ويتلخص النظام الجديد للحبس الاحتياطي في أنه لا يجوز الحبس إلا اذا كانت الواقعة جناية أو كانت جنحة معاقباً عليها بالحبس لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وكانت الدلائل کافية ويجب سماع أقوال النيابة العمومية واستجواب المتهم ويجوز الحبس الإحتياطي في الجنح التي يعاقب بالحبس الذي لا تزيد مدته اذا لم يكن للمتهم محل إقامة ثابت ومعروف في الممكلة المصرية وللحبس في هذه الصورة ما يبرره لإحتمال عدم الإهتداء الى المتهم عند المحاكمة وينتهى الحبس حتماً بمضي خمسة عشر يوماً من تاريخ تنفيذه إلا إذا رأى القاضي أن يسمع أقوال المتهم والنيابة ولا يجوز أن تزيد المدة أو المدد التي يمد لها الحبس على ثلاثين يوماً فإذا رئي المد بعد انقضاء الخمسة والأربعين يوماً وجب عرض الأمر على غرفة المشورة لتصدر أمرها بما تراه بعد سماع أقوال النيابة والمتهم ايضاً ولغرفة المشورة في هذه الحالة الحق في مد الحبس الإحتياطي كما ترى مدة أو مدداً متعاقبة لا تزيد كل منها على ثلاثين يوماً إلى أن ينتهي التحقيق ولها أن تحدد للقاضی أجلاً لإتمام التحقيق - 154 و 155 و 156 و 161 - ( أصبحت المواد 134 و 135 و 136 و 143 من القانون ) وقد اجيز للمتهم أن يطلب الى قاضي التحقيق الإفراج عنه في أي وقت أثناء حبسه بمعرفته ويفصل القاضي في هذا الطلب بعد سماع أقوال المتهم والنيابة ولا يجوز تكرار هذا الطلب لان المتهم قد يترك له إختيار الوقت الذي يراه مناسباً لطلب الإفراج - المادتان 163 و 164 - حذفت المادة 163 لإدماجها في المادة 162 التي اصبحت المادة 144 کما حذفت المادة 164 ). وقد استعيض عن نظام المعارضات في الحبس الإحتياطي بضرورة سماع أقوال المتهم عند بدء حبسه وعند كل تجديد وغني عن البيان أن لقاضي التحقيق دائماً وفي أي وقت الإفراج مؤقتاً عن المتهم ولو من تلقاء نفسه بعد سماع أقوال النيابة المادة 162 - ( أصبحت المادة 144 ) على أنه اذا كان أمر الحبس صادراً من غرفة المشورة فلا يجوز له الإعتداء على سلطتها بل أجيز له أن يطلب منها في أي وقت الإفراج عن المتهم - المادة 161 - ( أصبحت المادة 143 ) وفي الأحوال التي لا يكون الافراج فيها واجباً حتماً لا يفرج عن المتهم إلا بعد أن يعين محلاً بالجهة الكائن بها مركز المحكمة التي يحصل التحقيق فيها أن لم يكن المتهم مقيماً فيها حتى يسهل الإتصال به كلما كانت هناك حاجة لذلك في التحقيق ولو كان وجود المتهم في بعض الأماكن غير مرغوب فيه لما قد يثيره من الإضطراب والتأثير في سير التحقيق فقد أجيز أن يحظر في الملأ الصادر بالإفراج المؤقت إرتياد المتهم مكاناً معيناً كما أجيز أن يلزم بالإقامة في مكان غير الذي وقعت فيه الجريمة ويجوز أن يكون الإفراج معلقاً على تقديم كفالة يقدرها قاضي التحقيق أو غرفة المشورة إذا رأيا أن حالة المتهم لا تسمح بتقديم كفالة أن يلزماه بأن يتقدم لمركز البوليس في الأوقات التي يحددونها له في أمر الافراج مع مراعاة ظروفه الخاصة من حيث عمله وبعد مسكنه عن محل البوليس - المادة 169 - ( أصبحت المادة 149 ) وقد بينت الوجوه التي يجب يراعيها قاضي التحقيق او غرفة المشورة عند تقرير الكفالة وأجيز لای شخص مليء التعهد بدفع مبلغ الكفالة إذا أخل المتهم بشرط من شروط الإفراج كما وضعت الأحكام التي تترتب على إخلال المتهم بتنفي أحد الإلتزامات المعروضة عليه فيما يختص بالكفالة المدفوعة منه وبالنسبة لإعادة حبسه إحتياطياً - المواد 166 و 167 و 168 و 170 - ( أصبحت المواد 146 و 147 و 148 ) ونص المادة 171 على جواز اعادة حبس المتهم إحتياطياً إذا تقوت الدلائل ضده . وقد وضعت قاعدة عامة لتحديد القضية من يد قاضي التحقيق سواء بالإفراج عن المتهم المحبوس إحتياطياً بعد خروج القضية من يد قاضي التحقيق سواء بالإفراج عن المتهم المحبوس إحتياطياً أو بإعادة حبس المتهم المفرج عنه فنص على أن تكون الجهة المحال إليها المتهمة المختصة بذلك اما اذا كانت هذه الجهة غير المختصة بنظر الدعوى فيكون النظر في أمر الحبس من إختصاص غرفة المشورة إلى أن ترفع الدعوى إلى الجهة المختصة - المادة 171 - ( أصبحت المادة 151). .
تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016 أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونايتد للإصدارات القانونية
مادة 381 – الحبس الإحتياطي إجراء من إجراءات التحقيق غايته ضمان سلامة التحقيق الإبتدائي من خلال وضع المتهم تحت تصرف المحقق وتيسير استجوابه أو مواجهته كلما إستدعى التحقيق ذلك والحيلولة دون تمكينه من الهرب أو العبث بأدلة الدعوى أو التأثير على الشهود أو تهديد المجني عليه وكذلك وقاية المتهم من إحتمالات الإنتقام منه وتهدئة الشعور العام الثائر بسبب جسامة الجريمة .
مادة 382 – لا يجوز الأمر بالحبس الإحتياطي إلا في الأحوال الآتية : إذا كانت الواقعة المسندة إلى المتهم جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة اشهر . إذا كانت الواقعة المسندة إلى المتهم جنحة معاقب عليها بالحبس إذا لم يكن للمتهم محل إقامة ثابت معروف في مصر .
مادة 383 – يشترط لجواز الأمر بالحبس الاحتياطي أن يتم استجواب المتهم أو أن يكون هارباً وأن يثبت للمحقق أن هناك دلائل كافية تشير إلى نسبة الجريمة إلى المتهم .
1 ـ لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن المادتين 37 ، 38 من قانون الإجراءات الجنائية أجازتا لغير مأمورى الضبط القضائي من آحاد الناس أو من رجال السلطة العامة تسليم وإحضار المتهم إلى أقرب مأمور للضبط القضائي فى الجنايات والجنح التى يجوز فيها الحبس الاحتياطى أو الحبس حسب الأحوال متى كانت الجناية أو الجنحة فى حالة تلبس وهو إجراء بمثابة التحفظ على المتهم بما شوهد معه كيما يتم تسليمه إلى مأمور الضبط القضائي وليس لغير مأمور الضبط القضائي حق التفتيش فى الحالات المقررة قانوناً . لما كان ذلك ، وكان ما انتهى إليه الحكم من الاعتبار بصحة تفتيش مسئول الأمن بالمصنع للدولاب الخاص بالطاعن ينطوى على خطأ فى تطبيق القانون لأن هذا التفتيش باطل ولا يؤبه به . لما كان ذلك ، وكان لازم بطلان التفتيش عدم التعويل على أى دليل مستمد منه ومنها شهادة من قام بهذا الإجراء الباطل ، وكانت الدعوى حسبما حصلها الحكم المطعون فيه لا يوجد فيها سوى هذا الضبط والتفتيش الباطلين فإنه يتعين نقض الحكم المطعون فيه وبراءة الطاعن مما نسب إليه عملاً بالفقرة الأولى من المادة 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 فى شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض ومصادرة المخدر والعقار المضبوطين عملاً بالمادة 42 من القانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل بالقانون رقم 122 لسنة 1989 .
(الطعن رقم 3581 لسنة 82 ق - جلسة 2013/04/04)
2 ـ من المقرر أن المادتين 37 ، 38 من قانون الإجراءات الجنائية أجازتا لغير مأمورى الضبط القضائي من آحاد الناس أو من رجال السلطة العامة إحضار وتسليم المتهم إلى أقرب مأمور للضبط القضائي فى الجنايات أو الجنح التى يجوز فيها الحبس الاحتياطى أو الحبس على حسب الأحوال ، متى كانت الجناية أو الجنحة فى حالة تلبس ، وتقتضى هذه السلطة على السياق المتقدم أن يكون لآحاد الناس التحفظ على المتهم وجسم الجريمة الذى شاهده معه أو ما يحتوى على هذا الجسم ، بحسبان ذلك الإجراء ضرورياً ولازماً للقيام بالسلطة تلك على النحو الذى استنه القانون ، وذلك كيما يسلمه إلى مأمور الضبط القضائي ، وإذ كان ذلك ، وكان ما فعله الشاهدان الأولان بوصفهما من آحاد الناس ، من تحفظهما على الطاعن واقتياده ومعه المحقن الملوث الذى وُجِدَ بجواره بعد أن شاهداه ملقى على أرضية دورة المياه داخل المركز وفى حالة إعياء شديد إلى مأمور الضبط القضائي ومن إبلاغهما بما حدث لا يعدو فى صحيح القانون أن يكون مجرد تعرض مادى ، وكان من المقرر أنه يكفى لقيام حالة التلبس أن تكون هناك مظاهر خارجية تنبئ بذاتها عن وقوع الجريمة ، وكان الثابت من مدونات الحكم على النحو المتقدم أنه انتهى إلى قيام حالة التلبس استناداً إلى ما أورده فى هذا الخصوص من عناصر سائغة لا يمارى الطاعن أن لها معينها الصحيح من الأوراق ، وكان تقدير الظروف التى تلابس الجريمة وتحيط بها وقت ارتكابها أو بعد ارتكابها وتقدير كفايتها لقيام حالة التلبس أمراً موكولاً لمحكمة الموضوع دون معقب عليها مادامت الأسباب والاعتبارات التى بنت عليها هذا التقدير صالحة لأن تؤدى إلى النتيجة التى انتهت إليها ومن ثم فإن ما يثيره الطاعن فى هذا الصدد لا يكون مقبولاً .
(الطعن رقم 28875 لسنة 75 ق - جلسة 2012/11/27 س 63 )
3 ـ لما كان الطاعن لا ينازع فى أنه كان مودعاً بالسجن على ذمة الحبس الاحتياطى , ومن ثم فإنه تجرى عليه أحكام لوائح السجن ونظامه , وإذ كانت المادة 41 من القرار بقانون رقم 396 لسنة 1956 فى شأن تنظيم السجون تنص على أنه " لضابط السجن حق تفتيش أى شخص يشتبه فى حيازته أشياء ممنوعة داخل السجن سواء كان من المسجونين أو العاملين بالسجن أو غيرهم " مما مفاده على ضوء النص سالف الذكر أن تفتيش الطاعن كان استعمالا لحق خوله القانون لمجرد الاشتباه أو الشك فى حيازة الطاعن لأشياء ممنوعة وهو ما لم يخطئ الحكم فى استخلاصه ويكون ما يثيره الطاعن فى ذلك غير سديد .
(الطعن رقم 20827 لسنة 75 ق - جلسة 2012/11/14 س 63 ص 696 ق 123)
4 ـ ليس فى المواد من 134 إلى 143 الواردة فى الفصل التاسع من الباب الثالث من الكتاب الأول من قانون الإجراءات الجنائية و لا فى القانون رقم 396 لسنة 1956 فى شأن تنظيم السجون أو فى قرار وزير الداخلية رقم 79 لسنة 1961 باللائحة الداخلية للسجون ما يوجب تنفيذ أمر الحبس الاحتياطى على متهمين بجريمة واحدة فى سجن مركزى واحد . و من ثم فلا محل لما أثير من بطلان عزل الطاعن الأول عن زميليه عند حبسهم إحتياطيا .
(الطعن رقم 2096 لسنة 35 ق - جلسة 1966/03/14 س 17 ع 1 ص 286 ق 56)
الأمر بالحبس الاحتياطي :
الحبس الاحتياطي هو سلب حرية المتهم مدة من الزمن تحددها مقتضيات التحقيق ومصلحته، وفق ضوابط قررها القانون. وليس الحبس الاحتياطي عقوبة على الرغم من إتحاده في طبيعته مع العقوبات السالبة للحرية، ذلك أنه لم يصدر بعد حكم بالإدانة، والأصل المقرر أنه "لا عقوبة بغير حكم قضائي بالإدانة".
مجال الحبس الإحتياطي :
مجال الحبس الإحتياطي هو الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة ويعني ذلك أنه لا يجوز الحبس الإحتياطي في المخالفات والجنح المعاقب عليها بالغرامة أو الحبس مدة تقل عن سنة. والعلة في هذا التحديد لمجال الحبس الإحتياطي هو خطورته باعتباره يتضمن سلباً للحرية، فأراد المشرع حصره في جرائم ذات خطورة خاصة، والعبرة في ذلك بالعقوبة التي يقررها القانون للجريمة.
وقد أورد الشارع على هذا الأصل استثناء وسع فيه من نطاق الحبس الاحتياطي، فأجازه في جنح معاقب عليها بالحبس أياً كانت مدته.
التوسع في مجال الحبس الاحتياطي :
أجاز المشرع الحبس الاحتياطي إذا لم يكن للمتهم محل إقامة ثابت معروف في مصر، وكانت الجريمة جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس". ويفترض هذا التوسع أن جريمة المتهم جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة، ويفترض كذلك أنه ليس للمتهم محل إقامة ثابت ومعروف في مصر. وعلة إجازة الحبس الإحتياطي في هذه الحالة هي ضمان تنفيذ الحكم عند صدوره. ومؤدى ذلك أنه لا محل لهذا التوسع إذا كانت الجريمة مخالفة أو جنحة معاقباً عليها بالغرامة. والمحقق هو الذي يقدر عدم وجود محل إقامة المتهم ثابت و معروف في مصر، وتراقب محكمة الموضوع تقديره.
كما أجاز المشرع الحبس الاحتياطي إذا كانت الجريمة في حالة تلبس ويجب تنفيذ الحكم فيها فور صدوره، أو لخشية الهروب أو الإضرار بمصلحة التحقيق سواء بالتأثير على المجنى عليه أو الشهود، أو بالعبث في الأدلة أو القرائن المادية، أو بإجراء اتفاقات مع باقي الجناة لتغيير الحقيقة أو طمس معالمها، وكذلك في حالة توفي الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة.
حظر الحبس الاحتياطي في جرائم الأحداث :
نصت المادة (26) من قانون الأحداث على أنه "لا يجوز حبس الحدث الذي لا تجاوز سنه خمس عشرة سنة حبساً احتياطياً ............. ويعلل حظر حبس الحدث بانتفاء موجبه، فليس محتملاً أن يشوه الحدث أدلة الإتهام، واحتمال هربه في الغالب قليل. وبالإضافة إلى ذلك، فإن حظر حبس الحدث احتياطياً يتسق مع حظر توقيع العقوبات العادية عليه.
السلطة المختصة بالأمر بالحبس الاحتياطي :
السلطة المختصة بالأمر بالحبس الاحتياطي هي سلطة التحقيق، باعتبار هذا الأمر عمل تحقيق، وهذه السلطة هي قاضي التحقيق، والنيابة العامة (المادة 201) وإذا أحيلت الدعوى إلى المحكمة كان لها الأمر بالحبس الاحتياطي. ولا يجوز لمأمور الضبط القضائي الأمر بالحبس الاحتياطي، ولا يجوز ندبه لذلك، فقد حظرت المادة (70) من قانون الإجراءات الجنائية ندبه للاستجواب، والحبس الاحتياطي يسبقه الاستجواب الذي يجريه الأمر بالحبس، فيكون مؤدى ذلك حظر ندبه للحبس الاحتياطي.
شروط الحبس الاحتياطي :
اشترط المشرع للأمر بالحبس الاحتياطي شروطاً ثلاثة :
أن تتوافر دلائل كافية، وأن يستجوب المتهم، وأن تسمع أقوال النيابة العامة إذا كان الأمر بالحبس هو قاضي التحقيق. فالدلائل الكافية هي دلائل على وقوع الجريمة وعلى نسبتها إلى المتهم الذي يصدر ضده الأمر بالحبس، ويتعين أن يستخلص منها كذلك ملاءمة الحبس. ويختص بتقدير هذه الدلائل المحقق، وتراقب محكمة الموضوع تقديره.
ويتعين أن يسبق الأمر بالحبس استجواب المتهم، وعلة ذلك أن هذا الأمر تقديري للمحقق، ومن ثم تعين أن يستمع إلى المتهم كي تتجمع لديه عناصر تقدیر ملاءمة هذا الأمر ويغفل المشرع هذا الشرط إذا كان المتهم هارباً، إذ يستحيل في هذا الأمر تنفيذه.(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد : الثاني ، الصفحة : 36)
تعريف الحبس الإحتياطي :
جاء قانون الإجراءات الجنائية خالياً من ثمة تعريف محدد للحبس الإحتياطي فإجتهد الفقهاء في تعريفه وإن أجمع الكل على أن هذا الإجراء يعتبر إستثناء من قاعدة الأصل في الإنسان البراءة» وعلى ذلك يتعين حصره في موجباته الضرورية ذلك أنه يكاد يكون نوعاً من الإدانة التي توقعها سلطة التحقيق ومن ثم فإنه يتعين عليها ألا تأمر به إلا إذا تيقنت من ضرورته وإتفاقه مع العلة منه.
ومن هذا المنطلق قيل بأن الحبس الإحتياطي هو من أخطر إجراءات التحقيق و أكثرها مساسا بحرية المتهم إذ بمقتضاه تسلب حرية المتهم طوال فترة الحبس وقد شرعه القانون لمصلحة التحقيق فهو ليس عقوبة و إنما هو إجراء قصد به مصلحة التحقيق ذاته. ومن أجل ذلك يجب أن يتحدد بحدود هذه المصلحة ولا تسرف سلطة التحقيق في إستعمال هذه الرخصة إلا إذا كان فيها صالح التحقيق كحجز المتهم بعيداً عن أماكن التأثير على الشهود أو إضاعة الآثار التي يمكن أن تفيد في كشف الحقيقة أو تجنباً لإمكان هربه نظراً لثبوت التهمة والخشية من صدور حكم عليه بالإدانة. كما قيل في تعريف أخر بأن الحبس الإحتياطي هو سلب حرية المتهم مدة من الزمن تحددها مقتضيات التحقيق ومصلحته وفق ضوابط قررها القانون وليس الحبس الإحتياطي عقوبة على الرغم من إتحاده في طبيعته مع العقوبات السالبة للحرية ذلك أنه «لا عقوبة بغير حكم قضائي بالإدانة» . وفي تعريف ثالث قيل بأن الحبس بحسب الأصل عقوبة لا يجوز توقيعها على شخص إلا بمقتضى حكم قضائي واجب النفاذ ومع ذلك فقد أجاز القانون حبس المتهم بصفة إحتياطية ومؤقتة إذا اقتضت مصلحة التحقيق سلب حريته وإبعاده عن المجتمع الخارجي و الحبس الاحتياطي بهذا المعنى إجراء شديد الخطر إذ جوهره سلب حرية المتهم أثناء التحقيق طالما كان الأمر بالحبس نافذة وهو بهذا المعنى ضرورة ينبغي أن تقدر ولذا فإن المشرع ينبغي أن يحيطه بضمانات عديدة لما ينطوي عليه من خطورة. وقريب من ذلك كله نصت المادة (381) من التعليمات العامة للنيابات على أن الحبس الإحتياطي إجراء من إجراءات التحقيق غايته ضمان سلامة التحقيق الإبتدائي من خلال وضع المتهم تحت تصرف المحقق وتيسير استجوابه أو مواجهته كلما استدعى التحقيق ذلك والحيلولة دون تمكينه من الهرب أو العبث بأدلة الدعوى أو التأثير على الشهود أو تهديد المجني عليه وكذلك وقاية المتهم من احتمالات الإنتقام منه وتهدئة الشعور العام الثائر بسبب جسامة الجريمة.
هل الأمر بالحبس الإحتياطي يعتبر إجراء من إجراءات التحقيق؟ ذهب رأي في الفقه إلى أن الحبس الإحتياطي ليس إجراء من إجراءات التحقيق لأنه لا يستهدف البحث عن دلیل و إنما هو بالأدق من أوامر التحقيق التي تستهدف تأمين الأدلة» سواء من العبث بها أو طمسها إذا بقي المتهم حراً أم سواء تجنباً لتأثيره على شهود الواقعة وعداً أو وعيداً أو ضماناً لعدم هربه من تنفيذ الحكم الذي سيصدر عليه بالنظر إلى كفاية الأدلة ضده . إلا أن المتفق عليه هو أن الحبس الإحتياطي يعتبر في تكييفه القانوني «إجراء تحقيق» باعتباره يضع المتهم رهن تصرف المحقق فيستجوبه بينه وبين غيره طالما قدر ملائمة ذلك وعلى ذلك نصت التعليمات العامة للنيابات في المادة (381) منها على أن الحبس الاحتياطي إجراء من إجراءات التحقيق غايته ضمان سلامة التحقيق الإبتدائي من خلال وضع المتهم تحت تصرف المحقق وتيسير استجوابه أو مواجهته كلما استدعى التحقيق ذلك.
وخلاصة ذلك أن الحبس الإحتياطي كما يراه الفقه الجنائي إجراء تحفظي حيال المتهم يدخل ضمن سلطات التحقيق الجنائي فالحبس الإحتياطي إجراء تحقيق لا إجراء محاكمة ولو تم أثناء محاكمة المتهم وعلى ذلك يجب أن يفهم هذا النظام الإجرائي الهام والمساس بحرية الإنسان في التنقل والذي يقترب من العقوبة السالبة للحرية في نتائجها، و إن لم يكن عقوبة في ذاته.
أولاً : التمييز بين الحبس الاحتياطي والاعتقال :
الحبس الاحتياطي إجراء من إجراءات التحقيق نص عليه قانون الإجراءات الجنائية أما أمر الإعتقال فهو في حقيقته تدبیر إداري يستند إلى قانون الطوارئ حيث تنص المادة الثالثة من قانون الطوارئ رقم (162) لسنة 1958 المعدلة بقانون رقم 37 لسنة 1972 على أن الرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يتخذ التدابير المناسبة للمحافظة على الأمن والنظام العام وقد حددت المادة بعض التدابير التي يجوز له إتخاذها ومن بينها الأمر بالإعتقال ويكون لرئيس الوزراء ووزير الداخلية إتخاذ ذات الإجراء عملاً بالتفويض الصادر لهما من رئيس الجمهورية.
(2) الحبس الاحتياطي إجراء يأمر به المحقق (النيابة العامة أو قاضي التحقيق) أما الإعتقال فيصدر به أمر من السلطة الإدارية المختصة.
(3) يكون التظلم من أوامر الحبس الاحتياطي إذا كان المحقق هو أحد أعضاء النيابة العامة للسلطة الرئاسية الأعلى درجة في النيابة من المحقق وذلك إذا تم التظلم قبل مواعيد التجديد أمام المحكمة كما هو منصوص عليه في قانون الإجراءات الجنائية أما التظلم من أمر الإعتقال فيكون بعد إنقضاء ثلاثون يوماً من تاريخ صدور أمر الإعتقال دون أن يفرج عن المعتقل. ويكون التظلم بطلب يقدم بدون رسوم إلى محكمة أمن الدولة العليا المشكلة وفقاً لأحكام قانون الطوارئ أي محكمة أمن الدولة العليا طوارئ».
(4) أمر الحبس الإحتياطي لا يصدر من المحقق (النيابة العامة - أو قاضي التحقيق) إلا بصدد جريمة وقعت فيها وبعد إستجواب المتهم فيها وظهور دلائل كافية على اتهامه في ارتكابها أما أمر الإعتقال فيصدر من السلطة التنفيذية متمثلة في رئيس الجمهورية أو من يفوضه في ذلك ويكون بسبب الإشتباه أو الخطورة على الأمن والنظام العام وذلك دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية.
ثانياً : التمييز بين الحبس الاحتياطي والقبض :
(1) يختلف القبض عن الحبس الاحتياطي في أن الإجراء الأول لا يتقرر إلا لفترة محددة إذ عملاً بنص المادة (131) إجراءات جنائية فقد أوجب المشرع على المحقق أن يستجوب فوراً المتهم المقبوض عليه وإذا تعذر ذلك يودع في السجن إلى حين إستجوابه ويجب ألا تزيد مدة إيداعه عن أربع وعشرين ساعة فإذا قضت هذه المدة وجب على مأمور السجن تسليمه إلى النيابة العامة أما الحبس الإحتياطي فيجوز أن تطول مدته إلى ستة شهور عملاً بنص المادة (143) من قانون الإجراءات الجنائية.
(2) قد يصدر القبض من مأمور الضبط القضائي عند توافر حالة تلبس بالجنايات أو بالجنح التي يعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر بشرط توافر دلائل كافية على الإتهام كما قد يصدر من سلطة التحقيق أما الحبس الاحتياطي فلا يصدر إلا من سلطة التحقيق ويكون ذلك بعد إستجواب المتهم الحاضر أما إذا كان المتهم هاربا فلا يجوز الحبس الاحتياطي إلا إذا ثبت للمحقق أن هناك دلائل كافية تشير إلى نسبة الجريمة إلى المتهم ويتعين في هذه الحالة أن يثبت للمحقق هروب المتهم ويتحقق ذلك بسبق صدور أمر بالضبط والإحضار تعذر تنفيذه لسبب هرب المتهم. أما مجرد الغياب فلا يكفي.
ثالثاً : التمييز بين الحبس الإحتياطي والإجراءات التحفظية:
نص المشرع على أن لمأمور الضبط القضائي - في غير أحوال التلبس التي يجوز له فيها القبض على المتهم- إذا وجدت دلائل كافية على إتهام شخص بإرتكاب جناية أو جنحة بسرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة والعنف أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة وأن يطلب فوراً من النيابة العامة أن تصدر أمراً بالقبض عليه (م 35 / 2 إجراءات جنائية).
وواضح من هذا النص أن مأمور الضبط القضائي لا يجوز له القبض على المتهم في هذه الجرائم وإنما يستطيع أن يستصدر فوراً من النيابة العامة أمر بالقبض كما يملك أن يتخذ الإجراءات التحفظية قبل صدور أمر القبض وتعتبر هذه الإجراءات أقرب إلى الإستدلال فهي وإن كانت تمس حرية الأفراد إلا أنه لا تصل إلى مرتبة القبض عليهم ويقصد بهذه الإجراءات الوسائل التي تتخذ لمنع المشتبه فيه من الهرب والحفظ على أدلة الجريمة ولعل أهم هذه الإجراءات هي الاستيقاف وعلى ذلك فإن أهم ما يميز الحجز أو الإجراءات التحفظية عن الحبس الإحتياطي هو أن الحجز يباشر في نطاق التحريات الأولية التي يقوم بها مأمور الضبط القضائي وهو يواجه شخصاً لا يعد متهماً.
ومن جهة أخرى فإن مدة الحبس الاحتياطي قد تطول إلى ستة شهور أو ما يزيد إذا أمرت المحكمة المختصة بمد الحبس أما الإجراء التحفظي أو الحجز فإنه وعملاً بنص المادة (36) من قانون الإجراءات الجنائية يجب على مأمور الضبط القضائي أن يسمع فوراً أقوال المتهم المضبوط وإذا لم يأت بما يبرئه يرسله فى مدى أربع وعشرين ساعة إلى النيابة العامة المختصة. ويجب على النيابة العامة أن تستجوبه في ظرف أربع وعشرين ساعة ثم تأمر بالقبض عليه أو إطلاق سراحه.
أولاً - شروط ومبررات الحبس الاحتياطي :
يجوز حبس المتهم إحتياطياً - بعد استجوابه أو في حالة هربه - إذا توافرت الدلائل الكافية على ارتكابه إحدى الجرائم الآتية :
الجنايات.
الجنح المعاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن سنة.
ويراعى أن المشرع رفع الحد الأدنى لعقوبة الحبس في الجنح التي يجوز فيها الحبس الاحتياطي إلى مدة لا تقل عن سنة بعد أن كان الحد الأدنى يزيد على ثلاثة أشهر.
ولا يجوز حبس المتهم إحتياطياً إلا إذا توافرت إحدى الحالات أو الدواعى الآتية :
إذا كانت الجريمة في حالة تلبس ويجب تنفيذ الحكم فيها فور صدوره كما هو الحال في الجنايات وجنح السرقة والمخدرات وغير ذلك من الحالات المنصوص عليها قانوناً.
الخشية من هروب المتهم خشية الإضرار بمصلحة التحقيق سواء بالتأثير على المجني عليه والشهود أو بالعبث في الأدلة أو القرائن المادية أو بإجراء اتفاقات مع باقي الجناة لتغيير الحقيقة أو طمس معالمها.
توقى الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة.
ويجوز حبس المتهم احتياطياً في الجنايات أو الجنح المعاقب عليها بالحبس - وإن كانت عقوبة الحبس تقل عن سنة - إذا لم يكن له محل إقامة ثابت ومعروف في مصر حيث يعد عدم وجود محل الإقامة المشار إليه مبرراً لحبس المتهم إحتياطياً في هذه الحالة.
ثانياً : حبس المتهمين الأحداث:
لا يجوز حبس المتهم الحدث الذي لم يبلغ خمسة عشرة سنة وإذا كانت ظروف الدعوى تستدعي التحفظ على المتهم الحدث الذي لم يبلغ خمسة عشرة سنة فيجوز إيداعه إحدى دور الملاحظة مدة لا تزيد على أسبوع والأمر بتقديمه عند كل طلب، على ألا تزيد مدة الإيداع على أسبوع ما لم تأمر محكمة الأحداث بمدها وفقاً لقواعد الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية.
ويجوز بدلاً من الإجراء المنصوص عليه في الفقرة السابقة الأمر بتسليم الطفل إلى أحد والديه أو لمن له الولاية عليه للمحافظة عليه وتقديمه عند كل طلب.
ولا يجوز اتخاذ أحد التدابير المنصوص عليها في البند ثانياً ضد المتهم الحدث الذي لم يبلغ خمس عشرة سنة لأنه إجراء بديل للحبس الإحتياطي والذي لا يجوز في هذه السن (من الكتاب الدوري رقم 10 لسنة 2006 الصادر من السيد المستشار النائب العام).
بدائل الحبس الاحتياطي :
عملاً بنص المادة (134) من قانون الإجراءات الجنائية والمستبدلة بالقانون رقم 145 لسنة 2006 يجوز للنيابة العامة أن تصدر - بدلاً من حبس المتهم إحتياطياً - أمراً بأحد التدابير الآتية :
(1) إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه.
(2) إلزام المتهم بأن يقدم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محددة.
(3) حظر ارتياد المتهم أماكن محددة.
وإذا خالف المتهم الإلتزامات التى يفرضها أحد هذه التدابير جاز حبسه إحتياطياً بأمر مسبب وقد جاء بالكتاب الدوري رقم 10 لسنة 2006 الصادر من السيد المستشار النائب العام أنه لا يجوز الأمر بأحد التدابير سالفة البيان بعد الإفراج المؤقت عن المتهم المحبوس احتياطياً إلا إذا توافرت شروط ومبررات إصدار أمر جديد بحبس المتهم احتياطياً كما لا يجوز الجمع بين الأمر بحبس المتهم الهارب احتياطياً وأحد هذه التدابير.
ويسري في شأن مدة التدابير ومدها الحد الأقصى لها واستئناف الأمر الصادر بالتدبير أو بمده ذات القواعد المقررة بالنسبة إلى الحبس الاحتياطي ومن ثم يجب على عضو النيابة المختص إذا ما رأى علم حبس المتهم احتياطياً وأمر بإلزامه بأحد التدابير سالفة البيان أن يضمن قراره مدة التدبير وإتخاذ إجراءات مد هذه المدة وفقاً لذات القواعد المقررة بالنسبة إلى الحبس الاحتياطي.
ضرورة إستجواب المتهم قبل حبسه
القاعدة العامة والإستثناء منها :
القاعدة العامة عملاً بنص المادة (134) من قانون الإجراءات الجنائية أنه يتعين أن يكون الأمر بالحبس الاحتياطي مسبوقاً بإستجواب المتهم فإذا أمر المحقق بالحبس دون أن يستوجب المتهم كان الأمر باطلاً، ويستثنى من ذلك حالة هرب المتهم إذ يجوز في هذه الحالة الأمر بحبسه دون إستجواب وفيما يلي عرض بشيء من التفصيل للقاعدة سالفة الذكر والاستثناء منها.
الاستجواب
المقصود بالاستجواب :
يقصد بالإستجواب مواجهة المتهم بالتهمة المنسوبة إليه ومطالبته بأداء رأيه فيها ثم مناقشته تفصيلاً في أدلة الدعوى إثباتاً أو نفياً كمحاولة للكشف عن الحقيقة والإستجواب بهذا المعنى يتميز عن سؤال المتهم الذي يقوم به مأمور الضبط القضائي ويعتبر إجراء من إجراءات الإستدلال إذ يقتصر على مجرد سؤال المتهم عن التهمة المنسوبة إليه ومطالبته بالرد على ذلك وإبداء ما يشاء من أقوال في شأنها دون أن يناقشه تفصيلاً أو يواجهه بالأدلة القائمة ضده.
والاستجواب على هذا الأساس إجراء من إجراءات الإثبات له طبيعة مزدوجة الأولى هي كونه من إجراءات التحقيق، والثانية هي اعتباره من إجراءات الدفاع والاستجواب إما أن يكون حقيقياً أو حكمياً.
أولاً : الاستجواب الحقيقي:
يتحقق الاستجواب بتوجيه التهمة ومناقشة المتهم تفصيليا عنها ومواجهته بالأدلة القائمة ضده فلا يتحقق الإستجواب بمجرد سؤال المتهم عما هو منسوب إليه أو إحاطته علما بتاريخ التحقيق إذا لم يتضمن ذلك مناقشته تفصيليا في الأدلة المسندة إليه أي أن الإستجواب يقتضي توافر عنصرين لا قيام له بدونهما.
(أ) توجيه التهمة ومناقشة المتهم تفصيلياً عنها.
(ب) مواجهة المتهم بالأدلة القائمة ضده ولا يلتزم المحقق بترتيب معين في إستيفاء هذين العنصرين فقد يكون من الأفضل تأخر توجيه التهمة ومناقشته تفصيلياً عنها إلى ما بعد مواجهته بالأدلة القائمة ضده.
ثانياً : الاستجواب الحكمي (المواجهة):
مواجهة المتهم بغيره من الشهود أو المتهمين يعد استجواباً حكمي ويقصد بالمواجهة ذلك الإجراء الذي يقوم به المحقق وبمقتضاه يواجه المتهم بشخص متهم آخر أو شاهد اخر فيما يتعلق بما أدلى كل منهما من أقوال ويثبت المحقق هذه المواجهة وما أدلى به كل منهما أثر المواجهة وهذه المواجهة الشخصية تختلف عن المواجهة القولية التي يواجه المحقق المتهم بما أدلى به شاهد أو متهم آخر بالتحقيق وهذه المواجهة الأخيرة ليست إجراء مستقلاً من إجراءات التحقيق وإنما تعتبر جزءاً مكملاً للإستجواب باعتبار أن الاستجواب، يتضمن مواجهة المتهم بأدلة الثبوت ضده.
ويلاحظ أنه لم يرد في القانون المصري نص صريح عن حق المتهم في السكوت أو عدم الإجابة عند الإستجواب أو المواجهة لكنه حق بديهي مستمد من قرينة البراءة ولذا فليس للمحكمة أن تستمد من هذا السكوت قرينة ضده.
كما يلاحظ أنه لا يوجد ميعاد محدد للاستجواب فقد يكون في بداية إجراءات التحقيق وقد يكون في أي وقت آخر إنما يلاحظ أنه قد جرى العمل على أنه عند إعتراف المتهم بالتهمة المسندة إليه فإن المحقق يبدأ فوراً في إستجوابه. كما وأنه يجوز إستجواب المتهم أكثر من مرة أثناء التحقيق كلما اقتضى الأمر ذلك.
الاستثناء - حالة هرب المتهم :
تنص المادة (134) من قانون الإجراءات المستبدلة بالقانون رقم 145 لسنة 2006 على أنه إذا تبين بعد إستجواب المتهم أو في حالة هربه ... وقيل في ذلك بأنه يستغني عن الاستجواب في حالة واحدة هي هرب المتهم ولا يكفي مجرد غيابه وإنما يتعين لإصدار الحبس دون إستجواب أن يثبت للمحقق هرب المتهم ثبوتاً إيجابياً يتضمن إتصال علمه بأنه مطلوب للتحقيق ثم قصده إلى التهرب من المثول أمام المحقق والخضوع لإجراء الإستجواب وعلى ذلك يمكن القول بأن أمر الحبس الصادر دون إستجواب يجب أن يسبقه أمر بالحضور أو بالضبط والإحضار يتعذر تنفيذهما بسبب الهرب.
مع ملاحظة أن ذاك مشروط بأن تكون الدلائل كافية على نسبة الجريمة إلى المتهم، وتكون الواقعة جناية أو جنحة معاقباً عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة وعلى ذلك نصت المادة (383) من التعليمات العامة للنيابات على أنه يشترط لجواز الأمر بالحبس الاحتياطي أن يتم إستجواب المتهم أو أن يكون هارباً وأن يثبت للمحقق أن هناك دلائل كافية تشير إلى نسبة الجريمة إلى المتهم.
مبررات الحبس الاحتياطي وتقديره
مبررات الحبس الاحتياطي :
اختلفت الآراء في تحديد مبررات الحبس الاحتياطي فقيل أنه وسيلة للتحفظ على المتهم وجعله تحت تصرف السلطة القضائية حتى يكون مصدراً للإثبات إذا أن الغرض منه منع تأثير المتهم في الأدلة وأنسه وسيلة للدفاع الإجتماعي إذ يقصد به حماية المجتمع من عودة المتهم ذاته إلى الجريمة خاصة إذا كان على درجة معينة من الخطورة أو حماية المتهم من إنتقام المجني عليه أو أقاربه. وعلى ذلك فإن الحبس الإحتياطي يهدف إلى ثلاثة أغراض رئيسية هي إخضاع المتهم لمختلف الإجراءات اللازمة لكشف الحقيقة وتطبيق سلطة الدولة في العقاب وضمان تنفيذ العقوبات والوقاية الخاصة وقد أخذت بهذا السر أي التعليمات العامة للنيابات فنصت في المادة (318) فيها وكما سلف على أن الغرض من الحبس الاحتياطي هو الحيلولة دون تمكين المتهم من الهرب أو العبث بأدلة الدعوى أو التأثير على الشهود أو تهديد المجني عليه وكذلك وقاية المتهم من احتمالات الانتقام منه وتهدئة الشعور العام الثائر بسبب جسامة الجريمة.
وقد إنتقد هذا الرأي وقيل بأن شرعية الحبس الإحتياطي يجب أن تتوقف على هدف معين هو مصلحة التحقيق فقط إذ أن تحويل هذا الإجراء إلى تدبير إحترازي فيه إبعاد له عن الدور الذي حدده القانون في الخصومة الجنائية ذلك أن القانون المصري وقد خلا من تحديد مبررات الحبس الاحتياطي أو بيان الهدف منه إلا أنه نص في المادة ( 143 / 1) على ما يفيد أن مدة الحبس الإحتياطي يكون لمصلحة التحقيق وهو ما يعني أن المشرع قد اتخذ هذا الهدف غاية للحبس الإحتياطي وخاصة وأنه يتفق مع طبيعة دور الحبس الاحتياطي في الخصومة الجنائية وبناء على ذلك فإن الأسباب المرتبطة بتحقيق هذا الهدف هي التي تصلح وحدها مبرراً لإتخاذ هذا الإجرام وعلى هذا الأساس يجب أن تبنى رقابة القضاء على الحبس الاحتياطي وأن ترتكز سلطته عند النظر في طلب مدة. كما و أن المادة (41) من الدستور المصري الجديد قد نصت على أنه واضح من هذا النص أن المشرع الدستوري لم يقتصر على مجرد صيانة أمن المجتمع لتبرير حبس المتهم بل اشترط في جميع الأحوال توافر ضرورة التحقيق كمبرر لهذا الإجراء.
وفي تأييد هذا الرأي قيل بأن الحبس الاحتياطي إجراء إستثنائي يتعارض مع قرينة براءة المتهم والضرورة التي تطلبت مباشرته لا يجب أن تتعدى إحتياجات التحقيق الجنائي وذلك باعتباره إجراء و فتيا من إجراءات هذا التحقيق يسهم في كشف الحقيقة. أما إعتبار الحبس الإحتياطي إجراء لضمان تنفيذ العقوبة أو إجراء من إجراءات الأمن فإن ذلك يجعل منه تدبيراً إحترازياً فيكون بذلك في مصاف العقوبات ويحوله إلى إجراء فاصل في مشكلة معينة هي خطورة المتهم هذا فضلا۔ عن أن الخطورة فكرة بعيدة عن كشف الحقيقة التي تتوخاها إجراءات التحقيق والخطورة الوحيدة التي يجب الاعتداد بها عند الأمر بالحبس الإحتياطي هي التي تهدد أدلة الدعوى أما مراعاة الشعور العام للناس بسبب جسامة الجريمة فلا يجوز مواجهته بحبس الأبرياء والخوف من هرب المتهم عند الحكم عليه لا يجوز أن يكون سنداً لحبسه وإلا كان ذلك مصادرة على المطلوب وهو التأكد من إدانته مما يتعارض تماماً مع قرينة البراءة.
والرأي عندنا أن الحبس الاحتياطي إجراء ولا شك خطير ومن ثم فإنه يجب أن يكون محصوراً في أضيق الحدود التي تحقق الغاية منه وهي ضمان سلامة التحقيق الإبتدائي ويتحقق ذلك من خلال وضع المتهم تحت تصرف المحقق حتى يتيسر له إستكمال التحقيق وذلى بمواجهته بما يجد من أمور في التحقيق إذا لزم الأمر تفيد في إستكماله على الوجه الأكمل. وذلك كله مشروط بأن يثبت من الأوراق توافر الدلائل الكافية على إرتكاب المتهم الجريمة وهذه الدلائل الكافية لا تعني مجرد الشبهات الظنية وإنما يجب أن يصل الأمر إلى حد توافر بعض الأدلة المعقولة التي تحمل على الإعتقاد بوقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم وتوافر هذه الدلائل يجعل الأمر بالحبس في محله وتقدير هذه الدلائل المبررة لإتخاذ أمر حبس المتهم يقدرها المحقق وهو في ذلك يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة عند نظر أمر تجديد الحبس. وعلى ذلك فإن القول كما ذهبت التعليمات العامة للنيابات وكما سلف إلى أنه يجوز الأمر بحبس المتهم إذا كان الهدف منه الحيلولة دون تمكينه من الهرب أو العبث بأدلة الدعوى أو التأثير على الشهود أو تهديد المجني عليه وكذا لوقاية المتهم من احتمالات الإنتقام منه وتهدئة الشعور الثائر بسبب جسامة الجريمة، يتعين أن ينظر إليه بمعيار توافر الأدلة الكافية قبل المتهم بإرتكاب الجريمة - فإذا توافرت صح الإجراء، وإن لم تتوافر تعين الإفراج عنه دون ما نظر إلى الأسباب سالفة الذكر.
وفي ذلك فقد أوجبت المادة (387) من التعليمات العامة للنيابات على أعضاء النيابة مراعاة ظروف ما يعرض عليهم من القضايا وإمعان النظر في تقدير مدى لزوم حبس المتهمين احتياطياً وعليهم على وجه الخصوص مراعاة ظروف المتهم الاجتماعية والإرتباطات العائلية والمالية وخطورة الجريمة والأمر في ذلك متروك لفطنتهم وحسن تقديرهم.(المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد : الثاني ، الصفحة : 177)
الحبس الاحتياطي هو من أخطر إجراءات التحقيق وأكثرها مساساً بحرية المتهم . إذ بمقتضاه تسلب حرية المتهم طوال فترة الحبس، وقد شرعه القانون المصلحة التحقيق . فهو ليس عقوبة توقعها سلطة التحقيق و إنما إجراء من إجراءات التحقيق قصد به مصلحة التحقيق ذاته، ومن أجل ذلك يجب أن يتحدد بحدود هذه المصلحة ولا تسرف سلطة التحقيق في إستعمال هذه الرخصة إلا إذا كان فيها صالح التحقيق كحجز المتهم بعيداً عن إمكان التأثير على الشهود أو إضاعة الآثار التي يمكن أن تفيد في كشف الحقيقة، أو تجنباً لامكان فربه نظراً لثبوت التهمة وخشيته من صدور حكم عليه بالإدانة.
شروط الحبس الاحتياطي :
إستلزم المشرع في الحبس الاحتياطي شروطاً عدة منها ما يتعلق بالسلطة التي تأمر به، ومنها ما يتعلق بالجرائم التي يجوز فيها، ومنها ما يتعلق بالظروف الخاصة بالمتهم ذاته، أخيراً هناك شرط خاصة بتوقيت الحبس الاحتياطي وهو أن يكون بعد الاستجواب.
أولاً : السلطة التي تملك الأمر بالحبس الاحتياطي :
الحبس الاحتياطي لا يجوز الأمر به إلا من جهة قضائية . فلا يمكن أن يصدر من أحد من رجال الضبطية القضائية .
والجهات القضائية التي تملك الحبس الاحتياطي هي النيابة العامة وقاضي التحقيق والقاضي الجزئي ومحكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة ، والمحكمة التي أحيلت إليها الدعوى ، وأخيراً محكمة النقض بالنسبة للأحكام الصادرة بالإعدام .
النيابة العامة :
تملك النيابة العامة إصدار أمر الحبس الاحتياطي وذلك بالنسبة للتحقيقات التي تجريها بمعرفتها .
يصدر الأمر بالحبس الاحتياطي من وكيل النيابة على الأقل، فلا يجوز المساعد النيابة أو معاون النيابة إصدار أمر بحبس المتهم احتياطياً ومدة الحبس الاحتياطى التي يملكها وكيل النيابة فيما أعلى هي أربعة أيام تبدأ من اليوم التالي للقبض على المتهم ، إذا كان أمر القبض قد صدر من النيابة العامة أما إذا كان القبض قد تم بمعرفة مأمور الضبط القضائي وسلم المتهم إلى النيابة العامة في خلال الأربع والعشرين ساعة المقررة لمأمور الضبط فإن مدة الأربعة أيام تبدأ حسابها من اليوم التالي لتسليم المقبوض عليه إلى النيابة العامة (م 201/1 ج) وعلى النيابة العامة مراعاة الضوابط المقررة لقاضي التحقيق في المادة 134 إجراءات ولا تملك النيابة العامة إصدار أمر جديد بمد الحبس الاحتياطي ، وإنما عليها إذا رأت أن هناك ضرورة لكى يظل المتهم محبوساً احتياطياً أن يطلب المد من القاضي الجزئي المختص وهو له أن يصدر أمره بما يراه بعد سماع أقوال النيابة العامة والمتهم، كما يجوز للنيابة العامة أن تطلب مد الحبس من الجهات الأخرى المختصة بنظر المد على التفصيل الذي سيأتي في دراستنا لمدة الحبس الاحتياطي .
وقد منح المشرع النيابة العامة السلطات المخولة لقاضي التحقيق في الحبس الاحتياطي بشرط أن يكون مصدر قرار الحبس عضو نيابة بدرجة رئيس نيابة على الأقل، وذلك في تحقيقها للجنايات المنصوص عليها في الأبواب الأول والثاني والثاني مكرر والرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات وهی جنایات أمن الدولة من جهة الخارج والداخل وجنايات المتفجرات وجنايات العدوان على المال العام والضرر المادة 206 مكرر من (قانون الإجراءات الجنائية والمضافة بالقانون رقم 95 لسنة 2003) ويكون لهم فضلاً عن ذلك سلطة محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة المبينة في المادة (143) من قانون الإجراءات الجنائية في تحقيق الجرائم المنصوص عليها في القسم الأول من الباب الثاني من قانون العقوبات (مادة 206 مكررا) .
وإذا كان التحقيق بمعرفة قاضي التحقيق أو كانت الأوراق قد أحيلت إلى المحكمة فللنيابة العامة أن تطلب حبس المتهم من الجهة المختصة بإصدار أمر الحبس .
فقد أعطى المشرع النيابة العامة الحق في طلب حبس المتهم احتياطيا في أي وقت (م 137إجراءات).
وللنيابة العامة أن تستأنف الأمر الصادر فى جناية بالإفراج المؤقت عن المتهم المحبوس احتياطياً (م /164/2/أ. ج) .
ويجوز للنيابة العامة بدلا من أن تصدر أمراً بحبس المتهم احتياطياً، أن تصدر أمراً بأحد التدابير الآتية :
1- إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه
2- إلزام المتهم بأن يقدم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محددة .
3- حظر إرتياد المتهم أماكن محددة .
فإذا خالف المتهم الإلتزامات التى يفرضها التدبير ، جاز للنيابة العامة حبسه احتياطياً ، ولا يجوز أن تزيد مدة التدبير المقرر بمعرفة النيابة العامة عن أربعة أيام إلا إذا قرر القانون غير ذلك .
قاضي التحقيق :
يحق لقاضي التحقيق إصدار الأمر بالحبس الاحتياطي إذا كان التحقيق يباشر بواسطته ، وذلك إذا توافرت إحدى الحالات أو الدواعى الآتية :
1- إذا كانت الجريمة في حالة تلبس ، ويجب تنفيذ الحكم فيها فور صدوره.
2- الخشية من هروب المتهم .
3- خشية الأضرار بمصلحة التحقيق ، سواء بالتأثير على المجني عليه أو الشهود، أو بالعبث في الأدلة أو القرائن المادية ، أو بإجراء اتفاقات باقى الجناة لتغير الحقيقة أو طمس معالمها .
4- توقى الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة وتراعي هذه المبررات في حالة صدور الأمر بالحبس الاحتياطي من النيابة العامة إذا كان التحقيق يجري بمعرفتها .
الجرائم التي يجوز فيها الحبس الاحتياطي :
يجوز الحبس الاحتياطي كقاعدة عامة في الجنايات عموماً أياً كان نوعها .
كما يجوز أيضاً في الجنح في حالتين : الأولى : أن تكون الجنحة معاقبا عليها بالحبس مدة لا تقل عن سنة والعبرة هنا هي بالحد الأقصى المقرر قانوناً للجريمة والثانية : أن تكون الجنحة معاقب عليها بالحبس إذا لم يكن للمتهم محل إقامة ثابت معروف في مصر ، فلا يجوز الحبس الاحتياطي في المخالفات عموماً، حيث أن المخالفات لا يعاقب عليها إلا بغرامة فقط . كما لا يجوز الحبس الاحتياطي في الجنح المعاقب عليها بالغرامة فقط، أما الجنح المعاقب عليها بالغرامة والحبس الجوازی ، فيجوز فيها الحبس الاحتياطي متى توافرت فيها إحدى الحالتين السابقتين .
وجدير بالملاحظة أن المشرع أباح الحبس الاحتياطي في الجنح المعاقب عليها الحبس مهما كانت مدته بشرط ألا يكون للمتهم محل إقامة ثابت ومعروف في مصر .
أما إذا كان له محل إقامة ثابت ومعروف في مصر فلا يجوز الحبس الاحتياطي إلا بتوافر إحدى الحالتين المنصوص عليهما، ولما كان القبض لا يجوز قانوناً إلا إذا كان الحبس الاحتياطي ممكناً ، فإن سلطات مأمور الضبط القضائي في القبض والمنصوص عليها في المادة 34 إجراءات والمتعلقة بتوافر حالة من حالات التلبس مع وجود دلائل كافية على الإتهام تكون مفيدة في الجنح بتلك الجنح المعاقب عليها بالحبس مدة سنة أو أكثر .
الشروط الخاصة بالمتهم ودواعي الحبس الاحتياطي :
لا يكفي أن تكون السلطة التي أصدرت أمر الحبس الاحتياطي مختصة بذلك كما لا يكفي أن تكون الواقعة جريمة مما يجوز فيها الحبس الاحتياطي، وإنما توافر شروط معينة خاصة بالمتهم لكى يمكن إصدار الأمر بحبسه احتياطياً .
تتلخص هذه الشروط في أمرين :
1- أن تكون هناك دلائل كافية على اتهام المتهم بالجريمة المنسوبة إليه وهذا الشرط مستفاد من نص المادة 134 إجراءات، وتقدير هذه الدلائل من سلطة المحقق التي يخضع فيها الرقابة محكمة الموضوع أو الرقابة الجهة التي تنظر في مد الحبس الاحتياطي والجهة التي تنظر استئناف الأمر الصادر بحبس المتهم احتياطياً ، والتي يكون لها في حالة عدم توافر تلك الدلائل الكافية أن تأمر بالإفراج فوراً . وإذا استبان لمحكمة الموضوع أن الحبس الاحتياطي وقع باطلاً لتخلف الدلائل الكافية ، فلها أن تحكم ببطلان مما ترتب عليه من إجراءات وتستبعد الدليل المستمد منه .
2- أن يكون المتهم قد جاوز الخامسة عشرة سنة ، فلا يجوز حبس الطفل الذي لا تتجاوز سنة خمسة عشرة سنة حبساً احتياطياً . وإذا كانت ظروف الدعوى تستدعي التحفظ على الطفل ، فيجوز للنيابة العامة إيداعه إحدى دور الملاحظة مدة لا تزيد على أسبوع ما لم تأمر المحكمة بمدها يجوز بدلاً من الإجراء السابق الأمر بتسليم الطفل إلى أحد والديه أو إلى من له الولاية عليه للمحافظة عليه وتقديمه عند كل طلب . (م / 119 / من قانون الطفل) .
كما طلب المشرع توافر إحدى الحالات الآتية لإصدار الأمر "بالحبس الاحتياطي :
1- إذا كانت الجريمة في حالة تلبس ، ويجب تنفيذ الحكم فيها فور صدوره.
2- الخشية من هروب المتهم .
3- خشية الإضرار بمصلحة التحقيق سواء بالتأثير على المجنى عليه أو الشهود أو بالعبث في الأدلة أو القرائن المادية ، أو بإجراء لإتفاقات مع باقي الجناة لتغيير الحقيقة أو طمس معالمها وكل ما من شأنه الأضرار بمصلحة التحقيق .
4- توقى الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي يترتب على جسامة الجريمة.
رابعاً : أن يكون الحبس الاحتياطى مسبوقاً بالاستجواب :
يشترط لصدور أمر الحبس الاحتياطى من سلطة التحقيق أن يكون قد سبقه استجواب (م / 134 / إجراءات) فإذا وقع الحبس الاحتياطي بدون استجواب المتهم الحاضر كان باطلاً مستوجبة للمؤاخذة الإدارية والجنائية أن توافرت شروطها .
ولم يستثن المشرع من شرط الاستجواب السابق للحبس الاحتياطي إلا في حالة واحدة وهي إذا كان المتهم هارباً ففي هذه الحالة يجوز الأمر بالقبض عليه وحبسه احتياطياً . ويسقط الأمر بالحبس الاحتياطي إذا لم ينفذ خلال ستة أشهر من تاريخ صدوره ، ما لم يعتمد الأمر من سلطة التحقيق التي أصدرته (م / 139 / إجراءات). (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء : الأول، الصفحة : 504)
وفي ضوء هذا النص الذي أجاز الحبس لصيانة أمن المجتمع، جعل قانون و الإجراءات الجنائية المصري في المادة 134 منه المعدلة بالقانون رقم 145 لسنة 2006 - من مبررات الحبس الاحتياطي توقى الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام الذي قد يترتب على جسامة الجريمة. وهذا المبرر الأخير لا يصلح سنداً للحبس الاحتياطي، لأنه ليس إلا إجراء من إجراءات التحقيق لا تجوز مباشرته إلا لمصلحة التحقيق بما في ذلك حماية الأدلة وعدم العبث بها والحيلولة دون هروب المتهم. كما أن التدبير الاحترازي يوجه ضد خطورة الشخص، وهو ما لا يمكن التسليم به ضد متهم الأصل فيه البراءة. أما توقى الإخلال الجسيم بالأمن والنظام العام فيكون من خلال إجراءات الضبط الإداري بما تستتبعه من اتخاذ تدابير أمنية معينة لا يجوز أن تصل إلى حد إنتهاك حريات الأبرياء. وعدا ذلك، فإن اتخاذ التدبير الاحترازي هو من اختصاص قضاء الحكم. وقد تدارك ذلك الدستور المعدل لسنة 2014، إذ حذف صيانة أمن المجتمع من الأسباب التي تجيز الحبس في الفقرة الأولى من المادة 54 منه. وإذا كانت الفقرة الخامسة من هذه المادة قد نصت على أن ينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي ومدته وأسبابه، فإن القانون لابد من أن يتقيد بحكم الفقرة الأولى من المادة 54 التي وضعت ما يستلزمه التحقيق سبباً له، نظراً إلى تكامل النصوص الدستورية كما استقر على ذلك قضاء المحكمة الدستورية العليا، وتطبيقاً للمادة 227 من دستور 2014 التي نصت على أن يشكل الدستور بديباجته وجميع نصوصه نسيجاً مترابطاً وكلاً لا يتجزأ، وتتكامل أحكامه في وحدة عضوية واحدة.
وواقع الأمر أنه لا يجوز التوسع في الهدف من الحبس الاحتياطي، واعتباره تدبيراً احترازياً لأنه قد يجعله ذلك في مصاف العقوبات، الأمر الذي يتعارض مع طبيعته الوقتية. أما مراعاة الشعور العام للناس بسبب جسامة الجريمة فلا يجوز مواجهته بحبس الأبرياء والخوف، من هرب المتهم عند الحكم عليه لا يجوز أن يكون سندا ًلحبسه وإلا كان ذلك مصادرة على المطلوب، وهو التأكد من إدانته، مما يتعارض تماماً مع أصل البراءة ولهذا فقد أوجد القانون الفرنسي الصادر في 17 يوليو 1970 بديلاً للحبس الاحتياطي، وهو المراقبة القضائية للمتهم مع إخضاعه لبعض الواجبات التي تكفل وضعه تحت تصرف القضاء، وتكفل كذلك حسن سلوك المتهم وعدم العودة إلى الجريمة ففي هذه المراقبة يتحقق معنى التدبير الاحترازي المؤقت دون أن يصل الأمر إلى حد إيداع المتهم في السجن على النحو المقرر في الحبس الاحتياطي وإجراء المراقبة القضائية يتفق مع السياسة التشريعية القانون الإجراءات الجنائية الفرنسي الذي اعتبر الحبس الاحتياطي تدبيراً احترازياً فضلاً عن كونه من إجراءات التحقيق.
ضمانات الحبس الاحتياطي:
لا يجوز أن نغفل عن طبيعة الحبس الاحتياطي بوصفه إجراء استثنائياً يرد على متهم بريء، وهو ما يتطلب تضييق نطاقه في أضيق الحدود وإحاطته بضمانات فعالة لحماية الحرية الشخصية. وكما قلنا عن القانون الفرنسي الصادر في 17 يوليو سنة 1970 الذي عدل نظام الحبس الاحتياطي - بتسميته بالحبس المؤقت وهذا التغيير في التسمية يؤكد على الخصيصة المؤقتة والاستثنائية لحبس المتهم قبل صدور الحكم عليه.
وقد عن المشرع المصري بإحداث طفرة في ضمانات الحبس الاحتياطي بموجب القانون رقم 145 لسنة 2006 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية.
وتتمثل ضمانات الحبس الاحتياطي في شروط معينة تتعلق بالسبب، والمحل، وصدوره عقب الاستجواب، ومدته ، ومبررات اتخاذه.
أولاً : السبب :
1- نوع الجريمة: يشترط في الحبس الاحتياطي أن تصل الجريمة إلى درجة معينة من الجسامة يحددها المشرع، وهي:
2- الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس لمدة لا تقل عن سنة (المادة 134/ 1 إجراءات).
3- الجنح المعاقب عليها بالحبس إذا لم يكن للمتهم محل إقامة ثابت معروف في مصر (المادة 134/ 2 إجراءات.
وفي هذه الحالة لا يشترط ألا تقل مدة الحبس عن سنة.
لا يجوز الحبس الاحتياطي في الجرائم التي تقع بواسطة الصحف. وكانت الجريمة المنصوص عليها في المادة 179 من قانون العقوبات (المادة 41 من القانون رقم 96 لسنة 1996) بشأن تنظيم الصحافة مستثناة من هذا الحظر إلى أن ألغي هذا الاستثناء سنة 2013 بعد إلغاء عقوبة الحبس في هذه الجريمة.
على أنه لا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوبتها القانون ومفاد ذلك أنه في الجرائم التي تركب بطريق النشر أو العلانية - عدا الجرائم المستثناة كما بيناها - لا يجوز فيها الحبس الاحتياطي.
الدلائل الكافية على نسبة الجريمة للمتهم: يجب أن يثبت للمحقق أن ثمة دلائل كافية تشير إلى نسبة الجريمة إلى المتهم، وتقدير هذه الدلائل متروك للمحقق تحت رقابة الجهات التي تختص بحد الحبس الاحتياطي ثم محكمة الموضوع. والدلائل الكافية في هذا المجال هي التي تفيد مجرد إحتمال الإدانة، ولا يجوز التعسف في تقديرها. فإذا تبينت المحكمة أن الدلائل غير كافية لتبرير الأمر الصادر من المحقق بحبس المتهم احتياطيا فإن هذا الأمر يكون باطلاً ويتعين بطلان سائر الإجراءات المترتبة عليه .
ثانياً - المحل :
لا يجوز الحبس الإحتياطي للطفل الذي لا يتجاوز سنه خمس عشرة سنة أياً كانت الجريمة المسندة إليه ومهما كانت عقوبتها وذلك إعمالاً لنص المادة 119 من قانون الطفل الصادر بالقانون رقم 12 لسنة 1996 ، التي أجازت للنيابة العامة إيداع الطفل إحدى دور الملاحظة وتقديمه عند کل طلب إذا كانت ظروف الدعوى تستدعي التحفظ عليه، على ألا تزيد مدة الإيداع على أسبوع، ما لم تأمر المحكمة بمدها وفقاً لقواعد الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية.
ثالثاً : صدوره عقب الاستجواب:
لا يجوز حبس المتهم احتياطياً إلا بعد مناقشته تفصيلياً ومواجهته بالتهمة، فإذا لم يتحقق هذا الاستجواب أو شابه عيب البطلان فإن أمر الحبس الإحتياطي يكون باطلاً كذلك.
ويجب لصحة الأمر بحمد الحبس الاحتياطي سواء صدر من القاضي الجزئي أو من غرفة المشورة - سماع أقوال المتهم عند نظر طلب النيابة العامة بمدى حبسه (المواد 142 و 143 و 202 و203 إجراءات)، وهو إجراء جوهري يترتب على مخالفته بطلان الأمر بالحبس الاحتياطي.
وقد نصت المادة 136 إجراءات المستبدلة بموجب القانون رقم 145 لسنة 2006 على أنه يجب على قاضي التحقيق قبل أن يصدر أمراً بالحبس أن يسمع أقوال النيابة العامة ودفاع المتهم ولا شك في أن سماع أقوال النيابة العامة يستند إلى كونها سلطة الإتهام، وخاصة أنها لابد أن تقدم طلباتها قبل تصرفه في التحقيق أما سماع دفاع المتهم فهو تأكيد لما نص عليه من وجوب استجوابه سلفاً قبل إصدار أمر الحبس الاحتياطي، ومن وجوب سماع أقوال المتهم قبل مد الحبس (المادة 142 إجراءات).
ولما كان الحبس الاحتياطي من إجراءات التحقيق في الدعوى الجنائية، فقد نصت المادة 152 إجراءات على أنه لا يقبل من المجني عليه أو من المدعي بالحقوق المدنية طلب حبس المتهم ولا تسمع منه أقول في المناقشات المتعلقة بالإفراج عنه.
لقاضي التحقيق أن يأمر بحبس المتهم احتياطياً لمدة خمسة عشر يوماً (المادتان 134/ 1 و 142/ 1 إجراءات).
يجوز لقاضي التحقيق قبل انقضاء مدة الحبس الاحتياطي التي أمر بها (أي خمسة عشر يوماً) وبعد سماع أقوال النيابة العامة والمتهم – أن يصدر أمراً بمد الحبس مدداً مماثلة بحيث لا تزيد مدة الحبس في مجموعها على خمسة وأربعين يوماً (المادة 142/ 1 إجراءات).
وقد كان قاضي التحقيق قبل القانون رقم 145 لسنة 2006 يملك سلطة مد الحبس الاحتياطي مدة خمسة وأربعين يوماً دفعة واحدة، كما كانت المدة الإجمالية للحبس الذي أمر به تبلغ ستين يوماً، فنزل بها المشرع بالقانون المذكور إلى خمسة وأربعين يوماً. فإذا تجاوز القاضي في أمره هذه المدة وجب انتهاء الحبس بمضي خمسة وأربعين يوماً منذ يوم إصدار الأمر دون عبرة بما قرره القاضي فوق ذلك لأنه يعد منعدماً إننا.
إذا لم ينته التحقيق ورأى القاضي مد الحبس الإحتياطي زيادة على ما تقدم وجب قبل انقضاء مدة الخمسة والأربعين يوماً إحالة الأوراق إلى محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة لتصدر أمرها بعد سماع أقوال النيابة العامة والمتهم بمد الحبس مدداً متعاقبة لا تزيد كل منها على خمسة وأربعين يوماً إذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك أو الإفراج عن المتهم بكفالة أو بغير كفالة (المادة 143 إجراءات).
يجب عرض الأمر على النائب العام إذا مضت على الحبس الاحتياطي مدة ثلاثة شهور بشأن سلطة النيابة العامة في الحبس الاحتياطى عندما تتولى التحقيق، وذلك تطبيقاً للفقرة الثالثة من المادة 143 والفقرة الأولى من المادة 151 إجراءات، فهي قاعدة عامة تسري على جهات التحقيق، فضلاً عن أنها وردت في الباب الخاص بالتحقيق بمعرفة قاضي التحقيق.(الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب : الأول، الصفحة : 1002)
الاستجواب في حالة الحبس الاحتياطي : جعل الشارع استجواب المتهم شرطاً لإصدار الأمر بحبسه إحتياطياً (المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية)، ومؤدى ذلك أن يبطل الأمر بالحبس الاحتياطي الصادر ضد متهم لم يستوجب ويعتبر الاستجواب بذلك ضماناً للحبس الاحتياطي، فلخطورة الحبس الاحتياطي تطلب الشارع أن يتعرف المحقق على وجهة نظر المتهم ليقدر مدى ملاءمة حبسه.
الحبس الاحتياطي هو سلب حرية المتهم مدة من الزمن تحددها مقتضيات التحقيق ومصلحته، وفق ضوابط قررها القانون.
وليس الحبس الاحتياطي عقوبة على الرغم من اتحاده في طبيعته مع العقوبات السالبة للحرية، ذلك أنه لم يصدر بعد حكم بالإدانة، والأصل المقرر أنه «لا عقوبة بغير حكم قضائي بالإدانة».
ويثير الحبس الاحتياطي نزاع بين مصلحتين : مصلحة المتهم في ألا تسلب حريته إلا إذا صدر حكم بإدانته، ومصلحة المجتمع في سلب حرية المتهم قبل إدانته من أجل مصلحة التحقيق وقد غلب الشارع مصلحة المجتمع، وإن كان لم يغفل عن مصلحة المتهم، فوضع شروطاً للحبس، وحصره في مدد قصيرة تكفل ألا تسلب حرية المتهم إلا في النطاق المحدود الذي تقتضيه مصلحة التحقيق. وللحبس الاحتياطي طابع تقديري، فهو يفترض تقدير المحقق أن مصلحة التحقيق تقتضيه، ولذلك يجدر به ألا يأمر به إلا إذا لم يكن له بديل من إجراءات الاحتياط إزاء المتهم.
علة الحبس الاحتياطي : علة الحبس الاحتياطي هي العلة العامة الإجراءات الاحتياط إزاء المتهم، بل إن الحبس الاحتياطي هو أظهر مجال تتحقق فيه هذه العلة: فعلته الاحتياط لاحتمال فرار المتهم، والاحتياط لاحتمال تشويهه أدلة الإتهام ويمكن تفصيل هذه العلة بملاحظة أن الحبس الاحتياطي قد يكون له دوره كتدبير مانع من ارتكاب جرائم جديدة، ذلك أن وجود المتهم في محل إرتكابه جريمته قد يغريه بارتكاب مثلها، خاصة إذا كانت العوامل الإجرامية التي قادته إلى جريمته الأولى ما تزال قائمة منتجة تأثيرها عليه وبالإضافة إلى ذلك، فإن وجود المتهم طليقا في مكان جريمته قد يغري أهل المجني عليه بالانتقام منه، وقد يثير ذلك مشاعر استنكار جماعي من بقاء المتهم حرة على الرغم من جريمته، وبذلك يمثل الحبس الاحتياطي «إجراء حماية» للمتهم، ويمثل كذلك إرضاءً عاجلاً لمشاعر جماعية إنتظاراً للإرضاء الذي تأتي به العقوبة فيما بعد ويعتبر الحبس الاحتياطي في تكييفه القانوني «إجراء تحقيق»، باعتباره يضع المتهم رهن تصرف المحقق، فيستجوبه أو يواجه بينه وبين غيره طالما قدر ملائمة ذلك. وهو وسيلة الضمان تنفيذ العقوبة حينما يصدر الحكم بها، فهو يحول دون فرار المتهم، فيكفل تنفيذ الحكم حينما يصدر بعد ذلك .
مجال الحبس الاحتياطي هو الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن سنة. ويعني ذلك أنه لا يجوز الحبس الاحتياطي في المخالفات والجنح المعاقب عليها بالغرامة أو بالحبس مدة تقل عن سنة. والعلة في هذا التحديد المجال الحبس الاحتياطي هو خطورته باعتباره يتضمن سلبة للحرية، فأراد الشارع حصره في جرائم ذات خطورة خاصة والعبرة في ذلك بالعقوبة التي يقررها القانون للجريمة.
وقد أورد الشارع على هذا الأصل نوعين من الاستثناءات : نوعاً وسع فيه من نطاق الحبس الاحتياطي، فأجازه في جنح معاقب عليها بالحبس أياً كانت مدته، ونوعاً ضيق فيه من نطاقه، فحظره على الرغم من أن الجريمة معاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن سنة.
التوسع في مجال الحبس الاحتياطي: أجاز الشارع الحبس الاحتياطي إذا لم يكن للمتهم محل إقامة ثابت معروف في مصر، وكانت الجريمة جنحة معاقباً عليها بالحبس، يفترض هذا التوسع أن جريمة المتهم جنحة معاقب عليها بالحبس مدة تقل عن سنة، ويفترض كذلك أنه ليس للمتهم محل إقامة ثابت معروف في مصر. وعلة إجازة الحبس الاحتياطي في هذه الحالة هي ضمان تنفيذ الحكم عند صدوره. ومؤدى ذلك أنه لا محل لهذا التوسع إذا كانت الجريمة مخالفة أو جنحة معاقباً عليها بالغرامة. والمحقق هو الذي يقدر عدم وجود محل إقامة للمتهم ثابت معروف في مصر، وتراقب محكمة الموضوع تقديره.
التضييق من مجال الحبس الاحتياطي: ضيق الشارع من مجال الحبس الاحتياطي فحظره في وضعين : في الجرائم التي تقع بواسطة الصحف، وفي جرائم الأحداث.
ففي الجرائم التي تقع بواسطة الصحف، نصت المادة 41 من القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة على أنه «لا يجوز الحبس الاحتياطي في الجرائم التي تقع بواسطة الصحف إلا في الجريمة المنصوص عليها في (المادة 179 من قانون العقوبات». وعلة حظر الحبس الاحتياطي في الجرائم التي تقع بواسطة الصحف هي الاحتياط لكفالة حرية الصحافة، بضمان ألا تكون سلطة المحقق في الحبس الاحتياطي سلاح تهديد إزاء الصحفيين وبالإضافة إلى ذلك، فإن احتمال هرب مرتكب جريمة الصحافة قليل، بالنظر إلى إرتباطه بمقر عمله الصحفي .
وحظر الشارع كذلك الحبس الاحتياطي في جرائم الأطفال، فقد نصت المادة 119 من القانون رقم 12 لسنة 1996 بشأن الطفل على أنه «لا يحبس احتياطياً الطفل الذي لم يجاوز خمس عشرة سنة ..» ويعلل حظر الحبس الاحتياطي بالنسبة للطفل بإنتفاء موجبه : فليس محتملاً أن يشوه الطفل أدلة الاتهام، واحتمال هربه في الغالب قليل. وبالإضافة إلى ذلك فإن حظر حبس الطفل يتسق مع حظر توقيع العقوبات العادية عليه.
السلطة المختصة بالأمر بالحبس الاحتياطي : السلطة المختصة بالأمر بالحبس الاحتياطي هي سلطة التحقيق، باعتبار هذا الأمر عمل تحقیق، وهذه السلطة هي قاضي التحقيق (المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية)، والنيابة العامة (المادة 201). وإذا أحيلت الدعوى إلى المحكمة كان لها الأمر بالحبس الاحتياطي.
ولا يجوز للمجني عليه أو المدعي المدني طلب الحبس الاحتياطي، فقد نصت المادة 102 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه «لا يقبل من المجني عليه أو من المدعي بالحقوق المدنية طلب حبس المتهم ولا تسمع منه أقوال فى المناقشات المتعلقة بالإفراج عنه». ويعلل ذلك بأنه لا خصومة لأيهما بالنسبة للدعوى الجنائية، ومن ثم فلا صفة له في طلب اتخاذ إجراء من إجراءات هذه الدعوى.
ولا يجوز لمأمور الضبط القضائي الأمر بالحبس الاحتياطي، ولا يجوز ندبه لذلك، فقد حظرت المادة 70 من قانون الإجراءات الجنائية ندبه للاستجواب، والحبس الاحتياطي يسبقه الاستجواب الذي يجريه الآمر بالحبس، فيكون مؤدى ذلك حظر ندبه للحبس الاحتياطي.
شروط الحبس الاحتياطي : اشترط الشارع للأمر بالحبس الاحتياطي شروطاً ثلاثة : أن تتوافر دلائل كافية، وأن يستجوب المتهم، وأن تسمع أقوال النيابة العامة ودفاع المتهم إذا كان الأمر بالحبس هو قاضي التحقيق. فالدلائل الكافية هي دلائل على وقوع الجريمة وعلى نسبتها إلى المتهم الذي يصدر ضده الأمر بالحبس، ويتعين أن يستخلص منها كذلك ملائمة الحبس. ويختص بتقدير هذه الدلائل المحقق، وتراقب محكمة الموضوع تقديره.
ويتعين أن يسبق الأمر بالحبس استجواب المتهم، وعلة ذلك أن هذا الأمر تقديري للمحقق، ومن ثم تعين أن يستمع إلى المتهم كي تتجمع لديه عناصر تقدیر ملائمة هذا الأمر ويغفل الشارع هذا الشرط إذا كان المتهم هارباً إذ يستحيل في هذا الفرض تنفيذه.(الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد : الأول ، الصفحة : 635)
الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي 1433 هـ - 2012 م الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 65
مُتَّهَمٌ
التَّعْرِيفُ :
الْمُتَّهَمُ لُغَةً:
مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ وَالتُّهْمَةُ هِيَ: الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَاتَّهَمْتُهُ: ظَنَنْتُ بِهِ سُوءًا فَهُوَ تَهِيمٌ، وَاتُّهِمَ الرَّجُلُ اتِّهَامًا: أَتَى بِمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :
الْمُدَّعَى عَلَيْهِ :
- الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ دَعْوَى دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ وَالْمُدَّعِي: هُوَ مَنْ يَلْتَمِسُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ قِبَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُتَّهَمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ مِنْ أَحْكَامٍ :
تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا:
الْمُتَّهَمُ فِي الْجَرَائِمِ
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ عَلَى الْمُتَّهَمِ بِالتُّهْمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَلَمْ يَكْتَمِلْ نِصَابُ الْحُجَّةِ، أَوِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعِيثُ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَقَالُوا: إِنَّ الْمُتَّهَمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بَلْ يُعَزَّرُ مُتَّهَمُهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ فَيُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ بِالْحَبْسِ، وَقَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَسَعُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
(ر: تُهْمَةٌ ف 14).
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ وَلَهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ حَالُ اسْتِبْرَاءٍ تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ وَلَهَا عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا حَالُ اسْتِيفَاءٍ تُوجِبُهُ الأْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ.
فَأَمَّا حَالُهَا بَعْدَ التُّهْمَةِ وَقَبْلَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ النَّظَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ حَاكِمًا رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَدِ اتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَكُنْ لِتُهْمَةٍ بِهَا تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهُ لِكَشْفٍ وَلاَ اسْتِبْرَاءٍ وَلاَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَسْبَابِ الإْقْرَارِ إِجْبَارًا وَلَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إِلاَّ مِنْ خَصْمٍ مُسْتَحِقٍّ لِمَا قَرَفَ وَرَاعَى مَا يَبْدُو مِنْ إِقْرَارِ الْمَتْهُومِ أَوْ إِنْكَارِهِ إِنِ اتُّهِمَ بِالزِّنَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا وَيَصِفَ مَا فَعَلَهُ بِهَا بِمَا يَكُونُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَإِنْ أَقَرَّ حَدَّهُ بِمُوجِبِ إِقْرَارِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ وَكَانَتْ بَيِّنَةً سَمِعَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْلَفَهُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طَلَبَ الْخَصْمُ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَتْهُومُ أَمِيرًا كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَذَلِكَ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا : أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الإْمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِلدَّعْوَى الْمُقَرَّرَةِ وَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي الإْخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لاَ؟ فَإِنْ بَرَّءُوهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ خَفَّتِ التُّهَمَةُ وَوُضِعَتْ وَعَجَّلَ إِطْلاَقَهُ وَلَمْ يَغْلُظْ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرَّفُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَعَرَّفُوهُ بِأَشْبَاهِهِ غَلُظَتِ التُّهَمَةُ وَقَوِيَتْ وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا يُنَاسِبُهُ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ.
الثَّانِي : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ زِنًا وَكَانَ الْمَتْهُومُ مُطِيعًا لِلنِّسَاءِ ذَا فُكَاهَةٍ وَخَلاَبَةٍ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ، وَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارٌ لِضَرْبٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مُنَقِّبٌ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ أَيْضًا.
الثَّالِثُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُعَجِّلَ حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ لِذَلِكَ فَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَبْسَهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَجَاوَزُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَحْبِسُوا أَحَدًا إِلاَّ بِحَقٍّ وَجَبَ.
الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ أَنْ يَضْرِبَ الْمَتْهُومَ ضَرْبَ التَّعْزِيرِ لاَ ضَرْبَ الْحَدِّ لِيَأْخُذَ بِالصِّدْقِ عَنْ حَالِهِ فِيمَا قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يَكُنْ لإِقْرَارِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ حُكْمٌ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ وَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالإْقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الأْوَّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِالإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ.
الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إِذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكِسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.
السَّادِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ إِحْلاَفُ الْمَتْهُومِ اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إِحْلاَفُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلاَ أَنْ يُجَاوِزُوا الأَْيْمَانَ بِاللَّهِ إِلَى الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ.
السَّابِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إِجْبَارًا، وَيُظْهِرَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إِلَيْهَا طَوْعًا، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ، لأِنَّهُ وَعِيدُ إِرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إِلَى حَيِّزِ التَّعْزِيرِ وَالأْدَبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْقَتْلِ فَيَقْتُلَ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ.
الثَّامِنُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ.
التَّاسِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِدْ غُرْمًا وَلاَ حَدًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الأْثَرُ وَلاَ يُرَاعَى السَّبْقُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: بِحِسَابِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الاِقْتِرَافِ وَالتَّعَدِّي، وَالثَّانِي: بِحَسَبِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ.
وَإِذَا رَأَى مِنَ الصَّلاَحِ فِي رَدْعِ السَّفِلَةِ أَنْ يُشَهِّرَهُمْ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الأْمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الاِسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لاِخْتِصَاصِ الأْمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالأْحْكَامِ.
- وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ حَالَهُ.
فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهِمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الأْبْرِيَاءِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإْسْلاَمِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ «حَبَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ،» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ».
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إِنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الأْئِمَّةِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلاَ حَبْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ مَذْهَبًا لأِحَدٍ مِنَ الأْئِمَّةِ الأْرْبَعَةِ وَلاَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأْئِمَّةِ. وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لاَ يُضْرَبُ، ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.
الْمُتَّهَمُ فِي الْقَسَامَةِ
- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الأْيْمَانَ تُوَجَّهُ إِلَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وُجِّهَتِ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُوَجَّهُ تِلْكَ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ الدِّيَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسَامَةٌ ف 17).
تَحْلِيفُ الْمُتَّهَمِ فِي الأْمَانَاتِ
- يَحْلِفُ الْمُودَعُ وَالْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ وَكُلُّ مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تُهْمَةٌ ف 15).
وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ دَعْوَى الرَّدِّ وَدَعْوَى الضَّيَاعِ، إِذْ إِنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ فِي دَعْوَى الرَّدِّ يَدَّعِي يَقِينًا أَنَّ الْمُودَعَ كَاذِبٌ، فَيَحْلِفُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَّهَمًا أَمْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ لاَ عِلْمَ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ بِحَقِيقَةِ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ فَلاَ يَحْلِفُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الأْظْهَرُ أَنْ تُلْحَقَ الْيَمِينُ إِذَا قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَتَسْقُطَ إِذَا ضَعُفَتْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْمُودَعُ مَحَلَّ تُهْمَةٍ فَوُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ وَنَكَلَ عَنْهَا ضَمِنَ وَلاَ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا. وَصِفَةُ يَمِينِ الْمُتَّهَمِ أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْتُ، وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطْتُ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ.
الشَّكُّ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَّهَمُ
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالأْصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ».
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (شَكٌّ ف 38).
رُجُوعُ الْمُتَّهَمِ فِي إِقْرَارِهِ
إِذَا أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بِحَقِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ الإْقْرَارُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزَّكَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 59 - 60).
صِحَّةُ إِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ
يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ عَامَّةً شُرُوطٌ مِنْهَا:
عَدَمُ التُّهْمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي إِقْرَارِهِ؛ لأِنَّ التُّهْمَةَ تُخِلُّ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الإْقْرَارِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).
