَةِ أَوِ التَّبَرُّعُ بِهِ: لأِنَّ الْمَقْصُودَ بِالشَّرِكَةِ التَّوَصُّلُ إِلَى الرِّبْحِ. فَمَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ إِذْنٌ صَرِيحٌ مِنَ الشَّرِيكِ الآْخَرِ، لاَ يَمْلِكُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَهَبَ، أَوْ يُقْرِضَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، قَلِيلاً أَوْ كَثِيرًا . إِذِ الْهِبَةُ مَحْضُ تَبَرُّعٍ، وَالإْقْرَاضُ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً؛ لأِنَّهُ إِعْطَاءُ الْمَالِ دُونَ تَنَجُّزِ عِوَضٍ فِي الْحَالِ. فَإِذَا فَعَلَ، فَلاَ جَوَازَ لِفِعْلِهِ عَلَى شَرِيكِهِ إِلاَّ بِإِذْنٍ صَرِيحٍ، وَإِنَّمَا يَنْفُذُ فِي حِصَّةِ نَفْسِهِ لاَ غَيْرُ.
إِلاَّ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ أَدْخَلُوا بَعْضَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ عَلَى امْتِنَاعِ الْهِبَةِ: إِذْ أَجَازُوهَا فِي اللَّحْمِ وَالْخُبْزِ وَالْفَاكِهَةِ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى مِمَّا يَتَهَادَاهُ النَّاسُ، وَيَتَسَامَحُونَ فِيهِ. جَاءَ فِي الْهِنْدِيَّةِ: «لَهُ أَنْ يُهْدِيَ مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ، وَيَتَّخِذَ دَعْوَةً مِنْهُ. وَلَمْ يُقَدَّرْ بِشَيْءٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إِلَى الْمُتَعَارَفِ: وَهُوَ مَا لاَ يَعُدُّهُ التُّجَّارُ سَرَفًا ».
كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَمِدُوا طَرِيقَةَ أَبِي يُوسُفَ فِي عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ هِبَةِ الشَّرِيكِ الَّذِي تَوَلَّى الْبَيْعَ، لِثَمَنِ مَا بَاعَ. أَوْ إِبْرَائِهِ مِنْهُ، وَبَيْنَ هِبَةِ الشَّرِيكِ الآْخَرِ أَوْ إِبْرَائِهِ. وَرَأَوْا خِلاَفًا لأِبِي يُوسُفَ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى الْبَيْعَ، لَوْ وَهَبَ الْمُشْتَرِيَ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، نَفَذَ عَلَى شَرِيكِهِ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ بِحِصَّتِهِ، كَوَكِيلِ الْبَيْعِ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ يَنْفُذُ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ مُوَكِّلُهُ .
وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا. إِلاَّ أَنَّهُمْ يُقَيِّدُونَ الإْبْرَاءَ الْمَسْمُوحَ بِهِ بِكَوْنِهِ حَطًّا مِنْ بَعْضِ الثَّمَنِ، وَيُطْلِقُونَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَسْتَوِي أَنْ يَقَعَ مِنْ مُتَوَلِّي الْعَقْدِ أَوْ مِنَ الشَّرِيكِ الآْخَرِ. كَمَا أَنَّهُمْ يَضْبِطُونَ التَّبَرُّعَاتِ الْمَسْمُوحَ بِهَا لِلشَّرِيكِ عَلَى الْعُمُومِ بِمَا يُقِرُّهُ الْعُرْفُ وَفْقَ مَا يَتَنَاسَبُ مَعَ الْمَرْكَزِ الْمَالِيِّ لِلشَّرِكَةِ. وَهَذَا مَبْدَأٌ عَامٌّ يَنْتَظِمُ الْهَدَايَا، وَالْمَآدِبَ، وَالْعَوَارِيَّ إِذَا اسْتَأْلَفَ النَّاسَ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الشَّرِكَةِ. وَلِلْحَنَابِلَةِ نَحْوٌ مِنْهُ. إِلاَّ أَنَّهُمْ أَقَلُّ تَوَسُّعًا فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَكْثَرُ تَقَيُّدًا بِمُرَاعَاةِ فَائِدَةِ الشَّرِكَةِ .
ثَالِثَ عَشَرَ: لَيْسَ لأِحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِ الآْخَرِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ: لأِنَّ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا عَلَى التِّجَارَةِ، وَالزَّكَاةُ لَيْسَتْ مِنْهَا. ثُمَّ إِنَّهَا بِدُونِ إِذْنِ رَبِّ الْمَالِ لاَ تَقَعُ الْمَوْقِعَ، لِعَدَمِ صِحَّتِهَا بِدُونِ نِيَّةٍ، فَتُلْتَحَقُ بِالتَّبَرُّعَاتِ، وَهُوَ لاَ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ بِمَالِ شَرِيكِهِ. فَإِذَا أَذِنَ لَهُ شَرِيكُهُ فَذَاكَ .
رَابِعَ عَشَرَ: لَيْسَ لأِحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَخْلِطَ مَالَ الشَّرِكَةِ بِمَالٍ لَهُ خَاصٍّ دُونَ إِذْنِ شَرِيكِهِ: لأِنَّ الْخَلْطَ يَسْتَتْبِعُ إِيجَابَ حُقُوقٍ، وَقُيُودًا عَلَى حُرِّيَّةِ التَّصَرُّفِ. فَلاَ يُسَلَّطُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَيْهِ، لِئَلاَّ يَتَجَاوَزَ حُدُودَ مَا رَضِيَ بِهِ صَاحِبُ الْمَالِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ .
تَنْبِيهٌ: الإْذْنُ الْعَامُّ مِنَ الشَّرِيكِ – كَقَوْلِهِ لِشَرِيكِهِ: تَصَرَّفْ كَمَا تَرَى – يُغْنِي غَنَاءَ الإْذْنِ الْخَاصِّ فِي كُلِّ مَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا يَقَعُ فِي التِّجَارَةِ كَالرَّهْنِ وَالاِرْتِهَانِ وَالسَّفَرِ، وَالْخَلْطِ بِالْمَالِ الْخَاصِّ، وَشَرِكَةِ الْمَالِ مَعَ أَجْنَبِيٍّ. فَمَنْ مَنَعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ بِالإْذْنِ، كَفَى فِيهِ عِنْدَهُ الإْذْنُ الْعَامُّ.
وَلَكِنَّ هَذَا الإْذْنَ الْعَامَّ لاَ غَنَاءَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْهِبَةِ، وَالْقَرْضِ، وَكُلُّ مَا يُعَدُّ إِتْلاَفًا لِلْمَالِ، أَوْ تَمْلِيكًا لَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. بَلْ لاَ بُدَّ مِنَ الإْذْنِ الصَّرِيحِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، لِيَنْفُذَ عَلَى الشَّرِكَةِ. صَرَّحَ بِهَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ
أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بِشَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ:
تَتَلَخَّصُ هَذِهِ الأْحْكَامُ فِي أَنَّ شَرِيكَيِ الْمُفَاوَضَةِ شَخْصٌ وَاحِدٌ حُكْمًا فِي أَحْكَامِ التِّجَارَةِ وَتَوَابِعِهَا – وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ حَقِيقَةً وَالسِّرُّ فِي هَذَا، أَنَّ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ تَتَضَمَّنُ وَكَالَةً وَكَفَالَةً، إِذْ كُلٌّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ فِيهَا وَكِيلٌ عَنِ الآْخَرِ فِيمَا يَجِبُ لَهُ، وَكَفِيلٌ عَنْهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ . وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الأْصْلِ الْعَامِّ، فُرُوعٌ وَنَتَائِجُ شَتَّى:
أَوَّلاً: كُلُّ مَا اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا فَهُوَ لِلشَّرِكَةِ إِلاَّ حَوَائِجَهُ وَحَوَائِجَ أَهْلِهِ الأْسَاسِيَّةَ: أَمَّا أَنَّ كُلَّ مَا اشْتَرَاهُ فَهُوَ لِلشَّرِكَةِ، فَذَلِكَ أَنَّ مُقْتَضَى عَقْدِ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ الْمُسَاوَاةُ فِي كُلِّ مَا يَصِحُّ الاِشْتِرَاكُ فِيهِ، وَتَدْخُلُهُ عُقُودُ التِّجَارَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ الإْجَارَةُ؛ لأِنَّ هَا شِرَاءُ مَنْفَعَةٍ: فَمَا اسْتَأْجَرَهُ أَحَدُهُمَا فَهُوَ لِلشَّرِكَةِ أَيْضًا. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ .
وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْحَوَائِجِ الأْسَاسِيَّةِ؛ فَلأِنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِاسْتِثْنَائِهَا. إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ تَبِعَةٌ تَقَعُ عَلَى عَاتِقِ كُلِّ شَرِيكٍ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، دُونَ أَنْ يَتَحَمَّلَ مَعَهُ شَرِيكُهُ فِي ذَلِكَ غُرْمًا، وَالْمَشْرُوطُ عُرْفًا، كَالْمَشْرُوطِ بِصَرِيحِ الْعِبَارَةِ. فَيَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْحَوَائِجِ الأْسَاسِيَّةِ مُشْتَرِيهَا – وَإِنْ كَانَتْ، عِنْدَ غَضِّ النَّظَرِ عَنْ هَذِهِ الْقَرِينَةِ، مِمَّا يَنْتَظِمُهُ عَقْدُ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، إِذْ هِيَ مِنْ نَوْعِ مَا يُتَّجَرُ فِيهِ، وَيَقْبَلُ الشَّرِكَةَ. وَمِنَ الْحَاجَاتِ الأْسَاسِيَّةِ – وَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً لِلشَّرِكَةِ، إِذْ شِرَاءُ الْمَنَافِعِ مِمَّا يَقْبَلُهَا – بَيْتٌ يُسْتَأْجَرُ لِلسُّكْنَى، وَعَرَبَةٌ أَوْ سَفِينَةٌ أَوْ طَائِرَةٌ أَوْ دَابَّةٌ تُسْتَأْجَرُ لِلرُّكُوبِ أَوِ الْحَمْلِ مِنْ أَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ: كَالْحَجِّ، وَقَضَاءِ وَقْتِ الإْجَازَاتِ بَعِيدًا عَنِ الْعَمَلِ، وَحَمْلِ الأْمْتِعَةِ الْخَاصَّةِ. وَفَرْقٌ آخَرُ فَإِنَّ الْحَاجَاتِ الأْسَاسِيَّةَ يَتَحَمَّلُ مُشْتَرِيهَا ثَمَنَهَا كُلَّهُ، لِمَكَانِ اخْتِصَاصِهِ بِهَا – وَلِذَا، لَوْ أَدَّى ثَمَنَهَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ فِي هَذَا الثَّمَنِ.
وَيَرَى مُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ نَفَقَةَ الشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ الْخَاصَّةَ بِهِ شَخْصِيًّا – مِنْ أَجْلِ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَلِبَاسِهِ، وَتَنَقُّلاَتِهِ – تُلْغَى مُطْلَقًا، وَلاَ تَدْخُلُ فِي الْحِسَابِ إِذَا أَنْفَقَهَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ. سَوَاءٌ تَسَاوَتْ حِصَّتَا الشَّرِيكَيْنِ، وَنَفَقَاتُهُمَا، وَسِعْرُ بَلَدَيْهِمَا – إِنِ اخْتَلَفَا – أَمْ لاَ. ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّهَا نَفَقَاتٌ يَسِيرَةٌ عَادَةً، أَوْ دَاخِلَةٌ فِي التِّجَارَةِ .
أَمَّا نَفَقَةُ أُسْرَةِ الشَّرِيكِ فَيُشْتَرَطُ لإِلْغَاءِ حِسَابِهَا أَنْ تَتَقَارَبَ الأْسْرَتَانِ عَدَدَ أَفْرَادٍ، وَمُسْتَوًى اجْتِمَاعِيًّا، وَإِلاَّ دَخَلَتْ فِي الْحِسَابِ: فَأَيُّهُمَا أَخَذَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ فَوْقَ نِسْبَةِ حِصَّتِهِ، رَجَعَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ بِحِصَّتِهِ فِيمَا أَنْفَقَ وَالشَّرِيكُ الْمُفَاوِضُ مُصَدَّقٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي دَعْوَى الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ وَلِعِيَالِهِ. فِيمَا يَلِيقُ، مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِسْوَةِ، دُونَ سَائِرِ الْعُرُوضِ وَالْعَقَارِ .
إِقْرَارُ الشَّرِيكِ بِدَيْنٍ عَلَى شَرِيكِ الْمُفَاوَضَةِ
ثَانِيًا: مَا لَزِمَ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ فِي الْمُفَاوَضَةِ مِنْ دَيْنِ التِّجَارَةِ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهَا. يَلْزَمُ الآْخَرَ، وَيَكْفِي إِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ لُزُومُهُ لِلْمُقِرِّ بِمُقْتَضَى إِقْرَارِهِ، ثُمَّ لُزُومُهُ لِشَرِيكِهِ بِمُقْتَضَى كَفَالَتِهِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ .
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالإْقْرَارِ بِالدَّيْنِ أَثْنَاءَ قِيَامِ الشَّرِكَةِ. أَمَّا فِي الإْقْرَارِ بِعَيْنٍ – كَوَدِيعَةٍ وَرَهْنٍ – أَوْ بِدَيْنٍ لَكِنْ بَعْدَ انْتِهَاءِ الشَّرِكَةِ، فَإِنَّمَا تَلْزَمُ الْمُقِرَّ حِصَّتُهُ مِنَ الْعَيْنِ أَوِ الدَّيْنِ: ثُمَّ هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِحِصَّةِ شَرِيكِهِ مُجَرَّدُ شَاهِدٍ. وَلِلْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ هَذَا الشَّاهِدِ، وَيَسْتَحِقُّ حِصَّةَ الشَّرِيكِ أَيْضًا .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فِي شَرِكَةِ الْعَنَانِ، قَوْلٌ بِقَبُولِ إِقْرَارِ الشَّرِيكِ بِالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ عَلَى الشَّرِكَةِ، مَا دَامَتْ قَائِمَةً، وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَارَهُ فَيَجِيءُ بِالأْوْلَى فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ
ثَالِثًا: حُقُوقُ الْعَقْدِ الَّذِي يَتَوَلاَّهُ أَحَدُهُمَا فِي مَالِ الشَّرِكَةِ، مُسْتَوِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا. بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْمُفَاوَضَةِ .
مِثَالُ ذَلِكَ: الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَالرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عِنْدَ الاِسْتِحْقَاقِ، وَالْمُطَالَبَةُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ أَوِ الثَّمَنِ، وَقَبْضُهُمَا وَإِقْبَاضُهُمَا: سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُمَا أَمْ عَلَيْهِمَا. فَإِذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا شَيْئًا لِلشَّرِكَةِ، وَأَرَادَ أَنْ يُمَارِسَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ، لِقِيَامِ سَبَبِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ، بَلْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَقُومَ بِهِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ مَا هُوَ فِي مَعْنَى الشِّرَاءِ .
وَالَّذِي يَشْتَرِي سِلْعَةً مِنْ سِلَعِ الشَّرِكَةِ ثُمَّ يَجِدُ بِهَا عَيْبًا، يَكُونُ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى أَيِّ الشَّرِيكَيْنِ شَاءَ، وَإِذَا اسْتَحَقَّتْ عِنْدَهُ لآِخَرَ – كَأَنْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ أَوْ مَسْرُوقَةٌ – كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِثَمَنِهَا، الَّذِي دَفَعَهُ، أَيَّهُمَا شَاءَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ عَقْدَ الْبَيْعِ، أَوْ تَوَلَّى قَبْضَ الثَّمَنِ. كَمَا أَنَّ لَهُ عِنْدَ بِدَايَةِ الصَّفْقَةِ أَنْ يُطَالِبَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بِتَسْلِيمِ السِّلْعَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الَّذِي بَاعَهَا. وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَيَقُومَ بِالتَّسْلِيمِ الْمَطْلُوبِ، أَوْ يَقْبِضَهُ أَحَدُهُمَا وَيُسَلِّمَ الآْخَرُ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَمَّا لَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مِنْ أَشْيَائِهِ الْخَاصَّةِ وَآجَرَهُ، فَحُقُوقُ الْعَقْدِ خَاصَّةٌ بِهِ. فَلَيْسَ لِلَّذِي يَشْتَرِي مِنْهُ مَثَلاً أَنْ يُطَالِبَ شَرِيكَهُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَلاَ لِهَذَا الشَّرِيكِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ .
رَابِعًا: تَصَرُّفُ الْمُفَاوِضِ نَافِذٌ عَلَيْهِ وَعَلَى شَرِيكِهِ فِي كُلِّ مَا يَعُودُ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ نَفْعُهُ: سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَعْمَالِ التِّجَارَةِ وَمُلْحَقَاتِهَا أَمْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْحُكْمُ مَوْضِعُ وِفَاقٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْمُفَاوَضَةِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يُجَافِي الْمَصْلَحَةَ يَقُومُ بِهِ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، بِلاَ إِذْنٍ سَابِقٍ مِنْ شَرِيكِهِ، يَتَوَقَّفُ نَفَاذُهُ عَلَى الشَّرِكَةِ، عَلَى إِجَازَتِهِ اللاَّحِقَةِ. فَإِنْ لَمْ يُجِزْ، نَفَذَ عَلَى الْمُتَصَرِّفِ وَحْدَهُ، وَضَمِنَ حَقَّ شَرِيكِهِ. فَلَوْ أَنَّهُ مَثَلاً وَلَّى بِأَصْلِ الثَّمَنِ شَخْصًا أَجْنَبِيًّا صَفْقَةً عَقَدَهَا هُوَ أَوْ شَرِيكُهُ يُقَدَّرُ رِبْحُهَا بِخَمْسِينَ فِي الْمِائَةِ: فَإِنَّ شَرِيكَهُ إِنْ لَمْ يُجِزْهُ، يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ بِالْمِائَةِ – إِنْ كَانَتِ الشَّرِكَةُ بِالنِّصْفِ – لأِنَّ الْمُحَابَاةَ كَالتَّبَرُّعِ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الدَّافِعُ إِلَى هَذِهِ الْمُحَابَاةِ تَأَلُّفَ عَمِيلٍ ذِي خَطَرٍ لِمُصْلِحَةِ الشَّرِكَةِ .
خَامِسًا: بَيْعُ الْمُفَاوِضِ مِمَّنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ صَحِيحٌ نَافِذٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْ عَلَى الشَّرِكَةِ. وَلاَ تَأْثِيرَ هُنَا لِتُهْمَةِ الْمُحَابَاةِ؛ لأِنَّ الْمُتَفَاوِضِينَ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ. بِخِلاَفِ شَرِيكَيِ الْعَنَانِ، فَإِنَّ غَايَتَهَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَكِيلٌ عَنِ الآْخَرِ – وَمَوَاضِعُ التُّهْمَةِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الْوَكَالاَتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلاَّ إِذَا قِيلَ لِلْوَكِيلِ: عَامِلْ مَنْ شِئْتَ، فَيَصِحُّ التَّعَامُلُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ. وَيَكْتَفِي الصَّاحِبَانِ بِإِيجَابِ مِثْلِ الْقِيمَةِ لِتَصْحِيحِ التَّعَامُلِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ، بِكُلِّ حَالٍ .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَصَرُّفَ الشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ يَنْفُذُ بِلاَ إِذْنِ شَرِيكِهِ إِذَا كَانَ فِي حُدُودِ مَصْلَحَةِ الشَّرِكَةِ فَلاَ بَأْسَ لَدَيْهِمْ إِذَنْ بِالْبَيْعِ فِي مَوْضِعِ تُهْمَةِ الْمُحَابَاةِ. مَا دَامَتِ الْمُحَابَاةُ لَمْ تَثْبُتْ فِعْلاً .
مُشَارَكَةُ الْمُفَاوِضِ لِشَخْصٍ ثَالِثٍ
لِلْمُفَاوِضِ أَنْ يُشَارِكَ شَرِكَةَ عَنَانٍ: وَيَنْفُذَ ذَلِكَ عَلَى شَرِيكِهِ، أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ. لأِنَّ شَرِكَةَ الْعَنَانِ دُونَ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، فَلاَ مَحْذُورَ فِي أَنْ تَصِحَّ فِي ضِمْنِهَا، وَتَقَعُ تَبَعًا لَهَا – كَمَا صَحَّتِ الْمُضَارَبَةُ تَبَعًا لِلشَّرِكَةِ مُطْلَقًا: بِأَنْ يُضَارِبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ثَالِثًا بِمَالِ الشَّرِكَةِ. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الصَّاحِبَيْنِ.
وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِهِ هَذَا أَنْ لاَ تَصِحَّ شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ تَبَعًا لِشَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ: أَيْ أَلاَّ يَصِحَّ لأِحَدِ شَرِيكَيِ الْمُفَاوَضَةِ – بِدُونِ إِذْنِ شَرِيكِهِ – أَنْ يُفَاوِضَ ثَالِثًا؛ لأِنَّ الشَّيْءَ لاَ يَسْتَتْبِعُ مِثْلَهُ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ . وَاعْتَمَدَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ – إِلاَّ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا عَدَمَ صِحَّةِ الْمُفَاوَضَةِ مِنَ الْمُفَاوِضِ بِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ عَنَانًا، وَمَا يَخُصُّ الَّذِي أَحْدَثَهَا – وَلَوْ مَعَ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ – مِنْ رِبْحِهَا، يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ الأْوَّلِ .
وَلَمْ يَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مَانِعًا مِنْ أَنْ يُفَاوِضَ الْمُفَاوِضُ أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمُفَاوِضِ أَنْ يُفَاوِضَ، وَلاَ أَنْ يُشَارِكَ شَرِكَةَ عَنَانٍ؛ لأِنَّهُ فِي كِلَيْهِمَا تَغْيِيرُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الَّذِي تَمَّتْ بِهِ الشَّرِكَةُ الأْولَى – إِذْ يُوجِبُ لِلشَّرِيكِ الْجَدِيدِ حَقًّا فِي مَالِ الشَّرِكَةِ لَمْ يَكُنْ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ بِدُونِ تَرَاضِي الشُّرَكَاءِ .
وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ وِفَاقُ أَبِي حَنِيفَةَ . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ جَعَلُوا لِلْمُفَاوِضِ أَنْ يُفَاوِضَ، أَوْ يَعْقِدَ أَيَّةَ شَرِكَةٍ أُخْرَى – فِي بَعْضِ مَالِ الشَّرِكَةِ، لاَ فِي جَمِيعِهِ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَعْضُ عَلَى التَّعْيِينِ لاَ عَلَى الشُّيُوعِ: كَمَا لَوْ أَفْرَدَ مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، وَجَاءَ الأْجْنَبِيُّ بِمِائَةِ دِينَارٍ مِثْلِهَا، وَجَعَلاَ يَتَّجِرَانِ فِي الْمِائَتَيْنِ جَمِيعًا، وَلاَ شَأْنَ لِهَذَا الأْجْنَبِيِّ بِسَائِرِ مَالِ الشَّرِكَةِ الأْولَى .
أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بِشَرِكَةِ الْعَنَانِ:
أَوَّلاً – لَيْسَ كُلُّ مَا يَشْتَرِيهِ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ يَكُونُ لِلشَّرِكَةِ: لأِنَّ الشَّرِيكَ الَّذِي لَيْسَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ رَأْسِ مَالِ الشَّرِكَةِ، لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا شَيْئًا مَا بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ. بَلْ يَكُونُ مَا يَشْتَرِيهِ حِينَئِذٍ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ خَارِجَ الشَّرِكَةِ. وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّرِكَةِ لأِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الاِسْتِدَانَةِ، وَاسْتِدَانَةُ شَرِيكِ الْعَنَانِ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَجَاوُزِ مِقْدَارِ رَأْسِ الْمَالِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ .
كَذَلِكَ الشَّرِيكُ الَّذِي كُلُّ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ عُرُوضٌ (غَيْرُ نَقْدٍ) أَوْ مَعَهَا نَاضٌّ لاَ يَفِي بِالثَّمَنِ، لاَ تَمْضِي لِلشَّرِكَةِ صَفْقَتُهُ الْمُشْتَرَاةُ بِالنَّقْدِ (أَعْنِي الأْثْمَانَ ) وَأَيْضًا الشَّرِيكُ الَّذِي يَشْتَرِي لِلشَّرِكَةِ نَوْعًا آخَرَ غَيْرَ النَّوْعِ الَّذِي انْحَصَرَتْ فِيهِ تِجَارَةُ الشَّرِكَةِ بِمُقْتَضَى عَقْدِهَا – لاَ يَكُونُ لِلشَّرِكَةِ شَيْءٌ مِمَّا اشْتَرَاهُ: كَالَّذِي يَشْتَرِي أُرْزًا، وَتِجَارَةُ الشَّرِكَةِ إِنَّمَا هِيَ فِي الْقُطْنِ، أَوْ بِالْعَكْسِ .
وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ مَا يَشْتَرِيهِ شَرِيكُ الْعَنَانِ بِلاَ إِذْنٍ خَاصٍّ مِنْ شَرِيكِهِ لاَ يَكُونُ لِلشَّرِكَةِ إِلاَّ بِثَلاَثِ شَرَائِطَ
1) أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ مَا يَكْفِي لِسَدَادِ ثَمَنِ مَا اشْتَرَاهُ.
2)أَنْ يَكُونَ هَذَا الَّذِي بِيَدِهِ نَاضًّا، لاَ عُرُوضًا، إِذَا اشْتَرَى بِنُقُودٍ.
3) أَنْ يَكُونَ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ جِنْسِ تِجَارَةِ الشَّرِكَةِ. وَيُؤْخَذُ مِمَّا أَسْلَفْنَا شَرِيطَةٌ رَابِعَةٌ.
4( أَنْ لاَ يَكُونَ شَرِيكُهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ صَرَاحَةً فِي الاِخْتِصَاصِ بِالسِّلْعَةِ.
فَإِذَا تَوَافَرَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ الأْرْبَعُ ، وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلشَّرِكَةِ، وَلَوِ ادَّعَى الشَّرِيكُ أَنَّهُ إِنَّمَا اشْتَرَى لِنَفْسِهِ، أَوْ حَتَّى أَشْهَدَ بِذَلِكَ عِنْدَ شِرَائِهِ؛ لأِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ إِخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنَ الْوَكَالَةِ دُونَ عِلْمِ شَرِيكِهِ. هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ .
وَلاَ تُوجَدُ مِثْلُ هَذِهِ الشَّرَائِطِ فِي الْمَذَاهِبِ الأْخْرَى، عَدَا قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ، هُنَا وَفِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ، يَرْفُضُ ادِّعَاءَ الشَّرِيكِ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ – وَلَكِنَّهُمُ اعْتَمَدُوا فِيهِمَا تَصْدِيقَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ فِي الْعَنَانِ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ أَمِينٌ يَدَّعِي مُمْكِنًا لاَ يُعْلَمُ إِلاَّ مِنْ قِبَلِهِ، وَلَوْلاَ إِمْكَانُ تَصْرِيحِهِ بِنِيَّتِهِ عِنْدَ الشِّرَاءِ وَالإْشْهَادِ عَلَى ذَلِكَ، لَصُدِّقَ بِلاَ يَمِينٍ، بَلْ عِبَارَةُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ – وَلَوْ رَابِحًا، وَفِي دَعْوَى الشِّرَاءِ لِلشَّرِكَةِ – وَلَوْ خَاسِرًا. إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُصَدَّقُ عِنْدَهُمْ فِي دَعْوَى الشِّرَاءِ لِلشَّرِكَةِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ حِصَّتَهُ وَحْدَهَا بِعَيْبٍ؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ اشْتَرَى لِنَفْسِهِ، فَلاَ يُمَكَّنُ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ. نَعَمْ إِنْ صَدَّقَهُ الْبَائِعُ فِي دَعْوَى الشِّرَاءِ لِلشَّرِكَةِ، كَانَ لَهُ، عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَرَدُّ حِصَّتِهِ وَحْدَهَا؛ لأِنَّهُ – بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا – أَصِيلٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ وَكِيلٌ، فَكَانَ عَقْدُهُ الْوَاحِدُ بِمَثَابَةِ عَقْدَيْنِ أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يُصَدِّقُونَ الشَّرِيكَ فِي دَعْوَى الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ فِي الشَّرِكَاتِ عَدَا شَرِكَةِ الْجَبْرِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ. وَإِنَّمَا نَصُّوا عَلَيْهِ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ – وَقَصَرُوهُ فِيهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِالشَّرِيكِ وَأَهْلِهِ: مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ، دُونَ سَائِرِ الْعُرُوضِ وَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ .
ثَانِيًا: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي يَلْزَمُ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ لاَ يُؤْخَذُ بِهِ الآْخَرُ: لأِنَّ شَرِكَةَ الْعَنَانِ تَنْعَقِدُ عَلَى الْوَكَالَةِ لاَ غَيْرُ، إِلاَّ إِذَا صُرِّحَ فِيهَا بِالتَّضَامُنِ – كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْخَانِيَّةِ، وَإِنْ اسْتَظْهَرَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ بُطْلاَنَ الْكَفَالَةِ حِينَئِذٍ؛ لأِنَّ هَا كَفَالَةٌ لِمَجْهُولٍ، وَالْكَفَالَةُ الصَّرِيحَةُ لاَ تَصِحُّ لَهُ .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ عَدَمُ قَبُولِ إِقْرَارِ شَرِيكِ الْعَنَانِ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ عَلَى الشَّرِكَةِ؛ لأِنَّهُ مَأْذُونٌ فِي التِّجَارَةِ لاَ غَيْرُ، وَالإْقْرَارُ لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ فِي شَيْءٍ – وَإِنَّمَا يُقْبَلُ عَلَى نَفْسِهِ فِي حِصَّتِهِ هُوَ وَحْدَهُ . هَكَذَا أَطْلَقُوهُ، مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ بِيَدِهِ أَوْ لاَ – إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ، كَثَمَنِ شَيْءٍ اشْتُرِيَ لِلشَّرِكَةِ، وَكَأُجْرَةِ دَلاَّلٍ وَحَمَّالٍ وَمُخَزِّنٍ وَحَارِسٍ، لأِنَّهُ إِذْنٌ كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، أَوْ إِقْبَاضِ الثَّمَنِ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ – لَيْسَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ رُبَّمَا لِلإْجَابَةِ عَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ – فِي ذَهَابِهِ إِلَى قَبُولِ إِقْرَارِ الشَّرِيكِ عَلَى الشَّرِكَةِ مُطْلَقًا – إِذْ يَقُولُ: «إِنَّ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَشْتَرِيَ وَلاَ يُسَلِّمَ الثَّمَنَ فِي الْمَجْلِسِ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ بِالثَّمَنِ لَضَاعَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ، وَامْتَنَعُوا مِنْ مُعَامَلَتِهِ» وَحَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ الإْنْصَافِ، وَقَالَ إِنَّهُ الصَّوَابُ .
ثَالِثًا – ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ الَّذِي يَتَوَلاَّهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، قَاصِرَةٌ عَلَيْهِ: لأِنَّهُ مَا دَامَ الْفَرْضُ أَنْ لاَ كَفَالَةَ، فَإِنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ إِنَّمَا تَكُونُ لِلْعَاقِدِ. فَإِذَا بَاعَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ أَوْ آجَرَهُ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْبِضُ الثَّمَنَ أَوِ الأُْجْرَةَ، وَيُطَالِبُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ أَوِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَيُخَاصِمُ عِنْدَ الْخِلاَفِ: فَتُقَامُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَوْ يُقِيمُهَا. وَتُطْلَبُ مِنْهُ الْيَمِينُ أَوْ يَطْلُبُهَا. أَمَّا شَرِيكُهُ فَهُوَ وَالأْجْنَبِيُّ سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ الْحُقُوقِ: لَيْسَ لَهُ وَلاَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَكَذَلِكَ فِي حَالَةِ مَا إِذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا شَيْئًا لِلشَّرِكَةِ أَوِ اسْتَأْجَرَهُ: فَإِنَّهُ، دُونَ شَرِيكِهِ، هُوَ الَّذِي تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ أَوِ الأْجْرَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُطَالِبُ بِالتَّسْلِيمِ وَيَتَوَلَّى الْقَبْضَ، وَتَقَعُ الْخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ لَهُ وَعَلَيْهِ. ثُمَّ إِذَا دَفَعَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ رَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ فِيمَا دَفَعَ؛ لأِنَّهُ وَكِيلُ هَذَا الشَّرِيكِ فِيمَا يَخُصُّهُ مِنَ الصَّفْقَةِ.
وَهَكَذَا عِنْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَعِنْدَ الرُّجُوعِ بِالاِسْتِحْقَاقِ: إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلَّذِي تَوَلَّى الْعَقْدَ أَوْ عَلَيْهِ. وَلاَ شَأْنَ لِلشَّرِيكِ الآْخَرِ فِيهِ .
وَالرَّهْنُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، وَالاِرْتِهَانُ بِهِ، مِنْ تَوَابِعِ حُقُوقِ الْعَقْدِ؛ لأِنَّ الرَّهْنَ بِمَثَابَةِ الإْقْبَاضِ ، وَالاِرْتِهَانَ بِمَثَابَةِ الْقَبْضِ. فَبِدُونِ إِذْنِ الْعَاقِدِ – كَالْمُشْتَرِي فِي حَالَةِ الرَّهْنِ، وَالْبَائِعِ فِي حَالَةِ الاِرْتِهَانِ – لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَرْهَنَ أَوْ يَرْتَهِنَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ شَارَكَ فِي الْعَقْدِ الَّذِي أَوْجَبَ الدَّيْنَ. ذَلِكَ لأِنَّ فِي الرَّهْنِ تَوْفِيَةَ دَيْنِ الشَّرِيكِ الآْخَرِ مِنْ مَالِهِ – إِذْ فَرْضُ الْكَلاَمِ فِي رَهْنِ عَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ الشَّرِكَةِ – وَلاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ أَنْ يُوَفِّيَ دَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ مَالِ ذَلِكَ الْغَيْرِ بِدُونِ إِذْنِهِ، وَفِي الاِرْتِهَانِ اسْتِيفَاءُ حِصَّةِ الشَّرِيكِ الآْخَرِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ بِمُقْتَضَى عَقْدِهِ هُوَ – اسْتِقْلاَلاً أَوْ مُشَارَكَةً – وَذَلِكَ لاَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ بِدُونِ إِذْنِهِ أَيْضًا .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنْ لَيْسَ لأِحَدِ شَرِيكَيِ الْعَنَانِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِفِعْلِ شَيْءٍ فِي الشَّرِكَةِ إِلاَّ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَمَعْرِفَتِهِ .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي: «وَلَهُ (أَيْ: لِكُلٍّ مِنْ شَرِيكَيِ الْعَنَانِ) أَنْ يَقْبِضَ الْمَبِيعَ وَالثَّمَنَ، وَيَقْبِضَهُمَا، وَيُخَاصِمَ فِي الدَّيْنِ، وَيُطَالِبَ بِهِ، وَيُحِيلَ وَيَحْتَالَ، وَيَرُدَّ بِالْعَيْبِ: فِيمَا وَلِيَهُ هُوَ، وَفِيمَا وَلِيَ صَاحِبُهُ.. لأِنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ لاَ تَخُصُّ الْعَاقِدَ».
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى جَوَازِ انْفِرَادِ أَحَدِ شَرِيكَيِ الْعَنَانِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
مَا يَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُ شَرِيكِ الْعَنَانِ عَلَى شَرِيكِهِ:
رَابِعًا – ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ نَفَاذَ تَصَرُّفِ شَرِيكِ الْعَنَانِ عَلَى شَرِيكِهِ يَخْتَصُّ بِالتِّجَارَةِ: فَإِذَا غَصَبَ شَرِيكُ الْعَنَانِ شَيْئًا أَوْ أَتْلَفَهُ، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِضَمَانِهِ، وَلاَ يَشْرَكُهُ فِيهِ شَرِيكُهُ. بِخِلاَفِ مَا إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِلشَّرِكَةِ – شِرَاءً صَحِيحًا – وَهُوَ يَمْلِكُ الْحَقَّ فِي شِرَائِهِ بِمُقْتَضَى عَقْدِهَا، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ شِرَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى شَرِيكِهِ: وَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى هَذَا الشَّرِيكِ بِحِصَّتِهِ فِي الثَّمَنِ لَوْ أَدَّاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. بَلْ لَوْ كَانَ الشِّرَاءُ فَاسِدًا، فَتَلِفَ عِنْدَهُ مَا اشْتَرَاهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَتَحَمَّلُ ضَمَانَهُ وَحْدَهُ، بَلْ يَشْرَكُهُ فِيهِ شَرِيكُهُ، عَلَى النِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا فِي رَأْسِ مَالِ تِجَارَتِهِمَا.
أَمَّا أَبُو يُوسُفَ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي، لِنَفَاذِ تَصَرُّفِ شَرِيكِ الْعَنَانِ عَلَى شَرِيكِهِ بِعَوْدِ نَفْعِهِ عَلَى مَالِ الشَّرِكَةِ، كَشَرِيكِ الْمُفَاوَضَةِ.
وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ: أَنَّ الْعَارِيَّةَ يَسْتَعِيرُهَا أَحَدُ شَرِيكَيِ الْعَنَانِ لِغَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِهِ الْخَاصَّةِ – كَحَمْلِ طَعَامِ أَهْلِهِ – تَكُونُ خَاصَّةً بِهِ . فَيَضْمَنُ شَرِيكُهُ لَوِ اسْتَعْمَلَهَا. بِخِلاَفِ مَا لَوِ اسْتَعَارَهَا مِنْ أَجْلِ الشَّرِكَةِ – كَحَمْلِ سِلْعَةٍ مِنْ سِلَعِهَا – فَإِنَّهَا تَكُونُ عَارِيَّةً مُشْتَرَكَةً، كَمَا لَوْ كَانَا اسْتَعَارَاهَا مَعًا: حَتَّى لَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا الآْخَرُ مِثْلَ تِلْكَ السِّلْعَةِ فَتَلِفَتْ، فَلاَ ضَمَانَ .
بَيْعُ شَرِيكِ الْعَنَانِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ:
نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الشَّرِيكَ لاَ يَبِيعُ وَلاَ يَشْتَرِي بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ. فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ الْعَقْدُ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً، وَلِلْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعِ الْخِيَارُ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الشَّرِيكُ قَدِ اشْتَرَى بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ، وَيَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْمُشْتَرِي خَاصَّةً، لاَ لِلشَّرِكَةِ . وَقَالُوا لَيْسَ لِلشَّرِيكِ الْبَيْعُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ إِذَا كَانَ ثَمَّ رَاغِبٌ بِأَكْثَرَ – حَتَّى إِنَّهُ لَوْ بَاعَ فِعْلاً، ثُمَّ ظَهَرَ هَذَا الرَّاغِبُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَإِلاَّ انْفَسَخَ تِلْقَائِيًّا .
مُشَارَكَةُ شَرِيكِ الْعَنَانِ لِغَيْرِ شَرِيكِهِ:
لَيْسَ لأِحَدِ شَرِيكَيِ الْعَنَانِ أَنْ يُشَارِكَ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ: لاَ مُفَاوَضَةً وَلاَ عَنَانًا. لأِنَّ الشَّيْءَ لاَ يَسْتَتْبِعُ مِثْلَهُ، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ فَوْقَهُ. لَكِنَّهُ إِذَا كَانَ لاَ يَمْلِكُ أَنْ يُشَارِكَ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يُوَكِّلَ: فَإِذَا شَارَكَ بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ، وَلَكِنْ لاَ يَلْزَمُ مِنْ بُطْلاَنِ الشَّرِكَةِ بُطْلاَنُ الْوَكَالَةِ الَّتِي فِي ضِمْنِهَا، إِذْ لاَ يَلْزَمُ مِنْ بُطْلاَنِ الأْخَصِّ بُطْلاَنُ الأْعَمِّ. هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ .
وَكَلاَمُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَامٌّ فِي مَنْعِ دَفْعِ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ إِلَى أَجْنَبِيٍّ لِيَعْمَلَ فِيهِ، دُونَ إِذْنِ سَائِرِ الشُّرَكَاءِ – وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ خِدْمَةً لِلشَّرِكَةِ وَلَوْ بِلاَ مُقَابِلٍ: وَهُوَ الإْبْضَاعُ؛ لأِنَّ الرِّضَا فِي عَقْدِ الشَّرِكَةِ إِنَّمَا وَقَعَ قَاصِرًا عَلَى يَدِ الشَّرِيكِ وَتَصَرُّفِهِ هُوَ، دُونَ تَصَرُّفِ أَحَدٍ سِوَاهُ . فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّرِكَةِ وَيُحِلُّ غَيْرَهُ مَحَلَّهُ.
أَحْكَامُ شَرِكَتَيِ الأْعْمَالِ وَالْوُجُوهِ:
هَاتَانِ الشَّرِكَتَانِ لاَ تَخْرُجَانِ عَنْ أَنْ تَكُونَا مُفَاوَضَةً أَوْ عَنَانًا. فَتُطَبَّقُ فِيهِمَا أَحْكَامُ الْمُفَاوَضَةِ فِي الأْمْوَالِ – إِنْ كَانَتَا مِنْ قَبِيلِ الْمُفَاوَضَةِ، وَأَحْكَامُ الْعَنَانِ فِي الأْمْوَالِ – إِنْ كَانَتَا مِنْ قَبِيلِ الْعَنَانِ. وَإِذَا أُطْلِقَتْ أَيَّتُهُمَا فَهِيَ عَنَانٌ، كَمَا هُوَ الأْصْلُ دَائِمًا .
إِلاَّ أَنَّ شَرِكَةَ الْعَنَانِ فِي الأْعْمَالِ تَأْخُذُ دَائِمًا حُكْمَ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
الْمَسْأَلَةُ الأْولَى: تَقَبُّلُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مُلْزِمٌ لَهُمَا عَلَى التَّضَامُنِ كَمَا لَوْ كَانَا شَخْصًا وَاحِدًا – وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ أَحَدًا مِنْهُمَا أَنْ يَعْمَلَ بِنَفْسِهِ، مَا لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ صَاحِبُ الْعَمَلِ. فَبِدُونِ هَذَا الشَّرْطِ يَسْتَوِي أَنْ يَعْمَلَهُ هُوَ، أَوْ يَعْمَلَهُ شَرِيكُهُ، أَوْ غَيْرُهُمَا – كَأَنْ يَسْتَأْجِرَا، هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا، مَنْ يَقُومُ بِهِ. إِذِ الْمَشْرُوطُ مُطْلَقُ الْعَمَلِ أَمَّا مَعَ هَذَا الشَّرْطِ مِنْ صَاحِبِ الْعَمَلِ فَيُتْبَعُ الشَّرْطُ، لَكِنْ تَظَلُّ الْمَسْأَلَةُ كَمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ إِلْزَامُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى التَّضَامُنِ: فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ لاَ يُعْفِي مَنْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِ مِنَ الْمُطَالَبَةِ، بِحُكْمِ الضَّمَانِ. نَعَمْ هُوَ يُفِيدُ تَقْيِيدَ حَقِّ مُطَالَبَتِهِ – مَا دَامَ لَيْسَ هُوَ الْمُتَقَبِّلَ – بِمُدَّةِ اسْتِمْرَارِ الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا إِذَا خَلاَ التَّقَبُّلُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ، فَإِنَّ الضَّمَانَ يَسْتَمِرُّ بَعْدَ انْحِلاَلِ الشَّرِكَةِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الأْصْلِ أَنَّ:
1) لِصَاحِبِ الْعَمَلِ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ كَامِلاً أَيَّ الشَّرِيكَيْنِ شَاءَ.
2) لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُطَالِبَ صَاحِبَ الْعَمَلِ بِالأْجْرَةِ كَامِلَةً.
3) تَبْرَأُ ذِمَّةُ صَاحِبِ الْعَمَلِ مِنَ الأْجْرَةِ بِدَفْعِهَا إِلَى أَيِّ الشَّرِيكَيْنِ شَاءَ. وَهَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا تَلِفَ، أَوْ تَعَيَّبَ، مِمَّا يَعْمَلُ فِيهِ الشَّرِيكَانِ، بِسَبَبِ أَحَدِهِمَا – فَضَمَانُهُ عَلَيْهِمَا. وَلِصَاحِبِ الْعَمَلِ أَنْ يُطَالِبَ بِهَذَا الضَّمَانِ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الضَّمَانَ الْمُشْتَرَكَ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطِ الْمُتَسَبِّبِ فِيهِ، وَإِلاَّ اقْتَصَرَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ .
أَمَّا فِيمَا عَدَا هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَعَنَانُ شَرِكَةِ الأْعْمَالِ كَعَنَانِ غَيْرِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلِذَا يَنُصُّونَ عَلَى اخْتِلاَفِ حُكْمِ الإْقْرَارِ فِي شَرِكَةِ الأْعْمَالِ بِاخْتِلاَفِ نَوْعَيْهَا مِنْ مُفَاوَضَةٍ وَعَنَانٍ. ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ شَرِيكُ الأْعْمَالِ بِدَيْنٍ مَا مِنْ ثَمَنِ شَيْءٍ مُسْتَهْلَكٍ – كَصَابُونٍ أَوْ أَيِّ مُنَظِّفٍ آخَرَ أَوْ غَيْرِ مُنَظِّفٍ – أَوْ مِنْ أَجْرِ عُمَّالٍ أَوْ أُجْرَةِ دُكَّانٍ عَنْ مُدَّةٍ مَضَتْ، وَكَذَّبَهُ شَرِيكُهُ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ عَلَى شَرِيكِهِ إِذَا كَانَتْ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ، وَلاَ يُصَدَّقُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ إِذَا كَانَتْ شَرِكَةَ عَنَانٍ. ذَلِكَ أَنَّ الْمُقِرَّ يَلْزَمُهُ إِقْرَارُهُ، ثُمَّ لاَ يُؤْخَذُ شَرِيكُهُ بِهَذَا الإْقْرَارِ إِلاَّ إِذَا كَانَ كَفِيلاً لَهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُفَاوَضَةِ، وَلاَ كَفَالَةَ فِي الْعَنَانِ، إِذَا أُطْلِقَتْ عَنِ التَّقْيِيدِ بِهَا. أَمَّا الإْقْرَارُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ اسْتِهْلاَكِ الْمَبِيعِ أَوْ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإْجَارَةِ، فَمَاضٍ عَلَى الشَّرِكَةِ بِإِطْلاَقٍ لاَ فَرْقَ بَيْنَ عَنَانٍ وَمُفَاوَضَةٍ.
كَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى مُدَّعٍ شَيْئًا مِمَّا يَعْمَلاَنِ فِيهِ، كَثَوْبٍ، فَأَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَ الآْخَرُ – لاَ يُصَدَّقُ الْمُقِرُّ عَلَى صَاحِبِهِ إِلاَّ فِي الْمُفَاوَضَةِ، خِلاَفًا لأِبِي يُوسُفَ الَّذِي تَرَكَ هُنَا الْقِيَاسَ إِلَى الاِسْتِحْسَانِ وَقَالَ: إِنَّ إِقْرَارَهُ مَاضٍ عَلَى الشَّرِكَةِ فِي الْعَنَانِ أَيْضًا، إِلْحَاقًا لَهَا بِالْمُفَاوَضَةِ فِي مَحَلِّ الْعَمَلِ، كَمَا أُلْحِقَتْ بِهَا فِي التَّضَامُنِ وَالأْجْرَةِ .
وَالْمَالِكِيَّةُ يَقُولُونَ: فِي شَرِيكَيِ الأْعْمَالِ : إِنَّهُمَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ . فَمُقْتَضَى هَذَا الأْصْلِ الْعَامِّ قَبُولُ أَقَارِيرِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَنَفَاذُهَا عَلَيْهِمَا بِإِطْلاَقٍ: لاَ فَرْقَ بَيْنَ عَنَانٍ وَمُفَاوَضَةٍ، وَلاَ بَيْنَ دَيْنٍ وَعَيْنٍ، وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ، فَإِنَّمَا يُمْضُونَ عَلَيْهِمَا إِقْرَارَ أَحَدِهِمَا إِذَا كَانَ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ؛ لأِنَّ الْيَدَ لَهُ، وَإِلاَّ فَلاَ؛ لاِنْتِفَاءِ الْيَدِ .
قِسْمَةُ الْكَسْبِ بَيْنَ شَرِيكَيِ الْعَمَلِ وَتَحَمُّلُهُمَا الْخَسَارَةَ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ كَسْبَ الشَّرِكَةِ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى مَا شَرَطَا فِي عَنَانِ شَرِكَةِ الأْعْمَالِ ، دُونَ نَظَرٍ إِلَى اتِّسَاقِ الشَّرْطِ أَوْ عَدَمِ اتِّسَاقِهِ مَعَ شَرْطِ الْعَمَلِ عَلَى كِلاَ الشَّرِيكَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَعْلِيلُ ذَلِكَ، وَتَوْجِيهُ مُخَالَفَتِهِ لِقِسْمَةِ الرِّبْحِ فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ.
وَهَذَا أَصْلٌ مُطَّرِدٌ سَوَاءٌ عَمِلَ الشَّرِيكَانِ أَمْ أَحَدُهُمَا، وَسَوَاءٌ كَانَ امْتِنَاعُ الْمُمْتَنِعِ عَنِ الْعَمَلِ لِعُذْرٍ – كَسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ – أَمْ لِغَيْرِهِ، كَكَسَلٍ وَتَعَالٍ؛ لأِنَّ الْعَامِلَ مُعِينٌ لِلآْخَرِ، وَالشَّرْطُ مُطْلَقُ الْعَمَلِ. وَلِذَا لاَ مَانِعَ مِنَ الاِسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ، أَوْ حَتَّى الاِسْتِعَانَةِ الْمَجَّانِيَّةِ . فَإِذَا لَمْ يَتَعَرَّضَا لِشَرْطِ الْعَمَلِ بِنِسْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَهُوَ عَلَى نِسْبَةِ الرِّبْحِ الَّتِي تَشَارَطَاهَا؛ لأِنَّ هَذَا هُوَ الأْصْلُ، فَلاَ يُعْدَلُ عَنْهُ إِلاَّ بِنَصٍّ صَرِيحٍ: أَمَّا الْخَسَارَةُ (الْوَضْعِيَّةُ) فِي شَرِكَةِ الأْعْمَالِ ، فَلاَ تَكُونُ إِلاَّ بِقَدْرِ ضَمَانِ الْعَمَلِ: أَيْ بِقَدْرِ مَا شُرِطَ عَلَى كِلاَ الشَّرِيكَيْنِ مِنَ الْعَمَلِ، كَمَا أَنَّ الْخَسَارَةَ فِي شَرِكَةِ الأْمْوَالِ دَائِمًا بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ، إِذِ الْعَمَلُ هُنَا كَالْمَالِ هُنَاكَ. وَلِذَا لَوْ تَشَارَطَا عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَى أَحَدِهِمَا ثُلُثَا الْعَمَلِ وَعَلَى الآْخَرِ الثُّلُثُ فَحَسْبُ، وَالْخَسَارَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ – فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَسَارَةِ، وَهِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى النِّسْبَةِ الَّتِي تَشَارَطَاهَا فِي الْعَمَلِ نَفْسِهِ .
وَيَنُصُّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ حَالَةَ الإْطْلاَقِ تُحْمَلُ عَلَى التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ وَالأْجْرَةِ : كَالْجِعَالَةِ، إِذْ لاَ مُرَجِّحَ .
أَمَّا جَمَاهِيرُ الْمَالِكِيَّةِ، فَيَتَحَتَّمُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَ شَرِيكَيِ الأْعْمَالِ بِقَدْرِ عَمَلَيْهِمَا، وَلاَ يُتَجَاوَزُ إِلاَّ عَنْ فَرْقٍ يَسِيرٍ. هَذَا فِي عَقْدِ الشَّرِكَةِ – أَمَّا بَعْدَهُ، فَلاَ حَرَجَ عَلَى مُتَبَرِّعٍ إِنْ تَبَرَّعَ، وَلَوْ بِالْعَمَلِ كُلِّهِ. فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى تَفَاوُتِ النِّسْبَةِ بَيْنَ الْعَمَلَيْنِ وَالنِّسْبَةِ بَيْنَ الرِّبْحَيْنِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَقْدًا فَاسِدًا – عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: وَيَرْجِعُ كِلاَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا عَمِلَ عَنْهُ . لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقْرِنُونَ هَذَا التَّشَدُّدَ بِالتَّسَامُحِ فِي رِبْحِ مَا يَعْمَلُهُ الشَّرِيكُ، فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ عَمَلِ الشَّرِكَةِ – إِذْ يَجْعَلُونَهُ لَهُ خَاصَّةً، كَمَا فَعَلُوا فِي شَرِكَةِ الأْمْوَالِ .
تَنْبِيهٌ: لَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ شَرِكَةِ الأْعْمَالِ اتِّحَادُ نَوْعِ الْعَمَلِ وَلاَ مَكَانُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، خِلاَفًا لِزُفَرَ – فِي رِوَايَةِ تَصْحِيحِهِ شَرِكَةَ التَّقَبُّلِ. لأِنَّ الْمَقْصُودَ بِالشَّرِكَةِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الرِّبْحِ، يَتَأَتَّى مَعَ اتِّحَادِ نَوْعِ الْعَمَلِ وَمَعَ اخْتِلاَفِهِ كَمَا يَتَأَتَّى مَعَ وَحْدَةِ الْمَكَانِ وَمَعَ تَعَدُّدِهِ .
وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو الْخَطَّابِ، مِنَ الْحَنَابِلَةِ، يَشْتَرِطُونَ اتِّحَادَ نَوْعِ الْعَمَلِ وَإِنْ كَانَ الْمَالِكِيَّةُ يُنَزِّلُونَ تَلاَزُمَ الْعَمَلَيْنِ وَتَوَقُّفَ أَحَدِهِمَا عَلَى الآْخَرِ، مَنْزِلَةَ اتِّحَادِهِمَا: كَإِعْدَادِ الْخُيُوطِ وَنَسْجِهَا، وَسَبْكِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصِيَاغَتِهِمَا. بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ تَسَاوِيَ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَرَجَةِ إِجَادَةِ الصَّنْعَةِ أَوِ الْعَمَلِ. وَالسِّرُّ فِي هَذَا التَّشَدُّدِ كُلِّهِ، هُوَ الْفِرَارُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ثَمَرَةَ كَدِّ الآْخَرِ وَنِتَاجَ عَمَلِهِ. وَقَدْ أَلْزَمَهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا أَتَقَبَّلُ وَأَنْتَ تَعْمَلُ، صَحَّتِ الشَّرِكَةُ، مَعَ اخْتِلاَفِ الْعَمَلَيْنِ .
أَمَّا اتِّحَادُ الْمَكَانِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. وَلَكِنَّ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ اعْتَمَدُوا خِلاَفَهُ، وَأَوَّلُوا مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ رَوَاجُ الْعَمَلِ فِي الْمَكَانَيْنِ لَيْسَ وَاحِدًا – حَذَرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ كَسْبَ الآْخَرِ، أَوْ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْعَمَلُ فِي أَحَدِ الْمَكَانَيْنِ مُسْتَقِلًّا عَنْهُ فِي الآْخَرِ: بِمَعْنَى أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ لاَ يَتَعَاوَنَانِ فِيمَا يَتَقَبَّلُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَكَانِ عَمَلِهِ، أَوْ كَمَا يَقُولُونَ: «إِذَا لَمْ تُجْلَ يَدُ أَحَدِهِمَا فِيمَا هُوَ بِيَدِ الآْخَرِ» وَنَصُّوا عَلَى إِهْدَارِ النَّظَرِ إِلَى الصَّنْعَةِ إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ التِّجَارَةَ .
الشَّرِكَةُ الْفَاسِدَةُ:
الشَّرِكَةُ الْفَاسِدَةُ: هِيَ الَّتِي لَمْ تَتَوَافَرْ فِيهَا إِحْدَى شَرَائِطِ الصِّحَّةِ – كَأَهْلِيَّةِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ، وَقَابِلِيَّةِ الْمَحَلِّ لِلْوَكَالَةِ، وَكَوْنِ الرِّبْحِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ بِنِسْبَةٍ مَعْلُومَةٍ .
وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَمْثِلَةً لِلشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ. فَمِنْ ذَلِكَ:
أَوَّلاً: الشَّرِكَةُ فِي تَحْصِيلِ الْمُبَاحَاتِ الْعَامَّةِ: كَالشَّرِكَةِ فِي الاِحْتِطَابِ، وَالاِحْتِشَاشِ، وَالاِصْطِيَادِ، وَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ، وَاجْتِنَاءِ الثِّمَارِ الْجَبَلِيَّةِ، وَاسْتِخْرَاجِ مَا فِي بَطْنِ الأْرْضِ الْمُبَاحَةِ مِنْ نَفْطٍ، أَوْ مَعْدِنٍ خِلْقِيٍّ كَالذَّهَبِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ أَوْ كَنْزٍ جَاهِلِيٍّ، وَصُنْعِ لَبِنٍ أَوْ آجُرٍّ مِنْ طِينٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، فَهَذِهِ الشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأِنَّ هَا تَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ، وَالْمَحَلُّ هُنَا غَيْرُ قَابِلٍ لِلْوَكَالَةِ: فَإِنَّ الَّذِي تَسْبِقُ يَدُهُ إِلَى الْمُبَاحِ يَمْلِكُهُ، مَهْمَا يَكُنْ قَصْدُهُ، فَلاَ يُمْكِنُ تَوْكِيلُهُ فِي أَخْذِهِ لِغَيْرِهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الطِّينُ – وَمِثْلُهُ سَهْلَةُ الزُّجَاجِ مَمْلُوكًا، فَاشْتَرَكَ اثْنَانِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَاهُ، وَيَطْبُخَاهُ وَيَبِيعَاهُ – فَهَذِهِ شَرِكَةٌ صَحِيحَةٌ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَقَدْ صَحَّحُوا الشَّرِكَةَ فِي تَحْصِيلِ الْمُبَاحَاتِ بِإِطْلاَقٍ .
ثَانِيًا: يَقَعُ كَثِيرًا أَنْ تَكُونَ دَابَّةٌ أَوْ عَرَبَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَيُسَلِّمَهَا أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ، عَلَى أَنْ يُؤَجِّرَهَا وَيَعْمَلَ عَلَيْهَا، وَيَكُونَ لَهُ ثُلُثَا الرِّبْحِ، وَلِلَّذِي لاَ يَعْمَلُ الثُّلُثُ فَحَسْبُ. وَهِيَ شَرِكَةٌ فَاسِدَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ عَقِيلٍ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأِنَّ رَأْسَ مَالِهَا مَنْفَعَةٌ، وَالْمَنْفَعَةُ مُلْحَقَةٌ بِالْعُرُوضِ . فَيَكُونُ الدَّخْلُ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةِ مِلْكِهِمَا، وَلِلَّذِي كَانَ يَعْمَلُ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَلاَ يُشْبِهُ الْعَمَلَ فِي الْمُشْتَرَكِ حَتَّى نَقُولَ: لاَ أَجْرَ لَهُ لأِنَّ الْعَمَلَ فِيمَا يُحْمَلُ وَهُوَ لِغَيْرِهِمَا.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ أَوِ الْعَرَبَةِ تَكُونُ لِوَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ، فَيَدْفَعُهَا إِلَى آخَرَ لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا، وَالأْجْرَةُ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةٍ مَعْلُومَةٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهَا، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ وَالأْوْزَاعِيُّ عَلَى صِحَّتِهَا، اعْتِبَارًا بِصِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ عِنْدَهُمَا. وَهَكَذَا كُلُّ عَيْنٍ تَنْمِي بِالْعَمَلِ فِيهَا يَصِحُّ دَفْعُهَا بِبَعْضِ نَمَائِهَا. وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَاسِدٌ؛ لِشِدَّةِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ: فَمَعَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى فَسَادِ هَذَا كُلِّهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَمِنَ الْحَنَابِلَةِ، ابْنُ عَقِيلٍ، دُونَ تَرَدُّدٍ، وَالْقَاضِي فِي بَعْضِ احْتِمَالاَتِهِ . وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ لَهُمْ بِحَدِيثِ النَّهْيِ «عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ» يَعْنِي: طَحْنَ كَمِّيَّةٍ مِنَ الْحَبِّ بِشَيْءٍ مِنْ طَحِينِهَا وَإِذَنْ فَمِثْلُ ذَلِكَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ، لاَ مَحْمَلَ لَهُ سِوَى ذَلِكَ: فَيَكُونُ الرِّبْحُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ أَوِ الْعَرَبَةِ لِصَاحِبِهِمَا؛ لأِنَّ الْعِوَضَ إِنَّمَا اسْتُحِقَّ بِالْحَمْلِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ إِلاَّ أُجْرَةُ مِثْلِهِ. وَقَدْ كَانَ أَقْرَبُ مَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ لِتَصْحِيحِهِ إِلْحَاقَهُ بِالْمُضَارَبَةِ – وَلَكِنَّ الْمُضَارَبَةَ لاَ تَكُونُ فِي الْعُرُوضِ ثُمَّ هِيَ تِجَارَةٌ، وَالْعَمَلُ هُنَا لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ فِي شَيْءٍ.
رَابِعًا: وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ أَيْضًا فِي شَرِكَاتِ الْبَهَائِمِ، أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ بَقَرَةٌ، فَيَدْفَعَهَا إِلَى آخَرَ لِيَتَعَهَّدَهَا بِالْعَلَفِ وَالرِّعَايَةِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْكَسْبُ الْحَاصِلُ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةٍ مَا كَنِصْفَيْنِ. وَهَذِهِ أَيْضًا شَرِكَةٌ فَاسِدَةٌ: لاَ تَدْخُلُ فِي شَرِكَةِ الأْمْوَالِ ، إِذْ لَيْسَ فِيهَا أَثْمَانٌ يُتَّجَرُ بِهَا، وَلاَ فِي شَرِكَةِ التَّقَبُّلِ، أَوِ الْوُجُوهِ، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ. وَالْكَسْبُ الْحَاصِلُ إِنَّمَا هُوَ نَمَاءُ مِلْكِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ – وَهُوَ صَاحِبُ الْبَقَرِ. – فَيَكُونُ لَهُ، وَلَيْسَ لِلآْخَرِ إِلاَّ قِيمَةُ عَلَفِهِ وَأُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ دُودُ الْقَزِّ، يَدْفَعُهُ مَالِكُهُ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ، لِيَتَعَهَّدَهُ عَلَفًا وَخِدْمَةً، وَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ الدَّجَاجَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْضُهَا نِصْفَيْنِ – مَثَلاً – قَالُوا: وَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ نِصْفَ الأْصْلِ أَوْ ثُلُثَهُ مَثَلاً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، مَهْمَا قَلَّ، فَمَا حَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ.
وَقَدْ عَرَفْنَا نَصَّ أَحْمَدَ وَالأْوْزَاعِيِّ فِي ذَلِكَ، وَقَضِيَّتُهُ تَصْحِيحُ هَذِهِ الشَّرِكَاتِ كُلِّهَا – شَأْنَ كُلِّ عَيْنٍ تَنْمِي بِالْعَمَلِ فِيهَا. كَمَا عَرَفْنَا أَنَّ جَمَاهِيرَ أَهْلِ الْعِلْمِ لاَ يُوَافِقُونَهُمَا – حَتَّى قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: عَلَى الْقَادِرِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ بَالِغِ الضَّرَرِ .
بَيْدَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ ذَكَرُوا هُنَا فَرْعًا يُشْبِهُ الاِتِّجَاهَ الْحَنْبَلِيَّ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يُصَحِّحُونَ الشَّرِكَةَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، يَأْتِي أَحَدُهُمَا بِطَائِرٍ ذَكَرٍ، وَيَأْتِي الآْخَرُ بِطَائِرٍ أُنْثَى – كِلاَهُمَا مِنْ نَوْعِ الطُّيُورِ الَّتِي يُشْرَكُ ذُكُورُهَا وَإِنَاثُهَا فِي الْحَضَانَةِ، كَالْحَمَامِ – وَيُزَوِّجَانِ هَذِهِ لِهَذَا، عَلَى أَنْ تَكُونَ فِرَاخُهُمَا بَيْنَهُمَا عَلَى سَوَاءٍ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نَفَقَةُ طَائِرِهِ – إِلاَّ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِهَا الآْخَرُ – وَضَمَانُهُ إِذَا هَلَكَ. وَالْعِلَّةُ – كَمَا يُشْعِرُ سِيَاقُهُمْ – أَنَّ هَذِهِ أَعْيَانٌ تَنْمِي مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ التِّجَارَةِ، فَتُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مَا يَنْمِي بِالتِّجَارَةِ .
أَحْكَامُ الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ:
أَوَّلاً: أَنَّهَا لاَ تُفِيدُ الشَّرِيكَ مَا تُفِيدُهُ الشَّرِكَةُ الصَّحِيحَةُ مِنْ تَصَرُّفَاتٍ هَكَذَا قَرَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ.
وَلَمَّا كَانَتِ الشَّرِكَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَيْسَتْ عَقْدًا مُسْتَقِلًّا، بَلْ وَكَالَةٌ كَسَائِرِ الْوَكَالاَتِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُ الشَّرِيكَيْنِ فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ؛ لِبَقَاءِ الإْذْنِ، وَمِثْلُهُ لِلْحَنَابِلَةِ .
ثَانِيًا: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ فِي الشَّرِكَةِ الَّتِي لَهَا مَالٌ يَكُونُ دَخْلُهَا لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ. فَفِي الشَّرِكَةِ لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ الْعَامَّةِ – إِذَا أَخَذَهُ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يَعْمَلِ الآْخَرُ شَيْئًا لإِعَانَتِهِ، فَهُوَ لِلَّذِي أَخَذَهُ؛ لأِنَّهُ الَّذِي بَاشَرَ سَبَبَ الْمِلْكِ، وَلاَ شَيْءَ لِشَرِيكِهِ. وَإِذَا أَخَذَاهُ مَعًا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لأِنَّ هُمَا اشْتَرَكَا فِي مُبَاشَرَةِ سَبَبِ الْمِلْكِ، فَإِذَا بَاعَاهُ – وَقَدْ عُلِمَتْ نِسْبَةُ مَا حَصَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فِي الْقِيَمِيِّ كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ، وَمِعْيَارِ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ كَكَيْلِ الْمَاءِ وَوَزْنِ الْمَعْدِنِ – فَالثَّمَنُ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ، وَإِنْ جُهِلَتِ النِّسْبَةُ، فَدَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُصَدَّقَةٌ فِي حُدُودِ النِّصْفِ؛ لأِنَّ هَا إِذَنْ لاَ تُخَالِفُ الظَّاهِرَ – إِذْ هُمَا حَصَّلاَهُ مَعًا، وَكَانَ بِأَيْدِيهِمَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ. أَمَّا دَعْوَى أَحَدِهِمَا فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ، فَلاَ تُقْبَلُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ؛ لأِنَّ هَا خِلاَفُ الظَّاهِرِ.
وَإِذَا أَخَذَ الشَّيْءَ الْمُبَاحَ أَحَدُهُمَا، وَأَعَانَهُ الآْخَرُ بِمَا لاَ يُعْتَبَرُ أَخْذًا – عَمَلاً كَانَ أَمْ غَيْرَهُ – كَأَنْ قَلَعَهُ، وَجَمَعَهُ الآْخَرُ، أَوْ قَلَعَهُ وَجَمَعَهُ وَرَبَطَهُ هُوَ، وَحَمَلَهُ الآْخَرُ، أَوِ اسْتَقَى الْمَاءَ، وَقَدَّمَ الآْخَرُ الْمَزَادَةَ أَوِ الْفِنْطَاسَ أَوِ الْبَغْلَ أَوِ الْعَرَبَةَ لِحَمْلِهِ – فَهُوَ كُلُّهُ لِلَّذِي أَخَذَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلَّذِي أَعَانَ، بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، إِلاَّ أُجْرَةُ مِثْلِهِ أَوْ مِثْلِ آلَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ؛ لأِنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ .
وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يُوَافِقُونَ فِي حَالَةِ انْفِرَادِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِالْعَمَلِ. أَمَّا فِي حَالَةِ وُقُوعِ الْعَمَلِ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ فَإِنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ثَلاَثِ حَالاَتٍ .
1) تَمَايُزُ الْعَمَلَيْنِ. فَيَكُونُ لِكُلٍّ كَسْبُهُ.
2) اخْتِلاَطُ الْعَمَلَيْنِ، لَكِنْ بِحَيْثُ لاَ تَلْتَبِسُ نِسْبَةُ أَحَدِهِمَا إِلَى الآْخَرِ. فَالْكَسْبُ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ.
3) اخْتِلاَطُ الْعَمَلَيْنِ، بِحَيْثُ تَلْتَبِسُ نِسْبَتُهُمَا. وَهُنَا يُخَالِفُونَ الْحَنَفِيَّةَ، وَيُبْدُونَ احْتِمَالَيْنِ:
الاِحْتِمَالُ الأْوَّلُ: التَّسَاوِي فِي الْكَسْبِ؛ لأِنَّهُ الأْصْلُ. وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ.
الاِحْتِمَالُ الثَّانِي: تَرْكُهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا.
وَهُنَاكَ مَوْضِعُ خِلاَفٍ آخَرُ: فَإِنَّ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي يُحَصِّلُهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى انْفِرَادٍ – فِي حَالَةِ الشَّرِكَةِ لِتَحْصِيلِ الْمُبَاحَاتِ – تَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ، مَا دَامَ الْفَرْضُ أَنَّهُ قَدْ حَصَّلَهَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي تَحْصِيلِ الْمُبَاحَاتِ: وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الرِّبْحَ فِي حَالَةِ عَمَلِ الشَّرِيكَيْنِ، يُقْسَمُ بِالتَّسَاوِي، إِذِ الْفَرْضُ أَنَّ سَبَبَ الاِسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ الْعَمَلُ، مُشْتَرَكٌ، ثُمَّ يَرْجِعُ كُلُّ شَرِيكٍ عَلَى شَرِيكِهِ بِأُجْرَةِ مَا عَمِلَ لَهُ: أَيْ بِنِصْفِ أُجْرَةِ عَمَلِهِ فِي الشَّرِكَةِ الثُّنَائِيَّةِ، وَثُلُثَيْ أُجْرَةِ عَمَلِهِ فِي الشَّرِكَةِ الثُّلاَثِيَّةِ، وَثَلاَثَةِ أَرْبَاعِ أُجْرَةِ عَمَلِهِ فِي الشَّرِكَةِ الرُّبَاعِيَّةِ، وَهَكَذَا دَوَالَيْكَ. إِلاَّ أَنَّ الشَّرِيفَ أَبَا جَعْفَرٍ، مِنْهُمْ، يَذْهَبُ فِي شَرِكَةِ الأْمْوَالِ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الشَّرِكَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ فِي قِسْمَةِ الرِّبْحِ: فَإِنْ شَرَطَا شَيْئًا فَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ؛ لأِنَّ عَقْدَ الشَّرِكَةِ يَصِحُّ عَلَى الْجَهَالَةِ، فَيَثْبُتُ الْمُسَمَّى فِي فَاسِدِهِ كَالنِّكَاحِ .
وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ، هِيَ، عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، مِنْ قَبِيلِ الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي لاَ مَالَ فِيهَا، وَلَهَا عِنْدَهُمْ ثَلاَثُ صُوَرٍ:
الصُّورَةُ الأْولَى: أَنْ يَتَّفِقَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَشْتَرِيهِ أَحَدُهُمَا بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ يَكُونُ الآْخَرُ شَرِيكًا لَهُ فِيهِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا.
وَمِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَنْ يُمَيِّزُ هَذِهِ الصُّورَةَ بِاسْمِ شَرِكَةِ الذِّمَمِ .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ مَا يَشْتَرِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَكُونُ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً، لَهُ رِبْحُهُ وَعَلَيْهِ وَضِيعَتُهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا يَشْتَرِيَانِهِ مَعًا، يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا شَرِكَةَ مِلْكٍ، حَسَبَ شُرُوطِ الْعَقْدِ.
وَلَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ يَقُولُونَ: بَلْ – بِرَغْمِ الْفَسَادِ – يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَا يَشْتَرِيَانِهِ مَعًا أَوْ يَشْتَرِيهِ أَحَدُهُمَا – عَلَى مَا شَرَطَاهُ .
وَيُلاَحَظُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، عَلَى هَذَا التَّصْوِيرِ، إِنَّمَا يَبْنِي عَلَى خُلُوِّ الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَوْكِيلِ كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ الآْخَرَ فِي الشِّرَاءِ لَهُ. فَلَوْ وُجِدَ هَذَا التَّوْكِيلُ، فَقَدْ نَصَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ جِدًّا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ تَكُونُ شَرِكَةَ عَنَانٍ صَحِيحَةً بِشَرْطِ بَيَانِ النِّسْبَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا – إِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُ الْمَالَيْنِ: وَإِذَنْ فَمَا يَخُصُّ الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يَتَوَلَّ الشِّرَاءَ مِنَ الثَّمَنِ، يَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ .
أَمَّا التَّوْكِيلُ – أَوِ الإْذْنُ – بِشِرَاءِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَهُمَا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، فَهَذَا صَحِيحٌ، وَيُؤَدِّي إِلَى شَرِكَةِ مِلْكٍ لاَ خَفَاءَ بِهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَيَاهُ مَعًا بِدَيْنٍ عَلَيْهِمَا، قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَلاَ يُطَالِبُ الْبَائِعُ كُلَّ شَرِيكٍ إِلاَّ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، مَا لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ الضَّمَانَ عَنْ شَرِيكِهِ، وَالَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي مِثْلِهِ تَنْزِيلُ الْوَكِيلِ مَنْزِلَةَ الضَّامِنِ .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَ وَجِيهٌ وَخَامِلٌ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَجِيهُ وَيَبِيعَ الْخَامِلُ. وَفِيهَا يَكُونُ مَا يَشْتَرِيهِ الْوَجِيهُ لَهُ خَاصَّةً. وَالْخَامِلُ لَيْسَ إِلاَّ عَامِلَ جِعَالَةٍ فَاسِدَةٍ لِجَهَالَةِ الْعِوَضِ، فَيَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ مِثْلِ عَمَلِهِ عَلَى الْوَجِيهِ – كَمَا قَرَّرَهُ الشَّافِعِيَّةُ .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَلَمْ يَخْتَلِفِ الْحُكْمُ الَّذِي أَعْطَوْهُ لِهَذِهِ الصُّورَةِ عَنِ الَّذِي أَعْطَوْهُ لِلصُّورَةِ الأْولَى – إِلاَّ بِالنَّصِّ عَلَى رُجُوعِ كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الآْخَرِ بِمَا عَمِلَ عَنْهُ. وَقَدْ نَازَعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، وَمَالَ إِلَى تَصْحِيحِ الشَّرِكَةِ.
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْمَلَ الْوَجِيهُ لِلْخَامِلِ فِي مَالِهِ، دُونَ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَالَ إِلَيْهِ، أَوْ تَقْتَصِرَ مُهِمَّةُ الْوَجِيهِ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَالَ الْخَامِلِ، وَلَوْ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِ،
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ بِشِقَّيْهَا مُضَارَبَةٌ فَاسِدَةٌ، إِمَّا لِكَوْنِ رَأْسِ الْمَالِ لَيْسَ نَقْدًا، وَإِمَّا لِعَدَمِ تَسْلِيمِهِ لِلْمُضَارِبِ.
فَيَكُونُ لِلْمُضَارِبِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ لاَ غَيْرُ وَلَمْ يَعْرِضِ الْمَالِكِيَّةُ لِلشِّقِّ الأْوَّلِ مِنَ التَّصْوِيرِ، وَهُمْ فِي الشِّقِّ الثَّانِي مُوَافِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ سَمَّوْهَا جُعْلاً وَزَادُوا أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ، لِمَكَانِ الْغِشِّ، إِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَائِمَةً – وَإِلاَّ فَعَلَيْهِ الأَْقَلُّ مِنْ ثَمَنِهَا، وَقِيمَتِهَا .
ثَالِثًا: حَيْثُ الْمَالُ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَفَسَدَتِ الشَّرِكَةُ لأِيِّ سَبَبٍ فَالدَّخْلُ لَهُ وَلِلآْخَرِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ: عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأِنَّ الدَّخْلَ نَمَاءُ الْمِلْكِ، كَمَا قَالُوهُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ: إِذْ يَتْبَعُ الزَّرْعُ الْبَذْرَ.
فَلَوْ عَهِدَ شَخْصٌ يَمْلِكُ بُيُوتًا أَوْ عَرَبَاتٍ أَوْ دَوَابَّ إِلَى آخَرَ لِيَقُومَ عَلَى تَأْجِيرِهَا، وَتَكُونَ الأْجْرَةُ بَيْنَهُمَا – فَلَيْسَ لِهَذَا الآْخَرِ إِلاَّ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَالدَّخْلُ كُلُّهُ لِلْمَالِكِ. كَمَا أَنَّهُ لَوِ احْتَاجَ شَخْصٌ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ بِضَاعَتَهُ فِي السُّوقِ إِلَى عَرَبَةٍ أَوْ دَابَّةٍ تَنْقُلُهَا، فَلَمْ يَقْبَلْ صَاحِبُ الْعَرَبَةِ أَوِ الدَّابَّةِ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا إِلاَّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفُ الرِّبْحِ فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَكُونُ لَغْوًا، وَالشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبِضَاعَةِ؛ لأِنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ أَوِ الْعَرَبَةِ إِلاَّ أُجْرَةُ مِثْلِهَا، لاِسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ .
وَعِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ كَذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الرِّبْحَ تَبَعٌ لِلْمَالِ . وَلِذَا يَقُولُ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَنَّ ثَلاَثَةً اشْتَرَكُوا، أَحَدُهُمْ بِمَالِهِ، وَالثَّانِي بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ بِهَذَا الْمَالِ، وَالثَّالِثُ بِبَيْعِ هَذِهِ السِّلْعَةِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمْ يَكُونُ الرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِكُلٍّ مِنْ شَرِيكَيْهِ سِوَى أُجْرَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ .
رَابِعًا: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَالُ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ فَالدَّخْلُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ الْمَالَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَتْ حِصَّةُ كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ فِي رِبْحِ شَرِكَةِ أَمْوَالٍ حِصَّةً مَجْهُولَةً. وَكَمَا لَوْ كَانَ لأِحَدِ اثْنَيْنِ شَاحِنَةٌ وَلِلآْخَرِ سَيَّارَةُ رُكُوبٍ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُؤَجِّرَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا يَخُصُّهُ وَمَا يَخُصُّ الآْخَرَ، وَمَا حَصَلَ مِنَ الدَّخْلِ بَيْنَهُمَا عَلَى سَوَاءٍ، أَوْ بِنِسْبَةٍ مَعْلُومَةٍ – فَإِنَّ هَذِهِ الشَّرِكَةَ فَاسِدَةٌ، إِذْ خُلاَصَتُهَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَالَ لِلآْخَرِ: بِعْ مَنَافِعَ هَذَا الشَّيْءِ الَّذِي تَمْلِكُهُ، وَمَنَافِعَ هَذَا الَّذِي أَمْلِكُهُ، عَلَى أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ هَذِهِ وَتِلْكَ قِسْمَةً بَيْنَنَا بِنِسْبَةِ كَذَا – وَلَيْسَ هَذَا إِلاَّ تَحْصِيلَ الرِّبْحِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ، دُونَ عَمَلٍ وَلاَ ضَمَانٍ، وَالرِّبْحُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِمَالٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ ضَمَانٍ: لَكِنْ إِذَا وُضِعَتْ هَذِهِ الشَّرِكَةُ الْفَاسِدَةُ مَوْضِعَ التَّنْفِيذِ فَإِنْ أَجَّرَا السَّيَّارَتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَجْرُ مِلْكِهِ وَإِنْ أَجَّرَا السَّيَّارَتَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فِي عَمَلٍ مَعْلُومٍ، فَهِيَ إِجَارَةٌ صَحِيحَةٌ، وَالأْجْرَةُ الْمُتَحَصِّلَةُ إِنَّمَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى مِثْلِ أُجْرَةِ مَا يَمْلِكُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا – كَمَا يُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْمَبِيعَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ . لاَ عَلَى مَا تَشَارَطَا؛ لأِنَّ الشَّرْطَ فِي ضِمْنِ الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ لَغْوٌ، لاَ اعْتِدَادَ بِهِ .
وَهَذَا الْحُكْمُ الَّذِي أَخَذَهُ هَذَا الْقِسْمُ (حَيْثُ الْمَالُ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ) كَقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ، هُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. فَقَدْ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَالُوا: يَرْجِعُ كُلُّ شَرِيكٍ عَلَى شَرِيكِهِ الآْخَرِ بِأُجْرَةِ مِثْلِ مَا عَمِلَ لَهُ – إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا.
غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ وَاقِفُونَ أَبَدًا مَعَ أَصْلِهِمُ الَّذِي أَصَّلُوهُ فِي الْمُزَارَعَةِ – كَمَا أَسْلَفْنَاهُ وَجَرَوْا عَلَى سُنَنِهِ كُلَّمَا كَانَ لَهُ مَجَالٌ: وَلِذَا نَجِدُهُمْ يَقُولُونَ – فِيمَا لَوِ اشْتَرَكَ ثَلاَثَةٌ: أَحَدُهُمْ بِدَارِهِ، وَالثَّانِي بِدَابَّتِهِ، وَالثَّالِثُ بِرَحَاهُ، عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى عَمَلَ الطَّحْنِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، وَلْيَكُنْ صَاحِبَ الدَّابَّةِ – أَنَّ الْغَلَّةَ كُلَّهَا تَكُونُ لِلَّذِي انْفَرَدَ بِالْعَمَلِ، وَعَلَيْهِ لِلآْخَرَيْنِ أُجْرَةُ مِثْلِ مَا قَدَّمُوا . وَهُوَ مَسْلَكٌ لاَ يَكَادُ يَسْلُكُهُ سِوَاهُمْ. وَمِثَالُ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الشَّاحِنَةِ وَسَيَّارَةِ الرُّكُوبِ، إِذَا انْفَرَدَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِالْعَمَلِ.
ثُمَّ قَدْ يَقَعُ الْخِلاَفُ أَيْضًا مِنَ الآْخَرَيْنِ فِي طَرِيقِ التَّطْبِيقِ: فَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي مَسْأَلَةِ الدَّابَّتَيْنِ، عَلَى أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ لَوْ تَقَبَّلاَ عَمَلَ شَيْءٍ مَعْلُومٍ إِلَى مَكَانٍ مَعْلُومٍ فِي ذِمَّتِهِمَا، ثُمَّ حَمَلاَ عَلَى الدَّابَّتَيْنِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ شَرِكَةً صَحِيحَةً، وَالأْجْرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ مَعَ أَنَّ أُصُولَ الْحَنَابِلَةَ لاَ تُسَاعِدُهُ، إِذْ لاَ بُدَّ عِنْدَهُمْ لِلصِّحَّةِ مِنْ عَقْدِ تَقَبُّلٍ عَامٍّ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ سَابِقٍ عَلَى هَذَا التَّقَبُّلِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَلَى أَنَّ ابْنَ قُدَامَةَ عَادَ فَأَبْدَى احْتِمَالَ تَصْحِيحِ الشَّرِكَةِ عَلَى شَرْطِهَا – حَتَّى فِي حَالَةِ مَا إِذَا أَجَّرَ الشَّرِيكَانِ الدَّابَّتَيْنِ إِجَارَةَ عَيْنٍ قِيَاسًا عَلَى صِحَّةِ الشَّرِكَةِ عِنْدَهُمْ فِي تَحْصِيلِ الْمُبَاحَاتِ .
مُلْحَقٌ:
فِي الشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ، كَيْفَ يُطَالِبُ الْبَائِعُ بِثَمَنِ مَا بَاعَهُ مِنْ أَحَدِ شَرِيكَيْهَا – إِذَا غَابَ أَحَدُهُمَا وَحَضَرَ الآْخَرُ؟
يَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الأْحْوَالَ ثَلاَثَةٌ:
الْحَالَةُ الأْولَى: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ يَعْلَمُ فَسَادَ الشَّرِكَةِ: فَلاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ مُطَالَبَةِ الشَّرِيكِ الْحَاضِرِ إِلاَّ بِحِصَّتِهِ فِي الثَّمَنِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ يَعْلَمُ بِالشَّرِكَةِ، وَلاَ يَعْلَمُ بِفَسَادِهَا: وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ حَقُّ مُطَالَبَةِ الشَّرِيكِ الْحَاضِرِ، بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ لاَ يَعْلَمُ بِالشَّرِكَةِ نَفْسِهَا: وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِنْ كَانَ الشَّرِيكُ الْحَاضِرُ هُوَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ، طَالَبَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لأِنَّهُ لَمْ يَتَعَاقَدْ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ لِغَيْرِهِ فِي النِّصْفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ، فَإِنَّمَا يُطَالِبُهُ بِحِصَّةٍ فِي الثَّمَنِ لاَ غَيْرُ، لأِنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ إِلاَّ مُقَابِلَ هَذِهِ الْحِصَّةِ مِنَ السِّلْعَةِ.
هَكَذَا حَكَوْهُ عَنِ اللَّخْمِيِّ وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ خِلاَفُهُ، فَانْظُرْهُ إِنْ شِئْتَ.
أَسْبَابُ انْتِهَاءِ الشَّرِكَةِ:
الأْسْبَابُ الْعَامَّةُ:
أَسْبَابُ الاِنْتِهَاءِ الْعَامَّةِ هِيَ الَّتِي لاَ تَخُصُّ شَرِكَةً دُونَ شَرِكَةٍ، بَلْ تَجِيءُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشَّرِكَاتِ وَهِيَ:
أَوَّلاً – فَسْخُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَقَدْ سَلَفَ الْكَلاَمُ عَلَى هَذَا، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْعَقْدِ.
ثَانِيًا: نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ إِنْكَارَ أَحَدِهِمَا الشَّرِكَةَ بِمَثَابَةِ فَسْخِهَا، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ وَقَعَ، لاَمْتَنَعَ عَلَى الشَّرِيكِ الآْخَرِ، بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ، وَعَلَى الْمُنْكِرِ نَفْسِهِ التَّصَرُّفُ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ. فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهَا كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا، كَالْغَاصِبِ وَلَهُ رِبْحُهَا وَعَلَيْهِ خَسَارَتُهَا، لأِنَّهُ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا – وَإِنْ كَانَ لاَ يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ . وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ – خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى الْبُطْلاَنِ بِالإْنْكَارِ فِي الْوَكَالَةِ، إِذَا كَانَ الإْنْكَارُ مُتَعَمَّدًا وَلاَ يَرْمِي بِهِ إِلَى غَرَضٍ آخَرَ – كَصِيَانَةِ مَالِ الْوَكَالَةِ مِنْ أَنْ تَنَالَهُ يَدُ ظَالِمٍ غَاشِمٍ – وَالشَّرِكَةُ عِنْدَهُمْ لَيْسَتْ إِلاَّ وَكَالَةً.
ثَالِثًا: جُنُونُ أَحَدِهِمَا جُنُونًا مُطْبِقًا . وَهُوَ لاَ يَصِيرُ مُطْبِقًا إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَسْتَمِرَّ شَهْرًا أَوْ سَنَةً كَامِلَةً – عَلَى خِلاَفٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ . فَلاَ تَنْتَهِي الشَّرِكَةُ إِلاَّ إِذَا مَضَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ بَعْدَ ابْتِدَائِهِ.
وَإِنَّمَا تَبْطُلُ الشَّرِكَةُ؛ لأِنَّ هَا تَعْتَمِدُ الْوَكَالَةَ وَلاَ تَنْفَكُّ عَنْهَا، وَالْوَكَالَةُ تَبْطُلُ بِالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ، لِسَلْبِهِ الأْهْلِيَّةَ.
وَيَعُودُ هُنَا فِي تَصَرُّفِ الشَّرِيكِ الآْخَرِ فِي حِصَّةِ الْمَجْنُونِ مَا سَلَفَ فِي الإْنْكَارِ وَنَصَّ عَلَى هَذَا الْمُبْطِلِ أَيْضًا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ دُونَ تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ .
رَابِعًا: مَوْتُ أَحَدِهِمَا: لأِنَّ الْمَوْتَ مُبْطِلٌ لِلْوَكَالَةِ، وَالْوَكَالَةُ الضِّمْنِيَّةُ جُزْءٌ مِنْ مَاهِيَّةِ الشَّرِكَةِ لاَ تَنْفَكُّ عَنْهَا ابْتِدَاءً وَلاَ بَقَاءً، ضَرُورَةَ الْحَاجَةِ إِلَى ثُبُوتِ وَاسْتِمْرَارِ وِلاَيَةِ التَّصَرُّفِ لِكِلاَ الشَّرِيكَيْنِ عَنِ الآْخَرِ، مُنْذُ قِيَامِ الشَّرِكَةِ إِلَى انْتِهَائِهَا. إِلاَّ أَنَّ بُطْلاَنَ الشَّرِكَةِ فِي الأْمْوَالِ بِالْمَوْتِ، لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الشَّرِيكِ بِهِ؛ لأِنَّهُ عَزْلٌ حُكْمِيٌّ غَيْرُ مَقْصُودٍ لاَ يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرُهُ، إِذْ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ يَنْتَقِلُ شَرْعًا مِلْكُ مَالِ الْمَيِّتِ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَلاَ يُمْكِنُ إِيقَافُ مَا نَفَّذَهُ الشَّرْعُ .
وَإِنَّمَا تَبْطُلُ الشَّرِكَةُ بِالْمَوْتِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَيِّتِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى شَرِيكٍ وَاحِدٍ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ الشَّرِكَةِ بِالضَّرُورَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ شَرِيكٍ، فَإِنَّ شَرِكَةَ الْبَاقِينَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ بَاقِيَةٌ .
وَنَصَّ عَلَى هَذَا الْمُبْطِلِ أَيْضًا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ .
وَيُقَرِّرُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ لِلْوَارِثِ الرَّشِيدِ الْخِيَارَ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَاسْتِئْنَافِ الشَّرِكَةِ، وَأَنَّ عَلَى وَلِيِّ الْوَارِثِ غَيْرِ الرَّشِيدِ، أَوْ وَلِيِّ الشَّرِيكِ الَّذِي انْتَهَتِ الشَّرِكَةُ بِجُنُونِهِ، أَنْ يَخْتَارَ مِنْ هَذَيْنِ الأْمْرَ يْنِ أَصْلَحَهُمَا لِمَحْجُورِهِ. نَعَمْ إِنْ كَانَ عَلَى التَّرِكَةِ دَيْنٌ، أَوْ فِيهَا وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، تَوَقَّفَ جَوَازُ اسْتِئْنَافِ الشَّرِكَةِ عَلَى قَضَائِهِمَا – وَلَوْ مِنْ خَارِجِ التَّرِكَةِ، لأِنَّ هُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالتَّرِكَةِ تَعَلُّقَ الرَّهْنِ، وَالْمَرْهُونُ لاَ تَصِحُّ الشَّرِكَةُ فِيهِ.
وَالْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنُ بِمَثَابَةِ الْوَارِثِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيُعْتَبَرُ كَأَحَدِ الْوَرَثَةِ عِنْدَ التَّعَدُّدِ. وَفِي اسْتِئْنَافِ الشَّرِكَةِ يَكْتَفِي الشَّافِعِيَّةُ بِصِيغَةِ التَّقْرِيرِ – وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ عِبَارَاتِهِمْ مَا يُفِيدُ قَصْرَ هَذَا الاِكْتِفَاءِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ مَالُ الشَّرِكَةِ عُرُوضًا .
خَامِسًا: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِلِحَاقِ أَحَدِهِمَا بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا تَنْتَهِي بِهِ الشَّرِكَةُ لأِنَّهُ بِهَذَا يَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ، وَالْقَضَاءُ بِهِ عِنْدَهُمْ مَوْتٌ حُكْمِيٌّ. بَلْ يَرَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ بِالْقَضَاءِ الْمَذْكُورِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذَا الْمَوْتَ الْحُكْمِيَّ كَانَ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ فَإِذَا بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ بِهَذَا السَّبَبِ، ثُمَّ عَادَ الشَّرِيكُ مُسْلِمًا، فَلاَ جَدْوَى بِالنِّسْبَةِ لِلشَّرِكَةِ: فَقَدْ بَطَلَتْ وَقُضِيَ الأْمْرُ .
أَمَّا الرِّدَّةُ بِدُونِ هَذَا الْقَضَاءِ – سَوَاءٌ اقْتَرَنَتْ بِاللِّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ أَمْ لاَ – فَإِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا إِيقَافُ الشَّرِكَةِ: حَتَّى إِذَا رَجَعَ الْمُرْتَدُّ إِلَى الإْسْلاَمِ عَادَتْ سِيرَتَهَا الأْولَى، وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ، تَبَيَّنَ بُطْلاَنُهَا مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ .
سَادِسًا: مُخَالَفَةُ شُرُوطِ الْعَقْدِ: كَمَا لَوْ تَجَاوَزَ الشَّرِيكُ حُدُودَ الْمَكَانِ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ إِلاَّ أَنَّ الْبُطْلاَنَ يَكُونُ بِمِقْدَارِ الْمُخَالَفَةِ كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا، فَمِثَالُ الْمُخَالَفَةِ الْكُلِّيَّةِ مَا لَوْ نَهَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الآْخَرَ عَنِ الْخُرُوجِ بِالْبِضَاعَةِ، فَخَرَجَ بِهَا. وَمِثَالُ الْمُخَالَفَةِ الْجُزْئِيَّةِ: أَنْ يَبِيعَ نَسِيئَةً وَلاَ يُجِيزَهُ شَرِيكُهُ، فَيَبْطُلَ الْبَيْعُ فِي حِصَّةِ الشَّرِيكِ، وَيَنْفُذَ فِي حِصَّةِ الْبَائِعِ – وَفِي هَذِهِ الْحِصَّةِ تَبْطُلُ الشَّرِكَةُ حِينَئِذٍ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يُرَتِّبُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ شُرُوطِ الْعَقْدِ، بَلْ وَطَبِيعَتِهِ، إِلاَّ إِعْطَاءَ الشَّرِيكِ الآْخَرِ حَقَّ رَدِّ التَّصَرُّفِ الَّذِي وَقَعَتْ بِهِ الْمُخَالَفَةُ، وَتَضْمِينَ الْمُخَالِفِ – إِنْ ضَاعَ الْمَالُ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِ. فَقَدْ نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ فِيمَا إِذَا اسْتَبَدَّ بِالتَّصَرُّفِ شَرِيكُ الْعَنَانِ؛ لأِنَّ هَا تَقْتَضِي عَدَمَ اسْتِبْدَادِ شَرِيكٍ بِالتَّصَرُّفِ لِلشَّرِكَةِ، دُونَ مُرَاجَعَةِ شَرِيكِهِ وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ تَصَرُّفِ الشَّافِعِيَّةِ بِإِزَاءِ بَيْعِ الشَّرِيكِ نَسِيئَةً دُونَ إِذْنِ شَرِيكِهِ، بِاعْتِبَارِهِ عِنْدَهُمْ لاَ يَسْتَمِدُّ حَقَّ الْبَيْعِ نَسِيئَةً مِنْ طَبِيعَةِ عَقْدِ الشَّرِكَةِ .
سَابِعًا: ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مِنَ الْمُبْطِلاَتِ. طُرُوَّ الْحَجْرِ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِسَفَهٍ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ الْحَجْرَ لِلْفَلَسِ إِلاَّ أَنَّهُ مُبْطِلٌ جُزْئِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَلَسِ: بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ مِنَ الْمُفَلِّسِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ أَيُّ تَصَرُّفٍ سَلَبَهُ الْحَجْرُ إِيَّاهُ. وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي الذِّمَّةِ يَنْفُذَانِ مِنَ الْمُفَلِّسِ. أَمَّا السَّفِيهُ، فَلاَ يَصِحُّ لَهُ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ إِلاَّ فِي الْوَصِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ. فَعَلَى هَذَا إِذَا بَاعَ الْمُفَلِّسُ أَوْ شَرِيكُهُ شَيْئًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ نَفَذَ فِي نَصِيبِ غَيْرِ الْمُفَلِّسِ وَإِذَا اشْتَرَى الْمُفَلِّسُ لِلشَّرِكَةِ فِي ذِمَّتِهِ نَفَذَ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ .
الأْسْبَابُ الْخَاصَّةُ:
أَوَّلاً: هَلاَكُ الْمَالِ فِي شَرِكَةِ الأْمْوَالِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: وَصُورَتُهُ أَنْ يَهْلِكَ الْمَالاَنِ، أَعْنِي مَالَ كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ: سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الشِّرَاءِ بِمَالِ الشَّرِكَةِ أَمْ بَعْدَهُ، أَوْ يَهْلِكَ مَالُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الشِّرَاءِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ. وَالشِّقُّ الثَّانِي مِنَ التَّرْدِيدِ لاَ يُتَصَوَّرُ إِلاَّ إِذَا كَانَ مَالُ هَذَا الأْحَدِ مُتَمَيِّزًا مِنْ مَالِ الآْخَرِ؛ لاِخْتِلاَفِ الْجِنْسِ، أَوْ لِعَدَمِ الاِخْتِلاَطِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَالاَنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَقَدْ خُلِطَا، فَإِنَّ مَا يَهْلِكُ مِنْهُمَا يَهْلِكُ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ كِلَيْهِمَا – إِذْ لاَ يُمْكِنُ الْقَطْعُ بِأَنَّ الَّذِي هَلَكَ هُوَ مَالُ هَذَا دُونَ ذَاكَ، وَمَا بَقِيَ فَعَلَى الشَّرِكَةِ. وَالسِّرُّ فِي بُطْلاَنِ الشَّرِكَةِ بِهَلاَكِ الْمَالِ، أَنَّهُ عِنْدَمَا يَهْلِكُ مَالُ الشَّرِكَةِ كُلُّهُ يَكُونُ قَدْ هَلَكَ مَحَلُّ الْعَقْدِ الْمُتَعَيَّنُ لَهُ، وَالْعَقْدُ يَبْطُلُ بِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، كَالْبَيْعِ إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ. وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ الْهَالِكُ هُنَا مَحَلًّا لِلْعَقْدِ. لأِنَّ الأْثْمَانَ – وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَتَعَيَّنُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ لِئَلاَّ تَخْرُجَ عَنْ طَبِيعَةِ الثَّمَنِيَّةِ، وَتَصِيرَ سِلْعَةً مَقْصُودَةً بِذَاتِهَا – فَإِنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي غَيْرِهَا، كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ – مِنْ كُلِّ عَقْدٍ لاَ يَكُونُ بِإِزَائِهَا فِيهِ عِوَضٌ. وَهَذِهِ هِيَ طَبِيعَةُ الشَّرِكَةِ .
فَإِذَا بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ بِهَلاَكِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ قَبْلَ الشِّرَاءِ، فَالْمَالُ الآْخَرُ خَالِصٌ لِصَاحِبِهِ، وَمَا يَشْتَرِيهِ بِهِ بَعْدُ يَكُونُ لَهُ خَاصَّةً لاَ سَبِيلَ لِمَنْ هَلَكَ مَالُهُ عَلَيْهِ، لاَ مِنْ طَرِيقِ الشَّرِكَةِ، لِمَا عُلِمَ مِنْ بُطْلاَنِهَا، وَلاَ مِنْ طَرِيقِ الْوَكَالَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي ضِمْنِهَا؛ لأِنَّ بُطْلاَنَ الشَّرِكَةِ يَسْتَتْبِعُ بُطْلاَنَهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَا يَشْتَرِيهِ صَاحِبُ الْمَالِ الْبَاقِي مُشْتَرَكًا بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ؛ لأِنَّ الْوَكَالَةَ الصَّرِيحَةَ لاَ تَبْطُلُ بِبُطْلاَنِ الشَّرِكَةِ . وَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّةٍ مِنَ الثَّمَنِ. لَكِنَّهَا إِذَنْ شَرِكَةُ مِلْكٍ، إِذْ لاَ عَقْدَ شَرِكَةٍ بَيْنَهُمَا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ هَلاَكَ أَحَدِ الْمَالَيْنِ عَلَى الشَّرِكَةِ بِإِطْلاَقٍ، وَالْبَاقِي بِلاَ هَلاَكٍ لِلشَّرِكَةِ كَذَلِكَ؛ لأِنَّ هُمْ يَحْكُمُونَ بِاشْتِرَاكِ الْمَالَيْنِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الشَّرِكَةِ، وَيَقُولُونَ إِنَّ الْمَالَ يُقْسَمُ بِكَلِمَةٍ، كَمَا فِي الْخَرْصِ، فَلاَ غَرْوَ أَنْ يُشْتَرَكَ فِيهِ بِكَلِمَةٍ، كَمَا فِي الشَّرِكَةِ. فَإِذَا كَانَتِ الشَّرِكَةُ بِالْمَالِ مُنَاصَفَةً، اقْتَضَى مُجَرَّدُ عَقْدِهَا ثُبُوتَ الْمِلْكِ لِكُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ فِي نِصْفِ مَالِ صَاحِبِهِ وَتَوَسَّطَ الْمَالِكِيَّةُ فِي مُعْتَمَدِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ هَلاَكَ أَحَدِ الْمَالَيْنِ قَبْلَ خَلْطِهِمَا، وَلَوْ خَلْطًا حُكْمِيًّا، يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِهِ خَاصَّةً، لاَ مِنْ ضَمَانِ الشَّرِكَةِ – وَمَعَ ذَلِكَ تَبْقَى الشَّرِكَةُ: بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يُشْتَرَى بِالْمَالِ الْبَاقِي لَهَا، وَعَلَى الشَّرِيكِ الَّذِي تَلِفَ مَالُهُ حِصَّتُهُ فِي الثَّمَنِ – إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ بَعْدَ عِلْمِ الْمُشْتَرِي بِهَلاَكِ الْمَالِ الآْخَرِ وَلَمْ يُرِدْهُ لِلشَّرِكَةِ الشَّرِيكُ الَّذِي هَلَكَ مَالُهُ، أَوْ أَرَادَهُ وَلَكِنِ ادَّعَى الآْخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ:
فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْمَالِ الْبَاقِي وَحْدَهُ .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ، فَلَمْ أَرَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ كَلاَمًا صَرِيحًا. وَلَكِنَّ مُقْتَضَى جَعْلِهِمُ الْخَلْطَ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ الشَّرِكَةِ بُطْلاَنُ الشَّرِكَةِ، بِهَلاَكِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ فِيمَا عَدَاهُ أَوْ هَلاَكُ الْمَالَيْنِ جَمِيعًا .
ثَانِيًا: فَوَاتُ التَّسَاوِي فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ: سَوَاءٌ كَانَ الْفَائِتُ هُوَ التَّسَاوِي فِي رَأْسِ الْمَالِ، أَمْ فِي أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، وَإِذَا بَطَلَتِ الْمُفَاوَضَةُ بِهَذَا أَوْ ذَاكَ، انْقَلَبَتْ عَنَانًا، لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْعَنَانِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ .
ثَالِثًا: انْتِهَاءُ الْمُدَّةِ فِي الشَّرِكَةِ الْمُؤَقَّتَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّأْقِيتَ صَحِيحٌ عِنْدَ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ عَدَا الطَّحَاوِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ – 2012 م الجزء / الحادي والأربعون، الصفحة / 183
مَا يَجِبُ فِيهِ النُّقُودُ وَلاَ يَجُوزُ الْعَرْضُ:
رَأْسُ مَالِ شَرِكَةِ الْعَقْدِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَعْلِ الْعُرُوضِ رَأْسَ مَالٍ فِي شَرِكَةِ الْعَقْدِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَعَامَّةُ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الأَْثْمَانِ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَرْضًا وَلَوْ كَانَ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا؛ لأَِنَّ الشَّرِكَةَ تَقْتَضِي الرُّجُوعَ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ بِرَأْسِ الْمَالِ أَوْ بِمِثْلِهِ، فَلَوْ كَانَ عَرْضًا تَعَذَّرَ رُجُوعُ كُلٍّ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ إِلَى حَقِّهِ بِيَقِينٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَرْضُ الْمِثْلِيُّ رَأْسَ مَالِ شَرِكَةٍ، وَيُرْجَعُ عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ بِمِثْلِهِ.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: تَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِالْعُرُوضِ إِلاَّ إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ طَعَامًا مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلاَ تَجُوزُ، (ر: شَرِكَة الْعَقْدِ ف 44).