وتضمن الفصل الثاني الأحكام المتعلقة بإجراءات تأسيس الشركات ،وتناول تعريف المؤسسين وحد مسؤوليتهم قبل المكتتبين والشركة والغير ، كما تم تبسيط إجراءات التأسيس إذ اكتفي المشروع بثلاثة شركاء مؤسسين لإنشاء الشركة المساهمة بدلاً من سبعة شركاء في القانون الحالي وهو حكم يقترب مع ماسبق أن أخذ به قانون الاستثمار وانتهجته معظم التشريعات في العالم .
كما أجاز المشروع للمؤسسين إضافة وحذف بعض الشروط من النماذج الأساسية بما لا يخالف أحكام القانون والنظام العام لإعطاء المرونة الكاملة لهم في تنظيم نشاطهم ، وذلك علي خلال الوضع الحالي الذي يستلزم الالتزام الحرفي في النماذج ، وعدم جواز المخالفة إلا لأسباب ضرورية يقرها وزير لتجارة وحرصاً من المشروع علي حماية الجمهور نظم التصرفات التي يجريها المؤسسون لحساب الشركة سواء في مواجهة الشركة أو مع الغير ، كما جعل إجراءات التأسيس بعد إنقضاء سنة من تاريخ الاكتتاب ، وهو ، يعالج أوجه القصور في القانون الحالي وتبسيطاً للإجراءات أجاز المشروع أن يكون عقد الشركة ونظامها مصدقاً علي التوقيعات فيه وجعل الخيار للمؤسسين في إتخاذ وسيلة المحرر الرسمي .
وإعمالا لفكرة الرقابة السابقة من الدولة علي إنشاء الشركات نص المشروع علي ضرورة تقديم طلبات الإنشاء إلي لجنة فنية متخصصة تشكل لهذا الغرض بحيث ضرورة تقديم طلبات الإنشاء إلي لجنة فنية متخصصة تشكل لهذا الغرض بحيث تمثل فيها كافة الجهات المعينة مع تحديد أسباب معينة علي سبيل الحصر لرفض طلب التأسيس وبالتالي أصبحت إجراءات التأسيس شبه تلقائية مما يوفر عنصر اليقين للمستثمرين وفي مقابل الراقبة الحكومية السابقة علي التأسيس ، نص المشروع علي تطهير الشركة من البطلان بعد شهر نظامها بالسجل التجاري حفاظاً علي مصلحة الشركات والاقتصاد القومي وهو مالم ينظمه القانون الحالي .
ولم يستلزم المشروع موافقة الوزير المختص إلا في حالة طرح الشركة أسهمها للاكتتاب العام حماية لجمهور المساهمين في حين أن القانون الحالي يشترط لإنشاء الشركة ذات الاكتتاب العام صدوره قرار جمهوري واستلزم في الشركات المغلقة افراغ عقد الشركة ونظامها في محرر رسمي مما يكلف الشركاء جهدا ومالا كثيرا كما بسط المشروع إجراءات تقويم الحصص العينية والحقوق المعنية التي قد تدخل في رأسمالها الشركة مع حفظ حقوق أصحاب الشأن فاكتفي بقرار يصدر من لجنة فنية دون حاجة للجوء إلي المحكمة كما هو الوضع الحالي ومع مراعاة مصلحة الدولة إذا ما دخلت مشاركة بمثل هذه الحصص المواد من 7 إلي 30 .
اللائحة التنفيذية لقانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة وشركات الشخص الواحد
مادة 1 : من له حق التأسيس:
يجوز أن يكون مؤسساً فى شركة المساهمة أو شركة التوصية بالأسهم كل شخص طبيعى تتوافر فيه الأهلية اللازمة وكذلك كل شخص معنوى يدخل فى أغراضه تأسيس مثل تلك الشركات.
وفيما عدا شركات الشخص الواحد، لا يجوز أن يقل عدد الشركاء المؤسسين فى شركات المساهمة عن ثلاثة ، وبالنسبة لشركات التوصية بالأسهم فلا يجوز أن يقل عدد الشركاء عن أثنين أحدهما متضامن.
وإذا قل عدد الشركاء عن هذا النصاب فعلى الشركة أن تبادر خلال ستة أشهر على الأكثر إلى استكماله أو يطلب من بقي من الشركاء خلال هذا الأجل تحويلها إلى شركة من شركات الشخص الواحد بعد اخطار الهيئة بذلك وإلا اعتبرت الشركة منحلة بحكم القانون ويكون من بقي من الشركاء مسئولاً في جميع امواله عن التزامات الشركة خلال هذه المدة .
تعتبر الشركة المساهمة فى فترة التأسيس ممثلة بالمؤسسين و من ثم فيكون لأحدهم أن يتقدم خلال فترة التأسيس لحساب الشركة المستقبلة للدفاع عن العلامة التجارية التى انتقلت إليها ملكيتها .
(الطعن رقم 390 لسنة 27 ق - جلسة 1963/01/24 س 14 ع 1 ص 180 ق 23)
تعريف المؤسس ومسئوليته :
أ- تعريف المؤسس :
إن تعريف المؤسس بصفة عامة له أهمية من الناحية العملية والقانونية على السواء، حيث يثق كل من يرغب في الاشتراك في الشركة بصفة خاصة والجمهور المتعامل معها بصفة عامة في أشخاص المؤسسين، ويتقدمون للاشتراك في الشركة أو التعامل معها أخذين في اعتبارهم أشخاص المؤسسين وسمعتهم وخبرتهم في مجالات أغراض مشروع الشركة، كما أن المركز القانوني للمؤسس ومسئوليته المشددة غالباً سواء مدنية أو جنائية تجعل من الضروري تحديد صفة المؤسس ليسهل بالتالى تحديد مركزه القانوني.
وجوهر السؤال يكمن في هل تعد صفة المؤسس مقصورة على كل من يقوم بإجراء قانوني يتطلبه القانون كالتوقيع على العقد الابتدائي واتخاذ إجراءات الشهر والنشر بصفته شريكاً، أم تلحق هذه الصفة كل من اشترك في فعل إيجابي في تأسيس الشركة ولو لم يكن شريكاً كما لو قام بالدعاية والترويج والتأييد للمشروع ؟ ..
والنظرة الواسعة في تعريف المؤسس تعتمد على إضفاء هذه الصفة ليس فقط على الشركاء المؤسسين حيث هم وحدهم الذين لديهم النية في الاشتراك في الشركة وتحمل المسئولية الناشئة عن هذا التأسيس، بل أيضاً تشمل هذه الصفة كل فرد قام فعلاً بنشاط يدخل في الأنشطة اللازمة لتأسيس الشركة ولو لم يكن شريكاً.
والواقع أن التوسع في مفهوم المؤسس يصعب الأخذ به عندما نكون بصدد تطبيق الجزاءات الجنائية حيث يصطدم بمبدأ التفسير الضيق في هذا المجال النصوص الجنائية، على أنه من ناحية أخرى فإن مثل هذا التضييق في مفهوم المؤسس إنما قد يضر بالغير حسن النية أو باقتصاد البلاد عندما يقوم بتأسيس الشركة أشخاص غير مليئين أو لهم أغراض غير مشروعة.
وجاء تشريع الشركات المصري 159 لسنة 1981 وعرف في المادة السابعة منه المؤسس بأنه كل من يشترك اشتراكاً فعلياً في تأسيس الشركة بنية تحمل المسئولية الناشئة عن ذلك (الفقرة الأولى)، وأضافت الفقرة الثانية من ذات المادة أنه يعتبر مؤسساً على وجه الخصوص كل من وقع على العقد الابتدائي أو طلب الترخيص في تأسيس الشركة، أو قدم حصة عينية عند تأسيسها، وأخيراً أضافت الفقرة الثالثة أنه لا يعتبر مؤسساً من يشترك في التأسيس لحساب المؤسسين من أصحاب المهن الحرة وغيرهم.
وتعريف المؤسس في مفهوم المادة السابعة على النحو السابق يعد تعريفاً متوسعاً، حيث يضفي صفة المؤسس على كل من أشارت إليهم الفقرتين الأولى والثانية، وهو ليس فقط كل من وقع العقد الابتدائي للشركة بل كل من كان له دور إيجابي في تأسيسها. وقصد المشرع من ذلك حماية الغير حسن النية.
وإننا نرى أن عبارة «بنية تحمل المسئولية الناشئة عن ذلك» والواردة بالفقرة الأولى من المادة السابعة المشار إليها، إنما تضع قيدا كبيرة لإضفاء صفة المؤسس على كل من يشترك اشتراكاً فعلياً في تأسيس الشركة وهو غير شريك، حيث يكفي للإفلات من هذه الصفة - وبالتالي عن المسئولية المشددة للمؤسس - إثبات أنه لم يقصد تحمل المسئولية الناشئة عن اشتراكه رغم دوره الفعال والمؤثر في تأسيس الشركة. والأفضل استبدال العبارة المشار إليها بعبارة «بطريقة تفيد اعتقاد الغير بنية تحمل المسئولية» أو بعبارة «ما لم يثبت أنه لم يقصد باشتراكه تحمل المسئولية عن ذلك» أو بعبارة «إذا لم يذكر صراحة أنه غير شريك»..
كما نرى أن الفقرة الثالثة من ذات المادة لا علاقة لها بتعريف المؤسس وجاءت تزيد، حيث أن المسلم به وفقاً للقواعد العامة أن من يشترك في التأسيس لحساب غيره أياً كانت صفته لا ينصرف إليه صفة المؤسس.
ويشترط أن يكون المؤسس في هذه الشركة كامل الأهلية بالغاً سن الرشد كما سبق القول كما يشترط في المؤسس ذات الشروط المنصوص عليها بالمادة (89) من قانون الشركات والتي تشترط في عضو مجلس الإدارة (أو المؤسس) ألا يكون قد حكم عليه بعقوبة جناية أو عقوبة جنحة عن سرقة أو نصب أو خيانة أمانة أو تزوير أو تفالس أو بعقوبة من العقوبات المنصوص عليها في المواد 162، 163، 164 من قانون الشركات. -
يشترط أن يكون المؤسس في الشركة ذات المسئولية المحدودة كامل الأهلية بالغة سن الرشد، ولا يجوز أن يكون قاصراً حتى ولو كان مأذوناً له باحتراف التجارة نظراً للمسئولية المشددة مدنياً أو جنائياً كما سبق القول.
هذا ونرى أنه وفقاً للنصوص الحالية بقانون الشركات يجوز للعاملين بالدولة الاشتراك في تأسيس شركات ذات مسئولية محدودة حيث لم يحظر المشرع في قانون الشركات 159 لسنة 1981 على هذه الفئة الاشتراك في تأسيس أو إدارة هذه الشركة على خلاف تأسيس أو إدارة شركة المساهمة حيث نص المشرع في المادة 177 / 1 من ذات القانون والواردة في الباب السابع والمتعلقة بالقيود الخاصة بالعاملين بالدولة وأعضاء الهيئات النيابية أنه «لا يجوز لأي شخص الجمع بين أي عمل في الحكومة أو القطاع العام أو أية هيئة عامة وبين عضوية مجلس الإدارة في إحدى الشركات المساهمة أو الاشتراك في تأسيسها أو الاشتغال ولو بصفة عرضية بأي عمل أو الإدارة فيها سواء كان ذلك بأجر أو بغير أجر، إلا إذا كان ممثلاً لهذه الجهات».
وتنص الفقرة الثانية من ذات المادة على أنه «ويجوز استثناء من حكم الفقرة السابقة ومن الأحكام الأخرى المانعة في القوانين الخاصة أن يرخص للشخص بالاشتراك في تأسيس إحدى شركات المساهمة أو بأعمال الإدارة فيها وذلك بإذن خاص من الوزير المختص التابع له الشخص، كما يجوز له مباشرة الأعمال الأخرى المشار إليها في الفقرة السابقة بشرط ألا يترتب على ذلك توليه رئاسة مجلس الإدارة أو القيام بأعمال العضو المنتدب وذلك بإذن خاص من رئيس مجلس الوزراء». هذا وتضيف الفقرة التالية أنه وفي جميع الأحوال لا يصدر الإذن إلا بعد بحث الأمر والتأكد من عدم ارتباط وظيفة الشخص بعمل الشركة أو التأثير فيها وبشرط ألا يتعارض الترخيص وواجبات الوظيفة ومن أدائها.
ولما كان نص المادة (177) المشار إليه خاصة بشركة المساهمة وإذ لم يحل المشرع إلى هذه المادة صراحة وهو بصدد ذكر أحكام تأسيس الشركة بصفة عامة واكتفى في المادة (7) منه بالإحالة على المادة (89) من ذات القانون، كذلك لم يشترط المشرع هذا الشرط صراحة وهو بصدد ذكر الأحكام الخاصة بتأسيس الشركة ذات المسئولية المحدودة والواردة بالمواد من 29 - 30 منه فإن القيود الواردة بالمادة ( 177 / 2) المشار إليها لا تنطبق على تأسيس الشركة ذات المسئولية المحدودة وتعد هذه القيود مقصورة على إدارة وتأسيس شركة المساهمة خاصة وأنها تمثل مجموعة من القيود والأصل هو الإباحة.
هذا وكنا نفضل إحالة المشرع صراحة بالنسبة لتأسيس الشركة ذات المسئولية المحدودة على ذات القيود الواردة بالمادة (177) المشار إليها ذلك أن الحكمة متوفرة في تفرغ العاملين بالدولة وأن تأسيس وإدارة الشركة ذات المسئولية يتعرض فيها المؤسس والمدير إلى مسئولية مدنية وجنائية مشددة وتحتاج تفرغ لمستقبل ونشاط مثل هذه الشركات.
المؤسس في شركة المساهمة :
تعريف المؤسس :
المؤسس وفقاً لتعريف قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981، هو كل من يشترك اشتراكاً فعلياً في تأسيس الشركة بنية تحمل المسئولية الناشئة عن ذلك (المادة 7/ 1 من القانون). وقد أخذ قانون الشركات بالنسبة لتعريف المؤسس، بما كان ينادي به الفقه في ظل قانون الشركات الملغي رقم 26 لسنة 1954 (المادة 15 / 5)، والذي كان يعرف المؤسس بأنه «كل من يوقع على العقد الابتدائي» من عدم قصر صفة المؤسس على من يوقع العقد الابتدائي، بل على كل من يشارك في إنشاء الشركة مشاركة إيجابية وفعالة ولدية النية في تحمل نتائج المشروع، هذا ويعتبر مؤسساً على وجه الخصوص كل من وقع العقد الابتدائي أو طلب الترخيص في تأسيس الشركة، أو قدم حصة عينية عند تأسيسها (المادة 7 / 2 من قانون الشركات).
ويبدو أن المشرع قصد من إقحام كل من يقدم حصة عينية عند التأسيس في طائفة المؤسسين، إخضاع هؤلاء الشركاء إلى الشروط الواجب توافرها في المؤسس والمنصوص عليها في المادة (89) من قانون الشركات المشار إليه، وكذلك خضوعه للجزاءات الجنائية الرادعة التي يخضع لها المؤسسون، وذلك خشية تقديمهم لحصص عينية مغالى في تقديرها مما يضفي على الشركة عند التأسيس ائتماناً وهمياً يضر ليس فقط بالدائنين بل بالاقتصاد القومي للبلاد.
وتشير الفقرة الثالثة من المادة السابعة من القانون المشار إليه، إلى مبدأ عام من مبادئ القانون هو عدم اعتبار من يشترك في التأسيس لحساب المؤسسين من أصحاب المهن الحرة وغيرهم من المؤسسين، ذلك أنه من المسلم به أن تدخل أي من هؤلاء كالمحاسب أو المحامي إنما يتم لحساب من يمثلونهم.
المؤسس قد يكون شخصا طبيعيا أو معنويا متمتعا بالأهلية القانونية :
يجوز أن يكون مؤسساً في شركة المساهمة كل شخص طبیعی توافر فيه الأهلية اللازمة، وكذلك كل شخص معنوي يدخل في أغراضه تأسيس مثل هذه الشركات، ويقصد بالأهلية اللازمة للشخص الطبيعي بلوغه سن الرشد، وهو إحدى وعشرين عاماً وفقاً للقواعد العامة للأهلية في القانون المدني، ولا تكفي أهلية البالغ من العمر ثماني عشر عاماً ولو كان مأذوناً بالاتجار ذلك أن صفة المؤسس ترتب آثاراً تخرج عن نطاق الأعمال التجارية وما يترتب عليها من آثار، إذ يتحمل المؤسس مسئولية غير عادية عند فشل مشروع تأسيس الشركة خاصة من ناحية المسئولية الجنائية وفقاً لأحكام الباب الخامس من القانون 159 لسنة 1981.
أما أهلية الشخص المعنوي فتتمثل في هذا الخصوص - بالإضافة إلى كامل تأسيسها وفقاً للإجراءات القانونية - أن يدخل في أغراضه وجوهر نشاطه تأسيس مثل هذه الشركات المراد تكوينها، بمعنى أنه يشترط وجود ارتباط بين نشاط وأغراض الشخص المعنوي راغب التأسيس، ونشاط وأغراض الشركة المطلوب تأسيسها، وذلك حتى يظهر بوضوح أسباب وأهداف دخول الشخص المعنوي في تأسيس شركات أخرى منعاً لتكدس الأموال دون أية رابطة بين الشركات المؤسسة.
وقد سبق إيضاح المقصود بتجانس غرض الشركة عند تعدد أغراضها بداءة أو عند إضافة أغراض أخرى إلى غرض الشركة الرئيسي، ذلك أن صفة المؤسس ترتب آثاراً تخرج عن نطاق الأعمال التجارية وما يترتب عليها من آثار، إذ يتحمل المؤسس مسئولية غير عادية عند فشل مشروع تأسيس الشركة.
شروط المؤسس :
يشترط المشرع في المؤسس ألا يكون من العاملين في الحكومة أو القطاع العام أو أية هيئة عامة، إلا إذا كان ممثلاً لهذه الجهات (المادة 177 / 1 من قانون الشركات).
على أنه يجوز استثناء، أن يرخص بالاشتراك في تأسيس إحدى شركات المساهمة بإذن خاص من الوزير المختص التابع له الشخص، ولا يصدر هذا الإذن في جميع الأحوال إلا بعد بحث الأمر والتأكد من عدم ارتباط وظيفة الشخص بعمل الشركة أو التأثير فيها، ويشترط ألا يتعارض الترخيص مع واجبات الوظيفة وحسن أدائها (المادة (177) فقرة 2، 3).
ويعتبر باطلاً اشتراك أي من هؤلاء العاملين في تأسيس شركة المساهمة وذلك أعمالاً لنص المادة (161) شركات التي تقضي بأنه «مع عدم الإخلال بحق المطالبة بالتعويض عند الاقتضاء، يقع باطلاً كل تصرف أو تعامل أو قرار يصدر على خلاف القواعد المقررة في هذا القانون ...».
كما يخضع المؤسس المخالف من هؤلاء العاملين إلى الجزاء الجنائي المنصوص عليه بالمادة (163) شركات، وهو الغرامة التي لا تقل عن ألفي جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه، حيث أن في اشتراك العاملين المشار إليهم في تأسيس شركة المساهمة مخالفة لنص من النصوص الآمرة في قانون الشركات المادة ( 163 / 5).
ويخضع المؤسس في شركة المساهمة لذات القيود التي يخضع لها أعضاء مجلس إدارة الشركة والواردة بالمادة (89) من القانون فيما يتعلق باستبعاد كل من حكم عليه بعقوبة جناية أو عقوبة جنحة عن سرقة أو نصب أو خيانة أمانة أو تزوير أو تفالس أو بعقوبة من العقوبات المنصوص عليها في المواد 162، 163، 164 من قانون الشركات، وهذه المواد خاصة بتقرير الجزاءات الجنائية التي تطبق بمناسبة مخالفة إجراءات تأسيس وإدارة الشركة وفقاً لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981.
ونرى أنه لا يجوز أن يكون من بين الشركاء المؤسسين شركة تحت التأسيس حيث لا تتمتع هذه الأخيرة بالشخصية المعنوية الكاملة التي تؤهلها للاشتراك كمؤسس في شركة أخرى، هذا بالإضافة إلى أن المشرع يشترط في المادة (13) من القانون لسريان التصرفات التي يجريها المؤسسون باسم الشركة تحت التأسيس في حق الشركة بعد تأسيسها، أن تكون ضرورية التأسيس الشركة، ولا نعتقد أن الاشتراك في تأسيس شركة أخرى من التصرفات الضرورية لتأسيس الشركة الأولى والتي لا تزال تحت التأسيس. (الشركات التجارية للدكتورة / سميحة القليوبي، الطبعة السابعة، 2016، دار النهضة العربية ، الصفحة : 476)
من هو المؤسس لشركة المساهمة :
عرف قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 - المؤسس بأنه : يعتبر مؤسسبة للشركة كل من يشترك اشتراكا فعليا في تأسيسها بنية تحمل المسئولية الناشئة عن ذلك ويسري عليه حكم المادة 89 من هذا القانون .
ويعتبر مؤسسا على وجه الخصوص كل من وقع العقد الابتدائي لو طلب الترخيص في تأسيس الشركة ، او قدم حصة عينية عند تأسيسها ، ولا يعتبر مؤسسا من يشترك في التأسيس لحساب المؤسسين من أصحاب المهن الحرة وغيرهم .
إذن فالمؤسس شركة المساهمة :
1- قد يكون شخصا طبيعيا .
2- كما قد يكون شخصا معنويا .
وقد نصت المادة الأولى من اللائحة التنفيذية للقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 : يجوز أن يكون مؤسسا في الشركة المساهمة او شركة التوصية بالاسهم . كل شخص طبيعي تتوافر فيه الأهلية اللازمة وكذلك كل شخص معنوي يدخل في أغراضه تأسيس مثل تلك الشركات .
ما هي الشروط التي يجب أن تتوافر في مؤسس شركة المساهمة ...؟ .
يجب التفرقة في الإجابة عن هذا التساؤل بين المؤسس من الأشخاص الطبيعية ، والمؤسس من الأشخاص الاعتبارية .
١- بالنسبة للمؤسس من الأشخاص الطبيعية : يجب أن يكون الشخص كامل الأهلية ، بأن يكون قد بلغ سن الرشد ، والا يقوم به عارض من عوارض نقص الأهلية أو انعدامها ، فلا يجوز للقاصر البالغ من العمر ثماني عشرة سنة أن يشترك في تأسيس شركة مساهمة ولو كان مأذونا بالاتجار، لأن الأمر لا يتعلق بممارسة تجاری وانما يتحمل المسئولية الناشئة عن التصرفات المرتبطة بعملية التأسيس بما في ذلك المسئولية الجنائية .
2- بالنسبة للمؤسس من الأشخاص المعنوية : يجب أن يكون هناك ارتباط بين غرض الشركة المؤسسة وغرض الشركة الجديدة التي يتم تأسيسها ، وفي مثل هذه الحالة لا يشترط أن يتضمن نظام الشركة نصا صريحا يسمح لها بتأسيس شركات اخرى ، أما إذا لم يكن ثمة ارتباطا بين اغراض الشركتين فلابد من نص صريح في نظام الشركة يسمح لها بالمشاركة في تأسيس الشركة الجديدة .
الشروط المضافة إلى المؤسس لشركة المساهمة بطريق طرح الأسهم للاكتتاب :
1- ألا يكون المؤسس لشركة المساهمة بطريق طرح أسهمهما للاكتتاب من الأشخاص العاملين في الحكومة أو القطاع العام او أية هيئة عامة الاشتراك فى تأسيس الشركات المساهمة ، ومع ذلك يجوز بإذن خاص من الوزير المختصة الترخيص لای من هؤلاء الأشخاص بالاشتراك في تأسيس احدى الشركات المساهمة ، وذلك بعد التأكد من عدم ارتباط وظيفة الشخص بعمل الشركة أو التاثير فيها ، ويشترط ألا يتعارض الترخيص الإصدار من الوزير مع واجبات الوظيفة وحسن ادائها .
2- ألا يكون قد سبق الحكم علي مؤسس شركة المساهمة بطريق طرح أسهمها للاكتتاب بعقوبة جناية أو عقوبة جنحة عن سرقة او نصب او خيانة أمانة او تزوير أو تفالس .
3- ألا يكون قد سبق الحكم علي مؤسس شركة المساهمة بطريق طرح أسهمها للاكتتاب بعقوبة من العقوبات المنصوص عليها في المواد 192 ، 193 ، 164 من . قانون الشركات وهي المواد التي تحرم بعض الأفعال التي تتم بالمخالفة لقواعد تأسيس الشركات أو إدارتها طبقا لقانون الشركات .
من هو المؤسس لشركة التوصية بالأسهم :
عرف قانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 المؤسس بأنه : يعتبر مؤسسة للشركة كل من يشترك اشتراكا فعليا في تأسيسها بنية تحمل المسئولية الناشئة عن ذلك ويسري عليه حكم المادة 89 من هذا القانون .
ويعتبر مؤسسة على وجه الخصوص كل من وقع العقد الابتدائي أو طلب الترخيص في تأسيس الشركة ، أو قدم حصة عينية عند تأسيسها ، و لا يعتبر مؤسسا من يشترك في التأسيس لحساب المؤسسين من أصحاب المهن الحرة وغيرهم .
إذن فالمؤسس لشركة التوصية بالأسهم :-
1- قد يكون شخصا طبيعيا .
2- كما قد يكون شخصاً معنوية بشرط أن يكون تأسيس الشركات أحد أهدافها.
وقد نصت المادة الأولى من اللائحة التنفيذية لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 : يجوز أن يكون مؤسسة في الشركة المساهمة او شركة التوصية بالأسهم كل شخص طبيعي تتوافر فيه الأهلية اللازمة وكذلك كل شخص معنوي يدخل في أغراضه تأسيس مثل تلك الشركات .
ما هي الشروط التي يجب أن تتوافر في مؤسس شركة التوصية بالأسهم ...؟
يجب التفرقة في الإجابة عن هذا التساؤل بين المؤسس من الأشخاص الطبيعية ، والمؤسس من الأشخاص الاعتبارية : -
1- بالنسبة للمؤسس من الأشخاص الطبيعية : يجب أن يكون الشخص كامل الأهلية ، بان يكون قد بلغ سن الرشد ، وألا يقوم به عارض من عوارض نقص الأهلية أو انعدامها ، فلا يجوز للقاصر البالغ من العمر ثماني عشرة سنة أن يشترك في تأسيس شركة توصية بالأسهم ولو كان مأذونا بالاتجار، لأن الأمر لا يتعلق بممارسة تجارة وانما يحمل المسئولية الناشئة عن التصرفات المرتبطة بعملية التأسيس بما في ذلك المسئولية الجنائية.
2- بالنسبة للمؤسس من الأشخاص المعنوية : يجب أن يكون هناك ارتباط بین غرض الشركة المؤسسة وغرض الشركة الجديدة التي يتم تأسيسها ، وفي مثل هذه الحالة لا يشترط أن يتضمن نظام الشركة نصا صريحا يسمح لها بتأسيس شركات أخري ، أما إذا لم يكن ثمة ارتبطا بين أغراض الشركتين فلابد من نص صريح في نظام الشركة يسمح لها بالمشاركة في تأسيس الشركة الجديدة .
3- ألا يكون المؤسس لشركة التوصية بالأسهم بطريق طرح أسهمهما للاكتتاب من الأشخاص العاملين في الحكومة أو القطاع العام أو أية هيئة عامة الاشتراك في تأسيس الشركات المساهمة ، ومع ذلك يجوز بإذن خاص من الوزير المختصة الترخيص لأي من هؤلاء الأشخاص بالاشتراك في تأسيس إحدى الشركات المساهمة ، وذلك بعد التأكد من عدم ارتباط وظيفة الشخص بعمل الشركة أو التأثير فيها ، ويشترط ألا يتعارض الترخيص الصادر من الوزير مع واجبات الوظيفة وحسن أدائها.
4- ألا يكون قد سبق الحكم علي مؤسس شركة التوصية بالأسهم بطريق طرح أسهمها للاكتتاب بعقوبة جناية أو عقوبة جنحة عن سرقة او نصب او خيانة أمانة او تزوير او تفالس .
5- ألا يكون قد سبق الحكم علي مؤسس شركة التوصية بالأسهم بطريق طرح أسهمها للاكتتاب بعقوبة من العقوبات المنصوص عليها في المواد 162 ، 163 ، 164 من قانون الشركات وهي المواد التي تحرم بعض الأفعال التي تتم بالمخالفة القواعد تأسيس الشركات أو إدارتها طبقا لقانون الشركات . (موسوعة الشركات، الدكتور/ أحمد فاروق حجي، الشرق الأوسط للإصدارات القانونية، (إصدار النقابة العامة للمحامين) 2017، الجزء : الثاني ، الصفحة : 16)
المؤسس
تعريف :
عرفت المادة 1/7 من القانون رقم 159 لسنة 1981 المؤسس بأنه كل من يشترك اشتراكا فعليا في تأسيس الشركة بنية تحمل المسئولية الناشئة عن ذلك.
واعتبرت الفقرة الثانية من ذات المادة مؤسسة على وجه الخصوص كل من وقع العقد الابتدائي أو طلب الترخيص في تأسيس الشركة أو قدم حصة عينية عند تأسيسها ولا يعتبر مؤسسة من يشترك في التأسيس لحساب المؤسسين من أصحاب المهن وغيرها (مادة 3/7 من القانون 159 لسنة 1981).
فيجب الاعتبار الشخصي مؤسسة أن تصدر عنه تصرفات تدل على الرغبة الحقيقية في تأسيس الشركة وتحمل المسئولية عن التأسيس فيعد مؤسسة الشخص الذي يقوم بوضع نظام للشركة والتوقيع عليه أو الذي يتولى پعوة الجمهور للاكتتاب في رأس مال الشركة وبنشر البيان الخاص في الجريدة الرسمية ودفع المبالغ اللازمة لإتمام إجراءات التأسيس. ولا يكفي الاعتبار الشخصي مؤسسة أن يكون قد عاون وساعد على الترويج لمشروع الشركة أو أن ينجح في إقناع الغير بالاكتتاب أو يجمع فعلا بعض الاكتتابات أو أن يقوم الحساب المؤسسين ببعض أعمال الخبرة قانونية أم حسابية أم تجارية .
هل يلزم أن يكون المؤسس شريكا بشركة المساهمة؟
اختلف الفقه حول ذلك فذهب رأي إلى أن المؤسس لابد أن يكون شريكا لأنه هو وحده الذي تكون لديه نية تحمل المسئولية الناشئة عن تأسيس الشركة.
في حين ذهب رأي آخر إلى أنه يكتسب صفة المؤسس كل شخص - ولو لم يكن شريكة بشركة المساهمة - ساهم بنشاطه في تأسيس الشركة .
ولا يشترط في المؤسس أن يكون شخصا طبيعية فقد يكون شخصا معنويا أو شخصا اعتبارية عامة آخر أو شركة مساهمة أخرى.
الشروط القانونية الواجب توافرها في المؤسس :
الشروط الواجب توافرها في المؤسس لشركة المساهمة هي:
يجب أن يكون المؤسس راشدا ومتمتعا بالأهلية الكاملة للالتزام. ذلك لأنه مسئول عن الأخطاء التي قد تقع عند تأسيس الشركة وبصفة خاصة مسئوليته عن أخطائه إزاء الغير في حالة فشل مشروع الشركة .
ألا يكون قد سبق الحكم عليه بعقوبة جناية أو بعقوبة جنحة عن سرقة أو نصب أو خيانة أمانة أو تزوير أو تفالس (مادة 89 من القانون 159 لسنة 1981).
ألا يكون قد سبق الحكم عليه بعقوبة من العقوبات المنصوص عليها في المواد 162 ،163 ،164 من القانون رقم 159 لسنة ۱۹۸۱ (مادة ۸۹ من القانون 159 لسنة 1981) وذلك في إحدى الجرائم الآتية:
إثبات بيانات كاذبة أو مخالفة لأحكام القانون 159لسنة 1981 أو لائحته التنفيذية أو التوقيع على هذه النشرات.
تقویم حصص عينية بأكثر من قيمتها الحقيقية بطريق التدليس .
توزيع أرباح أو فوائد على خلاف أحكام القانون 159 لسنة 1981 أو نظام الشركة، والتصديق على هذا التوزيع (خاصة بعضو مجلس الإدارة والمراقب).
وضع تقدير كاذب عن نتيجة المراجعة، أو الإخفاء عمدة لوقائع جوهرية ، أو إغفال هذه الوقائع عمدة في التقرير الذي يقدم للجمعية العامة وفقا لأحكام القانون 159 لسنة 1981 (خاص بالمراقب) .
إفشاء الإسرار (خاص بالموظف العام).
التزوير في سجلات الشركة.
التصرف في حصص التأسيس أو الأسهم على خلاف أحكام القانون 159 لسنة 1981.
تعيين عضو بمجلس الإدارة أو عضو منتدب لإدارتها أو مراقبا خلافا لأحكام القانون 159 لسنة 1981.
التخلف عن تقديم الأسهم التي تخصص لضمان الإدارة (خاصة بعض مجلس الإدارة على الوجه المقرر في هذا القانون في مدى ستين يوما من تاريخ إبلاغه قرار التعيين، وكذلك التخلف عن تقديم الإقرارات الملزم بتقديمها أو الإدلاء بيانات كاذبة أو أغفل عمدا بيانا من البيانات التي يلتزم مجلس الإدارة بإعداد التقرير بشأنها وكذلك كل عضو مجلس . إدارة أثبت في تقارير الشركة بيانات غير صحيحة أو أغفل عمدا بياناتها .
مخالفة الأحكام المقررة بشأن نسبة المصريين في مجالس الإدارة أو نسبتهم من العاملين أو الأجور.
مخالفة النصوص الآمرة في القانون 159 لسنة 1981.
الإحجام عمدا عن تمكين المراقبين أو موظفي الجهة الإدارية المختصة الذين يندبون للاطلاع على الدفاتر والأوراق التي يكون لهم حق الاطلاع عليها وفقا لأحكام القانون.
ألا يجمع بين أي عمل في الحكومة أو القطاع العام أو أية هيئة عامة وبين عضوية مجلس الإدارة في إحدى الشركات المساهمة أو الاشتراك في تأسيسها. (مادة 1 / 177 من القانون رقم 159 لسنة 1981) وذلك درءا لاستغلال النفوذ.(الشركات التجارية ، الأستاذ/ حسن عبد الحليم عناية، دار محمود للنشر والتوزيع، طبعة 2018-2019 ، المجلد: الأول ، الصفحة : 19)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / الثلاثون، الصفحة / 198
عَقْد
التَّعْرِيفُ :
الْعَقْدُ فِي اللُّغَةِ: الرَّبْطُ وَالشَّدُّ وَالضَّمَانُ وَالْعَهْدُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: عَقَدَ الْحَبْلَ وَالْبَيْعَ وَالْعَهْدَ: شَدَّهُ.
وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ أَطْرَافِ الشَّيْءِ، يُقَالُ: عَقَدَ الْحَبْلَ: إِذَا جَمَعَ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الآْخَرِ وَرَبَطَ بَيْنَهُمَا.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: قِيلَ: عَقَدْتُ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ، وَعَقَدْتُ الْيَمِينَ وَعَقَّدْتُهَا بِالتَّشْدِيدِ تَوْكِيدٌ، وَعَاقَدْتُهُ عَلَى كَذَا، وَعَقَدْتُهُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى: عَاهَدْتُهُ، وَمَعْقِدُ الشَّيْءِ مِثْلُ مَجْلِسٍ: مَوْضِعُ عَقْدِهِ، وَعُقْدَةُ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ: إِحْكَامُهُ وَإِبْرَامُهُ، وَالْجَمْعُ عُقُودٌ وَمِنْهُ قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود)ِ وقوله تعالى ( وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ) أَيْ: أَحْكَامَهُ، وَالْمَعْنَى: لاَ تَعْزِمُوا عَلَى عُقْدَةِ النِّكَاحِ فِي زَمَانِ الْعِدَّةِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ الْعَقْدُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
أ - الْمَعْنَى الْعَامُّ، وَهُوَ كُلُّ مَا يَعْقِدُهُ (يَعْزِمُهُ) الشَّخْصُ أَنْ يَفْعَلَهُ هُوَ، أَوْ يَعْقِدَ عَلَى غَيْرِهِ فِعْلَهُ عَلَى وَجْهِ إِلْزَامِهِ إِيَّاهُ، كَمَا يَقُولُ الْجَصَّاصُ وَعَلَى ذَلِكَ فَيُسَمَّى الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ وَسَائِرُ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ عُقُودًا؛ لأَِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيِ الْعَقْدِ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْوَفَاءَ بِهِ، وَسُمِّيَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ عَقْدًا؛ لأَِنَّ الْحَالِفَ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْوَفَاءَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، وَكَذَلِكَ الْعَهْدُ وَالأَْمَانُ؛ لأَِنَّ مُعْطِيَهَا قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْوَفَاءَ بِهَا، وَكَذَا كُلُّ مَا شَرَطَ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَهُوَ عَقْدٌ، وَكَذَلِكَ النُّذُورُ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ.
وَمِنْ هَذَا الإِْطْلاَقِ الْعَامِّ قَوْلُ الأَْلُوسِيِّ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) حَيْثُ قَالَ: الْمُرَادُ بِهَا يَعُمُّ جَمِيعَ مَا أَلْزَمَ اللَّهُ عِبَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكَالِيفِ وَالأَْحْكَامِ الدِّينِيَّةِ وَمَا يَعْقِدُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ عُقُودِ الأَْمَانَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ.
ب - الْمَعْنَى الْخَاصُّ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى يُطْلَقُ الْعَقْدُ عَلَى مَا يَنْشَأُ عَنْ إِرَادَتَيْنِ لِظُهُورِ أَثَرِهِ الشَّرْعِيِّ فِي الْمَحَلِّ، قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: الْعَقْدُ رَبْطُ أَجْزَاءِ التَّصَرُّفِ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ.
وَبِهَذَا الْمَعْنَى عَرَّفَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِقَوْلِهِ: ارْتِبَاطُ الإِْيجَابِ بِالْقَبُولِ الاِلْتِزَامِيِّ كَعَقْدِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا.
وَمَوْضُوعُ الْبَحْثِ هُنَا الْعَقْدُ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
أ - الاِلْتِزَامُ :
أَصْلُ الاِلْتِزَامِ فِي اللُّغَةِ: مِنْ لَزِمَ يَلْزَمُ لُزُومًا؛ أَيْ ثَبَتَ وَدَامَ، يُقَالُ: لَزِمَهُ الْمَالُ: وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ الطَّلاَقُ: وَجَبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، وَأَلْزَمْتُهُ الْمَالَ وَالْعَمَلَ فَالْتَزَمَ، وَالاِلْتِزَامُ الاِعْتِنَاقُ.
وَالاِلْتِزَامُ فِي الاِصْطِلاَحِ: إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ مَا لَمْ يَكُنْ لاَزِمًا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَقَالَ الْحَطَّابُ: إِنَّهُ إِلْزَامُ الشَّخْصِ نَفْسَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا عَلَى شَيْءٍ... وَقَدْ يُطْلَقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الْتِزَامُ الْمَعْرُوفِ بِلَفْظِ الاِلْتِزَامِ.
وَالاِلْتِزَامُ أَعَمُّ مِنَ الْعَقْدِ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ.
ب - التَّصَرُّفُ.
التَّصَرُّفُ فِي اللُّغَةِ: التَّقَلُّبُ فِي الأُْمُورِ، وَالسَّعْيُ فِي طَلَبِ الْكَسْبِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّصَرُّفَ عِنْدَهُمْ هُوَ: مَا يَصْدُرُ عَنِ الشَّخْصِ بِإِرَادَتِهِ، وَيُرَتِّبُ الشَّرْعُ عَلَيْهِ أَحْكَامًا مُخْتَلِفَةً، وَيَشْمَلُ التَّصَرُّفَ الأَْفْعَالَ وَالأَْقْوَالَ وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَالتَّصَرُّفُ أَعَمُّ مِنَ الْعَقْدِ.
ج - الْعَهْدُ وَالْوَعْدُ :
الْعَهْدُ فِي اللُّغَةِ: الْوَصِيَّةُ، يُقَالُ: عَهِدَ إِلَيْهِ يَعْهَدُ: إِذَا أَوْصَاهُ، وَالْعَهْدُ: الأَْمَانُ وَالْمَوْثِقُ وَالذِّمَّةُ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَكُلِّ مَا بَيْنَ الْعِبَادِ مِنَ الْمَوَاثِيقِ.
فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْعَقْدِ بِالإِْطْلاَقِ الْعَامِّ وَأَعَمُّ مِنْهُ بِالإِْطْلاَقِ الْخَاصِّ.
وَأَمَّا الْوَعْدُ فَيَدُلُّ عَلَى تَرْجِيَةٍ بِقَوْلٍ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ حَقِيقَةً وَفِي الشَّرِّ مَجَازًا.
وَالْوَعْدُ فِي الاِصْطِلاَحِ: إِخْبَارٌ عَنْ إِنْشَاءِ الْمُخْبِرِ مَعْرُوفًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
أَرْكَانُ الْعَقْدِ :
أَرْكَانُ الشَّيْءِ: أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِهِ، وَجَوَانِبُهُ الَّتِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهَا وَيَقُومُ بِهَا.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الرُّكْنُ هُوَ الْجُزْءُ الذَّاتِيُّ الَّذِي تَتَرَكَّبُ الْمَاهِيَّةُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ بِحَيْثُ يَتَوَقَّفُ تَقَوُّمُهَا عَلَيْهِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ لاَ يُوجَدُ إِلاَّ إِذَا وُجِدَ عَاقِدٌ وَصِيغَةٌ (الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ) وَمَحَلٌّ يَرِدُ عَلَيْهِ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ (الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ).
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الثَّلاَثَةَ كُلَّهَا أَرْكَانُ الْعَقْدِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُكْنَ الْعَقْدِ هُوَ الصِّيغَةُ فَقَطْ، أَمَّا الْعَاقِدَانِ وَالْمَحَلُّ فَمِمَّا يَسْتَلْزِمُهُ وُجُودُ الصِّيغَةِ، لاَ مِنَ الأَْرْكَانِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَا عَدَا الصِّيغَةَ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ حَقِيقَةِ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَيْهِ.
وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصِّيغَةِ وَالْعَاقِدَيْنِ وَالْمَحَلِّ شُرُوطٌ لاَ بُدَّ لِوُجُودِ الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ مِنْ تَوَافُرِهَا، نَبْحَثُهَا فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً - صِيغَةُ الْعَقْدِ :
صِيغَةُ الْعَقْدِ: كَلاَمٌ أَوْ فِعْلٌ يَصْدُرُ مِنَ الْعَاقِدِ وَيَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ، وَيُعَبِّرُ عَنْهَا الْفُقَهَاءُ بِـ (الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ).
وَتَخْتَلِفُ الصِّيغَةُ فِي الْعَقْدِ حَسْبَ اخْتِلاَفِ الْعُقُودِ.
فَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَثَلاً يَصْلُحُ لِلصِّيغَةِ كُلُّ لَفْظٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَالتَّمْلِيكِ بِعِوَضٍ، مِثْلِ قَوْلِ الْبَائِعِ: بِعْتُكَ، أَوْ: أَعْطَيْتُكَ، أَوْ: مَلَّكْتُكَ بِكَذَا، وَقَوْلِ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ، أَوْ تَمَلَّكْتُ، أَوِ ابْتَعْتُ، أَوْ: قَبِلْتُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَفِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ يَكْفِي كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ، مِثْلُ قَوْلِ الْمُحِيلِ: أَحَلْتُكَ وَأَتْبَعْتُكَ، وَقَوْلِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ: رَضِيتُ وَقَبِلْتُ، وَنَحْوَهَا.
وَعَقْدُ الرَّهْنِ يَنْعَقِدُ بِقَوْلِ الرَّاهِنِ: رَهَنْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ أَعْطَيْتُهَا لَكَ رَهْنًا، وَقَوْلِ الْمُرْتَهِنِ: قَبِلْتُ أَوْ رَضِيتُ.
فَالأَْصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ لُغَةً أَوْ عُرْفًا يَنْعَقِدُ بِهِ الْعَقْدُ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْعَقْدِ فِي الأَْصْلِ لَفْظٌ خَاصٌّ، وَلاَ صِيغَةٌ خَاصَّةٌ.
وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ هَذَا الأَْصْلِ عَقْدَ النِّكَاحِ، فَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالزَّوَاجِ وَمُشْتَقَّاتِهِمَا، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، قَالَ الشِّرْبِينِيُّ: وَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِلَفْظٍ اشْتُقَّ مِنْ لَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوِ الإِْنْكَاحِ، دُونَ لَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَنَحْوِهِمَا كَالإِْحْلاَلِ وَالإِْبَاحَةِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ سِوَاهُمَا فَوَجَبَ الْوُقُوفُ مَعَهُمَا تَعَبُّدًا وَاحْتِيَاطًا؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ يَنْزِعُ إِلَى الْعِبَادَاتِ لِوُرُودِ النَّدْبِ فِيهِ، وَالأَْذْكَارُ فِي الْعِبَادَاتِ تُتَلَقَّى مِنَ الشَّرْعِ.
وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَلاَ يَصِحُّ إِيجَابٌ إِلاَّ بِلَفْظِ أَنْكَحْتُ أَوْ زَوَّجْتُ.. وَلاَ يَصِحُّ قَبُولٌ لِمَنْ يُحْسِنُهَا إِلاَّ بِقَبِلْتُ تَزْوِيجَهَا أَوْ نِكَاحَهَا، أَوْ هَذَا التَّزْوِيجَ أَوْ هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ تَزَوَّجْتُهَا، أَوْ رَضِيتُ هَذَا النِّكَاحَ، أَوْ قَبِلْتُ، فَقَطْ، أَوْ: تَزَوَّجْتُ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَشْتَرِطُونَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ، فَيَصِحُّ عِنْدَهُمَا بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ، كَأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ وَمَلَّكْتُ وَبِعْتُ وَوَهَبْتُ وَنَحْوِهَا، إِذَا قُرِنَ بِالْمَهْرِ وَدَلَّ اللَّفْظُ عَلَى الزَّوَاجِ.
وَلِلتَّفْصِيلِ ر: (نِكَاح وَصِيغَة).
الْمُرَادُ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ.
الْمُرَادُ بِالإِْيجَابِ فِي الْعُقُودِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ: مَا صَدَرَ أَوَّلاً مِنْ كَلاَمِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْكَلاَمِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الْمُمَلِّكِ أَمْ مِنَ الْمُتَمَلِّكِ، وَالْقَبُولُ: مَا صَدَرَ ثَانِيًا عَنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ دَالًّا عَلَى مُوَافَقَتِهِ بِمَا أَوْجَبَهُ الأَْوَّلُ فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ أَوَّلِيَّةُ الصُّدُورِ فِي الإِْيجَابِ وَثَانَوِيَّتُهُ فِي الْقَبُولِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ الْمُمَلِّكِ أَمْ مِنَ الْمُتَمَلِّكِ.
وَيَرَى غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الإِْيجَابَ: مَا صَدَرَ مِمَّنْ يَكُونُ مِنْهُ التَّمْلِيكُ كَالْبَائِعِ وَالْمُؤَجِّرِ وَالزَّوْجَةِ أَوْ وَلِيِّهَا، سَوَاءٌ صَدَرَ أَوَّلاً أَوْ آخِرًا، وَالْقَبُولُ: هُوَ مَا صَدَرَ مِمَّنْ يَصِيرُ لَهُ الْمِلْكُ وَإِنْ صَدَرَ أَوَّلاً، فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ هُوَ أَنَّ الْمُمَلِّكَ هُوَ الْمُوجِبُ وَالْمُتَمَلِّكُ هُوَ الْقَابِلُ، وَلاَ اعْتِبَارَ لِمَا صَدَرَ أَوَّلاً أَوْ آخِرًا وَسَائِلُ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ.
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ الإِْيجَابَ وَالْقَبُولَ كَمَا يَحْصُلاَنِ بِالأَْلْفَاظِ، كَذَلِكَ يَحْصُلاَنِ بِالْكِتَابَةِ وَالإِْشَارَةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْمُعَاطَاةِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ بَعْضِ هَذِهِ الْوَسَائِلِ فِي بَعْضِ الْعُقُودِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - الْعَقْدُ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ اللَّفْظِيَّيْنِ.
الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ بِالأَْلْفَاظِ هُوَ الأَْصْلُ فِي انْعِقَادِ الْعُقُودِ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الإِْيجَابَ وَالْقَبُولَ إِذَا كَانَا بِصِيغَةِ الْمَاضِي يَنْعَقِدُ بِهِمَا الْعَقْدُ كَمَا إِذَا قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى النِّيَّةِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَاضِي وَضْعًا لَكِنَّهَا جُعِلَتْ إِيجَابًا لِلْحَالِ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ، وَالْعُرْفُ قَاضٍ عَلَى الْوَضْعِ كَمَا عَلَّلَهُ الْكَاسَانِيُّ ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ الأَْلْفَاظَ صَرِيحَةٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فَيَلْزَمُهُمَا، كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ.
وَلاَ يَنْعَقِدُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الاِسْتِقْبَالِ كَصِيغَةِ الاِسْتِفْهَامِ وَالْمُضَارِعِ الْمُرَادِ بِهِ الاِسْتِقْبَالُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَدُلُّ عَلَى الْحَالِ كَصِيغَةِ الأَْمْرِ مَثَلاً، كَقَوْلِهِ: بِعْنِي، فَإِذَا أَجَابَهُ الآْخَرُ بِقَوْلِهِ: بِعْتُكَ، قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: كَانَ هَذَا اللَّفْظُ الثَّانِي إِيجَابًا وَاحْتَاجَ إِلَى قَبُولٍ مِنَ الأَْوَّلِ، وَهَذَا رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِلُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا.
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - يَنْعَقِدُ بِهِمَا الْبَيْعُ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ مِنَ الأَْوَّلِ.
أَمَّا صِيغَةُ الْمُضَارِعِ فَإِذَا أَرَادَ بِهَا الْحَالَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ وَإِلاَّ فَلاَ، فَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: إِذَا قَالَ الْبَائِعُ: أَبِيعُ مِنْكَ هَذَا بِأَلْفٍ أَوْ أَبْذُلُهُ أَوْ أُعْطِيكَهُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَشْتَرِيهِ مِنْكَ أَوْ آخُذُهُ، وَنَوَيَا الإِْيجَابَ لِلْحَالِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بِلَفْظِ الْمَاضِي وَالآْخَرُ بِالْمُسْتَقْبَلِ مَعَ نِيَّةِ الإِْيجَابِ لِلْحَالِ - فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَنْعَقِدْ.
وَمِثْلُهُ مَا نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ حَيْثُ قَالَ: إِنْ أَتَى بِصِيغَةِ الْمَاضِي لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ رُجُوعٌ، وَإِنْ أَتَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فَكَلاَمُهُ مُحْتَمَلٌ، فَيَحْلِفُ عَلَى مَا أَرَادَهُ.
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: (صِيغَة ف 7).
اعْتِبَارُ اللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى فِي الْعَقْدِ.
مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ: الْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي لاَ لِلأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي مَعْنَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ - كَمَا يَقُولُ فِي الدُّرَرِ - أَنَّهُ عِنْدَ حُصُولِ الْعَقْدِ لاَ يُنْظَرُ لِلأَْلْفَاظِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الْعَاقِدَانِ حِينَ الْعَقْدِ، بَلْ إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى مَقَاصِدِهِمُ الْحَقِيقِيَّةِ مِنَ الْكَلاَمِ الَّذِي يُلْفَظُ بِهِ حِينَ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْمَعْنَى وَلَيْسَ اللَّفْظُ وَلاَ الصِّيغَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ، وَمَا الأَْلْفَاظُ إِلاَّ قَوَالِبُ لِلْمَعَانِي.وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَطْبِيقِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي مُخْتَلِفِ الْعُقُودِ، فَطَبَّقُوهَا فِي بَعْضِهَا وَلَمْ يُطَبِّقُوهَا فِي بَعْضٍ، وَذَلِكَ حَسْبَ اخْتِلاَفِ طَبِيعَةِ هَذِهِ الْعُقُودِ.
وَالظَّاهِرُ : أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مُطَبَّقَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ عَقْدٍ، وَلَهَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: الاِعْتِبَارُ لِلْمَعْنَى لاَ لِلأَْلْفَاظِ، صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا الْكَفَالَةُ، فَهِيَ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَْصِيلِ حَوَالَةٌ، وَهِيَ بِشَرْطِ عَدَمِ بَرَاءَتِهِ كَفَالَةٌ.. وَلَوْ وَهَبَ الدَّيْنَ لِمَنْ عَلَيْهِ كَانَ إِبْرَاءً لِلْمَعْنَى، فَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ عَلَى الصَّحِيحِ.. وَلَوْ رَاجَعَهَا بِلَفْظِ النِّكَاحِ صَحَّتِ الرَّجْعَةُ لِلْمَعْنَى، وَيَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِقَوْلِهِ: خُذْ هَذَا بِكَذَا، فَقَالَ: أَخَذْتُ، وَيَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ مَعَ ذِكْرِ الْبَدَلِ، وَبِلَفْظِ الإِْعْطَاءِ وَالاِشْتِرَاءِ. وَتَنْعَقِدُ الإِْجَارَةُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَبِلَفْظِ الصُّلْحِ عَنِ الْمَنَافِعِ، وَبِلَفْظِ الْعَارِيَّةِ، وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكِ الْعَيْنِ لِلْحَالِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَيَنْعَقِدُ السَّلَمُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ كَعَكْسِهِ، وَلَوْ شَرَطَ رَبُّ الْمَالِ لِلْمُضَا رِبِ كُلَّ الرِّبْحِ كَانَ الْمَالُ قَرْضًا، وَلَوْ شَرَطَ لِرَبِّ الْمَالِ كَانَ إِبْضَاعًا.
ثُمَّ قَالَ: وَخَرَجَتْ عَنْ هَذَا الأَْصْلِ مَسَائِلُ:
مِنْهَا: لاَ تَنْعَقِدُ الْهِبَةُ بِالْبَيْعِ بِلاَ ثَمَنٍ، وَلاَ الْعَارِيَّةُ بِالإِْجَارَةِ بِلاَ أُجْرَةٍ وَلاَ الْبَيْعُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، وَلاَ يَقَعُ الْعِتْقُ بِأَلْفَاظِ الطَّلاَقِ وَإِنْ نَوَى، وَالطَّلاَقُ وَالْعَتَاقُ تُرَاعَى فِيهِمَا الأَْلْفَاظُ لاَ الْمَعْنَى فَقَطْ.
وَمِنْ أَهَمِّ الْمَسَائِلِ الَّتِي طَبَّقَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الْقَاعِدَةَ فِيهَا عَقْدُ بَيْعِ الْوَفَاءِ. فَإِذَا قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُ هَذِهِ الدَّارَ بَيْعَ الْوَفَاءِ بِكَذَا، وَقَبِلَ الآْخَرُ، لاَ يُفِيدُ تَمْلِيكَ عَيْنِ الدَّارِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ يُفِيدُ تَمْلِيكَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ لأَِنَّ التَّمْلِيكَ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، بَلِ الْمَقْصُودَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ تَأْمِينُ دَيْنِ الْمُشْتَرِي الْمُتَرَتِّبِ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ، وَإِبْقَاءُ الْمَبِيعِ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي لِحِينِ وَفَاءِ الدَّيْنِ، وَلِهَذَا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الرَّهْنِ دُونَ الْبَيْعِ اعْتِبَارًا لِلْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي دُونَ الأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ لِلْبَائِعِ فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ أَنْ يُعِيدَ الثَّمَنَ وَيَسْتَرِدَّ الْمَبِيعَ، كَمَا أَنَّهُ يَحِقُّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُعِيدَ الْمَبِيعَ وَيَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ.
وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ الْمَبِيعَ وَفَاءً مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ؛ لأَِنَّهُ كَالرَّهْنِ.كَمَا لاَ يَحِقُّ لِلْمُشْتَرِي فِي بَيْعِ الْوَفَاءِ حَقُّ الشُّفْعَةِ، وَتَبْقَى الشُّفْعَةُ لِلْبَائِعِ.
وَلِلتَّفْصِيلِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (بَيْعُ الْوَفَاءِ ف 7).
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعُقُودَ كُلَّهَا إِنَّمَا هِيَ بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْدِ مَعَ اللَّفْظِ الْمُشْعِرِ بِذَلِكَ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ إِشَارَةٍ وَشَبَهِهَا، وَقَدْ تَوَسَّعُوا بِالأَْخْذِ بِالْمَعْنَى فِي بَعْضِ الْعُقُودِ حَتَّى أَجَازُوا الْبَيْعَ بِالْمُعَاطَاةِ وَقَالُوا: كُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ، وَشَدَّدُوا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَاشْتَرَطُوا فِيهِ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَيْهِ وَلَكِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِيهِ لَفْظَ النِّكَاحِ أَوِ الزَّوَاجِ، وَقَالُوا: يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ كَالنِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا، وَقَالُوا: إِنْ قَصَدَ بِاللَّفْظِ النِّكَاحَ صَحَّ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَلَمْ يَأْخُذُوا بِتَرْجِيحِ الْمَعَانِي عَلَى الأَْلْفَاظِ فِي الْعُقُودِ كَأَصْلٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، بَلْ ذَكَرُوا فِي الأَْخْذِ بِهِ خِلاَفًا، قَالَ السُّيُوطِيُّ: هَلِ الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ بِمَعَانِيهَا ؟ خِلاَفٌ، وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ فِي الْفُرُوعِ، فَمِنْهَا: إِذَا قَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: بِعْتُكَ، فَرَجَّحَ الشَّيْخَانِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بَيْعًا اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ.
وَالثَّانِي - وَرَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ - أَنَّهُ يَنْعَقِدُ سَلَمًا اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى.
وَمِنْهَا: إِذَا وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ فَهَلْ يَكُونُ بَيْعًا اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى أَوْ هِبَةً بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ ؟ الأَْصَحُّ: الأَْوَّلُ.
وَمِنْهَا: إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ ثَمَنًا، فَإِنْ رَاعَيْنَا الْمَعْنَى انْعَقَدَ هِبَةً، أَوِ اللَّفْظَ فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ، فَلَيْسَ بِسَلَمٍ قَطْعًا، وَلاَ يَنْعَقِدُ بَيْعًا عَلَى الأَْظْهَرِ لاِخْتِلاَفِ اللَّفْظِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى.
وَمِنْهَا: إِذَا قَالَ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: وَهَبْتُهُ مِنْكَ، فَفِي اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ اعْتِبَارًا بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَالثَّانِي: لاَ، اعْتِبَارًا بِمَعْنَى الإِْبْرَاءِ.
وَمِنْهَا: الْخِلاَفُ فِي الرَّجْعَةِ بِلَفْظِ النِّكَاحِ، وَالإِْجَارَةِ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَالسَّلَمِ بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ، وَالإِْجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَالْبَيْعِ بِلَفْظِ الإِْقَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ بِلَفْظِ الضَّمَانِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ.
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ضَابِطًا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَقَالَ:
وَالضَّابِطُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ إِنْ تَهَافَتَ اللَّفْظُ حُكِمَ بِالْفَسَادِ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَبِعْتُكَ بِلاَ ثَمَنٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَهَافَتْ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ فِي مَدْلُولِهَا أَوِ الْمَعْنَى، فَإِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ كَأَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ فَالأَْصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ؛ لاِشْتِهَارِ الصِّيغَةِ فِي بَيْعِ الذِّمَمِ، وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ بَيْعًا.. وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ، بَلْ كَانَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودَ، كَوَهَبْتُكَ بِكَذَا، فَالأَْصَحُّ انْعِقَادُهُ بَيْعًا، وَإِنِ اسْتَوَى الأَْمْرَانِ فَوَجْهَانِ، وَالأَْصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ؛ لأَِنَّهَا الأَْصْلُ وَالْمَعْنَى تَابِعٌ لَهَا
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَخَذُوا بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَرَجَّحُوا الْمَقَاصِدَ وَالْمَعَانِيَ عَلَى الأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي فِي أَكْثَرِ الْعُقُودِ مَعَ بَعْضِ الاِسْتِثْنَاءَاتِ وَالْخِلاَفِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ.
يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ: مَنْ تَدَبَّرَ مَصَادِرَ الشَّرْعِ وَمَوَارِدَهُ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الشَّارِعَ أَلْغَى الأَْلْفَاظَ الَّتِي لَمْ يَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا مَعَانِيَهَا بَلْ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ، كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي وَالسَّكْرَانِ وَالْجَاهِلِ وَالْمُكْرَهِ وَالْمُخْطِئِ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ أَوِ الْغَضَبِ أَوِ الْمَرَضِ، وَنَحْوِهِمْ، وَلَمْ يُكَفِّرْ مَنْ قَالَ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ بِرَاحِلَتِهِ بَعْدَ يَأْسِهِ مِنْهَا:(اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ) فَكَيْفَ يَعْتَبِرُ الأَْلْفَاظَ الَّتِي يُقْطَعُ بِأَنَّ مُرَادَ قَائِلِهَا خِلاَفُهَا ؟.
وَيَقُولُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَإِنْ أَظْهَرَا خِلاَفَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ فَالْعِبْرَةُ لِمَا أَضْمَرَاهُ وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ وَقَصَدَاهُ بِالْعَقْدِ.
وَيَقُولُ: إِنَّ الْقَصْدَ رُوحُ الْعَقْدِ وَمُصَحِّحُهُ وَمُبْطِلُهُ، فَاعْتِبَارُ الْمَقْصُودِ فِي الْعُقُودِ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ الأَْلْفَاظِ، فَإِنَّ الأَْلْفَاظَ مَقْصُودَةٌ لِغَيْرِهَا، وَمَقَاصِدُ الْعُقُودِ هِيَ الَّتِي تُرَادُ لأَِجْلِهَا، فَعُلِمَ أَنَّ الاِعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ وَالأَْفْعَالِ بِحَقَائِقِهَا وَمَقَاصِدِهَا دُونَ ظَوَاهِرِ أَلْفَاظِهَا وَأَفْعَالِهَا.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ فِي اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ فِي الْعُقُودِ دُونَ الأَْلْفَاظِ فَإِنَّ الْحَنَابِلَةَ ذَكَرُوا بَعْضَ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ فِي اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ أَوِ الأَْلْفَاظِ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: إِذَا وَصَلَ بِأَلْفَاظِ الْعُقُودِ مَا يُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا فَهَلْ يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ، أَوْ يُجْعَلُ كِنَايَةً عَمَّا يُمْكِنُ صِحَّتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ ؟ فِيهِ خِلاَفٌ يَلْتَفِتُ إِلَى أَنَّ الْمُغَلَّبَ هَلْ هُوَ اللَّفْظُ أَوِ الْمَعْنَى ؟ وَيَتَخَرَّجُ عَلَى ذَلِكَ مَسَائِلُ:
مِنْهَا : لَوْ أَعَارَهُ شَيْئًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْعِوَضَ فَهَلْ يَصِحُّ أَمْ لاَ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ وَيَكُونُ كِنَايَةً عَنِ الْقَرْضِ فَيَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ إِذَا كَانَ مَكِيلاً أَوْ مَوْزُونًا، وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَفْسُدُ بِذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْعِوَضَ يُخْرِجُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ، أَوْ لِي، فَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: إِنَّهَا مُضَارَبَةٌ فَاسِدَةٌ يَسْتَحِقُّ فِيهَا أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَنَقَلَ ابْنُ رَجَبٍ عَنِ الْمُغْنِي أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّهُ إِبْضَاعٌ صَحِيحٌ، فَرَاعَى الْحُكْمَ دُونَ اللَّفْظِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ حَالًّا فَهَلْ يَصِحُّ وَيَكُونُ بَيْعًا ؟ أَوْ لاَ يَصِحُّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ: لاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ بِلَفْظِ السَّلَمِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، قَالَهُ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ خِلاَفِهِ.
وَهَكَذَا نَجِدُ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي تَطْبِيقِ قَاعِدَةِ تَرْجِيحِ الْمَقَاصِدِ وَالْمَعَانِي عَلَى الأَْلْفَاظِ وَالْمَبَانِي فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ مَعَ أَخْذِهِمْ بِهَا كَأَصْلٍ.
الصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ فِي الصِّيغَةِ.
مِنَ الصِّيَغِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الدَّلاَلَةِ عَلَى الْمُرَادِ فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةٍ؛ لأَِنَّ الْمَعْنَى مَكْشُوفٌ عِنْدَ السَّامِعِ كَمَا يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ كِنَايَةٌ، فَلاَ يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ أَوِ الْقَرِينَةِ؛ لأَِنَّهُ كَمَا يَقُولُ الشُّبْرَامِلْسِيُّ يَحْتَمِلُ الْمُرَادَ وَغَيْرَهُ، فَيَحْتَاجُ فِي الاِعْتِدَادِ بِهِ لِنِيَّةِ الْمُرَادِ لِخَفَائِهِ.
وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الطَّلاَقَ وَالْعِتْقَ وَالأَْيْمَانَ وَالنُّذُورَ تَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ كَمَا تَنْعَقِدُ بِالصَّرِيحِ.
وَلَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي انْعِقَادِ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ بِالْكِنَايَاتِ.
وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاً فِي بَيَانِ اسْتِعْمَالِ صِيَغِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ فِي الْعُقُودِ هُمُ الشَّافِعِيَّةُ، فَفِي الْمَجْمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: كُلُّ تَصَرُّفٍ يَسْتَقِلُّ بِهِ الشَّخْصُ كَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَالإِْبْرَاءِ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ بِلاَ خِلاَفٍ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالصَّرِيحِ، وَأَمَّا مَا لاَ يَسْتَقِلُّ بِهِ بَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الإِْشْهَادُ كَالنِّكَاحِ وَبَيْعِ الْوَكِيلِ إِذَا شَرَطَ الْمُوَكِّلُ الإِْشْهَادَ، فَهَذَا لاَ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ بِلاَ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّ الشَّاهِدَ لاَ يَعْلَمُ النِّيَّةَ.
وَالثَّانِي: مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الإِْشْهَادُ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَقْبَلُ مَقْصُودُهُ التَّعْلِيقَ بِالْغَرَرِ كَالْكِتَابَةِ وَالْخُلْعِ فَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ بِلاَ خِلاَفٍ.
وَالثَّانِي: مَا لاَ يَقْبَلُهُ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي انْعِقَادِ هَذِهِ الْعُقُودِ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، أَصَحُّهُمَا الاِنْعِقَادُ كَالْخُلْعِ لِحُصُولِ التَّرَاضِي مَعَ جَرَيَانِ اللَّفْظِ وَإِرَادَةِ الْمَعْنَى، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ رضي الله عنه وَفِيهِ: «قَالَ لِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : بِعْنِي جَمَلَكَ، فَقُلْتُ: إِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ».
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالْخِلاَفُ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ هُوَ فِيمَا إِذَا عَدِمَتْ قَرَائِنَ الأَْحْوَالِ، فَإِنْ تَوَفَّرَتْ وَأَفَادَتِ التَّفَاهُمَ وَجَبَ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ، لَكِنَّ النِّكَاحَ لاَ يَصِحُّ بِالْكِنَايَةِ وَإِنْ تَوَافَرَتِ الْقَرَائِنُ.
وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَابِلَةِ فِي دُخُولِ الْكِنَايَةِ فِي الْعُقُودِ، فَفِي الْقَوَاعِدِ لاِبْنِ رَجَبٍ: يَخْتَلِفُ الأَْصْحَابُ فِي انْعِقَادِ الْعُقُودِ بِالْكِنَايَاتِ، فَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوَاضِعَ: لاَ كِنَايَةٌ إِلاَّ فِي الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ، وَسَائِرُ الْعُقُودِ لاَ كِنَايَاتٌ فِيهَا.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: أَنَّ الْبَيْعَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَقَعُ بِالأَْلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ وَبِالْكِنَايَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَلاَ أَذْكُرُ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلاً إِلاَّ أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) قَالَ: الْبَيْعُ قَبُولٌ وَإِيجَابٌ يَقَعُ بِاللَّفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي، فَالْمَاضِي فِيهِ حَقِيقَةٌ، وَالْمُسْتَقْبَلُ كِنَايَةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالْبَيْعُ يَقَعُ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ الْمَفْهُومِ مِنْهَا نَقْلُ الْمِلْكِ وَنَقَلَ الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ صِيغَةُ الْبَيْعِ بِلَفْظِ الْمَاضِي فَتَلْزَمُ، أَوْ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ فَيَحْلِفُ، ثُمَّ نَقَلَ قَوْلَ الْقُرْطُبِيِّ: الْبَيْعُ يَقَعُ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ الْمَفْهُومِ مِنْهَا نَقْلُ الْمِلْكِ، وَفِي الْحَطَّابِ أَيْضًا: إِنْ أَتَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ فِي الْبَيْعِ فَكَلاَمُهُ مُحْتَمَلٌ فَيَحْلِفُ عَلَى مَا أَرَادَهُ.
وَالَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْكِنَايَةَ تَدْخُلُ فِي الْعُقُودِ كَذَلِكَ، قَالَ الْكَاسَانِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ: لَوْ قَالَ: حَمَلْتُكَ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْهِبَةَ، وَيَحْتَمِلُ الْعَارِيَّةَ، فَإِنَّهُ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه قَالَ: «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: لاَ تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ».
فَاحْتَمَلَ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ وَاحْتَمَلَ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ لِلتَّعْيِينِ وَقَالَ الْكَاسَانِيُّ: لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: أَبِيعُهُ مِنْكَ بِكَذَا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَشْتَرِيهِ، وَنَوَيَا الإِْيجَابَ فَإِنَّ الرُّكْنَ يَتِمُّ وَيَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا النِّيَّةَ هُنَا - وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ أَفْعَلَ لِلْحَالِ هُوَ الصَّحِيحَ -؛ لأَِنَّهُ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا لِلاِسْتِقْبَالِ إِمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، فَوَقَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى التَّعْيِينِ بِالنِّيَّةِ.
ب - الْعَقْدُ بِالْكِتَابَةِ أَوِ الرِّسَالَةِ.
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى صِحَّةِ الْعُقُودِ وَانْعِقَادِهَا بِالْكِتَابَةِ وَإِرْسَالِ رَسُولٍ إِذَا تَمَّ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ بِهِمَا، وَهَذَا فِي غَيْرِ عَقْدِ النِّكَاحِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الْعُقُودِ وَفَصَّلُوا فِي بَعْضِ الشُّرُوطِ. قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ: الْكِتَابُ كَالْخِطَابِ، وَكَذَا الإِْرْسَالُ، حَتَّى اعْتُبِرَ مَجْلِسُ بُلُوغِ الْكِتَابِ وَأَدَاءِ الرِّسَالَةِ.وَقَالَ الدُّسُوقِيُّ فِي بَابِ الْبَيْعِ: يَصِحُّ بِقَوْلٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَوْ كِتَابَةٍ مِنْهُمَا، أَوْ قَوْلٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَكِتَابَةٍ مِنَ الآْخَرِ.
أَمَّا عَقْدُ النِّكَاحِ فَلاَ يَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَاقِدَانِ حَاضِرَيْنِ أَمْ غَائِبَيْنِ، قَالَ الدَّرْدِيرُ: وَلاَ تَكْفِي فِي النِّكَاحِ الإِْشَارَةُ وَلاَ الْكِتَابَةُ إِلاَّ لِضَرُورَةِ خَرَسٍ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَفُسِخَ مُطْلَقًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ طَالَ، كَمَا لَوِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْوَلِيِّ أَوِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، أَوِ اخْتَلَّ رُكْنٌ، كَمَا لَوْ زَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِلاَ وَلِيٍّ أَوْ لَمْ تَقَعِ الصِّيغَةُ بِقَوْلٍ، بَلْ بِكِتَابَةٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ بِقَوْلٍ غَيْرِ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا.
وَقَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَلاَ يَنْعَقِدُ بِكِتَابَةٍ فِي غَيْبَةٍ أَوْ حُضُورٍ؛ لأَِنَّهَا كِنَايَةٌ، فَلَوْ قَالَ لِغَائِبٍ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، أَوْ قَالَ: زَوَّجْتُهَا مِنْ فُلاَنٍ، ثُمَّ كَتَبَ فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ فَقَالَ: قَبِلْتُ، لَمْ يَصِحَّ.
وَقَالَ الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ بِإِشَارَةٍ وَلاَ كِتَابَةٍ لِلاِسْتِغْنَاءِ عَنْهَا.
وَفَصَّلَ الْحَنَفِيَّةُ فِي جَوَازِ عَقْدِ النِّكَاحِ بِالْكِتَابَةِ فَقَالُوا: لاَ يَنْعَقِدُ بِكِتَابَةِ حَاضِرٍ، فَلَوْ كَتَبَ: تَزَوَّجْتُكِ، فَكَتَبَتْ: قَبِلْتُ، لَمْ يَنْعَقِدْ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَتْ: قَبِلْتُ، أَمَّا كِتَابَةُ غَائِبٍ عَنِ الْمَجْلِسِ فَيَنْعَقِدُ بِهَا النِّكَاحُ بِشُرُوطٍ وَكَيْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ نَقَلَهَا ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْكِتَابَةِ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالْخِطَابِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهَا يَخْطُبَهَا، فَإِذَا بَلَغَهَا الْكِتَابُ أَحْضَرَتِ الشُّهُودَ وَقَرَأَتْهُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَتْ: زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْهُ، أَوْ تَقُولُ: إِنَّ فُلاَنًا كَتَبَ إِلَيَّ يَخْطِبُنِي فَاشْهَدُوا أَنِّي زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْهُ، أَمَّا لَوْ لَمْ تَقُلْ بِحَضْرَتِهِمْ سِوَى: زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْ فُلاَنٍ، لاَ يَنْعَقِدُ؛ لأَِنَّ سَمَاعَ الشَّطْرَيْنِ شَرْطُ صِحَّةِ النِّكَاحِ، وَبِإِسْمَاعِهِمُ الْكِتَابَ أَوِ التَّعْبِيرَ عَنْهُ مِنْهَا يَكُونُونَ قَدْ سَمِعُوا الشَّطْرَيْنِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا انْتَفَيَا، وَنَقَلَ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْكَامِلِ: هَذَا الْخِلاَفَ إِذَا كَانَ الْكِتَابُ بِلَفْظِ التَّزَوُّجِ، أَمَّا إِذَا كَانَ بِلَفْظِ الأَْمْرِ، كَقَوْلِهِ: زَوِّجِي نَفْسَكِ مِنِّي، لاَ يُشْتَرَطُ إِعْلاَمُهَا الشُّهُودَ بِمَا فِي الْكِتَابِ؛ لأَِنَّهَا تَتَوَلَّى طَرَفَيِ الْعَقْدِ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْعَقْدِ بِالْكِتَابَةِ - عُمُومًا - أَنْ تَكُونَ مُسْتَبِينَةً؛ أَيْ تَبْقَى صُورَتُهَا بَعْدَ الاِنْتِهَاءِ مِنْهَا، كَالْكِتَابَةِ عَلَى الصَّحِيفَةِ أَوِ الْوَرَقِ، وَأَنْ تَكُونَ مَرْسُومَةً بِالطَّرِيقَةِ الْمُعْتَادَةِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ فَتُقْرَأُ وَتُفْهَمُ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَبِينَةٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْمَاءِ أَوِ الْهَوَاءِ، أَوْ غَيْرَ مَرْسُومَةٍ بِالطَّرِيقَةِ الْمُعْتَادَةِ فَلاَ يَنْعَقِدُ بِهَا أَيُّ عَقْدٍ.
وَوَجْهُ انْعِقَادِ الْعُقُودِ بِالْكِتَابَةِ هُوَ أَنَّ الْقَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ بَلْ رُبَّمَا تَكُونُ هِيَ أَقْوَى مِنَ الأَْلْفَاظِ، وَلِذَلِكَ حَثَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى تَوْثِيقِ دُيُونِهِمْ بِالْكِتَابَةِ حَيْثُ قَالَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ( ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا).
ج - الْعَقْدُ بِالإِْشَارَةِ.
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِشَارَةَ الأَْخْرَسِ الْمَعْهُودَةَ وَالْمَفْهُومَةَ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا، فَيَنْعَقِدُ بِهَا جَمِيعُ الْعُقُودِ، كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: الإِْشَارَةُ مِنَ الأَْخْرَسِ مُعْتَبَرَةٌ وَقَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ النَّفْرَاوِيُّ: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالْكَلاَمِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَقَالَ الْخَطِيبُ: إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ وَكِتَابَتُهُ بِالْعَقْدِ كَالنُّطْقِ لِلضَّرُورَةِ.وَمِثْلُهُ مَا قَالَهُ الْحَنَابِلَةُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِشَارَةِ غَيْرِ الأَْخْرَسِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِذَا كَانَ الشَّخْصُ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ لاَ تُعْتَبَرُ إِشَارَتُهُ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِاعْتِبَارِ الإِْشَارَةِ فِي الْعُقُودِ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ.
وَهَلْ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ شَرْطٌ لِلْعَمَلِ بِالإِْشَارَةِ أَمْ لاَ ؟ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا.
وَتَفْصِيلُ الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (إِشَارَة).
د - الْعَقْدُ بِالتَّعَاطِي (الْمُعَاطَاةِ).
التَّعَاطِي مَصْدَرُ تَعَاطَى، مِنَ الْعَطْوِ بِمَعْنَى التَّنَاوُلِ، وَصُورَتُهُ فِي الْبَيْعِ: أَنْ يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَيَدْفَعَ لِلْبَائِعِ الثَّمَنَ، أَوْ يَدْفَعَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ فَيَدْفَعَ الآْخَرُ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّمٍ وَلاَ إِشَارَةٍ، وَكَمَا يَكُونُ التَّعَاطِي فِي الْبَيْعِ يَكُونُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَاوَضَاتِ.
وَعَقْدُ الزَّوَاجِ لاَ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي.
أَمَّا سَائِرُ الْعُقُودِ فَالأَْصْلُ فِيهَا أَنْ تَنْعَقِدَ بِالأَْقْوَالِ؛ لأَِنَّ الأَْفْعَالَ لَيْسَ لَهَا دَلاَلَةٌ بِأَصْلِ وَضْعِهَا عَلَى الاِلْتِزَامِ بِالْعَقْدِ، لَكِنْ إِذَا كَانَ التَّعَاطِي يَنْطَوِي عَلَى دَلاَلَةٍ تُشْبِهُ الدَّلاَلَةَ اللَّفْظِيَّةَ حَسْبَ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِ الْعَقْدُ إِذَا وُجِدَتْ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الرِّضَا، وَهَذَا فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالاِسْتِصْنَاعِ وَنَحْوِهَا، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عَدَمُ جَوَازِ الْعُقُودِ بِالتَّعَاطِي، وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ الْعَقْدَ بِالتَّعَاطِي فِي الْمُحَقَّرَاتِ دُونَ غَيْرِهَا، وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ الاِنْعِقَادَ بِهَا فِي كُلِّ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا.
مُوَافَقَةُ الْقَبُولِ لِلإِْيجَابِ.
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ مِنْ تَوَافُقِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَثَلاً يُشْتَرَطُ أَنْ يَقْبَلَ الْمُشْتَرِي مَا أَوْجَبَهُ الْبَائِعُ بِمَا أَوْجَبَهُ، فَإِنْ خَالَفَهُ بِأَنْ قَبِلَ غَيْرَ مَا أَوْجَبَهُ أَوْ بَعْضَ مَا أَوْجَبَهُ، أَوْ بِغَيْرِ مَا أَوْجَبَهُ أَوْ بِبَعْضِ مَا أَوْجَبَهُ لاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ مُبْتَدَأٍ مُوَافِقٍ.
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: إِذَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ فِي الثَّوْبِ فَقَبِلَ فِي ثَوْبٍ آخَرَ لاَ يَنْعَقِدُ، وَكَذَا إِذَا أَوْجَبَ فِي الثَّوْبَيْنِ فَقَبِلَ فِي أَحَدِهِمَا؛ لأَِنَّ الْقَبُولَ فِي أَحَدِهِمَا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ؛ وَلأَِنَّ الْقَبُولَ فِي أَحَدِهِمَا يَكُونُ إِعْرَاضًا عَنِ الْجَوَابِ بِمَنْزِلَةِ الْقِيَامِ عَنِ الْمَجْلِسِ.
وَكَذَا لَوْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ فِي كُلِّ الثَّوْبِ فَقَبِلَ الْمُشْتَرِي فِي نِصْفِهِ لاَ يَنْعَقِدُ؛ لأَِنَّ الْبَائِعَ يَتَضَرَّرُ بِالتَّفْرِيقِ. وَكَذَا إِذَا أَوْجَبَ الْبَيْعَ فِي شَيْءٍ بِأَلْفٍ فَقَبِلَ فِيهِ بِخَمْسِمِائَةٍ لاَ يَنْعَقِدُ، أَوْ أَوْجَبَ بِجِنْسِ ثَمَنٍ فَقَبِلَ بِجِنْسٍ آخَرَ.
وَقَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَيُشْتَرَطُ لاِنْعِقَادِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ عَلَى وَفْقِ الإِْيجَابِ فِي الْقَدْرِ، فَلَوْ خَالَفَ كَأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِثَمَانِيَةٍ، لَمْ يَنْعَقِدْ وَأَنْ يَكُونَ عَلَى وَفْقِهِ فِي النَّقْدِ وَصِفَتِهِ وَالْحُلُولِ وَالأَْجَلِ، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ صَحِيحَةٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفٍ مُكَسَّرَةٍ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لأَِنَّهُ رَدٌّ لِلإِْيجَابِ لاَ قَبُولٌ لَهُ.
وَمِثْلُهُ فِي كُتُبِ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ.
وَيَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ. لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ تَوَافُقَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ فِي الْمَعْنَى، وَلِهَذَا ذَكَرُوا أَنَّهُ لَوْ قَالَ : بِعْتُكَهُ بِأَلْفٍ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفَيْنِ جَازَ؛ لأَِنَّ الْقَابِلَ بِالأَْكْثَرِ قَابِلٌ بِالأَْقَلِّ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِنْ قَبِلَ الْبَائِعُ الزِّيَادَةَ تَمَّ الْعَقْدُ بِأَلْفَيْنِ، وَإِلاَّ صَحَّ بِأَلْفٍ فَقَطْ، إِذْ لَيْسَ لِلْقَابِلِ وِلاَيَةُ إِدْخَالِ الزِّيَادَةِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ بِلاَ رِضَاهُ كَمَا عَلَّلَهُ ابْنُ الْهُمَامِ وَغَيْرُهُ.
اتِّصَالُ الْقَبُولِ بِالإِْيجَابِ :
يُشْتَرَطُ لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ مُتَّصِلاً بِالإِْيجَابِ، وَيَحْصُلُ هَذَا الاِتِّصَالُ بِاتِّحَادِ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، بِأَنْ يَقَعَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ مَعًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ الْعَاقِدَانِ حَاضِرَيْنِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْصُلَ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي صَدَرَ فِيهِ الإِْيجَابُ، وَإِذَا كَانَ مَنْ وُجِّهَ إِلَيْهِ الإِْيجَابُ غَائِبًا يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْصُلَ الْقَبُولُ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ بِالإِْيجَابِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْعُقُودِ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ، كَعَقْدِ الْوَكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ.
وَمُقْتَضَى هَذَا الشَّرْطِ: أَنْ يَكُونَ الْمُوجِبُ بَاقِيًا عَلَى إِيجَابِهِ إِلَى أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلاَ يَرْجِعَ عَنِ الإِْيجَابِ قَبْلَ اتِّصَالِ الْقَبُولِ بِهِ، وَلاَ يَصْدُرُ عَنْهُ أَوْ مِمَّنْ وُجِّهَ إِلَيْهِ الإِْيجَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِْعْرَاضِ وَلاَ يَنْفَضَّ مَجْلِسُ الْعَقْدِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَلاَ يَعْنِي هَذَا بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَحْصُلَ الْقَبُولُ فَوْرَ صُدُورِ الإِْيجَابِ، فَالْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ لاَ يَشْتَرِطُونَ الْفَوْرِيَّةَ فِي الْقَبُولِ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَتَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي:
أ - رُجُوعُ الْمُوجِبِ عَنِ الإِْيجَابِ.
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الإِْيجَابَ غَيْرُ مُلْزِمٍ، وَلِلْمُوجِبِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إِيجَابِهِ قَبْلَ قَبُولِ الطَّرَفِ الآْخَرِ، سَوَاءٌ ذَلِكَ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا، أَمْ فِي عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، كَالْهِبَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَمِثْلِهِمَا، قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَلِلْمُوجِبِ أَيًّا كَانَ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ قَبُولِ الآْخَرِ وَفِي الْبَدَائِعِ: لَوْ خَاطَبَ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ قَبُولِ الآْخَرِ صَحَّ رُجُوعُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ شَطْرَ الْعَقْدِ ثُمَّ رَجَعَ وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى صِحَّةِ الرُّجُوعِ بِأَنَّ الْمُوجِبَ هُوَ الَّذِي أَثْبَتَ لِلْمُخَاطَبِ وِلاَيَةَ الْقَبُولِ، فَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهَا كَعَزْلِ الْوَكِيلِ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ لَزِمَ تَعْطِيلُ حَقِّ الْمِلْكِ بِحَقِّ التَّمَلُّكِ، فَالْبَائِعُ مَثَلاً مَالِكٌ لِلسِّلْعَةِ، وَالْمُشْتَرِي يَتَمَلَّكُهَا بِالْعَقْدِ، وَلاَ يُعَارِضُ حَقُّ التَّمَلُّكِ حَقِيقَةَ الْمِلْكِ.
وَعَلَى ذَلِكَ إِذَا رَجَعَ الْمُوجِبُ قَبْلَ الْقَبُولِ ثُمَّ قَبِلَ الْمُخَاطَبُ لاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ؛ لِبُطْلاَنِ الإِْيجَابِ بِالرُّجُوعِ وَعَدَمِ اتِّصَالِ الْقَبُولِ بِالإِْيجَابِ.
قَالَ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ فِي شُرُوطِ الاِنْعِقَادِ: وَأَنْ يُصِرَّ الْبَادِي عَلَى مَا أَتَى بِهِ مِنَ الإِْيجَابِ إِلَى الْقَبُولِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ نَقَلَ الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ الْجَدِّ: أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَمَّا أَوْجَبَهُ لِصَاحِبِهِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَهُ الآْخَرُ لَمْ يُفِدْهُ رُجُوعُهُ إِذَا أَجَابَهُ صَاحِبُهُ بَعْدُ بِالْقَبُولِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رُجُوعَ الْمُوجِبِ عَنِ الإِْيجَابِ لاَ يُبْطِلُ الإِْيجَابَ، بَلْ يَبْقَى إِلَى أَنْ يَقْبَلَهُ الطَّرَفُ الآْخَرُ فَيَتَّصِلُ بِهِ الْقَبُولُ، وَيَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، أَوْ يَرُدُّهُ فَلاَ يَنْعَقِدُ، وَيَرَى الدُّسُوقِيُّ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا تَكُونُ فِيهِ الصِّيغَةُ مُلْزِمَةً كَصِيغَةِ الْمَاضِي.
وَهَلْ لِلْقَابِلِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ قَبُولِهِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ ؟ فِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يَأْتِي بَيَانُهُ
ب - صُدُورُ مَا يَدُلُّ عَلَى الإِْعْرَاضِ مِنْ قِبَلِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا.
يُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الاِتِّصَالِ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ أَنْ لاَ يَصْدُرَ مِنَ الْمُوجِبِ أَوِ الطَّرَفِ الآْخَرِ أَوْ كِلَيْهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْكَلاَمُ فِي مَوْضُوعِ الْعَقْدِ، وَلاَ يَتَخَلَّلَهُ فَصْلٌ يُعَدُّ قَرِينَةً عَلَى الاِنْصِرَافِ عَنِ الْعَقْدِ.
قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْبَحْرِ: الإِْيجَابُ يَبْطُلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الإِْعْرَاضِ.
وَقَالَ الْحَطَّابُ: لَوْ حَصَلَ فَاصِلٌ يَقْتَضِي الإِْعْرَاضَ عَمَّا كَانَا فِيهِ حَتَّى لاَ يَكُونَ كَلاَمُهُ جَوَابًا لِلْكَلاَمِ السَّابِقِ فِي الْعُرْفِ لَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ، وَمَثَّلَ لِلإِْعْرَاضِ بِقَوْلِهِ: إِذَا أَمْسَكَ الْبَائِعُ السِّلْعَةَ الَّتِي نَادَى عَلَيْهَا وَبَاعَ بَعْدَهَا أُخْرَى لَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِيَ الْبَيْعُ.
وَشَدَّدَ الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: وَيُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَتَخَلَّلَ الإِْيجَابَ وَالْقَبُولَ لَفْظٌ لاَ تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَقْدِ وَلَوْ يَسِيرًا.
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ فِي مَعْرِضِ شُرُوطِ الاِنْعِقَادِ: أَنْ لاَ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا، وَإِلاَّ فَلاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ إِعْرَاضٌ عَنِ الْعَقْدِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَا بِالرَّدِّ.
وَأَسَاسُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَا يُعْتَبَرُ إِقْبَالاً عَلَى الْعَقْدِ أَوْ إِعْرَاضًا عَنْهُ هُوَ الْعُرْفُ، كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ.
ج - وَفَاةُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وَفَاةَ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ بَعْدَ الإِْيجَابِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ يُبْطِلُ الإِْيجَابَ، فَلاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ بَعْدَ الْوَفَاةِ بِقَبُولِ مَنْ وُجِّهَ إِلَيْهِ الإِْيجَابُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوجِبِ، وَلاَ بِقَبُولِ وَرَثَةِ الْمُخَاطَبِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.
وَدَلِيلُ عَدَمِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هُوَ أَنَّ الْقَبُولَ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوجِبِ لاَ يَجِدُ مَا يَلْتَقِي مَعَهُ مِنَ الإِْيجَابِ لِبُطْلاَنِهِ بِالْوَفَاةِ؛ وَلأَِنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ انْفَضَّ بِالْوَفَاةِ فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الاِنْعِقَادِ، وَهُوَ اتِّصَالُ الْقَبُولِ بِالإِْيجَابِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالظَّاهِرُ مِنْ نُصُوصِهِمْ أَنَّ الإِْيجَابَ لاَ يَبْطُلُ عِنْدَهُمْ بِمَوْتِ الْمُخَاطَبِ، وَأَنَّ حَقَّ الْقَبُولِ يُورَثُ بَعْدَ وَفَاةِ مَنْ وُجِّهَ إِلَيْهِ الإِْيجَابُ، يَقُولُ الْقَرَافِيُّ: إِذَا أَوْجَبَ لِزَيْدٍ فَلِوَارِثِهِ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمَجْلِسَ لاَ يَنْفَضُّ بِوَفَاةِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمُوجِبَ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عِنْدَهُمْ قَبْلَ قَبُولِ أَوْ رَدِّ الْمُخَاطَبِ أَمَّا بَقَاءُ الإِْيجَابِ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوجِبِ أَوْ بُطْلاَنِهِ بِوَفَاتِهِ فَلَمْ نَعْثُرْ لَهُمْ عَلَى نَصٍّ فِي الْمَوْضُوعِ.
هَذَا، وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْجُنُونَ وَالإِْغْمَاءَ بِالْوَفَاةِ فِي بُطْلاَنِ الإِْيجَابِ بِهِمَا.
د - اتِّحَادُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
يُشْتَرَطُ لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ لاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، وَيَخْتَلِفُ مَجْلِسُ الْعَقْدِ بِاخْتِلاَفِ حَالَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَطَبِيعَةِ الْعَقْدِ وَكَيْفِيَّةِ التَّعَاقُدِ، فَمَجْلِسُ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ حُضُورِ الْعَاقِدَيْنِ غَيْرُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ فِي حَالِ غِيَابِهِمَا، كَمَا أَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ بِالأَْلْفَاظِ وَالْعِبَارَةِ يَخْتَلِفُ عَنْهُمَا بِالْكِتَابَةِ وَالرِّسَالَةِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
مَجْلِسُ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ حُضُورِ الْعَاقِدَيْنِ.
تَدُلُّ نُصُوصُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ حُضُورِ الْعَاقِدَيْنِ يَتَكَوَّنُ مِنْ ثَلاَثَةِ عَنَاصِرَ: أَحَدُهَا: الْمَكَانُ، وَثَانِيهَا: الْفَتْرَةُ الزَّمَنِيَّةُ، وَثَالِثُهَا: حَالَةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مِنَ الاِجْتِمَاعِ وَالاِنْصِرَافِ عَلَى الْعَقْدِ.
قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى مَكَانِ الْعَقْدِ فَوَاحِدٌ، وَهُوَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، بِأَنْ كَانَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ لاَ يَنْعَقِدُ، حَتَّى لَوْ أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، فَقَامَ الآْخَرُ عَنِ الْمَجْلِسِ قَبْلَ الْقَبُولِ أَوِ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ آخَرَ يُوجِبُ اخْتِلاَفَ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ قَبِلَ، لاَ يَنْعَقِدُ.
وَوَرَدَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ أَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ: هُوَ الاِجْتِمَاعُ الْوَاقِعُ لِلْعَقْدِ وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَجْلِسِ جَامِعًا لِلإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ هُوَ: الضَّرُورَةُ دَفْعًا لِلْعُسْرِ وَتَحْقِيقًا لِلْيُسْرِ، وَإِلاَّ فَالإِْيجَابُ يَزُولُ بِزَوَالِ الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ فَلاَ يَلْحَقُهُ الْقَبُولُ حَقِيقَةً، قَالَ الْكَاسَانِيُّ: الْقِيَاسُ أَنْ لاَ يَتَأَخَّرَ أَحَدُ الشَّطْرَيْنِ عَنِ الآْخَرِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا انْعَدَمَ فِي الثَّانِي مِنْ زَمَانِ وُجُودِهِ، فَوُجِدَ الثَّانِي، وَالأَْوَّلُ مُنْعَدِمٌ فَلاَ يَنْتَظِمُ الرُّكْنُ، إِلاَّ أَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى انْسِدَادِ بَابِ التَّعَاقُدِ، فَاعْتُبِرَ الْمَجْلِسُ جَامِعًا لِلشَّطْرَيْنِ حُكْمًا لِلضَّرُورَةِ
قَالَ الْبَابَرْتِيُّ: وَلأَِنَّ فِي إِبْطَالِ الإِْيجَابِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ عُسْرًا بِالْمُشْتَرِي، وَفِي إِبْقَائِهِ فِي مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ عُسْرًا بِالْبَائِعِ، وَفِي التَّوَقُّفِ بِالْمَجْلِسِ يُسْرًا بِهِمَا جَمِيعًا، وَالْمَجْلِسُ جَامِعٌ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ، فَجُعِلَتْ سَاعَاتُهُ سَاعَةً وَاحِدَةً دَفْعًا لِلْعُسْرِ وَتَحْقِيقًا لِلْيُسْرِ.
هَذِهِ هِيَ عِبَارَاتُ الْحَنَفِيَّةِ، وَلاَ تَخْتَلِفُ عَنْهَا كَثِيرًا عِبَارَاتُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ مِنِ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ فِي الْقَبُولِ كَمَا سَيَأْتِي.
يَقُولُ الْحَطَّابُ: وَالَّذِي تَحَصَّلَ عِنْدِي مِنْ كَلاَمِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إِذَا أَجَابَهُ فِي الْمَجْلِسِ بِمَا يَقْتَضِي الإِْمْضَاءَ وَالْقَبُولَ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ لَزِمَهُ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإِْيجَابِ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْبَيْعُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا لَوْ حَصَلَ فَاصِلٌ يَقْتَضِي الإِْعْرَاضَ عَمَّا كَانَا فِيهِ، حَتَّى لاَ يَكُونَ كَلاَمُهُ جَوَابًا لِلْكَلاَمِ السَّابِقِ فِي الْعُرْفِ لَمْ يَنْعَقِدْ.
وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا قَالَهُ الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ حَيْثُ صَرَّحَ بِأَنَّهُ: إِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإِْيجَابِ صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ، وَإِلاَّ فَلاَ؛ لأَِنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْقَبْضِ فِيهِ لِمَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ لاَ يُخَالِفُونَ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ الْعَنَاصِرِ الثَّلاَثَةِ، لَكِنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْجُمْهُورَ فِي اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ فِي الْقَبُولِ التَّرَاخِي أَوِ الْفَوْرِيَّةُ فِي الْقَبُولِ.
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْفَوْرِيَّةُ فِي الْقَبُولِ، فَمَا دَامَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الْمَجْلِسِ، وَصَدَرَ الإِْيجَابُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَصْدُرِ الْقَبُولُ إِلاَّ فِي آخِرِ الْمَجْلِسِ تَمَّ الْعَقْدُ عِنْدَهُمْ، فَلاَ يَضُرُّ التَّرَاخِي بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ إِذَا صَدَرَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ.
قَالَ الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ فِي تَرْكِ الْفَوْرِ ضَرُورَةً؛ لأَِنَّ الْقَابِلَ يَحْتَاجُ إِلَى التَّأَمُّلِ، وَلَوِ اقْتُصِرَ عَلَى الْفَوْرِ لاَ يُمْكِنُهُ التَّأَمُّلُ.
وَقَالَ الْحَطَّابُ: وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَحْصُلَ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ فَصْلٌ بِكَلاَمِ أَجْنَبِيٍّ عَنِ الْعَقْدِ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا، فَإِنْ أَجَابَهُ صَاحِبُهُ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ.
وَقَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَإِنْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنِ الإِْيجَابِ صَحَّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَجْلِسَ جَامِعٌ لِلْمُتَفَرِّقَاتِ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ بِسُكُوتٍ وَلَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلاً عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لأَِنَّ طُولَ الْفَصْلِ يُخْرِجُ الثَّانِيَ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنِ الأَْوَّلِ كَمَا عَلَّلَهُ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ وَقَالُوا: يَضُرُّ تَخَلُّلُ كَلاَمٍ أَجْنَبِيٍّ عَنِ الْعَقْدِ - وَلَوْ يَسِيرًا - بَيْنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنِ الْمَجْلِسِ، وَالْمُرَادُ بِالأَْجْنَبِيِّ مَا لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ وَلاَ مِنْ مَصَالِحِهِ وَلاَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِهِ.
عِلْمُ الْمُوجِبِ بِالْقَبُولِ :
صَرَّحَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ سَمَاعَ كُلٍّ مِنَ الْعَاقِدَيْنِ كَلاَمَ الآْخَرِ شَرْطٌ لاِنْعِقَادِ الْعَقْدِ، وَهَذَا يَعْنِي اشْتِرَاطَ عِلْمِ الْمُوجِبِ بِقَبُولِ الْقَابِلِ فِي حَالَةِ التَّعَاقُدِ بَيْنَ الْحَاضِرَيْنِ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: سَمَاعُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَلاَمَهُمَا شَرْطُ انْعِقَادِ الْبَيْعِ بِالإِْجْمَاعِ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَيَشْتَرِطُونَ سَمَاعَ مَنْ يَقْرَبُ مِنَ الْعَاقِدِ لاَ سَمَاعَ نَفْسِ الْعَاقِدِ، قَالَ الأَْنْصَارِيُّ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَأَنْ يَتَلَفَّظَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَنْ بِقُرْبِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ صَاحِبُهُ.
وَهَذَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْعَقْدُ بَيْنَ حَاضِرَيْنِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَوْجَبَ لِغَائِبٍ؛ لأَِنَّ الإِْيجَابَ لِلْغَائِبِ لَفْظًا كَالإِْيجَابِ لَهُ كِتَابَةً، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْعَقْدِ بَيْنَ الْغَائِبَيْنِ.
مَجْلِسُ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ غِيَابِ الْعَاقِدَيْنِ :
لَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعَقْدَ كَمَا يَصِحُّ انْعِقَادُهُ بَيْنَ الْحَاضِرَيْنِ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ بِالْعِبَارَةِ كَذَلِكَ يَصِحُّ بَيْنَ الْغَائِبَيْنِ بِالْكِتَابَةِ أَوْ إِرْسَالِ رَسُولٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَإِذَا كَتَبَ شَخْصٌ لآِخَرَ مَثَلاً: بِعْتُك دَارِيَ بِكَذَا، فَوَصَلَ الْكِتَابُ لَهُ فَقَبِلَ انْعَقَدَ الْعَقْدُ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ نُصُوصِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ حَالَةَ غِيَابِ الْعَاقِدَيْنِ هُوَ مَجْلِسُ قَبُولِ مَنْ وُجِّهَ لَهُ الْكِتَابُ، أَوْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ.
قَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ: وَالْكِتَابُ كَالْخِطَابِ، وَكَذَا الإِْرْسَالُ، حَتَّى اعْتُبِرَ مَجْلِسُ بُلُوغِ الْكِتَابِ وَأَدَاءِ الرِّسَالَةِ
وَقَالَ الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ بَاعَ مِنْ غَائِبٍ، كَبِعْتُ دَارِيَ مِنْ فُلاَنٍ وَهُوَ غَائِبٌ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ قَالَ: قَبِلْت انْعَقَدَ الْبَيْعُ، كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ.
وَقَالَ الْبُهُوتِيُّ: وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَائِبًا عَنِ الْمَجْلِسِ، فَكَاتَبَهُ الْبَائِعُ أَوْ رَاسَلَهُ: إِنِّي بِعْتُك دَارِيَ بِكَذَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ قَبِلَ الْبَيْعَ صَحَّ الْعَقْدُ.
وَحَيْثُ إِنَّ مَجْلِسَ الْعَقْدِ فِي حَالَةِ التَّعَاقُدِ بَيْنَ الْغَائِبَيْنِ هُوَ مَجْلِسُ الْقَبُولِ كَمَا قُلْنَا، فَالْمُعْتَبَرُ فِي اتِّصَالِ الْقَبُولِ بِالإِْيجَابِ هُوَ هَذَا الْمَجْلِسُ، فَإِذَا وَصَلَ الإِْيجَابُ إِلَى الْمُخَاطَبِ، فَكَأَنَّ الْمُوجِبَ حَضَرَ بِنَفْسِهِ وَأَوْجَبَ الْعَقْدَ، فَإِذَا قَبِلَهُ الْمُخَاطَبُ فِي مَجْلِسِهِ دُونَ إِعْرَاضٍ انْعَقَدَ الْعَقْدُ، وَإِذَا انْفَضَّ الْمَجْلِسُ أَوْ صَدَرَ مِمَّنْ وُجِّهَ لَهُ الإِْيجَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى إِعْرَاضِهِ عَنِ الْقَبُولِ عُرْفًا لاَ يَنْعَقِدُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّرَاخِي هُوَ مَا بَيْنَ وُصُولِ الإِْيجَابِ وَصُدُورِ الْقَبُولِ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي حَالَةِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ بَيْنَ الْغَائِبَيْنِ عِلْمُ الْمُوجِبِ بِقَبُولِ الْقَابِلِ، فَعِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ صَرِيحَةٌ بِأَنَّ الْعَقْدَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ قَبُولِ الْقَابِلِ فِي الْمَجْلِسِ .
عُقُودٌ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ :
طَبِيعَةُ بَعْضِ الْعُقُودِ تَقْتَضِي أَنْ لاَ يُشْتَرَطَ فِيهَا اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فِي الإِْيجَابِ وَالْقَبُولِ، بَلْ إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْعُقُودِ لاَ يَصِحُّ فِيهِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ، وَمِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ:
أ - عَقْدُ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَيَصْدُرُ الإِْيجَابُ فِيهَا حَالَ حَيَاةِ الْمُوصِي، لَكِنْ لاَ يُعْتَبَرُ الْقَبُولُ مِنَ الْمُوصَى لَهُ إِلاَّ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي، فَإِذَا قَبِلَهَا الْمُوصَى لَهُ فِي مَجْلِسِ الإِْيجَابِ أَوْ بَعْدَهُ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي لاَ تَنْعَقِدُ بِهِ الْوَصِيَّةُ. ر: (وَصِيَّة)
ب - عَقْدُ الْوِصَايَةِ : (الإِْيصَاءُ) فَهِيَ إِقَامَةُ شَخْصٍ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي التَّصَرُّفِ أَوْ فِي تَدْبِيرِ شُئُونِ أَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ فِي مَجْلِسِ الإِْيجَابِ، بَلْ يَمْتَدُّ زَمَنُهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَالْوِصَايَةُ خِلاَفَةٌ تَظْهَرُ آثَارُهَا بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوصِي.
ج - عَقْدُ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ إِقَامَةَ الشَّخْصِ الْغَيْرَ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي تَصَرُّفٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ فِي الْحَيَاةِ، لَكِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّيْسِيرِ، فَإِذَا قَبِلَهَا الْوَكِيلُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الإِْيجَابِ صَحَّتِ الْوَكَالَةُ، وَلاَ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ الْوَكِيلُ بِسَبَبِ غِيَابِهِ؛ لأَِنَّ لَهُ الرَّدَّ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، حَيْثُ إِنَّ الْوَكَالَةَ مِنَ الْعُقُودِ غَيْرِ اللاَّزِمَةِ. ر: (وَكَالَة)
ثَانِيًا - الْعَاقِدَانِ.
الْمُرَادُ بِالْعَاقِدَيْنِ: كُلُّ مَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ، إِمَّا أَصَالَةً كَأَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ، أَوْ وَكَالَةً كَأَنْ يَعْقِدَ نِيَابَةً عَنِ الْغَيْرِ بِتَفْوِيضٍ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ وِصَايَةً كَمَنْ يَتَصَرَّفُ خِلاَفَةً عَنِ الْغَيْرِ فِي شُئُونِ صِغَارِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِإِذْنٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ.
وَحَيْثُ إِنَّ الْعَقْدَ لاَ يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِ عَاقِدٍ فَقَدْ جَعَلَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَرْكَانِ الْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلِكَيْ يَنْعَقِدَ الْعَقْدُ صَحِيحًا نَافِذًا يُشْتَرَطُ فِي الْعَاقِدَيْنِ مَا يَأْتِي:
الأَْوَّلُ - الأَْهْلِيَّةُ :
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ أَهْلاً لِلتَّصَرُّفِ، وَهُوَ: الْبَالِغُ الرَّشِيدُ فَلاَ يَصِحُّ مِنْ صَغِيرٍ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَمَجْنُونٍ وَمُبَرْسَمٍ.
أَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَتَصِحُّ عُقُودُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ النَّافِعَةُ نَفْعًا مَحْضًا، كَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى إِذْنِ الْوَلِيِّ، وَلاَ تَصِحُّ عُقُودُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ الضَّارَّةُ ضَرَرًا مَحْضًا، كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ لِلْغَيْرِ وَالطَّلاَقِ وَالْكَفَالَةِ بِالدَّيْنِ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ أَجَازَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَلِيُّهُ أَوْ وَصِيُّهُ. أَمَّا التَّصَرُّفَاتُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا فَتَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بِإِجَازَةِ الْوَلِيِّ، وَلاَ تَصِحُّ بِدُونِهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ فِي الْعَاقِدِ الرُّشْدُ ر: (أَهْلِيَّة ف 18).
الثَّانِي - الْوِلاَيَةُ.
الْوِلاَيَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْوَلْيِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: بِمَعْنَى الْقُرْبِ، وَالْوِلاَيَةُ: النُّصْرَةُ وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ شَاءَ الْغَيْرُ أَوْ لاَ.
وَلِكَيْ يَنْعَقِدَ الْعَقْدُ صَحِيحًا نَافِذًا تَظْهَرُ آثَارُهُ شَرْعًا لاَ بُدَّ فِي الْعَاقِدِ - بِجَانِبِ أَهْلِيَّةِ الأَْدَاءِ - أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلاَيَةُ التَّصَرُّفِ لِيَعْقِدَ الْعَقْدَ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وِلاَيَة).
الثَّالِثُ - الرِّضَا وَالاِخْتِيَارُ :
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّضَا أَسَاسُ الْعُقُودِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوالاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ).
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ».
وَالرِّضَا: سُرُورُ الْقَلْبِ وَطِيبُ النَّفْسِ. وَهُوَ ضِدُّ السَّخَطِ وَالْكَرَاهَةِ.
وَعَرَّفَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: بِأَنَّهُ قَصْدُ الْفِعْلِ دُونَ أَنْ يَشُوبَهُ إِكْرَاهٌ وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّهُ امْتِلاَءُ الاِخْتِيَارِ، أَيْ بُلُوغُهُ نِهَايَتَهُ، بِحَيْثُ يُفْضِي أَثَرُهُ إِلَى الظَّاهِرِ مِنَ الْبَشَاشَةِ فِي الْوَجْهِ، أَوْ إِيثَارِ الشَّيْءِ وَاسْتِحْسَانِهِ.
ر: (رِضًا ف 2)
أَمَّا الاِخْتِيَارُ: فَهُوَ الْقَصْدُ إِلَى أَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ دَاخِلٍ فِي قُدْرَةِ الْفَاعِلِ بِتَرْجِيحِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الآْخَرِ
ر: (اخْتِيَار ف 1).
وَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الرِّضَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعُقُودِ الَّتِي تَقْبَلُ الْفَسْخَ وَهِيَ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَنَحْوِهِمَا، فَهِيَ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ مَعَ التَّرَاضِي، وَقَدْ تَنْعَقِدُ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ لَكِنَّهَا تَكُونُ فَاسِدَةً، كَمَا فِي بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَنَحْوِهِ، يَقُولُ الْمَرْغِينَانِيُّ:... لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ هَذِهِ الْعُقُودِ التَّرَاضِي.
فَأَصْلُ الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ تَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ بِدُونِ الرِّضَا، لَكِنَّهَا لاَ تَكُونُ صَحِيحَةً، فَيَنْعَقِدُ بَيْعُ الْمُخْطِئِ نَظَرًا إِلَى أَصْلِ الاِخْتِيَارِ؛ لأَِنَّ الْكَلاَمَ صَدَرَ عَنْهُ بِاخْتِيَارِهِ، أَوْ بِإِقَامَةِ الْبُلُوغِ مَقَامَ الْقَصْدِ، لَكِنْ يَكُونُ فَاسِدًا لِعَدَمِ الرِّضَا حَقِيقَةً، أَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي لاَ تَقْبَلُ الْفَسْخَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالرِّضَا لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّتِهَا، فَيَصِحُّ عِنْدَهُمُ النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالْعَتَاقُ وَالرَّجْعَةُ وَنَحْوُهَا حَتَّى مَعَ الإِْكْرَاهِ.
أَمَّا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَتَدُورُ عِبَارَاتُهُمْ بَيْنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الرِّضَا أَصْلٌ أَوْ أَسَاسٌ أَوْ شَرْطٌ لِلْعُقُودِ كُلِّهَا، فَلاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ الرِّضَا سَوَاءٌ أَكَانَ مَالِيًّا أَوْ غَيْرَ مَالِيٍّ.
ر: (رِضًا ف 13)
عُيُوبُ الرِّضَا.
ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي عُيُوبِ الرِّضَا: الإِْكْرَاهَ وَالْجَهْلَ، وَالْغَلَطَ، وَالتَّدْلِيسَ، وَالْغَبْنَ، وَالتَّغْرِيرَ، وَالْهَزْلَ، وَالْخِلاَبَةَ، وَنَحْوَهَا، فَإِذَا وُجِدَ عَيْبٌ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ فِي عَقْدٍ مِنَ الْعُقُودِ يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلاً أَوْ فَاسِدًا فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَالْحَنَفِيَّةِ، أَوْ غَيْرَ لاَزِمٍ يَكُونُ لِكِلاَ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِهِ فِي حَالاَتٍ أُخْرَى.
وَتَعْرِيفُ هَذِهِ الْعُيُوبِ وَتَفْصِيلُ أَحْكَامِهَا وَأَثَرُهَا عَلَى الرِّضَا وَخِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا مِنَ الْمَوْسُوعَةِ.
ثَالِثًا - مَحَلُّ الْعَقْدِ.
الْمُرَادُ بِمَحَلِّ الْعَقْدِ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَتَظْهَرُ فِيهِ أَحْكَامُهُ وَآثَارُهُ، وَيَخْتَلِفُ الْمَحَلُّ بِاخْتِلاَفِ الْعُقُودِ، فَقَدْ يَكُونُ الْمَحَلُّ عَيْنًا مَالِيَّةً، كَالْمَبِيعِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، وَالْمَوْهُوبِ فِي عَقْدِ الْهِبَةِ، وَالْمَرْهُونِ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ، وَقَدْ يَكُونُ عَمَلاً مِنَ الأَْعْمَالِ، كَعَمَلِ الأَْجِيرِ فِي الإِْجَارَةِ، وَعَمَلِ الزَّارِعِ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَعَمَلِ الْوَكِيلِ فِي الْوَكَالَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْفَعَةَ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، كَمَنْفَعَةِ الْمَأْجُورِ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ، وَمَنْفَعَةِ الْمُسْتَعَارِ فِي عَقْدِ الإِْعَارَةِ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ كَمَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْكَفَالَةِ وَنَحْوِهِمَا.
وَلِهَذَا فَقَدِ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ شُرُوطًا تَكَلَّمُوا عَنْهَا فِي كُلِّ عَقْدٍ وَذَكَرُوا بَعْضَ الشُّرُوطِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَجِبُ تَوَافُرُهَا فِي الْعُقُودِ عَامَّةً أَوْ فِي مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْعُقُودِ، مِنْهَا:
أ - وُجُودُ الْمَحَلِّ:
يَخْتَلِفُ اشْتِرَاطُ هَذَا الشَّرْطِ بِاخْتِلاَفِ الْعُقُودِ: فَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَثَلاً اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى وُجُودِ الْمَحَلِّ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَمْ يُوجَدْ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : «لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» ؛ وَلأَِنَّ فِي بَيْعِ مَا لَمْ يُوجَدْ غَرَرًا وَجَهَالَةً فَيُمْنَعُ، لِحَدِيثِ: أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» وَعَلَى ذَلِكَ صَرَّحُوا بِبُطْلاَنِ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلاَقِيحِ وَحَبَلِ الْحُبْلَةِ.
وَمَنَعُوا مِنْ بَيْعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ قَبْلَ ظُهُورِهَا، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟».
وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ عَقْدَ السَّلَمِ وَذَلِكَ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ كَمَا اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ عَقْدَ الاِسْتِصْنَاعِ لِلدَّلِيلِ نَفْسِهِ ر: (اسْتِصْنَاع ف 7).
أَمَّا بَيْعُ الزَّرْعِ أَوِ الثَّمَرِ قَبْلَ ظُهُورِهِمَا فَلاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُ مَعْدُومٌ وَلاَ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَعْدُومِ، أَمَّا بَعْدَ الظُّهُورِ وَقَبْلَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ فَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ أَوِ الزَّرْعُ بِحَالٍ يُنْتَفَعُ بِهِمَا فَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ الْغَرَرِ فِي ذَلِكَ، وَلاَ يَجُوزُ بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ الثِّمَارِ الْمُتَلاَحِقَةِ الظُّهُورِ وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (ثِمَار ف 11 - 13).
وَفِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ اعْتَبَرَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَنَافِعَ أَمْوَالاً، وَاعْتَبَرَهَا كَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مَوْجُودَةً حِينَ الْعَقْدِ تَقْدِيرًا، فَيَصِحُّ التَّعَاقُدُ عَلَيْهَا بِنَاءً عَلَى وُجُودِ الْمَنَافِعِ حِينَ الْعَقْدِ عِنْدَهُمْ، وَلِهَذَا يَقُولُونَ بِنَقْلِ مِلْكِيَّةِ الْمَنَافِعِ لِلْمُسْتَأْجِرِ وَالأُْجْرَةِ لِلْمُؤَجِّرِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي الإِْجَارَةِ الْمُطْلَقَةِ.
وَعَلَّلَ الْمَالِكِيَّةُ جَوَازَ الإِْجَارَةِ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً فِي حَالِ الْعَقْدِ لَكِنَّهَا مُسْتَوْفَاةٌ فِي الْغَالِبِ، وَالشَّرْعُ إِنَّمَا لَحَظَ مِنَ الْمَنَافِعِ مَا يُسْتَوْفَى فِي الْغَالِبِ أَوْ يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهُ وَعَدَمُ اسْتِيفَائِهِ سَوَاءً.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ أَجَازُوا عَقْدَ الإِْجَارَةِ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْقَاعِدَةِ؛ لِوُرُودِ النُّصُوصِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي جَوَازِ الإِْجَارَةِ، قَالَ الْكَاسَانِيُّ: الإِْجَارَةُ بَيْعُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْمَنَافِعُ لِلْحَالِ مَعْدُومَةٌ، وَالْمَعْدُومُ لاَ يَحْتَمِلُ الْبَيْعَ، فَلاَ تَجُوزُ إِضَافَةُ الْبَيْعِ إِلَى مَا يُؤْخَذُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا الْجَوَازَ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: جَوَازُ الإِْجَارَةِ مُوَافِقَةٌ لِلْقِيَاسِ؛ لأَِنَّ مَحَلَّ الْعَقْدِ إِذَا أَمْكَنَ التَّعَاقُدُ عَلَيْهِ فِي حَالِ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ - كَالأَْعْيَانِ - فَالأَْصْلُ فِيهِ عَدَمُ جَوَازِ الْعَقْدِ حَالَ عَدَمِهِ لِلْغَرَرِ، مَعَ ذَلِكَ جَازَ الْعَقْدُ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ.
أَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلاَّ حَالٌ وَاحِدَةٌ، وَالْغَالِبُ فِيهِ السَّلاَمَةُ - كَالْمَنَافِعِ - فَلَيْسَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ مُخَاطَرَةً وَلاَ قِمَارًا فَيَجُوزُ، وَقِيَاسُهُ عَلَى بَيْعِ الأَْعْيَانِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ.
وَفَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الشَّرْطِ بَيْنَ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ وَعُقُودِ التَّبَرُّعِ، فَقَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ النَّوْعِ الأَْوَّلِ مِنَ الْعُقُودِ فِي حَالِ عَدَمِ وُجُودِ مَحَلِّهَا، وَأَجَازُوا النَّوْعَ الثَّانِيَ فِي حَالَةِ وُجُودِ الْمَحَلِّ وَعَدَمِهِ.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ مَا يَخْتَصُّ بِعُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْهِبَةِ مَثَلاً يَجُوزُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُ الْعَقْدِ (الْمَوْهُوبُ) غَيْرَ مَوْجُودٍ فِي الْخَارِجِ، بَلْ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، أَوْ غَيْرَ مَعْلُومٍ فِعْلاً، فَالْغَرَرُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ، وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ مَا يَرِثُهُ مِنْ فُلاَنٍ - وَهُوَ لاَ يَدْرِي كَمْ هُوَ ؟ أَسُدُسٌ أَوْ رُبُعٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَفِي الرَّهْنِ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعُ الْعَقْدِ (الْمَرْهُونُ) غَيْرَ مَوْجُودٍ حِينَ الْعَقْدِ، كَثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهَا، فَشَيْءٌ يُوثَقُ بِهِ خَيْرٌ مِنْ عَدَمِهِ، كَمَا يَقُولُونَ وَهَذَا بِخِلاَفِ عَقْدِ الْبَيْعِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ.
ب - قَابِلِيَّةُ الْمَحَلِّ لِحُكْمِ الْعَقْدِ :
يُشْتَرَطُ فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ قَابِلاً لِحُكْمِ الْعَقْدِ.
وَالْمُرَادُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ: الأَْثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْعَقْدِ، وَيَخْتَلِفُ هَذَا حَسْبَ اخْتِلاَفِ الْعُقُودِ، فَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَثَلاً أَثَرُ الْعَقْدِ هُوَ انْتِقَالُ مِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ مِنَ الْبَائِعِ إِلَى الْمُشْتَرِي، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَالاً مُتَقَوِّمًا مَمْلُوكًا لِلْبَائِعِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ مَالاً بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ: وَهُوَ مَا يَمِيلُ إِلَيْهِ الطَّبْعُ وَيَجْرِي فِيهِ الْبَذْلُ وَالْمَنْعُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ مَثَلاً عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا، أَيْ: مُنْتَفَعًا بِهِ شَرْعًا، كَبَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا مَالاً عِنْدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّهُمَا لَيْسَا مُتَقَوِّمَيْنِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، فَحَرُمَ بَيْعُهُمَا كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ رضي الله عنه : «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ»
وَفِي عُقُودِ الْمَنْفَعَةِ كَعَقْدِ الإِْجَارَةِ وَالإِْعَارَةِ وَنَحْوِهِمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْعَقْدِ - أَيِ الْمَنْفَعَةُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا - مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً مُبَاحَةً، فَلاَ تَجُوزُ الإِْجَارَةُ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ كَالزِّنَا وَالنَّوْحِ وَنَحْوِهِمَا كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي مُصْطَلَحِ: (إِجَارَة ف 108).
وَكَمَا لاَ يَجُوزُ إِجَارَةُ الْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ لاَ يَجُوزُ إِعَارَتُهَا كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْعَارِيَّةِ إِمْكَانُ الاِنْتِفَاعِ بِمَحَلِّ الْعَقْدِ (الْمُعَارِ أَوِ الْمُسْتَعَارِ) انْتِفَاعًا مُبَاحًا شَرْعًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، كَالدَّارِ لِلسُّكْنَى، وَالدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ، مَثَلاً فَلاَ يَجُوزُ إِعَارَةُ الْفُرُوجِ لِلاِسْتِمْتَاعِ، وَلاَ آلاَتِ الْمَلاَهِي لِلَّهْوِ، كَمَا لاَ تَصِحُّ الإِْعَارَةُ لِلْغِنَاءِ أَوِ الزَّمْرِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، فَالإِْعَارَةُ لاَ تُبِيحُ مَا لاَ يُبِيحُهُ الشَّرْعُ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (عَارِيَّةً).
وَفِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ يُشْتَرَطُ فِي الْمَحَلِّ (الْمُوَكَّلِ بِهِ) أَنْ يَكُونَ قَابِلاً لِلاِنْتِقَالِ لِلْغَيْرِ وَالتَّفْوِيضِ فِيهِ، وَلاَ يَكُونَ خَاصًّا بِشَخْصِ الْمُوَكِّلِ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي مُصْطَلَحِ: (وَكَالَة).
ج - مَعْلُومِيَّةُ الْمَحَلِّ لِلْعَاقِدَيْنِ :
يُشْتَرَطُ فِي الْمَحَلِّ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا وَمَعْرُوفًا لِلْعَاقِدَيْنِ، بِحَيْثُ لاَ يَكُونُ فِيهِ جَهَالَةٌ تُؤَدِّي إِلَى النِّزَاعِ وَالْغَرَرِ.
وَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِمَحَلِّ الْعَقْدِ بِكُلِّ مَا يُمَيِّزُهُ عَنِ الْغَيْرِ مِنْ رُؤْيَتِهِ أَوْ رُؤْيَةِ بَعْضِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ، أَوْ بِوَصْفِهِ وَصْفًا يَكْشِفُ عَنْهُ تَمَامًا، أَوْ بِالإِْشَارَةِ إِلَيْهِ.
وَهَذَا الشَّرْطُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ فِي الْجُمْلَةِ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ شَاةٍ مِنَ الْقَطِيعِ مَثَلاً وَلاَ إِجَارَةُ إِحْدَى هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْجَهَالَةَ فِي مَحَلِّ الْعَقْدِ: (الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) تُسَبِّبُ الْغَرَرَ وَتُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ.
وَفَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ - وَهِيَ الَّتِي تُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ - وَبَيْنَ الْجَهَالَةِ الْيَسِيرَةِ - وَهِيَ: الَّتِي لاَ تُفْضِي إِلَى النِّزَاعِ - فَمَنَعُوا الأُْولَى وَأَجَازُوا الثَّانِيَةَ.
وَجَعَلَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْعُرْفَ حَكَمًا فِي تَعْيِينِ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الإِْجَارَةُ مِنْ مَنْفَعَةٍ، وَتَمْيِيزِ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ عَنِ الْجَهَالَةِ الْيَسِيرَةِ.
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (بَيْع ف 32) (وَالإِْجَارَةُ ف 34).
وَفِي عَقْدِ السَّلَمِ يُشْتَرَطُ فِي الْمَحَلِّ: (الْمُسْلَمِ فِيهِ) أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، كَيْلاً أَوْ وَزْنًا أَوْ عَدًّا أَوْ ذَرْعًا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْجَهَالَةَ فِي كُلٍّ مِنْهَا تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
وَلِلتَّفْصِيلِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (سَلَم).
هَذَا فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ.
