loading

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

الأحكام

1- من المقرر أن الدستور قد قضى فى المادة 44 منه على أن " للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا بأمر قضائي مسبب ، وفقاً لأحكام القانون " وهو نص عام مطلق لم يرد عليه ما يخصصه أو يقيده مما مؤداه أن هذا النص الدستوري يستلزم فى جميع أحوال تفتيش المساكن صدور الأمر القضائي المسبب ، وذلك صوناً لحرمة المساكن التي تنبثق من الحرية الشخصية التي تتعلق بكيان الفرد وحياته الخاصة ، ومسكنه الذي يأوى إليه ، وهو موضع سره وسكينته ، ولذلك حرص الدستور على تأكيد حظر انتهاك حرمة المسكن سواء بدخوله أو بتفتيشه ما لم يصدر أمر قضائي مسبب دون أن يستثنى من ذلك حالة التلبس التي لا تجيز - وفقاً لنص المادة 41 من الدستور- سوى القبض على الشخص وتفتيشه أينما وجد . لما كان ذلك، وكان مفاد ما قضى به نص المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية من تخويل مأمور الضبط القضائي الحق فى إجراء تفتيش مسكن المتهم فى حالة التلبس بجناية أو جنحة دون أن يصدر له أمر قضائي مسبب ممن يملك سلطة التحقيق، يخالف حكم المادة 44 من الدستور على النحو السالف البيان ، فإن حكم المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية يعتبر منسوخاً ضمناً بقوة الدستور نفسه منذ العمل بأحكامه دون تربص صدور قانون أدنى، ويكون دخول المسكن أو تفتيشه بأمر قضائي مسبب إجراء لا مندوحة عنه منذ ذلك التاريخ . لما كان ذلك ، وكانت مدونات الحكم المطعون فيه ، لا يتبين منها أن تفتيش مسكن الطاعن كان بناء على إذن تفتيش مسبب ، أو كان بناء على رضاء صريح حر لا لبس فيه من صاحب المسكن - الطاعن - قبل دخوله ، وكان الحكم المطعون فيه قد عوَّل فى قضائه بإدانة الطاعن وباقى المحكوم عليهم - من بين ما عول - على الدليل المستمد من نتيجة التفتيش التى أسفرت عن المضبوطات التى عثر عليها بهذا المسكن ، دون أن يرد على ما أثاره الطاعن فى شأن بطلانه مع أنه لو صح لما جاز الاستناد إليه كدليل فى الدعوى ، فإن الحكم يكون معيباً بالقصور الذى يبطله .

 ( الطعن رقم 70064 لسنة 74 ق - جلسة 2008/10/05 - س 59 ص 396 ق 72 )

2- لما كان قضاء هذه المحكمة - محكمة النقض - قد جرى على أنه لما كان الدستور هو القانون الوضعى الأسمى صاحب الصدارة على ما دونه من تشريعات يجب أن تنزل على أحكامه فإذا تعارضت هذه مع تلك وجب التزام أحكام الدستور وإهدار ما سواها يستوى فى ذلك أن يكون التعارض سابقاً أم لاحقاً على العمل بالدستور . لما هو مقرر من أنه لا يجوز لسلطة أدنى فى مدارج التشريع أن تلغى أو تعدل أو تخالف تشريعاً صادراً من سلطة أعلى فإذا فعلت السلطة الأدنى ذلك تعين على المحكمة أن تلتزم تطبيق التشريع صاحب السمو والصدارة ألا وهو الدستور وإهدار ما عداه من أحكام متعارضة معه أو مخالفة له إذ تعتبر منسوخة بقوة الدستور ذاته . هذا وقد أيدت المحكمة الدستورية العليا هذا الاتجاه بطريق غير مباشر وذلك عندما قضت محكمة النقض بتاريخ 24 من مارس سنة 1975 باعتبار المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية تخالف نص المادة 44 من الدستور واعتبرتها منسوخة بقوة الدستور ثم جاءت المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 2 من يونيو سنة 1984 وقضت بعدم دستورية المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية فى القضية رقم 5 لسنة 4 قضائية دستورية ولم تذهب المحكمة الدستورية العليا إلى القول بأن قضاء محكمة النقض السابق جاوز اختصاصه أو فيه اعتداء على سلطة المحكمة العليا التى كانت قائمة قبل المحكمة الدستورية العليا وبذات الاختصاص . كما صدر بتاريخ 15 من سبتمبر سنة 1993 حكم آخر لمحكمة النقض باعتبار المادة 49 من قانون الإجراءات الجنائية منسوخة بقوة الدستور لمخالفتها المادة 41 منه ولم يصدر حكم للمحكمة الدستورية العليا بعد فى هذا الشأن . وخلاصة ما سلف إيراده أنه فى الأحوال التى يرى فيها القضاء العادى أن القانون قد نسخه الدستور بنص صريح ، لا يعتبر حكمه فاصلاً فى مسألة دستورية ، ولا يحوز هذا الحكم بذلك سوى حجية نسبية فى مواجهة الخصوم دون الكافة . 

( الطعن رقم 30342 لسنة 70 ق - جلسة 2004/04/28 - س 55 ع 1 ص 454 ق 61 )

3- المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة في يوم السبت 2 يونيه سنة 1984م الموافق 2 رمضان سنة 1404 هـ . 

المؤلفة برئاسة السيد المستشار الدكتور/ فتحى عبد الصبور                                   رئيس المحكمة

وحضورالسادة المستشارين: محمد على راغب بليغ ومصطفى جميل مرسى   وممدوح مصطفى حسن ومنير أمين عبد المجيد ورابح لطفى جمعة وفوزى أسعد مرقس.                                                 أعضاء     

وحضور السيد المستشار الدكتور/ محمد إبراهيم أبوالعينين                                   المفوض

وحضور السيد / أحمد على فضل الله                                                                     أمين السر

 

                                                                                                           أصدرت الحكم الآتى

فى القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 5 لسنة 4 قضائية "دستورية ".

بعد أن أحالت محكمة جنايات القاهرة ملف الجناية رقم 28 لسنة 1980 مخدرات قسم الازبكيه و المقيده برقم 1014 لسنة 1980 كلي مخدرات القاهرة . 

المرفوعة من النيابة العامة

                    ضد

1- السيد / زكى محمد الصوفى

2- السيد / محمد رمضان الجندى

3- السيد / حسن احمد عبد الحميد

4- السيد / محمود محمد محمود رمضان

"الإجراءات"

بتاريخ 10 يناير سنة 1982 ورد الى قلم كتاب المحكمة ملف الجناية رقم 28 لسنة 1980 مخدرات الازبكيه المقيدة برقم 1014 لسنة 1980 كلى مخدرات القاهرة بعد أن قضت محكمة جنايات القاهرة بجلسة 28 أكتوبر سنة 1981 بوقف الدعوى واحالة الأوراق الى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى مدى دستورية المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية .

وقدمت ادارة قضايا الحكومة مذكرة طلبت فيها رفض الدعوى .

وبعد تحضير الدعوى ، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.

ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ، حيث التزمت هيئة المفوضين رأيها. وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم .

"المحكمة "

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة .

وحيث أن الدعوى استوفت أوضاعها القانونية .

وحيث إن الوقائع -على مايبين من قرار الإحالة وسائر الأوراق- تتحصل فى أن النيابة العامة أسندت إلى المتهمين فى الجناية رقم 28 لسنة 1980 مخدرات الازبكيه المقيدة برقم 1014 لسنة 1980 كلى مخدرات القاهرة ارتكابهم جرائم صنع وإحراز وحيازة جواهر مخدرة بقصد  الاتجار وفى غير الأحوال المصرح بها قانوناً ،أحيل المتهمون الى محكمة جنايات القاهرة لمحاكمتهم حيث رأت المحكمة أن رجال الضبطية القضائية قاموا بتفتيش مسكنى المتهمين الأول والثانى دون اذن من النيابة العامة استناداً الى قيام حالة التلبس إعمالا لنص المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية التى أجازت لمأمور الضبط القضائى فى حالة التلبس بجناية أو جنحة أن يفتش منزل المتهم. وإذ تراءى لمحكمة الجنايات بجلسة 28 أكتوبر سنة 1981 عدم دستورية نص هذه المادة - وهو لازم للفصل فى الدعوى - تأسيساً على أن ثمت تناقضا بين هذا النص وما تقضى به المادة 44 من الدستور من عدم جواز دخول المساكن ولا تفتيشها إلا بأمر قضائى مسبب وفقا لاحكام القانون، فقد قضت بوقف الدعوى واحالة الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل فى المسألة الدستورية .

وحيث إن إدارة قضايا الحكومة قد طلبت رفض الدعوى استناداً إلى أن المادة 44 من الدستور وأن نصت على عدم جواز دخول المنازل ولا تفتيشها إلا بأمر قضائى مسبب كقاعدة عامة الا أنها تركت بيان ذلك إلى أحكام التشريع العادى ، والى أن المادة 41 من الدستور تجيز تفتيش الشخص دون أمر قضائى فى حالة التلبس مما يجوز معه من باب أولى تفتيش مسكنه فى حالة التلبس بضبط الأشياء التى تفيد فى كشف الحقيقة باعتبار أن الحرية الشخصية أسمى من حرمة المسكن .

وحيث إن الدستور قد حرص- فى سبيل حماية الحريات العامة - على كفالة الحرية الشخصية لاتصالها بكيان الفرد منذوجوده فأكدت المادة 41 من الدستور على أن "الحرية الشخصية حق طبيعى وهى مصونة لا تمس " كما نصت المادة 44 من الدستور على ان " للمساكن حرمة " ثم قضت الفقرة الأولى من المادة 45 منه بأن "لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون" غير أن الدستور لم يكتف فى تقرير هذه الحماية الدستورية بايراد ذلك فى عبارات عامة كما كانت تفعل الدساتير السابقة التى كانت تقرر كفالة الحرية الشخصية وما تفرع عنها من حق الأمن وعدم القبض أو الاعتقال وحرمة المنازل وعدم جواز دخولها أو مراقبتها (المواد 8 من دستور سنة 1923، 41 من دستور سنة 1956، 23 من دستور سنة 1964) تاركة للمشرع العادى السلطة الكاملة دون قيود فى تنظيم هذه الحريات، ولكن أتى دستور سنة 1971 بقواعد أساسية تقرر ضمانات عديدة لحماية الحرية الشخصية وما يتفرع عنها من حريات وحرمات ورفعها الى مرتبة القواعد الدستورية - ضمنها المواد من  41 إلى 45 منه- حيث لا يجوز للمشرع العادى أن يخالف تلك القواعد وما تضمنته من كفالة لصون تلك الحريات وإلا جاء عمله مخالفاً للشرعية الدستورية . 

وحيث إن المشرع الدستورى -توفيقا بين حق الفرد فى الحرية الشخصية وفى حرمة مسكنه وحياته الخاصة وبين حق المجتمع فى عقاب الجانى وجمع أدلة إثبات الجريمة ونسبتها إليه قد أجاز تفتيش الشخص أو المسكن كإجراء من إجراءات التحقيق بعد أن أخضعه لضمانات معينة لا يجوز إهدارهاتاركاً للمشرع العادى أن يحدد الجرائم التى يجوز فيها التفتيش والإجراءات التى يتم بها .

ولذلك نصت الفقرة الأولى من المادة 41 من الدستور على أنه "الحرية الشخصية حق طبيعى وهى مصونة لا تمس" وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأى قيد أو منعه من التنقل الا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضى المختص أو النيابة العامة ، وذلك وفقاً لاحكام القانون ثم نصت المادة 44 من الدستور على أن "للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا بأمر قضائى مسبب وفقا لاحكام  القانون" وهذا النص الأخيروان كان قد ميز بين دخول المساكن وبين تفتيشها إلا أنه جمعهما فى ضمانات واحدة متى كانا يمثلان انتهاكا لحرمة المساكن التى قدسها الدستور .

وحيث أنه يبين من المقابلة بين المادتين 41، 44 من الدستور سالفتى الذكر أن المشرع الدستورى قد فرق فى الحكم بين تفتيش الأشخاص وتفتيش المساكن فيما يتعلق بضرورة أن يتم التفتيش فى الحالين بأمر قضائى ممن له سلطة التحقيق أو من القاضى المختص كضمانة أساسية لحصول التفتيش تحت إشراف مسبق من القضاء. فقد استثنت المادة 41 من الدستور من هذه الضمانة حالة التلبس بالجريمة بالنسبة للقبض على الشخص وتفتيشه فضلاً عن عدم اشتراطها تسبيب أمرالقاضى المختص أو النيابة العامة بالتفتيش فى حين أن المادة 44 من الدستور لم تستثن حالة التلبس من ضرورة صدور أمر قضائى مسبب ممن له سلطة التحقيق أو من القاضى المختص بتفتيش المسكن سواء قام به الآمر بنفسه أم أذن لمأمور الضبط القضائى بإجرائه، فجاء نص المادة 44 من الدستور المشار إليه عاما مطلقاً لم يرد عليه ما يخصصه أو يقيده مما مؤداه أن هذا النص الدستورى يستلزم فى جميع أحوال تفتيش المساكن صدور الأمر القضائى المسبب وذلك صوناً لحرمة المسكن التى تنبثق من الحرية الشخصية التى تتعلق بكيان الفرد وحياته الخاصة ومسكنه الذى يأوى اليه وهو موضع سره وسكينته، ولذلك حرص الدستور – فى الظروف التى صدر فيها- على التأكيد على عدم انتهاك حرمة المسكن سواء بدخوله أو بتفتيشه ما لم يصدر أمر قضائى مسبب دون أن يستثن من ذلك حالة التلبس بالجريمة التى لا تجيز- وفقا للمادة 41 من الدستور- سوى القبض على الشخص وتفتيشه أينما وجد. يؤكد ذلك أن مشروع لجنة الحريات التى شكلت بمجلس الشعب عند إعداد الدستور كان يضمن نص المادة 44 استثناء حالة التلبس من حكمها غير أن هذا  الاستثناء قد أسقط فى المشروع النهائى لهذه المادة وصدر الدستور متضمناً نص المادة 44 الحالى حرصا منه على صيانة حرمة المساكن على ما سلف بيانه .

لما كان ما تقدم وكان نص المادة 44 من الدستور واضح الدلالة - على ما سبق ذكره- على عدم استثناء حالة التلبس من الضمانتين اللتين أوردهما- أى صدور أمر قضائى وان يكون الامر مسببا- فلا يحق القول باستثناء حالة التلبس من حكم هاتين الضمانتين قياسا على إخراجها من ضمانة صدور الأمر القضائى فى حالة تفتيش الشخص أو القبض عليه، ذلك بأن الاستثناء لا يقاس عليه كما أنه لا محل للقياس عند وجود النص الدستورى الواضح الدلالة . ولا يغير من ذلك ما جاء بعجز المادة 44 من الدستور بعد إيرادها هاتين الضمانتين سالفتى الذكر من أن ذلك "وفقا لاحكام القانون" لان هذه العبارة لا تعنى تفويض المشرع العادى فى إخراج حالة التلبس بالجريمة من الخضوع للضمانتين اللتين اشترطها الدستور فى المادة 44 سالفة الذكر، والقول بغير ذلك إهدار لهاتين الضمانتين وتعليق أعمالهما على إرادة المشرع العادى وهو ما لا يفيده نص المادة 44 من الدستور وانما تشير عبارة "وفقا لاحكام القانون" الى الإحالة الى القانون العادى فى تحديد الجرائم التى يجوز فيها صدور الأمر بالتفتيش وبيان كيفية صدوره وتسبيبه الى غير ذلك من الإجراءات التى يتم بها هذا التفتيش. لما كان ذلك وكانت المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950- المطعون فيها- تنص على أن "لمأمور الضبط القضائى فى حالة التلبس بجناية أو جنحة أن يفتش منزل  المتهم ويضبط فيه الاشياء والاوراق التى تفيد فى كشف الحقيقة اذا اتضح له من امارات قوية أنها موجودة فيه" مما مفاده تخويل مأمور الضبط القضائى الحق فى إجراء تفتيش مسكن المتهم فى حالة التلبس بجناية أو جنحة دون أن يصدر له أمر قضائى مسبب ممن يملك سلطة التحقيق وهو ما يخالف حكم المادة 44 من الدستور على ما سلف بيانه، الامر الذى يتعين معه الحكم بعدم دستورية المادة 47 من قانون الاجراءات الجنائية . 

"لهذه الأسباب"

حكمت المحكمة بعدم دستورية المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950.

 

شرح خبراء القانون

هذه المادة صدر حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريتها في الطعن رقم 5 لسنة 4 قضائية دستورية بجلسة 2/ 6/ 1984 .

إن الدستور قد حرص في سبيل حماية الحرية العامة على كفالة الحرية الشخصية لاتصالها بكيان الفرد منذ وجوده، فأكدت المادة (41) من الدستور على أن الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس، كما نصت المادة (44) من الدستور على أن للمساكن حرمة، ثم قضت الفقرة الأولى من المادة (45) منه بأن الحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون، غير أن الدستور لم يكتف في تقرير هذه الحماية الدستورية بإيراد ذلك في عبارات عامة كما كانت تفعل الدساتير السابقة. ولكن أتى دستور سنة 1971 بقواعد أساسية تقرر ضمانات عديدة لحماية الحرية الشخصية وما يتفرع منها من حريات وحرمات ورفعها إلى مرتبة القواعد الدستورية - ضمنها المواد من (41) إلى (45) منه - حيث لا يجوز للمشرع العادي أن يخالف تلك القواعد وما تضمنته من كفالة لصون تلك الحريات وإلا جاء عمله مخالفاً للشرعية الدستورية.

وحيث يبين من المقابلة بين المادتين (41، 44) من الدستور سالفتي الذكر المشرع الدستوري قد فرق في الحكم بين تفتيش الأشخاص وتفتيش الساكن فيما يتعلق بضرورة أن يتم التفتيش في الحالين بأمر قضائي ممن له سلطة التحقيق ومن القاضي المختص كضمانة أساسية، فقد استثنت المادة (41) من الدستور من هذه الضمانة حالة التلبس بالجريمة بالنسبة للقبض على الشخص وتفتيشه فضلاً عن عدم اشتراطها تسبيب أمر القاضي المختص أو النيابة العامة بالتفتيش في حين أن المادة (44) من الدستور لم تستثن حالة التلبس من ضرورة صدور أمر قضائي مسبب ممن له سلطة التحقيق أو من القاضي المختص بتفتيش المسكن سواء قام به الآمر بنفسه أم أذن لمأمور الضبط القضائي بإجرائه، فجاء نص المادة (44) من الدستور المشار إليه عاماً مطلقاً لم يرد عليه ما يخصصه أو يقيده مما مؤداه أن هذا النص الدستوري يستلزم في جميع أحوال تفتيش المساكن صدور الأمر القضائي المسبب وذلك صوناً لحرمة المسكن التي تنبثق من الحرية الشخصية التي تتعلق بكيان الفرد وحياته الخاصة ومسكنه الذي يأوي إليه وهو موضع سره وسكينته، ولذلك حرص الدستور - في الظروف التي صدر فيها - على التأكيد على عدم انتهاك حرمة المسكن سواء بدخوله أو بتفتيشه ما لم يصدر أمر قضائي مسبب دون أن يستثني من ذلك حالة التلبس بالجريمة التي لا تجيز - وفقاً للمادة (41) من الدستور - سوى القبض على الشخص وتفتيشه أينما وجد. يؤكد ذلك أن مشروع لجنة الحريات التي شكلت بمجلس الشعب عند إعداد الدستور كان يضمن نص المادة (44) استثناء حالة التلبس من حكمها غير أن هذا الاستثناء قد أسقط في المشروع النهائي لهذه . المادة وصدر الدستور متضمناً نص المادة (44) الحالي حرصاً منه على صيانة حرمة المساكن على ما سلف بيانه. لما كان ذلك، وكانت المادة (47) من قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم 150 لسنة 1950 المطعون فيها - تنص على أن لمأمور الضبط القضائي في حالة التلبس بجناية أو جنحة أن يفتش منزل المتهم ويضبط فيه الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة إذا اتضح له من أمارات قوية أنها موجودة فيه مما مفاده تخويل مأمور الضبط القضائي الحق في إجراء تفتيش مسكن المتهم في حالة التلبس بجناية أو جنحة دون أن يصدره له أمر قضائي مسبب ممن يملك سلطة التحقيق وهو ما يخالف حكم المادة (44) من الدستور على ما سلف بيانه، الأمر الذي يتعين معه الحكم بعدم دستورية المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية. دستورية عليا 1984 / 6/ 2 ، القضية رقم 5،4 ق دستورية. (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الأول ،  الصفحة : 466)

أ- عدم دستورية المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية في شأن تفتيش المسكن في حالة التلبس.

- شروط تفتيش المسكن بناء على التلبس وفقا للمادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية: نصت المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية على أن «لمأمور الضبط القضائي في حالة التلبس بجناية أو جنحة أن يفتش منزل المتهم، ويضبط فيه الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة إذا اتضح من أمارات قوية أنها موجودة فيه .

والشروط التي تطلبتها المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية لتخويل مأمور الضبط القضائي سلطة تفتيش المسكن هي: توافر حالة التلبس، وأن تكون الجريمة المتلبس بها جناية أو جنحة، وأن تتوافر أمارات قوية على أنه توجد في المسكن أشياء أو أوراق تفيد في كشف الحقيقة. ويضاف إلى هذه الشروط شرط رابع نصت عليه المادة 50 من قانون الإجراءات الجنائية (في فقرتها الأولى) في قولها «لا يجوز التفتيش إلا للبحث عن الأشياء الخاصة بالجريمة الجاري جمع الاستدلالات أو حصول التحقيق بشأنها».

نطاق الآثار المترتبة على تقرير عدم دستورية المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية: اقتصر قضاء المحكمة الدستورية العليا على تقرير عدم دستورية المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية، ومن ثم لا ينصرف هذا القضاء إلى ما عدا هذا النص من نصوص قانون الإجراءات الجنائية. وبناء على ذلك، فإنه لا مساس لهذا القضاء بالمادة 45 من قانون الإجراءات الجنائية التي أجازت لرجال السلطة العامة الدخول في المساكن في الأحوال المبينة في القانون، وحالة طلب المساعدة من الداخل، وحالة الحريق والغرق وما شابه فإذا ترتب على دخول مأمور الضبط القضائي في مسكن وفقاً للمادة 45 من قانون الإجراءات الجنائية أن عاين جريمة في حالة تلبس، كان ضبطه لها صحيحاً.

وغني عن البيان أنه لا مساس لهذا القضاء بحق مأمور الضبط القضائي في دخول الأماكن العامة ومعاينة ما يجري فيها، يستوي في ذلك أن يكون المكان عاما بطبيعته أو بالتخصيص أو بالمصادفة.

وهذا القضاء يقتصر على تفتيش المساكن، أما تفتيش أي مكان خاص آخر فلا شأن لهذا القضاء به. وتفصيل ذلك أنه إذا كان المسكن بطبيعته مكاناً خاصاً، فإن كل مكان خاص ليس بالضرورة مسكناً. و إنما يتميز المسكن بتخصيصه للإقامة، أي أن حائزه قد أعده لإقامته، أي لنومه وسائر مظاهر الحياة التي يحرص على حجبها عن اطلاع الغير عليها أما إذا كان المكان خاصاً ولكنه ليس مسكناً، كمكتب أو متجر أو عيادة طبيب، فلا تطبق عليه القواعد الخاصة بتفتيش المساكن، وإنما يرتبط تفتيشه بتفتیش شخص جائزاً فكلما كان تفتيشه جائزاً كان تفتيش المكان الخاص الذي يحوزه جائزاً كذلك.

ولكن يسري قضاء المحكمة الدستورية العليا على كل ما يعتبر مسكناً للمتهم. وقد تقدم تعريف المسكن بأنه «كل مكان خصصه حائزه لإقامته، أي لنومه وسائر مظاهر حياته الخاصة». ولا يشترط أن يكون حائز المسكن هو مالكه، فقد يكون مجرد مستأجر أو مستعير له وتطبيقاً لذلك، فإن غرفة استأجرها شخص في فندق تعتبر مسكناً له. وليس بشرط أن يكون المسكن عقارة مبنية على النحو المتعارف عليه، وإنما يعد مسكناً أي مكان خصصه حائزه لإقامته، فقد يكون كوخاً من القش أو خيمة أو سفينة وفي جميع الأحوال التي يعتبر فيها المكان مسكناً يسري عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا .

تفتيش المسكن برضاء حائزه

- علة اعتبار رضاء حائز المسكن سند قانونية لصحة تفتيشه:

إذا فتش مأمور الضبط القضائي مسكن شخص برضاء صحيح منه كان تفتيشه صحيحاً، دون توقف على شروط أخرى. وعلة اعتبار الرضاء سنداً الجواز التفتيش أن القواعد التي وضعها القانون للتفتيش إنما استهدف بها حماية حرمة المسكن الذي يجري التفتيش فيه، فإذا نزل من له الحق في حرمة المسكن عن حقه برضائه بتفتيشه اقتضى ذلك بالضرورة صحة هذا التفتيش  ويترتب على هذا التفتيش أنه إذا عاين مأمور الضبط القضائي أثناء إجرائه شيئاً تعد حيازته جريمة تحققت بذلك حالة التلبس.

- ممن يصدر الرضا؟ يصدر الرضاء من صاحب الحق في حرمة المسكن، وهو الشخص الذي وضعت قواعد التفتيش حماية لحقه. وصاحب هذا الحق هو حائز المسكن، وليس شرطاً كما قدمنا أن يكون مالك المسكن، فقد يكون مستأجراً أو مستعيراً له. وإذا تغيب حائز المسكن عنه مؤقتاً، فإن من يحل محله في حيازته يكون له أن يرضى بتفتيشه وتطبيقاً لذلك، كان رضاء زوجة حائز المسكن بتفتيشه سنداً لصحة هذا التفتيش. وللابن المقيم في المنزل ، ووالد حائز المنزل المقيم فيه صفة الرضاء بالتفتيش كذلك  ولكن مجرد صلة القرابة أو الزوجية أو المصاهرة إذا لم تقترن بها الإقامة الفعلية في المسكن، وما يرتبط بها من حيازة له، ونيابة عن حائزه عند غيابه لا تخول صفة الرضاء بتفتيشه.

- شروط صحة الرضاء بتفتيش المسكن: لما كان الرضاء بالتفتيش تعبيرا عن إرادة النزول عن الحق في كفالة حرمته، فإنه يتعين أن تتوافر له الشروط التي تجعل منه تعبيراً صحيحاً عن الإرادة: فيتعين أن يكون من صدر عنه الرضاء مميزة، ويتعين أن يكون حر الاختيار وقت رضائه، أي ألا يكون خاضعاً لإكراه مادي أو معنوي أيا كان قدره. ويتعين أن يكون على بينة من الأمر حين رضائه. أي ألا يكون واقعة في غلط أو متأثرة بتدليس: فيتعين أن يكون عالماً بصفة من يقوم بالتفتيش وغرضه من إجرائه، وأن يكون عالماً بأنه لا يلتزم بالخضوع للتفتيش، أي أنه ليس بصدد حالة يقرر فيها القانون التفتيش جبراً. ويتعين أن يكون الرضاء سابقة على التفتيش، فليس من شأن الرضاء اللاحق أن يزيل البطلان عن تفتیش ثبت بطلانه. ويتعين أن يكون الرضا صريحاً، فثمة احتمال غالب في أن يكون الرضاء الضمني منبعثاً من الخوف والاستسلام ولكن لا يشترط ثبوت الرضا كتابة. (الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة:  515)