loading

موسوعة قانون الإجراءات الجنائية

المذكرة الإيضاحية

 يعلق القانون تارة في رفع الدعوى الجنائية على شكوى من المجني عليه في الجرائم التي تمس مصلحته أكثر مما تمس مصلحة الجماعة وتارة يعلق القانون رفع الدعوى الجنائية على طلب يقدم من جهات معينة في الجرائم التي تقع ضد هيئة من الهيئات النظامية أو مصلحة عامة أو جهة أجنبية وتارة اخرى يعلق القانون رفع الدعوى على صدور أذن في الجرائم التي تقع من أحد أعضاء بعض الهيئات النظامية لأن في رفعها بدون هذا الإذن مساساً لنا لهذه الهيئات من إستقلال ويترتب على ذلك أن النيابة العمومية لا تملك اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق في الجرائم التي يتوقف رفع الدعوى فيها على شكوى أو طلب إلا اذا قدم الطلب او الشكوى كما انها لا تملك اتخاذ أي إجراء ضد المتهم بدون إذن سابق اذا كان رفع الدعوى متوقفاً على هذا الاذن .

وتبين المواد 13 - 20 ( أصبحت المواد 3 - 10 من القانون ) أحكام هذه القيود في تنص المادة 13 ( أصبحت المادة 3 من القانون ) على ضرورة تقديم الشكوى من المجني عليه أو من وكيله الخاص إلى النيابة العمومية أو أحد مأموري الضبط القضائي ولا يشترط أن تكون بالكتابة فيجوز أن تكون شفوية ولا تقبل بعد ثلاثة أشهر من يوم على المجنى عليه بالجريمة وبمرتكبها أو نفترض في هذه الحالة أنه تنازل عن حقه في الشكوى .

إذا كان المجني عليهم أكثر من واحد فلا يشترط أن يقدم كل منهم شكوى بل يكفي أن تقدم من أحدهم .

أما اذا كان قد تعدد المتهمون ولم تقدم الشكوى إلا ضد واحد منهم فتعتبر أنها مقدمه ضد الباقين مما يسمح للنيابة العمومية باتخاذ الإجراءات في الدعوى ضد جميع مادة 14 ( أصبحت المادة 4 من القانون ) والمقصود بالمتهمين هنا من يستلزم القانون وجوب تقديم شكوى ضدهم لتحريك الدعوى . 

وتنص المادة 15 ( أصبحت المادة 10 من القانون ) على حق مقدم الشكوى في التنازع ما لم يصدر في الدعوى حكم نهائي لنه بصدور و هذا الحكم تنقطع صلة من قدم الشكوى بالدعوى وتنتهي الدعوى الجنائية . 

وفي حالة تعدد المجني عليهم لا يعتبر التنازل إلا إذا صدر من جميع من قدموا الشكوى ويترتب على هذا التنازل إنقضاء الدعوى الجنائية وإذا كان التنازل قاصراً على أحد المتهمين فانه يسري على باقي المتهمين أيضاً. 

ويشترط لصحة الشكوى أن تكون سن مقدمها خمس عشرة سنة فأكثر وأن يكون متمتعاً بقواه العقلية فإذا لم يتوفر أحد هذين الشرطين بأن كان من المجنى أقل من خمس عشرة سنة أو كان ناقص الإدراك بحيث تكون درجة تمييزه كدرجة تمييز الصغير الذي لم يلغ هذا السن فيجب أن تقدم شكوى ممن له الولاية على النفس شرعاً لن جميع الجرائم التي يعلق القانون رفع الدعوى فيها على شكوى خاصة بالشرف والعرض مما ليس له إتصال بالمال - وتسري على الولى جميع الأحكام الخاصة بالشكوى فإذا لم يقدمها في مدى ثلاثة أشهر من تاريخ علمه بالجريمة ومرتكبها سقط حقه في الشكوى - مادة 16 - ( أصبحت المادة 5 من القانون ).

وإذا تعارضت مصلحة الولي مع مصلحة المجنى عليه او اذا لم يكن للمجنى عليه ولي من أقاربه تقوم النيابة مقام الولي وتسري عليها جميع الأحكام المتعلقة بالولي - مادة 17 - ( أصبحت المادة 6 من القانون ).

ولما كان حق الشكوى متعلقاً بشخص بعد تقديم الشكوى فلا يكون لها تأثير على سير الدعوى ويكون للنيابة العمومية الحق في الاستمرار فيها - مادة 18 - ( أصبحت المادة 7 من القانون ).

ويختلف الإذن والطلب عن الشكوى في أنه لا يجوز الرجوع فيهما بعد صدورهما كما يجب أن يكونا بالكتابة ولا يسقط حق الطلب والإذن بمضي ثلاثة أشهر من تاريخ علم من له حق الطلب والإذن بالجريمة وبمرتكبها لأنه لا محل لافتراض التنازل هنا وبدیهی أن القانون إذا أوجب صدور الإذن قبل اتخاذ إجراءات معينة فإن الحظر يكون مقصوراً على هذه الإجراءات وحدها وبصفة عامة إذا اشترط القانون أذناً فإنه يجوز قبل صدور هذا الإذن اتخاذ جميع الإجراءات الجنائية في الدعوى إلا فيما يتعلق بالإجراءات الموجهة ضد المتهم سواء بالنسبة إلى شخصه أو من هو بمنزلته - مادة 19 و 20 - ( أصبحت مادة 8 و 9 من القانون ).

من المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 37 لسنة 1972:

لما كانت المادة (35) إجراءات جنائية بنصها الحالي تجيز لمأمور الضبط القضائي أن يأمر بضبط المتهم أو إحضاره إذا لم يكن المتهم حاضر، وذلك في الأحوال التي بينتها المادة (34) قبل تعديلها وهي حالة اتهامه بإرتكاب جناية أو في أحوال التلبس بالجنح وإذا كانت الجريمة جنحة معاقباً عليها بالحبس وكان المتهم موضوعاً تحت مراقبة البوليس أو كان قد صدر إليه إنذاره باعتباره متشرداً أو مشتبها فيه أو لم يكن له محل إقامة ثابت و معروف في مصر أو كانت التهمة جنحة سرقة أو نصب أو تقالس أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة أو بالعنف أو قيادة أو إتجار بالنساء والأطفال أو انتهاك حرمة الآداب أو جنحة منصوص عليها في قانون تحریم زراعة المواد المخدرة أو الإتجار فيها أو حيازتها أو استعمالها - وكانت هذه الأحوال بعد تعديل المادة (34) لم تعد قائمة في نص هذه المادة كما أن تخويل مأمور الضبط القضائي سلطة القبض فيها لا يتفق مع حكم المادة (41) من الدستور التي أوجبت - فيما عدا حالة التلبس - الحصول على أمر من القاضي المختص أو النيابة العامة لجواز القبض على أحد أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد - فإن ذلك كله قد اقتضى إعادة النظر في حكم المادة (35) إجراءات بحيث تستبقى سلطة مأمور الضبط القضائي في القبض على المتهم إذا لم يكن حاضراً وذلك في حالات التلبس بإرتكاب جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاثة أشهر وهي الحالات المنصوص عليها في المادة (34) بعد تعديلها وفق هذا المشروع وذلك بإعتبار أن التلبس حالة عينية فلازم الجريمة فيها طبقة النص الحالي لمأمور الضبط القضائي أن يأمر بالقبض على المتهم غير الحاضر فقد لاحظ المشرع أن من بينها حالات خطيرة قبل الإتهام بارتكاب جناية ولو لم تكن في غير حالة تلبس أو إرتكاب جنحة من الجنح الهامة وهي السرقة والنصب والتعدي الشديد ومقاومة رجال السلطة العامة بالقوة والعنف فرأى المشرع لذلك أن يجيز لمأموري الضبط القضائي أن يصدر أمراً في هذه الحالات بالتحفظ على المتهم أو إحضاره وهو إجراء يختلف عن الضبط أو القبض ويعتبر بمثابة إجراء " وقائي حتى يطلب من النيابة العامة صدور أمرها بالقبض، فهذا الإجراء لا يعتبر قبضاً بالمعنى القانوني وليس فيه مساس بحرية الفرد، إذ أن هذه الحرية يجب أن يزاولها في الإطار الإجتماعي للمصلحة العامة وفق ما أشار إليه بعض الشراح فلا مساس لهذه الحرية إذا طلب من الشخص أن يمكث في مكانه لحظات أو فترة قصيرة مثلما هو مقرر من أن لمأمور الضبط القضائي عند انتقاله إلى مكان الحادث في حالة التلبس أن يمنع الحاضرين من مبارحة محل الواقعة أو الابتعاد عنه حتى يتم تحرير المحضر وهو ما لا يعتبر قبضاً . 

تعليمات النيابة العامة في المسائل الجنائية طبقاً لأخر التعديلات الصادرة بالكتب الدورية حتى سنة 2016  أ/ حسن محمد حسن المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة / طبعة 2017 يونيتد للإصدارات القانونية

مادة 88 – إذا لم يكن المتهم حاضراً في الأحوال المبينة في المادة السابقة جاز لمأمور الضبط القضائي أن يصدر أمراً بضبطه وإحضاره ويذكر ذلك في المحضر وفي غير الأحوال المبينة في المادة السابقة إذا وجدت دلائل كافية على اتهام الشخص بارتكاب جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة والعنف جاز لمأمور الضبط القضائي أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة وان يطلب فوراً من النيابة أن تصدر أمراً بالقبض عليه .

الأحكام

1- إن الحكم المطعون فيه بعد أن بين واقعة الدعوى وأدلة الاتهام التي ساقتها سلطة الاتهام بما فى ذلك أقوال الضابطين شاهدي الإثبات وما أثبته بمحضر الضبط من اعتراف المطعون ضده بحيازة المخدر المضبوط بقصد التعاطي، أشار إلى إنكار المطعون ضده للاتهام فى تحقيق النيابة العامة وبالجلسة وبرر قضاءه بالبراءة لأسباب عددها بقوله "أولا: لا تطمئن المحكمة إلى أقوال شاهدي الواقعة ولا إلى تصويرهما لها ولا إلى نسبة المخدر للمتهم ذلك أنه من غير المستساغ أن يقف المتهم أمام مسكنه فى ذلك الوقت المتأخر من الليل محرزا المادة المخدرة والمطواة وهو يعلم أنه هارب من مراقبة وأن أعين الشرطة تترقبه وتترصده فى كل مكان، ثانيا: أن ما قام به الشاهد الأول من القبض على المتهم - بفرض حدوثه - حسب روايته هو قبض باطل ذلك أن الجريمة المسندة إلى المتهم ليست من الجرائم التي أجاز القانون القبض فيها والتي حددتها المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية - ثالثا: أن الشاهدين ومنذ مطلع التحقيقات بادرا إلى القول بأن المتهم كان قد تحرر له محضرا عن واقعة هروبه ودلا على رقمه وهو أمر يجعل قولهما محل ريبة ذلك أنه لا يتصور عقلا وفق بديهات الأمور أن يحفظ الضابط رقم المحضر الخاص بالمتهم أو غيره وهناك الكثرة الغالبة من المحاضر لدى القسم على غرار المحضر الذي حرر للمتهم وغيره وليس من المتصور أن يعيها الضابط ويظل ذاكرا أرقامها ونسبتها لكل متهم بالقسم وليس بقدرة الضابط تذكر وجوه وأشكال الهاربين والمراقبين مما يؤكد أن القبض قد وقع أولا على المتهم ثم تلاه البحث عما يخبره أو يرخصه فى فكر الضابط ومن ثم ترى المحكمة وبحق الالتفات عنه وعدم التعويل عليه ومن ثم يكون الدفع المبدى من الحاضر عن المتهم فى محله تقضي به المحكمة وبالتالي يضحى القبض باطلا وبالتالي استطال البطلان على جميع الإجراءات التالية عليه بما فى ذلك ضبط المخدر والمطواة - بفرض صحة وقوعه - ومن كل ما تقدم وكانت المحكمة قد انتهت إلى أن التهمة المسندة للمتهم لا تقوم على أساس سليم وتفقد أدلتها الواقعية والقانونية فإنه يتعين القضاء ببراءة المتهم مما أسند إليه". لما كان ذلك، كان من المقرر أن حسب محكمة الموضوع أن تتشكك فى صحة إسناد التهمة إلى المتهم كي تقضي بالبراءة ما دامت قد أحاطت بالدعوى عن بصر وبصيرة وخلا حكمها من عيوب التسبيب - إذ مرجع الأمر فى ذلك إلى مبلغ اطمئنانها فى تقدير الأدلة - وإذ كان البين من الحكم المطعون فيه أن المحكمة قد أحاطت بواقعة الدعوى وألمت بأدلة الثبوت فيها، وأن الأسباب التي ساقها الحكم على النحو المتقدم من شأنها أن تؤدي فى مجموعها إلى ما رتب عليها من شك فى صحة إسناد التهمة إلى المطعون ضده، ومن ثم فإن ما تخوض فيه الطاعنة من مناقشة كل سبب منها على حدة لا يعدو - فى حقيقته - أن يكون جدلا موضوعيا حول سلطة محكمة الموضوع فى تقدير أدلة الدعوى ومبلغ اطمئنانها هي إليها مما لا تقبل إثارته أمام محكمة النقض - فضلاً عما هو مقرر أن الخطأ القانوني فى الحكم القاضي بالبراءة لا يعيبه، لأنه يكفي أن يتشكك القاضي فى صحة إجراءات القبض والتهمة كي يقضي بالبراءة إذ ملاك الأمر كله يرجع إلى وجدانه وما يطمئن إليه ومن ثم فتعييب الحكم فى إحدى دعاماته بالخطأ فى تطبيق القانون - بفرض صحته - يكون غير منتج، وإذ قضى الحكم المطعون فيه ببراءة المطعون ضده تأسيسا على الشك وعدم الاطمئنان إلى أقوال شاهدي الإثبات فلا يجدي النيابة العامة - الطاعنة - النعي عليه بالخطأ فى تطبيق القانون فيما أورده من أن الجريمة المسندة إلى المتهم ليست من الجرائم التي أجاز القانون القبض فيها والتي حددتها المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية لأنه استند فى قضائه بالبراءة على أسباب أخرى مبناها الشك فى أقوال شاهدي الإثبات وعدم اطمئنان المحكمة إلى أدلة الثبوت فى الدعوى بعد أن ألم بها ولم يطمئن وجدانها إلى صحتها.

(الطعن رقم 6867 لسنة 63 ق - جلسة 2002/02/06 س 53 ص 238 ق 44)

2- لما كانت الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية قد دلت على أنه يجوز لمأمور الضبط القضائي أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة قبل الشخص إذا وجدت دلائل كافية على اتهامه بارتكاب جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة والعنف ، وتقدير توافر هذه الدلائل على الاتهام التى تبرر اتخاذ الإجراء التحفظي المناسب منوط بمأمور الضبط القضائي تحت إشراف محكمة الموضوع، ومتى كانت المحكمة قد اقتنعت - على ما يبين من تصديها للدفع ببطلان القبض ورفضها له - بتوافر مسوغات الإجراء التحفظي الذى اتخذه مأمور الضبط القضائي قبل الطاعن إذ عرضه على النيابة العامة ، وهو ما لا يعد قبضاً - كما هو معرف به فى القانون- فلا يجوز المجادلة فى ذلك أمام محكمة النقض .

(الطعن رقم 58320 لسنة 76 ق - جلسة 2008/10/13 س 59 ص 430 ق 79)

3- لما كان ما ورد بنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية من الاجازة لمأمور الضبط القضائي - فى غير احوال التلبس - بالجنايات او الجنح التى يعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة اشهر - باتخاذ الإجراءات التحفظية المناسبة اذا وجدت دلائل كافية على اتهام شخص بارتكاب جناية او جنحة من الجنح المحددة حصرا فى هذه الفقرة ، فإن هذه الإجراءات لا يجوز ان تستطيل الى ما يعتبر قيدا على الحرية الشخصية وفقا لصريح نص الفقرة الاولى من المادة 41 من الدستور . لما كان ذلك ، وكان مفاد ما اورده الحكم - على السياق المتقدم - ان ما اتاه مأمور الضبط القضائي من انتزاع دفتر الشيكات وهو فى حيازة الطاعن الذى لم يتخل عنه دون ان يتبين الضابط محتواه قبل قبضه هو تفتيش باطل لوقوعه فى غير حالة تلبس وبغير اذن من النيابة العامة ، ولا يغير من ذلك ما حصله الحكم من اقوال ضابط الواقعة من انه اذ انتقل الى الشركة التى يديرها الطاعن وجده يجلس امام مكتبه ولما ان احاطه علما بشخصيته اصابه ارتباك وحاول اخفاء ما كان موضوعا على المكتب ومن بينه دفتر الشيكات سالف الاشارة اليه ، وذلك لما هو مقرر من انه ليس فى مجرد ما يعترى الشخص من مظاهر الحيرة والارتباك مهما بلغا ما يوفر التلبس بجريمة ، ويبيح من ثم القبض عليه وتفتيشه . لما كان ما تقدم ، وكان الحكم المطعون فيه قد خالف هذا النظر وسوغ تصدى مأمور الضبط القضائي للطاعن وتفتيشه وعول على الدليل المستمد من هذا التفتيش وهو دفتر الشيكات المبلغ بفقده ، فانه يكون معيباً بالخطأ فى تطبيق القانون خطأ حجبه عن تقدير ادلة الدعوى .

(الطعن رقم 29390 لسنة 59 ق - جلسة 1997/11/19 س 48 ع 1 ص 1281 ق 194)

4- من المقرر فى قضاء هذه المحكمة - محكمة النقض - أن حالة التلبس تستوجب أن يتحقق مأمور الضبط القضائي من قيام الجريمة بمشاهدتها بنفسه أو بإدراكها بحاسة من حواسه، ولا يغنيه عن ذلك تلقى نبأها عن طريق الرواية أو النقل من الغير شاهداً كان أو متهماً يقر على نفسه، مادام هو لم يشهدها أو يشهد أثراً من آثارها ينبئ بذاته عن وقوعها، كما أن من المقرر أن مجرد بلاغ المجني عليه لا يوفر بذاته الدلائل الكافية التي تبيح القبض على المتهم وتفتيشه بل يجب أن يقوم البوليس بعمل تحريات لما اشتمل عليه البلاغ فإذا ما أسفرت هذه التحريات عن توافر دلائل قوية على صحة ما ورد فيه فعندئذ يسوغ الأمر بالقبض على المتهم فى الجرائم المنصوص عليها فى الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية.

(الطعن رقم 46438 لسنة 59 ق - جلسة 1990/10/21 س 41 ع 1 ص 922 ق 161)

5- لما كان ما ورد من نص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية المستبدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1972 من إجازته لمأمور الضبط القضائي - فى غير أحوال التلبس - بالجنايات أو الجنح التى يعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر - اتخاذ الإجرءات التحفظية المناسبة إذا وجدت دلائل كافية على إتهام شخص بإرتكاب جناية أو جنحة من الجنح المحددة حصرا فى هذه الفقرة ، فإن تلك الإجراءات لا يجوز أن تستطيل إلى ما يعتبر قيدا على الحرية الشخصية وفقا لصريح نص الفقرة الأولى من المادة 41 من الدستور . و إذ كان ذلك ، و كان الحكم المطعون فيه لم يستظهر فى مدوناته ماهية الإجراءات التى إتخذت قبل الطاعن ، و هل وصلت إلى حد القيد على حريته الشخصية المحظور إجراؤه إلا بالقيود الواردة فى النص الدستورى آنف الذكر فتكون باطلة ، أم أنها لم ترق إلى ذلك و لم تصل إلى حد القيود الواردة به فتكون صحيحة اعمالا لنص الفقرة الثانية من المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية ، كما لم يستظهر أن الاعتراف ذاك منبت الصلة بالاجراء المقول ببطلانه ، فإنه يكون قد تردى فى حومة القصور فى التسبيب و ران عليه الغموض و الابهام فى مقام الرد على الدفع ببطلان اعتراف الطاعن لأنه جاء وليد قبض باطل ، و يعجز من ثم محكمة النقض عن اعمال رقابتها للحكم من حيث صحة تطبيق القانون على الوقائع كما صار اثباتها فيه و هو ما يعيب الحكم و يبطله .

(الطعن رقم 15008 لسنة 59 ق - جلسة 1989/12/21 س 40 ص 1274 ق 205)

 6- القبض على الإنسان إنما يعني تقييد حريته و التعرض له بإمساكه و حجزه و لو لفترة يسيرة تمهيداً لاتخاذ بعض الإجراءات ضده ، و هو يختلف عن الإجراء التحفظي المنصوص عليه فى المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1972 و الذي أوردت المذكرة الإيضاحية للقانون الأخير بشأنه أنه يعتبر بمثابة إجراء وقائي حتى يطلب من النيابة العامة صدور أمرها بالقبض ، و أنه لا يعتبر قبضاً بالمعنى القانوني و ليس فيه مساس بحرية الفرد ، إذ أن هذه الحرية يجب أن يزاولها فى الإطار الاجتماعي للمصلحة العامة وفق ما أشار إليه بعض الشراح  فلا مساس بهذه الحرية إذا طلب من الشخص أن يمكث فى مكانه لحظات أو فترة قصيرة مثلما هو مقرر من أن لمأمور الضبط القضائي عند انتقاله إلى مكان الحادث فى حالة التلبس أن يمنع الحاضرين من مبارحة محل الواقعة أوالابتعاد عنه حتى يتم تحرير المحضروهوما لايعتبر قبضاً لما كان ذلك وكان الحكم قد سوغ تصدي مأمور الضبط القضائي للطاعن و تقييد حريته واحتجازه استنادا إلى أنه إجراء تحفظي مما تجيزه المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية فإنه يكون قد أخطأ فى تطبيق القانون خطأ حجبه عن بحث صلة القبض الباطل بالاعتراف المعزو إلي الطاعن فى محضر ضبط الواقعة والذي أطرح الحكم الدفع ببطلانه قولاً بانتفاء ما يشوبه .

(الطعن رقم 2761 لسنة 56 ق - جلسة 1987/02/25 س 38 ع 1 ص 325 ق 48)

7- إن المادتين 34، 35 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلين بالقانون رقم 73 لسنة 1972 المتعلق بضمان حريات المواطنين - قد أجازتا لمأمور الضبط القضائي فى أحوال التلبس بالجنايات أو الجنح المعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة أشهر ، أن يقبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه ، فإذا لم يكن حاضرا جاز للمأمور إصدار أمر بضبطه و إحضاره ، كما خولته المادة 46 من القانون ذاته ، تفتيش المتهم فى الحالات التي يجوز فيها القبض عليه قانوناً .

(الطعن رقم 954 لسنة 47 ق - جلسة 1978/01/23 س 29 ع 1 ص 83 ق 15)

8- الدفع ببطلان القبض و التفتيش إنما هو من الدفوع القانونية المختلطة بالواقع التى لا يجوز إثارتها لأول مرة أمام محكمة النقض ما لم يكن قد دقع به أمام محكمة الموضوع أو كانت مدونات الحكم تحمل مقوماته نظراً لأنه يقتضى تحقيقاً تنأى عنه وظيفة هذه المحكمة - محكمة النقض - و لما كان الثابت من محضر جلسة المحاكمة أن أياً من الطاعن أو المدافع عنه لم يدفع ببطلان القبض و التفتيش و كانت مدونات الحكم قد خلت مما يرشح لقيام ذلك البطلان فإنه لا يقبل منه إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض .

(الطعن رقم 2560 لسنة 55 ق - جلسة 1985/12/23 س 36 ص 1157 ق 214)

9- لما كان تقدير توافر حالة التلبس وعدم توافرها هو من الأمور الموضوعية البحت التي توكل بداءة لرجل الضبط القضائي على أن يكون خاضعاً لرقابة سلطة التحقيق تحت إشراف محكمة الموضوع وفق الوقائع المعروضة عليها - بغير معقب، ما دامت النتيجة التي انتهت إليها تتفق منطقياً مع المقدمات والوقائع التي أثبتتها فى حكمها، كما أن التلبس صفة تلازم الجريمة ذاتها لا شخص مرتكبها. وإذ ما رتبه الحكم - على الاعتبارات السائغة التي أوردها - من إجازة القبض على الطاعنة صحيحاً فى القانون، وذلك على تقدير توافر حالة التلبس بجناية القتل - وفق المادة 30 من قانون الإجراءات الجنائية - حين القبض على المحكوم عليه الآخر عقب ارتكابها ببرهة يسيرة مع وجود إصابات فى يده وآثار دماء بملابسه فى ذلك الوقت تنبئ عن مساهمته فى تلك الجريمة، وعلى اعتبار أن هذا المحكوم عليه إذ اعترف على الطاعنة - وقد وقع القبض عليه صحيحاً - بارتكابها الجريمة معه، فضلاً عن ضبط حليها السالف الإشارة إليها، فقد توافرت بذلك الدلائل الكافية - فى حالة التلبس بالجناية - على اتهام الطاعنة بما يبيح لمأمور الضبط القضائي أن يصدر أمراً بالقبض عليها ما دامت حاضرة وبضبطها وإحضارها إذا لم تكن كذلك إعمالاً للمادتين 34 و35 فقرة أولى من القانون المشار إليه بعد تعديلها بالقانون رقم 37 لسنة 1972.

(الطعن رقم 1505 لسنة 46 ق - جلسة 1977/04/03 س 28 ع 1 ص 452 ق 93)

10- متى كان الحكم قد أثبت حسن نية المطعون ضده التاسع مرتكب الحجز و قال عنه أنه لم يصدر عن هوى فى نفسه و إنما كان يعتقد مشروعيته و أن إجراءه من إختصاصه بصفته قائماً بأعمال نقطة الشرطة و المسئول عن الأمن فيها و أنه إضطر إلى ذلك لمنع وقوع جرائم أخرى تتمثل فى أن يقتص الطاعن الثانى من قاتلى أخيه و كان المطعون ضده التاسع قد تثبت و تحرى عن ظروف الحادث من العمدة " المطعون ضده العاشر " و قد علل الحكم إعتقاد المطعون ضده التاسع بضرورة ما فعله من إحتجازه الطاعن الثانى بديوان النقطة بأسباب معقولة هى أن للطاعن المذكور من العصبة و القوة ما يمكنه من الإعتداء على قاتلى أخيه - فإن الحكم إذا إنتهى إلى القضاء ببراءة المطعون ضدهما التاسع و العاشر من التهمة المسندة إليهما يكون قد أصاب سديد القانون .

(الطعن رقم 338 لسنة 42 ق - جلسة 1972/05/15 س 23 ع 2 ص 724 ق 163)

11- لما كان المستفاد من نص المادة 35 /2 من قانون الإجراءات الجنائية أنه إذ وجدت دلائل كافية على اتهام شخص بارتكاب جناية أو جنحة مما نصت عليه  جاز لمأمور الضبط القضائي أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة ، وله فى هذه الحالة عملاً بالمادة 29 من القانون المذكور أن يسأل المتهم عن الواقعة  فإن نعى الطاعن بشأن الرد على منازعته فى إجراءت الضبط يكون غير سديد.

(الطعن رقم 14869 لسنة 65 ق - جلسة 1998/05/11 س 49 ص 688 ق 88)

12- لما كان ذلك ، وكانت المادتان 34 و 35 من قانون الإجراءات الجنائية ، لا تجيزان لمأمور الضبط القضائي أن يقبض على المتهم الحاضر ، إلا في أحوال التلبس بالجنايات والجنح المُعاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاثة أشهر ، إذا وجدت دلائل كافية على اتهامه ، وقد خولته المادة 46 من القانون عينه تفتيش المتهم في الحالات التي يجوز فيها القبض عليه قانونًا ، أيا كان سبب القبض ، أو الغرض منه ، وكان من المقرر أنه وإن كان تقدير الظروف التي تلابس الجريمة وتحيط بها وقت ارتكابها ومدى كفايتها لقيام حالة التلبس أمرًا موكولاً إلى محكمة الموضوع ، إلا أن ذلك مشروط بأن تكون الأسباب والاعتبارات التي تبني عليها المحكمة تقديرها ، صالحة لأن تؤدي إلي النتيجة التي انتهت إليها ، وكان ما أورده الحكم في معرض بيانه لواقعة الدعوى ، وما حصله من أقوال الضابط - على ما يبين من المفردات المضمومة - لا يبين منه أن الضابط قد تبين أمر المخدر قبل إمساكه بالطاعن ، وكان مجرد إخراج الطاعن لفافات ورقية بيضاء اللون ليس فيه ما يُبرر القبض عليه ، لعدم توافر المظاهر الخارجية التي تنبئ بذاتها عن وقوع الجريمة وتتوافر بها حالة التلبس التي تبيح لمأمور الضبط القضائي القبض والتفتيش ، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر ، وانتهى إلى صحة هذا الإجراء ، ورفض الدفع ببطلان القبض والتفتيش ، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله ، بما يوجب نقض . لما كان ذلك ، وكان بطلان القبض والتفتيش مقتضاه قانونًا عدم التعويل في الحكم بالإدانة على أي دليل يكون مستمداً منهما ، وبالتالي فلا يُعتد بشهادة من قام بهذا الإجراء الباطل ، وما أسفر عنه القبض والتفتيش الباطلين ، فإنه بعد استبعادهما تخلو الأوراق من دليل للإدانة ، ومن ثم يتعين والأمر كذلك ، الحكم ببراءة الطاعن ، ومصادرة المخدر المضبوط .

 

( الطعن رقم 6951 لسنة 90 ق - جلسة 26 / 12 / 2022)

شرح خبراء القانون

والأحوال التي أشار إليها الشارع في هذا النص يعني بها الحالات التي يجوز فيها لمأمور الضبط القضائي القبض على المتهم، والتي سلف تفصيل شروطها. ويفترض إصدار الأمر بالضبط والإحضار توافر جميع الشروط التي ينبني عليها إجازة القبض، عدا شرط «حضور المتهم» في محل الواقعة، الأمر الذي يجعل القبض الفوري عليه مستحيلا. والأمر بالضبط والإحضار هو دعوة جبرية للحضور أمام مأمور الضبط القضائي، وينفذ قهرة إذا لم يحضر المتهم اختياراً وهذا الأمر هو المقدمة للقبض على المتهم.

ومدة نفاذ هذا الأمر هي ستة شهور من تاريخ صدوره، فإذا لم ينفذ خ لال هذه الفترة زال أثره وتعين أن يجدد لفترة تالية، ونقول بهذا الحكم قياسا علی أمر الضبط والإحضار الذي يصدر عن سلطة التحقيق (المادة 139 من قانون الإجراءات الجنائية) ، إذ لا يعقل أن يكون الأمر الذي يصدره مأمور الضبط القضائي أطول أجلا من الأمر الذي يصدر عن سلطة التحقيق .

- سلطة مأمور الضبط القضائي في طلب القبض على المتهم واتخاذ الإجراءات التحفظية: نصت المادة 35 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه «في غير الأحوال المبينة في المادة السابقة (وهي الأحوال التي يحوز فيها القبض) إذا وجدت دلائل كافية على اتهام شخص بارتكاب جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة والعنف، جاز لمأمور الضبط القضائي أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة، وأن يطلب فوراً من النيابة العامة أن تصدر أمراً بالقبض عليه، وفي جميع الأحوال تنفذ أوامر الضبط والإحضار والإجراءات التحفظية بواسطة أحد المحضرين أو بواسطة رجال السلطة العامة».

وتفترض سلطة مأمور الضبط القضائي في طلب صدور الأمر بالقبض على المتهم أنه ليس بصدد حالة يجوز له فيها أن يقبض عليه بنفسه، وإلا ما احتاج إلى طلب الأمر بالقبض، وعلى وجه الخصوص تفترض هذه السلطة أنه ليس بصدد حالة تلبس بجريمة. وتفترض هذه الحالة وجود دلائل كافية على اتهام هذا الشخص بجرائم حددها الشارع على سبيل الحصر، وهي: الجنايات عامة، وجنح حددها الشارع على سبيل الحصر، هي جنح السرقة والنصب والتعدي الشديد ومقاومة رجال السلطة العامة بالقوة والعنف، والدلائل هي الشبهات القوية، ويتعين أن تكون دلائل على وقوع إحدى الجرائم السابقة، وعلى نسبتها إلى المتهم ويقدرها مأمور الضبط القضائي، وتراقبه في تقديره النيابة العامة ومحكمة الموضوع ويستخلصها المأمور من سلوك المتهم وتصرفاته التي تحمل التفكير العادي على الاعتقاد بأنه قد ارتكب إحدى الجرائم السابقة.

وقد خول الشارع مأمور الضبط القضائي - بالإضافة إلى طلبه من النيابة العامة أن تصدر فوراً الأمر بالقبض - أن يتخذ إزاء المتهم «الإجراءات التحفظية المناسبة»، ويراد بها الإجراءات التي يكون من شأنها أن تحول دون فرار المتهم، أو تحول دون إتلافه أو تشويهه أدلة الاتهام التي يحملها، وقد تتخذ هذه الإجراءات صورة استيقاف المتهم، أو اقتياده إلى مركز الشرطة، أو احتجازه وقتا قليلا، أو تجريده من السلاح الذي يحمله، أو إرغامه على التخلي عن متاع مريب يحمله وهذه الإجراءات ليست قبضا لأنها لا تنطوي على مساس بالحرية، وإن فرضت عليها بعض القيود، ثم أن لها طابعاً عارضاً مؤقتاً وسند هذه الإجراءات هو «نظرية الضرورة الإجرائية».

حالات القبض في قانون حالة الطوارئ: نصت المادة الثالثة من القانون رقم 1962 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ على أن «لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ، أن يتخذ التدابير المناسبة للمحافظة على الأمن والنظام العام، وله على وجه الخصوص، وضع قيود علی حريات الأشخاص في الإجتماع والإنتقال والإقامة والمرور في أماكن أو أوقات معينة والقبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم والترخيص في تفتيش الأشخاص والأماكن دون تقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية». ونصت المادة السادسة من هذا القانون على أنه يجوز القبض في الحال على المخالفين للأوامر التي تصدر طبقا لأحكام هذا القانون والجرائم المحددة في هذه الأوامر».

وقد نصت على هذه الأوامر المادة الخامسة من هذا القانون في قولها «مع علم الإخلال بأية عقوبة أشد تنص عليها القوانين المعمول بها يعاقب كل من يخالف الأوامر الصادرة من رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه العقوبات المنصوص عليها في تلك الأوامر على ألا تزيد هذه العقوبة على السجن المؤبد أو المشدد وعلى غرامة قدرها أربعة آلاف جنيه، وإذا لم تكن الأوامر قد بينت العقوبة على مخالفة أحكامها فيعاقب على مخالفة أحكامها بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تجاوز خمسين جنيهاً أو بإحدى هاتين العقوبتين».

وقد نص قانون حالة الطوارئ بذلك على حالتين للقبض: الحالة الأولى، إذا كان الشخص مشتبها فيه، وإذا كان خطراً على الأمن والنظام العام.

والحالة الثانية، هي حالة مخالفة الأوامر التي تصدر طبقاً لقانون حالة الطوارئ، وارتكاب الجرائم المنصوص عليها في هذه الأوامر.(الدكتور/ محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، تنقيح الدكتورة/ فوزية عبد الستار، الطبعة الخامسة 2016، دار النهضة العربية، المجلد ، الأول الصفحة:  487)

الأمر بضبط المتهم الغائب واحضاره :

تنص المادة محل التعليق في فقرتها الأولى على أنه "إذا لم يكن المتهم حاضرا في الأحوال المبينة في المادة السابقة (وهي أحوال القبض في حالات التلبس) جاز المأمور الضبط القضائي أن يصدر أمرا بضبطه وإحضاره ويذكر ذلك في المحضر.

فبعد أن عالجت المادة (34) حالة وجود المتهم في الجريمة المتلبس بها وأعطت المأمور الضبط القضائي سلطة القبض عليه، عالجت المادة محل التعليق في فقرتها الأولى حالة ما إذا لم يكن المتهم حاضرا في أحوال التلبس، فأعطت لمأمور الضبط القضائي سلطة استصدار أمر بضبطه وإحضاره، وينفذ هذا الأمر بواسطة المحضرين أو بواسطة رجال السلطة العامة، ولذلك يلزم في أمر الضبط والإحضار توافر شروط أمر القبض عدا شرط حضور المتهم.

ويعني هذا الأمر دعوة المتهم للحضور أمام مأمور الضبط القضائي، فإن لم يمتثل كان للمكلف بتنفيذه أن يستخدم القوة في إحضاره، أي أنه يتضمن أمراً بالقبض عليه في هذه الحالة. ولا يجوز تنفيذ هذا الأمر بعد فوات ستة أشهر على صدوره قياسا على أمر الضبط والإحضار الصادر عن سلطة التحقيق.

ولقد خولت المادة محل التعليق في فقرتها الثانية لمأمور الضبط القضائي سلطة اتخاذ الإجراءات التحفظية المناسبة ضد المتهم إذا وجدت دلائل كافية على اتهامه بإرتكابه جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة والعنف، وعليه أن يطلب فوراً من النيابة العامة أن تصدر أمراً بالقبض عليه. فهذه الإجراءات جائزة إذن في أية جناية، ولكنها غير جائزة إلا في جنح محددة علي سبيل الحصر ويستوي أن تكون الجناية تامة أو الشروع فيها، وفي الجنح يشترط أن يكون الشروع معاقباً عليه فيها، ويقصد بالدلائل الكافية مجرد وجود شبهات أو مظاهر تفيد الإتهام، ولكنها لا ترقي إلى مرتبة الأدلة، وتقدير الدلائل الكافية متروك لمأمور الضبط القضائي تحت رقابة النيابة العامة ومحكمة الموضوع، ولا يعتبر الإبلاغ عن الجريمة وحده من الدلائل الكافية، ويشترط أن تكون الدلائل الكافية غير معلومة سلفاً لمأمور الضبط القضائي فإذا كان مصدر هذه الدلائل تحريات مسبقة، فإنه لا محل لإتخاذ إجراءات تحفظية قبل المتهم ويتعين على مأمور الضبط القضائي أن يلجأ إلى الطريق الطبيعي للقبض على المتهم وهو عرض الأمر على النيابة العامة لإستصدار أمر بالقبض عليه.

ويقصد بهذه الإجراءات تلك التي تحول دون هرب المتهم أو التي تمنعه من إتلاف أدلة الإتهام، من ذلك مثلاً استيقاف المتهم أو اصطحابه إلى مركز الشرطة أو تجريده من السلاح الذي يحمله، ومنها إقامة حراسة علي مسكن المتهم لمنعه من مغادرته ولمأمور الضبط القضائي أن يطلب فورا من النيابة العامة إصدار أمر بالقبض على المتهم الذي اتخذت ضده الإجراءات التحفظية لحين صدور الأمر بالقبض من النيابة العامة.

وإنه وان لم يحدد المشرع مدة التحفظ، أي المدة التي يبقى فيها الشخص متحفظاً عليه ، إلا أنه لا يسوغ أن تزيد الوقت اللازم لعرض الأوراق علي النيابة العامة الإصدار أمر القبض بحد أقصى 24 ساعة وهي المدة القصوى للقبض وهو الإجراء الأخطر ، فإذا لم تصدر النيابة العامة أمرها بالقبض تعين إخلاء سبيله فوراً .

 عدم دستورية المادة (35) إجراءات جنائية : 

قضت محكمة النقض في حكم لها من أحدث أحكامها (نقض 15 من فبراير سنة 1995 الطعن رقم 3294 لسنة 63 القضائية) بأنه "مفاد ما قضي به نص المادة (35) من قانون الإجراءات الجنائية من تخويل مأمور الضبط القضائي اتخاذ الإجراءات التحفظية المناسبة في حالة توافر دلائل كافية علي اتهام شخص بإرتكابه جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة، دون أن يصدر أمر قضائي ممن يملك سلطة إصداره أو أن تتوافر في حقه إحدى حالات التلبس بالجريمة التي حددتها المادة (30) من هذا القانون يخالف حكم المادة (41) من الدستور ،فإن الأحكام الواردة بالمادة (35) سالفة الذكر تعتبر منسوخة ضمناً بقوة الدستور نفسه من تاريخ العمل بأحكامه دون تربص صدور قانون ولا يجوز الإستناد إليها في إجراء القبض منذ ذلك التاريخ".(المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الأول ، الصفحة:  378)

التمييز بين القبض وإتخاذ الإجراءات التحفظية:

نص المشرع على أن لمأمور الضبط القضائي - في غير أحوال التلبس التي يجوز له فيها القبض على المتهم - إذا وجدت دلائل كافية على إتهام شخص بإرتكاب جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة والعنف أن يتخذ الإجراءات الجنائية التحفظية المناسبة وأن يطلب فوراً من النيابة العامة أن تصدر أمرا بالقبض عليه (م 35/ 2 الإجراءات الجنائية).

وواضح من هذا النص أن مأمور الضبط القضائي لا يجوز له القبض على المتهم في هذه الجرائم وإنما يستطيع أن يستصدر فوراً من النيابة العامة أمراً بالقبض كما يملك أن يتخذ الإجراءات التحفظية قبل صدور أمر القبض هذه الإجراءات أقرب إلى الإستدلال منها إلى التحقيق فهي وإن كانت تمس حرية الأفراد إلا أنها لا تصل إلى مرتبة القبض عليهم ويقصد بهذه الإجراءات الوسائل التي تتخذ لمنع المشتبه فيه من الهرب والتحفظ على أدلة الجريمة ولعل أهم هذه الإجراءات هو الإستيقاف، ويشترط لاتخاذ هذه الإجراءات أن تكون الجريمة جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة والعنف فضلاً عن توافر دلائل كافية على الإتهام وقيل بأن الإجراءات التحفظية المناسبة في هذا النص تماثل ما يكون لمأمور الضبط القضائي بالنسبة لغير المتهم في حالة التلبس طبقاً للمادة (32) كالمنع من مغادرة المكان ولا ترقى هذه الإجراءات من ناحية تكييفها القانون وسلطة مأمور الضبط في شأنها لا ترقى إلى مستوى القبض ولا مستوى الأمر بالضبط والإحضار ومن ثم فإنه على وجه الخصوص لا يجوز بناء عليها أو خلالها تفتيش المتهم. ولم يحدد النص، فترة زمنية تمتد خلالها تلك الإجراءات التحفظية ولكن نصه على التزام مأمور الضبط القضائي ألا تمتد تلك الإجراءات إلى ما يزيد على الوقت اللازم لإستصدار ذلك الأمر ويكون تقدير ذلك في هذه الحالة من اختصاص محكمة الموضوع تحت رقابة سلامة الإستدلال من جانب محكمة النقض .

وعبارة «الدلائل الكافية على إتهام شخص» الواردة بالنص لا تعني مجرد الشبهات الظنية أو البلاغ المقدم من المجني عليه وإنما يجب أن يصل الأمر إلى حد توافر بعض الأدلة المعقولة التي تحمل على الاعتقاد بوقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم ويكفي لذلك مجرد الدلائل بشرط أن تكون كافية في الدلالة على هذا الاعتقاد وإذا توافرت الدلائل الكافية لا يشترط أن يثبت فيما بعد صدق دلالتها على ارتكاب المتهم للجريمة ويجب أن تتصرف الدلائل الكافية إلى أمرين أولهما إثبات وقوع الجريمة التي لا يشاهدها مأمور الضبط في حالة تلبس ثانيهما نسبة هذه الجريمة إلى المشتبه فيه.

وفي جميع الأحوال تنفذ أوامر الضبط والإحضار والإجراءات التحفظية بواسطة أحد المحضرين أو بواسطة رجال السلطة العامة.

إن المادتين (34، 35) من قانون الإجراءات الجنائية المعدلتين بالقانون رقم 37 لسنة 1972 قد أجازتا لمأمور الضبط القضائي في أحوال التلبس بالجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة شهور أن يقبض على المتهم الحاضر الذى توجد دلائل كافية على إتهامه فإذا لم يكن حاضراً جاز لمأمور الضبط القضائي في أحوال التلبس بالجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على ثلاثة شهور أن يقبض على المتهم الحاضر الذى توجد دلائل كافية على إتهامه فإذا لم يكن حاضراً جاز لمأمور الضبط القضائي إصدار أمر بضبطه وإحضاره.

ويتضح من نص الفقرة الثانية من المادة (35) محل التعليق أنه يشترط لصحة القبض على المتهم في غير أحوال التلبس توافر الشروط الآتية :

(1) أن يصدر الأمر بالقبض من النيابة العامة فلا يملك مأمور الضبط القضائي على المتهم في هذه الحالة إنما يستطيع أن يستصدر فوراً من النيابة العامة أمراً بالقبض.

(2) أن تكون الجريمة جناية أياً كانت أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجل السلطة العامة بالقوة أو العنف.

(3) أن تتوافر دلائل كافية على الإتهام.

ويلاحظ أنه طبقاً لنص الفقرة سالفة الذكر فقد أجاز النص لمأمور الضبط القضائي اتخاذ الإجراءات التحفظية المناسبة وأن يطلب فوراً من النيابة العامة أن تصدر أمراً بالقبض على المتهم والإجراءات التحفظية المناسبة تماثل ما يكون لمأمور الضبط القضائي بالنسبة لغير المتهم في حالة التلبس طبقاً للمادة (32) كالمنع من مغادرة المكان ولا ترقي هذه الإجراءات من ناحية تكييفها القانوني وسلطة مأمور الضبط في شأنها - إلى مستوى القبض ولا مستوى الأمر بالضبط والإحضار ومن ثم فإنه وعلى وجه الخصوص لا يجوز بناء عليها أو خلالها تفتیش المتهم.

ولم يحدد الزمن فترة زمنية تمتد خلالها تلك الإجراءات التحفظية ولكن نصه على التزام مأمور الضبط القضائي بأن يطلب فوراً صدور أمر بالقبض من النيابة العامة يحتم ألا تمتد تلك الإجراءات إلى ما يزيد على الوقت اللازم لإستصدار ذلك الأمر ويكون تقدير ذلك في هذه الحالة من اختصاص محكمة الموضوع تحت رقابة سلامة الإستدلال من جانب محكمة النقض.

ويلاحظ أخيراً أن الأمر بالإجراءات التحفظية أو الضبط والإحضار يصدر من مأمور الضبط القضائي لينفذه المحضرون أو رجال السلطة العامة (فقرة 3) في حين أن القبض يتم في مواجهة بينه وبين المتهم.

ويلاحظ أنه لا يكون الأمر بالضبط والإحضار نافذة إلا لمدة سنة أشهر من تاريخ صدوره ما لم يعتمد لمدة أخرى.(المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الأول ، الصفحة:  493)

 حظر القبض من مأموري الضبط القضائي في غير أحوال التلبس :

استحدث المشرع بالقانون رقم 37 لسنة 1972 حكماً خاصاً بالقبض في غير أحوال التلبس عدل بمقتضاه حكم المادة 35 إجراءات. فقد جعل المشرع اختصاص القبض في تلك الأحوال مقصوراً فقط على النيابة العامة التي لها أن تصدر أمراً بالقبض ، متى توافرت شروطه ، بناء على طلب من مأمور الضبط القضائي فقد نصت الفقرة الثانية من المادة 35 على أنه في غير الأحوال المبينة بالمادة 34 (وهي الخاصة بسلطة مأموري الضبط القضائي في القبض في أحوال التلبس) إذا وجدت دلائل كافية على اتهام شخص بارتكاب جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة أو العنف ، جاز لمأمور الضبط القضائي أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة ، وان يطلب فورا من النيابة العامة أن تصدر أمراً بالقبض عليه.

شروط صدور الأمر بالقبض في غير أحوال التلبس بناء على طلب مأمور الضبط القضائي  :

يشترط لكي يصدر أمر القبض صحيحاً في غير أحوال التلبس ما يأتي :

أولاً : أن يكون الأمر قد صدر من النيابة المختصة قانوناً.

ثانياً : أن تكون الجريمة المسندة إلى المتهم مما يجيز القانون فيها القبض وقد حددت المادة 35 الجرائم التي يجوز فيها لمأمور الضبط أن يطلب إصدار أمر القبض في الآتي :

(أ)الجنايات عموماً.

(ب) جنح السرقة والنصب والتعدي الشديد ومقاومة رجال السلطة العامة بالقوة والعنف.

ثالثاً : أن توجد دلائل كافية على الاتهام.

لا يكفي لصحة أمر القبض أن تكون الجريمة من الجرائم التي يجوز فيها القبض ، بل يلزم أن توجد دلائل كافية على الإتهام بارتكابها من قبل الشخص والمطلوب القبض عليه.

والمقصود بالدلائل الكافية أن تقوم شبهات مستمدة من الواقع والظروف المحيطة بالواقعة على الإتهام، أما إذا كانت الشبهة التي ثارت في ذهن مأمور الضبط لا تؤيدها الوقائع والقرائن المستمدة من الوقائع فإن أمر القبض يقع باطلا. وتقدير الدلائل على الاتهام ومدى كفايتها يكون بداءة لرجل الضبط القضائي، تحت إشراف عضو النيابة الذي يصدر الأمر بالقبض ومحكمة الموضوع بعد ذلك .

ولا يشترط لصحة القبض أن يسفر التحقيق بعد ذلك عن ثبوت صدق اعتقاد مأمور الضبط القضائي أو سلطة التحقيق. فالقبض يظل صحيحا حتى ولو تبين من التحقيق أن المتهم الذي قبض عليه لا علاقة له بالجريمة. ومع ذلك يقع القبض باطلا إذا كانت الجريمة المنسوبة للمقبوض عليه قد وقعت في ظروف تنبئ عن وجود سبب من أسباب الإباحة يستطيع مأمور الضبط القضائي التحقيق وسلطة تبينه بسهولة.

ويلزم أن تتوافر مقومات أمر القبض حتى لحظة مباشرته وإلا وقع القبض باطلاً .

4 - جواز اتخاذ الإجراءات التحفظية قبل صدور أمر القبض  :

أباحت المادة 35 إجراءات المعدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1972 لمأموری الضبط القضائي القيام بالإجراءات التحفظية المناسبة لحين صدور الأمر بالقبض من النيابة العامة ولم يحدد المشرع المقصود بالإجراءات التحفظية المناسبة، بطبيعة الحال لا يمكن أن ترمي تلك التحفظات المناسبة إلى مرتبة القبض وإلا وقع باطلاً إذ لم يتم بناء على أمر النيابة العامة.

والحقيقة هي أن الإجراءات التحفظية التي عناها المشرع في المادة 35 لا تخرج عن إطار سلطات الاستدلال التي منحها المشرع لرجال الضبط والتي تتخذ لمنع المتهم من الهرب والمحافظة على أدلة الجريمة، وهي أن تضمنت حدا لحرية المتهم إلا أنه لا يجب أن تتجاوز هذا القدر إلى الحجر الكلى على تلك الحرية . ومثال ذلك منع المتهم من الفرار ريثما يصدر الأمر بالقبض عليه من النيابة العامة، ومن أجل ذلك فهي تتحدد بالغرض منها إلا وهو التحفظ على المتهم في حدود الوقت اللازم لعرض الأوراق على النيابة العامة لإستصدار أمرها بالقبض. وهي في هذه بمثابة إجراء الضبط الذي يباشرة الأفراد أو رجال السلطة القضائية في أحوال التلبس .

وتنفذ الإجراءات التحفظية بواسطة أحد المحضرين أو بواسطة رجال السلطة العامة.

الدفع ببطلان القبض  :

إذا تخلف شرط من الشروط السابق بيانها لصحة القبض في غير أحوال التلبس وقع القبض باطلاً غير انه يتعين لكي تحكم المحكمة ببطلانه أن يدفع به المتهم أمام محكمة الموضوع، فهو بطلان متعلق بالخصوم وليس بالنظام العام. ومع ذلك يذهب بعض قضاء النقض إلى اعتباره متعلقا بالنظام العام وان كان لا تجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض إذا كان بحثه يتطلب تحقيقا موضوعياً .

يترتب على ذلك أنه لا يستفيد من بطلان القبض إلا الذي وقع عليه القبض الباطل.

ويترتب على الحكم ببطلان القبض بطلان كل ما ترتب عليه من آثاره تطبيقا القاعدة كل ما يترتب على الباطل فهو باطل ، حتى ولو اعترف المتهم أثر القبض عليه أو ظهرت بناء على القبض حالة من حالات التلبس.

وليس معنى ذلك أن المحكمة لا تستطيع رغم الحكم بالبطلان أن تدين المتهم بناء على عناصر إثبات أخرى. إلا أنه يجب في هذه الحالة أن تكون مستقلة عما هو مستفاد من الإجراء وإلا كان الحكم معيباً .

وإذا كان المتهم لم يتمسك ببطلان القبض والتفتيش أمام محكمة الموضوع فإنه لا يقبل منه أن يثيره أمام محكمة النقض.

6الأمر بالضبط والإحضار  :

أن القبض لا يكون إلا بالنسبة للمتهم الحاضر. فإذا لم يكن حاضراً وتوفرت شروط القبض المتعلقة بالجريمة وبالدلائل الكافية على الاتهام جاز لمأمور الضبط القضائي أن يستصدر أمرا بضبط المتهم وإحضاره، ويثبت الأمر بالمحضر وينفذ أمر الضبط والإحضار بواسطة أحد المحضرين أو بواسطة رجال السلطة العامة، ولا يلزم أن يكون تكليف مأمور الضبط القضائي رجال السلطة العامة بضبط المتهم وإحضاره مكتوباً ، بل يكفي التكليف الشفهي طالما قد أثبت الأمر بالمحضر.

ولم يحدد المشرع بنص المادة 35 المدة اللازمة لكي ينفذ الأمر خلالها. ولذلك تنطبق هذا القواعد الخاصة بالأمر بالضبط والإحضار الصادرة من النيابة العامة ، وهي انه لا يجوز تنفيذه بعد مضي ستة أشهر من تاريخ ص دوره دون تنفيذه إذ أن الأمر هنا يسقط بمضى تلك المدة ويتعين إصدار أمر جديد (م193). (الدكتور/ مأمون محمد سلامة، قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة 2017 مراجعة د/ رفاعي سيد سعد (سلامة للنشر والتوزيع) الجزء الأول،  الصفحة 326)

نصت المادة 35 إجراءات المعدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1973، على ما مؤداه أنه في غير أحوال التلبس إذا وجدت دلائل کافية على اتهام شخص بارتكاب جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة والعنف، جاز لمأمور الضبط القضائي أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة، وأن يطلب فوراً من النيابة العامة أن تصدر أمرا بالقبض عليه، ويتم تنفيذ الإجراءات التحفظية بواسطة أحد المحضرين أو بواسطة رجال السلطة العامة.

التحفظ كما نص عليه القانون المصري هو إجراء وقائي يواجه به مأمورو الضبط القضائي حالة المشتبه فيه الذي يجدر القبض عليه، وينتظر الأمر الصادر من النيابة العامة في هذا الشأن، ويستند التحفظ إلى الضرورة الإجرائية التي تقتضي اتقاء هروب المشتبه فيه - في غير حالة التلبس - قبل صدور أمر بالقبض عليه من النيابة العامة بعد توافر موجبه.

ولا يعد التحفظ قبضاً على الشخص، ومن ثم لا تسري عليه أحكام القبض، ولا يخول لمأمور الضبط القضائي تفتيش الشخص بناء على ذلك، دون إخلال بحقه في التفتيش الوقائي لتجريده مما قد يحمله من أسلحة أو نحوها، على أن التحفظ ينطوي بطبيعته على قدر من المساس بالحرية الشخصية مما يجعله مخالفاً للدستور، ولهذا قضت محكمة النقض أن المادة 35 إجراءات التي كانت تبيح القبض بناء على الدلائل الكافية تعد مخالفة للمادة 41 من دستور 1971 التي تحظر تقييد الحرية بغير صدور أمر قضائي عدا حالة التلبس وصدور أمر من النيابة العامة، واعتبرت هذه المادة منسوخة ضمناً بقوة الدستور، ولكن هذا الحكم لا يحوز قوة إلزامية لسلطات الدولة ما لم يصدر بمضمونه حكم من المحكمة الدستورية العليا.

وقد لقي تقييد الحرية بواسطة مأمور الضبط القضائي هجوماً عنيفاً وانتقاداً مراً وأهم الانتقادات هي تعارضه مع مبدأ أن القضاء هو الحارس الطبيعي للحريات، ولهذا كان من الضروري عدم تحویل مأمور الضبط سلطة الإجراء الماس بالحرية الذي يملكه مأمور الضبط إلا لمدة قصيرة للغاية، وقد اختلفت التشريعات في تحديد هذه المدة ، فأوجب البعض تقديم المشتبه فيه فوراً وبدون مهلة إلى سلطة التحقيق، وذهب البعض الآخر إلى تحديد هذه المدة بفترة ساعات أو أيام .

منح القانون مأمور الضبط القضائي سلطة اتخاذ إجراءات تمس الحريات في حالة التلبس بالجريمة مراعاة لظروف الإستعجال التي تتطلب كشف الحقيقة وجمع الأدلة والتي لا تحتمل الإنتظار حتى يبدأ التحقيق الابتدائي. ومن خلال هذه السلطة يتمتع مأمور الضبط القضائي بسلطات استثنائية لا يملكها عندما يجمع الاستدلالات في غير حالة التلبس بالجريمة، وتتميز هذه السلطة الاستثنائية بأمرين :

1- بالنسبة إلى طابع المساس بالحرية الشخصية، فإن جمع الإستدلالات في غير حالة التلبس لا يبيح المساس بالحرية الشخصية س وى في حالة التحفظ على الأشخاص المنصوص عليها في المادة 35/ 2 إجراءات عند توافر دلائل كافية على اتهام شخص بإرتكاب جناية أو جنحة (سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة العامة بالقوة والعنف)، وهو نص منتقد تلاحقه شبهة عدم الدستورية.

هذا بخلاف الحال عند توافر التلبس، إذ يملك مأمور الضبط القضائي سلطة :

استثنائية تبيح له المساس بالحرية الشخصية بالقبض على الشخص وتفتيشه (المادتان 34 و 46 إجراءات)، وإصدار أمر بمنع الحاضرين من مغادرة محل الواقعة أو الإبتعاد عنه حتى يتم تحرير المحضر، أو أن يستحضر فى الحال من يمكن الحصول منه على إيضاحات فى شأن الواقعة، ويترتب على مخالفة هذا الأمر وقوع مخالفة معاقب عليها بغرامة لا تزيد على ثلاثين جنيهاً (المادتان 32 و 33 إجراءات). ولا يجوز له تفتيش المسكن خلافاً لما نصت عليه المادة 47 إجراءات بعد أن قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريتها كما سنبين حالاً .

2- أما عن نوع الإجراءات التي تدخل في نطاق السلطة الإستثنائية الممنوحة في حالة التلبس، فإنها تتمثل في الإجراءات الماسة بالحرية التي يملك مأمور الضبط القضائي اتخاذها والتي يعد الشخص الموجهة إليه متهما بنص القانون المادتان 34 و 46/ 1 إجراءات)، وذلك بالإضافة إلى ما يملك اتخاذه من إجراءات جمع الإستدلالات في غير حالة التلبس.

ووفقاً لقانون الإجراءات الجنائية الفرنسي المعدل في 23 يونية سنة 1999 - يجب اتخاذ الإجراءات التي تدخل في نطاق السلطة الإستثنائية لمأمور الضبط القضائي في خلال ثمانية أيام دون انقطاع قابلة للتجديد في الجنايات أو المنح المعاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن خمس سنوات.

ويلاحظ أن إجراءات جمع الإستدلالات بنوعيها سواء بوشرت في غير حالة التلبس أو بوشرت في حدود السلطة الاستثنائية لمأمور الضبط في حالة التلبس - تخضع كلها لإشراف النيابة العامة. وفي غير حالة التلبس أوجب القانون علی مأموري الضبط القضائي أن يبعثوا فوراً إلى النيابة العامة ما يتلقونه من تبلیغات و شکاوی (المادة 24 إجراءات). وأوجب عليهم إرسال محاضر الاستدلالات إلى النيابة العامة مع الأوراق والأشياء المضبوطة (المادة 24/ 2 إجراءات). وفي حالة التلبس أوجب القانون على مأمور الضبط القضائي إخطار النيابة العامة فوراً بإنتقاله إلى محل الواقعة (المادة 31/ 2 إجراءات) وأوجبت عليه عند وضع الأختام وإقامة حراس على الأماكن التي بها آثار أو أشياء تفيد في كشف الحقيقة إخطار النيابة العامة بذلك، وعلى النيابة إذا ما رأت ضرورة ذلك الإجراء أن ترفع الأمر إلى القاضي الجزئي لإقراره.

شروط ممارسة مأمور الضبط القضائي لسلطته الاستثنائية في حالة التلبس :

أوجب القانون لممارسة مأمور الضبط القضائي لسلطته الاستثنائية في حالة التلبس بالجريمة توافر الشروط الآتية :

1- أن تكون الجريمة جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاثة أشهر (المادة 134 إجراءات).

أما في حالة التحفظ على الشخص المنصوص عليها في المادة 35/ 2 إجراءات، فيشترط وقوع جناية أو جنحة سرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة الرجال السلطة العامة بالقوة و العنف. والغرض في هذه الحالة أن الشخص لمم يكن حاضراً أو أنه لا تتوافر حالة التلبس وإلا أمر بضبطه وإحضاره طبقاً للفقرة الأولى من المادة 35 إجراءات. وإنما يكفي مجرد توافر الدلائل الكافية على وقوع الجريمة ونسبتها إلى الشخص، وعلى مأمور الضبط القضائي في هذه الحالة بعد أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة أن يطلب فورا من النيابة العامة أن يصدر أمراً بالقبض عليه ولا يجوز أن تطول مدة هذه الإجراءات بل يجب أن تكون بالقدر الضروري اللازم للحيلولة دون هرب الشخص أو إتلافه أدلة الإتهام أو إضعافها.

2- أن توجد دلائل کافية على اتهام المشتبه فيه.

وقد أضفت المواد 34 و 35 و 36 و 39 و46 و 55 إجراءات صفة المتهم على من تباشر ضده هذه الإجراءات، مما يعني أنها بحكم طابعها الموضوعي في المساس بالحرية بمثابة إجراءات للتحقيق منحت استثناء الأمور الضبط القضائي .

والدلائل الكافية هي دون الأدلة، أي أنها أضعف منها ولا تتعدى أن تدل الواقعة المراد إثباتها على أساس الاحتمال لا اليقين، ولا يشترط أن تقيم وحدها صلة قوية أو حتمية بين المشتبه فيه والجريمة حتى يصبح متهماً، فلا يجوز أن يعتمد مأمور الضبط القضائي على مجرد شبهات أو أن يعتمد على اعتقاده الشخصي، بل يجب أن يعتمد على أمارات موضوعية ظاهرة، أي على عناصر واقعية تدعو إلى الإعتقاد أن الجريمة قد وقعت بالفعل وأنها منسوبة إلى المشتبه فيه، فلا يكفي لذلك بمجرد المعلومات أو التبليغات الصادرة من مجهولين.

وقد أشارت المادة 30/ 2 إجراءات في تعريف التلبس إلى الصلة القوية بين الدلائل الكافية التي تنصب على وقوع الجريمة وحالة التلبس، فكما أوضحنا آنفاً فإن الحالة الأولى للتلبس تكشف عن وقوع الجريمة حالاً أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة. وفي الحالتين الثانية والثالثة استند التعريف على نوع معين من الدلائل، فالحالة الثانية تتمثل في تتبع المجني عليه مرتكب الجريمة أو تتبع العامة له مع الصياح إثر وقوعها، بينما تتمثل الحالة الثالثة في حمل آلات، أو أسلحة أو أمتعة أو أوراق أو أشياء أخرى يستدل منها على أنه فاعل أو شريك فيها، أما الحالة الرابعة فهي أوسع نطاقاً في تحديد الدلائل، وهي وجود آثار أو علامات بالشخص تفيد إرتكابها حالاً أو منذ برهة يسيرة. ويمكن لمأمور الضبط القضائي أن يكتشف هذه الدلائل من خلال إجراء صحيح يتخذه، كمن يعثر عرضاً على مخدرات في منزل المتهم المنتدب لتفتيشه لضبط ما يحرزه من أسلحة بدون ترخيص، أو في أحد المحال العامة أثناء دخوله للتحقق من استيفائها الشروط القانونية.

الضبط والإحضار بدون أمر قضائي :

میز القانون بين القبض والضبط والإحضار حسبما يكون المتهم في حضور مأمور الضبط القضائي، فإذا كان المتهم حاضراً فإن تقييد حريته في التجول يسمى قبضاً بالمعنى الدقيق، أما إذا لم يكن حاضراً، فيحق لمأمور الضبط القضائي أن يأمر بضبطه وإحضاره ويذكر ذلك في المحضر (المادة 35/ 1 إجراءات). وينفذ هذا الأمر، بواسطة أحد المحضرين أو بواسطة رجال السلطة العامة (المادة 35/ 3 إجراءات).(الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 674)

يشتمل الأمر الصادر من النيابة بحضور المتهم على تكليفه بالحضور في ميعاد معين ولا يخول استعمال القوة مع المتهم لإلزامه بالحضور.

ويجوز للنيابة إذا لم يحضر المتهم بعد تكليفه بالحضور دون عذر مقبول أن تصدر أمراً بالقبض عليه وإحضاره ولو كانت الواقعة ما لا يجوز فيها حبس المتهم احتياطياً .

وللنيابة أن تصدر أمراً بالقبض على المتهم وإحضاره متضمنا تكليف رجال الشرطة العامة بالقبض والإحضار إذا رفض المتهم الحضور طوعاً في الحال هذه الأمر في الأحوال الآتية: إذا رأت النيابة أن سلامة التحقيق ودواعيه قد تقضي حبس المتهم احتياطياً .

1) على أثر ما يسفر عنه استجوابه بعد القبض عليه .

2) إذا لم يحضر المتهم بعد تكليفه بالحضور دون عذر مقبول.

3) إذا خيف هرب المتهم .

4) إذا لم يكن له محل إقامة معروف.

5) إذا كانت الجريمة في حالة التلبس.

ولا تتقيد النيابة في الأحوال الأربعة الأخيرة بما إذا كانت الجريمة معا يجوز فيها حبس المتهم احتياطياً ويجب أن يشمل الأمر على اسم المتهم حتى لا يكون عرضه لبطلانه وبطلان ما يترتب عليه من إجراءات.

ويجب أن يحسن المحقق تقدير دواعي القبض عند إصدار أمر به من حيث مدى توافر الدلائل الكافية على الاتهام وحالة المتهم من ناحية المذكورة والأنوثة والسن ومركز المتهم في مجتمعه ومدي احتمال هربه وكذلك خطورة الجريمة المسندة إليه .

ويجب على النيابة أن تبلغ فورا كل من يقبض عليه بأسباب القبض وأن تيسر الاتصال بمن يري إبلاغه بما وقع. كذلك الإستعانة بمحام ويجب إعلانه على وجه السرعة بالمتهم الموجهة إليه، ولا يجوز تنفيذ أوامر الضبط والإحضار بعد مضي ستة أشهر ما لم تعتمدها النيابة لمدة أخري.

ويجب أن يعامل كل منهم يقبض عليه أو تقيد حريته بأي قيد بما يحفظ عليه كرامة الإنسان ولا يجوز إيذاء بدنياً أو معنوياً كما لا يجوز حجزه في غير الأماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون.

ويجب أن يشتمل الأمر الصادر من النيابة بضبط المتهم الغائب وإحضاره على إسم المتهم ولقبه وصناعته ومحل إقامته والتهمة المسندة إليه وتاريخ الأمر وتوقيع من أصدره والختم الرسمي للنيابة ويتضمن تكليف رجال السلطة العامة بالقبض على المتهم وإحضاره إذا رفض الحضور طوعاً في الحال.

ويعرض أمر المتهم المقبوض عليه على عضو النيابة المحقق ليحيطه علماً بأن من حقه إخطار البعثة القنصلية لدولته فإن رغب في ذلك تعين الإستجابة إلى طلبه دون تأخير وبإذن عضو النيابة له بمقابلة قنصل دولته أو يصرح له بزيادة في السجن وفق القواعد المقررة في هذا الخصوص، وفي حدود ما تسمح به ظروف التحقيق ومقتضيات الصالح العام وتثبيت كل هذه الإجراءات في محضر التحقيق .

ويتبع في تحرير أوامر القبض وإرسالها إلى الجهات المختصة بتنفيذها وكذلك في إثبات بياناتها القواعد المقررة في المادة (114) من التعليمات الكتابية والمالية والإدارية الصادرة عام 1979.

وإذا اقتضي التحقيق القبض على أحد العاملين بالحكومة أو القطاع العام فيجب على النيابة إخطار الجهة التي يتبعها بذلك فور صدور الأمر بالقبض عليه.

وإذا قبض على المتهم خارج دائرة النيابة التي يجري التحقيق فيها يرسل إلى النيابة التي قبض عليه فيها و على هذه النيابة أن تحقق من شخصيته وتحيطه علما بالواقعة المسندة إليه وتدون أقواله في شأنها وتثبت ذلك كله في محضر يرسل مع المتهم إلى النيابة التي جري فيها التحقيق.

التفتيش لمجرد الشبهة :

يجوز لموظفي الجمارك الذين أضفت عليهم القوانين صفة الضبط القضائي في أثناء قيامهم بتأدية وظائفهم حق تفتيش الأماكن والأشخاص ووسائل النقل داخل الدائرة الجمركية أو في حدود نطاق الرقابة الجمركية إذا قامت لديهم دواعي الشك في البضائع والأمتعة أو مظنة التهريب فيمن يوجدون داخل تلك المناطق وذلك دون التزام بقيود القبض والتفتيش المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية .

وتقوم الشبهة عند توافر الحالة الذهنية التي يصح معها في الفعل بمظنة التهريب .

وقد قصر قانون الجمارك رقم 66 لسنة 1963 حق إجراء هذا النوع الخاص من التفتيش على موظفي الجمارك ومن ثم يبقي سائر مأموري الضبط القضائي فيما يجرونه من قبض وتفتيش داخل الدائرة الجمركية خاضعين للأحكام العامة المقررة في هذا الشأن في الدستور وقانون الإجراءات الجنائية .

ويجوز لموظفي مصلحة الضرائب على المبيعات ممن لهم صفة الضبطية القضائية معاينة المعامل والمصانع والمخازن والمحال والمنشآت التي تباشر نشاطها في سلع أو خدمات لضريبة المبيعات ولهم كذلك الإطلاع على الأوراق والمستندات والدفاتر والسجلات والفواتير والوثائق المتعلقة بتلك الضريبة وضبطها عند توافر الدلائل على وجود مخالفة لأحكام القانون.

كما يجوز لهم في جميع الأحوال أخذ عينات من السلع للتحليل أو الفحص وذلك بإذن كتابي بموافقة رئيس المصلحة للموظفين المذكورين في جميع الحالات أخذ العينات اللازمة لإجراء التحليل والمقارنات و المراجعة .

ويجوز لندوبي مصلحة المواني والمنائر (الإدارة المركزية للتفتيش البحري) وللخبراء فيما يتعلق بتنفيذ أحكام قانون سلامة السفن الصادر بالقانون رقم 232 لسنة 1989 الحق في دخول أية سفينة أو وحدة بحرية في المياه الإقليمية المصرية أو أية سفينة أو وحدة بحرية مصرية في الخارج للقيام بالمعاينات التي تدخل في حدود اختصاصهم ولهم الحق في الإطلاع على جميع الأوراق والمستندات المتعلقة بالسفينة أو الوحدة البحرية .

ولضابط السفن حق التفتيش أي شخص يشتبه في حيازته أشياء ممنوعة داخل السجن سواء كانوا من المسجونين أو العاملين بالسجن أو غيرهم .

بطلان الإذن لصدوره بعد الضبط والتفتيش (الإذن اللاحق) :

تمهيد :

يقتضي التعرض للدفع أن نعرض للمبادئ القانونية، ثم نتناول الأحكام القضائية الدفع .

أولا: المبادئ القانونية:

1- هذا الدفع من الدفوع الموضوعية.

2 - يجب الإطلاع على دفتر أحوال قسم مكافحة المخدرات ليتبين منه ما إذا كان الضابط قد أثبت ميعاد القبض على المتهم وميعاد قيامه إلى المأمورية وعودته منها في ذات تاريخ المحضر أم لا، لبيان ما إذا كان الإذن لاحقاً أم سابقاً .

3- يجب أن لا يكون الدفع مرسلاً بل يجب أن يكون له دليل أو قرينة.

4 - للمحكمة أن تعرض عن أقوال شهود النفسي طالما أن أدلة الإدانة متوافرة.

5- التتابع الزمني المتلاحق والإيقاع السريع للأحداث دليل على صحة الدفع ويفضل وجود أدلة أخرى بجانب هذا الدفع تسانده المدة القصيرة بين صدور الإذن وتمام الضبط والتي تكون غير كافية للإنتهاء من:

أ - تحرير الإذن.

ب - الإتصال بالمصدر السرى.

ج - تهيئة وإعداد القوة اللازمة.

د - الإنتقال إلى مكان الضبط.

هـ - محاولات الترقب والقبض

6 - انفراد الضابط بالشهادة وحرصه على أبعاد أفراد القوة لا تطمئن المحكمة إلى أقواله.

7 - فتح باب المسكن يجعل من السهل دس المخدر المضبوط له من الغير.

8 - أقوال المتهم بأنه ضبط في ساعة قبل ساعة الإذن وهو لا يعلم شيئاً عن إذن النيابة أو عن موعد صدوره ولا عن محضر التحريات، ولم يقل أحد بإطلاعه على ذلك حتى تثور الشبهة في أنه أراد أن يخالف المواعيد. والتأييد بالشهادة من الآخرين، وأيضاً بالبرقية إلى المستشار وزير العدل والنائب العام يفيد صدق المتهم، ولكن يجب الحذر من الذي سبق محاكمته من قبل عدة مرات ولهذا يحسن أن يتم إضافة دليل أو أدلة مادية أو قولية، ومن الأدلة عدم معرفة المتهم بالكتابة بدليل أنه يختم أو يبصم.

 9 - يمكن الإستناد إلى أقوال أحد الشهود في إثبات صحة الدفع.

10 - القاعدة العامة المقررة في قضاء النقض و الدفع بصدور الإذن بعد الضبط والتفتيشن يعد دفاعاً موضوعياً يكفي للرد عليه اقتناع المحكمة إلى وقوع الضبط والتفتيش بناءً على هذا الإذن أخذاً منها بالأدلة التي أوردتها وذلك سواء اطمأنت المحكمة إلى أقوال شاهد الإثبات أو الضابط أو صحة تصويره للواقعة، أو لم تطمئن إلى أقوال المتهم، وأن الفترة الزمنية ما بين وقت صدور الإذن كافية للقيام بإجراء الضبط، وقد سارت وأستقرت غالبية أحكام محكمة النقض علي هذا المبدأ المستقر، ولكن قضاء محكمة الموضوع نجد له أثارة للدخول إلى حوزة قبول هذا الدفع ومن ذلك.(الدكتور/ حامد الشريف، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، طبعة 2011، المكتب الدولي للإصدارات القانونية، الجزء الأول ، الصفحة : 474)

ثم أردفت المادة 35 معدلة بنفس القانون قائلة أنه (إذا لم يكن المتهم حاضراً في الأحوال المبينة في المادة السابقة جاز لمأمور الضبط القضائي أن يصدر أمر بضبطه وإحضاره ، ويذكر ذلك في المحضر وي غير الأحوال المبينة في المادة السابقة إذا وجدت دلائل كافية على اتهام شخص بإرتكاب جناية أو جنحة مشرقة أو نصب أو تعد شديد أو مقاومة لرجال السلطة بالقوة والعنف جاز لمأمور الضبط القضائي أن يتخذ الإجراءات التحفظية المناسبة ، وأن يطلب فورا من النيابة أن تصدر أمر بالقبض عليه.

وفي جميع الأحوال تنفذ أوامر الضبط والإحضار والإجراءات التحفظية بواسطة أحد المحضرين أو بواسطة رجال السلطة العامة .

الدلائل الكافية شرط لصحة القبض .

 وجلى أن نص هاتين المادتين مرن فضفاض إلى مدى يتعذر العثور على ما يقابله في الشرائع الأجنبية، إذ أنه يمنح أغلب رجال الحفظ، وهم يمثلون سلطة ادارية بحت ينبغي أن تعني بحسب الأصل بمكافحة الجرائم قبل أن تقع بالفعل ، إختصاصا قضائيا صرفاً وثيق صلة بحريات الأفراد التي كفلتها الدستور، هو إختصاص القبض على المتهمين في جميع الجنايات بل وفي جميع الجنح الشائعة والوقوع عملاً، دون أي قيد سوى استلزام قيام دلائل كافية قبل المتهم قبل القبض عليه .

فقيام هذه الدلائل يكاد يمثل الضمان الوحيد الذي رسمه التشريع المصري للأفراد حتى لا يقعوا ضحية إجراء قد يكون ضاراً، أو تعسفياً لا مصلحة لأحد من ورائه، ولا جدوى للتحقيق منه، وكان قانون تحقيق الجنايات الملفي يتطلب في المادة 15 منه وجود دلائل خطيرة  حين يستلزم التشريع الحالي وجود دلائل كافية والتعبيران لا يختلفان كثيرة، وإن كان التعبير الحالي أكثر مرونة واتساعاً .

والدلائل يقصد بها العلامات الخارجية أو الشبهات المقبولة دون ضرورة التعمق في تمحيصها وتقليدي وجوه الرأي فيها ، وهي لا ترقى إلى مرتبة الأدلة، فهي قرائن ضعيفة ، أي إستنتاج لأمر مجهول من أمر معلوم ، لكن ضعفها يجيء من استنتاجها من وقائع قد لا تؤدي إلى ثبوت التهمة بالضرورة الحتمية ولا بحكم اللزوم العقلي ، فهي لا تصلح وحدها . أمام محكمة الموضوع . سببة للإدانة ، بل للبراءة عملاً بنص المادة 304 اجراءات التي تقضي بأنه إذا كانت الواقعة غير ثابتة أو كان القانون لا يعاقب عليها تحكم المحكمة ببراءة المتهم .

فمثلاً قد يعد من الدلائل الكافية مشاهدة إنسان يعدون الطريق وهو يحمل سكينا تقطر دما ، مع أنه قد يتضح بعد القبض عليه للإشتباه في أنه قد ارتكب جناية قتل إنسان - أنه قد ذبح خروفاً في ظروف لا جريمة فيها ، كما قد يعد من الدلائل الكافية في جرائم السرقة مشاهدة إنسان متسلق سورة خارجية لمنزل ليلاً، مع أنه قد يتضح بعض القبض عليه أنه قد تسلقه مجرد أنه كان قد نسي مفتاح المنزل بداخله وهكذا .

ولا يجوز القبض على متهم بغير توافر دلائل كافية ، ولو كان ذلك تمهيدا لإستصدار أمر من النيابة بتفتيشه وإلا كان القبض باطلاً .

نقض 3/ 3/ 1941 المحاماة س 22 ص 1  

كما لا يعد التبليغ عن الجريمة وحده من قبيل الدلائل الكافية للقبض على المتهم، وإنما ينبغي أن يقوم مأمور الضبط بعمل تحريات بشأن ما اشتمل عليه التبليغ ، فإذا أسفرت التحريات عن توافر دلائل كافية جاز له القبض على المتهم وإلا فلا .

نقض 20/ 12/ 1937 القواعد القانونية لمحمود أحمد عمر ج 4 رقم رقم 128 ص 119  

وقد قضى في هذا الشأن بأن ظهور الحيرة والإرتباط على المتهم ووضع يده في جيبه عندما شاهد رجل الحفظ أمور لا تعتبر دلائل كافية على وجود اتهام مبرر للقبض عليه .نقض 8/ 10/ 1957 أحكام النقض س 8 رقم 205 ص 765

وكذلك مجرد كون المتهم المقبوض عليه من عائلة الشخص الذي كان مطلوبة القبض عليه في جناية قتل حتى مع إرتكابه عند رؤيته رجال القوة ، وحرية عند المناداة عليه ، فإنه لا يكفي لتوافر الدلائل الكافية التي تبرر القبض عليه وتفتيشه.نقض 27/ 1/ 1959  أحكام النقض س 10 رقم 25 من 112

كما قضى بأن وجود متهم في وقت متأخر من الليل في الطريق العام وتناقضه في أقواله عند سؤاله عن اسمه وحرفته لا ينبئ بذاته عن تلبسه بجريمة الإشتباه ولا يوحي إلى رجل الضبط بقيام أمارات أو دلائل على إرتكابها حتى يسوغ له القبض عليه وتفتيشه طبقاً لنص المادة 34 إجراءات.(1) نقص 7/ 4/ 1954  مج ص 405 ق 112، 5/ 7/ 1954 مجص ص 411 ق 152 ، 12/ 11/ 1954 مج ص 411 ق 155 ، 29/ 1/ 1954 أحكام النقض على 8 رقم 28 ص 95، 20 / 1 /1959 ص 10 رقم 16 ص 60

أما إذا ألقى المتهم بورقة من جيبه وهو يجري في الطريق حتى لا يقع في قبضة الضابط الذي كان يتابعه بعد أن انتبه من أمره ، فإن ذلك يسيغ القبض عليه طبقاً للمادة 34 إجراءات .(2) نقض 10/ 2/ 1958  أحكام النقض س 9 رقم 42 ص 148 .

 وكذلك إذا كان المتهم قد شوهد في منتصف الليل يحمل شيئاً ، وما أن رأي سيارة البوليس ترسل من سرعتها حتى فضل راجماً بعد أن خلع حذاءه ليسهل له الجري ، فإن ذلك تتوافر به الدلائل الكافية التي تبرر القبض عليه طبقاً للقانون .(3) نقض 29/ 12/ 1958 أحكام النقض س 9 رقم 272 ص 1132.

كما قضى أيضا بأنه إذا كان الحكم المطعون فيه قد أورد في بيانه لواقعة الدعوى التي أثبتها على المتهم ما يفيد أنه كان ته دنبال معنا مشاهدة ضابط البوليس له في الطريق خارجاً من المنزل المأذون بتفتيشه دلائل كافية على حيازته مخدر ، فإن ذلك، يجيز للكونستابل بوصف  كونه من مأموري الضبط القضائي أن يقبض عليه وبالتالي أن يفتشة طبقاً لما تقضى به المادة 46 من قانون الإجراءات الجنائية .نقض 30/ 12/ 1952 قواعد النقض ج 2 رقم 7 ص 927

وبأنه إذا دخل الضابط منزل المتهم لغير التفتيش أصلاً بل تنفيذ التكليف وكيل النيابة له بدخول المنزل لإحضار زوجه المتهم لإجراء المعاينة بحضورها فشاهد المتهم يخرج مسرعاً من غرفة بداخل المنزل ويتجه إلى حظيره له، وفي يده منديل ملفوف ألقى به فوق سقف الحظيرة، وهو يعلم أنه ليس ممن يتجرون بالمخدرات، فإن هذه المظاهر، هي دلائل كافية تجيز لهذا - الضابط القبض على المتهم، والإستعانة بزميله في ضبط هذا المنديل .

نقض 9/ 2/ 1960 أحكام النقض س 11 رقم 32 ص 158

القبض الصحيح يجيز تفتیش شخص المتهم المقبوض عليه لكن لا يجيز بذاته تفتيش منزله، وعلى هذا إجماع الفقه والقضاء، إذ أن تفتيش المنزل لا يكون إلا عند توافر التلبس أو بناء على إذن صحيح صادر من سلطة التحقيق، فلا يكون لمجرد القبض على متهم تتوافر دلائل كافية قبله على ارتكاب جريمة من الجرائم المبينة بالمادة 35 إجراءات .

خصائص الدفع ببطلان القبض :

الدفع ببطلان القبض على المتهم . وبالتالي تفتيشه وما يكون قد أسفر عنه القبض الباطل أو التفتيش من ظهور حالة تلبس بجريمة، دفع جوهري إذ يترتب عليه أثر هام هو انهيار الدليل المستمد منه ، لذا كان الدفع ببطلان القبض وما أسفر عنه من دليل من أكثر الدفوع التي تثار في العمل طالما كان القبض قد جرى بصورة مخالفة للقانون، لإنتفاء الدلائل العافية ، أو لوقوعه في غير الأحوال المبينة بالقانون ، أو لوقوعه بمعرفة مأمور ضبط قضائي غير مختص مكانياً ، أو لوقوعه بمعرفة شخص ليس من مأموري الضبط القضائي أص" مثل الأمباشي أو المخبر أو الخفير.

والقاعدة هي أنه إذا أسفر القبض الباطل أو التفتيش على دليل من الأدلة ودفع صاحب الشأن ببطلان الإجراء ، وكان هذا الدفع جوهرية طالما استمدت المحكمة من هذا الدليل عنصر من العناصر التي تكون قد أسست عليها قضاءها بالإدانة ، لذا وجب أن تتعرض محكمة الموضوع للدفع بالبطلان وتبدي رأيها فيه، أما بأن تقبله إذا كان في محله قانوناً ، وإما بأن تفنده بأسباب كافية سائغة مستمدة من طرف الدعوى الثابتة ، ولها ماخذ صحيح من أوراقها ، وإلا كان الحكم معيباً .

هذا ويعد الدفع ببطلان المترتب على مخالفة قواعد القبض على التفتيش نسبياً ، وهو نسبي بأكثر من معنى وين أكثر من نطاق ، فهو نسبي بمعنى أن مجرد رضاء صاحب الشأن - رضاء صحيحاً غير مشوب بإكراه - بالقبض عليه وتفتيشه ، يسقط الحق في الدفع بالبطلان ، وبمعنى أنه لا يجوز الدفع به إلا من اعتدى على حرمة شخصه فقط بالقبض والتفتيش الباطلين ، فلا يجوز لمن عداه أن يتمسك به ولو كان صاحب مصلحة في ذلك كشريك المتهم الذي قبض عليه وفتش تفتیشاً باطلاً ، وهذه القاعدة مستمدة من الأصل العام، وهو أنه لا يقبل من أي منهم أن يتمسك ببطلان، أي إجراء من إجراءات التحقيق الإبتدائي إذا كان سبب البطلان غير متعلق به، بل بغيره من المتهمين.

ويجوز التنازل عن الدفع ببطلان القبض على المتهم ، فتفتیشه صراحة أو ضمناً، ولا يقبل الدفع بمثل هذا البطلان لأول مرة أمام محكمة النقض ، لأن إثباته يتطلب تدخلاً في تقدير كفاية الدلائل التي اقتضت القبض ، وين تصوير ظروفه وهو ما لا تملكه ، وإذا كانت المحاكمة أمام محكمة الموضوع قد جرت على درجتين وجب أن يكون قد أثير أمام المحكمة الإستئنافية بالأقل، فإذا كان الطاعن قد تمسك به أمام محكمة أول درجة ولكنه لم يثره أمام المحكمة الإستئنافية فلا تقبل منه إثارته أمام محكمة النقض.

وإذا أثير أمام محكمة الموضوع على الوجه المطلوب فإن سلطة محكمة النقض تكون مقصورة على مراقبة خطة محكمة الموضوع في رفض الدفع بالبطلان أو قبوله بأسباب صحيحة لها سندها من أوراق الدعوى وظروفها الثابتة ، وذلك إلا إذا لم يكن ما جاء في الحكم من بيانات دالاً بذاته على وقوع البطلان، فيجوز عندئذ فقط التمسك به النقض ولو لأول مرة.

شرط المصلحة في الدفع ببطلان القبض

ينبغي أن يكون للطاعن مصلحة ما في الطعن بالنقض لبطلان القبض الذي وقع عليه بمعرفة رجال السلطة العامة ، ومناط مصلحته هو في توافر شرطين مجتمعين :

أولهما : أن يكون القبض المدفوع ببطلانه قد أسفر عن دلیل منتج من أدلة  الدعوي .

ثانيهما : أن يكون الحكم المطعون فيه قد عون بصفة أصلية على هذا الدليل ولو ضمن باقي أدلة الدعوى الصحيحة .

فإذا انتفي أي من الشرطين فقد انتفت المصلحة في الطعن ببطلان القبض حتى إذا وقع باطلا بالفعل ، وقلما يحتاج الأمر في العمل إلى الكلام في إنتفاء الشرط الأول منهما لأنه مفهوم ضمناً ، ولأنه إذا كان القبض الباطل لم يسفر عن أي دليل فقد انتفت بالتالي حاجة المتهم إلى الكلام في مبدأ البطلان، بل تكون مصلحته بالأكثر في التغاضي عنه ، لأن انتفاء الدليل الذي كان يصح أن يسفر عنه الإجراء الباطل قد يكون في بعض الأحيان من قرائن البراءة التي يستفيد المتهم منها.

أما إنتفاء الشرط الثاني فهو الأمر الذي كثيراً ما أدى في العمل إلى تقرير إنتفاء المصلحة في الطعن ببطلان القبض ، أو أي إجراء آخر من إجراءات الإستدلال أو التحقيق الإبتدائي ، فبطلان القبض يبطل التلبس، وبطلان التلبس يبطل تفتيش المتهم ومسكنه ، وضبط أي شيء ذي صله بالجريمة، ببطلان التفتيش يبطل اعتراف المتهم المترتب عليه مباشرة ، ويبطل الحبس الإحتياطي المترتب على القبض الباطل مهما تولد عنه من تلبس ، فتفتيش، فضبط أشياء ، فاعتراف، وعندئذ تكون للطاعن مصلحة محققة في التوصل إلى بطلان القبض وهو الإجراء الأول.

وإذا كان القبض باطلاً ، لكن ظهر فيما بعد، تلبس مقطوع الصلة به ، لأنه ظهر بعد فترة كافية منه ، أو أمام سلطة أخرى فإن التلبس يكون صحيحاً ، وكذلك الشأن إذا كان التفتيش قد جرى باطلا ، لكن صادر من المتهم فيما بعد اعتراف مقطوع الصلة بالتفتيش الباطل ، فعندئذ لا يؤدي بطلان القبض أو التفتيش بحسب الأحوال إلى بطلان الأدلة الأخرى المستمدة من التلبس أو الإعتراف .

وفي الجملة لا تتوافر المصلحة في الطعن ببطلان القبض إذا كان البطلان نظرية بحتة، أو إذا كان القبض المدعى ببطلانه قد صلته إجراء آخر صحيح، ويراعى أن أي إجراء صحيح قد يتداخل بعد القبض الباطل لا يسري بأثر رجعي، وإنما يسري من وقت صدوره فقط، وبالنسبة للمستقبل فحسب ، كما هي القاعدة العامة في جميع إجراءات الدعوى الجنائية بوجه عام .

وقد حدث أن قدم شخص للمحاكمة بتهمة إحرازه مادة مخدرة ، فدفع لدى محكمة الدرجة الأولى ببطلان إجراء القبض عليه وتفتيشه لحصوله على خلاف القانون فرأت المحكمة أن هذا الدفع في غير محله ، ثم عرضت الموضوع فرأت أن الأدلة القائمة على المتهم . وهي مستمدة من الإجراء المذكور مشكوك فيها ، ولذلك قضت بالبراءة ، فإستأنفت النيابة الحكم فأيدته المحكمة الإستئنافية أخذ بأسباب الحكم الإبتدائي في موضوع التهمة، لكنها قضت ببطلان إجراءات التفتيش والقبض إستناداً إلى أن ضبط المتهم لم يكن علم أنه من المشبوهين ، لأن حالة الإشتباه لم تظهر إلا بعد ضبط المتهم وتفتيشه .

وطعنت النيابة بالنقض في هذا الحكم على أساس أن الإشتباه حالة تلحق شخص المشبته فهي فتجعله خاضعاً دائماً لأحكام قانون المشبوهين، ومنها حق البوليس في القبض عليه كلما وجد في ظرف من الظروف المريبة المبينة بالمادة 29 من قانون المتشردين والمشتبه فيهم، لكن تي في هذا المن بدم قبوله لعدم تحقق مربايجة منه لأحد من الخصوم .نقض 24/ 4/ 1939 قواعد محكمة النقض ج 2 رقم 264 ص 1132

وذلك لأن أي طعن . شأنه شأن أي دفع أو دعوى أو طلب  لا يجوز لمصلحة القانون فقط دون ثمة مصلحة لصاحبه.

لذا قضى أيضاً بأنه إذا كانت إدانة المتهم قد أقيمت على وجود المادة المخدرة في الطرد المرسل منه إليه هو ذاته بطريق البريد ، وكان المخدر لم يضبط مع المتهم بل حصل تفتيش الطرد بناء على قبول منه وإذن صريح من النيابة ، فإن قبض وكيل البريد على المتهم حتى ولو كان باطلاً (لأنه ليس من مأموري الضبط القضائي) لا يكون له تأثير إدانة المتهم إذ أن هذا القبض لم تكن له علاقة من قريب أو بعيد بضبط الطرد وتفتيشه .

كما قضى بأنه إذا تبين أن الضابط الذي قام بتفتيش المتهم وضبط المخدر معه كانت لديه من الدلائل الكافية ما يجيز له قانوناً إجراء القبض والتفتيش وفقاً لما تخوله المادة 34 إجراءات فلا جدوى للمتهم من المنازعة في توافر حالة التلبس ، وبأنه إذا كان الحكم المطعون فيه إن دان المتهم بتهمة إحراز المخدر قد اعتمد على الإعتراف الصادر منه أمام النيابة بإحراء قطعة الحشيش المضبوطة معه بإعتباره دليلاً مستقلاً عن الأدلة المستمدة من القبض والتفتيش ، فلا جدوى مما ينعاه على الحكم من رفض الدفع ببطلانهما أو من عدم رده كلية على الدفع بالبطلان .نقض 2419 / 3/ 1957 أحكام النقض س 8 رقم 78 ص 275

لذا قضى أيضاً بأنه إذا كان ما أثبته الحكم يدل على أن المتهم كان في حالة تلبس تبرر القبض عليه وتفتيشه قانوناً فلا يجديه النعي بأن اسمه لم يكن وارداً في الأمر الصادر من النيابة بالتفتيش.نقض 28/ 3/ 1955 أحكام النقض س 6 رقم 228 ص 704

وبأنه إذا كان مؤدي الوقائع التي أوردها الحكم المطعون فيه هو أن الطاعن تخلى عن اللفافة التي اتضح بعد القائها أنها تحوي على المخدر، فأضحى ذلك المخدر الذي تخلى عنه هو مصدر الدليل ضده ولم يكن هذا الدليل وليد القبض ، فلا جدوي من التذرع ببطلان القبض .نقض 13 / 6/ 1955 أحكام النقض س 6 رقم 326 ص 1121

تقدير الصلة بين القبض الباطل وما تكشف من دليل  لمحكمة الموضوع أن تقدر الصلة التي قد يدفع المتهم بتوافرها بين القبض الباطن وبين الدليل الذي يرتكن عليه الإتهام ، فإذا رأت أن الصلة متوافرة قضته ببطلان الأمرين مره ، القبض نفسه ثم ما أسفر عنه من دليل ، وإلا كان لها عند التقرير بإنتفاء الصلة، الأسباب منطقية سائغة، التحويل على الدليل القائم في الدعوى بوصفه إجراء مستقلا بذاته فلا ينسب إليه بالتالي بطلان القبض إذا كان باطلاً، أو بطلان أي إجراء آخر عند انقطاع صلة السببية أو العلة بالمعلول بين الإجراء الباطل والدليل الذي قد ترتكن عليه سلطة الإتهام .

وهذا التقدير هو من المسائل الموضوعية التي تفصل فيها المحكمة حسبما يكشف لها من ظروف القبض المدفوع ببطلانه ، والدليل المعقول بأنه مترتب عليه، وفصلها من ذلك نهائي ولا رقابة فيه لمحكمة النقض إلا في الحدود العامة التي تراقب فيها هذه الأخيرة كافة المسائل الموضوعية ، و الجملة ينبغي أن يكون بيان الصلة أو نفيها بأسباب كافية، مستمدة من الأوراق ، وأن يكون إستظهارها بإستنتاج سائغ عن المنطق مقبول ، ويستوي في ذلك أن يكون الإعتراف المقول بصدوره عقب القبض، أو التفتيش الباطل، قد صدر أمام النيابة، أم أمام نفس الضابط الذي قام بالإجراء الباطل ولكن بعد فترة شهور طويلة من إجرائه.

وذلك يقتضي أن يبين الحكم المطعون فيه على أية حال أن المحكمة كانت متنبهة وهي تحمل الدليل إلى إنتهاء الصلة بينه وبين القبض المدفوع ببطلانه ، وأن هذه الصلة من شأنها أن تصدم أثر هذا الدليل لو كانت قائمة ، ولذا فإنه إذا كانت المحكمة قد عولت فيما عولت لإدانة المتهم على الإعتراف المنسوب إليه أثر القبض الباطل الذي وقع عليه ، دون أن تتحدث عنه كدليل قائم بذاته ومنفصل عن تلك الإجراءات الباطلة ، وهي كشفت عن مدى إستقلاله عنها فإن الحكم يكون معيباً .

ولا تختلف الحال عن ذلك شيئا إذا كان الطعن من النيابة ، فلو كان الحكم مع ما أثبته من أن القبض على المتهم وقع صحيحاً قد التفت في قضائه عن الدليل المستمد من التفتيش الذي وقع أثر القبض فإنه يكون خاطئاً، لذا قضى بأنه إذا كان الحكم المطعون فيه في معرض بيان واقعة الدعوى قد ذكر أن المتهم اعترف بحيازته لعلبة المخدر مدعياً أنه عثر عليها بالطريق ، وحين قضى بالبراءة بناء على بطلان القبض على المتهم لم يتعرض لهذه الأقوال ومبلغ كفايتها وحدها في الإثبات ، فهذا يكون قصورة مستوجباً نقض الحكم .

ذلك أن اعتراف المتهم أمام النيابة مثلاً يعد دليلاً قائمة بذاته غير مترتب على القبض ، حتى ولو سبقه قبض باطل أو تفتيش هذا شأنه بمعرفة أحد مأموري الضبط القضائي ، إذ تبين أن المتهم لم يكن واقعاً تحت تأثير الإجراء الباطل ، ومن باب أولى اعتراف المتهم بالتهمة أمام المحكمة بالجريمة التي كشفها القبض فإنه صحيح في ذاته حتى ولو كان القبض باطلاً لأي سبب كان ويستوي في ذلك أن يبني بطلان القبض على سبب قانوني ، كإنتفاء أحواله ، أم على سبب موضوعي كإنتفاء الدلائل التي تجيزه ، ومهما كان هذا الإنتفاء ثابتاً في الحكم المطعون .

ويلاحظ أن الأدلة في المواد الجنائية متساندة بحسب الأصل، ومتماسكة يسند بعضها بعضاً بحيث إذا سقط أحدها أو استبعد تعذر التعرف على مبلغ أثر الدليل الباطل في عقيدة المحكمة ، وتعين من ثم نقض الحكم برمته، ولهذا التساند أهميته البالغة في تقدير توافر مصلحة الطاعن من التوصل إلى إبطال أي دليل من أدلة الإدانة التي عول عليها الحكم المطعون فيه ، وهذا التساند قاعدة أصلية لا يحد منها إمكان الإستغناء بالأدلة الصحيحة عن الدليل الباطل في صور استثنائية نادرة ، متى كان هذا الإستغناء واضحاً من طريقة التدليل نفسها، وذلك بما يضيق المقام الحالي عن تفصيله .

أما الآن فقد تعددت صياغة المادتين 34، 35 إجراءات على النحو الذي سبق بيانه ، فلم يعد لمأمور الضبط القضائي من غير أعضاء النيابة سلطة القبض ولا التفتيش إلا في حالة التلبس في الجنايات وبعض الجنح، كما ألغيت المادة 48 من أساسها  ، فلا يمكن بالتالي القول في اية حالة من الحالات بأن التفتيش يصح أن يدرج بين إجراءات الاستدلال .

 والأصل في إجراءات الإستدلال أنها لا تمس حرمة شخص المتهم ولا مسكنة ، وأنها يجوز أن تتم قبل ظهير الجريمة بالفعل توصلاً إلى إظهارها والكشف عنها سواء منها منظمة القانون ، أهم ما تركه لفطنة المحقق وحسن تصرفه ما دام مشروعا لا مخالفة فيه للنظام العام ولا لحسن الأداب.

عن التمييز بين القواعد الموضوعية والشكلية وقواعد التفتيش كثيرة متشعبة منها ما يوصف بأنه موضوعي لأنه متصل بالأحوال التي يجوز فيها إجراءه وإلا كان باطلاً ومنها ما يوصف بأنه شكلي لأنه منصب على طريقة تنفيذه مباشرة حتي مع صحته موضوعاً .

وأهم القواعد الموضوعية وجوب صدوره في حدود قواعد الإختصاص المكاني وفي جريمة من الجرائم التي حددها القانون وبناء على دلائل كافية تتسق الأمر به أو بناء على نص صحیح قانون ، وبناء على أمر نيابة صحيح لإحتوائه على البيانات الكافية لتعيين شخص المتهم المقصود به ، فضلاً عن تاريخ إصداره وتوقيع من أصدره ، وغير ذلك من البيانات المطلوبة في كل ندب صحیح من سلطة التحقيق إلى سلطة الضبط القضائي ، ثم تنفيذه خلال المدة المحددة من أمر الندب .

وأهم القواعد الشكلية وجوب إصطحاب كاتب أثناء تنفيذه بمعرفة سلطة التحقيق، ووجوب المتهم أو من ينيب  عنه إذا جرى بمعرفة سلطة التحقيق أو الضبط القضائي ، أو حضور شاهدين تتوافر فيها شروط معينة إذا جرى بمعرفة الضبط القضائي ، ووجوب عمل محضر به .(الدكتور/ رؤوف عبيد، المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية، طبعة 2015، الناشر: مكتبة الوفاء القانونية، الجزء الأول، الصفحة 38)

الفقه الإسلامي

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / الرابع، الصفحة /  292 

وَالاِشْتِبَاهُ النَّاشِئُ عَنْ خَفَاءٍ فِي الدَّلِيلِ يُعْذَرُ الْمُجْتَهِدُ فِيهِ، بَعْدَ بَذْلِهِ الْجَهْدَ وَاسْتِفْرَاغِهِ الْوُسْعَ، وَيَكُونُ فِيمَا انْتَهَى إِلَيْهِ مِنْ رَأْيٍ قَدِ اتَّبَعَ الدَّلِيلَ الْمُرْشِدَ إِلَى تَعَرُّفِ قَصْدِ الشَّارِعِ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ - اخْتِلاَفُ الْمُخْبِرِينَ:

9 - وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ، وَأَخْبَرَهُ آخَرُ بِطَهَارَتِهِ. فَإِنَّ الأَْصْلَ عِنْدَ تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ وَتَسَاوِيهِمَا تَسَاقُطُهُمَا، وَحِينَئِذٍ يُعْمَلُ بِالأَْصْلِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ، إِذْ الشَّيْءُ مَتَى شُكَّ فِي حُكْمِهِ رُدَّ إِلَى أَصْلِهِ، لأَِنَّ الْيَقِينَ لاَ يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَالأَْصْلُ فِي الْمَاءِ الطَّهَارَةُ.

وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا لَوْ أَخْبَرَ عَدْلٌ بِأَنَّ هَذَا اللَّحْمَ ذَبَحَهُ مَجُوسِيٌّ، وَأَخْبَرَ عَدْلٌ آخَرُ أَنَّهُ ذَكَّاهُ مُسْلِمٌ، فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لِبَقَاءِ اللَّحْمِ عَلَى الْحُرْمَةِ الَّتِي هِيَ الأَْصْلُ. إِذْ حِلُّ الأَْكْلِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَحَقُّقِ الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَبِتَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْحِلُّ، فَبَقِيَتِ الذَّبِيحَةُ عَلَى الْحُرْمَةِ.

ب - الإِْخْبَارُ الْمُقْتَضِي لِلاِشْتِبَاهِ:

10 - وَهُوَ الإِْخْبَارُ الَّذِي اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرَائِنُ تُوقِعُ فِي الاِشْتِبَاهِ. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَعْقِدَ عَلَى امْرَأَةٍ، ثُمَّ تُزَفُّ إِلَيْهِ أُخْرَى بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَيَدْخُلُ بِهَا عَلَى هَذَا الاِعْتِقَادِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهَا لَيْسَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا. فَإِنْ وَطِئَهَا فَإِنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، لأَِنَّهُ اعْتَمَدَ دَلِيلاً شَرْعِيًّا فِي مَوْضِعِ الاِشْتِبَاهِ، وَهُوَ الإِْخْبَارُ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ فُرُوعًا كَثِيرَةً مِثْلَ هَذَا الْفَرْعِ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الأَْسَاسِ.

ج - تَعَارُضُ الأَْدِلَّةِ ظَاهِرًا:

11 - لاَ يُوجَدُ بَيْنَ أَدِلَّةِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي وَاقِعِ الأَْمْرِ تَعَارُضٌ، لأَِنَّهَا جَمِيعَهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى. أَمَّا مَا يَظْهَرُ مِنَ التَّعَارُضِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ فَلِعَدَمِ الْعِلْمِ بِظُرُوفِهِمَا وَشُرُوطِ تَطْبِيقِهِمَا، أَوْ بِمَا يُرَادُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ، أَوْ لِجَهْلِنَا بِزَمَنِ وُرُودِهِمَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَرْتَفِعُ بِهِ التَّعَارُضُ.

فَمِنْ الاِشْتِبَاهِ بِسَبَبِ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ فِي الظَّاهِرِ مَا إِذَا سَرَقَ الْوَالِدُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، إِذْ أَنَّ نُصُوصَ الْعِقَابِ عَلَى السَّرِقَةِ تَشْمَلُ فِي عُمُومِهَا هَذِهِ الْوَاقِعَةَ. فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا). غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يُفِيدُ حِلَّ مَالِ الاِبْنِ لأَِبِيهِ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الرَّسُولَ صلي الله عليه وسلم  قَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَِبِيكَ» وَقَوْلُهُ: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» وَوُجُودُ مِثْلِ هَذَا يُنْتِجُ اشْتِبَاهًا فِي الْحُكْمِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إِسْقَاطُ الْحَدِّ، لأَِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الشُّبُهَاتِ أَخْذُ الرَّجُلِ مِنْ مَالٍ جَعَلَهُ الشَّرْعُ لَهُ، وَأَمَرَهُ بِأَخْذِهِ وَأَكْلِهِ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (سَرِقَة).

وَمِنْ الاِشْتِبَاهِ النَّاشِئِ عَنْ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ فِي الظَّاهِرِ مَا وَرَدَ بِالنِّسْبَةِ لِطَهَارَةِ سُؤْرِ الْحِمَارِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «الْحِمَارُ يُعْتَلَفُ الْقَتَّ وَالتِّبْنَ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ» وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم  سُئِلَ: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا»،، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّهُ رِجْسٌ وَالتَّوَقُّفُ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ وَاجِبٌ. فَلِذَلِكَ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ التَّوَقُّفُ عَنْ إِعْطَاءِ حُكْمٍ قَاطِعٍ، لِتَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: الأَْصَحُّ أَنَّ سُؤْرَ الْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِي طَهُورِيَّتِهِ (أَيْ كَوْنُهُ مُطَهِّرًا، لاَ فِي طَهَارَتِهِ فِي ذَاتِهِ) وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَسَبَبُهُ تَعَارُضُ الأَْخْبَارِ فِي لَحْمِهِ، وَقِيلَ: اخْتِلاَفُ الصَّحَابَةِ فِي سُؤْرِهِ، وَقَدِ اسْتَوَى مَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ وَالنَّجَاسَةَ فَتَسَاقَطَا لِلتَّعَارُضِ، فَيُصَارُ إِلَى الأَْصْلِ، وَهُوَ هُنَا شَيْئَانِ: الطَّهَارَةُ فِي الْمَاءِ، وَالنَّجَاسَةُ فِي اللُّعَابِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الآْخَرِ، فَبَقِيَ الأَْمْرُ مُشْكِلاً، نَجِسًا مِنْ وَجْهٍ، طَاهِرًا مِنْ وَجْهٍ.

طُرُقُ إِزَالَةِ الاِشْتِبَاهِ:

19 - مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَمْرٌ مَا فَإِنَّ إِزَالَةَ الاِشْتِبَاهِ تَكُونُ عَنْ طَرِيقِ التَّحَرِّي، أَوِ الأَْخْذِ بِالْقَرَائِنِ، أَوِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، أَوِ الأَْخْذِ بِالاِحْتِيَاطِ، أَوْ بِإِجْرَاءِ الْقُرْعَةِ وَنَحْوِهَا. وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ مَا تَقَدَّمَ.

أ - التَّحَرِّي:

20 - وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ الشَّيْءِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَقَدْ جُعِلَ التَّحَرِّي حُجَّةً حَالَ الاِشْتِبَاهِ وَفَقْدِ الأَْدِلَّةِ، لِضَرُورَةِ الْعَجْزِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْمُتَحَرَّى عَنْهُ. وَحُكْمُهُ وُقُوعُ الْعَمَلِ صَوَابًا فِي الشَّرْعِ.

فَمَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ مَثَلاً، وَلَمْ يَجِدْ سَبِيلاً لِمَعْرِفَتِهَا تَحَرَّى. لِمَا رُوِيَ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم  فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)». وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه : قِبْلَةُ الْمُتَحَرِّي جِهَةُ قَصْدِهِ، وَلأَِنَّ الْعَمَلَ بِالدَّلِيلِ الظَّاهِرِ وَاجِبٌ وَإِقَامَةٌ لِلْوَاجِبِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ. وَالْفُرُوضُ إِصَابَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ أَوْ جِهَتِهَا بِالاِجْتِهَادِ وَالتَّحَرِّي، عَلَى تَفْصِيلٍ وَاخْتِلاَفٍ بَيَانُهُ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِقْبَال).

ب - الأَْخْذُ بِالْقَرَائِنِ:

21 - الْقَرِينَةُ: هِيَ الأَْمَارَةُ الَّتِي تُرَجِّحُ أَحَدَ الْجَوَانِبِ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ. جَاءَ فِي فَوَاتِحِ الرَّحَمُوتِ: أَنَّ الْقَرِينَةَ مَا يَتَرَجَّحُ بِهِ الْمَرْجُوحُ. وَقَدْ تَكُونُ الْقَرِينَةُ قَطْعِيَّةً، وَقَدْ عَرَّفَتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ الْقَرِينَةَ الْقَاطِعَةَ بِأَنَّهَا: الأَْمَارَةُ الْبَالِغَةُ حَدَّ الْيَقِينِ. وَلاَ خِلاَفَ فِي أَصْلِ اعْتِبَارِ الْقَرِينَةِ عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ (إِثْبَاتٌ) (ف 31).

وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم وَخُلَفَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ بِالْقِيَافَةِ (اتِّبَاعِ الأَْثَرِ وَتَعَرُّفِ الشَّبَهِ) .

وَجَعْلُهَا دَلِيلاً يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ.

وَإِذَا تَدَاعَى رَجُلاَنِ شَيْئًا، وَقَدَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةَ قَبُولِهِ، وَتَسَاوَيَا فِي الْعَدَالَةِ، وَاشْتَبَهَ الأَْمْرُ عَلَى الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا كَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً تُرَجِّحُ جَانِبَهُ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عِنْدَ التَّكَافُؤِ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ.

ج - اسْتِصْحَابُ الْحَالِ:

22 - الْمُرَادُ بِهِ اسْتِبْقَاءُ حُكْمٍ ثَبَتَ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي عَلَى مَا كَانَ، وَاعْتِبَارُهُ مَوْجُودًا مُسْتَمِرًّا إِلَى أَنْ يُوجَدَ دَلِيلٌ يُغَيِّرُهُ. وَقَدْ عَرَّفُوهُ بِأَنَّهُ اسْتِدْلاَلٌ بِالْمُتَحَقِّقِ فِي الْمَاضِي عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَالِ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ: الْمُرَادُ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ لأَِمْرٍ وُجُودِيٍّ أَوْ عَدَمِيٍّ، عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ. فَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُتَوَضِّئٌ، ثُمَّ شَكَّ فِي طُرُوءِ الْحَدَثِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ وَبَقَاءِ وُضُوئِهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ خِلاَفُ ذَلِكَ، لأَِنَّ الطَّهَارَةَ الثَّابِتَةَ بِيَقِينٍ لاَ يُحْكَمُ بِزَوَالِهَا بِالشَّكِّ. وَتَفْصِيلُ الْكَلاَمِ فِي حُجِّيَّةِ الاِسْتِصْحَابِ وَالتَّرْجِيحِ بِهِ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ وَانْعِدَامِ الدَّلِيلِ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِصْحَاب).

د - الأَْخْذُ بِالاِحْتِيَاطِ:

23 - جَاءَ فِي اللُّغَةِ: الاِحْتِيَاطُ طَلَبُ الأَْحَظِّ وَالأَْخْذُ بِأَوْثَقِ الْوُجُوهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمُ: افْعَلِ الأَْحْوَطَ.

وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ مَثَلاً، فِيمَا إِذَا وَجَدَ الزَّوْجَانِ فِي فِرَاشِهِمَا الْمُشْتَرَكِ مَنِيًّا، وَلَمْ يَذْكُرْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَصْدَرَهُ، وَقَالَ الزَّوْجُ: إِنَّهُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَلَعَلَّهَا احْتَلَمَتْ، وَقَالَتِ الزَّوْجَةُ: إِنَّهُ مِنَ الرَّجُلِ وَلَعَلَّهُ احْتَلَمَ، فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا احْتِيَاطًا. كَمَا نَصُّوا فِي بَابِ الْعِدَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَى بِهَا زَوْجُهَا ثُمَّ فَارَقَهَا، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ احْتِيَاطًا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، لأَِنَّ الْخَلْوَةَ مَثَارُ الشُّبْهَةِ، وَهَذَا لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الأَْعْرَاضِ وَالأَْنْسَابِ.

هـ - الاِنْتِظَارُ لِمُضِيِّ الْمُدَّةِ:

24 - وَهَذَا يَكُونُ فِيمَا لَهُ مُدَّةٌ مُحَدَّدَةٌ، كَدُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). فَإِنِ اشْتَبَهَ الأَْمْرُ وَغُمَّ الْهِلاَلُ وَجَبَ إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ يَوْمًا، لِخَبَرِ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ يَوْمًا».

و - إِجْرَاءُ الْقُرْعَةِ:

25 - يَقُولُ الْقَرَافِيُّ: مَتَى تَعَيَّنَتِ الْمَصْلَحَةُ أَوِ الْحَقُّ فِي جِهَةٍ فَلاَ يَجُوزُ الإِْقْرَاعُ، لأَِنَّ فِي الْقُرْعَةِ ضَيَاعَ ذَلِكَ الْحَقِّ الْمُعَيَّنِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ، وَمَتَى تَسَاوَتِ الْحُقُوقُ وَالْمَصَالِحُ، وَاشْتُبِهَ فِي الْمُسْتَحِقِّ فَهَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْقُرْعَةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، مَنْعًا لِلضَّغَائِنِ. وَتَفْصِيلَةُ فِي (إِثْبَاتٌ) (ف \ 36) وَفِي (قُرْعَة).

الأَْثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الاِشْتِبَاهِ:

26 - دَرْءُ الْحَدِّ: مِنْ أَظْهَرْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الاِشْتِبَاهِ مِنْ آثَارٍ: دَرْءُ الْحَدِّ عَنِ الْجَانِي. فَقَدْ رَوَتِ السَّيِّدَةُ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلي الله عليه وسلم  قَالَ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ». وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ. إِلَخْ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه  أَنَّهُ قَالَ: لأََنْ أُعَطِّلَ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَهَا بِالشُّبُهَاتِ.

وَيَقُولُ الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مُتَكَامِلَةٌ فَيَسْتَدْعِي جِنَايَةً مُتَكَامِلَةً، فَإِذَا كَانَتْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ كَانَتِ الْجِنَايَةُ غَيْرَ مُتَكَامِلَةٍ.

27 - وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الاِشْتِبَاهِ مِنْ آثَارٍ عَمَلِيَّةٍ عِنْدَ اشْتِبَاهِ الْمُصَلِّي: وُجُوبُ سُجُودِ السَّهْوِ جَبْرًا، لِتَرْكِ  الْوَاجِبِ الأَْصْلِيِّ فِي الصَّلاَةِ أَوْ تَغْيِيرِهِ، أَوْ تَغْيِيرِ فَرْضٍ مِنْهَا عَنْ مَحَلِّهِ الأَْصْلِيِّ سَاهِيًا، فَيَجِبُ جَبْرُهُ بِالسُّجُودِ.

فَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلي الله عليه وسلم : «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى. ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ. فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلاَتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَِرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ». وَلأَِنَّ الأَْصْلَ عَدَمُ الإِْتْيَانِ بِمَا شَكَّ فِيهِ، فَلَزِمَهُ الإِْتْيَانُ بِهِ. كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى أَوْ لاَ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي (سُجُود السَّهْوِ).

28 - وَمِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى اشْتِبَاهِ الْقَاضِي فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِهِ فِي الدَّعْوَى الَّتِي يَنْظُرُهَا: مُشَاوَرَةُ الْفُقَهَاءِ لِلاِسْتِئْنَاسِ بِرَأْيِهِمْ، وَذَلِكَ نَدْبًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَوُجُوبًا فِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ رضي الله عنه  إِذَا جَلَسَ أَحْضَرَ أَرْبَعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ ثُمَّ اسْتَثَارَهُمْ، فَإِنْ رَأَوْا مَا رَآهُ أَمْضَاهُ. يَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا نَزَلَ بِالْقَاضِي الأَْمْرُ الْمُشْكِلُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ شَاوَرَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالأَْمَانَةِ. ثُمَّ قَالَ: لأَِنَّهُ قَدْ يَنْتَبِهُ بِالْمُشَاوَرَةِ، وَيَذْكُرُ مَا نَسِيَهُ بِالْمُذَاكَرَةِ. وَالْمُشَاوَرَةُ هُنَا لاِسْتِخْرَاجِ الأَْدِلَّةِ، وَيَعْرِفُ الْقَاضِي الْحَقَّ بِالاِجْتِهَادِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ مَا دَامَ مُجْتَهِدًا. وَمِنْ أَجْلِ تَيْسِيرِ أَمْرِ الْمَشُورَةِ عَلَى الْقَاضِي، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ الْمَاضِي أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ، حَتَّى إِذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ يَفْتَقِرُ إِلَى أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْهَا، سَأَلَهُمْ لِيَذْكُرُوا أَدِلَّتَهُمْ فِيهَا وَجَوَابَهُمْ فِيهَا.

29 - كَمَا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى الاِشْتِبَاهِ وَقْفُ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ، أَوْ الاِحْتِفَاظُ بِقَدْرٍ مِنْهَا، كَمَا إِذَا كَانَ ضِمْنَ الْوَرَثَةِ حَمْلٌ عِنْدَ وَفَاةِ الْمُوَرِّثِ، وَلاَ يُدْرَى أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى، حَتَّى يُعْلَمَ نَصِيبُهُ، أَوْ أَصْلُ اسْتِحْقَاقِهِ فِي الإِْرْثِ، وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَفْقُودِ وَالأَْسِيرِ، فَإِنَّهُ يُجْعَلُ حَيًّا بِالنِّسْبَةِ لِمَالِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى وَفَاتِهِ، وَيُجْعَلُ مَيِّتًا فِي مَالِ غَيْرِهِ، لَكِنْ يُوقَفُ لَهُ نَصِيبُهُ كَمَا يُوقَفُ نَصِيبُ الْحَمْلِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهُ أَوْ يُقْضَى بِاعْتِبَارِهِ مَيِّتًا.

الموسوعة الفقهية إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولي  1433 هـ - 2012 م   الجزء / السادس والثلاثون ، الصفحة / 65

مُتَّهَمٌ

التَّعْرِيفُ :

الْمُتَّهَمُ لُغَةً:

مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ وَالتُّهْمَةُ هِيَ: الشَّكُّ وَالرِّيبَةُ وَاتَّهَمْتُهُ: ظَنَنْتُ بِهِ سُوءًا فَهُوَ تَهِيمٌ، وَاتُّهِمَ الرَّجُلُ اتِّهَامًا: أَتَى بِمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ :

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ :

- الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ مَنْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ دَعْوَى دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ حَقٍّ وَالْمُدَّعِي: هُوَ مَنْ يَلْتَمِسُ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ قِبَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمُتَّهَمِ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ مِنْ أَحْكَامٍ :

تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَّهَمِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْهَا:

الْمُتَّهَمُ فِي الْجَرَائِمِ

لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الْحُدُودَ لاَ تُقَامُ عَلَى الْمُتَّهَمِ بِالتُّهْمَةِ. أَمَّا التَّعْزِيرُ بِالتُّهْمَةِ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي تَعْزِيرَ الْمُتَّهَمِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا وَلَمْ يَكْتَمِلْ نِصَابُ الْحُجَّةِ، أَوِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ أَنَّهُ يَعِيثُ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَقَالُوا: إِنَّ الْمُتَّهَمَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بَلْ يُعَزَّرُ مُتَّهَمُهُ وَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ أَمْرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ فَيُعَزَّرُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ بِالْحَبْسِ، وَقَالُوا: وَهُوَ الَّذِي يَسَعُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.

(ر: تُهْمَةٌ ف 14).

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْجَرَائِمُ مَحْظُورَاتٌ شَرْعِيَّةٌ زَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِحَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ وَلَهَا عِنْدَ التُّهْمَةِ حَالُ اسْتِبْرَاءٍ تَقْتَضِيهِ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ وَلَهَا عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا حَالُ اسْتِيفَاءٍ تُوجِبُهُ الأْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ.

فَأَمَّا حَالُهَا بَعْدَ التُّهْمَةِ وَقَبْلَ ثُبُوتِهَا وَصِحَّتِهَا فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِ النَّظَرِ فِيهَا فَإِنْ كَانَ حَاكِمًا رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَدِ اتُّهِمَ بِسَرِقَةٍ أَوْ زِنًا لَمْ يَكُنْ لِتُهْمَةٍ بِهَا تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْبِسَهُ لِكَشْفٍ وَلاَ اسْتِبْرَاءٍ وَلاَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِأَسْبَابِ الإْقْرَارِ إِجْبَارًا وَلَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي السَّرِقَةِ إِلاَّ مِنْ خَصْمٍ مُسْتَحِقٍّ لِمَا قَرَفَ وَرَاعَى مَا يَبْدُو مِنْ إِقْرَارِ الْمَتْهُومِ أَوْ إِنْكَارِهِ إِنِ اتُّهِمَ بِالزِّنَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَرْأَةَ الَّتِي زَنَى بِهَا وَيَصِفَ مَا فَعَلَهُ بِهَا بِمَا يَكُونُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ فَإِنْ أَقَرَّ حَدَّهُ بِمُوجِبِ إِقْرَارِهِ وَإِنْ أَنْكَرَ وَكَانَتْ بَيِّنَةً سَمِعَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْلَفَهُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا طَلَبَ الْخَصْمُ الْيَمِينَ. وَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا الْمَتْهُومُ أَمِيرًا كَانَ لَهُ مَعَ هَذَا الْمَتْهُومِ مِنْ أَسْبَابِ الْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ مَا لَيْسَ لِلْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَذَلِكَ مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا : أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ قَرْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الإْمَارَةِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِلدَّعْوَى الْمُقَرَّرَةِ وَيَرْجِعَ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي الإْخْبَارِ عَنْ حَالِ الْمَتْهُومِ وَهَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الرِّيَبِ؟ وَهَلْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِمِثْلِ مَا قُرِفَ بِهِ أَمْ لاَ؟ فَإِنْ بَرَّءُوهُ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ خَفَّتِ التُّهَمَةُ وَوُضِعَتْ وَعَجَّلَ إِطْلاَقَهُ وَلَمْ يَغْلُظْ عَلَيْهِ وَإِنْ قَرَّفُوهُ بِأَمْثَالِهِ وَعَرَّفُوهُ بِأَشْبَاهِهِ غَلُظَتِ التُّهَمَةُ وَقَوِيَتْ وَاسْتُعْمِلَ فِيهَا مِنْ حَالِ الْكَشْفِ مَا يُنَاسِبُهُ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ.

الثَّانِي : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُرَاعِيَ شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ الْمَتْهُومِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا فَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ زِنًا وَكَانَ الْمَتْهُومُ مُطِيعًا لِلنِّسَاءِ ذَا فُكَاهَةٍ وَخَلاَبَةٍ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ، وَإِنْ كَانَتِ التُّهَمَةُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ الْمَتْهُومُ بِهَا ذَا عِيَارَةٍ أَوْ فِي بَدَنِهِ آثَارٌ لِضَرْبٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ حِينَ أُخِذَ مُنَقِّبٌ قَوِيَتِ التُّهَمَةُ وَإِنْ كَانَ بِضِدِّهِ ضَعُفَتْ وَلَيْسَ هَذَا لِلْقُضَاةِ أَيْضًا.

الثَّالِثُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يُعَجِّلَ حَبْسَ الْمَتْهُومِ لِلْكَشْفِ وَالاِسْتِبْرَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ لِذَلِكَ فَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَبْسَهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ يَتَجَاوَزُهُ وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الإْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَحْبِسُوا أَحَدًا إِلاَّ بِحَقٍّ وَجَبَ.

الرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ أَنْ يَضْرِبَ الْمَتْهُومَ ضَرْبَ التَّعْزِيرِ لاَ ضَرْبَ الْحَدِّ لِيَأْخُذَ بِالصِّدْقِ عَنْ حَالِهِ فِيمَا قُرِفَ بِهِ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اعْتُبِرَتْ حَالُهُ فِيمَا ضُرِبَ عَلَيْهِ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يَكُنْ لإِقْرَارِهِ تَحْتَ الضَّرْبِ حُكْمٌ، وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ وَأَقَرَّ تَحْتَ الضَّرْبِ قُطِعَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ فَإِذَا أَعَادَهُ كَانَ مَأْخُوذًا بِالإْقْرَارِ الثَّانِي دُونَ الأْوَّلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَلَمْ يَسْتَعِدْهُ لَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِالإْقْرَارِ الأْوَّلِ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ.

الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ عَنْهَا بِالْحُدُودِ أَنْ يَسْتَدِيمَ حَبْسَهُ إِذَا اسْتَضَرَّ النَّاسُ بِجَرَائِمِهِ حَتَّى يَمُوتَ، بَعْدَ أَنْ يَقُومَ بِقُوتِهِ وَكِسْوَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لِيَدْفَعَ ضَرَرَهُ عَنِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ.

السَّادِسُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ إِحْلاَفُ الْمَتْهُومِ اسْتِبْرَاءً لِحَالِهِ، وَتَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ فِي التُّهْمَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهُ بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إِحْلاَفُ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، وَلاَ أَنْ يُجَاوِزُوا الأَْيْمَانَ بِاللَّهِ إِلَى الطَّلاَقِ أَوِ الْعِتْقِ.

السَّابِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ أَنْ يَأْخُذَ أَهْلَ الْجَرَائِمِ بِالتَّوْبَةِ إِجْبَارًا، وَيُظْهِرَ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِمْ مَا يَقُودُهُمْ إِلَيْهَا طَوْعًا، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدَ بِالْقَتْلِ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ، لأِنَّهُ وَعِيدُ إِرْهَابٍ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْكَذِبِ إِلَى حَيِّزِ التَّعْزِيرِ وَالأْدَبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُحَقِّقَ وَعِيدَهُ بِالْقَتْلِ فَيَقْتُلَ فِيمَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقَتْلُ.

الثَّامِنُ : أَنَّهُ يَجُوزُ لِلأْمِيرِ أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ الْقُضَاةُ إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ.

التَّاسِعُ : أَنَّ لِلأْمِيرِ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِدْ غُرْمًا وَلاَ حَدًّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ مَنْ سَبَقَ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ دَعْوَى مَنْ بِهِ الأْثَرُ وَلاَ يُرَاعَى السَّبْقُ، وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ أَسْبَقِهِمَا بِالدَّعْوَى، وَيَكُونُ الْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمَهُمَا جُرْمًا وَأَغْلَظَهُمَا تَأْدِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَهُمَا فِي التَّأْدِيبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا:  بِحِسَابِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الاِقْتِرَافِ وَالتَّعَدِّي، وَالثَّانِي: بِحَسَبِ اخْتِلاَفِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ.

وَإِذَا رَأَى مِنَ الصَّلاَحِ فِي رَدْعِ السَّفِلَةِ أَنْ يُشَهِّرَهُمْ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ. فَهَذِهِ أَوْجُهٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ فِي الْجَرَائِمِ بَيْنَ نَظَرِ الأْمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ فِي حَالِ الاِسْتِبْرَاءِ وَقَبْلَ ثُبُوتِ الْحَدِّ لاِخْتِصَاصِ الأْمِيرِ بِالسِّيَاسَةِ وَاخْتِصَاصِ الْقُضَاةِ بِالأْحْكَامِ.

- وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: دَعَاوَى التُّهَمِ وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالأْفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَدَعْوَى الْقَتْلِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْعُدْوَانِ يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

فَإِنَّ الْمُتَّهَمَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، أَوْ فَاجِرًا مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يَعْرِفُ الْوَالِي وَالْحَاكِمُ حَالَهُ.

فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا.

وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهِمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الأْبْرِيَاءِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ لاَ يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلاَ فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الإْسْلاَمِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الأْئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، وَقَالَ أَحْمَدُ: قَدْ «حَبَسَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي تُهْمَةٍ،» قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ».

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إِنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي. وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنَ الأْئِمَّةِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ وَيُرْسَلُ بِلاَ حَبْسٍ وَلاَ غَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلاَقِهِ مَذْهَبًا لأِحَدٍ مِنَ الأْئِمَّةِ الأْرْبَعَةِ وَلاَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأْئِمَّةِ. وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ كِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ.

الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: لاَ يُضْرَبُ، ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ.

الْمُتَّهَمُ فِي الْقَسَامَةِ

- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَسَامَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الأْيْمَانَ تُوَجَّهُ إِلَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنْهَا وُجِّهَتِ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُوَجَّهُ تِلْكَ الأْيْمَانُ إِلَى الْمُتَّهَمِينَ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَلَفُوا لَزِمَ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ الدِّيَةُ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسَامَةٌ ف 17).

تَحْلِيفُ الْمُتَّهَمِ فِي الأْمَانَاتِ

- يَحْلِفُ الْمُودَعُ وَالْوَكِيلُ وَالْمُضَارِبُ وَكُلُّ مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (تُهْمَةٌ ف 15).

وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ دَعْوَى الرَّدِّ وَدَعْوَى الضَّيَاعِ، إِذْ إِنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ فِي دَعْوَى الرَّدِّ يَدَّعِي يَقِينًا أَنَّ الْمُودَعَ كَاذِبٌ، فَيَحْلِفُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَّهَمًا أَمْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَفِي دَعْوَى الضَّيَاعِ لاَ عِلْمَ لِرَبِّ الْوَدِيعَةِ بِحَقِيقَةِ دَعْوَى الضَّيَاعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ فَلاَ يَحْلِفُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الأْظْهَرُ أَنْ تُلْحَقَ الْيَمِينُ إِذَا قَوِيَتِ التُّهَمَةُ، وَتَسْقُطَ إِذَا ضَعُفَتْ.

وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ الْمُودَعُ مَحَلَّ تُهْمَةٍ فَوُجِّهَتْ إِلَيْهِ الْيَمِينُ وَنَكَلَ عَنْهَا ضَمِنَ وَلاَ تُرَدُّ الْيَمِينُ هُنَا. وَصِفَةُ يَمِينِ الْمُتَّهَمِ أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْتُ، وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ مَا فَرَّطْتُ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ.

الشَّكُّ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَّهَمُ

ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالأْصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ».

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (شَكٌّ ف 38).

رُجُوعُ الْمُتَّهَمِ فِي إِقْرَارِهِ

إِذَا أَقَرَّ الْمُتَّهَمُ بِحَقِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ الإْقْرَارُ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْحُدُودِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى أَنَّهُ يُحَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. أَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لاَ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالزَّكَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي إِقْرَارِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ. وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 59 - 60).

صِحَّةُ إِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ

يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ عَامَّةً شُرُوطٌ مِنْهَا:

عَدَمُ التُّهْمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ لِصِحَّةِ إِقْرَارِهِ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِي إِقْرَارِهِ؛ لأِنَّ التُّهْمَةَ تُخِلُّ بِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ فِي الإْقْرَارِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف 22 وَمَا بَعْدَهَا).

مَحْضَرٌ

التَّعْرِيفُ :

الْمَحْضَرُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ: بِمَعْنَى الْحُضُورِ وَالشُّهُودِ.

يُقَالُ: كَلَّمْتُهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ فُلاَنٍ، وَبِحَضْرَتِهِ: أَيْ بِمَشْهَدٍ مِنْهُ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الَّذِي كَتَبَ الْقَاضِي فِيهِ دَعْوَى الْخَصْمَيْنِ مُفَصَّلاً، وَلَمْ يَحْكُمْ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بَلْ كَتَبَهُ لِلتَّذَكُّرِ.

الأْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

السِّجِلُّ :

- السِّجِلُّ لُغَةً: الْكِتَابُ يُدَوَّنُ فِيهِ مَا يُرَادُ حِفْظُهُ يُقَالُ: سَجَّلَ الْقَاضِي: قَضَى وَحَكَمَ وَأَثْبَتَ حُكْمَهُ فِي السِّجِلِّ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: السِّجِلُّ: كِتَابُ الْحُكْمِ وَقَدْ سَجَّلَ عَلَيْهِ الْقَاضِي.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحْضَرِ وَالسِّجِلِّ: أَنَّ الْمَحْضَرَ لاَ يَتَضَمَّنُ النَّصَّ عَلَى الْحُكْمِ وَإِنْفَاذِهِ، أَمَا السِّجِلُّ فَفِيهِ حُكْمُ الْقَاضِي.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ :

قَالَ الْفُقَهَاءُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي كِتَابَةُ مَحْضَرٍ فِي الدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتِ الَّتِي تُرْفَعُ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ لأِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى الدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَلاَ يُمْكِنُ حِفْظُهَا إِلاَّ بِالْكِتَابَةِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا، تُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطٌ تَفْصِيلُهَا فِي (قَضَاءٌ ف 43).

وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ كِتَابَةِ الْمَحْضَرِ: إِذَا لَمْ يَطْلُبْ مَنْ لَهُ الْمَصْلَحَةُ مِنَ الْخَصْمَيْنِ كِتَابَتَهُ، فَإِنْ سَأَلَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ الْقَاضِيَ كِتَابَةَ مَا جَرَى أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَكَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ، كَأَنْ يَتَرَافَعَ خَصْمَانِ إِلَى الْقَاضِي فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِالْمُدَّعَى بِهِ أَوْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ، وَرَدَّ عَلَى الْمُدَّعِي وَحَلَفَ، وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَا جَرَى أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، فَالأْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجِبُ إِجَابَتُهُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأِنَّهُ وَثِيقَةٌ لَهُ كَالإْشْهَادِ، لأِنَّ الشَّاهِدَيْنِ رُبَّمَا نَسِيَا الشَّهَادَةَ، أَوْ نَسِيَا الْخَصْمَيْنِ فَلاَ يَذْكُرْهُمَا إِلاَّ ذَوِي خَطَّيْهِمَا وَالأْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي إِجَابَتُهُ، لأِنَّ الْكِتَابَةَ لاَ تُثْبِتُ حَقًّا.

وَيُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ، وَالأْخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ.

ثَمَنُ الْوَرَقِ الَّذِي تُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ :

- ثَمَنُ الْوَرَقِ الَّذِي تُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ وَالسِّجِلاَّتُ وَغَيْرُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، لأِنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَالٌ، أَوِ احْتِيجَ إِلَيْهِ إِلَى مَا هُوَ أَهَمُّ فَعَلَى مَنْ لَهُ الْعَمَلُ مِنْ مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ كِتَابَةَ مَا جَرَى فِي خُصُومَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ فَلاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ.

صِيغَةُ الْمَحْضَرِ

- إِنِ اخْتَارَ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ مَحْضَرًا، أَوْ سَأَلَهُ مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ مِنَ الْخَصْمَيْنِ كِتَابَتَهُ: ذَكَرَ فِيهِ مَا يَأْتِي: أ - اسْمُ الْقَاضِي الَّذِي جَرَتِ الْخُصُومَةُ أَمَامَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَنَسَبَهُ، وَمَكَانَ وِلاَيَتِهِ، وَتَارِيخَ إِقَامَةِ الدَّعْوَى، وَأَنَّهَا أَقِيمَتْ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ وَحُكْمِهِ.

ب - اسْمُ الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ كَانَ يَعْرِفُهُمَا بِاسْمَيْهِمَا وَنَسَبَيْهِمَا وَيَرْفَعُ نَسَبَيْهِمَا حَتَّى يَتَمَيَّزَا. وَإِنْ كَانَ لاَ يَعْرِفُهُمَا: كَتَبَ: حَضَرَ عِنْدِي فِي مَجْلِسِ حُكْمِي: مُدَّعٍ ذَكَرَ: أَنَّهُ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ الْفُلاَنِيُّ وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ذَكَرَ: أَنَّهُ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ الْفُلاَنِيُّ وَيَرْفَعُ نَسَبَيْهِمَا، وَيَذْكُرُ أَهَمَّ صِفَاتِهِمَا كَالْغَمَمِ، وَالنَّزْعِ، وَلَوْنِ الْعَيْنِ، وَصِفَةِ الأْنْفِ، وَالْفَمِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَاللَّوْنِ، وَالطُّولِ، وَالْقِصَرِ.

ج - الْمُدَّعَى بِهِ، وَنَوْعُهُ وَصِفَتُهُ.

د - أَقْوَالُ الْمُدَّعِي.

هـ - أَقْوَالُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ، فَإِنْ أَقَرَّ كَتَبَ: أَقَرَّ لِلْمُدَّعِي بِالْمُدَّعَى بِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ كَتَبَ إِنْكَارَهُ، وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ ذَكَرَهَا، وَإِنْ كَتَبَ الْمَحْضَرَ بِطَلَبٍ مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي كِتَابَتِهِ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ أَنَّهُ كَتَبَهُ اسْتِجَابَةً لِرَغْبَتِهِ وَذَكَرَ: أَنَّ الْبَيِّنَةَ أُقِيمَتْ أَمَامَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ؛ لأِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ.

و - أَسَمَاءُ الشُّهُودِ وَأَنْسَابُهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ.

ز - فَإِنِ اسْتَحْلَفَ الْمُنْكِرَ ذَكَرَ فِي الْمَحْضَرِ.

ح - فَإِنْ حَلَفَ وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا لِئَلاَّ يَحْلِفَ ثَانِيًا أَجَابَهُ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَأَلَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَجَابَ طَلَبَهُ.

ط - وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ كَتَبَ: فَعُرِضَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ فَنَكَلَ مِنْهَا، هَذِهِ صُورَةُ الْمَحْضَرِ.

وَإِنِ اشْتَمَلَ الْمَحْضَرُ أَسِبَابَ الْحُكْمِ، وَقَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى ثُبُوتِهَا أَمَامَ الْقَاضِي، وَسَأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْقَاضِيَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْمَحْضَرِ، لَزِمَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِهِ وَيُنْفِذَهُ، فَيَقُولُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسِبَابِ الْحُكْمِ بِالْحُجَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمَحْضَرِ: حَكَمْتُ لَهُ بِهِ، وَأَلْزَمْتُهُ الْحَقَّ.

لأِنَّ الْحُكْمَ مِنْ لَوَازِمِ الثُّبُوتِ.

مُحْضِرٌ

التَّعْرِيفُ :

الْمُحْضِرُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ فِي اللُّغَةِ: هُوَ مَنْ يُحْضِرُ الْخَصْمَ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ :

لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ مُحْضِرًا لِيُحْضِرَ الْخَصْمَ بَعْدَ الإْعْذَارِ إِلَيْهِ، وَلَوْ جَبْرًا بِطَلَبِ الْمُدَّعِي

وَلِلتَّفْصِيلِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (دَعْوَى ف 59، وَ 60 وَ 61).

أُجْرَةُ الْمُحْضِرِ :

مُؤْنَةُ الْمُحْضِرِ عَلَى الطَّالِبِ بِالإْحْضَارِ ابْتِدَاءً، فَإِنِ امْتَنَعَ وَأَحْضَرَهُ الْمُحْضِرُ جَبْرًا فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِتَعَدِّيهِ بِامْتِنَاعِهِ عَنِ الْحُضُورِ.

وَمَحَلُّ وُجُوبِ مُؤْنَةِ الْمُحْضِرِ عَلَى الطَّالِبِ أَوِ الْمَطْلُوبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ رِزْقٌ فِيهِ فَلاَ تَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.