وتبين المادة 219 ( أصبحت م 197 من القانون ) أثر الأمر الصادر بأن لا وجه لإقامة الدعوى وهو أن هذا الأمر سواء كان صادراً من قاضي التحقيق أو من غرفة المشورة يمنع من العودة إلى التحقيق إلا إذا ظهرت دلائل جديدة قبل انتهاء المدة المقررة لسقوط الدعوى العمومية ومنعاً لكل لبس في المعنى المقصود بالدلائل الجديدة نص على أنه اعتبر من الدلائل الجديدة شهادة الشهود والمحاضر والأوراق الاخرى التي لم تعرض على قاضي التحقيق أو غرفة المشورة والتي يكون من شأنها تقوية الدلائل التي وجدت غير كافية أو زيادة الإيضاح المؤدي إلى ظهور الحقيقة ولما كانت العودة إلى التحقيق بمثابة التحقيق ابتداء فقد نص على أن العودة إلى التحقيق لا تجوز إلا بناء على طلب النيابة العامة .
1 ـ يبين من نصوص المواد 197, 209, 213 من قانون الإجراءات الجنائية أنه ما دام الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية قد صدر من احدى جهات التحقيق , فلا يجوز مع بقائه قائما لعدم ظهور أدلة جديدة إقامة الدعوى عن ذات الواقعة التى صدر فيها , لأن له فى نطاق حجيته المؤقتة ما للأحكام من قوة الأمر المقضى , وهذا يجعل الدفع بسبق صدوره من أخص خصائص النظام العام , جائزاً إبداؤه لأول مرة أمام محكمة النقض بشرط أن تكون مدونات الحكم شاهدة لصحته أو مرشحة لذلك .
(الطعن رقم 1275 لسنة 39 ق - جلسة 1969/10/13 س 20 ع 3 ص 1056 ق 208)
2 ـ جرى نص المادة 213 من قانون الإجراءات الجنائية على أن الأمر الصادر من النيابة العامة بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية وفقاً للمادة 209 - أي بعد التحقيق الذي تجريه بمعرفتها أو يقوم به أحد رجال الضبط القضائي بناء على انتداب منها - لا يمنع العودة إلى التحقيق إذا ظهرت أدلة جديدة طبقاً للمادة 197 وذلك قبل انتهاء المدة المقررة لسقوط الدعوى الجنائية . وقوام الدليل الجديد هو أن يلتقي به المحقق لأول مرة بعد التقرير فى الدعوى بأن لا وجه لإقامتها . لما كان ذلك ، وكان الثابت من الاطلاع على المفردات المضمومة أنه بعد أن قيدت الأوراق برقم عوارض بالنسبة لحادث وفاة أحد المجني عليهما ، وصدر فيها أمر بالحفظ - هو فى حقيقته أمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى لسبق صدور انتداب من النيابة إلى مفتش الصحة لتوقيع الكشف الطبي على الجثة أو تشريحها لبيان سبب الوفاة - حرر محضر آخر عن الواقعة بالنسبة لوفاة المجني عليه الآخر قيد برقم جنحة وقد سئل فيه آخرون وأسفر عما يعد أدلة جديدة لم تكن قد عرضت على النيابة العامة عند إصدارها أمرها السابق ، فان ذلك مما يجيز لها العودة إلى التحقيق ويطلق حقها فى رفع الدعوى الجنائية على الجاني بناء على ما ظهر من تلك الأدلة التي جدت أمامها .
(الطعن رقم 706 لسنة 43 ق - جلسة 1973/12/16 س 24 ع 3 ص1223 ق 248)
(الطعن رقم 2505 لسنة 54 ق - جلسة 1984/12/04 س 35 ص 863 ق 192)
3 ـ من المقرر أن القانون و إن إستلزم أن يشمل الأمر الصادر بالأوجه لإقامة الدعوى الجنائية - سواء من النيابة العامة أو من مستشار الإحالة بداءة بداعم - على الأسباب التى بنى عليها فإنه لم يتطلب ذلك عند إصدار مستشار الإحالة - أو الجنح المستأنفة منعقدة فى غرفة المشورة حسب الأحوال - الأمر بتأييد أمر النيابة العامة بالأوجه لإقامة الدعوى فى الطعن المرفوع إليه عنه مما مفاده أنه إذا أورد مستشار الإحالة - أو غرفة المشورة - أسباباً للأمر الصادر منه فى هذا الصدد فأنها تعد أسباباً مكملة للأسباب التى بنى عليها أمر النيابة العامة المطروح عليه .
(الطعن رقم 2740 لسنة 51 ق - جلسة 1982/01/24 س 33 ص 80 ق 14)
6 ـ متى صدر الأمر بعدم وجود وجه بناء على أسباب عينية مثل أن الجريمة لم تقع أصلا ، أو على أنها فى ذاتها ليست من الأفعال التى يعاقب عليها القانون , فإنه يكتسب - كأحكام البراءة - حجية بالنسبة إلى جميع المساهمين فيها , ويتعدى نطاقه إليهم بطريق اللزوم وذلك بالنظر إلى وحدة الواقعة والأثر العينى للأمر وكذلك قوة الأثر القانونى للارتباط بين المتهمين فى الجريمة , فضلاً عن أن شعور العدالة فى الجماعة يتأذى حتما من المغايرة بين مصائر المساهمين فى جريمة واحدة ومن التناقض الذى يتصور أن يقع فى الأمر الواحد , إذا صدر بأن لا وجه بالنسبة لأحد المتهمين وبالإحالة بالنسبة لغيره مع اتحاد العلة , ولا كذلك إذا كان الأمر مبنيا على أحوال خاصة بأحد المساهمين دون الآخرين , فإنه لا يحوز حجية إلا فى حق من صدر لصالحه .
(الطعن رقم 1275 لسنة 39 ق - جلسة 1969/10/13 س 20 ع 3 ص 1056 ق 208)
7 ـ من المقرر أن الأمر الصادر من سلطة التحقيق بعدم وجود وجهه لاقامة الدعوى الجنائية له حجيته التى تمنع من العودة إلى الدعوى الجنائية ما دام قائما لم يلغ،فلا يجوز مع بقائه قائما إقامة الدعوى عن ذات الواقعة التى صدر الأمر فيها لأن له فى نطاق حجيته المؤقتة ما للأحكام من قوة الأمر المقتضى.
(الطعن رقم 6101 لسنة 61 ق - جلسة 1993/01/12 س 44 ع 1 ص 64 ق 5)
إلغاء الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية:
ويجوز إلغاء الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى لأحد الأسباب الآتية:
أولاً ظهور دلائل جديدة :
نصت المادة 197 إجراءات على أن الأمير الصادر من قاضي التحقيق بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى يمنع من العودة إلى التحقيق إلا إذا ظهرت دلائل جديدة قبل انتهاء المدة المقررة لسقوط الدعوى الجنائية. ويعد من الدنا الجديدة
شهادة الشهود والمحاضر والأوراق الأخرى التي لم تعرض على قاضي التحقيق، ويكون من شأنها تقوية الدلائل التي وجدت غير كافية أو زيادة الإيضاح المؤدي إلى ظهور الحقيقة. وفي هذه الحالة لا تجوز العودة إلى التحقيق إلا بناء على طلب النيابة العامة. فإذا كانت النيابة العامة هي التي تتولى التحقيق، فلا يجوز لها - طبقاً لنص المادة 213 إجراءات - العودة إلى التحقيق إذا ظهرت أدلة جديدة طبقاً للمادة 197 إجراءات.
ولما كانت الدلائل تدخل في مجال الإثبات، ومن ثم فإن هذا الإلغاء یكون غير جائز إذا كان الأمر بألا وجه صادراً لسبب قانوني، فلا يجوز الإلغاء بسبب تغير الرأي القانوني أو بسبب سوء تطبيق القانون. ويعد من قبيل ذلك الأمر بألا وجه لانعدام مسئولية المتهم لكونه مصاباً باضطراب عقلي وقت ارتكاب الجريمة، أو تحت تأثير الإكراه، أو السكر غير الاختياري. ذلك أنه أياً كانت العناصر الواقعية فإن الأمر بألا وجه صدر لسبب قانوني. ومع ذلك، يجوز إلغاء الأمر السبب قانوني إذا انضبطت الدلائل الجديدة على الوقائع المادية التي بني عليها السبب القانوني، مثل توافر الإكراه أو الاضطراب العقلي أو السكر غير الاختياري الذي أدى إلى امتناع المسئولية. كذلك لا يجوز الإلغاء إذا صدر الأمر لعدم الأهمية، لأن هذا السبب يتعلق بالملاءمة وليس مبنياً على إثبات الواقعة أو نسبتها إلى المتهم. وكذلك لا يجوز الإلغاء لتحقيق وصف قانوني آخر، فالأمر بألا وجه يشمل الواقعة بجميع أوصافها وتنسحب حجيته إلى جميع هذه الأوصاف.
ويرجع هذا السبب إلى أن الأمر بأن لا وجه ليس شأنه شأن حكم البراءة عندما يكتسب قوة الأمر المقضي فلا يجوز بعدد الرجوع إلى الدعوى الجنائية بناء على ظهور أدلة جديدة طبقاً للمادة 455 إجراءات .
ويشترط في الدلائل الجديدة ثلاثة شروط، هي:
1- أن تقوي الدلائل السابقة على صدور الأمر وتزيد إيضاح مدلولها بشأن ظهور الحقيقة. ويكون ذلك فيما يتعلق بإثبات الجريمة ونسبتها إلى المتهم، ويكفي في الدلائل أخا يمكن أن تكون أساساً للاتهام وليس بالضرورة أن تكون أساساً للإدانة، لأنها تتطلب الوصول إلى اليقين. لكن دلائل الاتهام في ذاتها يجب ألا تكون محض شهادات تسامعية أو إشاعات أو شكاوى أو بلاغات.
ولا يشترط أن تكون هذه الدلائل الجديدة وحدها هي عماد إلغاء الأمر بألا وجه، بل يكفي أن تقوي الدلائل المتوافر من قبل والتي رأت سلطة التحقيق أنا غير كافية لإصدار أمر الإحالة. والفرض هو إمكانية توافر الدلائل الجديدة بالنسبة إلى الأوامر بألا وجه لسبب موضوعي، ولكن لا يوجد ما يحول دون توافر هذه الدلائل إذا كان الأمر صادراً لسبب قانوني فتنتفی دلالته، كما إذا صدر أمر بألا وجه بسبب تقادم الدعوى الجنائية، ثم يتبين في ضوء الدلائل الجديدة توافر سبب من أسباب انقطاع التقادم.
2- ألا تكون الدلائل الجديدة ناتجة عن العودة إلى التحقيق بعد صدور الأمر بألا وجه. حيث تمثل العودة إلى التحقيق في ذاتها إلغاء للأمر، مما لا يجوز إلا في ضوء الدلائل الجديدة التي يجب أن تظهر أولا قبل الرجوع إلى التحقيق في ذات القضية التي سبق له التصرف فيها. ومن المتصور أن تكون الدلائل الجديدة ثمرة عمل من أعمال الاستدلالات التي يباشرها رجال الضبط القضائي، ويمكن أن تظهر هذه الدلائل الجديدة من خلال تحقیق ابتدائي في قضية أخرى أو بناء على تحقيق نهائي تباشره محكمة الموضوع في إحدى القضايا.
كما أنه عند استخدام حق التصدي طبقاً للمادتين 11 و 12 إجراءات وإحالة الدعوى إلى النيابة العامة لتحقيقها، إذا كانت هذه الدعوى قد صدر فيها من قبل أمر بألا وجه لا يجوز للنيابة أن تلغي هذا الأمر بناء على ظهور دلائل جديدة على هذا التحقيق، لأن إجراء التصدي في ذاته يعني إقامة الدعوى الجنائية، وهو مشروط بعدم انقضاء هذه الدعوى من قبل بصدور الأمر بألا وجه. فيجب أن يكون إلغاء الأمر لأحد الأسباب التي نص عليها القانون سابقاً على ممارسة حق التصدي وليس لاحقاً عليه.
3- أن تظهر الدلائل الجديدة قبل انتهاء المدة المقررة لانقضاء الدعوى الجنائية.
السلطة المختصة بتقييم الدلائل الجديدة:
إذا كان قاضي التحقيق هو الذي أصدر الأمر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى الجنائية، فإن النيابة العامة هي السلطة المختصة بتقييم الدلائل الجديدة إلى قاضي التحقيق الذي أصدر الأمر طبقاً للمادة 197/ 2 إجراءات لاتخاذ ما يراه لازماً حسب تقديره. هذا بخلاف الحال فيما إذا كان هذا الأمر صادراً منها، قدرت بنفسها قيمة هذه الدلائل المقدمة إليها ومدى ملاءمة عودتها إلى التحقيق في ضوئها.
ويثور البحث فيما لو كان الأمر بألا وجه صادراً من قاضي التحقيق وانتهى ندبه بانتهاء التحقق وإصداره هذا الأمر، وما إذا كان يتعين صدور قرار بندب قاضي التحقيق لتقديم الأدلة الجديدة إليه أم لا. هذا ما نراه، لأن القضية تخرج من حوزة قاضي التحقيق بمجرد تصرفه في الدعوى، فلا يملك العودة إليها إلا بناء على قرار جديد بندبه للتحقيق طبقاً للمادتين 64 و 65 إجراءات. وفي هذه الحالة لا يشترط أن يكون القاضي المندوب للعودة إلى التحقيق هو ذات القاضي الذي أصدر الأمر بألا وجه. (الدكتور/ أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية 2015، دار النهضة العربية، الكتاب الأول، الصفحة 1100)
إلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى
ليس للأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى صفة مستقرة على مثال الحكم البات، وإنما يجوز إلغاؤه بناء على أسباب حددها القانون. فإذا إلغي فقد زالت قوته، وزالت بذلك العقبة التي كانت تعترض استمرار سير الدعوى، وجاز اتخاذ إجراءات التحقيق في شأنها وإحالة المتهم إلى القضاء. ويتضح من ذلك الفرق بين قوة الأمر بأن لاوجة لإقامة الدعوى و قوة الحكم البات: فعلي حين تكون قوة الثاني نهائية، فإن قوة الأول موقوتة، بل إنها في تعبير أخر - معلقة علي شرط فاسخ، وهو طروء سبباً لإلغاء الأمر. ويتسق هذا الفارق مع طبيعة التحقيق الابتدائي، فهو مؤقت من حيث ما يخلص إليه من معلومات ونتائج، فوجب أن يتصف بذات الصفة قرار التصرف فيه. ومن أسباب إلغاء الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى ظهور دلائل جديدة.
ظهور دلائل جديدة:
نصت المادة محل التعليق على الإلغاء الضمني للأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى بناء على ظهور دلائل جديدة. وقد تطلب المشرع ثلاثة شروط لإلغاء الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى استناداً إلى هذا السبب: ظهور دلائل جديدة، وقبل انتهاء المدة المقررة لسقوط الدعوى الجنائية، وأن تطلب النيابة العامة العودة إلى التحقيق.
الشرط الأول: الدلائل الجديدة:
ذكر المشرع أمثلة للدلائل الجديدة، فأشار إلى شهادة الشهود والمحاضر والأوراق الأخرى، وهذه الأمثلة لم ترد علي سبيل الحصر، فتأخذ حكمها جميع الدلائل الأخرى، ويتعين أن يتوافر في هذه الدلائل أن تكون جديدة، وأن يكون من شأنها تقوية الدلائل التي وجدت غير كافية أو زيادة الإيضاح المؤدي إلى ظهور الحقيقة.
ويريد المشرع دلائل اتهام، أي دلائل على وقوع الجريمة، وعلى نسبتها إلى المتهم. ولا يتطلب أن تكون أدله جازمة بالإدانة، وإنما يكفي أن تكون دلائل مرجحة لها. ومن أمثلة الدلائل - بالإضافة إلى ما ذكره المشرع - عبارات صدرت عن المتهم وان لم تتضمن اعترافاً كاملاً، وارتكاب المتهم جريمة تالية مماثلة لجريمته التي صدر بشأنها الأمر، وثبوت أن المتهم الذي كان المحقق قد رجح جنونه هو مكتمل العقل، وثبوت أن المتهم يحوز خارج البلاد الأشياء التي اتهم باختلاسها.
الضابط في اعتبار الدلائل جديدة:
حددت محكمة النقض الضابط في اعتبار الدلائل جديدة بأنه "التقاء المحقق بها لأول مرة بعد التقرير في الدعوى بأن لا وجه لإقامتها ". ويعني ذلك أن الدليل يعتبر جديداً في أحد فرضين: الأول، أن يكون قد وجد أو اكتشف بعد صدور الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى. والثاني، أن يكون موجوداً ومعلوماً قبل صدور الأمر، ولكن لم يعرض علي المحقق، أي لم يلتق به. أما إذا كان الدليل قد عرض علي المحقق، فأعرض عنه، أو تفحصه فلم يعطه القيمة التي كان يتعين إعطاؤها له، فلا يجوز إلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، استناداً إلى أنه تبينت له قيمته بعد أن فحصة أو أعاد فحصه.
الشرط الأول: يتعين أن يكون من شأن الدلائل الجديدة تقوية الدلائل التي وجدت غير كافية أو زيادة الإيضاح المؤدي إلى ظهور الحقيقة: يتصل هذا الشرط بعلة إلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، فقد صدر لأن المحقق قدر عدم كفاية الأدلة، فإذا كان من شأن الدلائل الجديدة أن صارت الأدلة كافية لإقامة الدعوى، فقد زال سند الأمر، وجاز إلغاؤه، ويعني هذا الشرط أن الدلائل الجديدة قوامها عناصر إثبات يستمد منها الاقتناع بحصول الجريمة ونسبتها إلى المتهم على نحو أقوى مما كانت تفيده الدلائل الأولى. وسلطة التحقيق هي التي تقدر أن للدلائل الجديدة هذا الشان، وإنها تجيز إلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، وتراقب محكمة الموضوع هذا التقدير. ولا تراقب محكمة النقض هذا التقدير، ولكن لها أن تتحقق من ظهور دلائل جديدة عقب الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى، إذ بغير ذلك يكون إلغاء الأمر باطلاً وتكون الدعوى غير مقبولة.
وإذا أقيمت الدعوى بعد إلغاء الأمر أن لا وجه لإقامة الدعوى، فان للمحكمة أن تستند إلى الأدلة القديمة والجديدة معاً، إذ تندمج الفئتان، وتصيرا كلاً غير متجزئ، ولا يجوز أن تتخذ إجراءات التحقيق من أجل تحري الدلائل الجديدة، ذلك أن الدلائل يجب أن تظهر أولاً، ثم تتخذ بعد ذلك إجراءات التحقيق. ومؤدي ذلك أن الدلائل الجديدة يجب أن تظهر تلقائياً. ومع ذلك فإنه يجوز للضبطية القضائية أن تقوم بأعمال استدلال تستهدف تحري الدلائل الجديدة، ويجوز ذلك لعضو النيابة العامة باعتباره مأمور ضبط قضائي. وإذا استند الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى إلى أسباب واقعية فإن الدلائل الجديدة تفترض وقائع من شأنها أن تضعف من حجية الوقائع التي استند إليها الأمر. أما إذا استند إلى أسباب قانونية فان الدلائل الجديدة تفترض وقائع تنفي السبب القانوني الذي أسند إليه، كما لو كان قد استند إلى انتقاء القصد الجنائي ثم ظهرت وقائع يستخلص منها توافره. وغني عن البيان أنه لا يجوز إلغاء الأمر بأن لا وجه استناداً أي دلائل من شأنها نسبة تكييف جديدة إلى الوقائع التي صدر في شأنها الأمر، ولو كان هذا التكييف أشد.
الشرط الثاني: ظهور الدلائل الجديدة قبل انتهاء المدة المقررة لسقوط الدعوى الجنائية.
تطلب الشارع أن تظهر الدلائل الجديدة قبل أن تنقضي الدعوى الجنائية بالتقادم، ذلك أنه إذا انقضت الدعوى لم يعد متصوراً أن تتحرك مهما ظهر بعد ذلك من دليل. ويقاس على التقادم كل سبب لانقضاء الدعوى، كوفاة المتهم، ولكن إذا كانت الواقعة التي صدر في شأنها الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى قد اعتبر جنحة، ثم ظهرت دلائل جديدة تجعل منها جناية، وكان ذلك قبل أن يستكمل تقادم الدعوى الجنائية الناشئة عن الجناية مدته، فان إلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى يكون جائزاً .
الشرط الثالث طلب النيابة العامة:
إذا كان الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى صادراً عن قاضي التحقيق فلا يجوز له إلغاؤه إلا بناء على طلب النيابة العامة، أي أنه لا يجوز له إلغاؤه من تلقاء نفسه، وتعليل ذلك أن العودة هي تحريك الدعوى من جديد واستعمال لها، وهو ما تختص به النيابة العامة. ولا يجوز للمدعي المدني طلب ذلك، فالقانون لم يخوله إلا التحريك الأول للدعوى، ولم يخوله استعمالها. أما إذا كانت النيابة العامة هي التي أصدرت الأمر بان لا وجه لإقامة الدعوى، فلها عند ظهور الدلائل الجديدة - أن تقرر من تلقاء نفسها العودة إلى التحقيق. (المستشار/ إيهاب عبد المطلب، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثامنة 2016 المركز القومي للإصدارات القانونية، المجلد الثاني ، الصفحة : 133)
معنى ظهور دلائل جديدة :
أجاز القانون إلغاء الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى والعودة إلى التحقيق إذا ظهرت دلائل جديدة قبل إنقضاء الدعوى (مادة 197/ 1) وإذا كان الأمر صادراً من غير النيابة العامة فلا يجوز العودة إلى التحقيق إلا بناء على طلب النيابة العامة (مادة 197/ 3 ) والدلائل المشار إليها هما الدلائل على الإتهام أي الدلائل على وقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم ولا يشترط أن تكون أدلة جازمة بالإدانة و إنما يكفي أن تكون دلائل مرجحة لها.
وقد نصت الفقرة الثانية من المادة (197) على أنه «يعد من الدلائل الجديدة شهادة الشهود والمحاضر والأوراق الأخرى التي لم تعرض على قاضي التحقيق أو غرفة الإتهام ويكون من شأنها تقوية الدلائل التي وجدت غير كافية أو زيادة الإيضاح المؤدي إلى ظهور الحقيقة والدلائل الواردة بهذا النص ليست على سبيل الحصر. فيمكن أن يضاف إليها مثلاً أقوال المتهم التي تصدر عنه بعد صدور الأمر بأن لا وجه. وظهور جريمة من نوع الجريمة التي صدر بشأنها الأمر يكون المهتم قد إرتكبها في ظروف مماثلة وثبوت أن المتهم مكتمل العقل بعد أن كان المحقق قد رجح جنونه أو ثبوت أن المتهم يحوز خارج البلاد الأشياء التي اتهم باختلاسها.
وبالنسبة لإكتشاف سوابق المتهم فالرأي الراجح أنه إذا كانت السوابق دالة على إرتكاب المتهم جرائم من نوع الجريمة المسندة إليه. فإنها تعتبر دليلاً جديداً أما إذا كانت من نوع يختلف، كل الإختلاف عن تهمته الجديدة فإنها لا تعتبر جديداً.
ويثور التساؤل عما إذا كان يشترط في الدلائل الجديدة أن تكون قد إكتشفت بعد إنتهاء التحقيق أم يجوز أن تكون قائمة أثناء التحقيق ولم يتناولها البحث.
يذكر نص المادة (197) الدلائل الجديدة التي لم تعرض على المحقق» فيستوي بناء على ذلك الدلائل التي إكتشفت بعد إنتهاء التحقيق أو تلك التي كانت قائمة وقت التحقيق طالما أنه لم يتح وصولها إلى يد المحقق. أما إذا كانت الدلائل قد عرضت عليه أثناء التحقيق فلم يعرها إهتماماً أو لم ينتبه إلى وجودها أي لم يتعرض لبحثها على الرغم من إمكانه ذلك. فإنها لا تعتبر دلائل جديدة تجيز إعادة التحقيق فالدلائل التي يعتد بها للعودة إلى التحقيق هي تلك التي كانت مجهولة من المحقق وقت أن أصدر الأمر أو كان تحقيقها غير ميسر له من قبل إما لخفاء الدليل نفسه أو لفقدانه أحد العناصر التي تعجز المحقق عن استيفائه أو بعبارة موجزة الدلائل الجديدة هي التي يلتقي بها المحقق لأول مرة بعد التقرير في الدعوى بألا وجه لإقامتها.
ويلاحظ هنا أنه يجب أن يتم جمع هذه الدلائل الجديدة إما بواسطة مأمور الضبط القضائي من تلقاء نفسه أو بواسطة سلطة التحقيق أثناء مباشرتها التحقيق في جريمة أخرى. فلا يجوز للمحقق أن يسعى بنفسه بوصفه سلطة تحقيق إلى جمع الدلائل الجديدة لأن ذلك يعتبر في حد ذاته عودة إلى التحقيق مما يخدش حجية الأمر بعدم وجود وجه. ولكن يجوز لعضو النيابة العامة بوصفه من مأموري الضبط القضائي أن يجري من تلقاء نفسه استدلالات في هذه الجريمة للاستناد إليها فيما بعد في العود إلى التحقيق بناء على توافر الدلائل الكافية.
وقد أوجب القانون أن لا تكون العودة إلى التحقيق إلا بناء على طلب النيابة ( 197/ 3 إجراءات) ذلك أنها تعد تحقيقاً جديداً فلا يفتح إلا بناء على طلب سلطة الإتهام الأصلية وإنما يقرر العودة إلى رفضها أو إلغاء الأمر بأن لا وجه أو إبقاءه لجهة التحقيق السابق. وإذا كان هذا قد جرى بمعرفة النيابة فلها بطبيعة الحال أن تقرر بنفسها العودة إليه متى ظهرت الدلائل الجديدة. والأمر الصادر من قاضي التحقيق ومن في حكمه برفض العودة إلى التحقيق يعد أمراً قضائياً مما يجوز للنيابة أن تستأنفه. ويلاحظ هنا أن الفقرة الأخيرة من المادة (197) إجراءات والتي تنص على أنه «ولا تجوز العودة إلى التحقيق إلا بناء على طلب النيابة العامة» تحرم المدعي المدني من حق طلب العودة إلى التحقيق فلا يكون أمامه إلا تقديم ما يتحصل عليه من دلائل جديدة إلى النيابة العامة التي يكون لها وحدها حق طلب العودة إلى التحقيق.
إلغاء الأمر بناء على الطعن فيه بالإستئناف وهو ما سوف نعرض له تفصيلاً في حينه. (المستشار/ مصطفى مجدي هرجة، الموسوعة القضائية الحديثة، التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، دار محمود للنشر، المجلد الثاني ، الصفحة: 327)
